← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96629

مفردات القرآن للفراهي

عبد الحميد الفراهي

Полный текст (408 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

على نحو جديد، وقد علمه بعض تلامذته على طريقته؛ ولكن لم ينجز تأليف كتابه. ٤٠ - الطارق والبارق. مجموعة خواطر وأفكار. ٤١ - العقل وما فوق العقل. النسخة المنقولة من الأصل في ٤ ورقات. ٤٢ - فقه القرآن. النسخة المنقولة من الأصل في ٦ ورقات. ٤٣ - فلسفة البلاغة. هذا الاسم أيضاً تاريخي يشير إلى سنة ١٣٢٤ هـ، أراد تأليفها تمهيداً لفهم كتابه جمهرة البلاغة. لها مسودتان في ٦ ورقات. ٤٤ - القسطاس. "وهي رسالة في علم جديد، وهو منطق العمل وميزان الإرادات وأساس الحكمة العملية". النسخة المنقولة من الأصل في ١٤ ورقة. ٤٥ - قيد الأوابد. مجموعة خواطر وأفكار. ٤٦ - لوامع الأفكار. مجموعة خواطر وأفكار. ٤٧ - مسائل النحو. الأصل في ٨ ورقات، وفي الصفحة الأولى عنوان الكتاب وبعده: "من المفصل للزمخشري". ٤٨ - المنطق الجديد. الأصل في ١٨ ورقة. ٤٩ - نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان. بقيت أجزاء ناقصة من التفسير لم تطبع إلى الآن منها تفسير سورة البقرة، وهو يشتمل على تفسير ٦٢ آية في ٥٦ فصلاً، وعدد أوراقه ١٢٤ ورقة (١). ومنها تفسير سورة آل عمران انتهى فيه إلى الآية ٣١. ٥٠ - النظام في الديانة الإسلامية. وهو جزء من كتاب حكمة القرآن، ولكن نظراً لأهمية الموضوع أفرده بكتاب وكتب له خطبة مستقلة. النسخة المنقولة من الأصل في ١٥ ورقات.

стр. 37

٥١ - النظر الفكري حسب الطريق الفطري. النسخة المنقولة من الأصل في ٦ ورقات. (٩) وفاته وثناء العلماء عليه: توفي ﵀ -وهو يتلو القرآن الكريم- في ١٩ جمادى الآخرة عام ١٣٤٩ هـ على إثر عملية جراحية أجراها طبيبه الخاص في مدينة (مثورا) ودفن بها. وقد رثاه عدد من أصحابه وأصدقائه بقصائد عربية وفارسية وأردية. منها قصيدة الشيخ اللغوي الأديب عبد الرحمن الكاشغري (ت ١٩٧١ م). ومنها قوله في وصف الإمام: ويُعطِّر الأيامَ من أنفاسه ... عَرفُ الهدى والعلمِ والعرفانِ قد كان كعبةَ سؤددٍ وبفضله ... للمكرمات مشيّدَ الأركانِ ويدَ السماح وهامةَ الهممِ العلى ... ولسانَ صدقٍ فيصلاً كَيَمانِ ومحجّةَ الحسنى وحجّةَ أهلِها ... ويمينَ دينِ الحق والإيمانِ (١) ومنها قول بعضهم في تاريخ وفاته: قضى نحبه شيخ ولي مفسر ... حميدُ السجايا ذو الكمال أديبُ وذاك حميدُ الناس حجةُ قومه ... خبيرٌ بأسرار العلوم أريبُ لقد قلت محزوناً لعام وفاته ... تخلّى إلى المولى المجيب نجيبُ (٢) ١٣٤٩ وقد نقلنا فيما سبق أقوال بعض معاصريه عن علمه وخلقه، ونضيف هنا مقتطفات من أربع كلمات: أولها للعلامة السيد سليمان الندوي، وهي أقوى ما كتبه في وفيات الأعلام. وقد كتبها في مجلة (معارف) الصادرة من دار المصنفين بأعظم كره بعنوان (الصلاة على ترجمان القرآن) استهلّها بقوله:

стр. 38

" (الصلاة على ترجمان القرآن) نودي بذلك قبل نحو ستة قرون من مصر والشام إلى حدود الصين، للصلاة على الإمام ابن تيمية ﵀، وحقّ أن ينادى بذلك مرة أخرى من ربوع الهند إلى بلاد مصر والشام على الأقل، فإن ابن تيمية هذا العصر قد توفي في التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ١٣٤٩ هـ (الموافق ١١ نوفمبر سنة ١٩٣٠ م). ذلك الإمام الجليل الذي كانت شخصيته الجامعة بين علوم الشرق والغرب نادرة العصر، شخص واحد اجتمع فيه عالَم من العلم والمعرفة، ماهر في العلوم الدينية، ناقد للعلوم العقلية، وحيد عصره في علوم العربية، نسيج وحده في علم القرآن، عارف بحكمته ودقائقه، كُنَيف ملىء علماً، ولكن لم ينقل من علمه -مع الأسف- إلى الدفاتر والأوراق إلا قليل ... " (١). والكلمة الثانية للعلامة أبي الكلام آزاد ﵀ قال فيها: "كان حميد الدين الفراهي ﵀ من العلماء الربانيين الذين لا تكون بضاعتهم العلم فحسب، بل يجمعون بين العلم والعمل. ويندر وجود أمثال هؤلاء الحائزين للشرفين، كما لا يخفى على أهل النظر. وإني كلما قابلته تأثرت بعمله أكثر من علمه، فإنه كان رجلاً تقياً بكل معنى الكلمة ... " (٢). وقد اطلع العلامة السيد رشيد رضا ﵀ على أجزاء من تفسير الفراهي، فكتب كلمة في مجلة المنار (صفر ١٣٢٧ هـ) ومما قال فيها: "وقد ألقينا على بعض هذه الرسائل لمحة من النظر، فإذا طريق جديد في أسلوب جديد من التفسير، يشترك مع طريقنا في القصد إلى المعاني من حيث هي هداية إلهية، دون المباحت الفنية العربية ... وإن للمؤلف لفهماً ثاقباً في القرآن، وإن له فيه مذاهب في البيان .. وإنه لكثير الرجوع باللغة إلى مواردها والصدور عنها ريان من شواهدها".

стр. 39

وقد نقلنا من قبل بعض ما كتبه الدكتور تقي الدين الهلالي في مذكراته، حينما زار الفراهي ﵀ قبل وفاته بسبع سنين، ومما جاء فيها أيضاً: " ... والرجل فصيح في التكلم لغاية، نادر في علماء العرب فضلاً عن علماء الهند ... سمعت منه خطبة تفسيره للقرآن اغرورقت منها عيناي لفصاحتها وحقّيّتها. وهو عارف بمسألة الخلافة محقق لها، لا يلتبس عليه شيء من أمرها خلافاً لأهل الهند، مجتهد في العقائد والعمليات، لا ينتمي لمذهب لكنه يتعبد على مذهب الحنفية لأنه نشأ عليه ويعتقد أن الأمر في مثل ذلك سهل. ماهر في الإنجليزية والعربية والفارسية والأردية. وبالجملة فهو أعلم من لقيته قبل هذا الحين، وهو ١٧ رمضان ١٣٤٢ هـ" (١).

стр. 40

كتاب مفردات القرآن (١) كتب غريب القرآن قبل الفراهي: قد اعتنى المسلمون بتفسير ألفاظ القرآن في وقت مبكر، وتفننوا فيه. فصنّفوا كتباً في تفسير مشكل القرآن وغريبه، وأفردوا كتباً في لغات القرآن، وأخرى في الوجوه والنظائر. وأقدم الرسائل في كل نوع من الأنواع المذكورة تنسب إلى عبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨ هـ). ولا غرو في ذلك فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة، فكثرت مروياته في التفسير كثرة ظاهرة، كما كثر الحمل عليه أيضاً في هذا الباب. وقد صرّح بعض المتقدمين بتأليف ابن عباس ﵄ في فن الوجوه والنظائر، فقال أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الضرير النيسابوري الحيري (ت ٤٣٠ هـ) في مقدمة كتابه وجوه القرآن: "والسابق بهذا التصنيف عبد الله بن عباس ثم مقاتل ثم الكلبي" (١). وقد أشار ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) إلى أنه "قد نسب كتاب في الوجوه والنظائر إلى عكرمة عن ابن عباس، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس" (٢). أما فن لغات القرآن فقد وصلتنا رسالة رواها إسماعيل بن عمرو بن راشد الحداد (ت ٤٢٩ هـ) بإسناده عن عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤ هـ) عن ابن عباس ﵄. وهي مطبوعة (٣).

стр. 41

أما تفسير ألفاظ القرآن بوجه عام، فذكر فؤاد سزكين أن كتاباً لابن عباس ﵄ بتهذيب عطاء بن أبي رباح يوجد مخطوطاً في مكتبة عاطف أفندي بعنوان "غريب القرآن" (١). ومما روي عنه مسائل نافع بن الأزرق (ت ٦٥ هـ) المشهورة، قيل إن ابن الأزرق سأل عنها طالباً الاستشهاد على كل مسألة منها بشاهد من كلام العرب. وقد وردت جملة من تلك المسائل في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد (٢٢٤ هـ) (٢) والكامل للمبرد (ت ٢٨٥ هـ) -وقد نقلها من بعض كتب أبي عبيدة (ت ٢١٠ هـ) وغيره (٣) - والوقف والابتداء لابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) (٤) والمعجم الكبير للطبراني (٣٦٠ هـ) (٥). وساقها السيوطي بتمامها إلا بضعة عشر سؤالاً -حسب قوله- في كتاب الإتقان (٦).

стр. 42

ويظهر أن هذه القصة لها أصل، ولكن أكثر المسائل المذكورة فيها مصنوعة. ويرى بعض الباحثين أن الكتب المنسوبة إلى ابن عباس ﵄ كان بعضها -على الأقل- من تأليفه هو (١)، بينما يرجح آخرون أنها من تدوين الرواة (٢)، على غرار ما صنعه السيوطي، إذ استخرج أقوال ابن عباس ﵄ في تفسير مفردات القرآن مما روي عن طريق علي بن أبي طلحة (١٢٠ هـ) فجمعها في فصل مفرد (٣). وأياً كان الأمر، فلا شك أن مرويات ابن عباس ﵄ هي التي مهدت للتدوين في علم غريب القرآن، في وقت مبكر، وهيأت المادة الأولى لكل من ألّف فيه. وإذا رجعنا إلى المصادر للبحث عن أول من ألف في غريب القرآن طالعنا بعضها بثلاثة أسماء من طبقة واحدة وهي: - أبو سعيد أبان بن تغلب البكري (ت ١٤١ هـ). - محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ). - أبو روق عطية بن الحارث الهمداني. وقد جاء ذكرهم في ترجمة أبان عند ياقوت إذ قال: "صنف كتاب الغريب في القرآن، وذكر شواهده من الشعر. فجاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي، فجمع من كتاب أبان ومحمد بن السائب وأبي روق عطية بن

стр. 43

الحارث، فجعله كتاباً فيما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه، فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً، وتارة يجيء مشتركاً على ما عمله عبد الرحمن" (١). وبناءً على هذا النص يعد معظم الباحثين المعاصرين أبان بن تغلب أول من صنف في غريب القرآن (٢)، ولكن ليس فيه ما يقطع بذلك، فإن الثلاثة من طبقة واحدة، وهي الطبقة الخامسة من الكوفيين من طبقات ابن سعد (٣)، وترتيبهم في الذكر عند ياقوت لا يستلزم تقديم أحدهم على الآخر في التأليف أيضاً. ولكن يعارض أولية هؤلاء ما جاء في غير واحد من المصادر أن أول من ألف في غريب القرآن هو أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ)، منها كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري (ت بعد ٤٠٠ هـ) الذي يقول: "أول من صنف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى. صنف كتاب المجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق ... " (٤) ونقل ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) قول أبي بكر الأدفوي (٣٨٨ هـ) إن: "أول كتاب جمع في غريب القرآن ومعانيه كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو كتاب المجاز" (٥). ولعل الذي يرفع الخلاث بين القولين أن أبا هلال وغيره يقصدون أول من ألف من أهل اللغة، فإن الثلاثة الأولين يعدون من أهل التفسير، ويشهد بذلك قول ابن درستويه (ت ٣٤٧ هـ): "وذلك أن أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش، وصنف من الكوفيين الكسائي ثم الفراء" (٦).

стр. 44

وقد شهد القرنان الثاني والثالث إقبالاً عظيماً على التأليف في غريب القرآن، وعلماء اللغة هم الذين كانوا فرسان هذا الميدان، فقلما نجد منهم من لم يذكر له كتاب في هذا الفن، حتى الأصمعي الذي روي أنه كان يتحرج من تفسير ألفاظ القرآن نسب إليه كتاب في غريب القرآن (١). وتسمى كتبهم في المصادر بأسماء مختلفة من (غريب القرآن)، و (معاني القرآن)، و (مجاز القرآن)، و (ما يستعجم الناس فيه من القرآن) و (غرائب القرآن). وهي عناوين كانت متقاربة في مدلولها في ذلك العصر، فكان الكتاب الواحد يطلق عليه أحياناً (مجاز القرآن) و (معاني القرآن)، و (غريب القرآن) و (إعراب القرآن)، ومثال ذلك كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى (٢). وسبب ذلك أن الكتب الأولى التي ألّفت في هذا المجال لم تكن مقصورة على تفسير ألفاظ القرآن فحسب، بل كانت تضم بالإضافة إلى ذلك -مباحث النحو والصرف والقراءات، وتفسير ما أشكل من معاني الآيات، ومذاهب العرب في القول؛ على اختلافها في التوسع في إيراد تلك المباحث بحسب اهتمام مؤلفيها وثقافتهم. ويتضح ذلك جلياً من دراسة الكتب الثلاثة التي وصلت إلينا من كتب الأوائل، وهي: مجاز القرآن لأبي عبيدة (ت ٢١٠ هـ)، ومعاني القرآن للفراء (ت ٢٠٧ هـ)، ومعاني القرآن للأخفش الأوسط (ت ٢١٥ هـ). ثم تتابعت الكتب في تفسير غريب القرآن في القرون التالية، وبلغت كثرة لا يأتي عليها الحصر، فقال السيوطي في الإتقان: "أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون" (٣). ومن أشهرها: كتاب تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ). وقد

стр. 45

جعله مقصوراً على الغريب، غير خالط إياه بمسائل العربية التي ضمّن بعضها كتابه السابق (تأويل مشكل القرآن). ورتّبه على ثلاثة أقسام: الأول في ذكر أسماء الله الحسنى وصفاته وفسر فيه ٢٦ حرفاً، والثاني في ألفاظ كثر تردادها في القرآن فلم ير بعض السور أولى بها من بعض وفسر فيه ٤٠ حرفاً. والثالث سائر الكتاب الذي رتبه على ترتيب السور في المصحف. وقد ذكر ابن قتيبة أن كتابه "هذا مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين"، واختار في كل حرف "أولى الأقاويل في اللغة وأشبهها بقصة الآية" نابذاً منكر التأويل ومنحول التفسير. وكان غرضه في الكتاب الاختصار والإكمال فلم يحش كتابه بالنحو وبالحديث والأسانيد حتى لا يطول الكتاب فيقطع منه طمع المتحفظ وبغية المتأدب (١). ومن كتب الغريب التي عدها الزركشي "من أشهرها" كتاب نزهة القلوب لابن عزيز السجستاني (ت ٣٣٠ هـ) وكتاب الغريبين لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي (ت ٤٠١ هـ) (٢). أما كتاب ابن عزيز فيقال إنه صنفه في خمس عشرة سنة، وكان يقرؤه على شيخه أبي بكر ابن الأنباري، فكان يصلح له فيه مواضع (٣). ولعل سبب إعجاب العلماء بهذا الكتاب يرجع إلى أمرين أولهما تحرير المعنى باختصار، والثاني ترتيبه البديع، فقد رتبت فيه الألفاظ على حروف المعجم، ولم ينظر فيها إلى أصلها واشتقاقها، غير أنه اتبع في ذلك منهجاً غريباً، وهو أنه يقسم الحرف الواحد إلى ثلاثة أبواب، المفتوح ثم المضموم ثم المكسور، ثم يرتب الألفاظ في كل باب على السور، ولا ينظر إلى الحرف الثاني وما بعده. ولكن لم يسلم له هذا الترتيب العجيب، فاضطرب في مواضع كثيرة، وصعب البحث عن الكلمات فيه.

стр. 46

أما الهروي فهو أول من جمع بين غريب القرآن وغريب الحديث، وسمى كتابه (كتاب الغريبين) "ورتبه مقفى على حروف المعجم على وضح لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه" كما يقول ابن الأثير في مقدمة النهاية (١)، واشترط في كتابه الاختصار، فقلل الشواهد، وحذف الأسانيد. واستدرك على كتاب الهروي الحافظ أبو موسى المديني (ت ٥٨١ هـ) في كتابه (المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث) ورتبه حسب ترتيب كتاب المهروي (٢). أما كتاب المفردات للراغب الأصفهاني (ت نحو ٤١٢ هـ) فله مكانة مرموقة بين مؤلفات هذا الفن، وقد عده الزركشي من أحسن كتب الغريب (٣)، وقال فيه الفيروزابادي: "لا نظير له في معناه" (٤). وهو "أشبه ما يكون بمعجم كامل للألفاظ القرآنية" (٥)، وقد رتبه الراغب على حروف المعجم معتبراً فيه أوائل الحروف الأصلية دون الزوائد، ولكن لم يراع ترتيب الحرف الثاني والحرف الثالث من الكلمة. ومنهجه فيه أنه يذكر أولاً المعنى الأصلي للمادة ثم يتتبع دورانها في القرآن الكريم فيورد الآيات التي وردت فيها مشتقاتها ويبين مناسبة المعاني المستعارة بالمعنى الأصلي. وعلى الرغم من أن الراغب ذكر في المقدمة أنه استخار الله تعالى "في إملاء كتاب مستوفىً فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي"، أغفل ألفاظاً عديدة، نحو (زبن) و (كلح) و (هلع) و (سردق) أو أخل في تفسيرها، كما ذكر مواد لم ترد في القرآن الكريم نحو مادة (زعق). فألف شهاب الدين أحمد بن يوسف الشهير بالسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ) كتاب (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) وبناه على كتاب الراغب، ثم زاد عليه زيادات كثيرة حسنة، مع إتقان الترتيب وإيراد الشواهد

стр. 47

وجمع الأقوال (١). وأثنى عليه صاحب كشف الظنون قائلاً بأنه "أحسن الكتب المؤلفة في هذا الشأن" (٢). (٢) كتاب المفردات: أسباب التأليف ومقاصده: بعد هذه الكتب المشهورة وغيرها من المؤلفات الكثيرة في تفسير ألفاظ القرآن، عزم الإمام الفراهي على تأليف كتاب جديد في هذا الموضوع، وجعله جزءاً من مشروعه القرآني العظيم المشتمل على اثني عشر كتاباً، وكان كتاب المفردات أول الكتب الثلاثة منها التي ألفها لتمهيد الطريق إلى فهم القرآن على الوجه الصحيح. وهي كتاب المفردات، وكتاب أساليب القرآن، وكتاب التكميل في أصول التأويل. فما الذي دعاه إلى ذلك؟ أفرأى خَلّة فيما ألفه السابقون من كتب غريب القرآن، فأراد سدّها، أم كان غايته التلخيص والتهذيب والتيسير؟. للإجابة عن هذا السؤال نرجع إلى المقدمة الأولى من الكتاب التي عقدها المؤلف على بيان مقصد الكتاب والحاجة إليه، ونلخص ما قاله فيها في النقاط الآتية: ١ - المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام، وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع، وإنما يسلم المرء عن الخطأ إذا سد جميع أبوابه. فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر، وأشكل عليه فهم الجملة، وخفي عنه نظم الآيات والسورة. ٢ - ولو كان الضرر عدم الفهم لكان يسيراً، ولكنه أكثر وأفظع. وذلك بأن المرء قلما يقف على جهله، بل يتجاوز موقفه، فيتوهم من اللفظ ضد ما أريد،

стр. 48

فيذهب إلى خلاف الجهة المقصودة. ٣ - ثم سوء فهم الكلمة ليس بأمر هين، فإنه يتجاوز إلى إساءة فهم الكلام وكل ما يدل عليه من العلوم والحكم، فإن أجزاء الكلام يبين بعضها بعضاً للزوم التوافق بينها. ٤ - وربما ترى أن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها، فيتوجه المرء إلى سمت كلما مر فيه بعد عن الفهم. ٥ - وهكذا ترى الخطأ في حد كلمة واحدة أنشأ مذهباً باطلاً وأضل به قوماً عظيماً وجعل الملة بدداً (١). ٦ - معظم القرآن الحكمة وهي الأصل، ولا سبيل إلى فهمها من القرآن دون الاطلاع على معاني كلماتها المفردة ودون العلم بصحيح علوم اللسان من البيان ... ثم أشار إلى أن "كتب اللغة والغريب لا تعطيك حدود الكلمات حداً تاماً". وقد فصل القول في ذلك مقدمة تفسيره، إذ تكلم على مصادره اللسانية، فنص أولاً على أن المعاني الشرعية كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها قد حفظها الله تعالى بالسنة المتواترة المتوارثة من خلف إلى سلف، ثم قال: "فأما في سائر الألفاظ وأساليب حقيقتها ومجازها فالمأخذ فيه كلام العرب القديم والقرآن نفسه. وأما كتب اللغة فمقصرة فإنها كثيراً ما لا تأتي بحد تام، ولا تميز بين العربي القح والمولد، ولا تهديك إلى جرثومة المعنى، فلا يدرى ما الأصل وما الفرع، وما الحقيقة وما المجاز. "فمن لم يمارس كلام العرب، واقتصر على كتب اللغة ربما لم يهتد لفهم بعض المعاني من كتاب الله" (٢).

стр. 49

تبين من ذلك أن أهمية المعرفة الدقيقة لمعاني الكلمات في فهم الكلام وقصور كتب اللغة والغريب في إعطاء هذه المعرفة في تفسير بعض الألفاظ هو الذي حفز الفراهي إلى إفراد كتاب في هذا الموضوع. وأمر آخر دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، وذلك أن طريقته في تفسيره (نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان) أنه يقسم آيات السورة إلى مجموعات، ثم يتناول كل مجموعة، ويفسر أولاً مفردات ألفاظها. فلو تكلم في هذا الفصل على الألفاظ المشكلة على الوجه الذي تقتضيه من التفصيل والاستقصاء والاحتجاج وتكثير الشواهد لخرج فيه عن الحد الذي رسمه له. ومن ثم رأى أن يجمعها في كتاب مفرد، ليجمل القول فيها في التفسير، ويحيل الراغب في التفصيل على ذلك الكتاب. وفي ذلك يقول في خطبة كتاب المفردات: "أما بعد، فهذا كتاب في مفردات القرآن، جعلته مما نحول إليه في كتاب نظام القرآن، لكيلا نحتاج إلى تكرار بحث المفردات إلا في مواضع يسيرة يكون فيها الصحيح غير المشهور، فنذكر بقدر ما تطمئن به القلوب السليمة". وقد بين المؤلف موضوع كتاب المفردات والجوانب التي كان يريد تناولها في تفسير ألفاظ القرآن في فصل كتبه في الورقة الأولى من المسودة: "في كتاب المفردات يبحث عن الألفاظ المفردة، ويكشف عن معانيها بحيث أن تتضح لها الحدود واللوازم، وما يتصل بها، وما يفترق عنها، وما

стр. 50

يشابهها، وما يضادها، فيحيط العلم بدلالة الألفاظ المفردة". ولم يكن من قصده أن يؤلف كتاباً شاملاً لألفاظ القرآن الكريم. فقد صرح في خطبة الكتاب بأنه لا يورد منها في هذا الكتاب "إلا ما يقتضي بياناً وإيضاحاً، إما لبناء فهم الكلام أو نظمه عليه فإنّ الخطأ ربما يقع في نفس معنى الكلمة فيبعد عن التأويل الصحيح، أو في بعض وجوهه فيغلق باب معرفة النظم. وأما عامة الكلمات فلم نتعرض لها وكتب اللغة والأدب كافلة به". ومن مقاصد هذا الكتاب كما قال في تذكرة كتبها على الورقة الأولى من المسودة أيضاً "الفرق بين معاني الألفاظ عند نزول القرآن وبين ما صارت بعد ذلك، مثلاً "الوحي" لم يكن مختصاً بما أنزل الله على الأنبياء". وفي تذكرة أخرى بعنوان "للمفردات" قال: "نستقصي ألفاظاً تغيرت معانيها بعد الإسلام، ونبين معانيها التي نزل بها القرآن مثل الصلاة والتسبيح والركوع والآلاء والقرآن، والكتاب، والفرقان، إما بالذهول عن المعاني القديمة أو بالغلبة أو التبادر، كالطوفان فإنه الريح الدوارة الشديدة -كما نرى في آيات موسى ﵇ والمتبادر الآن منه فوران الماء، وليس هذا معناه في القديم من اللغة العربية" (١). والجدير بالذكر أن هذا المقصد الجليل هو الذي رمى إليه الأستاذ محمد حسين هيكل الذي اقترح على مجمع اللغة العربية بالقاهرة إعداد معجم ألفاظ القرآن الكريم، فقد ذكر في تصديره لكتاب (معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاري) للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: "فالفكرة التي قصدت أنا إليها، يوم اقترحت وضع هذا المعجم هي أن يقف من يدرس القرآن على معاني ألفاظه عند العرب حين أوحاه الله إلى رسوله ﷺ فكثيراً ما تتغير قيم الألفاظ وإن لم تتغير معانيها تغيراً أساسياً، ونحن

стр. 51

أحوج ما نكون إلى معرفة القيم التي كانت لكل لفظ من ألفاظ القرآن حين نزوله ... فلا بد للباحث في كتاب الله ليكون بحثه علمياً دقيقاً من أن يقف على القيم الدقيقة لهذه الألفاظ حين نزولها حتى يبلغ الغاية من الدقة المرجوة ... " (١). وقد أوكل إعداد المعجم إلى لجنة من أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة وظهر بعدما استغرق العمل أكثر من عشر سنوات، ولكن لم يتحقق به الغرض الذي قصده صاحب الاقتراح. ويتبين من دراسة الألفاظ التي اشتمل عليها كتاب المفردات أن من مقاصده أيضاً الرد على المنصرين والمستشرقين الذين يزعمون أن عدداً كبيراً من ألفاظ القرآن أخذها النبي ﷺ من اليهود والنصارى، وأن بعضها لم يفهمه النبي ﷺ ، فأخطأ في استعماله في القرآن ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ وكان المؤلف ﵀ مطلعاً على كتاباتهم، فرد على مطاعنهم في هذا الكتاب، ومن أمثلة ذلك كلمة الدرس، واليهود، والنصارى، وقد صرح فيها بمزاعمهم. وهناك ألفاظ اعتنى المؤلف بتأصيلها دون إشارة إليهم أو تعرض لكلامهم، ولكن لا يخفى على المطلع على كتبهم أنه أراد إزالة الشبهات التي أثاروها حول تلك الألفاظ. (٣) هل أنجز التأليف ؟: مما يبعث على الأسف أن كتاب مفردات القرآن من الكتب التي لم يقدر للمؤلف ﵀ أن يكملها، لا من حيث مقدماته، ولا عدد ألفاظه، ولا استيعاب الكلام في تفسيرها. فتوفي وهو مجموعة فصول سودت في أزمنة مختلفة، ولم تحظ بإعادة نظر أو تبييض، بل الحق أن كثيراً من نصوصها قيدها المؤلف في صورة مذكرات ليستفيد منها عند تأليف الكتاب. وإليكم بعض الشواهد على ما قلنا.

стр. 52

أولاً: المقدمات: أما المقدمات فقد جاءت في المسودة بعد خطبة الكتاب ثلاث مقدمات شبه كاملة وثلاثة نصوص ناقصة. والظاهر أنه كتبها ليفصلها فيما بعد في صورة مقدمات مستقلة أو يدمجها في بعض المقدمات. ومنها نص في "الحروف المقطعات" قال فيه: "وإنا نورد كل ما علمنا من أقوالهم" ولكن لم يورد شيئاً منها هنا، ولا أتم كلامه على الحروف المقطعات. ولا شك أنه كان يريد أن يخصها بمقدمة مستقلة، ويعرف المطلعون على أفكار الفراهي أن له رأياً خاصاً في تفسيرها، ولا ندري أكان قد توصل إليه عندما كتب النص الموجود في المفردات أم لا، ولكنه أبان عنه في أول تفسير سورة البقرة، وقد نقلت كلامه في التعليق. وكذلك في نص آخر "العام والخاص" أشار إلى أن في سورة الأعراف مثالاً للعطف، ولم يذكر ذلك المثال. وقال في "تذكرة" وجدت في أوراق المؤلف كتبها "للمفردات" يعني هذا الكتاب: "ونقدم قبل ذكر الألفاظ أموراً مهمة، وأهمها التحذير من أخذ المعاني الحديثة. ومنها ذكر أسباب التغير، ومنها غلبة المعنى الأهم كاسم القرآن والطوفان ومنها تفسير السلف الذي ظنوه عاماً كمعنى الآلاء". ولكن لم نجد كلامه في هذين الموضوعين في المقدمات الموجودة في مسودة الكتاب. ووصفنا المقدمات الثلاث الأولى بأنها شبه كاملة، لما فيها من الاقتضاب وعدم الاستقصاء. ومن ذلك قوله في المقدمة الأولى: "فمن لم يتبين له معنى الكلمة وحدودها لم يتمثل له شكله، ولا اتضح مفهومه مثلاً كلمة (موارد) في بيت طرفة. ومثل كلمتي سلكي ومخلوجة في بيت امرىء القيس:

стр. 53

نطعنهم سُلْكَى ومخلوجةً ... كرَّكَ لأمينِ على نابل ولعدم فهمهما أظلمت المصرعة الثانية. وانظر كيف اختلفت الأئمة في معنى البيت". هنا لم يورد المؤلف بيت طرفة، ولا فسره. أما قول امرىء القيس فقد فسره في الحاشية تفسيراً مخالفاً لأقوال الشارحين الذين أخطأوا فيه جميعاً. وقد انكشف بتفسيره معنى البيت وتألق. فما كان أبصره بالشعر! وهذا البيت هو الذي قال فيه أبو عمرو بن العلاء: "ذهب من كان يعرف هذا وهو مما درس معناه" وليت الإمام الفراهي فسر بيت طرفة أيضاً!. ومن ذلك أيضاً أنه بدأ المقدمة الثانية بقوله "فنقسم أولاً مواضع الوهم من الكلمة أو الكلام .. " ويفهم من (أولاً) أنه سيتبعه الكلام على موضوع آخر في هذه المقدمة لأنه جعل عنوانها (في الأصول اللسانية) وهو عنوان عام. ثم في الكلام على الكلمة المرادفة ضرب المثل بلفظ "الفزع" وقال إنها "أول كلمة شرحها صاحب الكامل ﵀، وأخطأ فيه، وكذلك الأزهري". ولم يفصل نقده للمبرد والأزهري، وتلت المقدمة الثانية "تذكرة" تتعلق بالكلمة الجامعة المعاني والفرق بينها وبين الكلمة المشتركة، وقد كتبها ليضيفها إلى الكلام على الكلمة الجامعة في المقدمة الثانية. ثانياً: عدد الألفاظ: قد أحال المؤلف في تفسير بعض الألفاظ القرآنية في كتبه الأخرى على كتاب المفردات، وهي غير موجودة فيه، نحو كلمة (أمة) في قوله تعالى ﴿إِنَّ إبراهيم كان أمةً قانتاً﴾ (النحل: ١٢٠)، إذ فسرها في كتاب التكميل في أصول التأويل، وقال في آخره: "انظر كتابنا مفردات القرآن" (١). وكذلك لما تكلم في تفسير سورة البقرة على اسم الإشارة (ذلك) في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الكتاب لا

стр. 54

ريب فيه﴾ أحال على كتاب المفردات (١). ومنها كلمة المثاني التي قال فيها في بعض تعليقاته على نسخته من لسان العرب: "الشواهد على ما قلنا ذكرناها في كتابنا في مفردات القرآن" (٢). والكلمات الثلاث لم ترد في مسودته التي وصلتنا. فهل كان هناك ألفاظ أخرى كان المؤلف يريد تفسيرها في هذا الكتاب، فلم يتمكن من ذلك؟ لم يشر المؤلف إلى عدد الألفاظ التي كان ينوي تفسيرها في كتاب المفردات، غير أنه قال بعد ما صرح في خطبة الكتاب بأنه لا يورد فيه إلا الألفاظ التي تقتضي البيان والإيضاح لبناء فهم الكلام أو نظامه عليه: "ومع ذلك تجد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى محتوياً على جل ما يقتضي الشرح من ألفاظ القرآن". أما مسودة الكتاب فلا تحتوي إلا على ٤٤ كلمة، فهل كان عدد الألفاظ القرآنية التي رآها بحاجة إلى فضل بيان وشرح قريباً من ذلك أو زائداً عليه زيادة يسيرة؟. الذي يغلب على الظن أن العدد المطلوب كان أكثر من ضعف العدد المذكور، والدليل على ذلك أن ظهر الورقة الأولى من المسودة يحمل فهرساً غير مرتب لألفاظ قرآنية عددها أيضاً ٤٤ كلمة، وهي كما يلي: الآلاء، الأمة، الحبك، التقوى، الصوم، الصلاة، الدين، الكتاب، الحكمة، الذكر، الزكاة، الرسول، النبي، الوحي، العرش، الكرسي، الاستواء الجهاد، ليلة القدر، الغيب، الفزع، الضلال، جهنم، الزقوم، الكلمة، الأمر، الروح، التوراة، الإنجيل، الزبور، الصحف، النور، بين يدي، بأعين، السكينة، الإفساد، الرجم، العهد، القسط، الولد والابن، المحكم والمتشابه، المثل، التأويل، الطوفان. والظاهر أن المؤلف قيّد تلك الكلمات لتفسيرها في هذا الكتاب، ولكن

стр. 55

مسودته لم تتضمن منها إلا سبع كلمات، وهي: الآلاء، والحبك، والحكمة، والذكر، والزكاة، والعرش، والطوفان. فإذا حذفناها من الفهرس وأضفنا الباقي وهي ٣٧ كلمة إلى محتوى المسودة بلغ عددها ٨١ كلمة. وقد عثرنا في كراستين بخط المؤلف على تفسير تسع كلمات إحداها وهي (الولد والابن) من الفهرس المذكور، وأحال في ثلاث كلمات -كما سبق- على كتاب المفردات، وفسر في كتاب الطارق والبارق معنى (ذكر الله) وصرح بأن ذلك "من كتاب المفردات"، كما فسر فيه ألفاظاً أخرى توافق مقاصد الكتاب، فالأغلب أنها منه ولو لم يصرح فيها بذلك. وهناك عدد ملحوظ من المفردات فسرها في أجزاء تفسيره، وناقش أئمة اللغة في تأصيلها أو تفصيل وجوهها، أو بيان تطور معانيها، ومنها: الأبّ، والأبتر، والتين، وسفرة، وصرة، والمنّ، والسلوى، والنصارى، وهادوا، والتكذيب، وغيرها. وبعضها بلا شك كان من الألفاظ التي توخى معالجتها في كتاب المفردات، نحو كلمة (الأبّ) التي أشار إليها في مقدمة الكتاب. فإذا أضيف مثل هذه الألفاظ إلى الفهرس بلغ مجموعها مائة كلمة أو تزيد. هذا وقد فسر المؤلف ثماني كلمات من الفهرس الوارد في أول المسودة في مؤلفاته الأخرى وهي: الإنجيل، والتقوى، والصحف، والصلاة، والصوم، والغيب، والمحكم والمتشابه، والتأويل. أما بقية ألفاظ الفهرس المذكور فلم أجد للمؤلف كلاماً مفصلاً عليها، وإن أشار إلى بعضها في مؤلفاته. ثالثاً: تفسير الألفاظ: أما الشواهد على أن المؤلف لم يستوعب الكلام في تفسير كثير من المفردات ولا أعاد النظر فيما سوده من فصول، فهي كثيرة مستفيضة. ومنها: ١ - في تفسير كلمة (الآل) -وهي أول كلمة في الكتاب- ورد في المسودة نصان مستقلان يظهر أن المؤلف كتبهما في زمنين مختلفين، ثم وضعهما في المسودة ليؤلف منهما نصّاً واحداً عند التبييض.

стр. 56

٢ - في كلمة (الآلاء) أراد أن ينقل كلام ابن دريد في قول الأعشى: أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحماً ولا يخون إلا من لسان العرب، ولم يكن اللسان بين يديه في وقت التسويد فكتب: "قال ابن دريد (انظر لسان العرب تحت كلمة إلّ) ". ٣ - في كلمة (الحبك) لم نجد في المسودة غير العبارة الآتية: "قال أبو صخر ... "، وقد فسرها في تفسير سورة الذاريات. ٤ - في كلمة (الدرس): "وقد شبه عنترة الحاجب بالنون في قوله ... " وترك البياض. ٥ - في الكلام على كلمة (الرحمن) ذكر أن أكثر الناس يزعمون أن العرب في الجاهلية لم تعرف هذه الكلمة، وأن متمسكهم قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، ثم قال: "والتأويل عندي غير ما فهموه، كما سنذكره بعد إثبات أن العرب عرفت هذا الاسم للرب تعالى"، ولكن لم يذكر تأويل الآية. ومما استدل به على قوله: أن العرب "كانوا يسمّون بعبد الرحمن في الجاهلية مثل ... "، وترك البياض. ٦ - في كلمة (الزكاة): لم يتكلم على أصلها ومعناها، وإنما ذكر جهتين من جهاتها. ٧ - وكذلك في كلمة الصلاة ذكر جهات الصلاة فقط. ٨ - في الكلام على كلمة (لعل) قال: "تأتي للعلة كثيراً"، ولم يؤد على ذلك، وأجّل ذكر الأمثلة من القرآن وكلام العرب لوقت التبييض. (٤) منهج الكتاب: (١) مما يمتاز به كتاب المفردات عن غيره من كتب غريب القرآن أن مؤلفه قد مهد لتفسير الألفاظ بعدة مقدمات تناول فيها بعض القضايا المتعلقة

стр. 57

بلغة القرآن، والأصول التي تهدي إلى الفهم الصحيح للمفردات وتسد مداخل الوهم والغلط فيها. وهي -كما علمنا في الفقرة السابقة- ثلاث مقدمات: ١ - في مقصد الكتاب وحاجتنا إليه. ٢ - في الأصول اللسانية. ٣ - في كون القرآن خالياً عن الغريب. ولو قدر للمؤلف صنعة الكتاب على الوجه الذي يرتضيه، وفصل النصوص الناقصة التي وردت في المسودة، وتناول بعض المسائل التي صرح بأنها أهم ما يتكلم عليه في المقدمة نحو التحذير من أخذ المعاني الحديثة، وذكر الأسباب المفضية إلى تغير معاني الألفاظ، لازداد عدد المقدمات وحجمها وغناؤها. وقد نقلت خلاصة المقدمة الأولى من قبل في بيان أسباب التأليف، ونلمع هنا إلى مضمون المقدمتين الثانية والثالثة. أما المقدمة الثانية فقسم فيها المؤلف الكلمة إلى أربعة أقسام للتنبيه على مواضع الوهم منها وهي: ١ - الكلمة المشكلة على غير العرب أو غير العارف بلغتهم. ٢ - الكلمة المشتركة بين معنيين أو أكثر. ٣ - الكلمة الجامعة المعاني. ٤ - الكلمة المرادفة. وقد اهتم المؤلف بالقسمين الأخيرين، لأن أكثر ما يقع الوهم فيهما، أما المرادفة فهي نوعان: الأول ما يطابق مرادفه مطابقة تامة، والثاني ما يوافقه من بعض الوجوه. ويرى المؤلف أن النوع الأول قليل جداً، وأما الثاني فهو كثير جداً، وفيه معظم الوهم. ثم ذكر أن من أنفع شيء في فهم الكلمات المرادفة معرفة تفسير الصحابة والتابعين، فإنهم كثيراً ما فسروا الكلمة بمرادفها حسب ما أريد في موضعها، ولكن الخطأ الذي وقع فيه المتأخرون أنهم توهموهما مترادفين من جميع الوجوه فأخطأوا صحيح معنى الكلمة.

стр. 58

أما الكلمة الجامعة المعاني فهي الكلمة المشتركة التي لم يذهل عن الجامع بين معانيها. والفرق بينهما أن المشترك إنما يراد به أحد الوجوه نصاً ولجهة نظام الكلام، والباقي إشارة. ونبه المؤلف على أن الكلمة الجامعة أيضاً كثيراً ما يكون عرضة للوهم، إذ يفسرها السلف بمرادف لها ببعض الوجوه فيظن أنهما متطابقان تماماً. ولكون القرآن حافلاً بالألفاظ الجامعة ولأن تنزيلها على وجوهها يحتاج إلى تدقيق النظر في موقعها وسياق الكلام، عني المؤلف بها في تفسيره عناية خاصة، وأحسن نموذج لمنهجه في تفسير الألفاظ الجامعة كلمة (الاتقاء). أما المقدمة الثالثة فعقدها المؤلف لإثبات أن القرآن الكريم "قد أخلص عن الوحشي الغريب كما أخلص عن التعقيد في التركيب)، وقد ذكر فيها أربعة أسباب لاعتقاد الناس بوجود الغريب في القرآن وهي: ١ - تأليف العلماء في غريب القرآن. ٢ - كثرة الأقوال في تأويل بعض الألفاظ. ٣ - القول بأن بعض الألفاظ مجلوب من لغات أجنبية كالحبشية والحميرية. ٤ - ما روي من أن بعض جلة الصحابة خفي عليهم معنى بعض الكلمات كالأبّ والتخوف والفاطر. ثم تكلم المؤلف على كل سبب من الأسباب المذكورة. ومن ذلك قوله في السبب الثالث بأن كون اللفظ معرباً لا يجعله غريباً ولا مجهولاً، فكل ما عربه العرب واستعملوه في كلامهم فهو من لغتهم. أما الروايات التي نقلت في جهل بعض علماء الصحابة نحو أبي بكر وعمر ﵄ ببعض الألفاظ، فإن المؤلف ينكرها أشد الإنكار، ويرى أنها بصرف النظر عن ضعف سندها تعارض صريح العقل وتصريح القرآن الكريم، وقد ذكر دلائله في هذه المقدمة وفي تفسير سورة عبس عند الكلام على كلمة (الأب). (٢) أما منهج المؤلف في تفسير المفردات القرآنية فقد يكون من التجوز

стр. 59

أن نتحدث عنه، إذ لم تظفر مادة الكتاب من جهد المؤلف في دراستها والنظر فيها والاحتجاج عليها بما كان يتوخاه. وكثير من نصوصه لا تعدو أن تكون بمنزلة مذكرات وإشارات، كما تبين من الفقرة السابقة. ولكن مع ذلك لا نرى بأساً في الإشارة إلى الملامح البارزة لمنهجه في تفسير الألفاظ والمصادر التي يعتمد عليها، وطريقته في الاستشهاد، في ضوء ما فسره من ألفاظ وما بينه من أصول في هذا الكتاب وغيره. ١ - لم يقصد المؤلف بتأليف هذا الكتاب -كما سبق- أن يكون معجماً شاملاً لألفاظ القرآن، وإنما أفرده لتفسير الألفاظ التي وقع فيها نوع من الإشكال فرآها بحاجة إلى فضل بيان. واقتضى ذلك أن يرجع في تحقيقها إلى منابع اللغة الأولى، فيتتبع استعمالها في القرآن الكريم وكلام العرب القديم، وينظر في أصلها ومشتقاتها، واستعمالها في اللغة العبرانية وغيرها من أخوات العربية. وقد أشار إلى منهجه هذا في تذكرة وردت في أول الكتاب، فقال: "إذا اشتبه المعنى فطريق التوضيح تتبع استعمال لفظه، كما فعلنا بلفظ (عصر) و (آلاء)، والنظر في أصله واستعماله في أخوات العربية كالعبرانية والسريانية". أما المعاني الشرعية كالصلاة والزكاة والحج، فقد نص المؤلف في تذكرة كتبها في الورقة الأولى من المسودة على أنها تؤخذ من استعمال القرآن، فالقرآن أصل هذه المعاني، وليست هي أصلاً للقرآن، وصرح كذلك في مقدمة تفسيره عندما ذكر مصادره اللسانية بأن المصطلحات الشرعية قد حفظها الله تعالى بالسنة العملية المتواترة، فالمرجع فيها إلى القرآن والسنة. ثم قال: "فأما في سائر الألفاظ فالمأخذ فيه كلام العرب القديم والقرآن نفسه" (١). فالمصدر الأول في تفسير المفردات هو القرآن الكريم سواء في تحقيق أصل المعنى أم وجوهه وأحواله المختلفة أم تبين الفروق الدقيقة بين الألفاظ التي يظن أنها مترادفة، وذلك بتدبر سياقاتها ومواقعها.

стр. 60

وهناك بحث في ألفاظ القرآن يعتمد على القرآن الكريم وحده، لأنه خاص بالأسلوب القرآني. وهو بيان جهات الكلمة. والمقصود به عند المؤلف تفسير العلاقات بين معاني الألفاظ التي يكثر اقترانها في القرآن الكريم مما يلفت النظر ويدعو المتدبر إلى البحث عنها. نحو كلمة (الصلاة) التي تقترن كثيراً بالزكاة والإنفاق، وأحياناً بالصبر، وتارة بالإيمان، وأخرى بالنحر وهكذا. ويدل ذلك على أن الصلاة ذات جهات، فهي ترتبط بالزكاة من جهة، وبالصبر من جهة، وبالإيمان من جهة أخرى. وكذلك (الصبر) قرن في كتاب الله بالصلاة، والشكر، والمرحمة، والحق، والصدق، فالصبر له صلة بكل من هذه الأمور باعتبارات مختلفة. فكان الفراهي يريد أن يستقصي جهات الألفاظ هذه في كتاب المفردات بالنظر في سياقها في القرآن الكريم، حتى لا يتعرض لها في تفسيره إلا بقدر الحاجة، كما فعل في تفسير سور الكوثر، فإنه لما تكلم على المناسبة بين الصلاة والنحر قال: "اعلم أن للصلاة والنحر وجوهاً كثيرة دلنا القرآن عليها، ولا حاجة إلى استقصاء الوجوه هاهنا، وتجدها في كتاب المفردات، وإنما نذكر الآن هاهنا ما يدل على المناسبة بينهما" (١). لا توجد كلمة النحر في كتاب المفردات، أما الصلاة، فقد ذكر فيه اثني عشر وجهاً من وجوهها بعنوان "جهات الصلاة"، منها أن الصلاة إقرار بالتوحيد، وأنها ذكر لعهدنا بالعبودية الخالصة لله، وأنها شكر لربنا، وأنها رجوع إلى الرب، وأنها تقرب وحضور. وقد شرح كل هذه الجهات مستدلاً بالآيات الكريمة. ومن الألفاظ التي ذكر المؤلف وجوهها في المفردات كلمة (الإسلام)، فقال: "معناه ظاهر وبين، وهو الطاعة والخضوع، ولكن القرآن رفع هذه الكلمة، فخصها بطاعة الله مثل كلمة (الدين)، فإنه الطاعة في أصل اللغة، وقد

стр. 61

استعمله العرب لطاعة الله. ثم لهذا المعنى البين وجوه ونتائج وتاريخ. والقرآن دل على كل ذلك، فنذكر ما يتعلق بهذه الكلمة من وجوهها ... ". وكذلك ذكر بعض جهات الزكاة وجهات الصدقة. ومن ذلك أيضاً البحث في العلاقة بين الصبر والشكر. وموضوع الجهات هذا ليس موضوعاً لغوياً بحتاً. ولكنه في غاية الأهمية في تفسير "المصطلحات القرآنية" والكشف عن جوانب من حكمة القرآن وأسرار الدين. ٢ - أما كلام العرب القديم فقد نوه المؤلف بأهميته ودراسته وممارسته وتذوقه لتبين دلالة الكلمة ووجوهها وأحوالها التي كانت عليها إبان نزول القرآن الكريم. وقال في ذلك: "فمن لم يمارس كلام العرب، واقتصر على كتب اللغة ربما لم يهتد لفهم بعض المعاني من كتاب الله" (١). ولم يذهب عليه أن جزءاً من الشعر الجاهلي منحول، ولكنه يرى أن هذا المنحول لا يخفى على النقاد، ثم أكد أنه لا يصح الاعتماد في تفسير الألفاظ القرآنية إلا على ما ثبت منه. وقال في ذلك: "من كلام العرب القديم الذي وصل إلينا ما هو منحول، وما هو شاذ، ولكن لا يصعب التمييز بين المنحول والصحيح على الماهر الناقد، فينبغي لنا أن لا نأخذ معنى القرآن إلا مما ثبت" (٢). وقد دارس المؤلف كلام العرب مدارسة دقيقة، وقيد على طرر الدواوين التي نظر فيها إشاراته وتعليقاته. وبتدبره الطويل المتصل في القرآن الكريم، واستقرائه وممارسته لكلام العرب، وبما وهبه الله من ذكاء وقاد، وبصر نفاذ، وذوق أدبي عالٍ، قد توصل في تحقيق بعض المفردات القرآنية إلى نتائج مهمة تختلف عما جاء في كتب اللغة والتفسير.

стр. 62

وتقل الشواهد الشعرية أو تكثر حسب ما يقتضي تحقيق معنى الكلمة، ولكن لا ننسى أن الكتاب لم تخرج من المسودة، فلو قدر للمؤلف إكماله لنقل كثيراً من الشواهد التي أشار إليها في طرر الدواوين إلى مواضعها من هذا الكتاب. وتمتاز الشواهد الشعرية التي ساقها المؤلف في هذا الكتاب أو غيره نحو كتاب الأساليب وأجزاء التفسير أنها منسوبة جميعاً إلا ما ندر. ويعتمد المؤلف في نقلها على دواوين الشعراء والمجموعات الشعرية كالمفضليات وجمهرة أشعار العرب وحماسة أبي تمام وشعراء النصرانية، وقد ينقلها من لسان العرب. ومعظم الشواهد للشعراء الجاهليين، وقليل منها لغيرهم من الإسلاميين والأمويين. ثم إن عدداً كبيراً من شواهد المؤلف شواهد جديدة لم ترد في مظانها من كتب التفسير والغريب والمعاجم، مع أنها وردت في الدواوين المشهورة التي رواها علماء اللغة، وكانت خليقة بالتقييد لكونها تهدي إلى معنى جديد لبعض الكلمات أو وجه جديد من وجوهه أو تفسير أدق من تفسيره المعروف. وقد أشاد العلامة السيد رشيد رضا ﵀ بمنهج الفراهي هذا في تفسير ألفاظ القرآن وأساليبه، إذ وقف على بعض أجزاء تفسيره، فقال يصف منهجه: "وإنه ليكثر الرجوع باللغة إلى مواردها، والصدور عنها ريان من شواهدها". وللتدليل على ذلك نقل تفسير الفراهي لكلمة (الصغو) في قوله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ من كتابه (تفسير سورة التحريم). ٣ - كما لا يعتمد المؤلف على المنحول من كلام العرب، لا يلتفت كذلك في تفسير ألفاظ القرآن إلى المعنى الشاذ. وهو عنده من الأصول الأولية للتأويل فقال في مقدمة التفسير: "يجب أن نترك المعنى الشاذ الذي لم يثبت في اللغة كما قيل في معنى (التمني) إنه هو التلاوة. وما فزعوا إلى هذا المعنى الشاذ الذي لم يثبت إلا فراراً من بعض الإشكال. وهذا أفتح لأبواب الفتنة واختلاف الأمة ... " (١).

стр. 63

٤ - وقد ذكر المؤلف أصلاً آخر جعله من الأصول المرجحة للتأويل وهو "الأخذ بأثبت الوجوه لغة"، فقال: "المعنى الذي كثر في كلام العرب لا ينبغي تركه إلاّ لصارف قوي، فإذا تساوى الوجوه الآخر وهي النظم والموافقة بباقي القرآن وصريح العقائد فلا بد أن نأخذ المعنى الشائع" (١). ومن ثم يرى أن (الشوى) في قوله تعالى: ﴿نزَّاعةً للشَّوَى﴾ بمعنى لحم الساق، لأن هذا المعنى هو الشائع في كلام العرب، ثم هو الأوفق بالسياق وباقي القرآن. وقد استدل الإمام الطبري ﵀ كثيراً بهذا الأصل في تفسير ألفاظ القرآن، فقال مثلاً في تفسير قوله تعالى ﴿أَمَرنَا مُترَفِيهَا﴾: "وتوجيه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى ما وجد إليه سبيل من غيره" (٢). فعلق الفراهي على كلامه في نسخته من تفسير الطبري: "هو الأصل الذي يعتمد عليه كثيراً". وقال الطبري في موضع آخر في تفسير قوله تعالى ﴿وفارَ التَّنُّور﴾: "كلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها ... " (٣). فنوه الفراهي بذلك قائلاً: "أصل راسخ". وفي موضع آخر علق بقوله: "أصل من أصول التأويل". ٥ - أما كتب اللغة، فلم ينكر المؤلف أهميتها، بل صرح في خطبة الكتاب بأن عامة المفردات القرآنية (يعني غير المشكلة) يعول في تفسيرها على كتب اللغة. والمعجم الذي كان المؤلف يعتمد عليه كثيراً لسان العرب لابن منظور لكونه مجمعاً لأمهات المعاجم، ومعرضاً لأقوال أئمة اللغة والشواهد الشعرية والنثرية من كلام العرب، بالإضافة إلى غريب الحديث الذي ضمّ إليه من كتاب

стр. 64

النهاية لابن الأثير. فنرى المؤلف في تفسيره نظام القرآن إذا فسر بعض الألفاظ لا يتجاوز لسان العرب، وينقل مادته كلها منه، ولكن النتيجة التي يتوصل إليها بعد إنعام النظر في تلك المادة تكون أكثر دقة من غيره فشتان ما بين ناقل وناقد. ومن أمثلة ذلك تفسيره لكلمة (الصغو) فقد نقل كل شواهده من لسان العرب وصرح بذلك، لكونها كافية للدلالة على ما ذهب إليه، ولم يجد في كلام العرب إلا ما يعززه، وهو أن الصغو ضد الزيغ. وفي أول تفسيره للكلمة نبه على أصل عظيم من أصول اللغة فقال: "في جميع الألسنة ولا سيما في لغة العرب ألفاظ خاصة لأفراد خاصة تحت معنى كلي. والذهول عن هذه الخصوصيات مبعد عن فهم اللسان. مثلاً (الميل) معنى كلي، ثم تحته: الزيغ والجور والإرعواء والحيادة والتنحي والانحراف، كلها للميل عن الشيء. والفيء والتوبة والالتفات والصغو كلها للميل إلى الشيء، فمن خبط بينهما ضلّ وأضلّ". ٦ - وقد أشار المؤلف في تذكرته التي نقلناها من قبل إلى مصدر مهم يفيد الرجوع إليه في توضيح الكلمة التي يشك في معناها، وهو استعماله في أخوات العربية كالعبرانية والسريانية. وقد استفاد المؤلف بمعرفته للغة العبرانية في تحقيق بعض الألفاظ التي هي من المواد المشتركة بينها وبين العربية، والرد على المستشرقين الذين زعموا أن القرآن الكريم أخذ بعض الألفاظ من اليهود والنصارى. ومن الكلمات التي رجع فيها المؤلف إلى العبرانية: (الأبّ) و (السفرة) و (الدرس). (٥) القيمة العلمية للكتاب: على أن الإمام الفراهي ﵀ لم يتيسر له تأليف كتاب المفردات على الوجه الذي أراده، لا يخفى على من نظر فيه قيمته العلمية ومكانته الجليلة بين كتب غريب القرآن، فإنه ليس من نوع التأليف المكرر الذي قصد به التهذيب والتيسير، وإنما هو كتاب أصيل يحفل بنظرات جديدة وتحقيقات بارعة وفوائد

стр. 65

نفيسة تخلو منها الكتب الأخرى، فهو -على صغر حجمه وقلة مادته- يعد من أفضل الكتب المصنفة في بابه. وتبرز قيمة الكتاب وميزته في جوانب كثيرة منها: ١ - مقدماته التي تناول فيها مسائل مهمة تتعلق بلغة القرآن. ٢ - منهجه في تفسير الألفاظ. ٣ - تفسيرات جديدة لبعض الألفاظ. ٤ - الكشف عن أصول جديدة ترجع إليها مشتقات المواد اللغوية. ٥ - بيان التطور اللغوي لبعض الألفاظ. ٦ - العلاقات المعنوية بين الألفاظ التي قرن بعضها ببعض في كتاب الله. ٧ - تأصيل الكلمات التي زعم الطاعنون أن القرآن أخذها من اليهود والنصارى. ٨ - الآراء اللغوية المنثورة في الإبدال وغيره. ٩ - الشواهد الشعرية الجديدة. ١٠ - تفسير لبعض الشعر القديم خلافاً للشراح جميعاً. ولكن القيمة الكبرى للكتاب عندي في المنهج الذي سلكه المؤلف في دراسة الألفاظ، فإن هذا المنهج هو الذي هداه في تفسير بعض المفردات القرآنية إلى النتائج التي ينشرح لها الصدر، وينجلي بها الغموض، فيتعين معنى النص، ويضيء السياق. ولكي تتضح القيمة العلمية لكتاب المفردات، ويتبين ما يضيفه إلى الدراسات القرآنية والمعجم العربي من نظرات جديدة في تحقيق بعض الألفاظ، نورد ثلاثة نماذج من الكتاب: المثال الأول: كلمة الآلاء: - قد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم ٣٤ مرة: مرتين في سورة الأعراف (٦٩، ٧٤) ومرة واحدة في سورة النجم (٥٥) والمواضع الباقية في سورة الرحمن. وأجمع أهل اللغة وعامة المفسرين على أن معناها: النعم،

стр. 66

ولكن الإمام الفراهي ﵀ يقول إن القرآن وكلام العرب كلاهما يأبى هذا المعنى. والظاهر عنده أن معناه: "الفعال العجيبة، ولما كان غالب فعال الله تعالى الرحمة ظنوا أن الآلاء هي النعم، والرواية عن ابن عباس ﵄ حملتهم على هذا، ولكن السلف إذا سئلوا أجابوا حسب السؤال والمراد المخصوص في موضع مسؤول عنه". وقال في موضع آخر: " ... ولما كانت الرحمة من أغلب شؤون الرب غلب استعمال هذا اللفظ في معنى النعم، ولكن العربي القح هو الأول، وبه نزل القرآن". فكلمة الآلاء عند الفراهي تشمل في أصل معناها عجائب لطف الله تعالى وبطشه وقدرته، والنعمة ليست إلا وجهاً واحداً من وجوه معناها، وقد غلب هذا الوجه على الكلمة فيما بعد لأن غالب أفعال الله تعالى من الرحمة والنعمة. وقد استدل المؤلف على ما ذهب إليه بالقرآن الكريم وكلام العرب، أما القرآن فقد جاء قوله تعالى في سورة النجم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ بعد ذكر إهلاك الأقوام، وفي سورة الرحمن جاءت الآية الكريمة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في خلال وصف يوم القيامة وعذاب جهنم في الآيات (٣٣ - ٤٥) آخرها قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. وقد أشكل هذا الموضع على المفسرين فتعسفوا في تأويله بأن ذكر جهنم والإنذار من العذاب من النعم لكونه زاجراً عن الشرك والمعاصي. وقد فطن بعض أهل التفسر قديماً بأن هذه الكلمة ليست في الأصل بمعنى النعمة، فروى الإمام الطبري عن ابن زيد أنه قال: "الآلاء: القدرة". ولكن الغريب أن الطبري ﵀ أورد هذا القول ضمن الروايات التي احتج بها على معنى النعم، ثم التزم تفسيرها بالنعم في جميع المواضع إلا واحداً، وهو بعد قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾، فقال في تفسيرها: "يقول تعالى ذكره: فبأي قدرة ربكما معشر الجن والإنس على ما أخبركم بأنه فاعل بكم تكذبان؟ " وواضح هنا أن الطبري ﵀ لاحظ أن

стр. 67

معنى النعم لا يستقيم في هذه الآية، ففسّرها بالقدرة. وقد تساءل العلامة فخر الدين الرازي مرة بعد أخرى في تفسير الآية حينما جاءت بعد ذكر عجائب خلق الله وقدرته ثم أجاب من وجوه منها: "أن الآية مذكورة لبيان القدرة لا لبيان النعمة". وقال في موضع آخر: "وفي الجواب قولان ... الثاني أن نقول: هذه بيان عجائب الله تعالى لا بيان النعم". أما كلام العرب فاستدل المؤلف بثمانية شواهد منها قول طرفة بن العبد يمدح الحارث بن همام بن مرة رئيس بني بكر: كاملٍ يحمل آلاء الفتى ... نبَهٍ سيد سادات خِضَم ومنها قول الأجدع الهمداني يصف فرسه. ورضيتُ آلاءَ الكميت فمن يُبع .. فرساً فليس جوادنا بمباع وقد انتقد المؤلف الجوهري بأنه فسر كلمة الآلاء في بيت الهمداني بمعنى الخصال الجميلة في مادة (بيع)، ولكنه لم يثبت على هذا المعنى الذي هو أصله، وفسر الآلاء في مادة (ألا) بمعنى النعم. قلت: وقد فسر بذلك قبل الجوهري الأخفش الأصغر (ت ٣١٥ هـ) في الاختيارين فقال: "آلاؤه: خصاله الصالحة التي فيه". وهكذا فسر شارح ديوان الخنساء قولها: فبكّي أخاكِ لآلائه ... إذا المجد ضيّعه السائسونا فقال: "لآلائه أي لغنائه وبلائه ومجده". ومن شواهد المؤلف قول فضالة بن زيد العدواني وهو من المعمرين: وفي الفقر ذلّ للرقاب وقلما ... رأيتُ فقيراً غيرِ نكسٍ مذممِ يلام وإن كان الصواب بكفه ... ويُحمد آلاءُ البخيلِ المدرهَمِ يقول المؤلف: "أي يحمدون صفات البخيل وفعاله. وهذا البيت أوضح دلالة مما ذكرنا قبله على معنى الآلاء".

стр. 68

ومنها قول الحماسي: إذا ما امرؤ أثنى بآلاء ميت ... فلا يبعدِ اللهُ الوليدَ بن أدهما فما كان مفراحاً إذا الخير مسّه ... ولا كان مناناً إذا هو أنعما يقول الفراهي: "ففسر ما أراد من الآلاء بذكر أنه لم يكن مفراحاً إذا مسه الخير، ولا مناناً إذا أنعم". وقد أضفت إلى شواهد المؤلف شواهد أخرى من كلام العرب تؤيد ما ذهب إليه في تحقيق معنى الكلمة. هذا التحقيق والتفسير الدقيق لكلمة الآلاء يعد فتحاً علمياً في دراسة لغة القرآن، وتاريخ المعجم العربي أيضاً. وبرهان ذلك أن المعجم الكبير الذي أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة الجزء الأول منه سنة ١٩٧٠ "بعد جهود ربع قرن" لم يزد في تفسيرها على معنى النعمة. فلو لم يحو كتاب مفردات القرآن للفراهي إلا تفسير كلمة الآلاء لكفاه شرفاً وتميزاً. المثال الثاني: كلمة العصر: أطبقت كتب اللغة والغريب على أن العصر هو الدهر، لا فرق بينهما. أما العلامة الفراهي فقد هداه تذوقه لمواقع استعمال كلمة العصر في كلام العرب والنظر في مشتقات مادته إلى أن العصر ليس مرادفاً للدهر فذكر في كتاب المفردات أن للعصر معنيين: "الزمان الماضي، وآخر النهار". ثم أورد الشواهد على قوله، وقد توسع في تأصيله وتحقيقه في تفسير سورة العصر في فصل عقده بعنوان "دلالة كلمة العصر"، ومما قال فيه: "اعلم أن كلمة العصر اسم للزمان من جهة ذهابه ومروره، كما أن الدهر اسمه من حيث مجموعه. ولذلك يستعمل العصر كثيراً للأيام الخالية" وساق بعد ذلك خمسة أبيات من الشواهد المذكورة في كتاب المفردات ثم قال: "ومن هنا (الإعصار) للريح السريعة من جهة المرور والذهاب، و (عصر المائع): إمراره،

стр. 69

و (العصر) لآخر النهار من جهة ذهاب النهار (والعصارة)، ومنه (عنصر) الشيء. فكلمة العصر تذكرهم الأيام الخالية وتوجههم من صفات الزمان إلى زواله وسرعة ذهابه. والأولى عبرة لهم بما جلب على الإنسان من حكم الله فيهم حسب أعمالهم، والثانية تحرّضهم على التشمير لكسب ما ينفعه من زمان أجلى صفته سرعة الزوال". ومن الشواهد التي أوردها في كتاب المفردات قول رُبَيع بن ضبع: أصبح مني الشباب قد حسرا ... إن ينأَ عني فقد ثوى عُصُرا وقول أبي حُزابة: وكنا حسبناهم فوارسَ كَهمسٍ ... حيُوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا وقول مسعود بن مَصاد الكلبي: قد كنتُ في عُصُرٍ لا شيء يعدلُه ... فبان مني وهذا بعده عُصُرُ وفسّره الفراهي بقوله: "أي هذا الزمان بعد ذلك أيضاً ماض ومارّ" ومن الشواهد التي علق عليها الفراهي خلال قراءته لدواوين الشعر الجاهلي قول عبد الله بن سلمة الغامدي من قصيدة له: فإن تشِب القرون فذاك عصر ... وعاقبةُ الأصاغر أن يشيبوا علق عليه بقوله: "فذاك عصر، أي فذاك الدهر شأنه أن يمر". ومن أوضح الشواهد التي وقعت عليها قول لبيد بن النِّمس الغساني. نحن كنا الملوك في عُصُر الدهْـ ... ـرِ وكنتم -فيم الأناة- عبيدا والشواهد على ما ذكره المؤلف كثيرة جداً. وقد وقعت بأخرة على نصّ يدلّ على أن بعض العلماء قد فطن قديماً لما ذهب إليه الفراهي، فقال المرزوقي في كتاب الأزمنة والأمكنة (١:٢٥٥): "وحكى بعضهم أن العصر لما قد سلف، ولم يجىء في شعر الفحولة إلا كذلك ... ".

стр. 70

ثم كلام المؤلف على مشتقات مادة (عصر) يبين أن العصر بمعنى الزمن و (عصر المائع) و (العنصر) كل ذلك من أصل واحد، بينما جعله ابن فارس أصولاً ثلاثة: الأول دهر وحين، والثاني ضغط شيء حتى يتحلب، والثالث تعلق شيء وامتساك به، وجعل العنصر من الأصل الثالث. المثال الثالث: كلمة الدرس: جاءت مادة (درس) في القرآن الكريم ست مرات وكلها بمعنى القراءة، أما في اللغة فمن معانيها غير القراءة: البلى، والجرب، والدياس، والأكل الشديد. وقد زعم بعض المستشرقين أن الدرس بمعنى القراءة أخذه النبي ﷺ من اليهود، فرد عليه الفراهي في كتاب المفردات بأن "النبي كيف يتكلم قوماً بلسانهم ثم يزيد فيه ما ليس منه، والقرآن يصرح بأنه عربي مبين، فلا يكون فيه إلا ما عرفته العرب". ثم بيّن أصل المادة ومشتقاتها في العربية فقال: "أصله الحك والمشق، ومنه للخط، قال أبو دواد: ونؤي أضرَّ به السافياءُ ... كدرسٍ من النون حين امحى أي كخط النون. ومنه كثرة الاشتغال بالقراءة. وهذا يتضح من استعمال الكلمة في كلتا اللغتين: العربي والعبرانية. ومن أصل المعنى: الدرس للجرب والحكة. والمدروس: الفراش الموطأ، والدرس للأكل الشديد. ومنه درس الطعام: داسه ... ودرس الصعب حتى راضه. ودرست الكتاب بكثرة القراءة حتى خف حفظه. فالدرس: كثرة القراءة ... كما قال تعالى: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ أي بالغت في قراءتك عليهم. وأما أنها لا توجد في هذا المعنى في أشعار العرب، فلذلك لأن للشعر مجاري محدودة ومعاني خاصة، فقلما يذكرون القراءة فضلاً عن إكثارها". وقد ذهب الراغب إلى أن الأصل في مادة درس قولهم (درس الدار)

стр. 71

بمعنى بقي أثرها، ولما كان بقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه فسر الدروس بالانمحاء ثم قال: "وكذا درس الكتاب ودرست العلم: تناولت أثره بالحفظ. ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس ... ودرس البعير: صار فيه أثر جرب". فكأن أصل المعنى لهذا اللفظ عند الراغب: بقاء الأثر، ومنه تفرعت المعاني الأخرى، ولا يخفى ما فيه من التكلف والبعد. ومثله ما ذهب إليه ابن فارس إذ جعل أصل المعنى الخفاء والخفض والعفاء، وقال: "ومن الباب درست القرآن وغيره، وذلك أنّ الدارس يتتبع ما كان قرأ، كالسالك للطريق يتتبعه". وفي الكتاب أمثلة أخرى لتأصيل الكليات التي زعم المستشرقون أنها مأخوذة من أهل الكتاب نحو سفرة، وسبح، والصلاة، والركوع. (٦) النشرة الأولى للكتاب: بقيت مسودة هذا الكتاب الجليل بعد وفاة المؤلف ﵀ -كغيرها من آثاره- عند أخص أصحابه إلى أن أنشأوا سنة ١٣٥٥ هـ مؤسسة سموها باسم شيخهم "الدائرة الحميدية". وكان من أعظم أهدافها نشر مؤلفات الإمام الفراهي ﵀ وترجمتها باللغة الأردية. وأسسوا لتحقيق هذا الغرض مطبعة، وأصدروا مجلة شهرية بالأردية سميت "الإصلاح". وذكر الشيخ أمين أحسن الإصلاحي في افتتاحية العدد الأول منها الذي صدر في شهر شوال سنة ١٣٥٤هـ (يناير سنة ١٩٣٦م) أنه سيتولى هو الشؤون الإدارية للدائرة، وتحرير المجلة، وترجمة مؤلفات الإمام بالأردية. أما تصحيح الأصول المسودات وإعدادها للنشر فوكل إلى الشيخ أختر أحسن الإصلاحي. وقام بإدارة المطبعة والإشراف على أعمالها الشيخ عبد الأحد الإصلاحي ومساعده الشيخ عزيز الرحمن الإصلاحي. وأعلن في افتتاحية عدد جمادى الأولى سنة ١٣٥٨ هـ (يوليو ١٩٣٩م) بأنه سيصدر كتاب الأساليب وأصول التأويل والمفردات في مجموعة واحدة. ومما ورد في الافتتاحية عن كتاب المفردات:

стр. 72

"كان في إعداده صعوبات، ويشتغل به في هذه الأيام الشيخ أختر أحسن، وسينجز عمله في وقت قريب إن شاء الله. وبعد أن ينظر فيه مولانا السيد سليمان الندوي، يدفع إلى الكاتب". وبعد ثلاثة أشهر طلعت في شهر رمضان ١٣٥٨ هـ (نوفمبر ١٩٣٣ م) بافتتاحيتها التي جاء فيها بعنوان "هديتنا في شهر ديسمبر": "في ديسمبر العام الماضي أهدينا إلى المشتركين في مجلة الإصلاح كتاب (فاتحة نظام القرآن). ونريد أن نقدم إليهم هذا العام من مخطوطات الأستاذ الإمام أصول التأويل وكتاب الأساليب ومفردات القرآن. ونتوقع أن هذه المجموعة ستأتي في مائة صفحة. فإن زاد حجمها حذفنا منها إحدى الرسائل المذكورة. ولعل كتابة المجموعة مع طبعها تستغرق زمناً أطول مما يستغرقه عدد واحد من المجلة، فيطول انتظار القراء! ". وقد نقلت هذين النصين لما فيهما من دلالات مهمة تفيدنا في معرفة طبيعة النشرة الأولى من كتاب المفردات. ومنها: ١ - أنهم واجهوا صعوبات في إعداد كتاب المفردات للنشر. ٢ - الذي أعده للنشر هو الشيخ أختر أحسن الإصلاحي ﵀. ٣ - قبل دفع المسودة إلى الكاتب كانوا يرغبون في أن يراجعه العلامة السيد سليمان الندوي ﵀. وصدر كتاب المفردات، في طبعة حجريه بالخط الفارسي ولم يضم إليه الكتابان الآخران إذ بلغ عدد صفحاته وحده ٧٨ (٤+٧٤) صفحة، وأهدي إلى قراء المجلة مكان عدد ديسمبر منها. وبصدوره توقفت المجلة بعدما استمرت أربع سنوات، وكانت من أرقى المجلات العلمية في اللغة الأردية، وذلك لضعف الإمكانات المادية. وجاءت هذه النشرة خلواً من مقدمة الناشر، مع أنها كانت أهم مما حرصوا عليه من إثبات اسم المشرف على طبع الكتاب، وهو الشيخ عبد الأحد الإصلاحي ﵀، ولولا مسودة الكتاب التي وصلت إلينا

стр. 73

ثم ما بينه الشيخ أمين أحسن ﵀ في افتتاحية مجلة الإصلاح لما عرفنا شيئاً عمن أعد الكتاب للنشر ولا عن منهجه في إعداده. وقد تبين من مراجعة المسودة أن الكتاب المطبوع إذا كان أصله من تأليف الإمام الفراهي فإنه من صنعة الشيخ أختر أحسن الإصلاحي ﵀. ويمكن أن نلخص منهجه في خدمة الكتاب في النقاط الآتية: ١ - لما كان أصل المؤلف مسودة، وقد اعتمد في كثير مما علقه على ذاكرته، ولم يتمكن من إعادة النظر، بقي فيه أشياء من السهو والوهم وسبق القلم، فصحح الناشر هذه المواضع. ٢ - وجد في بعض المفردات نصوص عدة في المسودة وغيرها من كتب المؤلف، فجمع الناشر بينها وألف منها نصاً واحداً متكاملاً، كما صنع في لفظ (الآل) و (الصلاة) و (الحبك). ٣ - أضاف في بعض المواضع أبياتاً من الشواهد التي أشار إليها المؤلف في حواشي الدواوين الشعرية التي طالعها، كما فعل في (الشوى). ٤ - أكمل النقص وسد الفراغ في بعض المواضع. انظر كلمة (الدرس). ٥ - أضاف إلى الأصل ٣٤ كلمة من الكتب الأخرى للمؤلف بعدما تناولها بشيء من التعديل، لتكون منسجمة مع مادة الأصل، ورتبها مع ألفاظ الكتاب من غير تمييز بين الأصل والملحق. ورحم الله الشيخ أختر أحسن الذي لم يدخر وسعاً في خدمة كتاب شيخه مع قلة المصادر، وضيق ذات اليد؛ وعمل في صمت وإخلاص، ثم زهد في ذكر اسمه بجانب اسم شيخه استصغاراً لنفسه واحتساباً لعمله. (٧) الأصل المخطوط: نسخة الكتاب الخطية مسودة المؤلف كما سبق، وهي محفوظة في الدائرة الحميدية. وكانت -حينما اطلعت عليها قبل نحو ٢٥ سنة- عند الشيخ بدر الدين الإصلاحي ﵀ الذي كان مدير الدائرة، وقد انتقلت بعد وفاته سنة

стр. 74

١٤١٦ هـ إلى حفيد المؤلف الدكتور عبيد الله الفراهي مدير الدائرة حالياً. مجموع أوراق الأصل ٣٣ ورقة. ومقاس الورقة (٢.٥ × ٣٢.٥) سم. ورد عنوان الكتاب في وجه الورقة الأولى في أعلاه "كتاب مفردات القرآن"، وبجانبه بخط مائل بين القوسين: "روابط الكتب الخمسة"، ويعني بها الكتب الآتية: مفردات القرآن، وأساليب القرآن، والتكميل في أصول التأويل، ودلائل النظام، وتاريخ القرآن. وتحت هذا العنوان بيّن موضوعات هذه الكتب وعلاقتها فيما بينها. وفي الحاشية اليسرى من هذه الصفحة أربعة نصوص كتبها تذكرة له لكتاب المفردات وغيره، نثبتها هنا حسب ترتيبها: ١ - " (وجوه الكلام) تذكرة: قوله تعالى ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١) في إثبات المعاد. وقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٢) في إبطال الشرك. وهكذا قوله تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٣) أي من جانبه لأنذركم من ... فتفروا إلى الله. و ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤) أي من عذابه إن أشركتم به. فانظر جهات جملة واحدة. وإنما استدللنا عليها من السياق. وكذلك لكلمة واحدة وجوه، وتستدل عليها بورودها في القرآن في مواضع مختلفة ومن كلام العرب". ٢ - "تذكرة لتاريخ القرآن: الربط بين السور من وجوه مختلفة، والترتيب الزماني من بعض الوجوه لا كلها. فالتي نزلت أولاً ربما تكون آخرة لبعض الوجوه. أيضاً نذكر أوصاف القرآن من كونه بيناً وظاهراً ثم باطناً ومحكماً ثم متشابهاً".

стр. 75

٣ - "من مقاصد هذا الكتاب الفرق بين معاني الألفاظ عند نزول القرآن وبين ما صارت بعد ذلك. مثلاً "الوحي" لم يكن مختصاً بما أنزل الله على الأنبياء". ٤ - "إنما أنزل القرآن بلسان العرب. فالمعاني الشرعية مأخوذة من استعمال القرآن. فالقرآن أصل هذه المعاني، وليست هذه المعاني أصلاً للقرآن". أما ظهر الورقة الأولى فورد فيه فهرس يشتمل على أربع وأربعين كلمة، والظاهر أن المؤلف كان ينوي تفسيرها في هذا الكتاب، كما سبق. وبدأ الكتاب من الورقة الثانية، فكتب فيها عنوان الكتاب "مفردات القرآن"، ثم البسملة وخطبة الكتاب والمقدمات التي استغرقت ست ورقات. وتلتها المفردات القرآنية، وأولها كلمة (الآل) وآخرها كلمة (يثرب)، وعددها ٤٤ كلمة. ورتبت الألفاظ على حروف المعجم دون النظر إلى الأصول والزوائد. والمسودة مكتوبة بخط فارسي واضح جميل، وقلما كتب المؤلف بخط النسخ، والجدير بالذكر أنه كان يكتب مسودات كتبه بقلم الرصاص، وذلك -فيما يظهر- ليسهل عليه التصحيح والتغيير فيما يكتب، وفيه توفير للورق أيضاً. (٨) عملي في الكتاب: اعتمدت في تحقيق النص على مسودة المؤلف، وغفر الله لشيخنا بدر الدين الإصلاحي الذي كان ضنيناً شديد الضن بمخطوطات الفراهي، ولا غرو، فكلها علق مضنة. وعلى ذلك أذن لي -ولو بعد لأي- بالنظر في المسودة أولاً، ثم أعانني -جزاه الله خيراً- على مقابلة المطبوع بها بحيث أمسك بالأصل وقرأه علي وأنا أنظر في المطبوع. ولعل ذلك كان في شهر ربيع الأول سنة ١٤٠٠ هـ. وقد توفي الشيخ في اليوم الثاني من شهر صفر سنة ١٤١٧ هـ، فتغمده الله برحمته. وبعد توثيق النص، ميزت بين الأصل والزيادات، فالألفاظ التي أضيفت إلى الكتاب في المطبوعة، جمعتها في ملحق في آخر الكتاب، ورتبتها كترتيب الأصل، ثم قابلتها بمصادرها المطبوعة والمخطوطة من كتب المؤلف، غير كلمتين لم أجد أصلهما، فاعتمدت فيهما على الطبعة الأولى، وهما: الحكم والحكمة
следующие страницы →