وربّما يُراد به -على التجريد- محضُ جعل الشيء من القدّام كالحاجز كما قال امرؤ القيس:
تَصدُّ وتُبْدِي عَن أَسِيلٍ وتَتَّقِي ... بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (١)
فجرّد عن مفهوم الخوف، وهو قليل. فإنّ الاتقاء في أصل معناه يكون من خوف ضرر. وعلى هذا يأتي على أربعة أوجه:
(١) الأول هو التحفظ عما يخاف الضرر منه، كما في قوله تعالى:
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٢).
أيضاً:
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (٣).
(٢) والثاني هو الخوف من شرّ، كما في قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٤).
أيضاً:
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥).
أيضاً:
стр. 247
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١).
(٣) والثالث هو التخشّع بين يدي المنعم القدّوس الذي يرحم على الشاكر البارِّ، ولا يرضى بالكفر والإثم، وهو العالم بكل شيء. وبهذا الوجه يشبه "الرهبة"، كما في قوله تعالى:
﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢).
أيضا:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣).
أيضا:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (٤).
وهذا كثير.
(٤) والرابع هو الوجه الجامع للوجوه الثلاثة، ويدل على التحفّظ عن الإثم من خوف نتائجه السيئة ومن خوف سخط الرب. وهذا المعنى الجامع يراد منه كثيراً إذا جاء مجرداً عن المفعول. ويعبّر عنه بالتقوى، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥).
أيضاً:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).
أيضاً:
стр. 248
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
أيضاَ:
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢).
أيضاً:
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣).
فالمتقي بهذا المعنى: من أُشِربَ قلبهُ تعظيمَ الرب وخوفَ سخطه ونتائج الإثم. ولذلك كثر في القرآن مدح المتقين ومقابلتهم بالمجرمين الطاغين.
والقرآن تارةً يكتفي بهذه الكلمة الجامعة، وتارةً يفصّل معناه، وتارةً يريد الوجوه الثلاثة على سواء، وتارةً يريد وجهاً خاصاً أوّلاً وبالذات. وباقي الوجوه ثانياً حسبمَا يناسب المقام، كما هو الأصل في فهم الكلمات الجامعة.
فأمّا الاكتفاء بهذا الاسم مع إرادة المعنى الجامع فكثير. وذلك حيث مدح الله المتّقين، ولم ينبّه على بعض أوصافهم الخاصة.
وأما الإلماع إلى بعض وجوهه حسب محله فأيضاً كثير. ومنه قوله تعالى:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٤).
أي الذين يجتنبون الإثم مع الخشية، فإن "الفجور" هو ارتكاب الإثم مع الجسارة.
أيضاً:
стр. 249
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١).
الآيتان متقابلتان، كما هو ظاهر. وجاءت كلمة ﴿اتَّقَى﴾ في مقابلة ﴿استغنى﴾ فالمراد به: مَن تخشّع للرب تعالى خاشياً راجياً، فلم يستغن عنه.
وأما تفصيل المعنى الجامع، فكما ترى في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢).
وذكر قبله أبواب الإيمان والأعمال الصالحة، فدلَّ على أن المتقين هم الذين جمعوا هذه الصفات.
واعلم أن جهة الحال والكيفية أظهرُ في معناها من جهة العمل، وجهة الكفِّ أغلبُ من جهة الفعل. ولذلك تارةً (٣) تقترن بالفعل على سبيل التقابل، كما في (٤) قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا﴾ (٥).
وتارةً تقترن بالكفّ على سبيل البيان، كما في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٦).
ومع ذلك لكونها حالة هي مَنبع الأعمال، فتقترن بالإيمان على سبيل التقابل والتفصيل، كما ترى (٧) في قوله تعالى.
стр. 250
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ (١).
وهذا كثير، ثم هي منبع العلم أيضاً لكونها حالةً تصلح القلب (٢)(٤٩) إنَّ اللهَ مَعَنَا (٣)
قد كثر في التوراة هذا الكلام (٤). فمن تتبّع مواقعَه فيها فهِمَ مبلغَه. وهكذا جاء في القرآن كثيراً (٥)، وموقعه المدح والرضا. ولم يستعمل (٦) هذه الكلمة في مواضع السخط والنقمة إلا بقرينة واضحة:
١٠٨:٤ (٧) ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
فإذا لم يكن معه قرينة صارفة كان نصّاً في الرضا، ولذلك ترى في قوله تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٨).
стр. 251
اكتفى بهذا اللفظ في بيان أعوانه وأنصاره ومُحِبِّيه (١).
(٥٠) أهل البَيْت (٢)
أهل البيت عبارة عن النساء، الواحد والجمع فيه سواء. ولكن الضمير الذي يرجع إليه يكون جمعاً ومذكّراً اجتناباً عن التصريح، لأجل حرمة النساء. وعلى ذلك آتيك بشهاداتٍ من القرآن وكلام العرب:
(سورة القصص: ٢٩) (٣):
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
وهكذا في سورة طه (٤).
(سورة القصص: ١٢ - ١٣):
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾.
(خروج ٢: ٧ - ٩):
"فقالت أخته لبنت فرعون: هل أذهب وأدعو لك مرضعة من نساء
стр. 252
العِبرانيين لترضع الوليد لك. وقالت بنت فرعون لها: اذهبي، وذهبت الجارية ودعت أم الوليد، وقالت بنت فرعون لها: خذي هذا الوليد وأرضعيه لي أعطك أجرك. وأخذت المرأة الوليد وأرضعته" (١).
(سورة هود: ٧٣):
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
فترى في هذه الأمثلة أن المراد من كلمة "الأهل" امرأة واحدة ولكن استعمل لها صيغة الجمع المذكر. ومع ذلك ترى أن ضمير الجمع المذكر استعمل للمرأة الواحدة في ﴿هَلْ أَدُلُكمُ﴾، ﴿يَكْفُلُوَنَهُ لَكُمْ﴾ (٢) فإذا علمت أن هذا استعمال عامّ في كلام العرب تبيّن لك معنى هذا اللفظ في القرآن حيث استعمل في ذكر أزواج (٣) النبي عليهم الصلوات (٤).
(٥١) البِرّ (١)
أصله: إيفاء الحق، فتفرَّعَ منه ما يكون إيفاءً للحقوق الأصلية من الطاعة للرب والأبوين والمواساة بالناس. ومن هذه الجهة صار بمعنى الإحسان، واشتمل الخيرات، وصار وصفاً للربّ تعالى، كما قال تعالى:
стр. 257
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (١).
ثم هو إيفاء للحقوق الناشئة بالاختيار من العهود والأيمان، ومنه: بَرَّ باليمين. ومن هذه الجهة صار مضاهئاً للعدل. فالبِرّ خلاف الإثم، والعقوق، والغَدر، والظلم. وبَرَّةُ: عَلَم له. وَالبَرُّ والبَارُّ: وصفٌ منه. هو بَرٌّ لوالده: مطيع له. وبرَّ بالقسم: أوفاه. قال زُهَير:
ومَنْ يُوفِ لا يُذمَمْ ومَنْ يُهْدَ قَلْبُه ... إلَى مُطْمَئِنِّ الْبِرِّ لا يَتَجَمْجَمِ (٢)
وقال نابغة بني ذبيان:
إنَّا اْقتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَيْنَنَا ... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ وَاحْتَمَلْتَ فَجَارِ (٣)
وقال أيضاً في قصة (٤) غدر امرئ بحيّة لدغَتْ أخاه (٥):
стр. 258
فَلَمَّا وَقَاهَا الله ضَرْبَةَ فَأسِه ... وَلِلبِرِّ عَينٌ لاَ تُعمِّضُ نَاظِرَهْ (١)
أي للعَدل عَين.
وجاء في القرآن في وصف يحيى ﵇:
﴿وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ (٢).
وقال تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣).
وأيضاً في وصف الرب تعالى:
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
وقال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥).
وقال الأعشى:
عِنْدَهُ الْبِرُّ وَالتُّقَى وَأسَا الشَّـ ... م ـقِّ وَحَمْلٌ لِلْمُعْضِلاَتِ الثِّقَالِ (٦)
стр. 259
فظهر مما مَرَّ أن للبِرّ وجهين: عاماً يشتمل جميع الخيرات، وخاصاً وهو الإيفاء بالحقوق والواجبات. وأجمع وجوه معناه: الإيفاء بحق الكبير والإحسان إلى الصغير (١).
(٥٢) التكذيب (٢)
كذَّبَ بالشيء: ضد صَدَّق به، وقد جاء في القرآن كثيراً. مثلاً:
стр. 260
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١).
﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٢).
و ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ (٣).
وأما كذَّبَه به، فجاء أيضاً. قال تعالى:
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ (٤).
أي فيما تقولون.
وفي كلّ ذلك نسب التكذيب إلى الرجال. وأما هاهنا (٥) فنسب إلى غير ذوي العقول. فإما أن يكون من قبيل نسبة الشهادة والنطق إلى الأشياء، كما قال تعالى:
﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٦).
وعلى هذا كان المعنى: فأيُّ شيء بعد هذه الشهادات يشهد بأنك كاذب في قولك بوقوع الدِّين؟.
وإمّا أن يكون التكذيب بمعنى الحمل على التكذيب، كما ذهب إليه الزمخشري (٧) ولم أجِدْ لهذا المعنى شاهداً في القرآن ولا في كلام العرب. ولو
стр. 261
ثبت لكان تأويلاً واضحاً.
وإمّا أن يكون بمعنى إلقاء الأماني والظنون، كما قال أفْنُون، وهو جاهلي (١):
ولا خَيْرَ فيما كذَّب المرءُ نَفْسَهُ ... وتَقْوَالِه لِلشيءِ يا لَيْتَ ذالِيَا (٢)
أي لا خير فيما يحدِّث المرء نفسه من الأماني والآمال الكاذبة.
وقال عَبيد بن الأبرص:
والمرءُ ما عَاشَ فِي تكذِيبٍ ... طُولُ الحياةِ لَهُ تَعْذِيبُ (٣)
стр. 262
أي ما عاش في محض الأماني غيرَ فائز بما يتمنّاه، فطول الحياة عذاب عليه.
فهذه ثلاثة معانٍ للتكذيب إذا كان متعدّياً (١).
(٥٣) التّين (٢)
المراد به: موضع خاص، عرفته العرب بهذا الاسم، لكونه مَنبِت التّين. والعرب يسمُّون المَوضع باسم ما ينبت فيه كالغَضى (٣) والشجرة (٤) والنخلة (٥). وليس ذلك خروجاً عن أصل معنى الكلمة، وإنما هو استعمالها في بعض وجوهها، بطريق تسمية الظرف بالمظروف. قال النابغة الذبياني من بني غطفان:
وَهَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ ذِي أُرُلٍ ... تُزْجِي مَعَ اللَّيلِ مِنْ صُرَّادِها صِرَمَا
صُهْبَ الظِّلالِ أتَيْنَ التِّينَ عَن عُرُضٍ ... يُزْجِينَ غَيْماً قَلِيلاً مَاؤُهُ شَبِمَا (٦)
стр. 263
أراد بالتين جبلاً في الشمال، قال الأولون: هو بين حُلْوان وهَمَدْان (١).
وأما خلافهم مِن أبي حنيفة الدِينَوَريّ (٢) مستدلاًّ بأنّ ذلك الموضع بعيد من بلاد غطَفان (٣)، فلا يلتفت إليه. فإنَّ الشعراء ربما يذكرون ما بَعُدَ عن بلادهم جدّاً.
وهذا النابغة نفسه ذكر كابُلَ (١)، وسدّ ياجوج وماجوج (٢)، وتَدْمُرَ (٣). فهل هذه في بلاد غطفان؟. وجبل التين -على قول الأولين- ليس بهذا البعد، فإنما هو على جانب من العراق. وهم يذكرون الفُراتَ (٤)، ودِجْلَةَ (٥)،
стр. 267
وخَابُور (١)، والخَوَرْنَقَ، والسَّدِيرَ (٢).
ولعل أبا حنيفة أخطأ معنى قوله: "أتين التين" وظنَّ أن النابغة أراد به الإتيانَ إلى بلاده. وإنما هو أراد المرور، فإنّه يصف الرجى الباردة الشمالية التي تُزجي السحبَ الصُّهبَ القليلة الماء التي مرّت بجانب جبل التين، فازدادت به برودةً. والعرب تذكر كثيراً هبوب الريح الباردة من جانب الشمال. وهكذا يذكرون "الجُودِيَّ" بالبرودة. قال أبو صَعْتَرَةَ الْبَولاَنِيُّ، وهو جاهلي (٣):
فما نُطْفَةٌ مِنْ حَبِّ مُزْنٍ تَقَاذَفَتْ ... بِهِ جَنْبَتا الجُودِيِّ واللَّيلُ دامِسُ
فلمّا أَقرَّتْهُ اللِّصابُ تنَفَّسَتْ ... شَمالٌ لأَعْلَى مائِه فَهْوَ قارِسُ (٤)
стр. 268
فلا شكّ أن النابغة أراد بالتّين جبلاً في الشمال، ولعله هو الجودي أو قريب منه.
وكما أخطأ الدينوري في بيت النابغة، فكذلك أخطأ صاحب معجم البلدان في بيت أبي صَعْتَرَةَ، فقال: إنه أراد بالجودي موضعاً في اليمن (١)، فظنّ أن الشاعر لا يذكر إلاّ بلاده. وقد مرّ آنفاً أنّ ذلك ظنّ باطل (٢). ولم يُثبت أحد أن الجوديّ جبل في اليمن (٣). وإنما الجودي هو الذي ذكرنا.
ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ في تأويل هذه الآية (٤)، فقال: إنّ المراد به مسجد نوح ﵇ الذي بني على الجودي (٥). وعن عكرمة (٦): التين والزيتون جبلان (٧). وعلى هذا يتبيّن أن التين هو الجودي أو قريب منه (٨).
وفي التوراة أن بني آدم تفرقوا بعد نوح ﵇ (٩). والقرآن يدلّ على
стр. 269
كونه قريباً من الجودي. فيستدل بذلك على أن التين كان مسكن آدم وذريته. ويؤيده ما جاء في التوراة من أنّ آدم ﵇ كان يخصف عليه من ورق التين (١).
(٥٤) الجَنَّة (٢)
إنما سمّيت "جَنّة" لما تستر الأرض، من جَنَّ الشيءَ، وجَنَّ عليه، وأجنَّه: سَتَره. قال تعالى:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ (٣).
قال امرؤ القيس:
فلمّا أجَنّ الشمسَ عنّي غيارُها (٤)
ومنه المِجَنّ للتُّرس، والجُنَّة لما تَسَتَّرُ به من السلاح، والجنُّ والجنيّ لأنها لا تُرى، والجنين للولد ما دام في البطن. والعرب كانت تسمي الَنخيل جَنَّة (٥).
قال زهير:
كأنَّ عينَيّ في غَربَي مقتَّلةٍ ... مِنَ النّواضحِ تَسقِي جَنّة سُحُقَا (٦)
стр. 270
أي نخيلاً طويلة (١).
ولذلك جاء ﴿مِن تحتِهَا﴾ (٢). قال عَبِيد بن الأبرص:
أو جدولٌ في ظلالِ نخلٍ ... لِلماء مِن تحته سُكوبُ (٣)(٥٥) الحُكم والحِكمة والصالح (٤)
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٥).
التصوير الصحيح البيّن للمفردات من أوائل التأويل، وذلك يُستنْبَطُ من مواقع الكلمات.
стр. 271
"الحُكم": مبدأ الحكمة، وهو: الفهم الصحيح، ثم القضاء والحكم به. فإذا كمل ذلك، وصار ملكة راسخة سمي "الحكمة".
وأما "الصلاح" فهو عبارة عن أثر الحكمة والعلم، فيشير إلى العمل الصالح. كما جاء كثيراً: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وأشباهه.
والأحسن في الدعاء الاقتصار والقنوع، فيطلب المبادئ الجوامع. فمن طلب الحُكم طمح إلى الحكمة، والحكمة خير كثير.
وكما أن الحكم هو بدء الحكمة، فكذلك الصلاح هو الأصل الكلّي للكمال. فطلبُ الصلاح أيضاً طموحٌ إلى كمال النفس والتقرب والرضوان.
وهكذا الدعاء للهداية (١):
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
فهذه كلُّها طلبُ المبادئ الجوامع، ووقوفٌ على حاشية البساط حتى يكون الربّ تعالى هو الحاكم بما يرضى من تقريب عبده إلى حيث يشاء، ففيه التفويض وإحسان الرجاء.
ومنه قوله تعالى:
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢).
تفويضاً إلى الكريم الرحيم. وهكذا فسّره النبي ﷺ (٣).
стр. 272
ومنه قوله تعالى حكاية عن قِيل المسيح ﵇:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
فخلَّى العبدَ وربَّه، وأخرَج نفسه من البين. وفيه تفويض واسترحام. وفي الجزء الثاني باب آخر من حسن الطلب في الدعاء مع التفويض. وذلك بأن العزيز لا يستطيع أحد أن يمنعه عما يشاء، وكذلك الحكيم لا يُعجِزه إيجادُ سبب وحيلة لما يريد. فكان فحوى الكلام أنّ الشيطان ومكره وكيده بعبادك كيف يُقاوم قوّتك وحكمتك حتى يُعجزك عن إنقاذ رحمتك. فأشار إلى حسن الظنّ بالربّ تعالى وصفته الجمالية، والتفويض إليه، وأشار إلى أن الكريم إذا قدر سمح، لقول العرب: "إذا مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ" (٢). وكذلك من لوازم الحكمة: الحلم والعفو. ثم توجّه إلى غيرة الرب لعباده، وبذلك صرف النقمة إلى العدو، فقرع باب الرحمة من وجه آخر.
(٥٦) الذِكر (٣)
كلُّ ما يُذكّرك شيئاً فهو الذكر. فربما يكون بمعنى التاريخ. قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٤)
فجاءت هذه الآية بعد صحف التاريخ من صحف اليهود (٥).
стр. 273
قوله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
أي الذين عندهم تاريخ الأمم، وهم اليهود، والمراد كتبهم (٢)(٥٧)(٣) التفَّتِ الساقُ بالسَّاقِ
معنى ﴿والتفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ﴾ (٤) أن لا يقدر المرء على المشي. ويكون هذا من شدة الضعف. فإنه إذا مات (٥) تبيّن أن قد التفّت ساقاه بعد أن كان جوَّالاً، كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة:
فَإنْ يَكُ عبدُ اللهِ خَلّى مَكَانَهُ ... فما كان وَقّافاً ولا طائِشَ اليَدِ
كَمِيشُ الإِزَارِ خارجٌ نِصْفُ سَاقِه ... صَبُورٌ عَلَى الضَّرَّاءِ طَلاَّع أنجُدِ (٦)
стр. 274
وتصوير الضعف بالتفاف الساق أمر ظاهر. وجاء في كتب الأنبياء. فمعنى الكلام (١) أنه بعد ما يئس منه الطبيب، وودّعه القريب، وخانَه أطوعُ أعضائه، فكيف يكون مآلُه، وهو مَسوق إلى ربّه قليلَ الأَزْرِ كثير الوِزر!.
والساق (٢) بمعنى شدّة الأمر (٣) قول من لا يعرف من علم اللسان غير اسمه، فلا يميّز بين دلالة المجموع ودلالة الأجزاء. الكشف عن الساق إنما يدل بمجموعه على الجدّ والتشمير، والكشف هو الكشف، والساق هي الساق. ووَهِمَ الرواة فيما روَوا عن ابن عبّاس أنه آخر يوم [من] (٤) الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة. فإنه لو صَحَّ فهو بيان الواقعة، وليس بتفسير للساق (٥).
(٥٨) سَبَّحَ (٦)
الأصل: التمدُّد على الوجه، ومنه: السِّباحة للعَوم، ومنه: سَبَحَ الفرس في جَرْيه، ومنه السعي والتقلّب، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٧).
стр. 275
وإنما سمّيت الصلاة سُبحةً وتسبيحاً لِما يمتدّ المصلّي على وجهه في السجدة. ومنه قوله تعالى حكاية عن قول الملائكة:
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١).
أي قائمون وساجدون (٢).
(٥٩) سُبْحَانَكَ (٣)(١) ما أعظمَكَ، كما جاء في القرآن كثيراً، مثلاً:
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٤).
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥).
فهذا قريب من الإخبار.
(٢) وربما يجيء للدعاء، كما قال تعالى:
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (٦).
ومنه قوله تعالى:
стр. 276
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (١).
وبهذا المعنى يقدّم قبل التوبة.
(٣) وأيضاً لإنشاء الأمر، كما هو الشائع في المصادر إذ يقدَّر الأمر قبله، كما قال (٢):
فَصَبْراً فِي مَجالِ الْمَوتِ صَبْراً ... فَمَا نَيْلُ الْخُلودِ بِمُسْتَطَاعِ (٣)
وكما في القرآن:
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤).
فريما يجيء "سبحانكَ" بهذا المعنى، ومنه قوله تعالى:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٥).
(٤) وأيضاً يأتي للإنكار مع الاستعجاب. ومنه قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).
أيضاً: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٧).
стр. 277
واختص بالإضافة إلى الله تعالى، وإضافته مُطَّرِد إلا نادراً كما قال [أُميَّةُ بن أبي الصَّلْت] (١):
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً يَعُودُ لَهُ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ وَالْجُمُدُ (٢)
وهو أراد الإضافة. وهكذا الأعشَى حذف المضاف إليه ولكنه أراد حيث قال:
.................... ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٣)(٦٠) سَفَرَة (٤)
هي جمع سافر: للكاتب والقارئ، من السَّفْر للكتابة والقراءة. وهذه الكلمة باقية في العبرانية (٥). وأصل معناها: الخَمْشُ (٦). ومنه: الكتابة، فإن
стр. 278
الكتابة كانت أولاً بالخمش بقلم الحديد. ثم توسع للبيان والقراءة. في العبرانية: [. . .] (سفر): الخمش، والكتابة، والقراءة [. . .] (سافر): كاتب، فقيه، إمام، قائد. فصحَّ ما قال قتادة: "السَّفَرَة هم: القُراء" (١) وروى ابن جُرَيج عن ابن عباس: "السَفَرة بالنبطية: القرَّاء" (٢). ويوجد في العربية أيضاً بمعنى الخمش، كما قال رُؤْبَةُ (٣):
تسفيرُ موسَى الصَّلَعِ الجُلاَمِ (٤)
стр. 279
(٦١) الشَّيْطَانُ (١)
فعْلاَنُ من شَاطَ يَشِيط: هلك، قال الأعشى:
وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أرْماحِنَا الْبَطَلُ (٢)
شاط فلان: ذهب دمه هَدَراً، أيضاً: عجِل وأسرع. وشاط الزيت: احترق. وغضب فلان فاستشاط: أي التهب. والشيطان من أسماء الحية. قال الشاعر (٣):
تُلاَعِبُ مَثنى حَضْرَمِيٍّ كَأنَّهُ ... تَمَعُّجُ شَيْطَانٍ بِذِي خِرْوَعٍ قَفْرِ (٤)
والشرير من الجن. وبين الحية والجن (٥) مناسبة، لكونهما ناريين طبعاً. ومن هنا كل متمرد يسمى شيطاناً. قال تعالى:
﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٦).
وعند الجوهري هو فَيْعَالٌ من شَطَنَ: بمعنى بَعُدَ (٧). وسيبويه مرة جعله
стр. 280
فَعْلاَنَ من شَاط، وأخرى فيعالا من شَطنَ (١). والأول هو الصواب. ويؤيده أنه إذا جُعِل علماً لا ينصرف كما قال ... (٢).
(٦٢) الصبر (٣)
"الصبر" عند العرب ليس من التذلل في شيء، كما يصبر المضطهد العاجز، بل هو أصل القوة والعزم. وكثر في كلام العرب استعماله بهذا المعنى. قال حاتم الطائي:
стр. 281
وَغَمْرَةِ مَوْتٍ لَيْسَ فيها هَوَادَةٌ ... يكونُ صدورَ الْمَشْرَفِيِّ جُسُورُهَا
صَبَرْنَا لَهُ فِي نَهْكِهَا وَمَصَابِها ... بَأسْيَافِنَا حَتَّى يَبُوخَ سَعِيرُهَا (١)
وقال الأصبَغ (٢):
يا ابن الجَحَاجِحَةِ الْمَدَارِهْ ... وَالصَّابِرِينَ عَلَى الْمَكَارِهْ (٣)
وقال زُهَير بن أبي سُلْمَى:
قَودُ الجِيادِ وإصهارُ الملوكِ وَصَبْـ ... ـرٌ في مَوَاطِنَ لَو كانوا بِهَا سَئِمُوا (٤)
وهذا كثير.
وفي القرآن بيّن معنى الصبر، حيث قال تعالى:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٥).
فذكر من مواطن الصبر: الفقر، والمرض، والحرب وذلك أصول الشدائد. وكذلك الصبر عند نزَغات النفس على أذى الناس كما مَرّ بك (٦) في قوله تعالى:
(٦٣) الصُّحُف (١)
الصحف: جمع صحيفة. وهي الورقة المكتوبة، كما سميت "صحيفة المتلَمِّس" (٢) و "صحيفة الجَور" (٣). ولعل الكلمة مقلوبة من الصفيحة (٤): لكل
стр. 284
عريض، كصفيحة الحجر والسيف (١) والعنق. وبصيغة الجمع ربما يراد بها الكتاب لاشتماله على الأوراق، كما في قوله تعالى:
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ (٢).
(٦٤) صرَّة (٣)
الصَرّ: الجَمْع ثم الشَّدّ والعَزم، ونَصْب الأذن. ومن الجمع: تقطيب
стр. 285
وتقبّض استنكاراً واستحياءً. ومن نصب الأذن: إسراع واستنكار.
...
﴿في صَرَّةٍ﴾ (١) معناه: في تقبّض واستنكار (٢).
(٦٥) الصَّغْو (٣)
في جميع الألسنة، ولا سيما في لغة العرب، ألفاظ خاصّة لأفراد خاصّة، تحت معنى كلّي. والذهولُ عن هذه الخصوصيات مُبعِد عن مهم اللسان، مثلاً "المَيْل" معنى كلّي. ثم تحته: الزَّيغ، والجَور، والارعواءُ، والحِيَادة، والتنحي، والانحراف: كلّها للميل عن الشيء. والفَيء، والتوبة، والالتفات، والصَّغو: كلّها للميل إلى الشيء. فمن خبط بينهما ضَلّ وأضَلّ.
فلا يخفى على العالم بلسان العرب أن قوله تعالى:
﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٤).
معناه: أنابت قلوبكما، ومالت إلى الله ورسوله، فإن (٥) "الصَّغْو" هو الميل إلى الشيء، لا عن الشيء. ومنه صَاغِيَة الرجل: لأتباعه، وصِغْوه معك: أي ميله. وأصغيتَ إلى فلان: أي مِلت بسمعك نحوه. ومنه الحديث: