← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96629

مفردات القرآن للفراهي

عبد الحميد الفراهي

Полный текст (408 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(٧٨) هَادُوا (١) هَادَ يهُودُ هَوداً: تاب ورجع. قال تعالى حكاية عن دعاء موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٢). وأيضاً هاد: صار يهودياً. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٣). وهكذا تهوَّدَ. وذلك على طريق العربية، كما يقال: تنصَّرَ، من النصرانية. وزعم الطاعنون في القرآن أنّ هذه الكلمة خطأ (٤)، فإنّ اسم اليهود ليس مأخوذاً من مادة "هود"، بل هو للنسبة إلى "يهوذا". فنبيّن اشتقاق هذا الاسم، لِتعلم أنّ طعنَهم مِن سوء فهمهم القرآن وصحفَهم. أمّا القرآن فاستعماله هذه الكلمةَ ليس إيجادَ لفظٍ مِن قِبَلِه هو، بل هو حسب لسان العرب، فإنهم جعلوا فعل "هاد يهود" لمن كان يهوديّاً. وقوله ﴿هُدْنَا﴾ ليس لبيان اشتقاق اسم اليهود، بل جاء في معناه الأصلى. ومع ذلك أشار إلى أصل ذهلت اليهود عنه كما سيأتيك ذكره. وأمّا سوء فهمهم لصحفهم فستطّلع عليه مما نذكره: فاعلم أن يهوذا كان ابناً رابعاً ليعقوب ﵇ من اثني عشر ابناً الذين خرج منهم الأسباط

стр. 317

الاثنا عشر. وأعطِي كلهم نصيباً من الأرض في عهد يشوع (١). فوقع في نصيب بني يهوذا من أرشليم إلى أقصى الجنوب. وكان داود ﵇ من هذا السبط. وانحازت مملكة بني إسرائيل كلّها إليه، فعظم أمرُ سبط يهوذا. ثم ورث الملك بعده ابنه سليمان ﵇، وبنى الهيكل في دار ملكه، فزاد ذلك عظمة أخرى لسبط يهوذا وملكهم. ثم بعد ذلك وقع بينهم اختلاف، فصارت هذه الأمة فرقتين: يهوذا على جانب، وبقية بني إسرائيل على آخر، وخمل ذكر باقي الأسباط فكثر في صحف اليهود ذكر يهوذا وإسرائيل. ثم بعدما سباهم الكلدانيون صار "اليهود" اسماً عامّاً لبني إسرائيل. وذلك يدل على عدم فرقهم بين "يهوذا" بالذال المعجمة و "يهود" بالدال المهملة. وقد التبس اشتقاق هذا الاسم على اليهود، فإنّهم ظنوا أنه من "يهو" أي الربّ تعالى، و "ذا" أي هذا. وسبب هذا الظن أنهم وجدوا أسماء مركّبة من "يهو" وكلمة أخرى موصولة به مثل "يهوياقيم" (٢). ولم يفهموا العبارة التي وجدوها في سفر التكوين في سبب التسمية وهي (٢٩: ٣٥): "وحبلت أيضاً (أي ليئة زوجة يعقوب ﵇ وولدت ابناً، وقالت: هذه المرة أحمد الرب. لذلك دعت اسمه يهوذا". فظنّوا أنّ "يهوذا" يشير إلى "هذه المرّة لا و "يهو"، وهذا خطأ. فإن الاسم يشير إلى "أحمد الرب". والعبارة محتملة لهذا التأويل أيضاً. والدليل على صحته أمور: (١) الأول أنّ الإشارة إلى معاني أسماء أبناء يعقوب ﵇ كما جاءت في ذكر ولادتهم، فهكذا جاءت في دعاء يعقوب ﵇ حين باركهم. مثلاً جاء عند ذكر الولادة في سفر التكوين (٣٠: ١٩ - ٢٠):

стр. 318

"وحبلت أيضاً ليئة، وولدت ابناً سادساً ليعقوب، فقالت ليئة: قد وهبني الله هبة حسنة. الآن يساكنني رجلي لأني ولدت له ستة بنين. فدعت اسمه زبولون". وجاء في هذا السفر عند ذكر البركة (٤٩: ١٣) (١): "زبولون عند ساحل البحر يسكن". فأشار في كلا الموضعين إلى معنى السكونة (٢). فهكذا جاء في دعائه ليهوذا في هذا السفر (٨:٤٩): "يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك" فتبيّن أنّ وجه التسمية هو الحمد والطاعة (٣)، وأن اسم يهوذا ليس مركباً من

стр. 319

"يهو" و "ذا"، بل هو كلمة واحدة من مادة "هود". (٢) والثاني أن بعد السبي نجد اسم اليهود يطلق عليهم واسم اليهودي على لسانهم، كما جاء في سفر عزرا، ونحميا، وأستير، وإشعيا، وإرميا، ودانيال، والإنجيل (١)، حتى اشتهر هذا الاسم. فلو كان الأصل "يهوذا" لسُمُّوا باليهوذي بالذال المعجمة (٢). (٣) والثالث أن الأسماء المركبة من "يهو" لا بد أن تتضمن كلمة أخرى تدل على وصف يليق وصله بـ "يهو". وكلمة "ذا" ليست مما يليق بأن يُضمَّ بـ "يهو" في تسمية مخلوق، فإن المعنى يكون: هذا الله. وشناعة هذه التسمية ظاهرة. والقرآن ربما ينبه على خطئهم، كما هو مبسوط في موضعه. فنبّه على أن اسم "يهوذا" الذي انتسبوا إليه أصله من مادة "هود". ومِن حسن إشارة القرآن أنّه نبّه اليهود على معنى اسمهم، ليعلموا أنّهم يلزمهم أن يتوبوا إلى ربهم.

стр. 320

(٧٩) هدى (١) هو اسم الحِدْثان من: هَدَى يَهْدِي. ويأتي (٢) -حسب أصل معلوم في إطلاق أسماء الحِدثان- على وجوه: (١) فالأول أنه النور والبصيرة في الفؤاد، كما قال قُسّ بن ساعِدَة (٣): والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ ... م نفوساً لها هُدىً وَاعتبارُ (٤) وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٥). وأيضاً: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٦). (٢) والثاني هو الدليل والبينة وما تهتدي به، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٧). أيضاً: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٨).

стр. 321

أيضاً: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (١). (٣) والثالث: الطريق الواضح الموصل، كما قال امرؤ القيس: وَمِنَ الطريقةِ جائرٌ وهُدىً ... قصدُ السبيلِ ومنه دْو دَخلِ (٢) وفي القرآن: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). ومنه: للسنّة والشريعة، كما قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٤). و ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ (٥). (٤) والرابع: اسم لفعل الهداية، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ (٦).

стр. 322

أيضاً: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١). أيضاً: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ (٢). وهذه الوجوه كلّها من جهة العربية. (٥) ثم العرب تسمي الأشياء ببعض وصفها الظاهر. فعلى هذا الأسلوب سمى الله تعالى كتابه "هدى" من جهة هذه الوجوه كلّها، لكونه جامعاً لها. والشيء الواحد يسمى بأسماء عديدة، فالهدى من أسماء كتاب الله، كما قال تعالى ذكراً لقيل مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ (٣). وأيضاً: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٤). وأيضاً: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥). أي يأتينكم وَحْيٌ مني. فهذا هو المعنى الخامس للهدى. وهو جامع للوجوه السابقة (٦).

стр. 323

الملحق الثاني زيادات هذه الطبعة

стр. 324

(٨٠) (١) آدم من الأُدْمَة، وهي السُّمْرَة في الإنسان، والبياضُ الشديدُ في الإبل. يقال: بعير آدم وناقة أدماء. وإنما سُمّي أبو البشر آدمَ للونه (٢)، كما سميت الحوّاء (٣) ﵍ من الحُوّة، وهي لون أميل إلى السواد. وهذان الاسمان يوجدان في العبرانية بتغير يسير (٤). والعربية أحفظ وأقرب إلى الأصل، إن لم تكن هي الأصل (٥). (٨١) (٦) إبليس إفعيل من أبلَسَ: انكسر، وحزن، ويئس (٧). قال الراجز (٨):

стр. 325

يا صاحِ هل تعرِفُ رسماً مُكْرَسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا (١) وفي القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٢). (٨٢) أحْصَنَتْ فرْجَها (٣) أحصَنَ فَرْجَه: تحصَّنَ من السوء، كما يقال: سَدَّ الثُّلْمَةَ، ورَتَقَ الفَتْقَ، وجَبَرَ الكَسْرَ، وحَمَى البَيضَةَ. فما يراد منه حقيقة أفراد الألفاظ. والفَرْج هاهنا بعينه لا يدل إلا على مظِنّة السوء مثل الخَلَل. وقد استعمل للرجال والنساء ولفُرْجَة رجلَي الفَرس (٤). ...

стр. 326

أحْصَنَتْ فرْجَها: سدَّت مواقع المخافةِ عليها، فإنّ ذلك معنى الفرج، كما قال لبيد في معلقته: فغدَتْ كِلاَ الفرْجَينِ تحسَب أنها ... مَولَى المخافةِ خلفُها وأمامُها (١) وهذا كثير (٢).

стр. 327

(٨٣) إسرائيل (١) اسم يعقوب ﵇. وكثر مخاطبة اليهود في صحفهم بإسرائيل، أي نسل إسرائيل. والكلمة عبرانية مركبة من "إسر" وهو العبد، و "إيل" وهو الإله، كما في أسماء أخر. فإسرائيل معناه: عبد الله (٢). والعبرانيون يقولون: هو

стр. 328

بطل الله، من الأسْر، بمعنى القوة (١). ومن حماقاتهم التي أدخلوها في صحفهم أنه صارع، فصرع اللهَ، فسمّي "إسرائيل" (٢).

стр. 329

وكذلك قالوا: إنه ولد آخذاً بعقب أخيه عيسو، فسمي "يعقوب" (١). والقرآن يشير إلى كونه مبشّراً به بعد إسحاق، فسمّي "يعقوب" (٢). (٨٤) أغْنَى وأَقْنَى (٣) الغِنى: عدم الحاجة، والقِنوة: ظهور الثروة، من قنو المخلة (٤). قال امرؤ القيس: أثيثٍ كقِنْوِ النخلةِ المتَعَثكِلِ (٥) وقال أيضاً في معنى الثروة: ألا إن بعدَ العُدْم لِلمرء قِنوةً ... وبعدَ المشيبِ طولَ عُمْرٍ وَمَلبَسا (٦)

стр. 330

(٨٥) أفلح (١) أفلَحَ: فاز، ضد خَسِرَ وخاب، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢). أيضاً: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). أيضاً: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ (٤). أيضاً: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٥). وفي كلام العرب جاء أيضاً بمعنى عاشَ بالنَّعمة. وذلك قريب من الفوز (٦).

стр. 331

واعلم أن مفهوم أصل هذه المادة: الانشراح (١). فاشتق منها الفلج والفرْج والفَرْق والفَلْق والفَلْغ (٢). وهي موجودة في العبرانية (٣). ومن ههنا الفلاّح للحارث، لما هو يفرق التراب عند الحرث. وقيل في اسم "فالج" الذي هو في سلسلة النسب بين نوح وإبراهيم ﵉: إنه سمى بفالج لأنه كان يحرث الأرض (٤). وأيضاً جاء في كلام العرب بمعنى: بَقِي (٥). فهذه ثلاثة وجوه. و "المفلحون" جامع لها. فإن المتقين (٦) هم الفائزون، وهم المتنعمون الباقون

стр. 332

في نعيم مقيم. وكثر في أوائل الوحي هذه الأوصاف للمتقين. ويدل على هذا المعنى الجامع قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). فانظر كيف بدء بـ ﴿أَفلَحَ﴾ وتمّم بأنهم المنعمون الوارثون الباقون. (٨٦) الإنجيل (٢) (١) الإنجيل ليس معناه: كتاب نزل على عيسى ﵇. وإنما أُطلق لفظ الإنجيل عليه لأكبر مقاصده، كما أُطلق لفظ القرآن على كتاب نزل على محمد ﷺ ، والتوراة على كتاب نزل على موسى ﵇، لحاظاً لأكبر المقاصد. فإن القرآن ما يُقرأ كثيراً، والتوراة هي الشرائع (٣). واسم الإنجيل يونانية (٤) ومعناه البشارة. ولما كان عيسى ﵇ مبشراً بملكوت الله المنتظر سُمِّي كتابُه إنجيلاً. وكان كتابٌ نزل عليه مشتملاً على هدى ونور، وجُلُّه البشاراتُ، فحين نسوا منه حظّاً، ولم يبق في أيديهم إلا كلام مخلوط مع حفظِ الله تعالى منه البشاراتِ لتكون حجةً عليهم -ولكن يهتدي به الصالحون- أطلق اسم الإنجيل على هذا الباقي، كما يليق هذا الاسم بكتابه الكامل الصحيح. وإطلاق اسم الكامل على البقية جائز، لا سيما إذا بقيت فيها جهة التسمية. فإنّ الكتاب الذي نزل عليه ﵇ كان إنجيلاً لاشتماله على البشارات. فهذا اسم مشترك

стр. 333

بين معنيين، فلا ينبغي الخلط بينهما. والمشترك يختص عند الاستعمال حسب موقع الكلام. ألا ترى اسم الفرقان يطلق على التوراة والقرآن، ولا خفى المعنى عند الاستعمال. وهكذا اسم التوراة يطلق على الكتاب الصحيح الذي نزل على موسى ﵇ وعلى الكتاب المبدَّل الذي بقي في أيدي أهل الكتاب، وبقي فيه أكثر الشرائع. (٢) لما كان المسيح ﵇ خاتم أنبياء بني إسرائيل، وداعياً إلى خاتم الأنبياء مطلقاً، ومبشِّراً به وببعثته التي هي بين يدي الساعة ودينونة الله صار مبشّراً بملكوت الله من جهتين: من جهة أن بعثة نبينا هي ملكوت الله، ومن جهة أن القيامة هي ملكوت الله. ولذلك ضرب أمثالاً بعضها لبعثة محمد ﷺ ، وبعضها للقيامة، كما سيتبيّن من شرح أمثال الإنجيل (١). وهكذا صرّح الإنجيل والقرآن. فجاء في الإنجيل: "كانت النبوة إلى يحيى، وبعده فليس إلا بشارة ملكوت الله" (٢). وجاء في القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣). (٨٧) الإنفاق (٤) نفق، ونفد، ونفذ من أصل واحد (٥). والمعنى: ذهب وجرى. يقال:

стр. 334

نَفقَ البيعُ: راجَ. ونَفِقَ الزادُ: نفد. وأنفقَ القومُ: نفقت سوقهم. وأنفقَ الرجل: ذهب ماله. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (١). والنفَق: سَرَبٌ في الأرض. ومنه النافِقاء، لإحدى جِحَرَة اليربوع النافذة التي يكتمها. والأخرى القاصِعاءُ، وهي التي يظهرها وليست بنافذة إلى مكانه. ومنه سمي "المنافق". وأنفق المال: أجراه، وأخرجه، ولم يمسكه، ولم يحبسه. (٨٨) البارئ (٢) البَرْءُ يشبه الخَلْقَ من بَرَأَ يبرَؤه، ومنه البريّة، وترك همزها. واعلم أن البَرْءَ ليس مرادف الخلق إلا على التجوز، فإنّ الخلق أصله التقدير، والبَرء إصلاحه، والتصوير إتمامه. ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (٣). كماقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ (٤). وزعموا أن "البَرَا" بغير الهمز كلمة أخرى، ومعناها التراب. قال الجوهري:

стр. 335

"البَرَا: التراب. قال الراجز: بفيكِ من سارٍ إلى القوم البرا (١) والبريَّة: الخلق، وأصله الهمز، والجمع: البَرَايا والبَرِيّات. قال الفرّاء: إن أخذت البريّة من البرا -وهو التراب- فأصلها غير الهمز (٢)، تقول منه: براه الله يبروه بَرواً، أي خلقه" (٣). وهذا قول مضطرب، فإن البَرء حينئذٍ يكون فعلاً من التراب، وجعله بمعنى الخلق تكلف ظاهر مبني على أن الخلق إنما يكون من التراب. وهذا كما ترى. ثم الفعل من التراب يكون بمعنى: جعله تراباً، لا خلقه من التراب. ثم لا دليل في قول الراجز على أن البرا هو التراب (٤). والأولى بالصواب أن المادة الواحدة اتخذت صورتين: بَرَأَ مهموزاً وبَرَى ناقصاً يائياً، فإنا نجد معناهما في غاية التشابه. تقول: بَرَيت القلم، وبَرَيت السهم بَرْياً لِنَحتِهما. والمِبْرَاة: الحديدة التي يُبرى بها السهام. فهذا هو أشبه بمعنى الخلق.

стр. 336

وهذه المادة موجودة في العبرانية (١) ففي أول التوراة: "بارا إلُوهِيم هَاشَّمَيِم" (٢)، أي خلق الله السموات. (٨٩) بَدَّلَ (٣) ١ - بدّل الشيءَ شيئاً: جعل الثاني عوضاً للأول، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (٤). أي جعلوا الكفر بدلاً لنعمة الله. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٥). ٢ - وأيضاً: غَيَّرَه، كما حكى الله تعالى عن قول المنكرين: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (٦). ٣ - وأيضاً: أتى بشيء آخر في مكانه، كما قال تعالى. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٧). وربما يُبيّن هذا المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (٨).

стр. 337

وأيضاً: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ (١) وربما يحذف المبدل منه، كما قال تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٢). أي بجلودهم جلوداً غيرَها. (٩٠) جَهْرَةً (٣) جَهرةً: علانيةً وعِياناً، من جَهَرَ الركيَّةَ: نَقَّاها، وكذلك الصوتَ. وأصله التحريك بالشدة، كالنفض للثوب (٤). وأظنها من الألفاظ العتيقة. فإننا نجد في لغة غير السامية ما يشبهها لفظاً ومعنى (٥). (٩١) الجِيد (٦) الجِيد يستعمل في مواقع الحُسنِ والتِّيهِ (٧)، كقولِ امرئ القيس:

стр. 338

وجِيدٍ كجِيد الرئمِ لَيس بفاحشٍ ... إذا هي نَصَّتْه ولا بمعطَّلِ (١) أو كقوله: بجِيد مُعِمٍّ في العشيرةِ مُخْوَلِ (٢)

стр. 339

(٩٢) الحِجَارة (١) قالوا: إنّها جمع حَجَر (٢). وعندي أنها اسم للصِنف. قال تعالى حكايةً عن قول المشركين: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٣). أيضاً: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (٤). وقال الأعشى (٥): وحوادثُ الأيامِ لا ... يَبقَى لها إلاّ الحجارَهْ

стр. 340

(٩٣) ختَمَ (١) خَتَمَ: طَبَعَ، أي أثّر في الشمع أو الطين أو نحوِه للسدّ أو العلامة أو لكليهما. فخَتَمَ على الكتاب: طَبَعَ عليه بالخاتم، وعلى فم الوِعاء: طبع عليه بعد ما سدّه لكيلا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء. وبالتجريد خَتَمَ على الشىء: أحكم سدّه. فالختم على القلب والسمع يراد به أن لا يدخل فيهما ما كان ليدخل فيهما لولا هذا الختم. والختم على فم الإنسان يراد به أن لا يخرج منه كلام، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٢). وجاء الطبع على البصر أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٣). وهذا من التجريد أو التغليب. (٩٤) الخَلْق (٤) الخلق أصله التقدير (٥)، كما قال زهير:

стр. 341

فَلأَنتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ القوم يخْلُقُ ثُمَّ لا يَفرِي (١) ثم توسّع إلى إعطاء الوجود. (٩٥) ذلك الكتاب (٢) روي عن ابن عباس ﵄ وغيره من السلف أن معناه: هذا الكتاب (٣)، وعَنَوا بذلك أن المراد هو هذا الكتاب لا غيره، وهو قول صحيح. وليس معناه أن كلمة "ذلك" بمعنى "هذا"، فإنّ بينهما فرقاً عظيماً. وتفصيله في كتاب المفردات (٤)، ونذكر هنا بقدر الكفاية. فاعلم أن "هذا" تشير إلى ما كان بين يديك وتُرِيه المخاطب، ولذلك تصدره بحرف "ها"، فتُريه ما بين يدي المخاطب، كما تقول: هأنذا، قال تعالى:

стр. 342

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (١). فلو قال: "ربَّ ذلك البيتِ" دلَّ على أن البيت قد مرّ ذكره، فأشير إليه. فإذا سبق ذكر شيء، وأشير إليه بهذا، كان المقصود إحضار ذلك الشيء بين يدي المخاطب. ونذكر على سبيل التمثيل لا الاستناد من قصيدة الفرزدق (٢) أمثلة (٣)، قال: هذا الذي تعرِفُ البطحاءُ وَطأتَه ... والبيتُ يَعرِفه والحِلُّ والحَرَمُ وقال في هذه القصيدة: هذا التَقيُّ النَقيُّ الطاهرُ العَلَمُ (٤) وقال أيضاً: إلى مَكارمِ هذا ينتهي الكَرَمُ (٥)

стр. 343

فإن الإمام زين العابدين (١) ﵁ كان موجوداً، وكان الشاعر يُرِيه المخاطب إرغاماً له (٢). وجاء في القرآن. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٣). وجاء أيضاً: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (٤). أيضاً: ﴿وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٥). وضرب مثلاً لعيسى ﵇، ثم قال بعده: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٦). فبالإشارة بكلمة "هذا" مثّل بين أيديهم ما سبق ذكره. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ (٧).

стр. 344

فأشار إلى النبي بـ "هذا"، وهو بينهم. أما كلمة "ذلك، وتلك، وأولئك" فتشير بها إلى ما علمه المخاطب وسبق ذكره. أو يكبر من أن تمثله بين يديه. تقول بعد تمام الكلام: "ذلك" أي خذ ما ذكرنا. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ (١). وقال تعالى بعد ذكر داود ﵇: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢). وهكذا بعد ذكر أحكام المواريث قال تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾ (٣). وقال أُمَيَّة بن أبي الصَّلْتِ (٤): تركتُ اللاتَ والعُزَّى جميعاً ... كذلك يفعلُ الرجلُ البصير (٥) وهذا كثير في القرآن وكلام العرب. وهم يفرّقون بين استعمالها لفوائد خاصة. ومن فوائد استعمال كلمة (ذلك) هاهنا دلالتها على أن اسم السورة المذكور قبها من القرآن، فإنها تشير إليه. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾. فأشار بكلمة ﴿كَذَلِكَ﴾ إلى المذكور آنفاً.

стр. 345

وأما قول النحويين إن "هذا" للقريب، و "ذلك" للبعيد، فتقريب، وليس بيان حقيقة الأمر. ومما ذكرنا يتبين أن ما زعم ابن جرير ﵀، وتبعه المفسرون، أن ﴿ذلك﴾ هاهنا بمعنى هذا، واستشهد بقول خُفاف بن نَدْبة (١): أقول له والرمحُ يأطِرُ متنَه ... تأمَّلْ خُفافاً إنني أنا ذلكا (٢) فلا يصح، لا في البيت، ولا في الآية: أما الآية فقد بينا أن ﴿ذلك﴾ هاهنا يدل على أمر لا يدل عليه "هذا". وفي القرآن نظائر كلها تؤيد ما ذكرنا، كما سيأتيك (٣). وأما البيت فيقبح فيه لفظ "هذا"، فإن الشاعر بعد ما ذكر اسمه لعدوه، قال له: إنني عدوك الذي سمعته وعلمته من قبل. فلو قال: إنني أنا هذا، لم يدل على ذلك المعنى؛ وأيضاً سقط، لما أن في "ذلك" دلالة على عظمته، ولا فائدة في "أنا هذا" (٤).

стр. 346

(٩٦) الرجز (١) لغةٌ في الرجس، وأصل المعنى: الاضطراب والحركة العنيفة والارتعاش (٢). ولذلك يطلقان على القذر لما تشمئز منه النفس وتضطرب، وعلى العذاب لإزعاجه الناس. قال الجوهري: "الرَّجسُ بالفتح: الصوت (٣) الشديد من الرعد، ومن هدير البعير.

стр. 347

ورَجَسَت السماءُ ترجُس، إذا رعدت وتمخضت. وارتجَسَتْ مثله. وسحاب رجّاس وبعير رجّاس. قال ابن الأعرابي (١): يقال: هذا راجس حسن، أي راعد حسن. ويقال: هم في مرجوسة من أمرهم، أي في اختلاط. والمِرجاس: حجر يُشَدّ في طرف الحبل، ثم يُدلَى في البئر، فيمخَض الحَمأةَ حتى تثور، ثم يُستقَى ذلك الماء، فتَنقَى البئرُ" (٢). قال تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ (٣). أي قذره وأذاه (٤). وأيضاً: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٥). وأيضاً: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦). وهكذا جاء الرجز والرجس للعذاب. ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ (٧). وقوله تعالى:

стр. 348

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١). (٩٧) الركوع (٢) الركوع هو الانحناء إلى القدام (٣)، ومنه ركع الشيخ: احدَوْدَبَ. وأيضاً: تَواضَعَ، وأيضاً: سَفَل فقراً وبؤساً، كما قال: ... (٤). ويكنى به عن الصلاة، كما في العبرانية تطلق "الصلاة" على الانحناء والصلاة (٥).

стр. 349

(٩٨) الريب (١) هو الشك (٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (٣). وارتاب: شكّ، قال تعالى: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤). ورَيب الدهر: حوادثه، ومنه رَيب المنون، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (٥). رابني فلان، إذا رأيتَ منه ما تكرهه وما هو مظنة السوء، ومنه الريبة للتهمة، وهي ظن السوء، فهي قسم من الشك. قال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٦). وأراب الرجل: صار ذا ريبة، وأيضاً: أورث الريبَ، كما قال تعالى: ﴿في شَكٍّ مُريبٍ﴾ (٧).

стр. 350

ومنه الحديث: "دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك" (١) (٩٩) الزيتون (٢) أما الزيتون فأيضاً أطلق اسمه على منبته حسب سنّة العربية، كما مرّ آنفاً (٣). ولا يخفى أن المراد جبل الزيتون الذي كثر ذكر تضرعات المسيح ﵇ عليه. لوقا (٣٧:٢١): "وكان في النهار يعلّم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل الذي يُدعَى جبلَ الزيتون". وسيأتيك تفصيل ذلك في الفصل السادس (٤). ويوافق ذلك أقوال السلف منا، فقد روي عن ابن عباس ﵄ وعن كعب (٥) أن الزيتون بيت المقدس، وعن قتادة أنه الجبل الذي عليه بيت المقدس. (ابن جرير) (٦).

стр. 351

(١٠٠) السَّلوى (١) اسم طائر يشبه السُّمانَى، الواحد والجمع سواء. عن ابن عباس وابن مسعود وعن ناس من الصحابة: "السلوى طير يشبه السمانى" (ابن جرير) (٢). وهذا الاسم أيضاً مأخوذ من أهل الكتاب، وعرفته العرب، كما مرّ شاهده في تفسير "المنّ" (٣). وهو اسم للطير التي أرسلها الله لبني إسرائيل في البرّية حين تذمّروا. ففي سفر الخروج: ١٦: ١ "ثم ارتحلوا من إيلِيم، وأتى كلُّ جماعة بني إسرائيل إلى برّيّة سِين التي بين إيليم وسيناء في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني بعد خروجهم من أرض مصر. ٢: فتذمَّر كلُّ جماعةِ بني إسرائيل على موسى وهارون في البرّية. ٣: وقال لهما بنو إسرائيل لَيتنا متنا بيد الربّ في أرض مصر إذ كنّا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزاً للشبع فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكي تُمِيتا كلَّ هذا الجمهور بالجوع ... ١١: فكلّم الربُّ موسى قائلاً. ١٢: سمعتُ تذمُّرَ بني إسرائيل، كَلِّمْهم قائلاً: في العشية تأكلون لحماً وفي الصباح تشبعون خبزاً وتعلمون أني أنا الربُّ إلهكم. ١٣: فكان في المساء أن السلوى صعِدت وغطّت المحَلَّة ... " (٤).

стр. 352

(١٠١) الصابئون (١) ذكر ابن جرير ﵀ فيه أقوالاً: فعن مجاهد والحسَن (٢): أنهم قوم لا دينَ لهم، وهم بين المجوس واليهود، ولا تؤكل ذبيحتهم. وعن ابن زيد: أنهم على دين من الأديان كانوا بجزيرة المَوصِل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي. وعن قتادة: أنهم قوم يعبدون الملائكة ويصلّون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. وعن أبي العالية (٣) وسفيان (٤): أنهم قوم من أهل الكتاب (٥). أقول: لا مناقضة بين هذه الأقوال (٦)، فإنهم أوّلاً كانوا على دين الحق،

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 354

ثم نسوه، فعبدوا الملائكة، وعظموا النجوم (١)، كما أن أولاد إسماعيل ﵇ كانوا على ملّة إبراهيم، ثم وقعوا في الشرك. وهذه الآية تدل على ذلك، كما هو ظاهر. وكانوا مولعين بالصلاة، ولذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ ولأصحابه: "هؤلاء الصابئون"، يشبهونهم بهم (٢). وأما وجه التسمية فلعله من صبأ على القوم: طلع عليهم، وصبأ ناب البعير: طلع حلّه، وأصبأ النجم أي طلع الثريّا. وكان الصابئون أصحابَ الرصد والنظر في النجوم، فسُمُّوا بذلك (٣)، والله أعلم. (١٠٢) الصوم (٤) (١) للصوم أثران: جسماني وروحاني. فأمّا الجسياني فكانت العرب تعرفه كلَّ المعرفة، فلذلك نبّههم الله على طرفه الروحاني من التقوى والشغل

стр. 355

بطهارة النفس والمواساة بالفقراء (١). واستعمل لفظ التقوى (٢) لأنّه كان أقرب شيء من حقيقة الصوم ومن علمهم به، فإنهم كانوا يُعوِّدون أفراسهم وآبالهم بالصبر (٣) عن الماء والكلأ، لكي يَقوَوْا على احتمال الصبر عند الشدائد، كما كانوا يُعوِّدون أفراسهم باستقبال الريح، فإنّ التعوّد به من أكبر حاجات عند السير أو الحرب إذ كانت الريح تسفي التراب في وجوههم. ألم تَرَ كيف نصر الله نبيّه بالريح (٤). وهذا الأمر قد وقع في زماننا هذا عند هجوم الكفار. وقد ذكر جرير هذين الأمرين في بيت له: ظَلِلنا بِمُسْتَنِّ الحَرُورِ كأنّنا ... لَدَى فَرَسٍ مُسْتَقْبِلِ الريحِ صَائمِ (٥) إنه وصف حال أصحابه برجل قام مع فرس يروض باستقبال الريح والصوم. والعرب لا تشبّه بأمر غير معتاد. وأراد بقوله "لدى" أنه قائم مع الفرس، وليست العادة أن يقوم الرجل مع الفرس، ووجهُه على غير جهةِ فرسه. والأشعارُ في بيان صوم الفرس كثير (٦).
следующие страницы →