← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96629

مفردات القرآن للفراهي

عبد الحميد الفراهي

Полный текст (408 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(١) الإسلام هو العبودية، وهو تسليم النفس لرضى الله تعالى بالكلية، وبه يتقرَّبُ العبدُ إلى مولاه، ويَرْفَعُ منزلتَه حسبَ كمالِه في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) ووصَّى بها﴾ أي بملة الإسلام ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي وصى بها يعقوب بنيه قائلين لأبنائهما ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي القيام بالدين وخدمته وتعليمه للناس ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). (٢) فذكر هاهنا طرفاً من تاريخ الإسلام، وهو عهده بالله على القيام به ووصيَّته لذريته، أي جعلهم الله أمة مخصوصة لخدمة الدين. وهذا هو معنى الإسلام لله. (٣) ويقرب منه معنى "القربان" و "النذر" كما يتبين لك من القرآن حيث ذكر طرفا آخر من تاريخ إسلام إبراهيم ﵇، ودَلَّ على كمال معنى الإسلام وسماه "إحساناً"، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). فهذا هو كمال الإسلام المسمى بالإحسان. (٤) ثم ذكر طرفاً آخر من إسلام إبراهيم ﵇ حين دعا لأمة مسلمة وارثة لملّته، ولأن يبعث فيهم نبيّاً منهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قائلين ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هاهنا "علينا" من جانب تلك الأمة، وكذلك قوله

стр. 142

﴿وَأرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي أرِ هذه الأمة بوسيلة نبيّ منهم، كما صرَّحَ بذلك فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). وَلْيُعلمْ أن هذه الأمور ليست وقائعَ متبدِّدة، بل كلُّ ذلك يجتمع حول نقطة واحدة: وهي واقعة القربان. وحفظها الله بشريعة الحجّ ومناسكه، لنعلمَ تاريخَ القربانِ وإسلام إبراهيم وإسماعيل ﵉. وأخبر الله عن حالة الذين حقّقوا حجهم بقوله عز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢). فإسلام النفس لمرضاة الله هو معنى الحج والإسلام (٣). (٥) ثم عَلَّمَنَا اللهُ تعالى سعة معنى هذا الإسلام حيث قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٤). فَدَلَّ على أربعة أمور: الأول أن كل شيء أسْلَمَ لله. والثاني أن كلهم يرجعون إليه، وهذا لازم للإسلام، فإن رجعوا إلى غيره كان الإسلام باطلاً، فدَلَّ على المعاد. والثالث أن الإسلام يتحقق بإطاعة رسله، لما يظهر من سياق هذه الآية. والرابع أن الإسلام لا اختلاف فيه، فإن كلهم أسلموا لله، فدينُهم واحد، فلا مُشاجَرة فيه، كما صرح في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ

стр. 143

فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). (٦) هذا. ثم دل فيه على طرف آخر من معنى الإسلام، وهو السِّلم كما صرح به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢) الخ. (٧) ثم الإسلامُ يُنافي الشركَ. فالمسلمُ هو الموحّدُ، لأنَّ من أشرَكَ بالله لم يُسلِمْ نفسَه لله تعالى. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣). أي أنتم لستم بمسلمين. فأنتم خلاف ملة إبراهيم الذي وصَّى بَنِيه بالإسلام، كما مرّ. ولذلك قال بعد آيتين: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤). فبيّن معنى الإسلام. ويشبه هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي تولى عن الشرك، وأقبل إلى ربه كالعبد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥).

стр. 144

"وهو محسن" أي أحسن إسلامه بالاستقامة وبالأعمال الصالحة ورضى القلب. فدَلَّ على تمام معناه، لا على أمر زائد، فإن من أسلم وجهه لله لا بد أن يكون محسناً. وفي هذا التوضيح فائدتان: الأولى بيان أن العمل الحسن يلزم الإسلام. والثانية أن البقاء على الإسلام لازم. فمن أسلم مرة فكأنه عاهد بالطاعة. ولذلك قال تعالى: ﴿فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ (١). (٨) إلاَّ (٢) لها استعمالات: قال في سورة الصافات: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ (٣). وقال فيها أيضاً: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤). أي لقد ضلَّ قبلهم أكثر الأولين إلاّ ... (٥).

стр. 145

(٩) أنْ لها استعمالات: (١) تُقدَّر قبلها لامُ العلّة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (١) أيضاً: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢). أي لأن رآه استغنى. أيضاً: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣). أيضاً: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ (٤). أي لأن تؤمنوا. أيضاً: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (٥) والعلة تُراعَى وجوداً وعدماً، كقول عمرو (٦):

стр. 146

فَعَجَّلْنَا الْقِرَى أنْ تَشْتِمُونَا (١) أي لِشتمِكم، ومعناه: لئلا تشتِمونا، كما تقول: هذا دواء للحمى، أي لدفع الحمى (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٣). لحاظاً لضلالتكم، أي لكيلا تضلوا. وكذلك: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (٤). وكذلك: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (٥). أيضاً:

стр. 147

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١). أيضاً: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ (٢). ودل القرآن على تضمن النفي حيث جاء: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ (٣). فلولا تضمنت "أن" نفياً لما اتبعت بالنفي (٤). وكذلك: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ (٥). فلولا تضمنت نفياً لما أُتبِعت بقوله "أبداً" (٦). (٢) و "عن" الجارّة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٧). وأيضاً: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ (٨).

стр. 148

أيضاً: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (١). أيضاً: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢). أيضاً: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ﴾ (٣) الآية. (٣) و"مِنْ": ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ (٤). أي عجبوا من أن ... (٤) وباء الجر: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٥). وأيضاً: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦).

стр. 149

(٥) و"على": ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (١). أي على أن تعتدوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (٢). أيضاً: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ (٣). (٦) "أن" تأتي للبيان كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤). أيضاً: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٥). فإن أردت قدّرت "بأن صدُّوكم" أيضاً، و "حَزَناً على ألا يجدوا" ولعل منه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦). (٧) يُقدَّر قبلها أيضاً ما هي بيانه، مثلاً:

стр. 150

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ (١). أي قائلاً وآمراً أن لا تشركْ أو بأن لا تشرك. أيضا: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٢). أي تأمرك بأن تقول لنا أو تأمرنا أن ... ولعل منه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٣). أي وأمرك أن لا تسجد (٤). ولعل منه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ (٥) الآية. أي وتخافون، أو مخافة أن ... ومن (١) (٦): ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (٧). وأيضاً:

стр. 151

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (١). أيضاً: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا﴾ (٢) ومن السابع: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ (٣). أي ملهِمين أو مبشرين بأن لا تخافوا. ومن البيان قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) ألاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ (٤). ومنه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) (١٠) الإيمان هو من الأمن، فالإيمان هو: الاعتماد، ومن هاهنا: "آمَنَ بهِ" (٦): أيقن به.

стр. 152

[والفرق بين "الإيمان" و "الإيقان" أن "الإيمان": تصديق وتسليم، وضده: التكذيب، والجحود، والكفر. و "الإيقان" ضده: الظن والشك. فليس كلُّ مَن أيقن صَدَّقَ، بل ربّما (١) يكذّب المرءُ عُتوّاً ومكابرةً وقد أيقن بالشيء، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢). وكذلك ليس كلُّ من آمن فقد أيقن، فربَّما يؤمنُ الرجلُ بغلبة الظنِّ، ثمَّ يوفقه اللهُ، فيخرج عن الظن، ولكن لا يكمل الإيمان إلا بالإيقان. فالإيمان جزءان: علم وتسليم، وبكمالهما يكمل] (٣). و"آمَنَ لَه": أذعن لقوله. ["آمَنَه": أعطاه الأمن] (٤) فهذا هو الأصل لغةً. [وهو اصطلاح ديني (٥) قديم. في العبرانية؟؟؟؟ (أمن) معناه: الصدق والاعتماد، والمتعدي منه: إيمان وتصديق وتثبّت. ومنه؟؟؟؟ (آمين) (٦) كلمة تصديق] (٧).

стр. 153

ثم علّمنا القرآنُ فروعَ هذا الأصل: (١) فمنها أن المؤمن لا بد أن يتوكل على الله، كما قال تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١). (٢) ومنها أن الإيمان لكونه جزماً واعتقاداً لا بد أن يسوق إلى العمل، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢). (١١) تنازع قد تبدّل معناه (٣). وفي الصحيح التنازع هو التداول والجذب عموماً. ويستعمل للكأس والحديث. في القرآن:

стр. 154

﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ (١). أيضاً: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ (٢). أيضاً: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٣).

стр. 155

(١٢) الحُبُك [الحَبْكُ هو العَقْد، كما قال أبو دُوَاد (١): كَأنَّ الْغُضُونَ مِنَ الْفَهْدَتَينِ ... إلىَ طَرَفِ الزَّوْرِ حَبْكُ الْعُقَدْ (٢) ومنه: الإدماج والإحكام في النسج، ومنه الحِبَاك، وجمعه: الحُبُك للطرائق والأسِرَّة التي توجد في الثوب المحكم النسج وغيره. قال زهير بن أبي سلمى يصف ماء مرت عليه الريح، فأنشأت فيه غضوناً: مُكَلَّلٍ بِأُصولِ النَّبْتِ تنسُجُه ... رِيحٌ خَرِيقٌ لضَاحِي مَائِه حُبُكُ (٣)

стр. 156

و] (١) قال أبو صخر (٢): [وَمَا مُتَرَجِّزُ الآذِيِّ جَوْنٌ ... لَهُ حُبُكٌ يَطِمُّ عَلى الْجِبَالِ (٣) قال الفراء (٤) في قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ (٥): "الحبُك تكسر كلِّ شيءٍ كالرملة إذا مرَّت عليها الريح الساكنة، والماءِ القائمِ إذا مرَّت به الريح" (٦).

стр. 157

وفي حديث الدجّال: "إنَّ رأسه حُبُكٌ حُبُكٌ" (١) والسحاب يوصف بذلك، فإن الحُبُكَ فيه تجعّد قطعاتِه مثل الموج المزبِد المتراكم أو كسَبائِب القطن (٢). قال امرؤ القيس يصف القصور الشامخات المكلَّلَة بالسحب: تُلاعِبُ أولادَ الْوُعُولِ رِبَاعُها ... دُوَينَ السَّماءِ فِي رُؤوسِ المجَادلِ مُكَلَّلَةً حمراءَ ذاتَ أسرّةٍ ... لَها حُبُكٌ كأنَّها مِنْ وَصَائِلِ (٣) أي مكللة بسحب حمراء ذات طرائق (٤). وهذا وصف سحاب الشتاء من جهة لونه وقطعاته (٥). قالت الخنساء تصف السحاب الشتوي (٦):

стр. 158

حِينَ الرِّيَاحُ بَلاَئِلٌ ... نكْبٌ هَوائِجُها صوَارِدْ يَنفِينَ عَنْ لِيطِ السَّمَا ... ءِ ظَلاَئلاً وَالماءُ جَامِدْ مِزَقاً تُطَرِّدُهَا الرِّيَا ... حُ كأنَّها خِرَقٌ طَرائِدْ] (١)

стр. 159

(١٣) حَرْد التكبر والإعجاب بالقوة (١). قال قَبِيصة بن النصراني الجَرْمي (٢): إذا جِيادُ الخَيل جاءت تَردِي مملوءةً مِن غضبٍ وحَرْدِ (٣)

стр. 160

وقال جابر بن رَأْلان السِّنْبِسي (١): قد يعلم القوم أنّا يومَ نجدتِهم ... لا نَتقي بالكميّ الحاردِ الأسَلا لكنْ ترى رجُلاً في إثرِه رجلٌ ... قد غادرا رجُلاً بالقاع منجدِلا (٢) (فيه شاهد آخر، وهو: "قد يعلم" أي قد علموا وهم يعلمون) (٣).

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 162

............................

стр. 163

............................

стр. 164

(١٤) الحَقّ (١) ما هو الواقع صِدْقاً. (٢) والواجا خُلُقاً. (٣) والبيِّن ظهوراً (١).

стр. 165

فالقيامة حق، والله تعالى حق بالمعنى الأول والثالث. والعدل حق بالمعنى الثاني، والحكمة بالمعنى الثالث (١). والشواهد على المعنى الأول والثاني كثيرة، وأما المعنى الثالث فقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا﴾ (٢). (١٥) الحُكْم وَالحِكْمَة (٣) "الحكم": فعل للقضاء المطلق حقاً أو باطلاً. قال تعالى:

стр. 166

﴿ما لكم كيف تحكمون﴾ (١) أيضاً: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٢). ويطلق على القوة التي هي منشأ القضاء، وحينئذٍ يراد به الفهم. وسيأتيك شواهده (٣). وأما "الحِكْمَة" فهي اسم للقوة التي منها ينشأ القضاء بالحق. قال تعالى في نعت داود ﵇: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٤). فذكَر الأثر بعد القوة التي هي مصدر ذلك (٥) الأثر. وكما أن القول الفصل من آثار الحكمة، فكذلك طهارة الخلق وحسن الأدب من آثارها. ولذلك كانت العربُ تطلِق اسمَ الحكمة على قوة جامعة لرَزانةِ العقل والرأي، وشَرافةِ الخلق الناشئة منها. فسَمَّوا الرجلَ العاقلَ المهذبَ "حكيما". وكذلك يطلقون اسم الحكمة على فصل الخطاب، وهو: القول الحق الواضح (*) عند العقل والقلب (٦). ................................ (*) والآن انظر في نظم قوله تعالى: =

стр. 167

وكل هذه الوجوه من معاني الحكمة جاء فى كلام العرب. فاستعملها القرآن والنبي ﷺ بما عرفوه. قال النبي ﷺ : "إن مِنَ الشَعْرِ لَحِكْمَة" (١) .................................... = ﴿ ... ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. فاعلم أن المخاطب على ثلاث مدارج: خالي الذهن، ومعترف، ومنكر. وبعبارة أخرى: تخاطب أولاً، أو بعد اعتراف، أو بعد إنكار. فأولاً تخاطبه بما يتقبل عقله من الحق الواضح والخير المعروف. فهذا هو الدعوة بالحكمة. فإذا رأيت أنه مقِرّ بحسن ما تدعو إليه، ولكنه لا يوافق عمله علمه، فتحثّه على (٢) العمل بالموعظة الحسنة. وإذا رأيت أنه يخالف (٣) دعوتك فتجادله بالطريق التي هي أحسن. فالأول: إلقاء العلم، وهذا يكفي للسابقين. والثاني: جذب إلى العمل. وهذا ينفع الصالحين الذين جاء فيهم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. والثالث: إزالة العوائق، وبهذا هُدِي خلقٌ، وتمت الحجة على الآخرين. كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. وبعبارة أخرى: الدعوة بالحكمة عامة للناس، ثم هم يفترقون: فمنهم من يستمع ويميل، ومنهم من يجادل. فللأول "الموعظة"، وللثاني "حسن المجادلة" [حاشية المؤلف].

стр. 168

أي ليس كل شعر غواية، بل منه ما يتضمن على الحق (١) والحث على الخير. هذا. ثم استعملها الله تعالى في أكمل أفرادها، فسمى الوحي "حكمةً" كما سماه "نوراً"، و "برهاناً"، و "ذِكراً" و "رحمةً". ومن هذه الجهة سَمَّى القرآنَ "حكيماً" أي ذا حكمة، كما سمَّى نفسه حكيماً وعليماً. فهذه وجوه. فإذا سمّى القرآن "كتاباً" و "حكمة" معاً، فذلك من جهتين: سمى "كتاباً" من [جهة] (٢) كونه مشتملاً على الأحكام المكتوبة، و "حكمة" من جهة اشتماله على حكمة الشرائع من العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة. واستدللنا على هذا الفرق من تتبع استعمال الكلمتين معاً، ومما علمنا من استعمال "الكتاب" للأحكام و "الحكمة" لأصولها. وتسامح بعض أهل العلم في هذا المقام، وتبعه الإمام الشافعي ﵀، وتبعه أكثر المحدثين، فظنوا أن "الحكمة" أريد بها الحديث (٣)، فإنّ

стр. 169

............................

стр. 170

الكتاب كتاب الله. ومثار الخطأ أنهم أخطأوا معنى "الكتاب" حيث جاء مع الحكمة. والدليل على ما قلنا آيات: فمنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١). وهكذا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢). وكلمة (يتلى) و (أنزل) لم يستعملها القرآن للحديث. نعم إن الحديث ربما يتضمن الحكمةَ، ولا شك أن الحديث ربما يبيّن ما في القرآن من الحكمة. ولعل مراد الذين تبعهم الإمام ﵀ كان هذا. ولكن الحديث يشتمل على الأحكام، كما أنه يشتمل على الحكمة، فلا وجه لتخصيصه باسم (الحكمة).

стр. 171

وجاء أوضح من ذلك حيث قال تعالى بعد ذكر ما قضى من أصول الدين: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (١). وقال تعالى في صفة عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٢). فسمى التوراة "كتاباً"، لأن معظمها الأحكام، والإنجيلَ "حكمة" لما كثر فيه الدلائل والمواعظ، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). فكان الإنجيل مشتملاً على هدى ونور، وهدى وموعظة، وعلى قليل من الأحكام وتصديق التوراة. ولغلبة الأمر الأول سمي "حكمة". ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ (٤). فاتضح أن تأويل "الحكمة" إلى الأَحاديث غير صحيح، وأن اسمَ "الكتاب" إذا يُتبَع بالحكمةِ (٥) فالمراد منه الأحكام. فلا تنسَ هذا الفرق. رجعنا إلى بيان معنى "الحكم"، فاعلم أنه أيضاً مثل "الحكمة" يُطلق على القولِ المشتملِ على القضاء الحقِ الواضحِ الذىِ قُضي بالعلم. وهذا من

стр. 172

استعمال الكلمة العامّة في أحسن أفرادها (١). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (٢). وهكذا استعمال "الحكم" في معنى القوة، إذا أريد به الفهم الصائب. قال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ (٣). أي آتيناه صفاتٍ ثلاثاً: الفهمَ، والمحبةَ، وطهارةَ الأخلاق. فاتَّصَفَ حسبَ ذلك، فصار تقياً: فاجتنب ما يَضر، وأحبَّ والدَيه، وحسن خلقه: فلم يَظلم مَن دونه، ولم يُسخِط مَن فوقه. وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ﴾ (٤) الآية. فذكر "العلم" بعد "الحكم" ليعلم أن "الحكم" هاهنا هو الحكم المطلق، فإنه لا يكون إلا بالعلم. وهكذا قوله تعالى في موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٥). وأيضاً: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ

стр. 173

﴿شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١). وأما "الحكم" بمعنى الأمر فكثير. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢).

стр. 174

(١٦) خاتمَ النبيين اعلم أن النبوّة قد خُتمت بمحمد ﷺ . وقال المسيح ﵇: "كان الناموس والأنبياء إلى يوحنّا، ومن ذلك الوقت يبشّر بملكوت الله". لوقا ١٦:١٦. فلم يجيء المسيح إلا للبشارة بملكوت الله الذي يأتي بعد. وضرب له أمثالاً تطابق نبوة (١) محمد ﷺ . ولذلك جاء في وصف المسيح ﵇ في القرآن: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢). فالنبوة قد ختمت بالمسيح في بني إسرائيل، ولكن بقيت لبني إسماعيل، ثم ختمت بمحمد ﷺ للأبد. ولذلك قال النبي ﷺ : "لا يكون بعدي إلاّ الرؤيا الصالحة" (٣).

стр. 175

(١٧) درس هذا اللفظ يوجد كثيراً في كلام العرب في معنى البلى. وأما في معنى القراءة كما يفهمون من استعمال القرآن، حيث جاء: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ (١) فلا يوجد له مثال. وزعم بعض من غير المسلمين أن هذا اللفظ أخذه النبي ﷺ من اليهود، وزاده في لغتهم (٢). وهذا بعيد. فإن النبي كيف يتكلم قوماً بلغتهم ثم يزيد فيه ما ليس منه؟ والقرآن يصرح بأنه عربي مبين، فلا يكون فيه إلاّ ما عرفته العرب. فاعلم أن "الدرس" في معنى البلى مجاز، وأصله: الحكّ والمشق، ومنه: للخَطّ (٣). قال أبو دواد: وَنُؤيٌ أَضَرَّ بِهِ السَّافِيَاءُ ... كَدَرْسٍ مِنَ النُّونِ حِينَ امَّحَى (٤)

стр. 176

أي كخط النون. وشكل النون في الخط العربي القديم هكذا: [. . .] فشبّه أمواج الرمل بهذا الشكل. وقد شبه عنترة (١) الحاجب بالنون في قوله .... (٢). ومنه كثرة الاشتغال بالقراءة. وهذا يتضح من استعمال الكلمة في كلتا اللغتين العربي والعبرانية (٣). ومن أصل المعنى: "الدرس" للجرَبِ والحَكّة. و "المدروس": الفراش الموطأ. و "الدرس" للأكل الشديد. ومنه: "درس الطعام ": داس. قال ابن ميّادة (٤):

стр. 177

هَلاّ اشتَرَيْتَ حِنْطَةً بالرُّسْتَاقْ سَمْراءَ مِمَّا دَرَسَ ابنُ مِخْرَاقْ (١) ودَرَسَ الصعبَ حتى رَاضَه. ودرستُ الكتاب بكثرةِ القراءةِ حتى خفَّ حفظُه (٢). فالدرس: كثرة القراءة. ومعنى الكلمة في العبرانية اختص بالقراءة (٣). وأما في العربي فبقيت الكلمة على السعة، وأقرب إلى الأصل، إذ جاءت لكثرة القراءة، لا للقراءة، كما قال تعالى: ﴿وَلِيَقُوُلواْ دَرَسْتَ﴾ (٤). أي بالغتَ في قراءتك عليهم. وأما أنها لا توجد في هذا المعنى في أشعار العرب، فذلك لأن للشعر مجاريَ محدودة، ومعاني خاصة، فقلّما يذكرون القراءة فضلاً عن إكثارها (٥).

стр. 178

(١٨) الرحمن اسم مخصوص بالرب تعالى. والعرب عرفته، ولم يُسَمَّ له غيرُ الله إلا "رحمن اليمامة" (١) ولكن بغير حرف التعريف. فكلمة "الرحمن" لم يعرفوا بها إلا الله تعالى. فهو قريب من اسم الذات (٢). وزعم أكثر الناس خلاف ذلك، فظنّوا أن العرب لم تعرف هذا الاسم لله تعالى (٣). ومتمسكهم قوله تعالى:

стр. 179

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (١). والتأويل عندي غير ما فهموه، كما سنذكره بعد إثبات أن العرب عرفت هذا الاسم للرب تعالى (٢). [١] قال حاتم الطائي (٣): يَقُولُونَ لِي أهْلَكْتَ مَالَك فَاقْتَصِدْ ... وَمَا كُنتُ لَولاَ مَا تقولونَ سَيِّدَا كُلُوا الآنَ مِنْ رِزْقِ الإلهِ وأيْسِرُوا ... فإنَّ عَلَى الرَّحْمنِ رِزْقكُمُ غَدَا (٤)

стр. 180

(٢) وقد كانوا يسمون بعبد الرحمن في أيام الجاهلية مثل ... (١).
следующие страницы →