المسألة الثانية
المتشددون ينتقصون الأشاعرة
قال المفتي (ص٢٤): «من مصائب (١) هذا التيار المتشدد أنهم اتهموا الأشاعرة بأنهم فرقة ضالة، وهنا يتجلى فكر الخوارج الذي لا يعبأ بأن يخرج على جماعة المسلمين وينتقصهم ويزعم أنهم على ضلالة ويدعي الحق لنفسه».
الجواب:
أولًا: سبحان الله!!! ما المصيبة في إظهار الحق؟
وهل بيان مخالفة الأشاعرة لمنهج النبي ﵌ خروجٌ على جماعة المسلمين واعتناقٌ لفكر الخوارج!!!
ثانيًا: من هم الأشاعرة؟
الأشاعرة فرقة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ﵀، وقد مر الأشعري بثلاث مراحل، وهي باختصار: مرحلة الاعتزال، ثم متابعة ابن كلاب، ثم موافقة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل.
وقد صرح أبو الحسن الأشعري بهذا الموقف الأخير في كتبه الثلاثة: رسالة إلى أهل الثغر، ومقالات الإسلاميين، والإبانة.
فمن تابع الأشعري على هذه المرحلة، فهو موافق لأهل السنة والجماعة في أكثر المقالات، ومن لزم طريقته في المرحلة الثانية، فقد خالف الأشعري نفسه، وخالف أهل السنة في العديد من مقالاتهم (٢).
стр. 72
ثالثًا: تأمل إنصاف السلفيين الذين يتهمهم المفتي بأنهم أصحاب مصائب!!، فقد قال الشيخ ابن باز ﵀: «الفِرَق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في أخطائهم , فليس الأشاعرة في خطئهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية بلا شك , ولكن ذلك لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيما أخطأوا فيه ومخالفتهم لأهل السنة في ذلك كما قد بُيِّنَ خطأُ غيرهم لإظهار الحق وبيان بطلان ما يخالفه تبليغًا عن الله سبحانه وعن رسوله ﵌ وحذرًا من الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ (البقرة:١٥٩) (١).
وجاء في فتوى للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية والتي صدرت بعضوية الشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ المصري الأزهري عبد الرزاق عفيفي نائبًا للرئيس (٢)، وبرئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز:
стр. 73
«موقفنا من أبي بكر الباقلاني والبيهقي وأبي الفرج بن الجوزي وأبي زكريا النووي وابن حجر وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى أو فَوَّضُوا في أصل معناها - أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم؛ فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة ﵃ وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي ﵌ بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏» (١).
رابعًا: إن كان من مصائب السلفيين أنهم بيَّنوا أخطاء الأشاعرة، فما رأي المفتي في الحافظ ابن حجر الذي بيّن أخطاء الأشاعرة؟!! أم أنه يعتبره من المتشددين؟!!!
فمن المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعد أصوله هو الفخر الرازي، ثم خلفه الآمدي والآرموي فنشرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب.
وقد ترجم الحافظ ابن حجر للرازي والآمدي في (لسان الميزان) وقد أورد نقولًا كثيرة موثقة عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أي مسلم فضلًا عمن هو في علم الحافظ وفضله، وذكر طرفًا من شنائع الآرموي ضمن ترجمة الرازي.
وقال في آخر ترجمة الرازي: «أوصى بوصية تدل على أنه حسّن اعتقاده». ووصية الرازي التي نقلها السبكي الأشعري نفسه في (طبقات الشافعية الكبرى) صريحة في رجوع الرازي إلى مذهب السلف.
стр. 74
والحافظ ابن حجر في (فتح الباري) قد نقد الأشاعرة باسمهم الصريح وخالفهم فيما هو من خصائص مذهبهم، فمثلًا خالفهم في الإيمان، ونقَدَهم في مسألة المعرفة وأول واجب على المكلف في أول كتابه وآخره (١).
كما أنه نقد شيخَ الأشاعرة في التأويل (ابنَ فُورَك) في تأويلاته التي نقلها عنه في شرح كتاب التوحيد في (فتح الباري)، وذمَّ التأويلَ والمنطقَ مرجحًا منهج الثلاثة القرون الأولى، كما أنه يخالفهم في الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة وغيرها من الأمور (٢).
خامسًا: مع أن المفتي يتهم السلفيين بأنهم خوارج - وهم بريئون من ذلك - فقد أجاز (ص١٧) التعبد بمذهب الإباضية وهم فرقة من الخوارج (٣) يقولون بخلق القرآن كما جاء في كتبهم قديمًا وحديثًا، وقد وافقوا الخوارج في ذلك، ويظهر من خلال كتبهم تعطيل الصفات مثل إنكار رؤية الله في اليوم الآخر وتعطيل الصفات عمومًا، والإباضية تقول بتخليد العاصي في نار جهنم، وهي بذلك تتفق مع بقية الخوارج والمعتزلة في تخليد العصاة في جهنم، لكن الإباضية تحكم عليه في الدنيا بأنه كافر كفر نعمة - أو كفر نفاق.
ومن الأمور التي يتفقون عليها إنكار الشفاعة لعصاة الموحدين، لأن العصاة - عندهم - مخلدون في النار، فلا شفاعة لهم حتى يخرجوا من النار، وكل ذلك معارضَةٌ لما تواتر عن النبي ﵌ من الشفاعة لأهل الكبائر (٤).
стр. 75
سادسًا: أنكر المفتي (ص٢٤) على السلفيين الرد على الأشاعرة وسماه انتقاصًا لهم، ومن المعلوم أن الفخر الرازي هو إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعَّد أصوله، فما رأي المفتي في تشكيك الرازي في روايات الصحابة ﵃ وقوله إنها لا تفيد القطع واليقين؟ (١) فهل هذا من كبير الأشاعرة انتقاص للصحابة ﵃؟ نريد رأي المفتي!!
سابعًا: اتهم المفتي السلفيين ظلمًا (ص١٦) بأنهم يفسقون الناس ويكفرونهم، ويَدْعون إلى منابذتهم ومحاربتهم، وهذا الكلام من المفتي يشهد الواقع بأنه منابذ للحقيقة.
ونسأل المفتي: ما رأيكم في قول الأشاعرة إن مِن أنواع الشرك قولَ الناس إن النار تحرق، والطعام يُشبِع، والثوب يَستُر، وما رأيكم في قول الأشاعرة إن من قال إن هذه الأشياء بطبعها تفعل فلا خلاف في كفره، وإنّ من قال إن هذه الأشياء تفعل بقوة جعلها الله فيها كان مبتدعًا، وقد اختلف الناس في كفره (٢).
ألا يُعدّ هذا القول من الأشاعرة تكفيرًا لمعظم المسلمين!
стр. 76
المسألة الثالثة
المتشددون ينكرون
اتباع المذاهب الفقهية وتقليدها
قال المفتي (ص٣٣): «مما يميز هؤلاء أنهم يذمُّون التقليد وينكرون على متبعي المذاهب الفقهية الأربعة كمذهب الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، والإمام الشافعي والإمام أحمد».
الجواب:
هذا الكلام عارٍ عن الصحة؛ فالسلفيون يدرسون كتب المذاهب الفقهية، فمثلًا الدعوة السلفية في الإسكندرية من ضمن مناهج معاهدها العلمية كتاب منار السبيل شرح الدليل، للشيخ للشيخ ابن ضويان، وهو كتاب في الفقه الحنبلي.
إن التقليد الذي ينكره السلفيون هو أن يتعصب العالم المجتهد لأقوال شيوخه في المذهب وإن خالفت الدليل الصحيح الصريح، والتمسك بأقوالهم؛ كما لو كانت نزلت من السماء، والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣).
وهذا التقليد هو التقليد الأعمى الذي عناه الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي وقاضي مصر أبو عبيد حربَوَيْه حين قالا: «لا يقلد إلا عصبي أو غبي»، فقد قال علي بن أبي جعفر الطحاوي: «سمعت أبي يقول - وذكر فضل أبي عبيد حربَوَيْه وفقهه - فقال: «كان يذاكرني في المسائل، فأجَبْتُه يومًا في مسألة فقال لي: «ما هذا قول أبي حنيفة»، فقلت له: «أيها القاضي، أوَكُلُّ ما قاله أبو حنيفة أقول به؟»، فقال: «ما
стр. 77
ظنَنْتُكَ إلا مقلدًا». فقلت له: «وهل يقلد إلا عصبي». فقال لي: «أو غبي». قال: «فطارت هذه بمصر حتى صارت مثلًا وحفظها الناس» (١).
والسلفيون في إنكارهم هذا التقليد الأعمى متبعون لا مبتدعون، فهاهي أقوال الأئمة الأربعة في اتباع السنة وتَرْك أقوالهم المخالفة لها:
* قال الإمام أبو حنيفة ﵀:
١ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٢ - «إذا قلتُ قولًا يخالف كتاب الله وخبر الرسول ﵌ فاتركوا قولي».
* قال الإمام مالك بن أنس ﵀:
١ - «إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
٢ - «ليس أحد بعد النبي ﵌ إلا ويُؤْخَذ من قوله ويُتْرَك إلا النبي ﵌».
* قال الإمام الشافعي ﵀:
١ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﵌ فقولوا بسنة رسول الله ﵌ ودعوا ما قلت».
٢ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٣ - «كل حديث عن النبي ﵌ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منى».
ثانيًا: هؤلاء الأئمة أخذوا الفقه من الكتاب والسنة وهم مجتهدون في ذلك، والمجتهد إما مصيب فله أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإما مخطئ فيؤجر على اجتهاده ويعذر في خطئه.
ثالثًا: القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة يأخذ منهما كما أخذ مَن قبله ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد أن الحق بخلافه، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه.
رابعًا: مَن لا قدرة له على الاستنباط يجوز له أن يقلد مَن تطمئن نفسه إلى تقليده وإذا حصل في نفسه عدم اطمئنان سأل حتى يحصل عنده اطمئنان.
خامسًا: يتبين مما تقدم أنه لا تُتَّبَعُ أقوالُهُم على كل الأحوال والأزمان؛ لأنهم قد يخطئون بل يتبع الحق من أقوالهم الذي قام عليه الدليل» (١).
الانتساب المذهبي واتباع الهوى:
السلفيون ينكرون تَصَيُّد زلات العلماء والأقوال الشاذة المخالفة لكلام النبي ﵌. يقول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدَّم وهو أحد مشايخ السلفيىن في مصر إن «واجب المسلم أن يأخذ بالدليل مع وافر الحرمة والتقدير لأئمة الفقه والحديث، في القديم والحديث، ولا لَوْمَ في الانتساب المذهبي المجرد من العصبية، هذا هو المذهب الحق، والقول الصدق، وله مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجته في تلك المسألة أقوى، بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، لا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه عمل به من أي مذهب كان، محتجًّا بأن الخلاف في الفروع يتسامح فيه على الإطلاق، ومتجاهلًا أنه:
ليسَ كلُّ خلافٍ جاءَ معتبَرًا ... إلا خلافٌ له حظٌّ مِن النظرِ
стр. 81
ونظرية (جواز التعبد بالخلاف) التي يتبناها في زماننا عوام فسدت فطرتُهم بفعل التربية المعوجة ما هي إلا صدًى لقول سلفهم: «من قلَّد عالمًا لقي الله سالمًا»، مع فارق وهو أن الأولين كانوا يلزمون مذهبًا واحدًا لا يحيدون عنه. أما هؤلاء فقد تركوا الحبل على الغارب، وأطلقوا لأهوائهم العِنان حتى تظفر بمرادها في زلة عالم، أو رخصة متكلفة، أو قول شاذ ملفق دون أي اعتبار لمخالفة العالم غير المعصوم لقول المعصوم ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٤).
لقد وصف لنا رسول الله ﵌ دواءَ داءِ الفرقة والاختلاف في قوله: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ... » الحديث» (١)، فالسُّنَّة تجمع المتفرقين، وتُوحّدُ المختلفين.
ولقد جعل الله الإجماع حجة معصومة من الضلال، فلا يصح أن نجعل ما يُضَادُّه وهو الاختلاف حُجةً أيضًا، بل علينا أن نردد مع ابن مسعود ﵁ قوله: «الخلاف شر» (٢).وما أحسن قول حافظ المغرب الإمام أبي عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى: «الاختلاف ليس بحجةِ عند أحدٍ علِمْتُه من فقهاء الأمة إلا مَنْ لا بصرَ له، ولا معرفةَ عنده، ولا حجةَ في قوله» (٣).
وشتان بين أن يقع اختلاف بين العلماء المخلصين في طلب الحق، المجتهدين في تحري الأدلة، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ بين مضاعفة الأجر مع الشكر وبين الأجر الواحد مع العذر، وبين من يتتبع الزلات، ويتحكم بالتشهي، ويرجح بالهوى، فيئول حاله إلى البطالة، ورقة الدين، ونقص العبودية» (٤).
стр. 82
المسألة الرابعة
المتشددون غير مؤهلين
للإفتاء ويُحْدِثُون فوضى فى المجتمع
الجواب:
نسأل المفتي عمَّن يتحدث؟!، ومَن هُم هؤلاء السلفيين الذين اتهمهم بعدم الأهلية للفتوى وإحداث فوضى في المجتمع؟!!! هل يتحدث عن أساتذة جامعة الأزهر السلفيين الذين يجيبون على استفتاءات الناس في القنوات الفضائية الإسلامية؟!! أم يتحدث عن أساتذة الجامعات الإسلامية في بلاد الحرمين والهند وغيرهما من بلاد المسلمين؟!!
أم يتهم السلفيين الذين درَسوا في الأزهر بعد دراستهم الأكاديمية في الجامعات الأخرى، كما فعل هو نفسه؟!! (١)
стр. 83
المسألة الخامسة
المتشددون يعدّون أغلب
تصرفات المسلمين بدَعًا وضلالات
تحت عنوان المتشددون يَعُدُّون أغلب تصرفات المسلمين بدعًا وضلالات، قال المفتي (ص٥٨): «من أشنع المفاهيم المسيطرة على فكر هؤلاء هو اتساع مفهوم البدع فيعدون أغلب سلوك المسلمين في عباداتهم وعاداتهم من البدع والضلالات».
الجواب:
أولًا: طبقًا لكلام المفتي إنْ كانت تصرفات المسلمين في العادات والعبادات ألف تصرف مثلًا فإن المفتي يقول إن أكثر من خمسمائة من تلك التصرفات يعتبرها السلفيون بدعًا، ونسأله: ما هي أغلب تصرفات المسلمين التي يعدها السلفيون بدعًا وضلالات؟ نريد من المفتي إحصاءً دقيقًا لتصرفات المسلمين ثم إحصاءً دقيقًا لأغلب تصرفات المسلمين التي يعدها السلفيون بدعًا وضلالات.
هاتِ برهانَك يا فضيلة المفتي، فأنت أستاذ جامعي يجب عليك أن تتحرى الدقة في كل كلمة تقولها، وهذا ما يُمْلِيه عليك ما يسمى بالمنهج العلمي، ومن قبله يُمْلِيه عليك الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام:١٥٢).
ثانيًا: حاول المفتي في كتابه (ص ٥٨ – ٦٨) أن يثبت للقارئ أنه ليست كل بدعة في الدين ضلالة، ورأيه هذا مخالفٌ لنص حديث النبي ﵌: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رواه مسلم). ومخالف لقوله ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». قال الإمام النووي ﵀: «قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ الرَّدُّ هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْدُودِ وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ بَاطِلٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﵌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كُلِّ الْبِدَعِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ.
стр. 84
وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ قَدْ يُعَانِدُ بَعْضُ الْفَاعِلِينَ فِي بِدْعَةٍ سُبِقَ إِلَيْهَا فَإِذَا احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى يَقُولُ أَنَا مَا أَحْدَثْتُ شَيْئًا فَيُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِرَدِّ كُلِّ الْمُحْدَثَاتِ سَوَاءٌ أَحْدَثَهَا الْفَاعِلُ أَوْ سُبِقَ بِإِحْدَاثِهَا» (١).
وقال عبد الله بن عمر ﵄: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ , وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً» (٢).
وقال الإمام مالك ﵀: «مَنْ ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵌ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:٣)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا» (٣).
والبدع إنما تكون في الدين، أما المخترعات والمحدثات في أمور الدنيا والتي تحقق مصالح العباد، وليس فيها ضررٌ عليهم، وليس فيها خُبثٌ فإنها من الحلال؛ لما روى مسلم في صحيحه عنه ﵌ قال:” أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ”.
ومن أراد تأصيلًا شرعيًّا لمسألة البدع وردًّا على شبهات المفتي فعليه بكتاب (الاعتصام) للإمام الشاطبي المالكي - صاحب كتاب الموافقات -، وكتاب الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ ﵀ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وقد كان مقررًا لقسم الوعظ والخطابة بالأزهر الشريف.
стр. 85
المسألة السادسة
المتشددون يحرمون
التوسل بالنبي ﵌ ويتهمون من
يفعل ذلك بالشرك والخروج من الإسلام
قال المفتي (ص٦٩): «من طامَّات (١) هذا التيَّار المتشدد أنه يحرِّم التوسل بالنبي ﵌ في الدعاء إلى الله ويتهمون من يفعل ذلك بالشرك والخروج من الإسلام، على الرغم من أن التوسل بالنبي ﵌ مسألة اتفقت عليها كلمة الفقهاء ومذاهبهم، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التوسل بالنبي ﵌ بل استحباب ذلك، وعدم التفريق بين حياته ﵌ وانتقاله الشريف ﵌.
ولم يشذ إلا ابن تيمية حيث فرق بين التوسل بالنبي ﵌ وبعد انتقاله ﵌ (٢)، ولا عبرة لشذوذه (٣). فندعو الأمة إلى التمسك بما اتفق عليه أئمتها الأعلام».
الجواب:
أولًا: ادعاء المفتي أن التوسل بالنبي ﵌ مسألة اتفقت عليها كلمة الفقهاء ومذاهبهم، ادعاءٌ غير صحيح، وينقضه كلام المفتي نفسه حيث سُئل: «ما حكم التوسل بالنبي ﵌ في الدعاء؟» فقال: «هذه مسألة اختلف فيها الفقهاء، ولذلك
стр. 86
ونحن ندعو ينبغي علينا أن ندعو بما نجد قلوبنا عنده، ولم يرد في السنة الصحيحة التوسل بجاه النبي ﵌» (١).
فإذا كان المفتي قد نقض الإجماع الذي ادعاه، واعترف بأن هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، فلماذا ينكر على السلفيين أنهم منعوا من التوسل بجاه النبي ﵌، وقد اعترف هو نفسه أن هذا التوسل لم يرد في السنة الصحيحة.
ثانيًا: ادعى المفتي أن المذاهب الأربعة اتفقت على جواز التوسل بالنبي ﵌ بل استحباب ذلك وأنه لم يشذ إلا ابن تيمية، وللرد على المفتي نكتفي هنا بنقل قولين لأحد الأئمة الأربعة يؤيد فيهما كلام السلفيين في المنع من التوسل بجاه النبي ﵌ وغيره.
قال الإمام أبو حنيفة ﵀: «لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استُفِيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:١٨٠) (٢).
وقال أيضًا ﵀ (٣): «يُكْرَه (٤) أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام».
стр. 87
ثالثًا: أما اتهام المفتي للسلفيين بأن مَن يتوسل بالنبي ﵌ في الدعاء إلى الله يحكم السلفيون عليه بالشرك والخروج من الإسلام، فهذا اتهام باطل، فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن:
«مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقول في دعائه: اللهم أعطني كذا وكذا من خَيْرَي الدنيا والآخرة، بجاه النبي ﵌، أو ببركة الرسول ﵌، أو بحرمة المصطفى، أو بجاه الشيخ التيجاني، أو ببركة الشيخ عبد القادر، أو بحرمة الشيخ السنوسي فما الحكم؟».
فأجابوا:
«مَن توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي ﵌ أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته، فقال: «اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالًا وولدًا أو أدخلني الجنة وقِنِي عذاب النار» مثلا، فليس بمشرك شركًا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع سدًّا لذريعة الشرك، وإبعادًا للمسلم مِن فِعْلِ شيء يُفْضِي إلى الشرك.
ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تُفْضِي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسُنَّة تدل دلالة قاطعة على أن سدَّ الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:١٠٨).
فنهَى سبحانه المسلمين عن سَبّ آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سَبّ المشركين الإله الحق سبحانه انتصارًا لآلهتهم الباطلة جهلًا منهم وعدوانًا.
стр. 88
ومنها: نَهْيُه ﵌ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشيةَ أن تُعْبَد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمْر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمْرِ النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لأن ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية (النور:٣٠ - ٣١).
وثبت في الحديث أن النبي ﵌ قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١)؛ ولأن التوسل بالجاه والحُرْمَة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يَرِدْ في الكتاب ولا في سنة الرسول ﵌ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعُلِمَ أنه بدعة، وقد قال ﵌: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم» (٣).
стр. 89
المسألة السابعة
المتشددون يُحَرّمون
الصلاة في المساجد ذات
الأضرحة ويصرحون بوجوب هدمها
قال المفتي (ص٨٠): «يحرِّم المتشددون الصلاة بالمسجد الذي ألحق به ضريح رجل صالح، ويصرحون بوجوب هدم الضريح أو المسجد، وهم بذلك يخالفون إجماع المسلمين، ويستفزون مشاعرهم، فالصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحد الأنبياء ﵈ أو الصالحين، صحيحة، ومشروعة، وقد تصل إلى درجة الاستحباب».
الجواب:
أولًا: هل كان النبي ﵌ متشددًا عندما أمر عليًا بن أبي طالب ﵁ أن يهدم القبور المرتفعة، وهل كان علي ﵁ متشددًا حينما أمر بنفس الأمر؛ فعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ». (رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي).
وإليك كلام العلماء في شرح هذا الحديث لتعلم حقيقة كلام المفتي، جاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفورى:
قَوْلُهُ (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي) أَيْ أُرْسِلُكَ لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرْسَلَنِي، أَيْ أَجْعَلُكَ أَمِيرًا عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌.
(أَنْ لَا تَدَعَ) أَيْ لَا تَتْرُك.
النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ فَجَعَلُوهَا مَقْصِدًا لِطَلَبِ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَمَلْجَأ لِنَجَاحِ الْمَطَالِبِ وَسَأَلُوا مِنْهَا مَا يَسْأَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ رَبِّهِمْ، وَشَدُّوا إلَيْهَا الرِّحَالَ وَتَمَسَّحُوا بِهَا وَاسْتَغَاثُوا.
وَبِالْجُمْلَةِ إنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِمَّا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ بِالْأَصْنَامِ إلَّا فَعَلُوهُ، فَإِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَمَعَ هَذَا الْمُنْكَرِ الشَّنِيعِ وَالْكُفْرِ الْفَظِيعِ لَا تَجِدُ مَنْ يَغْضَبُ للهِ وَيَغَارُ حَمِيَّةً لِلدِّينِ الْحَنِيفِ لَا عَالِمًا وَلَا مُتَعَلِّمًا وَلَا أَمِيرًا وَلَا وَزِيرًا وَلَا مَلِكًا» (١).
فما رأي المفتي في الملا على القاري وابن الهمام والشوكاني والمباركفوري؟ أم أنهم من السلفيين المتشددين؟!!
ثانيًا: ومما يَدُلُّ على عدم جواز الصلاة في المسجد الذي به قبر، ما روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ»، والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والألباني.
ومن الأدلة أيضًا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: «هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم كما دلت عليه نصوص أُخَر» (٢).
стр. 92
وقال ﵌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسَة أيام: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (رواه مسلم).
وعن عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَا: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: وَهُوَ كَذَلِكَ «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا» (رواه البخاري ومسلم) (١).
ثالثًا: هاهي طائفة من أقوال علماء المذاهب الأربعة في تحريم اتخاذ المساجد على القبور، وفيها أن منهم مَن صرح بأنه كبيرة، وذلك ليعلم القارئ أين يقف السلفيون وأين يقف المفتي:
١ - قال الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر): «الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ: اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيْهَا، وَاِتِّخَاذُهَا أَوْثَانًا، وَالطَّوَافُ بِهَا، وَاسْتِلَامُهَا، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا» ... (ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها، ثم قال):
«تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذِهِ السِّتَّةِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْتُه مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَوَجْهُ أَخْذِ اتِّخَاذِ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مِنْهَا وَاضِحٌ، لِأَنَّهُ لُعِنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِ وَجُعِلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُبُورِ صُلَحَائِهِ شَرَّ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَفِيهِ تَحْذِيرٌ لَنَا كَمَا فِي رِوَايَةِ: «يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»:أَيْ يُحَذِّرُ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَصْنَعُوا كَصُنْعِ أُولَئِكَ فَيُلْعَنُوا كَمَا لُعِنُوا.
أَضَرُّ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ ﵌ بِهَدْمِ الْقُبُورِ الْمُشْرِفَةِ، وَتَجِبُ إزَالَةُ كُلِّ قِنْدِيلٍ أَوْ سِرَاجٍ عَلَى قَبْرٍ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَنَذْرُهُ» (١).
٢ - قال الحافظ زين الدين العراقي الشافعي: «فلو بَنَى مسجدًا يقصد أن يُدْفَنَ في بعضه دخل في اللعنة، بل يحْرُم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يُدْفَنَ فيه لم يَصِحّ الشرط لمخالفة وقفه مسجدًا» (٢). (٢).
٣ - قال الإمام القرطبي المالكي في تفسيره بعد أن ذكر حديث البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ
стр. 95
الْقِيَامَةِ»: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: «وَهَذَا يُحَرِّم عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء مَسَاجِد» (١).
٤ - قَالَ الفقيه ابْنُ الْمَلكِ الحنفي: «إِنَّمَا حُرِّمَ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ فِيهَا اسْتِنَانًا بِسُنَّةِ الْيَهُودِ» (٢).
٥ - ذكر الفقيه ابن عابدين الحنفي في علة النهي عن الصلاة في المقبرة: «أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد» (٣). (٢)
٦ - قال ابن تيمية الحنبلي: «يحرم الإسراج على القبور، واتخاذ القبور المساجد عليها، وبَيْنَها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين» (٤). (٣).
٧ - ونقل ابن عروة الحنبلي كلام ابن تيمية، وأقَرَّه (٥). (٤).
٨ - نصّ بعض علماء الحنابلة على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ووجوب هدمها، فقال ابن القيم في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد، وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله ﵎ نبيه أن يصلي فيه، وكيف أنه ﵌ هدَمَه وحرقَه قال:
«وَمِنْهَا: أَنّ الْوَقْفَ لَا يَصِحّ عَلَى غَيْرِ بِرّ وَلَا قُرْبَةٍ كَمَا لَمْ يَصِحّ وَقْفُ هَذَا الْمَسْجِدِ وَعَلَى هَذَا: فَيُهْدَمُ الْمَسْجِدُ إذَا بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ كَمَا يُنْبَشُ الْمَيّتُ إذَا دُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ، نَصّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ، بَلْ أَيّهُمَا طَرَأَ عَلَى الْآخَرِ مُنِعَ مِنْهُ وَكَانَ الْحُكْمُ لِلسّابِقِ، فَلَوْ وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَصِحّ
стр. 96
هَذَا الْوَقْفُ، وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحّ الصّلَاةُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللهِ ﵌ عَنْ ذَلِكَ وَلَعْنِهِ مَنْ اتّخَذَ الْقَبْرَ مَسْجِدًا» (١).
٩ - سُئِلَ الفقيه ابن تيمية الحنبلي:
«هَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ فِيهِ قَبْرٌ وَالنَّاسُ تَجْتَمِعُ فِيهِ لِصَلَاتَيْ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُمَهَّدُ الْقَبْرُ أَوْ يُعْمَلُ عَلَيْهِ حَاجِزٌ أَوْ حَائِطٌ؟».
فَأَجَابَ: «اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ. فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ قَبْلَ الدَّفْنِ غُيِّرَ: إمَّا بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ وَإِمَّا بِنَبْشِهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا. وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ الْقَبْرِ: فَإِمَّا أَنْ يُزَالَ الْمَسْجِدُ وَإِمَّا أَنْ تُزَالَ صُورَةُ الْقَبْرِ فَالْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى الْقَبْرِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فَرْضٌ وَلَا نَفْلٌ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ» (٢). (٢)
١٠ - وقد تَبَنَّتْ دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه، فنقلَتْها عنه في فتوى لها أصدرتها تنص على عدم جواز الدفن في المسجد، وقد نُشِرَ ذلك بمجلة الأزهر (٣). (٣)
وفي المجلة نفسها مقال آخر في تحريم البناء على القبور مطلقًا (٤). (٤).
وقد أفتى الشيخ عبد المجيد سليم، شيخ الأزهر الأسبق بأنه لا يجوز دفن الموتى فى المساجد، وأنه إذا دفن الميت فى المسجد نبش عند الإمام أحمد (٥).
стр. 97
رابعًا: زعم المفتي أن السلفيين يخالفون إجماع المسلمين بتحريمهم الصلاة بالمسجد الذي ألحق به ضريح رجل صالح، وقولهم بوجوب هدم الضريح أو المسجد.
وما سبق نقله عن الأئمة وعن علماء الأزهر ينقض هذا الإجماع المزعوم.
خامسًا: رغم نَهْيِ النبي ﵌ عن اتخاذ القبور مساجد قال المفتي باستحباب الصلاة في المساجد التي بها أضرحة، ولنا أن نسأله: مَن مِن العلماء قال باستحباب ذلك؟ وما هي أدلتهم على هذا الاستحباب؟ فالاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ننتظر إجابة المفتي!! ونسأل القارئ الكريم في ضوء ما سبق نقله من كلام علماء المذاهب الأربعة: من الذي خالف إجماع المسلمين؟!! السلفيون أم المفتي؟!!
стр. 98
المسألة الثامنة
المتشددون يعدون التبرك
بآثار النبي ﵌ والصالحين شركًا بالله
قال المفتي (ص٨٩): «من قضايا المتشددين التي فرَّقوا بها الأمة وخرجوا عليها عدُّهم للتبرك بآثار النبي ﵌ والصالحين من الشرك، وما ترتب على ذلك عدم انتساب هؤلاء للإسلام مِن شق لجماعة المسلمين وفتن الله أعلم بها» (١).
الجواب:
هذا كلام يخالف الحقيقة، وفيه من الخلط ما فيه، فها هو الشيخ ابن باز ﵀ أحد رموز السلفيين في العالم الإسلامي يوضح الفرق بين التبرك بآثار النبي ﵌ , وبعض الأولياء كمسح الجدران , والأبواب في الحرم النبوي الشريف وغيره، وبين طلب الحاجات منه ﵌ ومنهم , ودعائهم، حيث قال ردًّا على مَن قال مثل قول المفتي:
«من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرم الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني , منحني الله وإياه الفقه في الدين , وأعاذنا جميعًا من طريق المغضوب عليهم والضالين آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته , أما بعد: فقد وصلني كتابكم وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق ... وقد وقع في كتابكم أمور تحتاج إلى كشف وإيضاح ... لاحظتكم تعبرون دائمًا عن بعض ما شاع بين المسلمين من
стр. 99
التبرك بآثار النبي ﵌ , وبعض الأولياء كمسح الجدران , والأبواب في الحرم النبوي الشريف وغيره شركًا , وعبادة لغير الله.
وكذلك طلب الحاجات منه ومنهم , ودعاؤهم وما إلى ذلك، إني أقول: هناك فرق بين ذلك.
فطلب الحاجات من النبي ﵌ ومن الأولياء , باعتبارهم يقضون الحاجات من دون الله أو مع الله , فهذا شرك جَلِيٌّ لا شك فيه.
لكن الأعمال الشائعة بين المسلمين , والتي لا ينهاهم عنها العلماء في شتى أنحاء العالم الإسلامي من غير فرق بين مذهب وآخر , ليست هي في جوهرها طلبًا للحاجات من النبي ﵌ والأولياء , ولا اتخاذهم أربابًا من دون الله , بل مرَدّ ذلك كله - لو استثنينا عمل بعض الجهال من العوام - إلى أحد أمرين: التبرك والتوسل بالنبي ﵌ وآثاره , أو بغيره من المقربين إلى الله .
أما التبرك بآثار النبي ﵌ من غير طلب الحاجة منه , ولا دعائه فمنشأه الحب والشوق الأكيد , رجاء أن يعطيهم الله الخير بالتقرب إلى نبيِّه ﵌ وإظهار المحبة له , وكذلك بآثار غيره من المقربين عند الله.
وإني لا أجد مسلمًا يعتقد أن الباب والجدار يقضيان الحاجات , ولا أن النبي ﵌ أو الولي يقضيها , بل لا يرجو بذلك إلا الله , إكرامًا لنبيه أو لأحد من أوليائه , أن يفيض الله عليه من بركاته.
والتبرك بآثار النبي ﵌ كما يعلمه كل من اطلع على سيرة النبي ﵌ كان معمولًا به في عهد النبي ﵌ , فكانوا يتبركون بماء وضوئه , وثوبه وطعامه وشرابه وشعره , وكل شيء منه، ولم يَنْهَهُم النبي ﵌ عنه.
فأما التبرك بما مس جسده ﵌ من وضوء أو عرق أو شعر ونحو ذلك , فهذا أمر معروف وجائز عند الصحابة ﵃ , وأتباعهم بإحسان لما في ذلك من الخير والبركة، وهذا أقرهم النبي ﵌ عليه.
стр. 100
فأما التمسح بالأبواب والجدران والشبابيك ونحوها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي , فبدعة لا أصل لها , والواجب تركها لأن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما أقره الشرع لقول النبي ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ , كان النبي ﵌ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، والأحاديث في ذلك كثيرة.
فالواجب على المسلمين التقيد في ذلك بما شرعه الله كاستلام الحجر الأسود وتقبيله , واستلام الركن اليماني.
ولهذا صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لما قبل الحجر الأسود: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (رواه البخاري ومسلم).
وبذلك يُعلم أن استلام بقية أركان الكعبة , وبقية الجدران والأعمدة غير مشروع لأن النبيَّ ﵌ لم يفعله ولم يرشد إليه ولأن ذلك من وسائل الشرك. وهكذا الجدران والأعمدة والشبابيك وجدران الحجرة النبوية من باب أولى لأن النبي ﵌ لم يشرع ذلك ولم يرشد إليه ولم يفعله أصحابه ﵃ (١).
стр. 101
وقد قطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵌ في الحديبية لما بلغه أن بعض الناس يذهبون إليها ويصلون عندها خوفًا من الفتنة بها وسدًّا للذريعة.
وأما دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك فهو الشرك الأكبر , وهو الذي كان يفعله كفار قريش مع أصنامهم وأوثانهم , وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنها تشفع لهم عند الله , وتقربهم إليه زلفى , ولم يعتقدوا أنها هي التي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم , كما بين الله سبحانه ذلك عنهم في قوله سبحانه: قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فرَدّ عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ (يونس:١٨).
وقال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر:٣).
فأبَانَ - سبحانه - في هذه الآية الكريمة: أن الكفار لم يقصدوا من آلهتهم أنهم يشفون مرضاهم , أو يقضون حوائجهم وإنما أرادوا منهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى , فأكذبهم سبحانه ورد عليهم قولهم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، فسماهم كذبة وكفارًا بهذا الأمر.
ويدل على كفرهم أيضا بهذا الاعتقاد , قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾
стр. 102
(المؤمنون:١١٧). فسماهم في هذه الآية كفارًا وحَكَمَ عليهم بذلك لمجرد الدعاء لغير الله من الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم.
ويدل على ذلك أيضا قوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: ١٣ - ١٤).
فحَكَمَ سبحانه بهذه الآية على أن دعاء المشركين لغير الله , من الأنبياء والأولياء , أو الملائكة أو الجن , أو الأصنام أو غير ذلك بأنه شرك , والآيات في هذا المعنى لمن تدبر كتاب الله كثيرة» (١).
يتضح من قول الشيخ ابن باز عدم صحة ادعاء المفتي أن السلفيين يعدّون التبرك بآثار النبي ﵌ والصالحين من الشرك.
وقال الشيخ ابن باز تعليقًا على كلام ابن حجر في جواز التبرك بآثار الصالحين:
«هذا خطأ (٢). (٢)
والصواب المنع من ذلك لوجهين:
أحدهما: أن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع غير النبي ﵌ , ولو كان خيرًا لَسَبَقُونا إليه, والنبي ﵌ لا يُقَاسُ عليه غيره لما بَيْنَه وبَيْن غيره من الفروق الكثيرة.
стр. 103
الوجه الثاني: سَدُّ ذريعة الشرك؛ لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم وعبادتهم من دون الله فوجب المنع من ذلك» (١).
ويزداد الأمر حول هذه المسألة وضوحًا بكلام لأحد علماء السلفيين وهو الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حيث قال:
«ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشُرْب سُؤْرِهِم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وقد أكثر في ذلك أبو زكريا النووي في (شرح مسلم) في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي ﵌ وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﵌ وهذا خطأ صريح (٢)(٢) لوجوه منها:
١ - عدم المقاربة فضلا عن المساواة للنبي ﵌ في الفضل والبركة.
٢ - ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بِنَصّ، كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله ﵌، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
٣ - ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره.
٤ - ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره ﵌ لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهل فعلوه مع أبي بكر وعمر
стр. 104
وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي ﵌ بالجنة، وكذلك التابعون، وهل فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص للنبي ﵌.
٥ - ومنها أن فِعْل هذا مع غيره شيءٌ لا يُؤْمَن أن يفتنه وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم» (١).
стр. 105
المسألة التاسعة
المتشددون يحرمون
الاحتفال بمولد النبي
- ص لى الله عليه وآله وسلم - ويعدّونه بدعة ضلالة
قال المفتي (ص١٠٢): «يخالف المتشددون أغلب المسلمين في فرحهم بذكرى ميلاد النبي ﵌ ويتهمونهم أنهم على بدعة ضلالة، وهذه مصيبة أخرى من مصائبهم».
الجواب:
أولًا: اعترف المفتي (ص١٠٦) أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يحدث إلا في القرن الخامس الهجري.
وقد نقل الإمام الصالحي الشامي عن الحافظ السخاوي ﵀ في فتاويه: قوله: «عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة». ونقل عن الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة». ونقل عن الإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني المالكي ﵀ أن عمل المولد بدعة مذمومة (١).
إذن الاحتفال بالمولد النبوي حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة التي قال عنها النبي ﵌: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». (رواه البخاري ومسلم).
стр. 106
فخير الناس - ومنهم صحابة النبي ﵌ لم يحتفلوا بمولد النبي ﵌ واتَّبَعهم في ذلك السلفيون، فهل يُلَام السلفيون لاتِّبَاعِهم خير القرون، أم أن مَن جاء بعدَ الصحابة ﵃ أعلم منهم وأفقه بدين الله، وهل ينكر المفتي على الصحابة كما أنكر على السلفيين؟!!
وهل يعتبر المفتي رأي الإمام الفاكهاني المالكي مصيبة من مصائبه كما تعود أن يصف آراء السلفيين؟!! أم يَصِفُه بالتشدد كما يحلو له أن يصف السلفيين؟!!
وإذا كان الصحابة ﵃ لم يحتفلوا بالمولد النبوي فإنا نذكر المفتي وكل من أجاز الاحتفال به (١) بقَول حُذَيْفَةُ ابن اليمان ﵁: «كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَلَا تَعَبَّدُوهَا فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلْآخِرِ مَقَالًا» (٢). (٢)
قال ابن الحاج المالكي ﵀ في (المدخل): «وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ مَوْلِدٍ وَقَدْ احْتَوَى عَلَى بِدَعٍ وَمُحَرَّمَاتٍ جُمْلَةٍ. فَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَغَانِي وَمَعَهُمْ آلَاتُ الطَّرَبِ مِنْ الطَّارِ الْمُصَرْصَرِ وَالشَّبَّابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلُوهُ آلَةً لِلسَّمَاعِ ... فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا وَمَا أَقْبَحَهَا وَكَيْفَ تَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَفَعَلُوا الْمَوْلِدَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى فِعْلِهِ بَلْ زَادُوا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَبَاطِيلِ الْمُتَعَدِّدَةِ فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ شَدَّ يَدَهُ عَلَى امْتِثَالِ
стр. 107
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى ذَلِكَ وَهِيَ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا إذْ هُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ.
وَكَذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ عَوَائِدِ أَهْلِ الْوَقْتِ وَمِمَّنْ يَفْعَلُ الْعَوَائِدَ الرَّدِيئَةَ.
وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ مُرَكَّبَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمَوْلِدِ إذَا عَمِلَ بِالسَّمَاعِ، فَإِنْ خَلَا مِنْهُ وَعَمِلَ طَعَامًا فَقَطْ وَنَوَى بِهِ الْمَوْلِدَ وَدَعَا إلَيْهِ الْإِخْوَانَ وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ بِنَفْسِ نِيَّتِهِ فَقَطْ إذْ أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ.
وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ نِيَّةً مُخَالِفَةً لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَلِسُنَّتِهِ ﵌ وَلَهُمْ قَدَمُ السَّبْقِ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَوَى الْمَوْلِدَ وَنَحْنُ لَهُمْ تَبَعٌ فَيَسَعُنَا مَا وَسِعَهُمْ» (١).
وقال الشيخ عبد المجيد سليم - شيخ الأزهر الأسبق ﵀: «عمل الموالد بالصفة التى عليها الآن لم يفعله أحد من السلف الصالح ولو كان ذلك من القُرَب لَفَعَلُوه» (٢). (٢)
ثانيًا: قال المفتي (ص١٠٥): «ونحن نحتفل بمولده ﵌ لأننا نحبه».
ونسأله: هل الصحابة - ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرون بالجنة ﵃ الذين لم يحتفلوا بمولده ﵌ لم يكونوا يحبونه ﵌؟!! وهل التابعون وتابعوهم بإحسان والأئمة الأربعة الذين لم يحتفلوا بمولده ﵌ لم يكونوا يحبونه ﵌؟!! وهل محبة النبي ﵌ بإقامة الموالد؟!!
стр. 108
المسألة العاشرة
المتشددون يحرمون
السفر لزيارة النبي ﵌
وقبور الأنبياء والصالحين
قال المفتي (ص١٠٧ - ١١١): «من أغرب ما عليه المتشددون تحريمهم السفر لزيارة قبر النبي ﵌ أو قبر الخليل إبراهيم أو قبر أي صالح، وسوف يزداد العجب عندما تعلم أنهم يستحبون زيارة قبر النبي ﵌، وزيارة قبور المسلمين بصفة عامة، فهم يستحبون الغاية ويحرمون وسيلته (١).
وهم بهذا السلوك العجيب الغريب قد اصطدموا بقاعدة متفق عليها أن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، فلا يُعقَل أن يكون المقصد مندوبًا ووسيلته محرمة.
وفيما يلي ننقل إجماع المذاهب الفقهية على استحباب زيارة قبر النبي ﵌
كل ما سبق يُبَيَّن أن هؤلاء المتشددين أصروا على فهْم أحد العلماء الذي شذّ بفهمه (٢)، وأنكروا فهْم باقي العلماء؛ مما جعلهم يتخبطون وينتجون لنا قولًا غريبًا محصلته استحباب الشيء وتحريم الوسيلة الموصلة إليه، أو أن يقتصر حكم استحباب الزيارة لمن يسكن بجوار القبر الشريف فقط».
стр. 109
الجواب:
أولًا: لم يخالف ابن تيمية ولا السلفيون إجماع المذاهب الفقهية على استحباب زيارة قبر النبي ﵌ الذي نقله المفتي، وإنما الخلاف في مشروعية السفر بقصد زيارة قبره ﵌ فقط.
ثانيًا: هذه مسألة اجتهادية اختلف فيها أهل العلم فلماذا يتهم المفتي مَن أخذ بأحد الرأيين بالتخبط والشذوذ؟!! أين أدب الحوار؟!!! ما هكذا يتعامل المفتي مع اليهود والنصارى؟!!! ألا يستحق المسلمون الرفق الذي يعامل المفتي به اليهود والنصارى؟!!!
ثالثًا: أقر السلفيون بأن هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، وهذا كلام ابن تيمية فيها:
«شَدُّ الرَّحْلِ إلَى مَسْجِدِهِ ﵌ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
فَإِذَا أَتَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵌ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَصْدُهُ بِالسَّفَرِ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ دُونَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ.
فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلَا مَأْمُورٍ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵌: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا السَّفَرِ إذَا نَذَرَهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ... بَلْ قَدْ صَرَّحَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَغَيْرِهَا لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 110
مَعْصِيَةٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ طَاعَةٌ وَلَيْسَ بِطَاعَةِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللهِ بِمَا لَيْسَ بِطَاعَةِ هُوَ مَعْصِيَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَرَخَّصَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ فِي (الْإِحْيَاءِ) وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ عبدوس وَأَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي، وَقَدْ رَوَى حَدِيثًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَنْزِعُهُ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، لَكِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ مُضَعَّفٌ.
وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَبِمِثْلِهِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ» (١).
وقال الشيخ ابن باز: «لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي ﵌ أو قبر غيره من الناس في أصح قولي العلماء ... والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي ﵌ وهو بعيد عن المدينة أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي فتدخل زيارة القبر الشريف وقبري أبي بكر وعمر والشهداء وأهل البقيع تبعًا لذلك.
وإن نواهما جاز؛ لأنه يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، أما نية القبر بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال.
أما إذا كان قريبًا لا يحتاج إلى شد رحال ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفرًا، فلا حرج في ذلك، لأن زيارة قبره ﵌ وقبر صاحبيه من دون شد رحال سُنَّة وقُرْبَة.
وهكذا زيارة قبور الشهداء وأهل البقيع، وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان سُنَّةٌ وقُرْبَة، لكن بدون شد الرحال، لقول النبي ﵌: «زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (٢).