← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96629

مفردات القرآن للفراهي

عبد الحميد الفراهي

Полный текст (408 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(قال قيس ذلك يرثي الحارث بن خُوَيلد (١). وقبله: وَأبيك إنَّ الحارثَ بنَ خُوَيلِدٍ ... لأخو مُدَافَعةٍ له مَجلودُ أي: له جَلَد. إذ رُوِّحَتْ بُزْل اللِّقاحِ عشيّة ... حُدبَ الظُّهورِ ودَرُّهُنَّ زَهيدُ وبعدَه: وَإذا جبانُ القوم صَدّقَ نَفْرَهُ ... حَبْضُ القِسِيّ وضَربةٌ أُخدودُ (٢) الحبض: صوت الوَتر. ألْفَيتَه يَحمِي المُضافَ كأنَّه ... صَبحاءُ تَحمِي شِبلها وَتَحِيدُ (٣) (٤) (٣١) الطوفان إعصار مستدير يَصحبه المطرُ وفورانُ الماء. ويسمى في الرومية "سايكلون" (٥) أي الريح الدوّارة. [وفي الفارسية: "كِرْدبَاد" (الريح المدوّرة). وفي الهندية: "بَكَولا" (٦) (دائرة الريح). وكان المصويون يزعمون بإله للريح

стр. 212

الشديدة، يسمونه: "طائفون" (١)] (٢). وهكذا كان طوفان نوح ﵇، كما وصف في القرآن والصحف

стр. 213

الأولى (١). قال الراعي (٢) يصف الناقة: تُمْسِي إذَا الْعِيسُ أَدْركْنَا نكائِثَها ... خَرْقَاءَ يَعْتَادُهَا الطُّوفانُ وَالزُّؤُدُ (٣) (٣٢) العَرْش ﴿خاويةٌ على عروشها﴾ (٤) أي سقوفها. العرش: السرير المُظِلّ، سرير الملك. قائم على العرش: أي ملك. مستوٍ على العرش: حاكم على الملك بالاستقلال (٥). قال تعالى:

стр. 214

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ﴾ أي: بترتيب خاص، وإفاضة الخلق حسب استعداد. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). أي: بيده التدبير التامّ لثبوت تمام القدرة بالخلق، وتمام التدبير لرعاية الآجال والاستعداد. فلا قدرة لأحد إلا بإذنه. فلا عبودية لغيره، لكون الجميع تحت قدرته وتدبيره. فمن تذكر أول الأمور وجعلها أساس النظر أبطل الشركاءَ. (٣٣) العشي هو قبل غروب الشمس من حين يضعف نور الشمس ويصفرّ في بلاد جوها غير صافٍ. وهو وقت صلاة العصر (٢). وكانوا يصلون فيه من القديم،

стр. 215

كما نجد في كتب الأنبياء (١). في القرآن: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (٢). وأيضاً: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ (٣). (٣٤) العصر (١) الزمان الماضي (٤).

стр. 216

(٢) آخر النهار، كما قال الحارث بن حِلِّزَةَ اليَشْكُري في معلقته: آنَسَت نَبْأةً وَأَفْزَعَهَا الْقَـ ... ـنَّاصُ عَصْراً وَقَدْ دنَا الإمْسَاءُ (١) والسَّنَد على المعنى الأول كثير: قال عَبِيد بن الأبرص (٢): فَذَاكَ عَصْرٌ وَقَدْ أرَانِي ... تَحْمِلُني نَهْدَةٌ سُرْحُوبُ (٣) وقال امرؤ القيس: ألاَ عِمْ صَباحاً أيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالي ... وَهَلْ يَنْعِمَنْ مَنْ كانَ في الْعُصُرِ الْخَالي (٤)

стр. 217

وقال رُبَيعْ بن ضبُع بن وَهْب بن بَغيض بن مالك (١): أَصْبَحَ مِنِّي الشَّبَابُ قَدْ حَسَرَا ... إنْ يَنْأَ عَنِّي فَقَدْ ثَوَى عُصُرَا (٢) وقال المُتَلَمِّس (٣): عَرَفْتُ لأَصْحَابِ النَّجَائِبِ جِدَّةً ... إذَا عَرَفُوا لي فِي الْعُصُورِ الأوائلِ (٤) وقال دُرَيد بن الصِّمَّة (٥):

стр. 218

فإن لاَ تترُكِي عَذْلِي سَفَاهاً ... تَلُمْكِ عَلَيه نَفْسُكِ غَيْرَ عَصْرِ (١) أي من غير أن يمرّ بك كثير زمان (٢). وقال شُرَيح بن هانئ بن يزيد بن نَهيك بن دُريد (٣): قد عشتُ بين المشركين أعصُرا ... ثمّت أدركتُ النبيَّ المنذرا (٤) وقال مسعود بن مَصاد بن حِصن بن كعب بن عُلَيم (٥): قد كنتُ في عُصُرٍ لا شيء يَعدِلُه ... فبانَ منّي وهذا بعدَه عُصُرُ (٦) أي هذا الزمان بعد ذلك أيضاً ماضٍ ومارٌّ. وقال أبو حُزابة الوليد بن حنيفة:

стр. 219

وَكُنَّا حَسِبْنَاهُمْ فَوَارِسَ كَهْمَسٍ ... حَيُوا بَعلَما ماتُوا مِنَ الدَّهْرِ أَعْصُرَا (١) أي بعد أن كانوا ميتين حِقَباً. وقال ابن هَرْمة (٢): أذَكَرْتَ عصرَكَ أمْ شَجَتْكَ رُبُوعُ ... أمْ أنتَ مُتَّبِلُ الْفُؤَادِ مَضُوعُ (٣) أي ذكرتَ زمانك الماضي (٤).

стр. 220

............................

стр. 221

............................

стр. 222

(٣٥) غثاء ما هاج من الزبَد والنبات. وإذا استعمل للنبات فهو لِما كثر من شدة الخِصب (١)، قال القُطَامِيّ (٢) يصف وادياً: حَلُّوا بِأخْضَرَ قَدْ مَالَتْ سَرارتُهُ ... مِنْ ذِي غُثَاءٍ عَلَى الأعْرَاضِ أَنْضَادِ (٣)

стр. 223

سَرارَة الوادي: وسطه. والأعراض: هي الجوانب. والأنضاد: مُلْقّى بعضه على بعض. أي حَلُّوا بوادٍ مُعْشِبٍ قد صار ما هَاجَ (١) مِنَ النبات في وسطه أنضاداً على جوانب وسطه (٢). وقال أيضاً يصف زبد الماء:

стр. 224

وَجَاشَ الماءُ مُنْهَمِراً إلَيْهِم ... كَأَنَّ غُثَاءَهُ خِرَقٌ نِشَارُ (١) أي: كأن زبَده مُلاءة مبسوطة منشورة. وقال امرؤ القيس: كَأنَّ ذُرَى رَأسِ الْمُجَيْمِرِ غُدْوةً ... مِنَ السَّيْلِ واْلغُثّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ (٢) أي: ذرى رأس المجيمر محاطة بالزبد. فبياض الغثاء حولها جعلها شبيهاً بفلكة مغزل. ولا معنى هاهنا لقمش السيل حول الذرى، فإن المقصود هو التشبيه في الابيضاض. (٣٦) القُرْبان ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى بالتسليم له مما أعطاه تضرعاً وشكراً. فالإسلام هو القربان، وهو قربان النفس لله تعالى. والله تعالى كريم شكور، أعطى أولاً مجَّاناً، فكيف لا يزيد بعد تقديم الشكر والضراعة بين يديه. فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٣). وقدر المزيد بقدر الشكر. فلذلك صار القربان باب البركات. وقربان النفس أكبر القرابين. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٤).

стр. 225

ولا بد للقربان أن يكون أحبّ الأشياء. ولذلك وجب القربان بأبكار الثمرات في التوراة، سفر التكوين، ص ٤:٤ (١): "أنّ قايين قدّم من ثمار الأرض قرباناً للرب، وقدّم هابيل أيضاً من أبكار غنمه، ومن سِمانها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر". وهكذا في شريعة موسى ﵇ يجب قربان الأبكار (٢). وهكذا في شريعة إبراهيم ﵇ أنه أمر بقربان بِكره وأحبّ أولاده، وهو إسماعيل ﵇. وفي التوراة تصريح بذلك (٣)، ولكن اليهود أدخلوا اسم إسحاق ﵇ على سبيل التفسير. وهذا تفسير باطل، فإن إسحاق ﵇ لم يكن بكراً ولا أحبَّ إلى أبيه من إسماعيل ﵇. وتفصيل هذا في قصة إسماعيل وإسحاق ﵉ (٤). وإذ كان القربان إظهاراً للشكر والتضرع، فلا بدَّ أن يكون من قلب تقي. قال تعالى في قصة قربان هابيل وقابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥). وهكذا في قربان الحج، وهو الأضحية، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٦). ولهذا وجب الخضوع في كل صدقة وزكاة وإنفاق في سبيل الله (٧).

стр. 226

(٣٧) الكِتاب له معانٍ (١): (١) كتاب الله: كلام الله المتلوّ المنزل على رسله. (٢) قضاء الله الذي قضى به لينفّذه نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (٢). أي: أجل قضاه الربّ. (٣) ما كتب علينا من الشرائع، كما في قوله: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ﴾ (٣). (٤) كتاب مشتمل على قضائه بالمعنى الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤). (راجع عنوان الحكمة) (٥).

стр. 227

[(٥) الرسالة وما يكتبون، كما قال تعالى (١): ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). (٣٨) كشَفَ عَنْ سَاقِه (٣) شمَّر وَأسْرَعَ * قال ذو الرمة (٤): قَطَعْتُ بِنَهَّاضٍ إلَى صُعَدَائِه ... إذَا شمَّرَتْ عَنْ سَاقِ خِمْسٍ ذَلاَذِلُهْ (٥) ......................... * ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾ (سورة ن) (٦) له تأويلان: ١ - الأول: يوم يسرعون إلى الموقف، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٧).

стр. 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأيضاً: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (١). وأيضاً: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٢). وأيضاً: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (٣). ٢ - والثاني: أن لفح السعير تأكل (٤) لحم سوقهم، فيكشف عن عظمها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ (٥). فهذا ذكرهم قبل أن يدخلوا النار، فإنها تدعوهم. والشوى لحم الساق على الصحيح (٦). والتأويل الأول يؤيده كثرة نظائره وظهور معنى كشف الساق، والتأويل الثاني يؤيده ما في السياق: وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعونَ﴾ (٧). وبعده قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٨) [حاشية المؤلف].

стр. 229

(٣٩) لا ربما تأتي قبل الفعل لإثبات ضده كقوله: ﴿لا يُحِبُّ اَلظَلِمِينَ﴾ (١). أي يبغضهم (٢): ومنه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). أي يبطل ما علموه (٤)، ويعلموا خلافه: وهو أن يعلموا أنهم لا يقدرون (٥).

стр. 230

والدليل على معنى الإثبات ما جاء من قوله: ﴿وأنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ (١).

стр. 231

(٤٠) لَعَلّ تأتي للعلّة كثيراً (١).

стр. 232

(٤١) اللعنة خلاف النصر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١) وهي في اللغة: الطرد (٢). (٤٢) مَن ليس معناه: كل من. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣).

стр. 233

أي كثير من الناس لا يسجد، فحقّ عليه العذاب. ولهم عذاب الهون لما أنهم استكبروا عن الخشوع لله. فليس من يدفع عنه الهون (١). (٤٣) وَرِيد عِرق عند التَّرَاقِي. قال مُعَيَّة بن الحُمَام (٢) يرثي أخاه الحُصَين بن الحُمَام المُرِّي: صَفِيِّي وَابْنُ أُمِّي وَالْمُوَاسِي ... إذَا مَا النَّفْسُ شَارَفَتِ الْوَرِيدَا (٣) [قال أبو زُبَيد الطائي (٤): مَنْ يُرِدْني بِسَيِّئٍ كُنْتَ مِنْه ... كَالشَّجَا بَيْنَ حَلْقِهِ وَالْوَرِيدِ] (٥)

стр. 234

(٤٤) يثرب سَلاَمة بن جَنْدَل (توفي سنة ٦٠٨ بعد المسيح ﵇ (١): ألاَ هَلْ أتَى أَفْنَاءَ خِنْدِفَ كُلَّها ... وَعَيْلاَنَ إذ ضَمَّ الْخَمِيسَيْنِ يَتْرَبُ (٢) بالمثناة، وهي قرية باليمامة. لعلها بالمثلثة، وفيه اختلاف. عَبِيد بن الأبرص (سنة ٥٥٥) (٣): يَا عَيْنِ بَكِّي مَا بَنِي ... أَسَدٍ فَهُم أَهْلُ النَّدَامَهْ أهْلَ الْقِبَاب الْحُمْرِ وَالـ ... ـنَّعَمِ الْمُؤَبَّلِ وَالمُدَامَهْ وَذَوِي الْجِيَادِ اَلْجُرْدِ والْـ ... ـأَسَلِ الْمُثَقَّفَةِ الْمُقَامَه

стр. 235

فِي كَلِّ وَادٍ بَيْنَ يَثْرِبَ ... فالقَصورِ إلى اليَمَامَهْ (١) يثرب: لأن أول مَن سكنها يثرِب بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح. قيل: إن "يثرب" أرض منها مدينة الرسول (معجم البلدان) (٢). قال الفراهي: إن "يثرب" كان اسم بلد وسيع حسب سعة سكانها، ولما قلّ بنو يثرب ضاق نطاق هذا الاسم، فبقي لمدينة الرسول (٣).

стр. 236

الملحق الأول زيادات المطبوعة

стр. 237

(٤٥) الأبّ (١) الأبُّ: العُشب والمرعى، من: أبَّ يؤبُّ أبّاً وأَبَاباً وأبابَةً: نشأ وطلع (٢). وهي مادة قديمة جرى فيها تصرّفُ اللسان، فتجدها في صور متشابهة، مثلاً: أمَّ، و (٣) هَمَّ، و (٣) هَبَّ، و (٣) تَأهَّبَ (٤). فأَبَّ صورة أخرى لهَبّ. ولذلك نظائر، مثلاً: هَزَّ و (٣) أزَّ، وأرَاقَ و (٣) هَرَاقَ (٥)، قال الأعشى: أخٌ قَدْ طَوَى كَشْحاً وَأبَّ لِيَذْهَبَا (٦)

стр. 238

أي هَبَّ وهَمَّ. وإنما سُمّي المرعى "أبّاً" لنشئه أولاً بعد المطر. ومنه: إبَّان النبات. لأول خروجه. ثم توسّع، فقيل: إبّان الشباب، لمناسبة ظاهرة؛ ثم إبّان كل شيء: أوّل وقته. يقال: كُلِ الفواكهَ فِي إبَّانِها (١). وتوهّم الجوهري وغيره، فجعل الإبّان فِعَّالاً من مادة "أبن" (٢)، ولا مناسبة بينهما، فإن أبَنَه بشيء: اتهمه به، من الأُبنَةِ: وهي العقدة في العود. وإنما هو فِعْلاَن من "أبَّ" (٣) لما يدلّ عليه المناسبة بينهما، ولما تجد هذه المادة بهذا المعنى في العبرانية (٤) -وهي أخت العربية-[. . .] (أب ب) [. . .] (أب): الخضرة والثمرة. [. . .] (أبيب): السنبلة الخضراء، وأول شهورهم -وهو الربيع- لظهور النبات فيه أولاً (٥). ومما ذكرنا تبيّن أن هذه المادّة مما عرفته العرب، وإنَّما قَلّ استعمالها في أشعارهم لخفّة مرادفاتها (٦). ولكن إذا أريدَ استعمالُ كلمة جامعة وحسن موقعها

стр. 239

لم تترك، بل تكون أحسن من غيرها (١). (٤٦) الأبتر (٢) صفة (٣) من البتر: وهو القطع. وللكلمة استعمالات شتّى. والنظرُ فيها يُعينك على استنباط المعنى المراد هاهنا (٤). فنذكر استعمال هذه المادة حسب ترتيب معانيها:

стр. 240

يقال: سيف بَاتِر، أي قاطع، وبَتّار: قطاع. بَتَرَ فلان رَحِمَه (١): قطعها، الأُبَاتِر: قاطع الرحم. أبْتَرَ الرجلُ: إذا أعطى ثم منع. الحجة البَتْراء: القاطعة. في حديث الضحايا: أنه نهى عن المبتورة، وهي ما قطع ذنبها (٢). الأبْتَر من الحيّات: نوع منها قصير الذنَب. الأبتَر: مَنْ لا عَقِبَ له. في الحديث: "كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله فهو أبتر" (٣). الخطبة التي لم تبدأ بذكر الله والصلاة على رسوله سميت: بَتْرَاء (٤). الأبتر: ما لا عروة له من المزاد والدِّلاء. الأبتَران: العَير والعَبْد. البُتَيراءُ: الشمس إذا بُهِرَتْ وذَهَبتْ قُرونُها ونَبلُها (٥). فالنظرُ في هذه الأنحاء يدلّنا على أن "الأبتر" هو المقطوع عما يُفخّمه ويمدّه، حتى إن الشمس إذا بُهرت، وذهبت عنها نَبلُها، وانجردَتْ قرصاً صغيراً سميت: بُتَيْرَاءَ. وكذلك مَن بَتَر رَحِمَه، وانقطع عن عصبته وأنصاره سُمِّي: أَبْتَرَ، ولذلك سمَّوا العَير والعبد: الأبترَينِ لقلّة ناصِريهما. وعلى هذا الأصل قال قتادة (٦) في تفسير هذه الآية (٧):

стр. 241

"الأبتر: الحقير الدقيق الذليل". فتبيَّن أن معنى هذه الكلمة تدرَّج من المقطوع إلى الصغير القصير وإلى المخذول الحقير (١). (٤٧) ابن الله والربّ والأب (٢) كلمة الابن في العبرانية تستعمل لمعنيين: ١ - للنسبة، كابن السبيل، وابن الليل (٣)، أو كابن صبح (٤)، وابن حَول وسنة. ٢ - للعبد، كالرجل، والفتى، والغلام. ولفظ "الابن" ليس كلفظ "الولد"، فإنّ "الولد" صريح في الابنيّة ولذلك ترى في القرآن لم يشنّع إلاّ على لفظ "الولد"، وبيّن أنّ في استعمال لفظ "الابن" مضاهاةً بالكفر، فينبغي أن يُجتنَب. كما أنّ لفظ "الربّ" يشابه المعبود، فبيّن في القرآن أنهم أفرطوا في هذين اللفظين. وبيان ذلك تحت آية ... (٥). وهاهنا نورد أمثلةً من كتب اليهود والنصارى، لكي يتبيّن لك ما ذكرنا. ونورد ترجمتهم الباطلة بإزاء ترجمة صحيحة:

стр. 242

المزمور ٨٢ (١) ترجمتهم الباطلة الله قائم في مجمع الله (٢). في وسط الآلهة (٢) يقضي. حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار. اقضوا للذليل ولليتيم. أنصفوا المسكين والبائس. نجّوا المسكين والفقير. من يد الأشرار أنقذوا. لا يعلمون ولا يفهمون. في الظلمة يتمشّون. تتزعزع كل أسس الأرض. أنا قلت إنكم آلهة (٤) وبنوا العليّ كلكم. لكن (٥) مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون. قم يا الله دِنِ الأرض، لأنك أنت تمتلك كلّ الأمم. الترجمة الصحيحة الله قائم في مجمع الحكّام. يقضي بين الأمراء. حتى متى تقضون جوراً وتراعون جانب الشرّير. احموا (٣) المسكين واليتيم. أقسطوا للفقير والمعترّ. نجّوا المسكين وأنقذوا الفقير من يد الشرّير. لا يعلمون ولا يفقهون. وفي الظلمة يذهبون قد فسدت الأرض إلى بنيانها. أنا صيّرتكم حكاماً وخلفاء الله ولكنكم مثل العامة تغوُون وكرؤسائهم تعثرون. قم يا ربّ دِنِ الأرض. فإنّك ترث الأمم كلها. هل ترى كيف خلطوا بين الحاكم والله، والقضاء والحماية، والوصل والفصل، والموت والغواية، والابن والخليفة الخادم؟.

стр. 243

(٢) (١) كلّ ما نجد في الإنجيل من "ابن الله" فهو "عبد الله" في المعنى وكلّ ما فيه من "أبونا" أو "أبونا وأبوكم"، فهو: ربّنا وربكم، كما ترجمه القرآن. وقد منع المسيح ﵇ عن استعمال كلمة الربّ لنفسه، وقال: "ربّنا واحد -وهو الله- وأنا وأنتم إخوة". وقد بدّلت النصارى هذا التعليم الواضح. وكذبُهم بادٍ مكشوف. في متى باب ٢٣ (٦ - ١١): "ويحبّون المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيات في الأسواق، وأن يدعوهم الناس: ربي ربي (*). وأما أنتم فلا تُدعَوا: ربّي، لأنّ ربكم واحد. المسيح وأنتم جميعاً إخوة. ولا تدعوا لكم ربّاً (**) على الأرض لأن ربكم واحد. الذي في السموات. ولا تُدعَوا معلّمين، لأنّ معلمكم واحد: المسيح. وأكبركم يكون خادماً لكم". ............................... (*) في الترجمة البيروتية: سيدي سيدي. وأما أنتم فلا تدعوا سيدي لأنّ معلمكم" وهذا لا يليق بقوله: "لأنَّ". وفي الترجمة الإنكليزية: "ربي ربي. لكن لا تدعوا ربي لأنّ واحداً معلمكم، المسيح؛ وأنتم كلكم إخوة" (٢). فالمترجم فصَلَ بين (٣) قوله "المسيح" وقوله "أنتم" بعلامة، لكن الجملة التي نقلت بعد ذلك من باب ١٩ تكشف الأمر. فإنّك ترى أنهم خبطوا كلمات "ربي" و "معلم" و "سيد" و "أب". وكيف يقول المسيح: لا تدعوني صالحاً؟ فالمعلم الصالح ترجمة "ربي". ونهاهم أن يدعوه بهذا الاسم كما دعت اليهود أحبارهم بهذا الاسم. وهكذا جاء ذكر اليهود والنصارى في القرآن، حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾. فقد علمت أن النصارى سمّوا علماءهم بالرب والإله كما شهدت به كتب التاريخ. [حاشية المؤلف]. (**) في التراجم: "أباً" وهذا باطل ظاهراً. [حاشية المؤلف].

стр. 244

ثم جاء في باب ١٩ (١٦ - ١٧) (١): "وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلّم الصالح أيّ صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحاً. ليس أحد صالحاً إلا واحد -وهو الله - ولكن إن أردت (٢) الحياة فاحفظ الوصايا" (أي الشرائع). وفي تكوين (٤٥: ٨): "فالآن ليس أنتم أرسلتموني إلى هاهنا بل الله وهو قد جعلني أباً لفرعون وسيّداً لكل بيته ومتسلطاً (٣) على كل أرض مصر". في إشعياء (٥٣: ١١): "مِن تَعَبِ نفسِه يرَى ويشبَع. وعبدي البارّ بمعرفته يبرّر كثيرين وآثامهم هو يحملها". المراد من "عبدي البارّ" هو عيسى باتفاق النصارى، ولكنك تراهم حرّفوا هذه الكلمة. فتجد في مَرقُس (١٥: ٣٩): "ولما رأى قائد المئة الواقف مقابلَه أنه صرخ هكذا، وأسلم الروحَ، قال: حقاً كان هذا الإنسان ابن الله". وهكذا في مَتّى (٤). وأما في لُوقا فتجد فيه (٤٧:٢٣): "فلما رأى قائد المئة ما كان مَجَّد اللهَ قائلاً: بالحقيقة كان هذا الإنسان بارّاً". فهل ترى كيف حرّفوا ومزّقوا كلمة الوَحي!.

стр. 245

(٤٨) الاتِّقَاء (١) الاتّقاء: افتعال من: وقَى يقِي، فالمجرّد يتعدّى إلى مفعولين، كما قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ (٢). أي حفظهم عنه. وأما الافتعال منه فيتعدى إلى مفعول واحد، اتقيت الشر: تحفّظت منه، اتقيت السيف بالتُّرس: جعلتَه حاجزاً بينك وبين السيف. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). قال النابغة: سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ واتَقَتْنَا بِالْيَدِ (٤) وفي الحديث: "اتَقُوا (٥) النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" (٦). أي التمِسوا وقايةً من النار، ولو بشِقّ تمرةٍ تُعطوها (٧) الفقراءَ.

стр. 246

وربّما يُراد به -على التجريد- محضُ جعل الشيء من القدّام كالحاجز كما قال امرؤ القيس: تَصدُّ وتُبْدِي عَن أَسِيلٍ وتَتَّقِي ... بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (١) فجرّد عن مفهوم الخوف، وهو قليل. فإنّ الاتقاء في أصل معناه يكون من خوف ضرر. وعلى هذا يأتي على أربعة أوجه: (١) الأول هو التحفظ عما يخاف الضرر منه، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٢). أيضاً: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (٣). (٢) والثاني هو الخوف من شرّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٤). أيضاً: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥). أيضاً:

стр. 247

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١). (٣) والثالث هو التخشّع بين يدي المنعم القدّوس الذي يرحم على الشاكر البارِّ، ولا يرضى بالكفر والإثم، وهو العالم بكل شيء. وبهذا الوجه يشبه "الرهبة"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢). أيضا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣). أيضا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (٤). وهذا كثير. (٤) والرابع هو الوجه الجامع للوجوه الثلاثة، ويدل على التحفّظ عن الإثم من خوف نتائجه السيئة ومن خوف سخط الرب. وهذا المعنى الجامع يراد منه كثيراً إذا جاء مجرداً عن المفعول. ويعبّر عنه بالتقوى، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥). أيضاً: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٦). أيضاً:

стр. 248

﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١). أيضاَ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢). أيضاً: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). فالمتقي بهذا المعنى: من أُشِربَ قلبهُ تعظيمَ الرب وخوفَ سخطه ونتائج الإثم. ولذلك كثر في القرآن مدح المتقين ومقابلتهم بالمجرمين الطاغين. والقرآن تارةً يكتفي بهذه الكلمة الجامعة، وتارةً يفصّل معناه، وتارةً يريد الوجوه الثلاثة على سواء، وتارةً يريد وجهاً خاصاً أوّلاً وبالذات. وباقي الوجوه ثانياً حسبمَا يناسب المقام، كما هو الأصل في فهم الكلمات الجامعة. فأمّا الاكتفاء بهذا الاسم مع إرادة المعنى الجامع فكثير. وذلك حيث مدح الله المتّقين، ولم ينبّه على بعض أوصافهم الخاصة. وأما الإلماع إلى بعض وجوهه حسب محله فأيضاً كثير. ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٤). أي الذين يجتنبون الإثم مع الخشية، فإن "الفجور" هو ارتكاب الإثم مع الجسارة. أيضاً:

стр. 249

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١). الآيتان متقابلتان، كما هو ظاهر. وجاءت كلمة ﴿اتَّقَى﴾ في مقابلة ﴿استغنى﴾ فالمراد به: مَن تخشّع للرب تعالى خاشياً راجياً، فلم يستغن عنه. وأما تفصيل المعنى الجامع، فكما ترى في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢). وذكر قبله أبواب الإيمان والأعمال الصالحة، فدلَّ على أن المتقين هم الذين جمعوا هذه الصفات. واعلم أن جهة الحال والكيفية أظهرُ في معناها من جهة العمل، وجهة الكفِّ أغلبُ من جهة الفعل. ولذلك تارةً (٣) تقترن بالفعل على سبيل التقابل، كما في (٤) قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا﴾ (٥). وتارةً تقترن بالكفّ على سبيل البيان، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٦). ومع ذلك لكونها حالة هي مَنبع الأعمال، فتقترن بالإيمان على سبيل التقابل والتفصيل، كما ترى (٧) في قوله تعالى.

стр. 250

﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ (١). وهذا كثير، ثم هي منبع العلم أيضاً لكونها حالةً تصلح القلب (٢) (٤٩) إنَّ اللهَ مَعَنَا (٣) قد كثر في التوراة هذا الكلام (٤). فمن تتبّع مواقعَه فيها فهِمَ مبلغَه. وهكذا جاء في القرآن كثيراً (٥)، وموقعه المدح والرضا. ولم يستعمل (٦) هذه الكلمة في مواضع السخط والنقمة إلا بقرينة واضحة: ١٠٨:٤ (٧) ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. فإذا لم يكن معه قرينة صارفة كان نصّاً في الرضا، ولذلك ترى في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٨).
следующие страницы →