فخير الناس - ومنهم صحابة النبي ﵌ لم يحتفلوا بمولد النبي ﵌ واتَّبَعهم في ذلك السلفيون، فهل يُلَام السلفيون لاتِّبَاعِهم خير القرون، أم أن مَن جاء بعدَ الصحابة ﵃ أعلم منهم وأفقه بدين الله، وهل ينكر المفتي على الصحابة كما أنكر على السلفيين؟!!
وهل يعتبر المفتي رأي الإمام الفاكهاني المالكي مصيبة من مصائبه كما تعود أن يصف آراء السلفيين؟!! أم يَصِفُه بالتشدد كما يحلو له أن يصف السلفيين؟!!
وإذا كان الصحابة ﵃ لم يحتفلوا بالمولد النبوي فإنا نذكر المفتي وكل من أجاز الاحتفال به (١) بقَول حُذَيْفَةُ ابن اليمان ﵁: «كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَلَا تَعَبَّدُوهَا فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلْآخِرِ مَقَالًا» (٢). (٢)
قال ابن الحاج المالكي ﵀ في (المدخل): «وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ مَوْلِدٍ وَقَدْ احْتَوَى عَلَى بِدَعٍ وَمُحَرَّمَاتٍ جُمْلَةٍ. فَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَغَانِي وَمَعَهُمْ آلَاتُ الطَّرَبِ مِنْ الطَّارِ الْمُصَرْصَرِ وَالشَّبَّابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلُوهُ آلَةً لِلسَّمَاعِ ... فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا وَمَا أَقْبَحَهَا وَكَيْفَ تَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَفَعَلُوا الْمَوْلِدَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى فِعْلِهِ بَلْ زَادُوا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَبَاطِيلِ الْمُتَعَدِّدَةِ فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ شَدَّ يَدَهُ عَلَى امْتِثَالِ
стр. 107
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى ذَلِكَ وَهِيَ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا إذْ هُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ.
وَكَذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ عَوَائِدِ أَهْلِ الْوَقْتِ وَمِمَّنْ يَفْعَلُ الْعَوَائِدَ الرَّدِيئَةَ.
وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ مُرَكَّبَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمَوْلِدِ إذَا عَمِلَ بِالسَّمَاعِ، فَإِنْ خَلَا مِنْهُ وَعَمِلَ طَعَامًا فَقَطْ وَنَوَى بِهِ الْمَوْلِدَ وَدَعَا إلَيْهِ الْإِخْوَانَ وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ بِنَفْسِ نِيَّتِهِ فَقَطْ إذْ أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ.
وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ نِيَّةً مُخَالِفَةً لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَلِسُنَّتِهِ ﵌ وَلَهُمْ قَدَمُ السَّبْقِ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَوَى الْمَوْلِدَ وَنَحْنُ لَهُمْ تَبَعٌ فَيَسَعُنَا مَا وَسِعَهُمْ» (١).
وقال الشيخ عبد المجيد سليم - شيخ الأزهر الأسبق ﵀: «عمل الموالد بالصفة التى عليها الآن لم يفعله أحد من السلف الصالح ولو كان ذلك من القُرَب لَفَعَلُوه» (٢). (٢)
ثانيًا: قال المفتي (ص١٠٥): «ونحن نحتفل بمولده ﵌ لأننا نحبه».
ونسأله: هل الصحابة - ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرون بالجنة ﵃ الذين لم يحتفلوا بمولده ﵌ لم يكونوا يحبونه ﵌؟!! وهل التابعون وتابعوهم بإحسان والأئمة الأربعة الذين لم يحتفلوا بمولده ﵌ لم يكونوا يحبونه ﵌؟!! وهل محبة النبي ﵌ بإقامة الموالد؟!!
стр. 108
المسألة العاشرة
المتشددون يحرمون
السفر لزيارة النبي ﵌
وقبور الأنبياء والصالحين
قال المفتي (ص١٠٧ - ١١١): «من أغرب ما عليه المتشددون تحريمهم السفر لزيارة قبر النبي ﵌ أو قبر الخليل إبراهيم أو قبر أي صالح، وسوف يزداد العجب عندما تعلم أنهم يستحبون زيارة قبر النبي ﵌، وزيارة قبور المسلمين بصفة عامة، فهم يستحبون الغاية ويحرمون وسيلته (١).
وهم بهذا السلوك العجيب الغريب قد اصطدموا بقاعدة متفق عليها أن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، فلا يُعقَل أن يكون المقصد مندوبًا ووسيلته محرمة.
وفيما يلي ننقل إجماع المذاهب الفقهية على استحباب زيارة قبر النبي ﵌
كل ما سبق يُبَيَّن أن هؤلاء المتشددين أصروا على فهْم أحد العلماء الذي شذّ بفهمه (٢)، وأنكروا فهْم باقي العلماء؛ مما جعلهم يتخبطون وينتجون لنا قولًا غريبًا محصلته استحباب الشيء وتحريم الوسيلة الموصلة إليه، أو أن يقتصر حكم استحباب الزيارة لمن يسكن بجوار القبر الشريف فقط».
стр. 109
الجواب:
أولًا: لم يخالف ابن تيمية ولا السلفيون إجماع المذاهب الفقهية على استحباب زيارة قبر النبي ﵌ الذي نقله المفتي، وإنما الخلاف في مشروعية السفر بقصد زيارة قبره ﵌ فقط.
ثانيًا: هذه مسألة اجتهادية اختلف فيها أهل العلم فلماذا يتهم المفتي مَن أخذ بأحد الرأيين بالتخبط والشذوذ؟!! أين أدب الحوار؟!!! ما هكذا يتعامل المفتي مع اليهود والنصارى؟!!! ألا يستحق المسلمون الرفق الذي يعامل المفتي به اليهود والنصارى؟!!!
ثالثًا: أقر السلفيون بأن هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، وهذا كلام ابن تيمية فيها:
«شَدُّ الرَّحْلِ إلَى مَسْجِدِهِ ﵌ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
فَإِذَا أَتَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵌ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَصْدُهُ بِالسَّفَرِ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ دُونَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ.
فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلَا مَأْمُورٍ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵌: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا السَّفَرِ إذَا نَذَرَهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ... بَلْ قَدْ صَرَّحَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَغَيْرِهَا لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 110
مَعْصِيَةٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ طَاعَةٌ وَلَيْسَ بِطَاعَةِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللهِ بِمَا لَيْسَ بِطَاعَةِ هُوَ مَعْصِيَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَرَخَّصَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ فِي (الْإِحْيَاءِ) وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ عبدوس وَأَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي، وَقَدْ رَوَى حَدِيثًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَنْزِعُهُ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، لَكِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ مُضَعَّفٌ.
وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَبِمِثْلِهِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ» (١).
وقال الشيخ ابن باز: «لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي ﵌ أو قبر غيره من الناس في أصح قولي العلماء ... والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي ﵌ وهو بعيد عن المدينة أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي فتدخل زيارة القبر الشريف وقبري أبي بكر وعمر والشهداء وأهل البقيع تبعًا لذلك.
وإن نواهما جاز؛ لأنه يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، أما نية القبر بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال.
أما إذا كان قريبًا لا يحتاج إلى شد رحال ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفرًا، فلا حرج في ذلك، لأن زيارة قبره ﵌ وقبر صاحبيه من دون شد رحال سُنَّة وقُرْبَة.
وهكذا زيارة قبور الشهداء وأهل البقيع، وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان سُنَّةٌ وقُرْبَة، لكن بدون شد الرحال، لقول النبي ﵌: «زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (٢).
стр. 111
رابعًا: لم ينفرد ابن تيمية بهذا القول كما يظن البعض وكما زعم المفتي، فهذا الرأي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض المالكي، والإمام الجويني والقاضي حسين من الشافعية، فقالوا: «يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة» (١).
وقد قال بقوله ابن عقيل شيخ الحنابلة في وقته، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، وذكر ذلك عنه أيضًا ابن قدامة أحد علماء الحنابلة حيث قال: «فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل: «لا يباح له الترخص لأنه مَنْهِيٌّ عن السفر إليها؛ قال النبي ﵌: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ (متفق عليه) (٢).
ونسب الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (٣) - أحد كبار فقهاء الحنفية في وقته ﵀ رأْيَ ابنِ تيمية إلى أربعة من المتقدمين منهم أحد أئمة الشافعية في زمانه، وهو الجويني والد إمام الحرمين.
قال الكشميري: «اختار ابن تيمية أن السفر لزيارة قبر النبي ﵌ المبارك غير جائز، بل يريد السفر إلى المسجد النبوي، ثم إذا بلغ المدينة يُستَحَبُّ له زيارة القبر المبارك، وقال باستحباب زيارة القبور الملحقة للمكان لثبوت
стр. 112
زيارة النبي ﵌ البقيع وغيرها ... ووافق ابن تيمية في هذه المسألة أربعة من المتقدمين، ومنهم الجويني والد إمام الحرمين» (١).
فليس هو رأي ابن تيمية وحده كما يظن البعض وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له.
خامسًا: من هم ابن عقيل، والقاضي عياض، والقاضي حسين، والجويني والد إمام الحرمين؟
ها هي أقوال الإمام الذهبي عنهم:
١ - ابن عقيل: «الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، البَحْرُ، شَيْخُ الحنَابلَة، أَبُو الوَفَاء عَلِيُّ بنُ عَقِيْل، الحَنْبَلِيّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ» (٢).
٢ - القاضي عياض: «الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، القَاضِي، أَبُو الفَضْلِ عِيَاضُ بنُ مُوْسَى المَالِكِيُّ» (٣).
٣ - القَاضِي حُسَيْنُ: «العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّة بِخُرَاسَانَ» (٤).
٤ - الجويني: «شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، الجُوَيْنِيُّ، وَالِدُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ. كَانَ فَقِيْهًا، مُدَقِّقًا، مُحَقِّقًا، نَحْوِيًّا، مُفَسِّرًا. وَهُوَ صَاحِبُ وَجهٍ فِي المَذْهَبِ» (٥).
وننقل هنا أيضًا ما قاله عنه تاج الدين السبكي – وهو مَن صَنّف رسالة في الرد على رأي ابن تيمية في هذه المسألة وسماها (شفاء السقام في زيارة خير الأنام).
стр. 113
قال السبكي: «الشيخ أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين أوْحَدُ زمانِه علمًا ودينًا وزهدًا وتقشفًا زائدًا وتحريًا في العبادات، كان يلقب بركن الإسلام له المعرفة التامة بالفقه والأصول والنحو والتفسير والأدب» (١).
فما رأي المفتي في ابن عقيل شيخ الحنابلة، والقاضي عياض المالكي والجويني شيخ الشافعية، والقاضي حسين شيخ الشافعية الذي مدحه تاج الدين السبكي أحد كبار مخالفي ابن تيمية؟!!
هل يتهمهم أيضًا بالتخبط والشذوذ كما اتهم السلفيين؟!!!
سادسًا: مسألة السفر لزيارة قبور الأولياء قد سبق نَقْل كلام ابن عقيل شيخ الحنابلة في وقته، وننقل هنا أيضًا قول الكشميري وهو أحد كبار فقهاء الحنفية في وقته حيث قال: «السفر لزيارة قبور الأولياء كما هو معمول أهل العصر لا بد من النقل عليه من صاحب الشريعة أو صاحب المذهب أو المشائخ، ولا يجوز قياس زيارتها على زيارة القبور الملحقة بالبلدة فإنه لا سفر فيها» (٢).
سابعًا: مما يؤيد استدلال ابن تيمية بحديث «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» على عدم جواز السفر لزيارة قبر النبي ﵌ وغيره - فَهْمُ الصحابة ﵃ لمعنى الحديث، ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: «آتِيَ الطُّورَ؟» قَالَ: «دَعِ الطُّورَ، لَا تَأْتِهِ»، وَقَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» (٣).
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد أن أَبَا بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟»، قَالَ: «مِنَ الطُّورِ صَلَّيْتُ
стр. 114
فِيهِ»، قَالَ: «أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: «فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء مندرجة في العموم وأنه لا يجوز السفر إليها كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة.
وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير المساجد الثلاثة لا يجوز مع أنَّ قصْده لأهل مَصْرِه يجب تارة ويستحب أخرى وقد جاء في قَصْد المساجد من الفضل ما لا يُحْصَى فالسفر إلى بيوت الموتى من عباده أوْلَى أن لا يجوز» (٢).
ثامنًا: احتج المفتي (ص١٠٩ - ١١٠) على جواز السفر لزيارة القبور بأنه ﵌ كان يزور مسجد قباء، فعَن نافِعٍ عَن ِابْن ِ عُمَرَ ﵄ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﵌ يَأْتِي مَسْجِدَ قباءَ كلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبا»، قالَ نافِعٌ: «وَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفعَله». (رواه البخاري ومسلم).
وقال إن النهي عن شد الرحال لمسجد غير الثلاثة ليس على التحريم، فقد ثبت أن النبي ﵌ شدَّ الرحال لمسجد رابع وهو مسجد قباء.
стр. 115
والجواب:
١ - أنَّ زِيَارَة َمَسْجِدِ قباءَ لأَهْل ِ المدِيْنةِ، خَالِيَة ٌ مِنْ شَدِّ الرِّحَال ِ (أي السفر) لِقُرْبه. وَهِيَ مُسْتَحَبَّة ٌ مَسْنُوْنة ٌ لهمْ، اقتِدَاءً بفِعْل ِ النَّبيِّ ﵌، وَقدْ كانَ النَّبيُّ ﵌ يَأْتِيْهِ -لِقُرْبهِ- مَاشِيًا وَرَاكِبًا.
بَلْ قالَ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: «كنّا نصَلي العَصْرَ، ثمَّ يَذْهَبُ الذّاهِبُ مِنّا إلىَ قباءَ، فيَأْتِيْهمْ وَالشَّمْسُ مُرْتفِعَة ٌ» (رَوَاهُ البُخارِيُّ).
وَمَحَلُّ النِّزَاعِ في شَدِّ الرَّحْل ِ لِزِيَارَةِ مَسْجِدٍ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثة.
فمسجد قباء يستحب زيارته لمن كان فى المدينة؛ لأن ذلك ليس بشَدّ رحل (ليس بسَفَر) كما فى الحديث الصحيح أن النبي ﵌ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ»» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
وقال رسول الله ﵌: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
وقوله ﵌: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ» تنبيه على أنه لا يُشْرَع قصْده بشد الرحال، بل إنما يأتيه الرجل مِن بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه، ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجد بلده دون المساجد التي يسافر إليها.
٢ - مَن حَمَل حَدِيْث «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلّا إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ»، عَلى نفي اسْتِحْبَابِ شَدِّ الرّحَالِ لِغيْرِهَا، ثمَّ أجَازَ شَدَّ الرِّحَال ِ لِلمَسَاجِدِ عَامَّة ً غيرَ المسَاجِدِ الثلاثةِ، بزِيَارَةِ النَّبيِّ ﵌ لمِسَجْدِ قباء فكلامه فِيْهِ تعَارُضٌ وَتنَاقض:
فإنهُ إمّا أَنْ يَنْفِيَ اسْتِحْبَابَ زِيَارَةِ مَسْجِدِ قباءَ، لِيَسْتَقِيْمَ تَأْوِيْلهُ لِحَدِيْثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ»: فيُخالِفَ بذَلِك َ السُّنَّة َ الصَّحِيْحَة َ الصَّرِيْحَة.
بَلْ يُخالِفُ مَا وَرَدَ مِنْ عَظِيْمِ فضْل ِ زِيَارَتِهِ.
стр. 116
وَإمّا أَنْ يَسْتَحِبَّ زِيَارَة َ مَسْجِدِ قباءَ، كمَا جَاءَتْ بهِ السُّنَّة ُ: فيَسْقط ُ تأْوِيْلهُ لحدِيْثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَال».
وَعَلى كلا الحاليْن ِ، فكلامُه غيْرُ مَقبُوْل.
وقَوْلُهُ بِعَدَمِ الاسْتِحْبَابِ تَسْلِيمٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِعَمَلِ صَالِحٍ وَلَا قُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ وَلَا هُوَ مِنْ الْحَسَنَاتِ. فَإِذًا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قُرْبَةٌ وَعِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
وَإِذَا سَافَرَ لِاعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. فَصَارَ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ اتِّخَاذِهِ قُرْبَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يُسَافِرُ إلَيْهَا إلَّا لِذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ إلَيْهَا لِغَرَضِ مُبَاحٍ فَكَذَا جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ (١).
تاسعًا: جانَبَ المفتي الصوابَ في قوله إن السلفيين قد اصطدموا بقاعدة متفق عليها أن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، وفي قوله إنه لا يُعقَل أن يكون المقصد مندوبًا ووسيلته محرمة، ويقصد بذلك أن السلفيين مع أنهم يستحبون زيارة قبر النبي ﵌، وزيارة قبور المسلمين بصفة عامة يحرّمون السفر لزيارة قبر النبي ﵌ أو قبر الخليل إبراهيم أو قبر أي صالح.
ولبيان ذلك يقال:
إن قاعدة (الوسائل لها أحكام المقاصد) معناها أن الوسيلة تأخذ صفة الحسن أو القبح بناءً على ما يقصد بها صاحبها، ولكن هذه القاعدة مقيدة بما لا يخالف الشرع.
стр. 117
وهنا هذا السفر الذي هو وسيلة إلى مستحب - وهو زيارة قبر النبي ﵌ وقبور الأولياء - اصطدم بالشرع حيث خالف حديث النبي ﵌: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ».
وبناءً على قول المفتي إن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، وإنه لا يُعقَل أن يكون المقصد مندوبًا ووسيلته محرمة»، نسأله: «ما رأيكم فيمن يسرق أموال المسلمين لبناء مسجد أو مساعدة مسكين؟».
هنا المقصد - بناء مسجد أو مساعدة مسكين - مندوب (مستحب)، فهل تأخذ السرقة حكم الاستحباب أيضًا أم تكون محرمة؟!!
إن المسلم إذا أراد أن يصل إلى غاية مشروعة فإن هذه الغاية يوصل إليها بعدة أنواع من الوسائل:
النوع الأول: أن تكون الوسيلة منصوصة من الشارع، فهنا لا إشكال فيها.
النوع الثاني: أن تكون ممنوعة بالنص من الشارع، فهنا لا إشكال في المنع منها.
النوع الثالث: أن تكون موافقة لأصول الشريعة العامة ولا تخالف شيئًا منها، فهنا لا إشكال فيها أيضًا.
النوع الرابع: أن تكون مخالفة لأصول الشريعة وقواعدها العامة، فهنا تمنع أيضًا.
النوع الخامس: أن لا يكون فيها نص أو معنى يدل على منع أو إباحة.
فهذا النوع الخامس هو الذي تطبق عليه قاعدة الفقهاء (الوسائل لها أحكام المقاصد) أي إذا كان المقصد مشروعًا فإن الوسيلة تكون مشروعة بالضوابط المذكورة سابقًا.
стр. 118
المسألة
الحادية عشرة
المتشددون يتهمون مَن
تَرَجَّى بالنبي ﵌ بالشرك الأصغر
قال المفتي (ص١١٢) تحت عنوان «المتشددون يتهمون مَن تَرَجَّى بالنبي ﵌ بالشرك الأصغر: «يتهم المتشددون مَن يترجّوْن بمكانة النبي ﵌ بالشرك ويبادرونه بقولهم: قل لا إله إلا الله، وفي الحقيقة نتج ذلك عن خلط أمرين: الأمر الأول هو ظنهم أن الترجّي بالنبي ﵌ وتأكيد الكلام به من باب الحلف.
والأمر الثاني أنهم اعتقدوا أن حكم الحلف بالنبي ﵌ هو نفس حكم الحلف بآلهة المشركين، ونوضح فساد فهمهم في هذين الأمرين فيما يلي:
إن الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي ﵌ والإسلام والكعبة فلا مشابهة فيه لحلف المشركين بوجه من الوجوه، وإنما مَنَعه مَن مَنَعه مِن العلماء أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله ...
أما عن الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي ﵌ أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقة الحلف فغير داخل في النهي أصلًا، بل هو أمر جائز لا حرج فيه ... ».
الجواب:
أولًا: السلفيون في ذلك مُتَّبِعُون لا مُبْتَدِعُون، فقد اعترف المفتي أن الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي ﵌ والإسلام والكعبة مَنَعه مَن مَنَعه مِن العلماء، فلماذا يشَنّع على السلفيين عندما أخذوا بقول هؤلاء العلماء، ومعهم أحاديث النبي ﵌ التي تنهى عن الحلف بغير الله، وتعدّه من الشرك والكفر ويكفيهم ذلك؛ فقول رسول الله
стр. 119
- ﵌ مُقَدَّم على قول كل عالم كائنًا من كان، وهذا منهج الأئمة الأربعة، وقد سبق نقْلُ كلامهم في ذلك (١).
ثانيًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وقال ﵌: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني).
في هذا الحديث لم يَسْتَثْنِ النبيُّ ﵌ نفسه ولا الكعبة ولا غيرهما.
فهذا توجيه النبي ﵌، فِعْلٌ سمَاه النبي ﵌ شركًا وكُفْرًا، هل نفعله اتباعًا لقول المفتي؟!!
أيهما أولى بالاتباع: النبي ﵌ أم المفتي؟!!
ثانيًا: ليس النهي عن الحلف بغير الله مخصوصًا بآلهة المشركين كما يزعم المفتي، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ ابْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلاَ، إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ» (رواه البخاري ومسلم).
قال المناوي في فيض القدير عند شرح هذا الحديث:
«وتخصيص الآباء خرج على مقتضى العادة، وإلا فحقيقة النهي عامة في كل معظم غير الله» (٢).
стр. 120
ثالثًا: قد وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ اسْتِنْكَارُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عبد الرزاق وابن أبي شيبة في (مصنفيهما)، والطبراني في (المعجم الكبير) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: «لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا»، (قال الهيتمي في مجمع الزوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني).
رابعًا: نريد من المفتي الدليل على هذا التفريق بين الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي ﵌ والإسلام والكعبة، وبين ما ليس بمعظم، وإلا فقد ورد النهي عن النبي ﵌ عن الحلف بالكعبة، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ: أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ»، وَتَقُولُونَ: «وَالْكَعْبَةِ»، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: «وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، وَيَقُولُوا: «مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شِئْتَ» (رواه النسائي والحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، وصححه الألباني).
فهذا كلام النبي ﵌ في النهي عن الحلف بالكعبة وإقراره أنه من الشرك، فأيهما أولى بالاتباع: النبي ﵌ أم المفتي؟!!
وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَحَلَفَ رَجُلٌ بِالْكَعْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (رواه ابن حبان، وصححه الألباني، وقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»).
فهذا كلام عبد الله بن عمر ﵄ في النهي عن الحلف بالكعبة، فأيهما أعلم: صحابة النبي ﵌ أم المفتي؟!!
стр. 121
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: «إِنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاللهِ، وَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ أَوْ آدَمَ أَوْ جِبْرِيلَ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَزِمَهُ الِاسْتِغْفَارُ لِإقْدَامِهِ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ» (١).
خامسًا: نقل الحافظ ابن حجر قول ابن هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ: «وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِمُعَظَّمٍ غَيْرِ اللهِ كَالنَّبِيِّ، وَانْفَرَدَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ تَنْعَقِدُ» (٢).
ومعنى ذلك أن هناك رواية أخرى عن الإمام أحمد ﵀ بالمنع من الحلف بالنبي ﵌، فلماذا يطعن المفتي في السلفيين وقد أخذوا برأي:
• جمهور الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة.
• أو إجماعهم حيث إن هناك رواية أخرى عن الإمام أحمد بالمنع؟!!
سادسًا: هل يستطيع المفتي أنْ يطعنَ في الأئمة الأربعة ويتهمَهم بالتشدد كما فعل مع السلفيين الذين أخذوا برأيهم؟!!!
مرة أخرى فلْيعلم القارئ الكريم أين يقف المفتي وأين يقف السلفيون!!
стр. 122
المسألة
الثانية عشرة
المتشددون يَحْكُمون على
والِدَي المصطفى ﵌ بالنار يوم القيامة
قال المفتي (ص١١٦): «هذه واحدة من قضاياهم التي تسيء المسلمين إذا سمعوا بها، وهي أن مصير والدي المصطفى ﵌ النار يوم القيامة، تلك القضية التي إذا ضممناها لباقي القضايا لشعورنا (١) وكأن مكانة النبي ﵌ في قلوبهم ليست على القدر المطلوب، وكان (٢) حبهم للنبي ﵌ لم يصدق.
لا شك أن الحب يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شك كذلك أن الحديث بسوء عن أبويه ﵌ يؤذي النبي ﵌ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ... (التوبة: ٦١)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (الأحزاب: ٥٧ (.
ولقد نهانا الله صراحة عن أذية رسول الله ﵌ ومشابهة اليهود - لعنهم الله - في ذلك فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ (الأحزاب: ٦٩)» اهـ.
стр. 123
الجواب:
أولًا: نقول للمفتي: إن القول بأن أبوي النبي ﵌ في النار تصديق لقوله ﵌، وليس إيذاءً له ﵌.
قال الشيخ عطية صقر ﵀: «ولا يضير أن يكون فى أنساب الأنبياء كافرون، فكل امرئ بما كسب رهين» (١).
ثانيًا: هل اطلع المفتي على قلوب ملايين السلفيين حتى يزعُم أن مكانة النبي ﵌ في قلوبهم ليست على القدر المطلوب، وأن حبهم للنبي ﵌ لم يصدق، وأنهم يرغبون في إيذاء النبي ﵌ بحديثهم بسوء عن أبويه ﵌؟!!
ثالثًا: هاهنا سؤال لعلماء الأزهر: من المعلوم أن أذية رسول الله ﵌ من الكفر، فهل هذا الكلام من المفتي يعتبر تكفيرًا للسلفيين؟ وإن كان الأمر كذلك فهل يحكم المفتي بالكفر على الإمام مسلم الذي روى حديثين يدلان على أن أبوي النبي ﵌ في النار، فقد روى مسلم في صحيحه - وهو أحد أصَحّ كتابين بعد كتاب الله عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟»، قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
وهل يحْكُمُ المفتي بالكفر على الإمام النووي ﵀ (٢) الذي قال في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم في شرح (باب بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَلَا تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ وَلَا تَنْفَعُه قَرَابَةُ المُقَرَّبِين):
«فِيهِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار، وَلَا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ.
стр. 124
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار.
وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء - صَلَوَات اللهِ تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ-.
وَقَوْله ﵌: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار» هُوَ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة لِلتَّسْلِيَةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمُصِيبَة، وَمَعْنَى (قَفَى) وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا» (١).
وروى مسلم أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﵌ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ» (٢).
وقد قال بقول الإمامِ النوويِّ بكُفْر والدي النبي ﵌ الإمامُ مسلم (٣)، والإمامُ أبو داود صاحب السنن (٤)، والإمامُ النسائي (٥)، والإمامُ ابن ماجة (٦)، والإمامُ أبو حنيفة النعمان (٧)، وشمسُ الدين السرخسي الحنفي (٨)، وزَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ (٩)،
стр. 125
والقاضي عياض المالكي (١)، والبيهقي الشافعي (٢) وابن الجوزي الحنبلي (٣)، والحافظ ابن كثير الشافعي (٤)، وشهاب الدين القرافي المالكي (٥).
وقد بسط الكلام في عدم نجاة والدَي النبي ﵌ العلامة الحنفي الملاّ علي القاري في (شرح الفقه الأكبر)، وفي رسالة مستقلة أسماها: (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊)، نقل في أولها قول الإمام أبي حنيفة في كتابه (الفقه الأكبر): «ووالدا رسول الله ﵌ ماتا على الكفر».
وقد أثبت الملاّ علي القاري في ذلك الكتاب تواتر الأدلة والأحاديث على صِحّة معنى هذا الحديث وعدم نجاة والدي الرسول ﵌ وقد نقل الإجماع على تلك القضية فقال: «وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك. والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق» (٦).
стр. 126
وأخيرًا لابد أن يُعلم أن هذا الاتهام الصادر من المفتي في حق السلفيين هو في الحقيقة متوجه لمن ذكرنا من العلماء لو التزم بذلك المفتي، فهل كل هؤلاء العلماء كانوا يقصدون إيذاء النبي ﵌، وهل كانوا من المتشددين؟!!
ومرةً أخرى فلْيعلم القارئ أين يقف السلفيون وأين يقف المفتي!!!
ومن أراد التوسع في الرد على شبهات المفتي في هذه المسألة فليقرأ كتاب العلامة الحنفي الملاّ علي القاري (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊).
стр. 127
المسألة
الثالثة عشرة
المتشددون يَنْفون أي
إدراك للميت وشعوره بمن يزوره
قال المفتي (ص١٢٣): «ويسلك المتشددون مسلكًا خطيرًا يميل للمادية البغيضة فينكرون أي إدراك للميت، وينفون شعوره بمن يزوره».
الجواب:
من التناقض العجيب أن المفتي يتهم السلفيين بهذا الاتهام ثم يرد على نفسه فيستدل لرأيه بكلام اثنين من علماء السلفيين الذين يعتبرهم من المتشددين حيث ينقل مِن كلامهم ما يَدُل على نفْي التهمة عنهم أصلًا.
فقد كفانا المفتي مؤنة الرد بأن نقل (ص١٢٥) - بعد صفحتين من كلامه السابق - كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية يؤيد رأيه، ونقل كذلك (ص١٢٦) عن ابن القيم كلامًا مشابهًا. وهنا ننقل جزءًا من كلامَيْهما.
سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «هَلْ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ كَلَامَ زَائِرِهِ؟».
فَأَجَابَ: «نَعَمْ، يَسْمَعُ الْمَيِّتُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ».
وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عتبة بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا».
فَسَمِعَ عُمَرُ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَسْمَعُونَ وَأَنَّى يُجِيبُونَ وَقَدْ جُيِّفُوا؟» فَقَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتَ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا». ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
стр. 128
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟».
وَقَالَ: «إنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْآنَ مَا أَقُولُ».
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ. وَيَقُولُ: «قُولُوا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ».
فَهَذَا خِطَابٌ لَهُمْ وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ مَنْ يَسْمَعُ» (١).
وقال ابن القيم ﵀: «وقد شرع النبي ﵌ لأمته إذا سلّموا على أهل القبور أنْ يُسَلموا عليهم سلامَ مَن يخاطبونه فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين»، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا (٢)، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به» (٣).
تنبيه
الحياة البرزخية لها حقيقة لا اطلاع لنا عليها، لدخولها في علم الغيب الذي استأثر الله به، ومن زعم أن الحياة البرزخية كالحياة الدنيا فقد أتى بما ليس عليه دليل.
стр. 129
المسألة
الرابعة عشرة
المتشددون ينكرون
ذِكْرَ الله كثيرا ويمنعون الأوراد
قال المفتي (ص١٢٧): «بعد أن حاصر المتشددون أغلب المسلمين في حياتهم وسلوكهم ومساجدهم ذهبوا ليحاصروهم في خلواتهم ومجالس ذكرهم لله ، فنهوا الناس عن ذِكْر الله بأعداد كثيرة، ونهوا كذلك عن ذكر الله بالأوراد والأحزاب ....
ومن وسائل محافظة المسلم على كثرة الذكر هو أن يُلزم نفسه بورد معين يحافظ عليه كل يوم وليلة، إلا أن المتشددين رفضوا ذلك أيضًا كما رفضوا كثرة الذكر، ولا نعلم أحدًا ينهى عن الذكر من مريدي الخير».
الجواب:
أولًا: مِن أين جاء المفتي بتلك الاتهامات؟!! مَن مِن السلفيين رفَضَ كثرة الذكر؟ ومَن مِنهم نهى عن ذكر الله؟!! ومَن مِنهم نهى الناس عن ذِكْر الله بأعداد كثيرة، ومَن مِنهم نهى الناس عن ذكر الله بالأوراد والأحزاب؟!!
نريد من المفتي البينة على هذا الادعاء!!!
ثانيًا: يؤمن السلفيون – كما يؤمن جميعُ المسلمين - أنّ ذِكْرَ الله على وجه العموم مشروع ومستحب في جميع الأوقات لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: ٤١ـ٤٢). وقال تعالى: ﴿ ... وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٥).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: «إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ»، قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ » (رواه الإمام أحمد والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني والأرنؤوط).
ولا بأس أن يُلْزِمَ المرء نفسه بأوراد من أذكار بأعداد معينة تحصيلًا للأجر العظيم، وترطيبًا للسان، وتزكية للنفس، شريطة أن لا يعتقد أي فضيلة لهذه الأعداد التي لم تَرِدْ في السُّنة، وإنما يفعل ذلك من باب ضبط الوقت، وكذلك أن لا يعتقد أن المداومة على هذه الأعداد سُنَّة راتبة عن النبي ﵌.
ومن تأمل حال السلف الصالح وجد أن أكثرهم كانوا يُلزمون أنفسهم بأوراد من الصلوات والأذكار والقراءة زائدة على ما ورد في السنة المطهرة ويحتجون على مشروعيتها بعمومات الكتاب والسنة الواردة في فضل الذكر والصلاة وغيرهما، ومن يطلع على سِيَرِهم رضوان الله عليهم يقف على صحة ذلك (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَأَمَّا مُحَافَظَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى أَوْرَادٍ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَهَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَمَا سُنَّ عَمَلُهُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ كَالْمَكْتُوبَاتِ: فُعِلَ كَذَلِكَ.
стр. 130
وَمَا سُنَّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ مِنْ الْأَوْرَادِ عُمِلَ كَذَلِكَ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَجْتَمِعُونَ أَحْيَانًا: يَأْمُرُونَ أَحَدَهُمْ يَقْرَأُ وَالْبَاقُونَ يَسْتَمِعُونَ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: يَا أَبَا مُوسَى ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ» (١).
والأذكار والأدعية على قسمين:
الأول: الأذكار الواردة في الكتاب والسنة مقيدة إما بزمان أو بمكان أو بحال، فهذا القسم يؤتى به على الوجه الذي ورد في زمانه، أو حاله، أو مكانه، أوفي لفظه، أوفي هيئة الداعي به من غير زيادة ولا نقصان.
القسم الثاني: كل ذكر أو دعاء مطلق غير مقيد بزمان أو مكان، فهذا له حالتان:
الأولى: أن يكون وَرَدَ عن النبي ﵌ فيُؤْتَى بلفظه ولا يُحَدَّد بزمان أو مكان يخص به، أو بعدد يلتزم به.
الثانية: أن يكون غير وارد عن النبي ﵌ بل أتى به الداعي من عند نفسه أو من المنقول عن السلف؛ فيجوز للعبد الذكر والدعاء به بخمسة شروط:
١ - أن يتخير من الألفاظ أحسَنَها وأبْيَنَها؛ لأنه مقام مناجاة العبد لربه ومعبوده .
٢ - أن تكون الألفاظ على وفق المعنى العربي.
٣ - أن يكون الدعاء خاليًا من أي محذور شرعي، كالاستغاثة بغير الله ، ونحو ذلك.
стр. 131
٤ - أن يكون في باب الذكر والدعاء المطلق فلا يقيد بزمان أو حال أو مكان.
٥ - أن لا يتخذ ذلك سنة يواظب عليها (١).
المسألة الخامسة عشرة
أكثر المتشددين يمنعون استعمال
السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة
قال المفتي (ص١٣٢): «أكثر المتشددين يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة، لم يتوقف المتشددون عن صَدّ الناس عن الذكر بِنَهْيِهِم عن ذكر الله كثيرًا، وبِنَهْيِهِم عن الأوراد والأحزاب، وإنما بحثوا عن وسائل الناس التي تمكّنهم مِن ذكر الله كثيرًا فحكموا عليها بالبدعة والضلالة، ونهوا عن ذلك وشنَّعوا عليه، هذه الوسيلة هي السبحة التي نراها في أيدي الذاكرين».
الجواب:
أولًا: لأول مرة لا يعمم المفتي الحكم على السلفيين بل يحكم على معظمهم، ومرةً أخرى نطالبه بالإحصائيات.
وهل من وافقه من السلفيين في مسألة السبحة يستحقون منه الثناء أم أنهم ما زالوا يستحقون وصْف المتشددين؟!!!
ثانيًا: عَدُّ الذِّكْر بالأنامل (أصابع اليد) ثبت مِن هدي النبي ﵌ قولًا , وفعلًا , وتقريرًا , ودرجَ على ذلك الصحابة ﵃ ومَن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا , فهو من السُّنن المستقرة , والعمل المتوارث لدى الأُمة , تأسِّيًا بنبيها ﵌، وما زال المسلمون يقومون بهذا الذكر العددي المبارك , ويعقدون تعداده بأنامل اليدين , أو أنامل اليد اليمنى , دون حاجة إلى وسيلة أخرى , من حصى , أو نوى , أو سُبْحة منظومة , أو آلة مصنوعة.
وهذا هو الذي يوافق يُسْر الإِسلام , وسهولة التشريع , وأن أحكامه في قدرة المكلفين على اختلاف طبقاتهم. وهذا دأب هذه الشريعة المباركة في التيسير.
فعَدُّ الأَذكار العَدَدِيَّة بالأنامل سُنَّةٌ ماضية في الإِسلام , ومن العمل المتوارث بين المسلمين، فعن حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ، عَنْ جَدَّتِهَا يُسَيْرَةَ، وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ،
стр. 135
قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاَتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلاَ تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ». (رواه الإمام أحمد في المسند، والترمذي، وأبو داود، وابن حبان وصححه الذهبي، وحسنه النووي، والحافظ ابن حجر، والألباني) (١).
ثالثًا: مسألة التسبيح بالمسبحة مسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء، ومن ذهب من العلماء إلى جواز التسبيح بالمسبحة قال: إن التسبيح باليد أفضل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «وَالتَّسْبِيحُ بِالْمَسَابِحِ مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: أَنَّ التَّسْبِيحَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا» (٢).
وقال أيضًا: «عَدُّ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﵌ لِلنِّسَاءِ: «سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ».
стр. 136
وَأَمَّا عَدُّهُ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَسَنٌ وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﵌ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُسَبِّحُ بِهِ.
وَأَمَّا التَّسْبِيحُ بِمَا يُجْعَلُ فِي نِظَامٍ مِنْ الْخَرَزِ وَنَحْوِهِ (١) فَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ وَإِذَا أحْسِنَتْ فِيهِ النِّيَّةُ فَهُوَ حَسَنٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَأَمَّا اتّخَاذُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ إظْهَارُهُ لِلنَّاسِ مِثْلُ تَعْلِيقِهِ فِي الْعُنُقِ أَوْ جَعْلِهِ كَالسُّوَارِ فِي الْيَدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا إمَّا رِيَاءٌ لِلنَّاسِ أَوْ مَظِنَّةُ الْمُرَاءَاةِ وَمُشَابَهَةِ الْمُرَائِينَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ: الْأَوَّلُ مُحَرَّمٌ، وَالثَّانِي أَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ؛ فَإِنَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ» (٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية: «التسبيح باليد أفضل ولم يثبت عن النبي ﵌ أنه اتخذ لنفسه مسبحة يسبح الله بها فيما نعلم، والخير كل الخير في اتباعه ﵌.
واستخدام المسبحة في عدد التسبيح أو الذكر مباح؛ لكن استعمال الأصابع أفضل منها، أما إذا اعتقد أن في استعمال المسبحة فضيلة فهذا بدعة لا أصل له، وهو من عمل الصوفية» (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: «السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليست مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد
стр. 137
الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهن «مُسْتَنْطَقَاتٌ» كما أرشد إلى ذلك النبي ﵌.
ولأن عَدَّ التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرًا من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه أو تهليله أو تحميده أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعدّ هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينًا وشمالًا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحْضَرُ لقلبه غالبًا.
الشيء الثالث: أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرًا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله بأنامله.
وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عَدّ التسبيح بالأصابع» (١).
ولْيعْلم القارئ أن الأقوال السابقة إنما هي لعلماء سلفيين من القُدماء والمعاصرين يذهبون إلى عدم بدعية السبحة.
رابعًا: مما سبق يتبين أنّ مَن قال من العلماء بجواز العَدّ بالنوى والحصى استدل بفعل الصحابة ﵃ وإقرار الرسول ﵌ على ذلك، أو اعتبر التسبيح بها وسيلة لضبط العدد.
стр. 138
خامسًا: ذهب بعض العلماء إلى أن السُّبْحة بدعة مخالِفَةٌ لهديه ﵌ لم تكن في عهد النبي ﵌، وضعَّفوا الأحاديث والآثار التي استدل بها المجَوّزون؛ قال المباركفوري: «ولم يثبت عَدّ التسبيح بالحصى أو النوى مرفوعًا من فعله أو قوله أو تقريره ﵌، والخير إنما هو في اتباع ما ثبت عنه لا في ابتداع من خلف» (١).
وقال المانعون إن استعمال المسبحة يقضي على سُنَّة العَدّ بالأصابع، وقالوا إن التسبيح بالمسبحة بدعة مضافة في التعبد بالأَذكار والأوراد , وعُدُولٌ عن الوسيلة المشروعة - العَدَّ بالأنامل - التي دَلَّ عليها النبي ﵌ بقوله وفعله , وتوارثه المهتدون بهديه المقتفون لأَثره إلى يومنا هذا , وإلى هديه ﵌ يُرد أمر الخلاف , وبه يتحرر الصحيح عند النزاع (٢).
سادسًا: المسألة اجتهادية ومن ذهب من العلماء إلى بدعية السبحة فهذا اجتهاده وهو دائر بين الأجر والأجرين طالما بذل وسعه واعتمد على أدلة شرعية ولم يتبع هواه.
стр. 139
المسألة السادسة عشرة
المتشددون يتمسكون بالظاهر
ويتعبدون بالثياب (ثوب الشهرة - النقاب)
قال المفتي (ص١٣٨): «المتشددون يتعبَّدون بالثياب (ثوب الشهرة - النقاب)، المتشددون ميزوا أنفسهم بين المسلمين بشكلهم في الظاهر، فيمكن معرفتهم بمجرد النظر في الناس فإذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين، وإن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة».
وقال: (ص١٤٠): «إن ما اصطلح عليه الناس من نوع وهيئة للزي ما دام في الإطار العام للقاعدة الكلية للثوب الشرعي بكونه لا يصف ولا يشفّ ولا يكشف، وليس من لباس الشهرة (٢) فهو مباح.
ومراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا».
الجواب:
أولًا: ثوب الشهرة:
نقول للمفتي: ما المخالفات التي خالف فيه السلفيون كلامه الثاني (ص١٤٠) حتى يرميهم بما رماهم به في كلامه الأول (ص١٣٨)؟!!
ما الذي يخالف فيه السلفيون زي أهل زمانهم حتى يتهمهم المفتي بأنهم يلبسون ثوب شهرة، وينزّل عليهم حديث النبي ﵌: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ
стр. 140
اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا» (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني).
ما هو ثوب الشهرة؟
قال السندي: «قَوْلُهُ: (ثَوْبُ شُهْرَةٍ) أَيْ: مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا يَقْصِدُ بِهِ الِاشْتِهَارَ بَيْنَ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ نَفِيسًا يَلْبَسُهُ تَفَاخُرًا بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، أَوْ خَسِيسًا يَلْبَسُهُ إِظْهَارًا لِلزُّهْدِ وَالرِّيَاءِ» (١).
وقال السيوطي: «أَرَادَ مَا لَا يحل لبسه، أَو مَا يقْصد بِهِ التفاخر والتكبر، أَو يَتَّخِذهُ المتزهد ليشهر نَفسه بالزهد، أَو مَا يلْبسهُ المتفقهة من لبس الْفُقَهَاء وَالْحَال أَنه من السُّفَهَاء، وَمَا يشْعر بِهِ المتعبد من عَلامَة السِّيَادَة كَالثَّوْبِ الْأَخْضَر» (٢).
ونقل الصديقي العظيم آبادي عن ابن الْأَثِيرِ قوله: «الشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ وَالْمُرَادُ أَنَّ ثَوْبَهُ يَشْتَهِرُ بَيْنَ النَّاسِ لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ لِأَلْوَانِ ثِيَابِهِمْ فَيَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهَمْ وَيَخْتَالُ عَلَيْهِمْ بِالْعُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ» (٣).
ونقل المفتي (ص١٤١) عن الشوكاني قوله: «وَإِذَا كَانَ اللُّبْسُ لِقَصْدِ الِاشْتِهَارِ فِي النَّاسِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَوَضِيعِهَا وَالْمُوَافِقِ لِمَلْبُوسِ النَّاسِ وَالْمُخَالِفِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَدُورُ مَعَ الِاشْتِهَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ» (٤).
ونسأل المفتي بعد هذه النقول، وليحكم القارئ الكريم بنفسه: هل اتباع النبي ﵌ في نهيه عن إسبال الثياب ثوب شهرة، وهل اتباع المسلمة لأمر ربها في لبس
стр. 141
النقاب يُعَدُّ ثوب شهرة، بيننا وبينك ما نقلناه ونقلْتَه أنت عن العلماء، وعند الله تجتمع الخصوم.
ثانيًا: تقصير الثياب:
قال المفتي (ص١٣٨): «إذا وجدتَ شخصًا يرتدي قميصًا (١) قصيرًا فاعلم أنه من المتشددين».
وله نقول:
أولًا: هل كان النبي ﵌ متشدّدًا عندما نهى عن الإسبال؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (رواه البخاري).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﵌ أوصاه فَقَالَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَإِنْ امْرُؤٌ شَتَمَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تَشْتُمْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَكَ أَجْرُهُ، وَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَلَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا» (رواه الإمام أحمد، وصححه الأرنؤوط).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، ارْفَعْ إِزَارَكَ» (رواه مسلم).
سؤال: لو تخيلنا أن الرسول ﵌ جاءنا وقال لنا ـ كما قال لابن عمر ـ: «ارْفَعْ إِزَارَكَ»، فهل سنقول: «سمعًا وطاعة يا رسول الله»؟!! أم سنقول إن هذا شعار المتشددين.
стр. 142
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي: «قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ (١): «لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَهُ (٢) وَيَقُولُ لَا أَجُرُّهُ خُيَلَاءَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ حُكْمًا أَنْ يَقُولَ لَا أَمْتَثِلُهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِيَّ فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ بَلْ إِطَالَتُهُ ذَيْلَهُ دَالَّةٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ» اهـ مُلَخَّصًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْبَالَ يَسْتَلْزِمُ جَرَّ الثَّوْبِ وَجَرُّ الثَّوْبِ يَسْتَلْزِمُ الْخُيَلَاءَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ اللَّابِسُ الْخُيَلَاءَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بن منيع من وَجه آخر عَن ابن عُمَرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ رَفَعَهُ (٣): «وَإِيَّاكَ وَجَرَّ الْإِزَارِ فَإِنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ» (٤).
ونسأل المفتي: هل الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي والإمام ابن العربي المالكي من المتشددين؟!!
وقد حدّثني الأستاذ الدكتور محمد بكر حبيب، الأستاذ بجامعة الأزهر أنه كان يلتقي والدكتور علي جمعة في الدراسات العليا مع المشايخ وهو بقميص قصير وقلنسوة (طاقية)، وقد زاره في بيته في ذلك الوقت، وهو بهذه الهيئة " اهـ.
فما بال الدكتور علي جمعة ينكر على السلفيين التزامهم بسنة النبي ﵌، التي التزمها فترة من الزمن؟!!
стр. 143
ثالثًا: مسألة النقاب:
قال المفتي (ص١٣٨): «إن رأيت امرأةً ترتدي النقاب فاعلم أنها متشددة».
وله نقول: نقل العلماء اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ مَنْعِ النِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الفُسَّاقِ (١).
وقال أبو حامد الغزالي ﵀: «لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» (٢).
ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي «اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْأَسْفَارِ مُنْتَقِبَاتٍ لِئَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ» (٣).
وقال القاضي زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ: «الْأَصَحُّ حُرْمَةُ خُرُوجِهِنَّ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَرَامِ الَّذِي هُوَ النَّظَرُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ» (٤).
على الهواء مباشرةً المفتي يدافع عن السلفيين:
قال المفتي الدكتور علي جمعة على قناة اقرأ الفضائية: «قضية النقاب يَرَى فَرْضِيَّتَها الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل».
ونسأل المفتي: هل أخطأ السلفيون عندما أخذوا برأي الأئمة الثلاثة الشافعي وأبي حنيفة وأحمدَ بنِ حنبل؟!!
стр. 144
هل الأئمة الثلاثة من المتشددين؟ هل كان الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل من المتشددين؟ وهل المفتي نفسه من السلفيين المتشددين؟
أمنية !!
وصَفَ المفتي مَن ترتدي النقاب بأنها متشددة، وكنا ننتظر من المفتي بدلًا من تحذير المسلمين من النقاب - الذي يَرَى فَرْضِيَّته الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل - أنْ يحذرهم من لبس المايوهات والملابس القصيرة وملابس الكاسيات العاريات، ومن مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي تظهر فيها النساء بتلك الملابس.
أليست تلك الملابس تخالف ما ذكره المفتي من ضوابط في كتابه (ص١٤٠)؟
стр. 145
المسألة
السابعة عشرة
المتشددون قدّموا السعيَ على العلم
قال المفتي (ص١٤٩): «من أهم المشكلات المنهجية لهذا التيار المتشدد هي السعي قبل الوعي، والخلط بين الوعظ وبين العلم، فيستخدمون مجالس الوعظ والتذكير بالله للإفتاء مما ينشر الجهل ويفرق المسلمين؛ فهل قَلَّ العلماء لينتشر الجهل؟!!».
الجواب:
أولًا: نحمد الله أن المفتي اعترف أخيرًا أن السلفيين يعظون الناس ويذكرونهم بالله، ولا يذكرونهم بالنصرانية ولا اليهودية!!!
ثانيًا: الاتهام الذي وجهه المفتي للسلفيين يصيب أيضًا أساتذة جامعة الأزهر المتمسكين بالمنهج السلفي؛ فهل هم أيضًا يخلطون بين الوعظ وبين العلم، ويستخدمون مجالس الوعظ والتذكير بالله للإفتاء مما ينشر الجهل ويفرق المسلمين؟!!
ثالثًا: مَن هم العلماء والدعاة السلفيون الذين يقصدهم المفتي؟ وما هي الفتاوى التي أفتى بها هؤلاء العلماء والدعاة مما ينشر الجهل ويفرق المسلمين؟
نريد من المفتي البينة على ادعاءاته!!!
رابعًا: قال المفتي (ص١٥٢): «نرى بعض الناس قد رسخت في أذهانهم أسماء قوم لا خلاق لهم ولا علاقة لهم بالعلم، ورسوخ الأسماء في الأذهان له أثر كبير في