Полный текст (1 663 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
قيل لابن عرفة: فهو إذا منقطع؛ لأن سيبويه أنشد هذا البيت في باب الاستثناء المنقطع، فقال ابن عرفة: الفرق بينهما أنه على هذا الوجه يكون المراد به المدح؛ فهو من تأكيد المدح بما [يشبه*] الذم، والبكرة والعشي حملها ابن عطية على [تقادير الزمان*]، قال: وروى أن أهل الجنة - تسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فيعرفون البكر عند افتتاحها والعشي عند] [انسدادها*]، والليل إنما هو به والشمس، وقال تعالى (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا).
فقال ابن عرفة: يحتمل أن يراد لَا يرون شمسا محرقة؛ لأن الشمس يحجبها عنهم كثرة أنوارها فلا يرونها، والزمهرير شدة البرد، وهذا أمر جائز ممكن لَا مانع يمنع منه، أو يحتمل أن يكون مثل قولهم: ضربته الظهر والبطن أي رزقهم هاهنا مستمر.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما قال (نُورِثُ) ولم يقل: نعطي أو نجازي؛ إشارة إلى أنها ليست عوضا عن الأعمال بوجه، ولم يأخذها أحد بالاستحقاق، وإنَّمَا [كالوارث*] الذي أخذ كوارث بغير معاوضة [ولا استحقاق*]، قال: وفي هذا تشريف لهم من وجهين:
أحدهما: لفظ العباد من حيث إضافته إلى الله تعالى.
والثاني: (تَقِيًّا)؛ لأنه أخص من المتقي.
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ... (٦٤)﴾
قال الفخر: [خِطَابُ جَمَاعَةٍ لِوَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى الرَّسُولِ*]. ويحتمل أن يكون هذا من كلام بعض أهل الجنة لبعض؛ أي ما نزلنا هذه المنازل إلا بأمر ربك.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).
عموم [العلم*]؛ ومع أنه مردود بقوله تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)، ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أنه في هذه الآية يعني الذهول؛ لأنه استدل بها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ .. (٦٥)﴾
أي اصطبر على المشاق لعبادته؛ وهذا أمر لجميع النَّاس.
стр. 1017
قال ابن عرفة: خطابا للمعدوم على تقدير وجوده؛ لأنه يتناول من هو موجود حين نزول الآية، ومن سيوجد إلى قيام الساعة.
قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).
إما أن يراد هل تعلم له شبيها؟ وهل تعلم من تسمى باسمه موصوفا بهذه الصفة؟ وهو كونه رب السماوات والأرض، وليس المراد شبيها بالإطلاق؛ بل سميا على هذه الكيفية.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ ... (٦٦)﴾
قال الزمخشري: [يحتمل*] أن يراد بالإنسان الجنس أو بعضه [وهم الكفرة*].
قال ابن عرفة: إن كانت القضية خارجية فالمراد [البعض*]، وإن كانت حقيقة فالمراد كل من يوجد إلى قيام الساعة فهو بمظنة المخالفة.
قال الزمخشري: فإن قلت: [لم جازت إرادة الأناسى كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك*]؟ قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بني فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل رجل منهم، وكذلك قال في البقرة في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا)، وفي آل عمران في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم).
وكذلك قال التلمساني: في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة في الباب الثالث، قال: يقال لمن تبرجت لرجل واحد تبرجين للرجال بالنكاح.
ابن عرفة: وهذه قضية شرطية مؤكدا فيها الشرطية بـ إذا المقتضية لتحقيق الوقوع، وبما، وباللام، وسوف، وأدخل على ذلك همزة الاستفهام على سبيل الإنكار لذلك على ما هو عليه.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾
هذه الآية أصل في إلحاق المثل بمثله.
قيل لابن عرفة: فيها حجة لأهل السنة في إعادة العدم بعينه.
وقالت المعتزلة: إنما يعاد مثله.
قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).
стр. 1018
الواو للحال من الضمير في خلقنا، ويرد فيه السؤال الثاني أن التأثير فيه بالإيجاد إن كان حالة عدمه فيلزم عليه اجتماع الوجود والعدم وهو محال، وإن كان حالة وجوده فيلزم عليه تحصيل الحاصل حسبما أورده في أصول الدين، وأجابوا بأن التأثير فيه حالة الأثر وإيجاده به؛ أي بذلك الأثر.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾
النزع: هو أخذ الشيء بقوة، مثل (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍ) (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [ومن نزع الروح من الجثة*].
قوله تعالى: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
ذهب ابن الطراوة إلى أن في الآية نفي وإضافة، وهي مبتدأ وأشد خبره، والفعل معلق عن العمل فيها.
قال الزمخشري: وذهب الخليل إلى أنها معرفة وارتفعت على الحكاية تقدير الكلام لننزعن [الذين يقال فيهم أيهم أشد*].
ورده ابن عرفة بأن حذف الموصول وإبقاء بعض صلته لَا يجوز.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾
ابن عرفة: ليس المراد نفس العلم؛ لأنه لَا شركة فيه، وإنما المراد بالعلم هنا [ورود*] أثره.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ... (٧٣)﴾
الضمير عائد على (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).
قال الزمخشري: [بَيِّناتٍ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججا وبراهين*]، والوجه أن يكون حالا مؤكدا بل مبينة؛ لأنها حين نزولها لَا تكون بينة إلا بعد تبيان الرسل لها، قال: ويجاب بأنه بينها عنه تلاوتها عليهم فهي بينة حينئذ لَا مبينة يحتمل أن تكون اسم فاعل مفعول فهو المراد أنها بينة في نفسها أو مبنية ببيان غيرها لها.
قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا).
فأجيب بأنهم قالوا: أينا لتوهم أن التفضيل بين الكفرة.
стр. 1019
ورده ابن عرفة بأن الكلام في التفضيل إنما هو من الفريقين، قال: وإنما عادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: لو قال أينا لكان فيه لين وتأسيس لهم وتلطف في خطابهم لأجل الإقبال عليهم بالخطاب وخلطة مع التعلم في الضمير.
الثاني: أن المضمرات على الصحيح جزئية، والشخص يرى لَا يدخل تحت الجزئي، ولف الفريق كلي والكل يشتمل على الجزئي وغير فيدخل تحت الحاضر والغاية.
قوله تعالى: (خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا).
ولم يقل: أحسن مقاما وخير نديا.
قال ابن عرفة: أجاب البيانيون بأن أحسن أخص ولا يوصف بالحسن إلا الحسن.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ... (٧٤)﴾
نقل ابن عصفور في شرح مقربه عن الأعمش: أنه يجوز عنده ملكت كم فلان، ونقل أيضا ابن مالك في شرح كافيته، ونقل عن بعضهم: أنه يجوز زيد كيف.
وكان بعضهم يقول: إن كتاب سيبويه قياس الأمثلة بكونه يحمل كم الخبرية على كم الاستفهامية تشبيها في اللفظ.
فإن قلت: قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيرٌ مَقَامًا) يدل على أن مقام الكافر ليس فيه خير.
قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا).
يقتضي مشاركتهم في الخير، وأنهم متصفون بمطلق الحسن، قال: والجواب: أن الأول أخروي؛ لأن الكفار ادعوا أنهم خير من المؤمنين بحسن ثباتهم وكثرة أموالهم؛ فأنكر ذلك عليهم بأن المؤمنين خير منهم في الآخرة.
قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثا وَرِئْيًا).
يعني أنهم كانت دنياهم أحسن من دنيا هؤلاء.
قال ابن عطية: [واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت لأمة سميت تلك الأمة قرنا، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة*] وقيل: غير ذلك إلى الثلاثين، قوله في سورة هود وقد تقدم أيضا في الأنعام.
стр. 1020
ابن عرفة: والعصر فيما بينهم هم الذين أدرك أصغرهم أكبرهم، قال: فعصر الصحابة [انقضى*] بانقضاء آخرهم مدة، وكذلك عصر التابعين، كما أن عصر شهود ابن القداح [انقضى*] بموت الفقيه أبي عبد الله السكوني.
قيل لابن عرفة: نص ابن عقبة ورد على امتناع كون الشرط [مستقبلا*]، والجواب [ماضيا*]، وهو غير [**ما ذكر في الآية]، فأجاب بأن ذلك بحيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، وإذا لَا تجزم إلا في التصغر، فلا يقع الحضور هنا المنهي عنه.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ... (٧٥)﴾
إما أمر حقيقة، أو نهي بمعنى الخبر، والمراد يمدد له مدا حالة كونه في الصلاة، وأما بعد ذلك فيمكن.
قوله تعالى: (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ).
هذه القضية مانعة [الخلو*] وليست مانعة الجمع؛ لأنه يخلو أحدهما عن عذاب الدنيا بالقتل أو بالأسر وبالحيرة والغم حيث قتل أصحابه وأسروا، وأما في الآخرة فيحتمل أن يقال الأمرين.
قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا).
دليل على أن المقام في قوله تعالى: (خَيرٌ مَقَامًا) اسم مكان؛ لأنه من مقابلته.
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ... (٧٦)﴾
قال ابن عرفة: [**يزيد من أفعال السنة، مثل: على زيد لَا من الأفعال المتصلة]، مثل: قام زيد؛ لأن العلو يستدعي معلوا عليه، كما أن الزيادة تقتضي مزيدا عليها، قال: فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي جواز اجتماع الأمثال وهو باطل عندنا، فالجواب بوجوه متعددة:
أحدها: أن الزيادة هنا باعتبار القوة العلمية [لأن*] الطاعة متعددة وإن كانت كلها تقتضي الهداية.
الثاني: أنه إذا قلنا: إن العرض لَا يبقي زمانين وهو مذهب أهل السنة فتصح الزيادة؛ بمعنى أنه بعدم عرض، ويخلفه عرض آخر أكبر منه فهو زيادة في الهدى، وإنما يشكل إذا قلنا: إنه يبقى زمانين.
стр. 1021
الوجه الثالث: أن الزيادة في الهداية بمعنى الزيادة في محلها؛ فتكون الزيادة في جوهر أيضا مضافا للجوهر الأول.
قال ابن عرفة: والعلم إنما يقوم [بمحل*] واحد لكن عندنا نحن إذا قام للعمل أوجب العلمية لذلك المحل فقط، والمعتزلة يقولون: أوجبها لجميع الذات.
قال ابن عرفة: وذكر الخلاف في العلوم، هل تتفاوت أم لَا؟ فإيمان أبي بكر هل كان كإيمان غيره أم لَا؟
قال الزمخشري: أن يزيد معطوف على (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)؛ لأنه أمر فى معنى الخبر.
ابن عرفة: العذاب في الدنيا بالقتل والأسر يحصل لهم العلم الضروري بحقيقة ما أمرهم به الرسول ويزداد المؤمنون عند مشاهدة ذلك إيمانا أعلى منهم.
فإن قلت: إنما يعملون ذاك في الآخرة، قلنا: الجملة الشرطية يكفي في حصولها حصول أحد أجزائها فيزدادون هدى عند رؤية الكفار العذاب الدنيوي.
قوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ).
الزمخشري: هي أعمال الآخرة كلها، وقيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وكذلك قال ابن عطية، ونقله حديثا.
قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ... (٧٨)﴾
[قرنت*] بالهمزة لأنها همزة الاستفهام، ودخلت على ألف الوصل لكن حذفت تلك ولم تحذف هذه لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر.
قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ... (٨٠)﴾
ابن عرفة: الميراث انتقال الشيء من ملك، فإن أريد مطلق الانتقال فهو هنا حقيقة، وإن أريد سبب مخصوص فهو في الآية مجاز، والقول تارة يراد به لفظة، كقوله: سمعت ما يقوله زيد، وتارة يراد به مدلوله، كقوله: الأمر فوق ما يريد زيد، والمراد سنكتب ما يقول لفظه في، ونرث ما يقول مدلوله، ويحمله الزمخشري على الوجهين، فقال: [(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) *]، وهو المال والولد [ونحول*] بينه وبين هذا القول في الآخرة، ويأتينا [رافضا له*] منفردا عنه غير [قائل له*]، ولاسيما قوله هذا: [ولا نلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به*].
стр. 1022
ابن عرفة: القول ماض؛ لقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) فلم يعبر هاهنا وفي (سنكتب ما يقول)، فالجواب: جاء بوضع المستقبل موضع الماضي إشارة إلى دوام ذلك وبقائه، وإما باعتبار أنه قال ذلك في الماضي، ولم يزل [مستديما*] عليه يعتقده ويكرره، وإما للمشاكلة باعتبار ما قبله وما بعده؛ لأن قبل الأول: (سَنَكتُبُ)، وبعده (وَنَمُدُّ)، وقبل الثاني: (وَنَرِثُه) وبعده وَيَأْتِينَا).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ... (٨٣)﴾
ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم الكلام على كفر الكافرين وعبادة الآلهة من دون الله تعالى: مع قوله تعالى: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) أوحى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لئلا يقع في نفسه منه حزن عليهم وتأسف [وغم لك*]؛ لأن المصنوع صنعة فاسدة إذا رأى الجاهل بها [لَا يتأثر*] لفساده، وإذا رآه العالم بالصنعة يتأثر لفساده؛ فكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تأثره بكفر هؤلاء ليس كتأثر غيره؛ لعلمه بحقائق الأمور وعواقبها، فجاءت هذه الآية على سبيل التسلية له من الحزن الواقع بنفسه، والرؤية [علمية*]، لَا مما [يرى*]؛ أي ألم تعلم أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين [بالضلالة والهداية*]؛ أي بفعلنا وقدرتنا، فالله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ففوض أمر هذا إلى الله، ولا تحزن عليهم بوجه فقد وفيت [بما بلغت به*] إذ لو شئت لمنعناهم قهرا.
وقال ابن عطية: [أَرْسَلْنَا معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم*] اعتزال في قوله: [نحل بينهم وبينهم*]؛ لأنه يتبع الريب أي وهو معتزلي فيقول أحيانا وينقل كلامه بعينه، فيعتزل من حيث لا يشعر.
فإن قلت: كيف يفهم هذا؛ لأن ظاهر الآية تقدم كفرهم على إرسال الشياطين عليهم؟ مع أن إرسال الشياطين في كفرهم، قلت: الجواب: فإن المراد بالكافرين الصابرين من الكفر.
كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتقِينَ)؛ أي الصابرين للتقوى، وأما بأن المراد شدة الإزعاج والتهيج بقوة، ويكون المتقدم عليهم الإرسال بوسوسة حقيقة ليس فيه إزعاج بقوة، والدليل عليه تأكيد إن بالمصدر مع أن مادته تقتضي الشدة.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾
стр. 1023
أي [لَا تستبطئ عذابهم ولا تطلب استعجال هلاكهم*]؛ فإنما نمهلهم مدة قليلة نعدها عدا؛ لقوله تعالى: في سورة يوسف: (بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾
المراد هنا حقيقة الوفد دون خاصيته؛ لأن خاصية الوفد أنهم يقومون على [ ... ]. ولا يزالون.
قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾
سوقهم للعذاب بقوة، وهل المراد سوقهم للدخول إلى جهنم فخص الكفار والعصاة، [أو*] سوقهم إلى الخلد فخص الكفار، والأمر يحتمل، وهو عبارة القرآن، يذكر الطريقين، وقيلت من الواسطة.
قوله تعالى: (وِرْدًا).
أي عطاشا إهانة لهم واستخفافا [بهم*] كأنهم يردوا عطاشا، وأنشد الزمخشري عليه قول الأعرابي:
لنا ناقة ... وهو البيت المشهور.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ ... (٨٧)﴾
إما فاعل في المعنى أو مفعول؛ أي لَا يملكون أي يشفعوا أو يشفع لهم، كما يقول: إن الله يفعل الممكن لَا المحال، ويقول في الممكن أنه لَا يفعل.
قوله تعالى: (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا).
قال الزمخشري، وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل مساء وصباح عند الرحمن عهدا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول عند كل مساء وصباح: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك أنني أشهد أن لَا إله إلا أنت وحدك لَا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني عن الخير، وإني لَا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا توفنيه يوم القيامة،
стр. 1024
إنك لَا تخلف الميعاد، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد ليدخلوا الجنة".
قال الطبراني: هذا الحديث أخرجه ابن حنبل في مسنده وفيه بعض تغيير.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾
قال ابن عرفة: اتخاذ الولد على ثلاث أنواع:
إما بالنسب [وهو*] الوطء والولادة.
وإما بانتسابه به وإضافته إليه وإلحاقه به، [ ... ] وإن لم يكن من صلبه.
وإما منزلة الولد وإلحاقه به في اللفظ فقط، فاقتضت الآية تقبيح الجميع، وإن كان بعضها أقبح من بعض، ويؤخذ من الآية منع وصف الله بالصفات الموهمة لفظا وإن [أتى الوصف*] سليما* لاقتضائها تقبيح من ينسب إليه الولد لفظا، قال: وهل هذا أقبح من مقالة الفلاسفة لأنهم زعموا أن الله عالم بالأشياء جملة دون تفصيل، وأنه يفعل فعلا واحدا جمليا وذلك الفعل يتولد منه الأشياء المتعددة بتفاصيلها على اختلاف أنواعها.
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ... (٩٠)﴾
[فإن قلت*]: لم نسب التفطر للسماوات والانشقاق للأرض، والمعنى فيهما، قال: فأجيب بأن [الانفطار يقتضي تشقق*] ما هو عال على غيره وهو في مظنة وقوعه، والتشقق أعم من أن يكون من فوق أو من أسفل، قال: والانفطار والانشقاق بينهما عموم وخصوص؛ لأن [ينفطر*] مضارع انفطر [**فأمر فطر] يقتضي كون ذلك بشدة وتكلف وكذلك انفطر.
قوله تعالى: (وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا).
أفاد قوله (تَخِرُّ) دفعة واحدة وتبقى صحيحة كما يخر الحائط ويبقى صحيحا قطعة واحدة، فلما قال: هذا أفاد أنها قطعت حين خرورها وتفرقت [أفرادها*].
قال المفسرون: كاد إما بمعنى قارب أو بمعنى [أراد*].
стр. 1025
ابن عرفة: والإفادة على مذهب الفلاسفة حقيقة؛ لأنهم يجعلون لهذه الأشياء حياة وإدراكات تدرك بها الأمور، وعلى مذهبنا نحن فجائز [ ... ].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾
قال ابن عطية: استدرك بعضهم بهذه على أن الولد لَا يكون عبداً.
ابن عطية: هذا انتزاع وهو انتزاع بعيد.
قيل لابن عرفة: وجه بعده أن العبودية بالنسبة إلى الله تعالى إنما هي بمعنى الخلق، والاختراع بالنسبة إلى الخلق بمعنى التملك وزيادة الخلق، وفي الثاني أعم [لاقترانها*] بملك المنافع خاصة، والتعليل بالعلة البسيطة أقوى من التعليل بالعلة المركبة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾
فسر بوجهين:
أحدهما: (أَحْصَاهُمْ) أي جمعهم، (وَعَدَّهُم) أي عد لعادهم؛ فعلى هذا الإشكال في الآية كالجمع لَا يستلزم العدة التي في أحصاهم أي علم جملهم وعدتهم؛ أي علم آحادهم، فيرده السؤال: وهو أن العلم بالجملة يستلزم العلم بالآحاد كما هو عند البصريين، فلا فائدة في قوله (عَدَّهُم)؛ فالجواب: أنه أتى به تنبيها على مخالفة القديم المتعلق بالجملة.
قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾
مع [أن*] المؤمنين يقع بينهم محض التباغض، فالجواب: إما بأن التردد موجود منهم لا في كلهم؛ ألا ترى أن ملة إبراهيم كل أحد يحبها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ... (٩٧)﴾
أخذ منه أنه ليس في القرآن أعجمي. ابن ريحان: إنه يؤتي فيه بالعجمي ويكون مدلوله عربي.
قوله تعالى: (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ).
стр. 1026
يحتمل الخصوص بمعنى الإشارة إن حصل التقوى بالفعل، والنذارة لهم أجمعين، فيقال للشخص: إن كنت تقيا؛ قلت: هذا وإن خالفت عوقبت بعده؛ قلت: فتكون قضيته حقيقية.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ... (٩٨)﴾
هذا على سبيل التسلية لنبيه ﷺ [لئلا يتطاول موتهم كثيرا*] (أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ).
قوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ).
رد على [قولِ ابنِ مكِّي في] [تثقيف اللسان*] في قولهم: المحسوسات، [لحنٌ؛ إذ*] لَا يقال: "أحَسَّ"، وإنما يقال: ["حَسَّ"*].
قوله تعالى: (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا).
الصوت الخفي، وإن لم يسمع لهم الصوت الخفي فأحرى القوي؛ لأن الرسل لا تكلمهم إلا كلاما خفيا، وهؤلاء الرسل ليس لهم صوت خفي، فأحرى ما فوقه.
* * *
стр. 1027
سُورَةُ طه
قوله تعالى: ﴿طه (١)﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)
قال الزمخشري: فعل أمر؛ لأنه كان يقوم في التهجد على رجل واحدة، فأمر الله أن يطأها؛ أعني الأرض، فقيل: طه.
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾
قال الزمخشري: اختار إمام الحرمين في الإرشاد أن جبريل ﵇ فهم معنى الكلام القديم وعبر عنه للنبي ﷺ بألفاظ [حادثة*]؛ فالألفاظ حادثة والمعنى قديم.
وذكر ابن التلمساني في شرح المعالم [اضطرابا*]، وأخبر أن جبريل ﵇ تلقاه من اللوح المحفوظ ونزل على النبي ﷺ .
قوله تعالى: (لِتَشْقَى).
قال الزمخشري: معناه التعب.
قال ابن عرفة: بل هو مشقته شدة التعب، وأما التعب، فهو مأمور به؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ).
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾
ابن عرفة: إن أريد ذات العلو فيصدق على جميعها، وإن أريد التي هي أعلى من غيرها، فإنما يصدق على فوق تلك القُمُر.
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾
قال ابن عرفة: تأوله ابن عطية بوجوه:
أحدها: صرف الاستواء إلى معنى [القهر*]، واختار عز الدين بن عبد السلام عدم تكفير من يقول بالجهة.
قيل لابن عرفة: عادتك تقول في الألفاظ الموهمة الواردة في الحديث كما في [حديث الجارية*]، فذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم دليل عدم تكفير من يقول بالتجسيم، فقال: هذا صعب ولكن تجاسرت على قوله [اقتداء*] بالشيخ عز الدين؛ لأنه سبقني لذلك.
стр. 1028
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... (٦)﴾
من عطف الخاص على العام وهو من العام الباقي على عمومه.
وكان بعضهم يقول: أكثر عمومات القرآن المشتملة على الأحكام الظنية مخصوصة؛ إلا قوله (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا).
ويحكيه ابن الحاجب، وكان الطيبي يقول: بل مخصوص بالمسلم تكون أخته [**تائبة]؛ فهل [له*] أن يزوجها من مشرك [أو لَا*]؟ ففيها أقوال، [وإنما المجمع عليه لا تزوج*] المسلمة من المشرك.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾
قال ابن عرفة والأكثرون: إن المراد بالأسماء المسميات، فالمراد بالأسماء السمع والبصر.
ذكر الآبذي في [ ... ]، قال: والخلاف [ ... ].
قيل لابن عرفة: ذكر بعضهم الخلاف هل هو أسماء الذات باعتبار تعدد الصفات وأسماء للذات باعتبار الصفات، وقد وقع للفخر في المحصول كلام، فقال: إنها باعتبار الصفات خمسة وهي سقطة عظيمة، والصحيح عندهم أنه لَا يقال: إنما هو ولا غيره فلا يلزم عليه التعدد بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾
ابن عرفة: والخبر إن كان غريبا يعبر عنه بالباء؛ كقوله (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) وما دونه يعبر عنه بالخبر أو الحديث، وقال في سورة (ص) (وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ) ولا أن هذه القضية [ ... ]. وأعجب من تلك فهلا كان الأمر بالعكس، فأجيب بوجهين:
الأول: أن قضية موسى أخبر بها [في*] التوارة والإنجيل؛ فحصل لنا العلم بها فلم يكن فيها من الغرابة ما في قضية داود.
الثاني: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأن الخبر الذي يعلم بغرابته بالبديهة لا يحتاج إلى التعيين عنه باللفظ الدال على الغرابة.
قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ... (١٠)﴾
стр. 1029
قال ابن عطية: أي [أحسست*].
ابن عرفة: يجعله على مبادئ الرؤية.
قال الزمخشري: أبصرها إبصارا بينا لَا شك فيه.
قال ابن عرفة: وقول الزمخشري أصوب لموافقته في أول الآية؛ في قوله تعالى: (رَأَى نَارًا) قال: وأبصر النار في شجرة عناب، وقيل: عوسج، وقيل: علقم.
قال الثعالبي: وكل شجرة يخرج منها النار إلا شجر العناب.
وكذلك نقل الزمخشري، عن ابن عباس في سورة يس، قال: ومن أمثالهم "في كل شجر نار واستمجد المرخ [والعفار*] "؛ فقطع الرجل منهما غصنين ليعصر منهما الماء ليعصر المرخ، وهو ذكر عليه [العفار*]، وهي أنثى فيخرج الماء.
قوله تعالى: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ).
(أَو آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) فإما أن يجمع بين ذلك بأن موسى قال جميع ذلك، ونقل إلينا بعض القصة في سورة وبعضها في سورة أخرى، وإما أن يجاب بما انفرد به اللخمي من جواز نقل المضاف بالمعنى مع أن المازري أنكر عليه الإنكار التام.
قيل لابن عرفة: هذا الإشكال فيه؛ لأن جبريل ﵇ نقله عن اللوح المحفوظ مكتوبا سورا كما هي في المصحف، فقال: يحتمل أن يكون يلقاه من الله تعالى فيرد الإشكال فيحتاج إلى الجواب، بما قلناه مع اثنين السؤال فيما حكاه الله تعالى عن قول موسى بألفاظ مختلفة، في قوله تعالى: [(لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) *] وفي غيره من الآيات بخلاف ذلك، فإما أن يكون بعضها أعم وبعضها أخص، ويكون موسى تكلم بالأخص في كون تارة لفظة، وإما أن يكون تكلم بأنه قال: مشتركة بين معان واستعمل فيها بناء على القول بعموم التصرف [ ... ] بعد مدلول وعده البعض الآخر، [ ... ] تطلق بينهما عموم وخصوص من دون وجهه، فلا يصح التعبير بأحدهما عن الآخر بوجه مع أن موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وعليهما وسلم؛ إنما تكلم بالعبرانية؛ لأنه عجمي، ولا أن تكون الترجمة كلامه بما يراد به سواه.
قوله تعالى: ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ... (١٢)﴾
стр. 1030
قال ابن عرفة: الذم بالأمر التصديقي والتصويري، فالتصديقي أكد بإن لأنها تأكيد لنفس [ ... ]. عنه، والتصويري أكد بأنا عبارة عن الذات [ ... ] لأنهما كانا من جلد حمار ميت، قيل: لأنه جعله قول الله تعالى.
ابن عطية: والعرف عند الملوك [أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى ﵇ أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها*].
فقيل لابن عرفة: قد صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نعليه هو والصحابة، [فلما سلم، قام وإنزعهما*]، قال: إن جبريل أخبر أن فيها أذى، ومنع الصحابة من خلع نعالهم مع أن المصلي يناجي ربه، فقال: قضية موسى أشد وأغرب؛ لأنها [**أفعال سماع للخالق] هي أشد من مسألة [**المثليات] حيث لَا يسمع كلامه أو فعله، كان في أول الإسلام، قلت: [بل يجاب*] بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل من موسى ﵊، وقد تقرر أن من عادة الملوك أن كبراء أعدائهم وذوو المئات من رعاياهم إذا دخلوا عليهم لَا يغيرون من حياتهم شيئا، فالصالحين والفقهاء فيما يلزم من أمر موسى ﵊ بخلع نعليه أن يجعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان [ ... ] هذا علينا في الصحابة حيث لم يفعلوا فعالهم فعل ذلك تلزمه بهم أنهم أشرف الأمم، واقتدوا بهم فيما فعل ذلك فاختلف لهم ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ... (١٣)﴾
قال ابن عرفة: [اختار*] بعضهم أن من خير بين شيئين [يعد متنفلا*] لكن الأصل الحقيقة.
قوله تعالى: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى).
قال ابن عرفة: استمع إنما يتعدى بنفسه؛ لقوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٧ - ١٨] ولم يذكرها ابن عصفور في الأفعال التي تتعدى تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر، فيحتمل أن يتعلق بما يوحى، بقوله (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ)، قيل له: الفاء يمتنع تعلق ما بعدها بما قبلها، ورد بقوله
стр. 1031
تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، وقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، وسماعه الوحي كما قال إمام الحرمين من أنه كشفت في [الحجب*] حتى سمع الكلام القديم الأزلي؛ وهو كلام النفس كذلك قال إمام الحرمين، وسماع جبريل له.
قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ... (١٤)﴾
في هذا دليل على إبطال عبادة النصارى وغيرهم القائلين في الأصنام ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ لأنه ما ذكر العبادة إلا بعد تقديم التوحيد؛ فشرط المعبود وحدانيته.
قال ابن عرفة: وقوله تعالى: (فَاعْبُدْنِي) يحتمل أن يراه فاعتقد وحدانيتي، ويكون قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) من عطف الخاص على العام.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ... (١٥)﴾
قرئ بعضها بالفتح؛ أي أظهرها وأخفيها بالضم من الإخفاء.
قال ابن عرفة: فيحتمل أن تكون القراءتان مختلفتين؛ لأن ما قارب الشيء له حكمه، والخفاء ضد الظهور؛ فمقاربة الإخفاء ضد مقاربة الإظهار، قال: ويحتمل أن يرجع المعنى واحداً ويكون أمر الساعة وسطا بين الإخفاء والإظهار؛ فهو مقارب لكل واحد منهما.
قيل لابن عرفة: اعتبار الشارع بأمر الساعة أو باشتراطها ومقدماتها يرجح معنى الإظهار بالعلم عند وقوع أشراطها لَا قبل ذلك، وإذا ظهرت عند وقوع الاشتراط ينسخ عنها معنى، الخفاء والمتقدم إذا كانت خفية.
قوله تعالى: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى).
إما عام خصوص؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والمغمى عليه حتى يفيق من إغمائه، وإما أن يقال: بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، وقد ثبت أن شرعنا أخف من شرع موسى ﵇.
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾
رتب معه الرد مع أن الصد ليس من فعله؛ فأجاب الزمخشري بوجهين:
إما أنه من إقامة السبب وهو الصد مقام سببه وهو القبول، والانفعال.
стр. 1032
وإما من إقامة السبب وهو الصد مقام سببه؛ فلا تكن لينا في أمرك فيصدك عنها الكافر، أو فلا تقبل صد غيرك عنها.
ابن عرفة: ويترجح الأول بأن ابن الخطيب رجح [إقامة السبب مقام سببه على العكس*]؛ لأنه من برهان اللم، وبرهان اللم أقوى من برهان الأول.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾
هذا الاستفهام تعظيم وتنبيه وأخر النداء والأصل تقديمه؛ لأنه إنما ذكرنا سببا لموسى، والأهم من القضية تقديم السؤال كما في يده، وقال هنا: (بِيَمِينِكَ) فعبر هنا باللفظ الأخص، وقال تعالى في آخر الآية (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) فنص باللفظ الأعم، فأجيب بأنه عبر هنا بالواقع بالفعل، والواقع: أن العصا كانت في يده اليمنى، وهناك أمر تكليفي لحفظ عنه فيه ليحصل له الأمن بأي يد شاء من يده، وقيل: لأن موسى دهش فلم يعلم يمينه من شماله، أو عبر له باليمين تكرمه لها وتشريفا، وأن المقصود إلينا من كل شيء تكرمه اليمين.
قال ابن عطية، قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله غيب على موسى في إضافته العصا على نفسه، فقال: (أَلْقِهَا) لتزامنها العجب فتعلم أنه لَا ملك لك عليها وانتصاف إليك.
قال ابن عرفة: كان بعضهم ينكر هذا بأن في الآية (بِيَمِينِكَ) فأضاف الله تعالى بيمينه إليه، فلذلك تجاسر هو أن تقوية عصاي، لأنها كانت في يمينه يعتمد عليها.
قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ... (١٨)﴾
انظر هذه العبارة عبارة ضعيفة، إضافة استحقاق ليتناول غنمه المملوكة له، والغنم التي كانت في المسترعى عليها فيما مضى.
قال ابن عرفة: وكان شيخنا ابن الحباب يحكي عن بعضهم: أنه كان يقول أول [ ... ] أحد بالكوفة قول القائل عصاي.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾
قال: فائدة جعلها الآن حية لتدرب نفسه عليها، فلا يخاف منها بعد ذلك إذا صارت حية عند حضور السحرة بحبالهم مع فرعون عليه اللعنة.
قوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾
стр. 1033
قال أبو حيان: لَا يصح أن تكون سيرتها مفعولا به؛ لأنه ظرف مكان مختص فرده إليه؛ لأن بعضهم حكى أن الطريق ليس تطرف مختص بل هي عام، وأجاب ابن عرفة بقوله تعالى: (سِيرَتَهَا الأُولَى) فلما أضاف وهي طريق مختصة به لأنها حالته الأولى كانت مختصة، قال: وهذا التكلف مع هذه الآية ليؤمن مع أنه قد حصل الإيمان حقيقة؛ لأن الله تعالى خلق في قلبه التصديق المعنوي، وما يجب له وما يستحيل في حقه؛ فالجواب بأن هذا تأسيس ليتدرب عليه فلا يستغرب ما وعده به ربه من كونها تسير حية في موطنه مع فرعون والسحرة، وإما بأن العلم الضروري قسمان: فمنه عام، ومنه خاص، وقد يكون العلم الضروري عند بعض النَّاس صورياً وهو في نفسه نظر فهذا يصح التكليف به وليس بتحصيل الحاصل. بخلاف الضروري الذي يعلمه كل أحد بالضرورة لَا يصح التكليف به.
قوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ).
يحتمل أن يكون حياتها تخفيفا لصحة الإعادة بعد الموت، فلا يكون في الآية إشكال، ويحتمل أن يريد بالحية الثعبان فيقع الإشكال. كقوله تعالى: في الآية الأخرى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ).
قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾
قال ابن عرفة: عبر هنا بالذهاب، وفي غير هذا [قال، (أَرسَلنَاه) *]؟ فالجواب: أنه [إن*] اعتبر حال الرسول، قيل (أَرْسَلنَاهُ)، وإن اعتبر حال المرسل إليهم قيل اذهب [**ولقيناك]، أو نحوه؛ لأن لفظ الإرسال يقتضي التشريف.
قوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)﴾
قال ابن عرفة: هذا يحتمل أن يكون إنما أوحى عن إتيان الله تعالى به وذلك في الأولى، وحذف الفاعل هنا للعلم، وذكر في قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ ... (٣٧) والمن: تارة يعبر به عن نفس النعمة، وتارة يراد به التذكير بنعمة تقدمت، كما في قوله تعالى: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) فالمراد هنا بالمن نفس النعمة والتذكير بها تنبيه على أنها تفضل من الله تعالى، وأنه لَا يجب عليه شاء.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ... (٣٩)﴾
تقدم في آية [**القذف، آية (أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ)] لَا يليق ذكره هنا.
стр. 1034
قوله تعالى: (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ).
حكى الإمام فخر الدين الخلاف في الراكب في السفينة؛ هل يتحرك بحركتها أو هو ساكن، وإنما يتحرك بتحرك السفينة، وكذلك قذف الصندوق في البحر هل هو قذف لما فيه أم لَا؟
قوله تعالى: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ).
أمر في معنى الخبر، وتقدم جواز ذلك وجواز عكسه؛ لكن كان أحدهما أبلغ من الآخر والصواب العدول عن المرجوح إلى الراجح، فيرد من السؤال هنا لما عبر بالمرجوح عن الراجح، ويجاب بأنه إنما عدل عن الأمر إلى صيغة الخبر إشارة إلى الحض على امتثاله؛ حتى كأنه واقع محقق فخبر عن وقوع، ويعدل عن الخبر إلى الأمر إشارة إلى أنه بما يطلب وقوعه، وهذا إذا كان مدلوله مستحسنا بخلاف ما إذا كان مستقبحا.
قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ... (٤٠)﴾
قال ابن عرفة: قدم قرور العين؛ لأنه من باب جلب الملائم، ونفى الحزن؛ لأنه من باب رفع المؤلم فهو نزف.
قيل لابن عرفة: هما على طرفي النقيض فأحدهما يستلزم الآخر، فقال: لَا بل الأول سبب يقتضي دوام قرور العين، والثاني: نفي يقتضي دوام نفي الحزن، قال: ومذهب أهل السنة والحكماء أفعال الله غير معللة، ومذهب المعتزلة أنها معللة، وظاهر الآية أنها حجة للمعتزلة، والجواب بين الفرق وبين الفعل المعلل وبين فعل العلة، فالله تعالى فعل هذا وفعل علته على سبيل ربط الأسباب بمسبباتها، وأجاب بعض الطلبة أيضا: أن الممتنع إنما هو وجوب فعليتها فليس بممتنع عند الجميع.
قوله تعالى: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا).
قال ابن عطية: أي اختبرناك.
قال ابن عرفة: هذه عبارة [ ... ] ممتنع في حق الله تعالى.
وقال الزمخشري: أي فعلنا بك فعل الخير، وهو أصوب من كلام ابن عطية.
قوله تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى).
стр. 1035
ابن عطية: أي جئت على مقدار محدود للنبوة التي أرادها الله منكم، ومنه قول الشاعر:
نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر
قال ابن عرفة: هذا تشبيه قبيح ولفظه موهم لَا ينبغي التمسك به، وإن كان المعنى في نفسه صحيح، قلت: والبيت يمدح عمر بن عبد العزيز ﵁، وقبله.
[مِمن يعدُّك تَكْفِي فقدَ والدهِ ... كالفرخ فِي الْعُشِّ لَمْ يَنْهَض وَلم يَطرِ
يَدْعُوك دعة ملهوفٍ كَأَن بِهِ ... خَبَلا من الْجِنِّ أَوْ مَسًّا من النشرِ
خليفةَ اللَّهِ مَاذَا تأمُرُون بِنَا ... لَسْنا إِلَيْكُم وَلَا فِي دَار منتظر
مَا زلتُ بعدَك فِي هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي ... قَدْ طَال فِي الحَيِّ إصْعَادي وَمُنْحَدِرِي
لَا ينفع الحاضِرُ المجهودُ بادِيَنَا ... وَلا يعودُ لَنَا بادٍ عَلَى حَضِرِ
إِنَّا لنرجُو إِذَا مَا الغيثُ أَخْلَفَنَا ... من الْخَلِيفَة مَا نرجو من المَطَرِ
نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر
هذي الأرامل قَدْ قَضَّيْت حاجَتَها ... فمَنْ لحاجةٍ هَذَا الأرمل الذَّكَرِ*]
قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي ... (٤٢)﴾
قال ابن عرفة: ذكروا أنه لَا يلزم من العطف صحة وقوع المعطوف عليه، وهذا منه؛ لأنه لَا يجوز اذهب، فإن قلت: كيف؟ قال: قد جئناك بآية من ربك بعد قوله اذهب بآياتي، والجواب: أن الآية واحد بالنوع لَا بالشخص.
قوله تعالى: (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي).
هذه حجة لمن يقول أن الأمر للتراخي؛ لأن الأصل التأسيس وإلا كان يكون هذا تأكيدا، والجواب بأن الأمر اقتضى كون الذهاب على الفور والنهي عن التوالي في الذكر لَا في الذهاب، واختلف المتعلق على الفخر، والدليل أنه على الفخر، والدليل أنه على التراخي تعيينه بكلام آخر خوطب به، ولو كان على الفور لذهب موسى في الحال.
ورده ابن عرفة بأن الأمر إذا عقب بكلام مبني له لَا يقدح في كونه على الفور.
قوله تعالى: [(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) *]
اقتضت هذه حصول طغيانه، وقال بعده: (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) .. فاقتضت تلك أن طغيانه متوقع في المستقبل، وأجاب ابن عرفة: أن المتوقع دوام طغيانه، ويؤيده قوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).
стр. 1036
ابن عرفة: كان بعضهم يعارضها في قوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، والجواب: أن الخوف عند رؤية الأشياء والخوارق كرؤية انقلاب العصا ثعبان، وحكى هذا خوف مما يصدر من فرعون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾
فالمعية راجعة لقولهما: (أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) [ ... ]. إنها تحية فيؤخذ منه أنها استثناء التحية عند الانصراف، (رَبُّكُمَا يَا مُوسَى).
قال ابن عرفة: الأصل أن الفاء لَا تدخل أول الكلام لكن هذا جواب عن سؤال مقدر؛ أي إن كنت صادقا فمن ربكما.
قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ... (٥٥)﴾
أي من الأرض.
الزمخشري: أراد خلق أصله منها وهو آدم ﵇، أن أصل خلقهم منها يستلزم خلقهم منها.
ابن عرفة: هو على هذا مجاز فيتعارض فيه المجاز وإضمار، وقيل: إن الملك يأخذ من التراب مقدار النطفة التي يولد منها الإنسان، فيدربه على النطفة فيخلق من التراب، والنطفة معاً.
قوله تعالى: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ).
ظاهرة إعادتهم بأعيانهم؛ فيؤخذ منه القول بصحة إعادة المعدم بعيينه، وأنكره المعتزلة واحتجوا بعدم إعادة زمانه، ورد عليهم بوجود بقاء الأجسام في حال الحياة الدنيا سبعين أو ثمانين سنة مع انعدام زمانها الأول.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا ... (٥٦)﴾
قال الزمخشري: إما أنه التسع آيات، أو آيات جميع الأنبياء لعلمه بها موسى.
ابن عرفة: يلزم على الثاني استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن فرعون علم بعضها بالخبر الصدق.
قوله تعالى: (فَكَذَّبَ وَأَبَى).
стр. 1037
فكذب موسى وأبى النظر في آياته وأدلاتها؛ فيكون تأسيسا.
وإن قلت: أبى من الإيمان به كان تأكيدا.
قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ... (٥٨)﴾
يؤخذ منه أن دليل المستدل من شرط تمامه السلامة من معارضته بمثله؛ لأن موسى قبل ذلك من فرعون، ويؤخذ من الآية أن القاضي ما ينفذ الحكم إلا بعد الإعذار من الخصم.
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾
قال ابن عرفة: قال بعضهم: كيف عطف فجمع بالفاء؟ وقال: (ثُمَّ أَتَى) فعطف بـ ثم مع أن المناسب العكس؛ لأن الجمع لَا يحصل إلا بعد تردد ومهلة كبيرة؛ بخلاف الإتيان العاقب للجمع إنما يصدر من الشجاع، وأما الخائف الجبان فهو يقبع ويتأخر.
قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ... (٦١)﴾
المناسب أن يقول: لَا تفعلوا فعلا باطلا، وأما الكذب فلا يناسب هذا المحل المعاندة والمعارضة بالفعل لَا في محل المقولة مع موسى، قال: والجواب: أنهم إذا عارضوه بالسحر فقد كذبوه بما جاء به.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ... (٦٥)﴾
قال ابن عرفة: الآية حذف التقليل، إما أن تلقي فتكون أول من ألقى، وإما أن نلقي فيكون آخر من ألقى؛ لأنهم نادوا بين الإلقاء وبين أولية إلقاء ولا معادلة بينهما.
قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا ... (٦٦)﴾
إضراب إبطال عن التخيير في نفس المبتدي بإذن لهم في البداية وإذنه هو لهم في البداية، إما؛ لأنه علم أن اختيارهم في البداية، وإما لكونهم إذا بدءوا تفرغوا لنار جهنم ويأتونا بجميع ما عندهم من العلم، فإذا عارضهم أبطل حجتهم كلها ولا يبقى لهم حجة.
قال الزمخشري: في الأعراف سوغ لهم موسى البداية إذ درأ بشأنهم، وقلت: مبالاته لهم وقعت بما كان مصدره ومن التأهب السماوي.
قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى).
стр. 1038
قال ابن عرفة: السحر أطال فيه إمام الحرمين ولم يحصل من كلامه شيء غير تميزه بالخاصية وهو أنه الذي يمكن معارضته؛ والمعجزة لَا يمكن معارضتها.
قال ابن العربي: قانون التأويل؛ السحر يقال فيه: أنه حقيقة لَا حق.
وقال في المعارضة: السحر قول مؤلف يعظم فيه غير الله تعالى.
قال ابن عرفة: والصحيح الذي كان يمشي لنا في حدة أنه أمر ينشئ عنه باعتبار قصد فاعله على أوضاع مخصوصة أثر خارق للعادة بذاته أو بنسبته إليه، فقوله: بذاته كالطيران في الهواء، والمشي على الماء؛ فإنه خارق للعادة بذاته، وقولنا: أو بنسبته إليه كالتمريض، فإن المريض بذاته أمر معهود، وإنما هو خارق للعادة بالتشبه إلى حدوثه عن فعال فعلها الساحر.
قال: وحكى اللخمي عن ابن المواز فيمن يخيل أنه يضرب نفسه بخنجر، أنه يقطع به الحبل، أنه ساحر، فقيل: قال ابن عرفة: وكذلك غالب العجائبيين يفعل من أنه يزرع النفوس هو سحر أيضا، وكذلك الذي يخيل أنه يدخل في الكرة الصغيرة هو ساحر أيضا، والساحر يقتل شرعا؛ لأنه إن اعتقد حلية ما يفعل وتأثيره فهو كافر، وإلا فهو فاسق يجب قتله شرعا.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾
(خِيفَةً) يعني أدرك خيفة.
قال ابن عرفة: الصواب عندي أن يقال: تصور خيفة؛ أي تصورها في ذهنه واستحضرها فقط؛ لأنه أدركها؛ لقوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، وهذا كما ورد في الحديث: أن الخطوات والسلوك التي تخطر بقلب الإنسان لا يصمم عليها معفو عنها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾
إن أريد به أنه أعلى من السحرة بالتفضيل مجاز، مثل: العسل أحلى من الخل؛ إذ ليس في فرعون -عليه اللعنة- علو بوجه.
قيل لابن عرفة: فيدعي سيدي أبو محمد المرجاني، أن موسى ﵊ إنما خاف لكونه سمع جبريل ﵊ يقول للسحرة: تقدموا يا أولياء الله؛ فلذلك أوجس في نفسه خيفة.
стр. 1039
قال ابن عرفة: المناسب لهذا إن كان يفرح؛ لأنه يعلم أنه صدق وأنهم يؤمنون به، قيل له: إن اعتبر ظاهر الأمر يخاف، وإن اعتبر باطنه يفرح.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ... (٧٢)﴾
قال ابن عرفة: إن راعينا ظاهر الآية فهي بينة واحدة؛ لأنهم لم يشاهدوا منه غير العصا، فجمعها لاختلاف حالاتها، كقوله: [فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلِّها*] وهو النجوم من غير [ ... ]؛ لكن ذكر المفسرون أنهم رأوا الجنة والنار واطلعوا على أمور دلتهم على صحة ما جاء به موسى، والمعنى لن [نؤثر*] تخويفك لنا على ما جاءنا به موسى من البينات.
قوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ).
صيغة أفعل للإهانة، وقالوا: (مَا) إما موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية.
قال بعض الطلبة: ويحتمل أن يكون ما نافية، واستعبده ابن عرفة؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فدل على إثبات مصابه في الدنيا.
ابن عرفة: الظاهر هل هذا أمر تكميل مندوب إليه، أو أمر واجب ركن لَا يحصل الإيمان إلا به؟ والظاهر أنه مندوب، لقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) فلو أضمروا الإيمان ولم يقل هذه المقالة لإجزائهم؟ فأجيب بأن الإكراه عندهم يخلص من عهدة الواجب؛ لقوله تعالى: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) فدل على أن المكره مؤاخذ بإثم ما أكره على فعله.
وقال الفخر ابن الخطيب الإمام الرازي في أسرار التنزيل: من عبد الله تعالى لينجوا من النار ويدخل الجنة فعبادته باطلة بإجماع.
وقال: ابن [العربي*] في سراج المريدين: هذا مذهب المتصوفين، قال: والإخلاص عندهم أن يعبد لَا لجنة ولا لنار، قال: وهو عندي لَا يصح، وقال القاضي أبو بكر: هذا كفر وانظر ما قيدت به [ ... ] على صعيد واحد في كتاب البر والصلة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ (٧٣)﴾
قال أبو حيان: ما جعلها بعضهم نافية، ومن السحر متعلق بـ[يَغْفِرَ*].
ورده ابن عرفة بأن ما النافية لها صدر الكلام فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾
стр. 1040
قال الفخر: الآية حجة لأهل السنة أن العاصي يدخل الجنة بالشفاعة؛ لأن مفهومها أن من آمن وعصى له الدرجات السفلى في الجنة.
ورده ابن عرفة: لأن مفهومه أن الدرجات لمن آمن ومات عقب إيمانه وأنها ليست لأحد، أو يخلق الله تعالى لها قوما يعمرونها ليسوا من الجن ولا الإنس، كما ورد في آخر حديث مسلم.
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ ... (٧٦)﴾
بدل من الدرجات، وهو بدل الأعم من الأخص.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ... (٨٠)﴾
قال ابن عطية: كانوا يقولون لأي شيء وقع الاستئناف بالإنجاء من العدو، هلا وقع بإهلاك العدو بأن الإنجاء لَا يستلزم إهلاكه، قال: وأجيب: بأن الإنجاء من عدوهم يتضمن أنه أشرف على غلبتهم؛ بخلاف ما لو قيل: قد أهلكنا عدوكم، فإِنه لا يتضمن ذلك؛ إذ لعله أهلك قبل الاستيلاء عليهم والعزم عليه.
قوله تعالى: [(وَوَاعَدْنَاكُمْ) *].
المواعدة لَا تكون بين الجانبين، وإما أن تكون من باب طارقت الفعل أو باعتبار الاعتناء بالوعد والتوفية.
قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ... (٨١)﴾
رده الزمخشري لصفة الفعل.
ابن عرفة: ويحتمل أن يرجع لصفة الإضافة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣)﴾
هذا استنطاق وفيه عتب لموسى، وعبر عنه الزمخشري بلفظ الإنكار.
ابن عرفة: وفيه قبح وإغلاظ وقلة أدب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال ابن عرفة: وعوتب موسى على تقدمه عليهم للمناجاة، وعلى استعجاله ذلك قبل بلوغه الميقات المضروب له، فأجاب عن العتب على التقدم؛ بقوله تعالى: (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي)، وعن الاستعجال بقوله (لِتَرْضَى)؛ أي لترضى عني رضاء خاصا زائدا على ما لنا حصل لي منك؛ لأنه كان راضيا عنه.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ... (٨٥)﴾
стр. 1041
ابن عرفة: هذا مما يصحح قول المتأخرين: إن قد مع الماضي حرف تحقيق، لأنه لم يكن يتوفع الفتنة من قومه؛ لأنه توقعها لما فارقهم.
قوله تعالى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا ... (٨٦)﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: تألم النفس وتلهفها إن كان على كل شيء يمكن تلافيه فهو غضب، وإن كان على أمر فات لَا يمكن تلافيه فهو أسف.
قوله تعالى: (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي).
قال ابن عرفة: الأصل في الفاء، والغالب أن يدخل على الحكم، مثل: سهى فسجد، ودخلت هنا على سبب الحكم؛ لأن إخلاف الوعد سبب في قول الغضب بهم.
قوله تعالى: (أَمْ أَرَدْتُمْ).
الإرادة إما على بابها، والمعنى إن فعلتم فعل من أراد حلول العذاب به، وإما بمعنى الشهوة وهو الميل إلى حلول الغضب بارتكاب أسبابه؛ فهي مجاز وعلى الأول يكون حقيقة.
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ... (٨٨)﴾
قال ابن عرفة: تكلم الزمخشري هنا كلاما حسنا يليق بمذهب أهل السنة، وقوله (جَسَدًا).
قال مكي: له رأس.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ... (٨٩)﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن من شرط الإله الكلام.
قيل لابن عرفة: يلزم عليه إثبات الكلام بالكلام، قال: هذا إذا قلنا: إن المعجزة تنزل منزلة صدق عبدي، وإن قلنا: إنها دليل على صدق الرسول فالأخذ صحيح.
قال ابن عطية: هذه الحال لَا يخاف معها الحدوث والعجز؛ لأن هذه الحال لو حصلت لها وجبت كونه إلها.
قال ابن عرفة: إنما يتم هذا [ ... ].
стр. 1042
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ... (٩٠)﴾
قال ابن عرفة: عادة الطلبة يوردون في حسن الائتلاف: إن فتنتم به حاصلة موجودة لَا يحتاج إلى حصر الربوبية له فهلا كان الأمر بالعكس، قال: وأجيب به ليس المراد حصر الفتنة فيهم ولا حصرهم في الفتنة، وإنَّمَا المراد حصر فتنتهم في العجل له في حدوثه وعجزه، أما ظاهر ضروري معلوم بالبديهة على سبيل التوبيخ لهم والتصنيع عليهم، وإمَّا كون الرحمن ربا لهم فالحصر فيه أمر قد علم من خارج بما يقدر عندهم من الدلائل والمعجزات السابقة، وإما بأن المبتدأ لابد أن يكون أخص من الخبر أو مساويا له، فإن كان مساويا له فالحصر بين، وأن كان أخص فكذلك فقد استفيد الحصر بقوله تعالى: (رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ)
قوله تعالى: (فَاتَّبِعُونِي).
ابن عرفة: أي فبما نهيتكم عنه؛ بقوله تعالى: (إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ) أي اتبعوني في ترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري لكم بقولي: إن ربكم الرحمن فأمرتكم بعبادته.
وقال ابن عطية: فاتبعوني إلى الطور الذي وعدكم الله إليه، وأطيعوا أمري فيما وعدتكم وذكرته لكم.
قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ ... (٩٣)﴾
فيتعارض فيه المجاز باعتبار زيادة لَا والإضمار، وفيها ثلاثة أقول ثالثها أنها سواء.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ... (٩٤)﴾
إنما نسب إلى أمه، كما ورد في الحديث الصحيح عن أم هانئ، أنها قالت للنبي ﷺ : إن ابن أمي علي بن أبي طالب زعم أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلاَنَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، وكان علي بن أبي طالب أخاها شقيقا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾
إن قلت: قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) توكيد لاقتضائه الأول الحصر فلا فائدة في الثاني، والجواب: أن الأول مضاف إليهم فيقتضي حصر ألوهية الإله فيهم، ولا يلزم من كونهم لَا إله لهم غيره أن لَا يكون لغيرهم إلى الفعل لغيرهم ربا غيره، قيل
стр. 1043
لابن عرفة: خطاب المواجهة فيه خلاف، هل يعم بقياس التمثيل، أم لَا؟ فقال: القياس في الأمور التوحيدية ودلالة التمانع لَا يصح.
قوله تعالى: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).
قال ابن عرفة: المناسب لدلالة التمانع وصف القدرة والإدارة. فلو عقبه بالعلم، وقال: عادتهم يجيبون: بأن الآية دلت على أن كل شيء معلوم لله تعالى، فلو كان هناك خالق غيره لكان غير معلوم بالاختيار، والآن الأول لَا يعلم ما يفعل؛ لأن العلم يتعلق علمه بما يفعله هو في نفسه خاصة.
فيل لابن عرفة: قد اتفقا على أن المستحيل لَا يتعلق به قدرة، وإنه معلوم، فقولنا: كل معلوم يتعلق به القدرة لَا يصح؛ فثبت أن بعض المعلومات غير مقدور، فقال: الأصل أن العلم إنما يقع بما يفعله الإنسان في نفسه لَا يفعل غيره.
قوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: وكذلك الجاهل يحمل فعل عم به الجهل، والمعرض عن الطاعة يحمل فعل الحرمان من ثوابها، كما أن الكافر يحمل وزر الكفر.
قوله تعالى: [(إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) *]
قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام يقول: هذان القائلان كلاهما غير صائب في مقالته؛ لكن المقابل إن لبثتم [**الآن فسر العرب إلى الصواب ممن يقول]: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا)، قال: الجواب أن ذلك باعتبار قصد أيام التنعيم بالنسبة إلى أيام العذاب، أو إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ... (١٠٥)﴾
قال [ ... ] في شرح [ ... ]: أين ما وقع يسألونك فجوابه بغير فاء إلا هذا، وحكمته أن سؤالهم لم يقع وإنما هو على سبيل [الفرض*]؛ أي إن يسألونك عنها.
وقيل: هو على تقدير شرط، وقول المفسر: إنه وقع أنهم سألوا بعد نزول الآية لا قبلها، قال: ويؤخذ من الآية جواز الخوض فيها؛ لأنه ليس بأمر تكليفي ولا اعتقاد إلا أن هذا إنما لَا يغني إلا أن يقال: إن هذا مما فيه اعتبار واتعاظ.
стр. 1044
فإن قلت: هلا قال: لَا عوج فيها فهو أبلغ من نفي رؤية العوج، قلنا: هذا إشارة إلى أن من قال تأمل ونظر لم يجد فيها عوجا؛ بخلاف أن لو قال الأعوج فيها لأوهم أن ذلك لم يتألم.
قال الزمخشري: والعوج بالفتح في الحسيات وبالكسر في المعاني، وإنما أسندت معنى إلى الأرض وهي حسية إشارة إلى أنها وإن ظهر للناظر مستقيمة وقد تكون عند المهندس معوجة [فأتى*] بعبارة تقتضي نفي ذلك الاعوجاج؛ لأنه لم يظهر كل أحد صار كأنه معنوي.
قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ... (١٠٧)﴾
أي ليست منحرفة إلي اليمين ولا إلى الشمال، معنى (أَمْتًا) أنها ليس فيها ارتفاع [ولا انخفاض*].
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ... (١٠٨)﴾
إن قلت: هلا قال يومئذ يجيبون الداعي؟ فأجاب ابن عرفة بأن الاتباع أخص عن الإجابة فيستلزمها بخلاف ما كان العكس، فتأمل قوله تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) .. ، يتناول العصاة وخيبة كل واحد بحسبه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... (١١٢)﴾
يستدل بها السني والمعتزلي؛ لأن ظاهرها جزء من الإيمان لَا يتم إلا به.
قوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا).
أي زيادة عليه سيئاته، (وَلَا هَضْمًا) أي ولا نقصا من حسناته، ومفهومها منفي بالعقل؛ لأن ظاهره أنه من لم يعمل صالحا يخاف الظلم والهضم، وليس كذلك، أو يقال: إن ذلك جاري على عرف القرآن؛ أي إذ لم يذكر قسم الكافر ومن آمن وعمل صالحا وبقى الباقي مسكوت عنه.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾
إن قلت: يؤخذ منها جواز اجتماع [علوم*] ثلاث، فيجاب بأنها مختلفة المتعلق؛ لأن متعلق كل علم متعلق العلم الآخر فيصح الاجتماع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾
فإن قلت: هلا قال: أن لك أن تشبع فيها وتروى، فالجواب: أنه إشارة إلى تعقيب الشيء بضده؛ لأن شقاؤه بضدها؛ وهي نفي الجوع والعري عنه، [وقرن*] الجوع
стр. 1045
بالعري؛ لأن المتأكد على الإنسان المشق عليه أكله وكسوته، وأما الماء متيسر عليه، وكذلك الوضع الذي يسكن فيه متيسر، فيسكن إلى حائط أو في غار أو خباء أو نحوه.
قال الزمخشري: وقرئ وأنك، ثم أورد سؤالا، ثم عطف (وَأنَّكَ) على (ألَّا تَجُوعَ) وأنت لَا تجوز أن تقول أن زيد منطلق والواو نائبة مناب تكرير أن، ثم أجاب بأن [الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن أنّ، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة -كإن- لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إنّ وأن*].
قال ابن عطية: وكان العرف أن يقرن الجوع بالظمأ، والعري بالضحى إذ العري يمس بسببه البرد فيؤدي، وكذلك الضحى يفعل ذلك بالضاحي، ومنه قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزقّ الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إقفال
قال ابن عرفة: حكى ابن عزون السجلماسي في تأليفه في البيان: أن المتنبي أنشد في مجلس الأمير سيف الدولة بمحضر الأدباء.
تمرّ بك الأبطالُ كلمى هزيمةً ... ووجهُك وضّاحٌ وثغرُك باسمُ
ضممت جناحيهم إلى القلب ضمّةً ... تموت الخوافي تحتها والقوادِمُ
وأنكر عليه الحاضرون ذلك بعد ما وعده الملك بجائزة عظيمة، وقالوا له: عكست التشبيه وأدخل رأسه في طوقه ساعة ثم استشهد بقول امرئ القيس:
فأدخل رأسه في طوقه ... وفكر ساعة ثم استشهدا
على عكسه التشبيه بقوله تعالى: وزاده إلى جائزته (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) الآية، فسكت الحاضرون، فقال سيف الدولة: الله أكبر وزاده في جائزته التي كان وعده بها خمسين دينارا.
قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ... (١٢١)﴾
إنما عوقب بها؛ لأن التعري وكشف العورة يظهر لكل أحد؛ بخلاف الجوع والعطش فإنه أمر خفي لَا يعلم به إلا صاحبه.
قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).
стр. 1046
قال ابن عطية: إما أنه [نهي*] أن يأكل من شجرة معينة وتركها وأكل من شجرة أخرى من جنسها، وقيل: إن النهي إنما كان على جهة الندب لَا على التحريم.
ورده بعضهم بأن العصيان إنما يصدق على فاعل المحرم، وأجاب بعضهم بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، بأن العصيان كان يطلق عندهم على فعل ما لَا يجوز فعله.
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ... (١٢٣)﴾
عقبه بالفاء إشارة إلى أن العداوة سبب في الهداية أو عداوته سبب في أن ينبعث إليهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق.
قال ابن عرفة: وهذه الآية عندي دالة على أن بعثة الرسل محض تفضيل من الله تعالى وليست واجبة؛ إذ لو كانت واجبة كما يقول المعتزلة لقال: فإذا يأتيكم مني هدى، فعبر باللفظ المقتضي للتحقيق.
قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ).
إن قلت: لم أعاد الظاهر، وهلا قال: فمن اتبعه فلا يضل ولا يشقى، فالجواب: أن الهدى الأول عام؛ كقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، والثاني: خاص بدليل إضافته إلى الله تعالى فهي إضافة تشريف؛ أي فمن اتبع هداي الموصول إلى طريق الحق.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ... (١٢٤)﴾
ولم يقل: عنه؛ لأن الإعراض عن ذكر الله يستلزم الإعراض عن الهدى بخلاف العكس.
قوله تعالى: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾
قال ابن عرفة: إن كان قوله في هذا حقا فهو دليل على أن العمى في العين وإن كان باطلا فهو عمى البصيرة؛ لأنه ادعى أنه كان سليم البصيرة، وهذا نظير قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣).
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ... (١٢٦)﴾
ونسيناك وهذا لَا يصح، فقال: قد يجمع بين العلة والمعلول في شيء واحد.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ ... (١٢٧)﴾
стр. 1047
إن قلت: يلزم عليه تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المعرض هو المسرف؟ فالجواب: أن الأول خاص؛ لأن المعرض [عن*] الآية كفره أشد؛ لأنه سمع الآية وشاهدها، وأعرض عنها الآخر، فقلت له: ولم يسمعها ولم يذكرها فكفر من عاصر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم، ورأى آياته ومعجزاته أشد من كفر من لم [يرها*]، فلا يلزم من جزء المعرض ذلك الجزاء؛ أي يجزى به المسرف فهما متغايران تغاير الأعم والأخص، فأفاد الثاني ما لم [يفده*] الأول.
قيل لابن عرفة: الإسراف فيه تجاوز الحدود، فلا فرق بين المسرف والمعرض، فقال: مجاوزة الحدود تحصل بمجرد الكفر.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ ... (١٣٠)﴾
قالوا: (آنَاءِ) لجمع شيئين مثل عدل.
قوله تعالى: (لَعَلَّكَ تَرْضَى).
الترجي مصروفا للمخاطب.
قلت: ذكر لي بعض الطلبة: أن بعضهم كان يقول عسى للترجي، ولعل للترجي، وذكروا أن الترجي في عسى أوجب، ولم يقولوا ذلك في لعل، قال: والجواب: أن عسى من أفعال المقاربة فتضمن الإخبار بقرب وقوع الفعل الذي دخلت عليه عسى، وخبر الله تعالى صدق واجب الوقوع لَا بد منه بخلاف لعل.
قوله تعالى: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ... (١٣٢)﴾
أخذ الشيخ ابن عطاء الله منها تحريم التدبير في أمر الرزق [ ... ].
وقال ابن عرفة: أما في العقائد: فمسلم وأما غيرها فلا، وما في الآية ما يدل على أن الرزق يكون من غير سببه.
стр. 1048
سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈
[السورة مكية بإجماع*]. ابن عطية.
[اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ... (١) *]
قال ابن [مسعود*]: هي والكهف، ومريم، وطه من [العتاق*] الأول؛ لأن فعل الخطأ غير مقصود، الثاني المتصل تقتضي تكليف الفصل، إشارة إلى أنه طالب له؛ كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)؛ أي طالب عليكم، فحيثما مررتم به حالة تفرون؛ فكذلك الحساب طالب للاقتراب.
قوله تعالى: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).
ولم يقل: في إعراض غافلون، فعادتهم يجيبون بأن الغفلة أعم من الإعراض، والظرف أوسع من المظروف، فناسب أن تجعل الغفلة [ظرفا*] أو بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه لأنهما يشتركان في عدم الاهتداء، ويتنافيان في الذكر والمعارض ذاكر للشيء وتارك، [والغافل غير ذاكر*].
قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ... (٢)﴾
قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله (مُحْدَثٍ)؟ فقال: [سرعة إعراضهم*] عنه [بنفي*] نزوله؛ مع أن القول أول ما يسمع تتشوق النفس إليه وتقبله؛ بخلاف ما إذا تكرر.
ولذلك قال الشاطبي في القرآن: [وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً*] ولا فرق عند أهل السنة بين [المحدث والحادث*]، وفرق المعتزلة بينهما وفسر الإحداث إما باعتبار نزولها وهو إشارة إلى أنه معجز باعتبار الحروف الدالة عليه وهي محدثة، وإما أن يراد بالذكر نفس الذاكر وهو الرسول.
قوله تعالى: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ).
ولم يقل: يسمعوه؛ لأن استمع أخص؛ إذ الاستماع يقتضي القصد إلى السماع، فإذا أعرضوا عنه بعد قصدهم استماعه فأحرى أن يعرضوا عنه إذا استمعوه من غير قصد إلى استماعه.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ... (٣)﴾
إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)؟ قلنا: إعراضهم عنه بالظاهر والباطل أعني بالفصل والنية، فهو إشارة إلى تجانبهم بقوتهم العلمية والعملية.
قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى).
стр. 1049
ابن عرفة: (أَسَرُّوا) أي أخفوا النجوى إشارة إلى اختصاصهم بالحديث لبعض دون بعض، فليس فيه تكرار، ولا يرد السؤال الذي أورده الزمخشري بأن الإنسان قد ينفرد بالحديث مع بعض النَّاس، ويجهر فيه ولم ينفرد به ويسره له.
وقال ابن عطية: (أَسَرُّوا) من أسماء الأضداد، فمعناه هنا اظهروا الحديث الذي كانوا أخفوه بينهم.
قوله تعالى: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ).
مذهب أهل السنة أن الأنبياء ﵈ مساوون في [**الخلقة الجسمية]، ومذهب بعض الحكماء أنهم اختصوا بطبيعة مزاجية.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (٤)﴾
ولم يقل: يعلم السر؛ لأن القول أعم يطلق على السر والجهر، ويطلق على اللفظي والنفسي، والسر لَا يطلق إلا على اللفظ.
قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
دليل على عدم مغايرة صفة السمع تخص العلم بالمسموعات، والبصر يخص العلم بالبصريات والعلم عام في الجميع.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ... (٥)﴾
قال ابن عرفة: إن كان هذا الإضراب إضراب انتقال فلا كلام، وأما الإبطال فعادتهم يقولون: إن كان المضرب عنه نفس القول فهو إبطال، وإن وقع بما هو باطل، وإن قلنا: الإبطال لَا يصح إلا بالحق فهو إضراب انتقال، وإن قلنا: الإبطال يصح أن يقع بالحق وبالباطل فهو إضراب باطل.
قوله تعالى: (بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ).
هذا ترق قولهم: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) أشد من قولهم فيه: إنه ساحر، وقولهم: إنه مفتر أشد من قولهم (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وقولهم (شَاعِرٌ) أشد؛ لأن الشاعر غالب أمره يقول ما لَا يفعل.
قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ... (٦)﴾
معناه: أن العادة جارية في الأمة المحفوظة، أنا إذا أتيناها على يد الرسول ولم يؤمن به قومه، فإنا نعاجلهم بالعقوبة، وهؤلاء بحالهم كذلك [**لَا قالوا: سمعناهم لمرادهم]، [ما آمنوا*] فيكون ذلك سببا لإهلاكهم عاجلا.
стр. 1050
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا ... (٧)﴾
قال ابن عرفة: من شرط الرسالة نفي المانع منها ووجوب المقتضي لها.
قالوا: الكفار ادعوا وجود المانع من الرسالة، وهو وصف البشرية بقولهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)؟ فطلبوا إثبات المقتضي لها بقولهم: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) فرد عليهم في دعواهم وجود المانع؛ بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) إشارة إلى أن الرسل المتقدمة من البشر، فهم من جنسها.
قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ).
يؤخذ منه أن [التواتر*] يفيد العلم وإن استفيد من الكافر.
فإن قلتم: بخت نصر، قد استأصل اليهود وأهلكهم، قلنا: لم يستأصل جميعهم وبقى عامتهم وليس [التواتر*] مستفاد منهم فقط؛ بل منهم ومن النصارى، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وتركنا من قومهم كذلك؛ لأن الرسل قد أهلك من قومهم كثير، قال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) ويحتمل أن يراد بالإهلاك هنا الاستئصال، ولا شك أن هلاك الاستئصال خاص بالكفار ومن أهلك من المؤمنين فهلاكه غير مستأصل.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا ... (١٠)﴾
هداية عليهم في قولهم (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ).
قوله تعالى: (فِيهِ ذِكْرُكُمْ).
إما أن يراد فيه ذكر شرفكم، أو فيه تذكيركم المواعظ، أو يراد المعجزات.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ... (١٧)﴾
قال الزمخشري: لو أردنا اتخاذ اللهو اتخذناه من جهة قدرتنا لأني على كل شيء قدير.
وقيل: اللهو الولد بلغة [اليمن*]، وقيل: المرأة.
قال ابن عرفة: يحتمل أن يريد حقيقة المرأة، وحقيقة الزوجة المنكوحة، أو يراد ابن التبني والزوجة المعاشرة غير المنكوحة وهو الظاهر؛ لأن الولد مستحيل عقلا وما ينفي إلا ما هو [قابل لأن يكون*]، ويشترط أن يكون ابن التبني على قسمين:
стр. 1051
تارة يقصد به مجرد الرحمة له والشفقة عليه، وكذلك الزوجة [فهذا*] ممكن هنا عقلا فيصح دخول النفي الشرعي عليه.
وتارة بقصد التلذذ به وبالزوجة، فهذا محال هنا عقلا، فلا يصح نفيه إذ لَا فائدة فيه.
قال ابن عرفة: وهذا الأولى أنهم ذكروه لما قلناه: لكن هو المناسب بسبب نزول الآية، لأنهم ادعوا نسبة الولد والزوجة إلى الله تعالى بدليل قوله في الآية: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفونَ).
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يفسر هذه الآية بمعنى آخر وهو أن الإقبال على ما لا فائدة فيه، إن كان لقصد شغل البال به عن شيء آخر فهم [لهو*] وإلا فهو لعب، فأتت الآية [ترد على المعتزلة*]، في إيجابهم مراعاة الأصلح عقلا، فقال الله تعالى (لَو أَرَدْنَا أَن) نخلق شيئا لتحصيل منفعة أو لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا [مِنْ جِهَةِ قُدْرَتِنَا*] [بعيدا*] عما [يجلب*] المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها [وإننا لم نخلق شيئا عبثا*] بل [خلقنا*] كل نوع من النبات والحيوانات والجماد لمنفعة ومصلحة علمها من علمها وجعلها من جعلها فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح عقلا بهذه الشرطية وأسلم به سمعا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: [(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) *]، ولذلك لاتخذناه من لدنا في أنفسنا لاستغنينا عن جلب المصالح ودرء المفاسد.
فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)، وأنت لَا يجوز لك أن تقول: قم إن قمت، ولا تقول أو أردت القيام قم إن قمت،؛ لأن الشرط عين الجزاء فلا فائدة في الجزاء، قال: قلت: إن لازم الشرطية الأولى منفي فلذلك دخل عليه الشرط في الثانية.
قوله تعالى: ﴿فَيَدْمَغُهُ ... (١٨)﴾
هذا تشبيه أمر [معقول*] للمحسوس.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (١٩)﴾
стр. 1052
غلب فيه العاقل على غيره؛ أي إذا ملك العاقل فأحرى غيره، فيدخل فيه السماوات والأرض،؛ لأن ملك المظروف يستدعي ملك الظرف.
قوله تعالى: (لَا يَسْتَكبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ).
أي لَا يطلبون الاستكبار.
ابن عرفة: ومنهم من قال استفعل إذا لم يكن للطلب، فيكون للمبالغة أي لا يبالغون في التكبر، ولا في التحسر.
وأورده الزمخشري: كيف نفى الأبلغ دون ما تحته، وأجاب بأنه لو فرض هناك آخر فما كان إلا بعد الطلب.
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾
قيل لابن عرفة: استدل بعضهم بقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، فظاهره أن الملائكة يستقلون باللعنة ولا يسبحون، وأجيب باحتمال، وأجيب أيضا بأن تقول لعنهم يسبح.
وأجاب ابن عرفة ناقلا عن عز الدين ابن عبد السلام بأنه لَا مانع لاجتماع الأمرين على الخبر الواحد واحدا وهو جواب حسن.
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾
ابن عرفة: إما بمعنى جعلوا واتخذوا الله إبراهيم خليلا أو بمعنى سيروا.
قال: [(أَم) *] هنا منقطعة بمعنى بل، والإضراب بها انتقال؛ لأن فيها وله من في السماوات والأرض، وهذا لَا يصح إبطاله.
قوله تعالى: (هُمْ يُنْشِرُونَ).
النشور الإحياء، يقال: وأنشر الله الموتى ونشرها (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)، وقال تعالى (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
وقال الزمخشري: إن قلت: ما أفاد بقوله (هُمْ)، قلنا: أفاد الخصوصية؛ أي اتخذوا آلهة من الأرض [لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم*].
ورده ابن عرفة: بأن أم مقدرة بـ بل، والهمزة، فهو استفهام في معنى النفي فلا يصح جريانها على الفعل من البناء على المضمر للاختصاص،؛ [لأن نفى اتخاذهم آلهة
стр. 1053
[مختص*] بإحياء الموتى لَا يلزم منه نفي [اتخاذهم*] آلهة مشاركة لغيرها في إحياء الموتى*]، مع أنهم ادعوا المشاركة؛ [كقوله] تعالى: (مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالصواب حملها على ما أجاب به الزمخشري: في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ)، لما رآها مصادفة لمذهبه.
قال: إن الضمير لمطلق الربط؛ كقوله: هم يفرشون لك كل مضرة، وهذا أفاد كمال الملازمة كما يفرق بين قوله زيد ناطق زيد كاتب.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ... (٢٢)﴾
أي لو وجد فيهما آلهة غير الله، وليس المراد به الكون في السماء والأرض لئلا يلزم عليه كون الله في السماء، وإنما المراد الوجود كما قال الزمخشري في حديث سودة حين قال لها النبي ﷺ وعلى آله الطيبين وسلم: أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، فقال لربها: أعتقها فإنها مؤمنة.
قال: مرادها نفي الإلهية الأرضية التي هي الأصنام لَا إثبات السماء مكانا [لله *].
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، قيل لابن عرفة: كيف يستقيم أن يقال: وهم من [خوفه*] خائفون؛ لأن الإشفاق هو الخوف، وأجاب ابن عرفة: [بإن الإشفاق أخص*].
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ... (٣٠)﴾
قيل: فتقنا السماء بالماء والأرض بالنبات، وقيل: غير ذلك.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يراد بقوله (كَانَتَا رَتْقًا) أنهما كانتا جوهرا واحدا (فَفَتَقْنَاهُمَا)؛ بخلاف الأعراض، وهذا جار على مذهب أهل السنة في أن الجواهر كلها عندهم متساوية في الحد والحقيقة، وإنما تختلف بالأعراض.
وأورد الفخر: أن الرؤية [إما أن تكون بصرية أو علمية*]؛ لأن الكفار لم [يروا*] ذلك ولا علموه، وأجاب: بأنهم علموه من [التوراة*] والإنجيل.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ... (٣١)﴾
стр. 1054
قال ابن عرفة: فيها رد على الحكماء القائلين بأن الأرض في مركزها الطبيعي لما احتيج إلى إرساها بالجبال خوفا أن تميد بهم، إذ لَا تميد إلا إذا لم تكن في مركزها الطبيعي.
قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾
إن قلت: لم عبر بإن دون [إذا*] مع أن موته محقق؛ فأجاب بأن الملازمة غير محققة، وهي ملزومية موته لخلودهم.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... (٣٥)﴾
[إنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ*] بالقديم لقوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)، وقوله تعالى: (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) دليل على أن الموت أمر وجودي، وعلى أن النفوس باقية بعد الموت بإبقاء الله تعالى؛ لأنها إذا ذاقت الموت فهي ذائقة.
قال ابن عرفة: والعدم لَا يذوق موتا.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾
قال ابن عرفة: لم عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني بالاسم، وهلا قالوا: أتيت بحق أم أنت من اللاعبين، أو كان يقال: أجئتنا بالحق أم جئتنا باللعب، أم أنت من اللاعبين، الثاني: أنهم قصدوا تحقيق كونه من اللاعبين، وأنه أمر ثابت عندهم ولازم الإتيان بأنه بحق أمر مشكوك فيه عندهم غير ثابت.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا ... (٦٢)﴾
قال [ابن هشام المصري*]: هو محتمل [لإِرَادَة الِاسْتِفْهَام*] الحقيقي بأن يكون لم يعلموا أنه الفاعل [ولإرادة*] التَّقْرِير؛ [بأن*] يكونوا قد علموا، [ولا يكون استفهاما*] عن الفعل [وَلَا تقريرا بِهِ*]؛ لأن الهمزة [لَم تدخل عليه*]، ولأنه ﵇ قد أجابهم بالفاعل بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾
قيل: [(ما) *] نافية بالفعل، وهو علم تعلق، ويحتمل أن جملة النفي في موضع مفعول واحد [إن تَعَدَّتْ علم إلى واحد، وفي موضع مفعولين إن تَعَدَّتْ إلى اثنين*].
قال أبو حيان: ورد الأول بأنه إذا كانت تَعَدَّتْ إلى مفعول فخرجت عن علم الأفعال التي تعلق وصارت بمعنى صرف فلا تعلق.
стр. 1055
وأجاب ابن عرفة: بأن مراده بالتعلق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾
يؤخذ منها تجريح من شهد فيه أنه رجل سوء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾
فعاقبهم بالغرق، وقد كان الفقيه ابن إسحاق إبراهيم ابن عبد الرفيع جرح بها بعض في مرأى لما شهد فيه بذلك الفقيه عبد الله المراجلي.
قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ ... (٧٦)﴾
قال ابن عطية: ذكر القصص في القرآن إما تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم، وإما تخويف لقومه، وذلك بحسب الواقع.
قال بعضهم: [ولذلك لم تتكرر قصة*] يوسف ﵊؛ لأنها خارجة عن القسمين.
قال ابن عرفة: أو يقال: إن الأصل عدم التكرار؛ فهي واردة على الأصل ولشهرتها؛ فلذلك لم يتكرر بخلاف غيرها من القصص لأنها لم تشتهر كشهرتها والعامل في (وَنُوحًا) [مضمر تقديره اذْكُرْ أَيْ وَاذْكُرْ قصة نوح*]، أو [آتينا*] نوحا، ورده أبو حيان.
وأجاب ابن عرفة بأن هذا الإتيان خاص.
وكذلك [اذْكُرْ*] ورده بعض الطلبة؛ بأن آتينا الأول أعم، وليس فيه خصوصية عما تقدم، فيكف تكون هنا خاصة.
فأجاب ابن عرفة: بأنه لَا مانع بأن يكون تقولا بالتشكيك، فهو [خاص*] وأخص ونادى بالدعاء في قومه، فقال: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا).
قوله تعالى: (فَنَجَّيْنَاهُ)
تفسيرا لما وقعت به الإجابة.
فإن قلت: لم قال: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ... (٧٧) .. ، ولم يقل: ولم (وَنَصَرْنَاهُ) على القوم؟ قلت: أجيب بثلاثة أوجه:
следующие страницы →