← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96629

مفردات القرآن للفراهي

عبد الحميد الفراهي

Полный текст (408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَغَمْرَةِ مَوْتٍ لَيْسَ فيها هَوَادَةٌ ... يكونُ صدورَ الْمَشْرَفِيِّ جُسُورُهَا صَبَرْنَا لَهُ فِي نَهْكِهَا وَمَصَابِها ... بَأسْيَافِنَا حَتَّى يَبُوخَ سَعِيرُهَا (١) وقال الأصبَغ (٢): يا ابن الجَحَاجِحَةِ الْمَدَارِهْ ... وَالصَّابِرِينَ عَلَى الْمَكَارِهْ (٣) وقال زُهَير بن أبي سُلْمَى: قَودُ الجِيادِ وإصهارُ الملوكِ وَصَبْـ ... ـرٌ في مَوَاطِنَ لَو كانوا بِهَا سَئِمُوا (٤) وهذا كثير. وفي القرآن بيّن معنى الصبر، حيث قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٥). فذكر من مواطن الصبر: الفقر، والمرض، والحرب وذلك أصول الشدائد. وكذلك الصبر عند نزَغات النفس على أذى الناس كما مَرّ بك (٦) في قوله تعالى:

стр. 282

﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ (١).

стр. 283

(٦٣) الصُّحُف (١) الصحف: جمع صحيفة. وهي الورقة المكتوبة، كما سميت "صحيفة المتلَمِّس" (٢) و "صحيفة الجَور" (٣). ولعل الكلمة مقلوبة من الصفيحة (٤): لكل

стр. 284

عريض، كصفيحة الحجر والسيف (١) والعنق. وبصيغة الجمع ربما يراد بها الكتاب لاشتماله على الأوراق، كما في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ (٢). (٦٤) صرَّة (٣) الصَرّ: الجَمْع ثم الشَّدّ والعَزم، ونَصْب الأذن. ومن الجمع: تقطيب

стр. 285

وتقبّض استنكاراً واستحياءً. ومن نصب الأذن: إسراع واستنكار. ... ﴿في صَرَّةٍ﴾ (١) معناه: في تقبّض واستنكار (٢). (٦٥) الصَّغْو (٣) في جميع الألسنة، ولا سيما في لغة العرب، ألفاظ خاصّة لأفراد خاصّة، تحت معنى كلّي. والذهولُ عن هذه الخصوصيات مُبعِد عن مهم اللسان، مثلاً "المَيْل" معنى كلّي. ثم تحته: الزَّيغ، والجَور، والارعواءُ، والحِيَادة، والتنحي، والانحراف: كلّها للميل عن الشيء. والفَيء، والتوبة، والالتفات، والصَّغو: كلّها للميل إلى الشيء. فمن خبط بينهما ضَلّ وأضَلّ. فلا يخفى على العالم بلسان العرب أن قوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٤). معناه: أنابت قلوبكما، ومالت إلى الله ورسوله، فإن (٥) "الصَّغْو" هو الميل إلى الشيء، لا عن الشيء. ومنه صَاغِيَة الرجل: لأتباعه، وصِغْوه معك: أي ميله. وأصغيتَ إلى فلان: أي مِلت بسمعك نحوه. ومنه الحديث:

стр. 286

"يُنْفَخُ في الصور فلا يسمَعُه أحد إلاَّ أصغَى لِيتاً" (١). أي أمال صفحة عنقه إليه (٢). وقالوا: الصبيُّ أعلَمُ بمُصغَى خدِّه: أي هو أعلم إلى من يلجأ أو حيث ينفعه. ومنه صَغَت الشمس والنجوم: أي مالت إلى الأرض. وفي حديث الهِرَّة: "كان يُصْغِي لَها الإِنَاءَ" (٣). أي يُميله ليسهلَ عليها الشرب. ومن ذلك [الصِّغْوُ] (٤) لجوف الإناء لما يجتمع فيه المشروب. أنشد ابن برِّي (٥) شاهداً على الإصغاء بالسمع لشاعر: تَرَى السَّفِيهَ به عن كُلِّ مَكرُمَةٍ ... زَيْغٌ، وفيه إلَى التَسْفيهِ إصْغَاءُ (٦) وقال ذُو الرُّمَّةِ يصف الناقة:

стр. 287

تُصْغِي إذا شَدَّهَا بِالكُورِ جَانِحَةً ... حَتَى إذا ما اسْتَوَى فِي غَرْزِها تَثِبُ (١) وقال الأعشَى في صغو العين يصف ناقة: تَرَى عَيْنَها صَغواءَ في جَنْبِ مُؤقِها ... تُرَاقِبُ كفِّي وَالقطيعَ المحَرَّمَا (٢) وقال النَّمِر بن تَوْلَب (٣) في إصغاء الإناء بمعنى الإفراغ: وإنَّ ابْنَ أخْتِ القومِ مُضغًى إناؤه ... إذا لَمْ يُزَاحِمْ خَالَهُ بِأبٍ جَلْدِ (٤)

стр. 288

نقلتُ كلَّ ذلك عن "لسان العرب" مع بعض التصريح لرفع شبهة أو توهم. وفي هذا كفاية لمن حُبِّبَ إليه الحق، فلا يُصغي إلى ما دسّه الوضاعون في الآثار وحرّفوا المعنى بعدما أعجزهم الله عن تحريف كلماته. وقد هَمّوا به، فقد ذكر أبو السعود ﵀ (١) في تفسيره أنه قرئ: "زاغت" (٢)، أي قرأه من لا يعبأ به (٣). فهل ترى كيف سعيهم في أن يبددوا معنى "صغا" إلى "زاغ". ولكن الله تعالى يمكث بالحقّ ويذهب بالباطل (٤). (٦٦) الظنّ (٥) الظَنّ: ما يرى المرء من غير مشاهدة. ولكون غير المشهود ربما لا يوقن به، تضمن الظن معنى الشك، وبهذا المعنى كثر في كلام العرب والقرآن، كما قال طرفة: وأعْلَمُ عِلْماً لَيْسَ بِالظَّن أنَّه ... إذا ذَلَّ مَولَى الْمرءِ فهو ذليلُ (٦) وفي القرآن:

стр. 289

﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (١). ولكن الرأي في غير المشهود ربما يكون يقيناً، ويطلق الظن عليه بالمعنى الأعم، من غير تضمنه الشك، كما قال أوس بن حجر: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الـ ... ـظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأَى وقَدْ سَمِعَا (٢) وقال دُرَيد بن الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنّوا بألْفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهمُ فِي الفَارِسيِّ الْمُسَرَّدِ (٣) وقال تعالى حكاية عن قول المؤمنين في القيامة: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٤). (٦٧) الغيب (٥) (١) الغيب اسم الحِدثان من غابَ غَيباً وغَيْبَةً وغِياباً وغُيوباً ومَغيباَّ.

стр. 290

(٢) وأيضاً يطلق على ما غاب عنك. وضده الشهادة. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (١). أي ما هو غائب عنا، وما هو مشهود لنا. (٣) وعلى ما لا سبيل إلى علمه، كما حكى الله عن النبي ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ (٢). وكما قال حاتم الطائي: أما وَالَّذِي لا يَعلمُ الغيبَ غيرُه ... وَيُحْيِي العِظَام الْبِيضَ وَهْيَ رَمِيمُ (٣) (٤) وعلى المكان الذي ليس بمشهد منك، والجانب الذي لا يتعين، كما قال عبد الشارقِ الجُهَني (٤): سَمِعْنَا دَعْوةً عَن ظَهرِ غَيبٍ ... فَجُلْنا جَولَةً ثم ارْعَوَيْنَا (٥)

стр. 291

وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ (١) فبيّن معنى الغيب: أي لم تكن بمشهد منهم. (٥) وعلى السِرِّ عموماً، كما قال تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ (٢). وأيضاً: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٣). فهذه خمسة وجوه معلومة (٤).

стр. 292

............................

стр. 293

(٦٨) الفتنة (١) فتَنَه: امتحنه. قال تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (٢). ومنه: "الفتنة": لكل ما يختبر به عقل الإنسان وعزمه من لذة وألم (٣). ومنه: فتنَتْهُ المرأةُ: دَلَّهته، والشيطانُ: أغواه. وفَتَنْتَ الذهَبَ. أدخلتَه في النار لتنظر ما جودتُه، ومنه. دينار مفتون. ورِق فتين: أي فِضّة مُحرَقة. ويقال للحَرَّة: فَتِينٌ، كأنّ حجارتها محرقة (٤). وكلّ ذلك (٥) وجوه لمعنى واحد. فقوله تعالى: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ (٦) يلمح أولاً إلى معنى الإحراق، وثانياً إلى أن هذه النار مما فتنتم به في الدنيا من شهواتها وزخارفها التي أنْسَتْكم يومَ الدين، فصِرتم في غمرتها ساهين (٧).

стр. 294

(٦٩) الفكر والذكر والآية (١) "الفكر": هو النظر فيما وراء الشيء، وربما يسمى "اعتباراً". فهو سُلَّمٌ إلى فوق. فإذا انتهى إلى ما هو المنتهى رجع القهقرَى، أو وقف. ولكن التوقف ليس من شأن الفكر، فلا بدّ من رجعة بعد المنتهى. ولذلك منع عن الفكر في ذات الله إلى الفكر في آلائه. وهذا يشبه انعكاس كل قوة إلى نفسها إذا صادف ما لا تستطيع أن تجاوزه: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٢). وأما "الذكر" فهو: القيام على الشيء، وحفظه، والتجرد له. فهو سكون، كما أن "الفكر" حرَكة. والذكر بعد النِّسيان أو الغفلة مثل ردّ السكون إلى الشيء بعد الذهاب أو الالتفات عنه. وأما "الآية" فتتعلق بكليهما. فبالآية تذكر ما نسيت، وكذلك تحثّك على الفكر، فهي محرّكة لكلتا القوتين. والآية لا تكون آية إلا لمن هو أهل النظر والبصيرة. والآية -لكونها مطيّة النظر والفكر والذكر- تسمى "بصيرة". ومن لا يتنبه للآية فهو كالأعمى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣). والآية تنبّه على الذكر، والفكر، والنظر. وعلى التأثر من هذه الثلاث من عواطف النفس مثل الشكر والخشية والإنابة والتضرع والعزم والثبات وغيرها. فتأمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ......................... المِيعَادَ﴾ (٤).

стр. 295

(٧٠) قَاتَلَ واقتَتَلَ (١) الأوّل بين المخالفين، والثاني بين رجال قوم واحد (٢). فإنّ الافتعال فعل يتعلق بفاعله. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (٣). وكذلك في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 296

فانظر كيف أتى أولاً (١) بكلمة "اقتتلوا" فإذا لم يقبل (٢) الإصلاح وتمادى بغيه جاء بكلمة "قاتلوا". (٧١) كفر (٣) كفَرَ، كنَصرَ (٤): سَتَرَ. قال لَبِيد (٥): فِي لَيلةٍ كفَرَ النجومَ غَمامُهَا (٦) ومنه الكافر: للبحر (٧). قال ثَعَلَبَةُ بن صُعَير المازِني (٨):

стр. 297

فتَذَكَّرَا ثَقَلاً رَثِيداً بعدَما ... ألْقَتْ ذُكاءُ يَمينَها في كافرِ (١) ومنه: كَفَرَه: جحد بنعمته، فسَتَرَها، ضد شكره، كما قال تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢).

стр. 298

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ (١). وفي دعاء القنوت: "ونشكرك ولا نكفركَ" (٢). وبالباء: أنكره (٣)، ضد آمن به، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (٤). وعند الإطلاق يراد به إنكار ما ينبغي الإيمان به، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٥). وهذا كثير. وربما يراد به كفران النعمة، كما مرّ. (ف) (٦) اعلم أن هذه المادة قديمة جداً. فتوجد في غير اللغة السامية، مثلاً: كَوَرْ" [ cover] (٧) في الإنكليسية: بمعنى ستر وغطّى (٨). وفي العربية "كوّر": لفَّ. ومنها "غَفَرَ": سَتَر -ومنه المِغْفَر- و "غَمَرَ". وأيضاً من كَفَرَ: "اكفَهَرَّ": اغبرَّ وكَلَحَ (٩).

стр. 299

(٧٢) الكوثر (١) الكَوْثَر: مبالغة الكثير، فهو: ذو كثرة عظيمة وبركة وثروة. فإن الكُثرْ هو: الثروة. وقد سمّوا به الرجال، كما سَمّوهم بكَثِير وكُثَيِّر. وترى استعماله على طريق الصفة في قول لبيد: وصاحِبُ مَلْحوبٍ فُجِعنا بموته ... وعند الرِّداعِ بيتُ آخرَ كوثَرِ (٢) وفي قول أميّة بن أبي عائذ الهذلي (٣): يُحَامِي الحقيقَ إذا مَا احْتَدَمْـ ... ـنَ حَمْحَمَ في كوثَرٍ كَالجِلاَلِ (٤)

стр. 300

فاستعمل الصفة بتقدير الموصوف: أي في غبار كوثَرٍ. وقد جعلوا منه فعلاً، كما قال حَسَّان بن نُشْبَةَ (١): أبَوا أنْ يُبِيحُوا جارَهُم لِعَدُوِّهِم ... وقَد ثارَ نَقْعُ الْمَوتِ حتَّى تكوثَرَا (٢) فالكوثر هاهنا (٣) من جهة اللسان محتمل لثلاثة وجوه من التأويل: (١) الأول أنه منقول إلى الاسمية، فصار مختصاً بشيء وسماه الله تعالى بالكوثر. (٢) والثاني أنه صفة قدِّر موصوفها، فصار له بعض التخصيص، كقولهم: "مُرْدٌ على جُرْدٍ" (٤) أي رجالٌ مُرْدٌ على خيلٍ جُرْدٍ. وكقوله تعالى:

стр. 301

﴿والذاريات﴾ (١). أي الرياح الذاريات. ﴿ذَاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ﴾ (٢). أي فُلْك ذات ألواح ودسر (٣). وهذا كثير في القرآن وكلام العرب. ولكنه لا يوجد إلا إذا كانت الصفة خاصة بالموصوف، فيفهم من ذكر مجرد الصفة، أو دَلَّتْ على الموصوف قرينة أخرى. (٣) والثالث أنه وصف باقٍ على عموم معناه كأسماء الصنف التي تقع على القليل والكثير، ولا تختص، وحينئذٍ يكون من جوامع الكلم. ويحتمل كلّ ما كان فيه خير كثير، ويُحمل -حسب القرائن- على بعض الأفراد (٤).

стр. 302

(٧٣) (١) مَتاع المتاع: مصدر، ثم اسم لما يتمتع به. ومنه للسلعة. والمتاع يتضمن قلّة المدة. فربما يؤكّد بالتصريح بها (٢)، وربما يكتفى بما يفهم منه، كما قال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ (٣). أي تمتع لمدة قليلة (٤). والشواهد على ما ذكرنا كثيرة (٥).

стр. 303

(٧٤) مُصدِّقاً لِما بَيْن يَدَيْهِ (١) كلمتان، لم يفهمهما أكثر الناس، فظنّوا أن القُرآن يشهد بالكتب المحرفة المبدَّلَة: أما "مصدِّقاً" فقد كان مظنّة للشبهة، لاشتراكِ كلمة "التصديق". وأما "بين يديه" (٢) فلجهل الناس بالعربية، لا سيّما في هذا الزمان. فاعلم أن "صَدَّقَه" له معنيان: (١) شهد بِصدق رجل أو كلام (٣). (٢) والمعنى الثاني أنْ جعله صادقاً فيما توقَّع. قال الحماسي (٤): فَدَتْ نَفْسِي وَمَا مَلكَتْ يَمِيني ... فَوارِسَ صَدَّقَتْ فِيهم ظُنوني (٥)

стр. 304

في القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ (١). ثم إذا تأملت في مواقع هذا القول، عَلِمت أن المراد هو المعنى الثاني. فإنّ النبي -والقرآنَ- جاء كما أخبرت به التوراة، فجعلها صادقة. فإن كذَّبوا القرآن والنبي يكن ذلك تكذيباً لكتبهم. وهذا أيضاً يظهر إذا تأملت أن محمداً وعيسى عليهما الصلوات يأتيان (٢) بهذا القول مُسْتدلَّينِ بصحة نبوتهما. فأيّ استدلال في أنهما يشهدان بصدق ما عند اليهود؟ أرأيت (٣) إن تنبأ أحد في هذا اليوم، وقال: إني آمنت بالأنبياء، وأنا نبيّ مثلهم، فهل يكون هذا حجةً على دعواه؟. أما موقع الآية، فقال تعالى: (١) (٤) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).

стр. 305

أي لما جاءهم محمد ﷺ حسب ما وجدوا في كتبهم، أعرضوا عن كتبهم، وأنكروه، كأنهم لا يعلمون. وقبل هذه الآية: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). فاستدلّ بأنّ فريقاً منكم عاهدوا بالإيمان بهذا النبي، فكيف تنبذون ذلك العهد؟ ولكنكم غير مؤمنين (٢) وقد ذكر في سورة آل عمران عهدهم بإيمان نبي يأتيهم بصفات محمد عليه الصلوات (٣). (٢) (٤) ومثل ذلك ما قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٥). أي جاء هذا الكتاب حسب ما وُعدوا في كتبهم مع وعد النصر بالإيمان بصاحب هذا الكتاب، فكانوا يستفتحون على الكفار. ولكن لما جاء الكتاب، وعرفوا أنه حسب ما وعدوا، جحدوا به، فلعنة الله على الكافرين. وهذه اللعنة أيضاً موعودة في كتبهم بتفصيل طويل. (٣) في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦).

стр. 306

فهاهنا (١) ذكر التصديق، لا من جهة إثبات القرآن، بل لإظهار فوائد القرآن، لأنه يثبت ما سبقه، ويفصّل، ويهدي، وهو الرحمة، فما أبعده عن الحديث المفترى!. (٤) في الأحقاف: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). أي لأنه يهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، فهو على نمط كتاب موسى. فكما أنه حق، هذا حق، ويثبت ما سبق، ولا يبطله في أمر الهداية. (٥) في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٣). فاستدلّ عيسى عليه الصلوات على نبوّته من جهتين: بإخبار خاص عن نبيّ بعده، وبأن قد أُخبر عنه في كتبهم، ثم الآية التالية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤). تؤيد هذا المعنى، فإنهم إذا لم يؤمنوا بما أخبرت عنه التوراة، فقد افتروا على الله كذباً لإنكارهم ما أنزِل في التوراة من الله. وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ يضيّق عليهم بابَ الفرار، فإنّ النبي الموعود جاء، ويدعوهم إلى دين الحق، فهم كذبوا على الله ومرقوا من الإسلام. في سورة القصص (٥٣): ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.

стр. 307

أي وُعِدوا بالنبي وصفته الخاصّة، فوجدوا في القرآن تلك الصفة، وقالوا: إنّا كنا مسلمين بهذه الآيات (١) إجمالاً: وهو إكمالُه الدينَ، ووضْعُ الإصر والأغلالِ. (٦) في سورة النساء (٤٧): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. فهذا الوعيد الشديد ينبغي أن يكون على عصيانِ أمرٍ كتِب عليهم. ثمّ نرى أن قبل هذه الآية حكماً (٢) يهدي إلى أن النبي الموعود هذا النبي: وهو تحريم الخمر قبل الصلاة. انظروا المقدمة على البشارات (٣). وقد ذكر الرازي (٤) ﵀ وغيره (٥) المعنيين من غير تخصيصه بالمعنى الثاني، فتركوا الأمر مشتبهاً. ولم يتبين لهم وجه الاستدلال من مواقع الكلام. قال الرازي ﵀ (٦): "اعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوة موسى ﵇ وبصحة التوراة، أو مصدقاً لما معهم من حيث إنّ التوراة

стр. 308

بشرت بمقدم محمد ﷺ . فإذا أتى محمد ﷺ كان مجرد مجيئه مصدّقاً للتوراة. أما قوله ﴿نبذ فريق﴾ فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمى وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه (١) أما قوله تعالى ﴿مِنَ الذِينَ أُوتواْ الكتاب﴾ ... " (٢). وقال الرازي ﵀ في تفسير الآية الثانية (٣): "المسألة الأولى: لا شبهة في أن القرآن مصدّق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد ﷺ في النبوة. واللائق بذلك هو كونه موافقاً لما معهم في دلالة نبوته، إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع (لم يفهم معنى الموافقة) (٤) وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلّة القرآن، لأنّ (٥) جميع كتب الله كذلك. ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدلّ عليها من العلامات والنعوت والصفات" (٦). ألا ترى أنّ الرازي ﵀ يجتهد في (٧) إثبات النبوة من هذه الآية، فهو مصيب فيما تحرّى، وموقع الكلام يهدي إليه. أما دليله فكما ترى!. ثم قال تحت قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قولاً ضعيفاً يدلّ على قلّة معرفته بالتوراة والقرآن معاً، لما قال: "لم يعرفوا [نبوته] بمجرد تلك الأوصاف بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة" (٨).

стр. 309

(٧٥) مكّة (١) اختلفوا في اشتقاق مكة (٢). ولا شك أنها مبدّلة من "بكّة" لمجيئها في القرآن (٣). وهكذا كان اسمها عند حلول إسماعيل ﵇ وذرية إبراهيم ﵇ في واديها. وهذه الكلمة معناه: المستعمرة (٤)، كما ترى في لفظ

стр. 310

"بعلبك" (١). وهذه الكلمة هي التي تبدلت في العربية: "بُقعة" (٢). وأصلها من الفارسية. وهي: "بغ"، كما ترى في "بغداد" (٣). ومنها كلمة "باغ" للبستان.

стр. 311

ولما جاء إبراهيم ﵇ من ملك بابك جعل لمكة اسماً من لسانه (١). (٧٦) المَنّ (٢) هذه كلمة مأخوذة من أهل الكتاب، وعرفتها العرب، قال أعشى ميمون: لو أُطْعِمُوا الْمَنَّ والسَّلْوَى مكانَهُمُ ... ما أبْصَرَ النّاسُ طُعْماً فيهِمُ نَجَعَا (٣) وأهل الكتاب لم يهتدوا لاشتقاقها. ففي سفر الخروج (١٦:١٣ - ١٥، ٢١): "فكان في المساء أن السلوى صعد وغطَّت المحلّة، وفي الصباح كان سقيط الندى حَوالي المحلّة. ولما ارتفع سقيط الندى إذا على وجه البرّيّة شيء دقيق مثل قشور، دقيق كالجليد على الأرض. فلما رأى بنو إسرائيل قال بعضهم لبعض: مَنْ هو؟ لأنهم لم يعرفوا ما هو. فقال لهم موسى: هو الخبز الذي أعطاكم الربّ لتأكلوا ... وكانوا يلتقطونه صباحاً فصباحاً كلّ واحد حسب أكله، وإذا حميت الشمس كان يذوب". وهذا الاشتقاق كما ترى. والأشبه أنه سُمِّي "مَنّاً"، لما كان منّاً من ربهم.

стр. 312

ويؤيده ما جاء في هذا الإصحاح ف ٣١ (١): "ودعا بيت إسرائيل اسمه منّاً، وهو كبَزْر الكُزْبُرة [أبيض]، وطعمه كرُقاق العسل" (٢) ويؤيده ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "الكَمأَةُ مِنَ المَنِّ" (٣). أي كلمة "المنّ" يشتمل كل ما منَّ الله به مما تخرجه الأرض القفر للناس. ويؤيده تسمية الطير التي أتتهم "السلوى". ولسان العبرانية أقرب من العربية. والروايات التي عندنا مأخوذة مما قدّمنا من سفر الخروج. فعن مجاهد (٤): "المنّ: صبغة" (٥). وعن السُّدِّي (٦): "المنّ كان يسقط على شجر الزنجبيل" (٧).

стр. 313

وعن وَهْب (١): "خبز الرُّقاق مثل الذُّرة ومثل النَّقِيّ" (٢). وهذا لما سبق من قول موسى ﵇: "هو الخبز الذي أعطاكم". وقد كثر في الصحف إطلاق الخبز على الطعام، ولعله أيضاً مأخوذ من قول أهل الكتاب، مما فسّروا به المنّ. ففي سفر العدد (١١: ٧ - ٨): "وأما المنّ فكان كبِزر الكُزبَرة، ومنظرُه كمنظر المُقل. كان الشعب يطوفون ليلتقطوه، ثم يطحنونه بالرحى، أو يدُقّونه في الهاوَن، ويطبخونه في القُدور، ويعملونه ملاّتٍ، وكان طَعمه كطعم قطائِفَ بزيت". والظاهر أن هذا التفسير مما أدخله المتأخرون منهم إذ لم يفهموا معنى الخبز. وعن قتادة: "كان المن ينزل عليهم مثل الثلج" (٣). وهذا لما سبق. "دقيق كالجليد على الأرض". وعن ابن زيد (٤): "المن عَسَل كان ينزل [لهم] (٥) من السماء" (٦) فهذه الأقوال كلها مأخوذة من أهل الكتاب.

стр. 314

(٧٧) النصارى (١) جمع نَصْران، مثل نَدامَى جمع نَدْمان (٢). وهذا الاسم كان لهم في الأول. وقدماؤهم لم ينكروه. ولكن المتأخرين منهم ظنّوه شتماً، وأنكروا هذا الاسم عناداً بأوائلهم. وبيان ذلك أن أتباع المسيح صاروا فرقتين: فرقة اتبعوا الخليفة بالحق شمعون (٣)، وتسمّوا باسم النصارى. وكلهم آمنوا بمحمد ﷺ . وهم الذين مدحهم القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (٤) فصرّح بأن المراد هم الذين تسمّوا بهذا الاسم. وفرقة اتبعوا بولوس المبتدع (٥)، وهم الباقون الآن. وهؤلاء قد زعموا أنّ "النصارى" كلمة التحقير، لأنها نسبة إلى "ناصرة" وهي قرية حقيرة عندهم كما جاء في يوحنا (١: ٤٥ - ٤٦):

стр. 315

"فِيلُبُّس وجد نَثَنائيل، وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء: يسوع بن يوسف الذي من الناصرة. فقال له نثنائيل: أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح! ". وهذا من تكبّر هذه الفرقة. فإن "الناصرة" إن كان مولد عيسى ﵇ فأيّ حَقارة في النسبة إليها؟ وقد زعموا أن "الناصرة" كانت مولده، كما جاء في أناجيلهم (١). بل إنه يُدعى "ناصريّاً"، كما جاء في متّى (٢٣:٢) (٢): "وأتى وسكن في مدينة يقال لها: ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعى ناصريّاً". وزعم الطاعنون أن القرآن لم يعرف هذه التسمية، وجعلها من النصرة، لما جاء فيه: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٣). وهذا الطعن منشؤُه الجهلُ بمعنى الآية. فإنّها إنما ذكرت أمراً حقاً، ولم تذكر وجه التسمية. نعم فيها إشارة إلى أن المسمّين بالنصارى يجب عليهم نصرُ الحق، لما في اسمهم تذكار لذلك. وأمثال هذه الإشارات توجد في كلام الأنبياء. قال عيسى ﵇ لشمعون -وكان يدعى "صفا"- (متى ١٨:١٦): "وأنا أقول لك أيضاً: أنت صفا. وعلى هذا الصفا أبني كنيستي" (٤).

стр. 316

(٧٨) هَادُوا (١) هَادَ يهُودُ هَوداً: تاب ورجع. قال تعالى حكاية عن دعاء موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٢). وأيضاً هاد: صار يهودياً. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٣). وهكذا تهوَّدَ. وذلك على طريق العربية، كما يقال: تنصَّرَ، من النصرانية. وزعم الطاعنون في القرآن أنّ هذه الكلمة خطأ (٤)، فإنّ اسم اليهود ليس مأخوذاً من مادة "هود"، بل هو للنسبة إلى "يهوذا". فنبيّن اشتقاق هذا الاسم، لِتعلم أنّ طعنَهم مِن سوء فهمهم القرآن وصحفَهم. أمّا القرآن فاستعماله هذه الكلمةَ ليس إيجادَ لفظٍ مِن قِبَلِه هو، بل هو حسب لسان العرب، فإنهم جعلوا فعل "هاد يهود" لمن كان يهوديّاً. وقوله ﴿هُدْنَا﴾ ليس لبيان اشتقاق اسم اليهود، بل جاء في معناه الأصلى. ومع ذلك أشار إلى أصل ذهلت اليهود عنه كما سيأتيك ذكره. وأمّا سوء فهمهم لصحفهم فستطّلع عليه مما نذكره: فاعلم أن يهوذا كان ابناً رابعاً ليعقوب ﵇ من اثني عشر ابناً الذين خرج منهم الأسباط

стр. 317

الاثنا عشر. وأعطِي كلهم نصيباً من الأرض في عهد يشوع (١). فوقع في نصيب بني يهوذا من أرشليم إلى أقصى الجنوب. وكان داود ﵇ من هذا السبط. وانحازت مملكة بني إسرائيل كلّها إليه، فعظم أمرُ سبط يهوذا. ثم ورث الملك بعده ابنه سليمان ﵇، وبنى الهيكل في دار ملكه، فزاد ذلك عظمة أخرى لسبط يهوذا وملكهم. ثم بعد ذلك وقع بينهم اختلاف، فصارت هذه الأمة فرقتين: يهوذا على جانب، وبقية بني إسرائيل على آخر، وخمل ذكر باقي الأسباط فكثر في صحف اليهود ذكر يهوذا وإسرائيل. ثم بعدما سباهم الكلدانيون صار "اليهود" اسماً عامّاً لبني إسرائيل. وذلك يدل على عدم فرقهم بين "يهوذا" بالذال المعجمة و "يهود" بالدال المهملة. وقد التبس اشتقاق هذا الاسم على اليهود، فإنّهم ظنوا أنه من "يهو" أي الربّ تعالى، و "ذا" أي هذا. وسبب هذا الظن أنهم وجدوا أسماء مركّبة من "يهو" وكلمة أخرى موصولة به مثل "يهوياقيم" (٢). ولم يفهموا العبارة التي وجدوها في سفر التكوين في سبب التسمية وهي (٢٩: ٣٥): "وحبلت أيضاً (أي ليئة زوجة يعقوب ﵇ وولدت ابناً، وقالت: هذه المرة أحمد الرب. لذلك دعت اسمه يهوذا". فظنّوا أنّ "يهوذا" يشير إلى "هذه المرّة لا و "يهو"، وهذا خطأ. فإن الاسم يشير إلى "أحمد الرب". والعبارة محتملة لهذا التأويل أيضاً. والدليل على صحته أمور: (١) الأول أنّ الإشارة إلى معاني أسماء أبناء يعقوب ﵇ كما جاءت في ذكر ولادتهم، فهكذا جاءت في دعاء يعقوب ﵇ حين باركهم. مثلاً جاء عند ذكر الولادة في سفر التكوين (٣٠: ١٩ - ٢٠):

стр. 318

"وحبلت أيضاً ليئة، وولدت ابناً سادساً ليعقوب، فقالت ليئة: قد وهبني الله هبة حسنة. الآن يساكنني رجلي لأني ولدت له ستة بنين. فدعت اسمه زبولون". وجاء في هذا السفر عند ذكر البركة (٤٩: ١٣) (١): "زبولون عند ساحل البحر يسكن". فأشار في كلا الموضعين إلى معنى السكونة (٢). فهكذا جاء في دعائه ليهوذا في هذا السفر (٨:٤٩): "يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك" فتبيّن أنّ وجه التسمية هو الحمد والطاعة (٣)، وأن اسم يهوذا ليس مركباً من

стр. 319

"يهو" و "ذا"، بل هو كلمة واحدة من مادة "هود". (٢) والثاني أن بعد السبي نجد اسم اليهود يطلق عليهم واسم اليهودي على لسانهم، كما جاء في سفر عزرا، ونحميا، وأستير، وإشعيا، وإرميا، ودانيال، والإنجيل (١)، حتى اشتهر هذا الاسم. فلو كان الأصل "يهوذا" لسُمُّوا باليهوذي بالذال المعجمة (٢). (٣) والثالث أن الأسماء المركبة من "يهو" لا بد أن تتضمن كلمة أخرى تدل على وصف يليق وصله بـ "يهو". وكلمة "ذا" ليست مما يليق بأن يُضمَّ بـ "يهو" في تسمية مخلوق، فإن المعنى يكون: هذا الله. وشناعة هذه التسمية ظاهرة. والقرآن ربما ينبه على خطئهم، كما هو مبسوط في موضعه. فنبّه على أن اسم "يهوذا" الذي انتسبوا إليه أصله من مادة "هود". ومِن حسن إشارة القرآن أنّه نبّه اليهود على معنى اسمهم، ليعلموا أنّهم يلزمهم أن يتوبوا إلى ربهم.

стр. 320

(٧٩) هدى (١) هو اسم الحِدْثان من: هَدَى يَهْدِي. ويأتي (٢) -حسب أصل معلوم في إطلاق أسماء الحِدثان- على وجوه: (١) فالأول أنه النور والبصيرة في الفؤاد، كما قال قُسّ بن ساعِدَة (٣): والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ ... م نفوساً لها هُدىً وَاعتبارُ (٤) وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٥). وأيضاً: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٦). (٢) والثاني هو الدليل والبينة وما تهتدي به، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٧). أيضاً: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٨).
следующие страницы →