بمعنى بقي أثرها، ولما كان بقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه فسر الدروس بالانمحاء ثم قال: "وكذا درس الكتاب ودرست العلم: تناولت أثره بالحفظ. ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس ... ودرس البعير: صار فيه أثر جرب". فكأن أصل المعنى لهذا اللفظ عند الراغب: بقاء الأثر، ومنه تفرعت المعاني الأخرى، ولا يخفى ما فيه من التكلف والبعد.
ومثله ما ذهب إليه ابن فارس إذ جعل أصل المعنى الخفاء والخفض والعفاء، وقال: "ومن الباب درست القرآن وغيره، وذلك أنّ الدارس يتتبع ما كان قرأ، كالسالك للطريق يتتبعه".
وفي الكتاب أمثلة أخرى لتأصيل الكليات التي زعم المستشرقون أنها مأخوذة من أهل الكتاب نحو سفرة، وسبح، والصلاة، والركوع.
(٦) النشرة الأولى للكتاب:
بقيت مسودة هذا الكتاب الجليل بعد وفاة المؤلف ﵀ -كغيرها من آثاره- عند أخص أصحابه إلى أن أنشأوا سنة ١٣٥٥ هـ مؤسسة سموها باسم شيخهم "الدائرة الحميدية". وكان من أعظم أهدافها نشر مؤلفات الإمام الفراهي ﵀ وترجمتها باللغة الأردية. وأسسوا لتحقيق هذا الغرض مطبعة، وأصدروا مجلة شهرية بالأردية سميت "الإصلاح". وذكر الشيخ أمين أحسن الإصلاحي في افتتاحية العدد الأول منها الذي صدر في شهر شوال سنة ١٣٥٤هـ (يناير سنة ١٩٣٦م) أنه سيتولى هو الشؤون الإدارية للدائرة، وتحرير المجلة، وترجمة مؤلفات الإمام بالأردية. أما تصحيح الأصول المسودات وإعدادها للنشر فوكل إلى الشيخ أختر أحسن الإصلاحي. وقام بإدارة المطبعة والإشراف على أعمالها الشيخ عبد الأحد الإصلاحي ومساعده الشيخ عزيز الرحمن الإصلاحي.
وأعلن في افتتاحية عدد جمادى الأولى سنة ١٣٥٨ هـ (يوليو ١٩٣٩م) بأنه سيصدر كتاب الأساليب وأصول التأويل والمفردات في مجموعة واحدة. ومما ورد في الافتتاحية عن كتاب المفردات:
стр. 72
"كان في إعداده صعوبات، ويشتغل به في هذه الأيام الشيخ أختر أحسن، وسينجز عمله في وقت قريب إن شاء الله. وبعد أن ينظر فيه مولانا السيد سليمان الندوي، يدفع إلى الكاتب".
وبعد ثلاثة أشهر طلعت في شهر رمضان ١٣٥٨ هـ (نوفمبر ١٩٣٣ م) بافتتاحيتها التي جاء فيها بعنوان "هديتنا في شهر ديسمبر":
"في ديسمبر العام الماضي أهدينا إلى المشتركين في مجلة الإصلاح كتاب (فاتحة نظام القرآن). ونريد أن نقدم إليهم هذا العام من مخطوطات الأستاذ الإمام أصول التأويل وكتاب الأساليب ومفردات القرآن. ونتوقع أن هذه المجموعة ستأتي في مائة صفحة. فإن زاد حجمها حذفنا منها إحدى الرسائل المذكورة. ولعل كتابة المجموعة مع طبعها تستغرق زمناً أطول مما يستغرقه عدد واحد من المجلة، فيطول انتظار القراء! ".
وقد نقلت هذين النصين لما فيهما من دلالات مهمة تفيدنا في معرفة طبيعة النشرة الأولى من كتاب المفردات. ومنها:
١ - أنهم واجهوا صعوبات في إعداد كتاب المفردات للنشر.
٢ - الذي أعده للنشر هو الشيخ أختر أحسن الإصلاحي ﵀.
٣ - قبل دفع المسودة إلى الكاتب كانوا يرغبون في أن يراجعه العلامة السيد سليمان الندوي ﵀.
وصدر كتاب المفردات، في طبعة حجريه بالخط الفارسي ولم يضم إليه الكتابان الآخران إذ بلغ عدد صفحاته وحده ٧٨ (٤+٧٤) صفحة، وأهدي إلى قراء المجلة مكان عدد ديسمبر منها. وبصدوره توقفت المجلة بعدما استمرت أربع سنوات، وكانت من أرقى المجلات العلمية في اللغة الأردية، وذلك لضعف الإمكانات المادية. وجاءت هذه النشرة خلواً من مقدمة الناشر، مع أنها كانت أهم مما حرصوا عليه من إثبات اسم المشرف على طبع الكتاب، وهو الشيخ عبد الأحد الإصلاحي ﵀، ولولا مسودة الكتاب التي وصلت إلينا
стр. 73
ثم ما بينه الشيخ أمين أحسن ﵀ في افتتاحية مجلة الإصلاح لما عرفنا شيئاً عمن أعد الكتاب للنشر ولا عن منهجه في إعداده.
وقد تبين من مراجعة المسودة أن الكتاب المطبوع إذا كان أصله من تأليف الإمام الفراهي فإنه من صنعة الشيخ أختر أحسن الإصلاحي ﵀.
ويمكن أن نلخص منهجه في خدمة الكتاب في النقاط الآتية:
١ - لما كان أصل المؤلف مسودة، وقد اعتمد في كثير مما علقه على ذاكرته، ولم يتمكن من إعادة النظر، بقي فيه أشياء من السهو والوهم وسبق القلم، فصحح الناشر هذه المواضع.
٢ - وجد في بعض المفردات نصوص عدة في المسودة وغيرها من كتب المؤلف، فجمع الناشر بينها وألف منها نصاً واحداً متكاملاً، كما صنع في لفظ (الآل) و (الصلاة) و (الحبك).
٣ - أضاف في بعض المواضع أبياتاً من الشواهد التي أشار إليها المؤلف في حواشي الدواوين الشعرية التي طالعها، كما فعل في (الشوى).
٤ - أكمل النقص وسد الفراغ في بعض المواضع. انظر كلمة (الدرس).
٥ - أضاف إلى الأصل ٣٤ كلمة من الكتب الأخرى للمؤلف بعدما تناولها بشيء من التعديل، لتكون منسجمة مع مادة الأصل، ورتبها مع ألفاظ الكتاب من غير تمييز بين الأصل والملحق.
ورحم الله الشيخ أختر أحسن الذي لم يدخر وسعاً في خدمة كتاب شيخه مع قلة المصادر، وضيق ذات اليد؛ وعمل في صمت وإخلاص، ثم زهد في ذكر اسمه بجانب اسم شيخه استصغاراً لنفسه واحتساباً لعمله.
(٧) الأصل المخطوط:
نسخة الكتاب الخطية مسودة المؤلف كما سبق، وهي محفوظة في الدائرة الحميدية. وكانت -حينما اطلعت عليها قبل نحو ٢٥ سنة- عند الشيخ بدر الدين الإصلاحي ﵀ الذي كان مدير الدائرة، وقد انتقلت بعد وفاته سنة
стр. 74
١٤١٦ هـ إلى حفيد المؤلف الدكتور عبيد الله الفراهي مدير الدائرة حالياً.
مجموع أوراق الأصل ٣٣ ورقة. ومقاس الورقة (٢.٥ × ٣٢.٥) سم.
ورد عنوان الكتاب في وجه الورقة الأولى في أعلاه "كتاب مفردات القرآن"، وبجانبه بخط مائل بين القوسين: "روابط الكتب الخمسة"، ويعني بها الكتب الآتية: مفردات القرآن، وأساليب القرآن، والتكميل في أصول التأويل، ودلائل النظام، وتاريخ القرآن. وتحت هذا العنوان بيّن موضوعات هذه الكتب وعلاقتها فيما بينها.
وفي الحاشية اليسرى من هذه الصفحة أربعة نصوص كتبها تذكرة له لكتاب المفردات وغيره، نثبتها هنا حسب ترتيبها:
١ - " (وجوه الكلام) تذكرة: قوله تعالى ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١) في إثبات المعاد. وقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٢) في إبطال الشرك. وهكذا قوله تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٣) أي من جانبه لأنذركم من ... فتفروا إلى الله. و ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤) أي من عذابه إن أشركتم به. فانظر جهات جملة واحدة. وإنما استدللنا عليها من السياق. وكذلك لكلمة واحدة وجوه، وتستدل عليها بورودها في القرآن في مواضع مختلفة ومن كلام العرب".
٢ - "تذكرة لتاريخ القرآن: الربط بين السور من وجوه مختلفة، والترتيب الزماني من بعض الوجوه لا كلها. فالتي نزلت أولاً ربما تكون آخرة لبعض الوجوه. أيضاً نذكر أوصاف القرآن من كونه بيناً وظاهراً ثم باطناً ومحكماً ثم متشابهاً".
стр. 75
٣ - "من مقاصد هذا الكتاب الفرق بين معاني الألفاظ عند نزول القرآن وبين ما صارت بعد ذلك. مثلاً "الوحي" لم يكن مختصاً بما أنزل الله على الأنبياء".
٤ - "إنما أنزل القرآن بلسان العرب. فالمعاني الشرعية مأخوذة من استعمال القرآن. فالقرآن أصل هذه المعاني، وليست هذه المعاني أصلاً للقرآن".
أما ظهر الورقة الأولى فورد فيه فهرس يشتمل على أربع وأربعين كلمة، والظاهر أن المؤلف كان ينوي تفسيرها في هذا الكتاب، كما سبق.
وبدأ الكتاب من الورقة الثانية، فكتب فيها عنوان الكتاب "مفردات القرآن"، ثم البسملة وخطبة الكتاب والمقدمات التي استغرقت ست ورقات. وتلتها المفردات القرآنية، وأولها كلمة (الآل) وآخرها كلمة (يثرب)، وعددها ٤٤ كلمة. ورتبت الألفاظ على حروف المعجم دون النظر إلى الأصول والزوائد.
والمسودة مكتوبة بخط فارسي واضح جميل، وقلما كتب المؤلف بخط النسخ، والجدير بالذكر أنه كان يكتب مسودات كتبه بقلم الرصاص، وذلك -فيما يظهر- ليسهل عليه التصحيح والتغيير فيما يكتب، وفيه توفير للورق أيضاً.
(٨) عملي في الكتاب:
اعتمدت في تحقيق النص على مسودة المؤلف، وغفر الله لشيخنا بدر الدين الإصلاحي الذي كان ضنيناً شديد الضن بمخطوطات الفراهي، ولا غرو، فكلها علق مضنة. وعلى ذلك أذن لي -ولو بعد لأي- بالنظر في المسودة أولاً، ثم أعانني -جزاه الله خيراً- على مقابلة المطبوع بها بحيث أمسك بالأصل وقرأه علي وأنا أنظر في المطبوع. ولعل ذلك كان في شهر ربيع الأول سنة ١٤٠٠ هـ. وقد توفي الشيخ في اليوم الثاني من شهر صفر سنة ١٤١٧ هـ، فتغمده الله برحمته.
وبعد توثيق النص، ميزت بين الأصل والزيادات، فالألفاظ التي أضيفت إلى الكتاب في المطبوعة، جمعتها في ملحق في آخر الكتاب، ورتبتها كترتيب الأصل، ثم قابلتها بمصادرها المطبوعة والمخطوطة من كتب المؤلف، غير كلمتين لم أجد أصلهما، فاعتمدت فيهما على الطبعة الأولى، وهما: الحكم والحكمة
стр. 76
والصالح (ص ٢٧٨) والفكر والذكر والآية (ص ٣٠٢).
أما النصوص التي زيدت لإكمال ما ورد في الأصل في تفسير الألفاظ فأبقيتها في مواضعها بعدما قابلتها بمصادرها من كتب المؤلف، وجعلتها بين معقوفين، وأشرت إلى مصادرها في الحاشية. ولم أجد بعض الزيادات -وهي نادرة- في الأصل ولا في شيء من كتبه فأثبتها في الحاشية.
رقمت الألفاظ القرآنية، وقسمت النص إلى فقرات وضبطته، وقد وضع المؤلف أحياناً خطوطاً تحت النص أو أرقاماً فوقها للتنبيه والتوضيح، فحاولت المحافظة عليها ما أمكن. فالألفاظ التي كانت تحتها خطّ طبعت بالخط البارز، أما الأرقام التي وضعها المؤلف فوق بعض الكلمات فاستعملنا لها الأرقام العربية لتمييزها عن أرقام الحواشي وغيرها.
ثم علقت على النص، وشرحته سالكاً المنهج الآتي:
- تتبعت الكتب الأخرى للمؤلف، فإذا عثرت على نص يتصل بالمفردات ويفيد في شرحها أو تأييدها أو الاستدراك عليها نقلته في الحاشية أو أشرت إليه، وكان ذلك مما أدى إلى كثرة الحواشي وطولها أحياناً.
- ترك المؤلف في بعض المواضع فراغاً ليستدركه عند تبييض الكتاب، فعنيت بسدّ ما بقي منه في المطبوعة، ومن أهم تلك المواضع ما وقع في تفسير كلمة (الرحمن).
- نبهت في التعليقات على ما وقع في الأصل من سهو أو وهم إلا أن يكون السهو في نقل الآية الكريمة فصححتها في المتن دون الإشارة إليه في الحاشية. أما ما وقع فيه من سبق القلم فقد صحح بعضه في المطبوعة، وما فاتها صححته في هذه النشرة وأشرت إليه في الحاشية.
- خرجت الشواهد من الآيات القرآنية والأحاديث والآثار والأشعار والأمثال. وعنيت بصفة خاصة بالشواهد الشعرية لأهميتها البالغة، وأحلت على ديوان الشاعر إن وجد، وإلا فعلى المجموعات الشعرية والمصادر القديمة التي وردت فيها. ومن المعجمات التي رجعت إليها في التخريج المقاييس واللسان
стр. 77
بوجه خاص. وقد خرجت قديماً بعض الشواهد من مصادرها وقد توسعت فيه ثم صدر ديوان الشاعر بتحقيق جيد، فأحلت عليه، وأوجزت في التخريج.
- فسرت الأبيات تفسيراً لغوياً موجزاً، واعتمدت في ذلك على شروح الدواوين ولسان العرب.
- ترجمت للشعراء بإيجاز شديد، وكنت قد استقصيت من قبل ذكر مصادر ترجمتهم، لأن الكتاب ليس مقصوراً على المختصين في اللغة والأدب، وربما يخفى على الدارسين والمختصين في علوم القرآن -فضلاً عن عامة الباحثين في العلوم الشرعية- زمن الشاعر وشهرته ومكانته بين شعراء العربية، والموقع موقع التوثيق والاستناد والاستشهاد على معاني ألفاظ القرآن، ثم إن الكتاب من المراجع المقررة في بعض المعاهد والجامعات الهندية، فأردت إسعافهم بأسماء جميع المصادر التي ترجمت للشاعر لعلهم يجدون بعضها في المكتبات، ولكن قررت أخيراً أن أختصر وأكتفي بالمصادر الرئيسة حتى لا يزيد حجم الكتاب. أما الأعلام الأخرى فأحلت في ترجمتها إلى مصدر أو مصدرين بالإضافة إلى كتاب الزركلي وكحالة.
- ولما كان العمل تمّ في أزمنة وأمكنة متباعدة، لم يتيسّر الاطراد في الإحالة على بعض المصادر أو طبعة من طبعاته، فرجعت مثلاً إلى بعض المعاجم الأجنبية في موضع، ثم لم أجده لأراجعه في مواضع أخرى. وحينما رجعت إلى طبعة جديدة من بعض المصادر، لكون الطبعة التي استفدت منها قديماً لم أحصل عليها فيما بعد، حرصت على النصّ على الطبعة المقصودة في مكانها. ولكن أخشى أن أكون قد سهوت عن ذلك في بعض المواضع.
- زدت على شواهد المؤلف شواهد كثيرة: منها ما وقفت عليه في قراءتي للدواوين الشعرية، ومنها ما أشار إليه المؤلف في حواشي الدواوين التي دارسها. وكانت طريقته أنه إذا مر ببيت ورد فيه لفظ من ألفاظ القرآن مما يحتاج إلى الاستشهاد عليه، قيد ذلك اللفظ بجانب البيت في الحاشية، وربما فسره أو علق على البيت، ومن أكبر تلك الدواوين كتاب شعراء النصرانية.
стр. 78
فاخترت من شواهد المؤلف وخرجتها من المصادر الموثوق بها، غير مبيح لنفسي أن أعتمد فيها على كتاب شعراء النصرانية مثلاً. وقد فاتني حينما علقت على الكتاب أن أميز بينها وبين شواهدي فاستدركت ذلك في الفهارس.
وزيادة هذه الشواهد أيضاً مما جعل التعليقات تجور على المتن في الظاهر، وليس ذلك من مذهبي في التحقيق، ولكني رأيته من صميم خدمة النص، فإن المؤلف لو قدر له أن ينجز تأليف الكتاب لنقل تلك الشواهد إلى متنه. ثم إن المواضع التي أكثرت فيها من إيراد الشواهد قد استوجبت ذلك، لأن المؤلف قد ذهب فيها مذهباً جديداً في تفسير اللفظ أو نبه على أسلوب من أساليب العربية خفي على كثير من أهل العلم وله أهميته في فهم بعض المواطن من كتاب الله .
- الألفاظ التي زيدت في المطبوعة وعددها ٣٥ كلمة وضعتها في ملحق في آخر الكتاب كما سبق. وأثبتها كما وردت في مصادرها التي نقلت منها، وأشرت في الحاشية إلى ما عولجت به في المطبوعة من بعض التصرف لتكون كأنها جزء من هذا الكتاب.
- ثم زدت أنا أيضاً ٤٢ كلمة استخرجتها من كتب المؤلف المطبوعة والمخطوطة، وجمعتها في ملحق آخر، واتبعت في تحقيقها وشرحها والتعليق عليها المنهج نفسه.
- وأخيراً صنعت فهارس متنوعة كاشفة تعين القارئ على الاستفادة من الكتاب.
وقد سألت العالم الجليل الشيخ أمانة الله الإصلاحي -من تلامذة العلامة أختر أحسن الإصلاحي ﵀ فنظر في مسودة هذا العمل، وأفادني بملحوظاته القيمة. فجزاه الله خير الجزاء، وأنعم عليه بعاجل الشفاء. وقد علّق الشيخ في بعض المواضع، فأثبتُّ تعليقاته منسوبة إليه، ورمزها حرف النون، فإن جاء تعليقه بجانب حاشيتي ختمتها بحرف الجيم للتمييز بينهما.
وهكذا حرصت في نشرتي هذه على أن أجمع فيها بين ما وضعه مؤلفه
стр. 79
الإمام الفراهي وما صنعه تلميذه العلامة أختر أحسن الإصلاحي رحمهما الله، من غير أن أفرط فيما يقتضيه منهج التحقيق. فإن نجحت في مسعاي فذلك من فضل الله وحده، وإلا فحسبي أني اجتهدت. وأسأل الله سبحانه أن يتقبل صالح أعمالنا ويغفر لنا خطايانا، وأن يجعل القرآن حجة لنا لا حجة علينا، إنه سميع مجيب.
стр. 80
كتاب
مُفرَدات القرآن
تأليف
المعلّم عبد الحميد الفراهي رحمة الله عليه
طبع
باعتناء عبد الأحد الإصلاحي
بمطبعة إصلاح سر أئمة أعظم كد
السنة ١٣٥٨هـ
(غلاف الطبعة الهندية)
стр. 81
الورقة الأولى من مسودة المؤلف
стр. 82
الورقة الثانية من المسودة
стр. 83
الورقة الأخيرة من المسودة
стр. 84
مُفْرَدَاتُ القُرْآنِ
(نَظَرَاتٌ جَدِيدَةٌ فِي تَفْسِيرِ أَلْفَاظٍ قُرْآنِيَّةٍ)
تَأليف
الإمام عبد الحميد الفراهي
صَاحِبُ تَفْسِيرِ
(نِظَامِ القُرْآنِ وَتَأْوِيلِ الفُرْقَانِ بِالفُرْقَانِ)
تَحقيق وشَرح
الدكتور محمَّد أجمل أيّوب الإصلاحي
стр. 85
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
روابط الكتب الخمسة
الكتبُ المتعلقةُ بلسان العرب من حيث دلالته على معانيه ثلاثةٌ:
١ - كتاب المفردات.
٢ - وكتاب الأساليب (١).
٣ - وكتاب أصول التأويل (٢).
ففي كتاب المفردات يُبحَث عن الألفاظ المفردة، ويُكشَف عن معانيها الخاصة، بحيث أن تتّضح لها الحدود (١)، واللوازم (٢)، وما يتّصل بها (٣)، وما يفترق (٣) عنها (٤)، وما يشابهها (٥)، وما يضادّها (٦)(٤)؛ فيحيطُ العلم بدلالة الألفاظ المفردة.
وفي كتاب الأساليب يُبحث عن دلالة التراكيب المختلفة الوجوه التي تدلّ عليها الأساليب المتنوعة، فيحيطُ العلم بما يدل عليه الكلام من المعاني حتّى يُحفظَ عمّا لا دلالة له عليه.
وفي كتاب أصول التأويل يُبيَّن عما يُؤخذ من المعاني المختلفة، وما لا يؤخذ، وما يمكن بينها الجمع.
ثم بعد ذلك يستوي السبيل إلى فهم ربط معاني القرآن من نفس القرآن.
стр. 86
وهو أحبُّ إليّ من أن يؤخذ من كتابنا "نظام القرآن" (١)، فإن العلم من طريق الاستنباط والفكر بصيرة وبيّنة. ولكن مَن لي بالمستنبطِ المتفكرِ المُفْرِغِ جهدَه في أخذ المعارف من عيونها النضّاخة إلا ما شاء الله، وفوق كلّ ذي علم عليم.
ولدفع الظنون التي بُنِيَت على الأوهام الناشئة عن قلة النظر والتأمّل في روايات جمع القرآن ومواقع تنزيلها، وضعنا كتابين:
٤ - تاريخ القرآن (٢).
٥ - ودلائل النظام (٣).
لتطمئن القلوب، وتستعدّ للنظر في نظم القرآن. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله المستعان. فمن شاء قدم النظر في كتاب التاريخ ودلائل النظام، إن كان لا يرى قلبه مطمئنّاً بأنّ كلام الله تعالى منظّم على غاية حسن النظم.
فهذه خمسة كتب في فهم ظاهر القرآن. وتليها سبعة كتب في علوم القرآن (٤)، وأوّلها كتاب الحكمة (انظر عنوان كتاب الحكمة) (٥).
стр. 87
مفردات القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدانا للإيمان. بما (١) أنعم علينا بالقرآنِ. وحفظه عن النسيان. وتحريف البيان. بما يسَّره على اللسان. وبما أحيا لغةَ بني عدنان. على تقادمِ الزمان - ثم الصلاة على سيدنا محمد الذي أيّده الله بأقوى سلطان. وأبقى برهان. بما أرسله بهذا الفرقان (٢).
أما بعد. فهذا كتاب في مفردات القرآن، جعلتُه مما نحوّل إليه في كتاب "نظام القرآن"، لكيلا نحتاج إلى تكرار بحث المفردات إلا في مواضع يسيرة يكون فيها الصحيحُ غيرَ المشهور، فنذكر بقدر ما تطمئن به القلوب السليمة.
ولا نورد في هذا الكتاب من الألفاظ إلا ما يقتضي بياناً وإيضاحاً، إمّا لبناء فهم (١) الكلام أو نظمه (٢) عليه. فإن الخطأ ربما يقع في نفس معنى الكلمة، فَيُبعِدُ عن التأويل الصحيح؛ أو في بعض وجوهه (٣)، فيُغلِقُ بابَ معرفةِ النظم. وأما عامة الكلمات فلم نتعرّض لها، وكتب اللغة والأدب كافلة به. ومع ذلك تجد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى محتوياً على جُلّ ما يقتضي الشرح من ألفاظ القرآن.
وقبل الشروع في شرح الألفاظ نقدِّم بعضَ أمورٍ كلّيةٍ تزيد الناظر بصيرة.
стр. 88
المقدمة الأولى في مقصد الكتاب وحاجتنا إليه
لا يخفى أن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام. وبعضُ الجهل بالجزء يُفضي إلى زيادة جَهلٍ بالمجموع. وإنما يسلَم المرء عن الخطأ إذا سدّ جميع أبوابه. فمن لم يتبيّن معنى الألفاظ المفردة من القرآن ثم غلق (١) * عليه باب التدبر، وأشكل (٢) عليه فهم الجملة، وخفي (٣) عنه نظم الآيات والسورة. ولو كان الضرر عدم الفهم لكان يسيراً، ولكنه أكثر وأفظع. وذلك بأن المرء قلّما يقف على جهله، بل يتجاوز موقفه، فيتوهم (١) من اللفظ ضد ما أريد، فيذهب إلى خلاف الجهة المقصودة.
ثم (٢) سوءُ فهم الكلمة ليس بأمر هين، فإنه يتجاوز إلى إساءة فهم الكلام وكلِّ ما يدل عليه من العلوم والحكم. فإنّ أجزاء الكلام يبين بعضُها (١) بعضاً للزوم التوافق بينها. مثلاً كلمة "النزع" في [س قصص: ٧٥] (٢) تبين معنى "الشهيد" هناك. فسوءُ فهمها صَرفَ عن معنى غيرها. وهكذا "الآلاء" (٣) و "الطوفان" (٤).
стр. 89
وربما (٣) ترى أن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها. فيتوجه المرء إلى سَمت (١)، كلّما مَرَّ فيه بَعُدَ عن الفهم مثلَ لفظ القسم وأدواته (٢). فلو علموا معناه تبيّن لهم تأويلُ أكثر السور التي فيها القسم. فمن لم يتبين له معنى الكلمة وحدودُها لم يتمثل له شكلُه، ولا اتضح مفهومُه. مثلاً كلمة "موارد" في بيت (٣)
ولعدم فهمهما أظلمت (١) المصرعة الثانية، وانظر كيف اختلفت الأئمة في معنى البيت: وهكذا ترى الخطأ في كلمة واحدة أنشأ مذهباً باطلاً، وأضلَّ به قوماً عظيماً، وجعل المِلّةَ الواحدةَ بَدَداً.
وكتب اللغة والغريب لا تعطيك حدودَ الكلماتِ حدّاً تامّاً (٢). وكتب السير والتفسير لا تبيّن لك بالتمام والصحة أموراً جاءَ ذكرُها في القرآن. وكتب العلوم الأخَر من العقليات والأخلاق لا تعطيك ما تضمَّن عليه (٣) القرآن
стр. 92
من الحكم والأسرار. فاحتَجنا إلى ثلاثةِ علوم:
١ - اللغة.
٢ - والتأريخ.
٣ - والحكمة.
ومن أراد التأمل الصحيح والتدبر التامّ وجب عليه أن لا يَغفُل عن التنقيد (١) فيما يأخذه من هذه العلوم كلِّها. ومن يتمسك بالقرآن، وينوِّر اللهُ عقله به، يطّلع على أغلاطٍ كثيرةٍ في كتب القوم. والضررُ يكون بقدرِ الاعتمادِ عليها والغفلةِ من التنقيد (٢). ومضرةُ كتبِ الفلسفةِ (٣) أضلُّ وأوغَلُ. فإنّ معظمَ القرآنِ الحكمةُ، وهي الأصلُ، ولا سبيلَ إلى فهمِها من القرآن دونَ الاطّلاع على معاني كلماتها المفردة، ودونَ العلمِ بصحيح علوم اللسانِ من البيان الحافل (٤) بدلائل (٥) ...
стр. 93
المقدمة الثانية في الأصول اللسانية
فنقسم أولاً مواضع الوهم من الكلمة أو الكلام:
فأولها المشكلة (١) على غير العرب أو العارف بلغتهم. والمشكلة نوعان: الأول: ما لم يتبيّن لهم معناه فأخطأوا أصل الأمر. والثاني: ما لم يتبيّن لهم الأمورُ المتعلقة به من الأحوال الصحيحة، فصارت الكلمة غيرَ دالّة على ما أريد منها.
ثم أمرُ المشتركة بين معنيَين أو أكثر. ولا يُهتدى إلى المعنى المراد في موضع خاص إلا بسياق الكلام (١) وموقعه (٢)، واختيار (٣) ما كان أحسن تأويلاً، مثلاً "المثاني" لفظ مشترك بين الآيات وغيرها (٢). فإذا علمتَ من استعمالات العرب اشتراكَ لفظ فتأمّل فيه.
стр. 94
والمشترك نوعان: لا جامعَ بين معانيه، أو جامعٌ ذُهِلَ عنه. فإن لم يُذهَل عنه فالكلمة جامعة المعاني. فربما يكون المراد بها معناها الوسيعَ الجامعَ، وربما يُراد بها طرف خاصّ من غير نظر إلى المعنى الجامع، فحينئذٍ تكون حالُه حالَ المشتركة. والدليلُ ليس إلا موقع الكلمة وجهة رباطها، مثل كلمة "آية"، فهي كلمة جامعة لكلّ ما يدلّ على شيء، وربما تستعمل للمعجزة (١).
ثم المرادفة لغيرها. وهي قسمان: المطابق لمرادفه (٢) من جميع الوجوه. وهذا قليل جدّاً. والثاني ما يوافقه من بعض الوجوه. وهذا كثير جدّاً، وفيه معظم الوهم، فربما يظنّونهما متحدتين، وكثيراً ما يكون بينهما فرق لطيف لا يفطن به (٣) غيرُ الممارس باللسان، فيلتبس (٤) عليه بعض معاني الكلام، مثلاً لفظ "الفزع" أوّل كلمة شرحها صاحب الكامل (٥) ﵀، وأخطأ فيه (٦)،
وكذلك الأزهري (١)، وألبس على الناس بلاغة آية [٥١ من سبأ] (٢).
ومِن أنفع شيء في هذا البابِ معرفةُ تفسيرِ الصحابة والتابعين فإنّهم كثيراً ما فسَّروا كلمةً بمرادفها حسبَما أريدَ في موضع خاص، وظنّ المتأخرون أنّهما متّحدان ومتطابقان من جميعِ الوجوه، فأخطأوا صحيحَ معنى الكلمة. وهذا يقع كثيراً في تفسير كلمةٍ جامعةٍ، فإنّهم يفسِّرونها بلفظٍ مرادفٍ لها ببعض الوجوه، مثلاً "توفاه الله" تفسيرُه: أماته الله (٣) فتظنهما متطابقتين، وهو وهم، فإن
стр. 98
"التوفي" أعمُّ من "الإماتة". ومثالُ الجامع في القرآن قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١).
فالتقوى هاهنا جامعة. وكذلك قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢).
فـ "الرجاء" هاهنا بمعنى جامع. والقرآن ملآن مِن الجامع. قال النبي ﷺ . "أوتيتُ جَوَامِعَ الكَلِم" (٣).
واعلم أن هذه الأقسام الأربعة من أربع تقسيمات، فإنّ لكلّ قسم مقابلاً والتقسيم ثنائي منطقي، وتحت كل تقسيم قسمان، والمجموع ثمانية أقسام: المشكلة والمعروفة، المشتركة والمنفردة، الجامعة والخاصة، المرادفة والمباينة.
ثم اعلم أن التقسيم الأول ينشأ من نسبة الكلمة إلى الناس، والثاني من نسبتها إلى عِدَّة معانٍ متباينة. والثالث من نسبتها إلى عدَّةِ معانٍ بينها أمر مشترك. والرابع من نسبتها إلى كلمة أخرى تُشارِكها أو تُبايِنها في المعنى.
...
تذكرة (٤):
(١) معنى جامع لوجوه كما قال تعالى:
﴿هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٥).
стр. 99
فالهلوع جامع، وهو ضيق الذرع. وقال تعالى:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (١).
فالصبر جامع، وهو تثبت النفس واستقامتها (٢). والقرآن ربما يُبيّن الوجوه بعد الجامع، وربما يُبيّنها في مواضع مختلفة كبيانه "الإسلام" و "الإيمان".
(٢) الفرق بين الجامع والمشترك أن المشترك إنما يراد به أحدُ معانيه، وأما الجامع فربما يُراد به المعنى الجامع، وربما يُراد به أحدُ الوجوه نصّاً لجهة النظم والباقي إشارة أو تساوِياً، أو يراد أحد الوجوه. والجامع كقوله تعالى:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣).
وكقوله:
﴿أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٤).
فكلمة "أحد" جامعة لكل ما يدل عليه من اللوازم. ومحض وجود المعنى الجامع الذي انشقّت منه المعاني لا يخرج اللفظ عن المشترك، مثل "الكتاب" للوحي، والشريعة، والعهد؛ (٥) أو "القطيعة" لجماعة من الغنم وقطع الرحم. اللهم إلا إذا أمكن الجمع بين الوجوه دخل في الجامع، فحينئذٍ يكون الفرق دقيقاً.
أيضاً في الجامع يكون دلالة اللفظ بالذات على معنى جامع، وفي المشترك ربما يكون المأخذ جامعاً ولا التفات إليه، مثلاً "العصر" مشترك بين آخر النهار والزمان الماضي (٦)، والمأخذ جامع، ولكن اللفظ لا يشير بدلالته
стр. 100
على أحد معانيه إلى معناه الآخر كما دلّ في "الصبر". فكأنّ معاني المشترك منقطعة بعضها عن بعض، فلا يجمع، وفي الجامع بقيت الوُصلة (١).
стр. 101
المقدمة الثالثة في كون القرآن خالياً عن الغريب
قد أفصحَ القرآن بكونِه (١) عربيّاً مبيناً، وقد وجدناه كذلك. فإنّ مَن مارس لغةَ العرب، ونظَرَ في أشعارهم وخُطَبهم ومحاوراتهم وَجَدَ القرآنَ أسهلَها كلِماً، وأقومَها نظماً، وأَبينَها مقالةً، وأوضحها دلالةً، وأجمعَها سَلاسةً وجَزالةً، قد أخلَص عن الوحشيّ الغريب، كما أخلَصَ عن التعقيد في التركيب. ثم يَشهد بذلك صريحُ المعقول. فإنّ الغرضَ منه التبليغ والصَّدعُ بالحق والترغيب والترهيب. وهذا يقتضي كلاماً واضحاً.
ولكن ربما يظنّون خلاف ذلك:
١ - لما رأوا العلماء صنّفوا (٢) في غريب الحديث والقرآن.
٢ - وذكروا اختلافاً كثيراً في تأويل بعض الألفاظ (٣).
стр. 102
٣ - وأوَّلوا بعضَها بلغة من الحبش والحمير والأنباط نحو كلمة "مِشكاة" (١) و "معَاذير" (٢).
٤ - ونقلوا بعضَ أخبار تدلّ على أنَّ مِن جلَّةِ الصحابة مَن لم يعلم بعضَ الكلمات منه مثل كلمة "أبّ" و "تخوّف" (٣). فهذه أربعة وجوه لذلك الظن. وندّلك على ما يزيله إن شاء الله تعالى.
فأمّا التسميةُ بالغريب فبالنسبة إلى العجم ومَن قلّ عِلمُه بالعربية. وأمّا الاختلافُ في التأويل فلِقلّةِ العلم بمواقعِ النزول وأحوالِ مَن نزل فيهم، وقلّةِ التدبّرِ في نظمِ القرآن، ووجوهٍ أخر كما نذكره فيما يأتي.
وأما كونُ بعضِ الألفاظ مِن غيرِ لغةِ قريش فإن صحّت الرواية فنحملها على بيان أصل الكلمة، فإنّه لا شك أن غيرَ واحدٍ من الألفاظ العربيةِ مجلوبة من لسانٍ آخر، مثل كلمة "سجيل" (٤) و "قسطاس" (٥) و "قنطار" (٦). وهذا لا يجعل الكلمة غريبة ولا مجهولة.
стр. 103
وأما الرواية بجهل جِلَّة الصحابة ﵃ بمعنى بعض الألفاظ فلا نثِق بصحتها (١)، لكونها خلافَ صريحِ العقل وتصريح القرآن، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٢).
﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ معناه هاهنا: وُضِّحت، فإن هذا كان اعتراضهم. وأما كونها تفصيلاً لإجمالٍ فذلك لا قدح فيه. قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٣).
وقوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي بعيد عن العقل أن يأتي الرسول بكلام لا يفهمه قومه. فأيّ فائدة لهذا الكلام؟ ولذلك قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤).
........................
تذكرة:
روَوا أنّ أبا بكر ﵁ لم يَعلم معنى ﴿وأبَّاً﴾ (٥)، أفأظهر عدم علمه بعد وفاة النبي ﷺ ؟ وأن عمر ﵁ بقي في زمان النبي ﷺ غيرَ عالم بمعنى ﴿تَخَوُّفٍ﴾ (٦). هيهات! كانت السورتان تقرآن كثيراً، وهم في صحبة النبي ﷺ ، ولم يسألوه، ولا سمعوا أحداً يسأله!
стр. 104
وقال تعالى:
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
فبيّن أن المقصود أن تعقلوا، فلذلك جعلناه عربياً وكتاباً واضحاً.
ولم يُنقل إلينا أنّ الصحابة خاصتهم ولا عامتهم ﵃ سألوا النبي ﷺ معنى كلمةٍ من القرآن، ولا حرجَ في سؤال معنى الكلمة، بل لا بدّ منه.
وقريش حكام في عُكاظ يُذعن لحكمهم شعراءُ العرب وخطباؤهم (٢).
стр. 105
أفَهُم لا يعرفون بعضَ كلمات القرآن مع كونه على غاية السهولة والعذوبة بالنسبة إلى عامَّة كلام ذلك العصر؟ فمَن كان من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنَه هُدِي إن شاء الله تعالى. وأما المتعسِّفُ فلا يُسكِتُه شيء عن المِراء. والله يَهدي من يشاء!.
فالغايةُ من هذا البحث الخلاصُ عن الجهل والشك الناشِئَين مِن سُوء فهمِ المفردات. أما الجهلُ فاثنان: الأول هو الجهل بنفس معنى الكلمة، فنفهم خلافَ المراد. والثاني هو الجهل بكيفِه وكمِّه، فيخفى علينا نظم الكلام ودلالة نسقه.
وأما الشكّ فهو أيضاً اثنان: الأول في تعيين وجه من وجوه متباينة، فنقف حَيارَى، أو نقع في الخطأ. والثاني هو التذبذب في تعيين وجه من وجوه بينها عموم وخصوص.
والخلاص من ذلك بأمرين: الأول معرفة معنى الكلمة ووجوهه وأحواله. والثاني الاعتصام بنظم الكلام.
فوضعتُ هذا الكتاب للأمر الأول، وفيه عَون على الأمر الثاني. فإن من عرف معنى الكلمة، وأحاطَ بوجوهه وما يتعلق له من الأحوال أمكنه أن يطلع على ما هو أكملُ رِباطاً وأحسنُ تأويلاً.
стр. 106
في ألفاظ القرآن
(١) من الألفاظ ما غيروا معناه لخطأ في الرأي مثل كلمة "الذكر" و "الحكمة" (١) قال بعض المحدثين: إن "الذكر" هو الحديث (٢)، وقال بعض الشيعة: إن "الذكر" هو النبي ﷺ . وأرادوا بذلك تأويل آية ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) حسب رأيهم.
(٢) تبديل معاني الألفاظ العامة صعب جداً، وقد حُفِظ لسانُ العرب.
стр. 107
(٣) إنما قال: "الذكر" عوض القرآن ليدل على أن الحفاظة (١) تتعلق بالمعنى واللفظ معاً. فإن تغيّر المعنى لم يكن "ذكرا" بل كان "قرآناً" يتلونه كما يتلو اليهود والفرق المبتدعة منا، وليسوا منا.
(٤) إذا اشتبه المعنى فطريق التوضيح تتبع (١) استعمال لفظه كما فعلنا بلفظ "عصر" (٢) و "آلاء" (٣)، والنظر (٢) في أصله، واستعماله في أخوات العربية كالعبرانية والسريانية (٤).
стр. 108
العام والخاص
(١)(١) ربما يراد من اللفظ معنى أعمّ مما يستعمل فيه عادة، ويسمونه التجريد، وربما [يراد] (٢) منه معنى أخصّ مما يستعمل فيه عادة.
أما الأول فكما في قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٣).
أي هدأ وسكن، وكما في قوله تعالى:
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٤).
أي قارب أن ينقضّ. ولا أراه من المجاز ولا من التشبيه، فلم ينسب الإرادة إليه، ولا شبّه الجدار بذوي الحسّ. وكثيراً ما يقع ذلك عند العطف والبدل مثلاً قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٥).
أي تمكنوا من الدار (٦) وقوله تعالى:
стр. 109
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا *رسولاً﴾ (١).
أي أرسل (٢).
وفي سورة الأعراف مثال في العطف (٣).
стр. 110
الحروف المقطعات
(١) الحروف المقطعة أسماء للسور، فلا شبهة في معانيها. وأما وجه التسمية فلا حاجة بنا إليه لفهم الكلام، كما لا نحتاج إلى العلم بوجه التسمية بسائر الأسماء كالأرض والسماء والنار والهواء (١) والماء (٢). ولكن العلماء