تارة يقصد به مجرد الرحمة له والشفقة عليه، وكذلك الزوجة [فهذا*] ممكن هنا عقلا فيصح دخول النفي الشرعي عليه.
وتارة بقصد التلذذ به وبالزوجة، فهذا محال هنا عقلا، فلا يصح نفيه إذ لَا فائدة فيه.
قال ابن عرفة: وهذا الأولى أنهم ذكروه لما قلناه: لكن هو المناسب بسبب نزول الآية، لأنهم ادعوا نسبة الولد والزوجة إلى الله تعالى بدليل قوله في الآية: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفونَ).
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يفسر هذه الآية بمعنى آخر وهو أن الإقبال على ما لا فائدة فيه، إن كان لقصد شغل البال به عن شيء آخر فهم [لهو*] وإلا فهو لعب، فأتت الآية [ترد على المعتزلة*]، في إيجابهم مراعاة الأصلح عقلا، فقال الله تعالى (لَو أَرَدْنَا أَن) نخلق شيئا لتحصيل منفعة أو لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا [مِنْ جِهَةِ قُدْرَتِنَا*] [بعيدا*] عما [يجلب*] المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها [وإننا لم نخلق شيئا عبثا*] بل [خلقنا*] كل نوع من النبات والحيوانات والجماد لمنفعة ومصلحة علمها من علمها وجعلها من جعلها فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح عقلا بهذه الشرطية وأسلم به سمعا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: [(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) *]، ولذلك لاتخذناه من لدنا في أنفسنا لاستغنينا عن جلب المصالح ودرء المفاسد.
فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)، وأنت لَا يجوز لك أن تقول: قم إن قمت، ولا تقول أو أردت القيام قم إن قمت،؛ لأن الشرط عين الجزاء فلا فائدة في الجزاء، قال: قلت: إن لازم الشرطية الأولى منفي فلذلك دخل عليه الشرط في الثانية.
قوله تعالى: ﴿فَيَدْمَغُهُ ... (١٨)﴾
هذا تشبيه أمر [معقول*] للمحسوس.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (١٩)﴾
стр. 1052
غلب فيه العاقل على غيره؛ أي إذا ملك العاقل فأحرى غيره، فيدخل فيه السماوات والأرض،؛ لأن ملك المظروف يستدعي ملك الظرف.
قوله تعالى: (لَا يَسْتَكبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ).
أي لَا يطلبون الاستكبار.
ابن عرفة: ومنهم من قال استفعل إذا لم يكن للطلب، فيكون للمبالغة أي لا يبالغون في التكبر، ولا في التحسر.
وأورده الزمخشري: كيف نفى الأبلغ دون ما تحته، وأجاب بأنه لو فرض هناك آخر فما كان إلا بعد الطلب.
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾
قيل لابن عرفة: استدل بعضهم بقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، فظاهره أن الملائكة يستقلون باللعنة ولا يسبحون، وأجيب باحتمال، وأجيب أيضا بأن تقول لعنهم يسبح.
وأجاب ابن عرفة ناقلا عن عز الدين ابن عبد السلام بأنه لَا مانع لاجتماع الأمرين على الخبر الواحد واحدا وهو جواب حسن.
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾
ابن عرفة: إما بمعنى جعلوا واتخذوا الله إبراهيم خليلا أو بمعنى سيروا.
قال: [(أَم) *] هنا منقطعة بمعنى بل، والإضراب بها انتقال؛ لأن فيها وله من في السماوات والأرض، وهذا لَا يصح إبطاله.
قوله تعالى: (هُمْ يُنْشِرُونَ).
النشور الإحياء، يقال: وأنشر الله الموتى ونشرها (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)، وقال تعالى (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
وقال الزمخشري: إن قلت: ما أفاد بقوله (هُمْ)، قلنا: أفاد الخصوصية؛ أي اتخذوا آلهة من الأرض [لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم*].
ورده ابن عرفة: بأن أم مقدرة بـ بل، والهمزة، فهو استفهام في معنى النفي فلا يصح جريانها على الفعل من البناء على المضمر للاختصاص،؛ [لأن نفى اتخاذهم آلهة
стр. 1053
[مختص*] بإحياء الموتى لَا يلزم منه نفي [اتخاذهم*] آلهة مشاركة لغيرها في إحياء الموتى*]، مع أنهم ادعوا المشاركة؛ [كقوله] تعالى: (مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالصواب حملها على ما أجاب به الزمخشري: في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ)، لما رآها مصادفة لمذهبه.
قال: إن الضمير لمطلق الربط؛ كقوله: هم يفرشون لك كل مضرة، وهذا أفاد كمال الملازمة كما يفرق بين قوله زيد ناطق زيد كاتب.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ... (٢٢)﴾
أي لو وجد فيهما آلهة غير الله، وليس المراد به الكون في السماء والأرض لئلا يلزم عليه كون الله في السماء، وإنما المراد الوجود كما قال الزمخشري في حديث سودة حين قال لها النبي ﷺ وعلى آله الطيبين وسلم: أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، فقال لربها: أعتقها فإنها مؤمنة.
قال: مرادها نفي الإلهية الأرضية التي هي الأصنام لَا إثبات السماء مكانا [لله *].
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، قيل لابن عرفة: كيف يستقيم أن يقال: وهم من [خوفه*] خائفون؛ لأن الإشفاق هو الخوف، وأجاب ابن عرفة: [بإن الإشفاق أخص*].
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ... (٣٠)﴾
قيل: فتقنا السماء بالماء والأرض بالنبات، وقيل: غير ذلك.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يراد بقوله (كَانَتَا رَتْقًا) أنهما كانتا جوهرا واحدا (فَفَتَقْنَاهُمَا)؛ بخلاف الأعراض، وهذا جار على مذهب أهل السنة في أن الجواهر كلها عندهم متساوية في الحد والحقيقة، وإنما تختلف بالأعراض.
وأورد الفخر: أن الرؤية [إما أن تكون بصرية أو علمية*]؛ لأن الكفار لم [يروا*] ذلك ولا علموه، وأجاب: بأنهم علموه من [التوراة*] والإنجيل.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ... (٣١)﴾
стр. 1054
قال ابن عرفة: فيها رد على الحكماء القائلين بأن الأرض في مركزها الطبيعي لما احتيج إلى إرساها بالجبال خوفا أن تميد بهم، إذ لَا تميد إلا إذا لم تكن في مركزها الطبيعي.
قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾
إن قلت: لم عبر بإن دون [إذا*] مع أن موته محقق؛ فأجاب بأن الملازمة غير محققة، وهي ملزومية موته لخلودهم.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... (٣٥)﴾
[إنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ*] بالقديم لقوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)، وقوله تعالى: (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) دليل على أن الموت أمر وجودي، وعلى أن النفوس باقية بعد الموت بإبقاء الله تعالى؛ لأنها إذا ذاقت الموت فهي ذائقة.
قال ابن عرفة: والعدم لَا يذوق موتا.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾
قال ابن عرفة: لم عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني بالاسم، وهلا قالوا: أتيت بحق أم أنت من اللاعبين، أو كان يقال: أجئتنا بالحق أم جئتنا باللعب، أم أنت من اللاعبين، الثاني: أنهم قصدوا تحقيق كونه من اللاعبين، وأنه أمر ثابت عندهم ولازم الإتيان بأنه بحق أمر مشكوك فيه عندهم غير ثابت.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا ... (٦٢)﴾
قال [ابن هشام المصري*]: هو محتمل [لإِرَادَة الِاسْتِفْهَام*] الحقيقي بأن يكون لم يعلموا أنه الفاعل [ولإرادة*] التَّقْرِير؛ [بأن*] يكونوا قد علموا، [ولا يكون استفهاما*] عن الفعل [وَلَا تقريرا بِهِ*]؛ لأن الهمزة [لَم تدخل عليه*]، ولأنه ﵇ قد أجابهم بالفاعل بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾
قيل: [(ما) *] نافية بالفعل، وهو علم تعلق، ويحتمل أن جملة النفي في موضع مفعول واحد [إن تَعَدَّتْ علم إلى واحد، وفي موضع مفعولين إن تَعَدَّتْ إلى اثنين*].
قال أبو حيان: ورد الأول بأنه إذا كانت تَعَدَّتْ إلى مفعول فخرجت عن علم الأفعال التي تعلق وصارت بمعنى صرف فلا تعلق.
стр. 1055
وأجاب ابن عرفة: بأن مراده بالتعلق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾
يؤخذ منها تجريح من شهد فيه أنه رجل سوء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾
فعاقبهم بالغرق، وقد كان الفقيه ابن إسحاق إبراهيم ابن عبد الرفيع جرح بها بعض في مرأى لما شهد فيه بذلك الفقيه عبد الله المراجلي.
قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ ... (٧٦)﴾
قال ابن عطية: ذكر القصص في القرآن إما تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم، وإما تخويف لقومه، وذلك بحسب الواقع.
قال بعضهم: [ولذلك لم تتكرر قصة*] يوسف ﵊؛ لأنها خارجة عن القسمين.
قال ابن عرفة: أو يقال: إن الأصل عدم التكرار؛ فهي واردة على الأصل ولشهرتها؛ فلذلك لم يتكرر بخلاف غيرها من القصص لأنها لم تشتهر كشهرتها والعامل في (وَنُوحًا) [مضمر تقديره اذْكُرْ أَيْ وَاذْكُرْ قصة نوح*]، أو [آتينا*] نوحا، ورده أبو حيان.
وأجاب ابن عرفة بأن هذا الإتيان خاص.
وكذلك [اذْكُرْ*] ورده بعض الطلبة؛ بأن آتينا الأول أعم، وليس فيه خصوصية عما تقدم، فيكف تكون هنا خاصة.
فأجاب ابن عرفة: بأنه لَا مانع بأن يكون تقولا بالتشكيك، فهو [خاص*] وأخص ونادى بالدعاء في قومه، فقال: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا).
قوله تعالى: (فَنَجَّيْنَاهُ)
تفسيرا لما وقعت به الإجابة.
فإن قلت: لم قال: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ... (٧٧) .. ، ولم يقل: ولم (وَنَصَرْنَاهُ) على القوم؟ قلت: أجيب بثلاثة أوجه:
стр. 1056
الأول: لابن عطية: نحن نصرناه يعني خلصناه وعصمناه؛ لأن هذا الأمر ليس من سببه ولا له تكسب بوجه ولا قدرة على [إغراقهم*]؛ بل لَا قدرة له على تخليص نفسه منهم.
ورده السفاقسي بأن هذا مرادف له.
قال ابن عرفة: هذا لَا يليق به؛ أي لَا يضمن الفعل إلا معنى فعل غير مرادف له في المعنى.
الجواب الثاني: قال الزمخشري: نصر مطاوع النصر، وسمعت هذليا يدعو على سارق يقول: اللهم انصره منه، أين تقديره عدى بمن كما عدى انتصر بها.
ابن عرفة: ويراد بأنه لَا يلزم من تعدي فعل بحرف تعدي فعل بحرف تعدي غيره به، والصواب تقديره بأن فعل المطاوعة لازم للفعل الذي جعل مطاوعا له، فانتصر لازم لنصر، وما عرض للازم فهو عارض [لملزومه*]، واستدلال الزمخشري بما سمعه وتركه الاستدلال بالقرآن ضعيف بجواز كون الهذلي ممن لَا يوثق بعربيته، ولفظ القرآن أوثق من شعر الآحاد، وهو في القرآن كذلك [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ*].
قلت: وقال ابن عرفة: كلام الزمخشري مردود بوجهين:
الأول: أن كلام الله [لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ*] [لا إشكال فيه كما في الآية*].
الثاني: أنه ترك الاحتجاج بالقرآن، وهو قوله تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُم)، قال: تقدير كلامه أنه يقول: نصر مطاوعه أن يتعدى بـ على ومن، فكذلك يتعدى [إذ كل ما لزم الأعم لزم الأخص*].
ورده بعض الطلبة بأن نصر يتعدى بنفسه، والنصر قاصر، فبطل قولهم كل ما لزم المطاوع لزم مطاوعه.
وأجاب ابن عرفة بأن عدم التعدي أمر عادي، وكل ما انتفى عن الأعم لَا يلزم أن ينتفي عن الأخص، إنما اللزوم بينهما في الثبوت لَا في العدم.
قال: وكان بعضهم يقدر كلام الزمخشري بأن الأعم الأغلب في نصر، إنما يرد فيمن عاقب من ناوأه من غير أن يتقدم له عليه ذنب يستحق به العقوبة، قال تعالى (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ).
قال: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) وقد وقعت هنا نصر فدل بمعنى أنها انتصر فهذا الذي حمل الزمخشري على ذلك الجواب.
стр. 1057
قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ).
[**نصرا على أنه إذا خرج باللفظ عمل عليه مثل هو أذن، وشارب خمر وقاطع طريق، وإذا خرج بلفظ منهم مثل شرير ونحوه، فلا شيء فيه إذ فعله شرير في استخلاص حقه، وإن قال: هو رجل سوء، فإن كان القائل عدلا فقيها لم يستفسر ولا استفسر على أن فيه خلافا].
قوله تعالى: (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ).
قال ابن مالك: أكثر ما يقع أجمعين تابعا لغيرها عن ألفاظ التوكيد.
ورده السفاقسي بهذه الآية؛ مع أن ابن مالك لم يقل: أنها لم تقع إلا معها؛ بل قال إنه الأكثر فيها، ويحتمل أن يكون أجمعين هنا حالا، فلا يكون بينهما دليلا عليه.
وقوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ... (٧٨)
الثانية بدل من الأولى بدل اشتمال.
ابن عرفة: قال بعضهم: إذ يحكمان في شأن الحرث إذ نفشت.
قال ابن الحاجب: [المسألة التي لَا قاطع فيها*].
قال القاضي الباقلاني: [كل مجتهد فيها مصيب*]، وحكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهد.
وقيل: [الْمُصِيبُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ*]، فقيل: إن لله تعالى في كل قضية حكما دليلا عليه، فإذا صادف المكلف كان [كَدَفِينٍ يُصَابُ*].
وقال الأستاذ أبو بكر ابن فورك، وأبو إسحاق الإسفراييني: دليله ظني لمن ظفر به فهو [المصيب*].
وقال الليثي والأصم: دليله قطعي والمخطئ آثم ونقل عن الأئمة الأربعة التصويب والتخطئة، فإن كان فيها قاطع فقصر فهو [مخطئ آثم*]، وإن لم يقصر، فالمختار أنه مخطئ غير آثم.
ثم قال ابن عرفة: وعادتهم يستشكلون القول بأن لله تعالى في القضية حكما لا دليل عليه، وهو كدفين، قالوا: لأنه يلزم عليه أن يكون بعض أحكام الشريعة لَا دليل عليه وهذا باطل، فأجاب بعض الطلبة بأن المراد لَا دليل على تصوره وتصويبه.
стр. 1058
وقال بعضهم: القول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي ثبوته إلى نفيه؛ لأنه يقول: من قال المصيب واحد؛ لأن هذا القائل من [جملة مجتهدين*] فهو مصيب، وأجيب: بأن ذلك في الأصول والعقليات والعقول بأن كل واحد مجتهد مصيب إنما هو في الفروع والأحكام الشرعية.
قال ابن عطية: ذهبت فرقة إلى أن المصيب في العقليات واحد والحق في طرف واحد فمن صادفه وأصابه [فله أجران*] ومن لم يصادفه فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في عدم الإصابة، وله أجر واحد وهو [غير معذور*].
قلت: واستشكله ابن عرفة؛ لأن قوله [غير معذور*] يقتضي أن عليه الخروج، فكيف يقول الإثم عليه؟ وأجيب: بأن مراده بعدم عذره أن يسميه مخطئا؛ لأنه يثبت عليه الخروج.
قال ابن عطية: ويؤخذ من قوله ﷺ وعلى آله وسلم: "كل مجتهد مصيب" العالم [يجتهد*] فيخالف نصا؛ كقول سعيد بن المسيب في المطلقة ثلاثا: أنها تحل لزوجها بمجرد عقد الثاني عليها النكاح وطلاقه إياها.
ابن عرفة: حقه أن يفرق بين أن يقصر النظر أو لَا؛ كما تقدم لابن الحاجب.
فإن قلت: ابن المسيب لم يقصر النظر، فكيف حكم بالحيلة؟ قوله ﷺ وعلى آله وسلم: "لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ": فالجواب: أن ابن المسيب قصر في طلب الحديث: فلو بحث عنه [لعثر عليه*]؛ لأنه قصر في النظر فيه، لأنه نص [جلي*]، قال ابن عطية: وداود وسليمان ﵉ توصلا إلى ذلك إما بوحي، أو اجتهاد منهما.
ابن عرفة: أو أحدهما بوحي والآخر باجتهاد، ومن هو الموحى إليه منهما فجاءت القسمة رباعية، ويدل على أنه باجتهاد.
قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ).
[قال الفخر: الإدراك والعلم والشعور*]، والفهم بمعنى واحد.
وكان بعضهم يرد عليه ويقول: الفهم يقتضي النظر والبحث، فدل قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، على أنه تروى في القضية ونظر واجتهد.
قوله تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)
стр. 1059
قال ابن عطية والزمخشري: إنما جمع الضمير؛ لأن المراد الحاكم والمحكوم عليه لهما، واحتج بها ابن التلمساني على أن أقل الجمع ثلاثة، وأجاب: عن إرادة الجمع بأن يلزم عليه أن يكون موضع الضمير [رفعا ونصبا*] في حالة واحدة وهو باطل.
وأجاب بعضهم بأن الممتنع من ذلك إنما هو الأمور اللفظية الواقعة، وأما الأمور التقديرية فلا يمتنع أن يكون الموضع على تقدير نصبا ورفعا على تقدير، ولم يأخذ مالك بحكم أحد منهما.
قال ابن عطية: (وَدَاوُدَ) معطوف على [وآتينا*] ورده بعض الطلبة بلزوم التكرار* لأن قوله تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) يعني معه، وأجيب: بأنه عطفهم عليه ينفي عنهما النقص المتوهم في الحكومة في هذه القضية، وأفاد قوله تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) حصول ذلك لهما بالإطلاق في كل قضية.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ... (٨٠)﴾
قال ابن عرفة: اختلالفوا هل يستثنى الله من هذه الأفعال اسم أم لَا؟ كقوله تعالى: (الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَمِ)، فمنهم من أجازه فيما ليس فيه إيهام ومنعه في الموهم، فلذلك يقول الحكام: العلم الأولى يصفونه بالأول؛ لأنه موهم واختلفوا هل يطلق على هذه الصنائع المختصة بشيء دون آخر كالخياطة والتجارة علم أو لَا؟ وكذلك المنطق والنحو اختلفوا هل هو علم أو صناعة؟
قوله تعالى: (مِنْ بَأْسِكُمْ).
يحتمل الإضافة للفاعل والمفعول.
وكان بعضهم يقول: إن أريد التأثير أثر الضرب والطعن والإضافة للمفعول، لأنها أخص من ذلك.
قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ).
عبر بالاستفهام دون صريح اللفظ بالشكر؛ لأنه أبلغ والمخاطب لَا يهتم إلا بالموافقة [بخلاف*] الأمر بالشكر؛ لأنه قد يمتثله فيخالف، ويحتمل أن يريد (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) داود وشاكرون الله تعالى، فيؤخذ منه أن [شكر النعمة*] يستلزم شكر من تسبب فيها، فأنعم بها عليك*].
قوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ ... (٨٢)﴾
стр. 1060
مع أنك إذا قلت: فلان يحمل الصخرة ويحمل الرطل لم يكن له فائدة،؛ لأنه إذا حمل الثقيل فأحرى أن يحمل ما دونه، وأجيب بأن المراد ويعملون عملا [غيره*] (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)، ويكون المراد أنهم نوعان: نوع يغوص، ونوع يعمل عملا آخر.
فرده ابن عرفة: بأن ذلك بعيد من لفظ دون، قال: والجواب الآخر يحتاج إلى إضمار.
قال: وإنما عادتهم يجيبون بأنه إن جعلنا اللفظ باعتبار القوة والقدرة فهو تكرار كما قلتم، وإن جعلناه باعتبار الامتثال والطاعة فهو تأسيس، لأن من يطيعك في حمل الثقيل قد تأنف نفسه عن طاعتك في حمل الخفيف لكونه يستحقره؛ كقولك: يتآزر الجيش العظيم [ويجعل*] للسلطان فعله إذا جلس، فهذا ليس بتأكيد، وإنما هو تأسيس لهذا الاعتبار.
قوله تعالى: (لَهُمْ حَافِظِينَ).
هذا احتراس، أي حالهم مستعدين في أمورهم لئلا يأتون على غير الوجه المراد منها، فهو إشارة إلى أن جميع الأشياء بخلق الله وقدرته.
قوله تعالى: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ ... (٨٣)﴾
ولم يقل: لحقني أو أصابني مع أن المس أخف، وقد طال زمن، فمر هذا إشارة إلى أن هذا بالنسبة إلى غيره كالمبدأ، وهذا على جهة التلطف منه في الدعاء، ولذلك لم يقل فارحمني.
قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ... (٨٤)﴾
هذا العطف على جهة الترقي؛ لأن كشف الضر أمر حاجي ضروري، إذ هو من دفع المؤلم، فآتيناه الأهل والمال أمر تكميلي،؛ لأن من جلب الملائم فأعطاه الأمر التكميلي بعد الأمر الحاجي أقوى وأبلغ، قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في سورة ص (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) فذكر السبب في كشف الضر هنا، لم يذكر له سببا، وقال تعالى هناك [(رَحْمَةً مِنَّا) *]، وقال هنا (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)، وقال هناك (وَذِكرَى لأُولِي
стр. 1061
الأَلْبَاب)، وقال هنا (وَذِكرَى لِلْعَابِدِينَ)، فأجاب بأنه أسند الفعلَ هناك للشيطان، قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) أشعر أن وقوعه به كان سببا، أن يقرن رفعه بسبب وهنا لم يذكر لنزوله به سببا فلم يقرن رفعه بسبب، وإن كانت القضية واحدة لكن هذا في الحكاية عنها، وقال هنا (ذِكرَى لِلْعَابِدِينَ)، لأنهم أعلى درجة من أولي الألباب،؛ لأن أولي الألباب إن تذكروا صاروا من العابدين، وإن لم يتذكروا لم يكونوا من العابدين.
قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ ... (٨٥)﴾
قال ابن عطية: إسماعيل أبو العرب المعروفين اليوم.
قال ابن عرفة: يريد أن أبوته للعرب لم تنقطع، لأنه أب لهؤلاء بأعيانهم.
قال: وترتب المعطوفات ليس بصواب باعتبار التقدم الزماني، وإنَّمَا هو باعتبار علو المنزلة والقدر أو باعتبار الشهوة وعدمها.
قوله تعالى: (وَذَا الكِفْلِ).
قال الزمخشري: قيل: خمسة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [ذوو اسمين إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد*].
ابن عرفة: لَا يريد أنهما اسمان علمان؛ لأن النحويين حكوا عن الفارسي: أنه منع تسمية الشخص الواحد باسمين علمين، وأجازه غيره، قال: والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اسمه الحقيقي محمد، وأما أحمد فمشتق من الحمد،؛ لأنه الفعل، فإن قلت: منعه من الصرف ووزن الفعل والعلمية، قلت: له اسمان باعتبار ملتين، واسمه أحمد في التوراة، ومحمد في ملتنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾
مع أن النبوة أعلى درجة من الصلاح، ولكن صلاح كل شيء بحسبه، فصلاح الأنبياء أكمل من صلاح غيرهم.
قوله تعالى: (وَذَا النونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا).
قال ابن عرفة: وكان بعض القراء يقول في قول الشاطبي في سورة الفرقان: [وَيَأْكُلُ مِنْهَا النُّونُ شَاعَ وَجَزْمُنَا ... وَيَجْعَلْ بِرَفْعٍ دَلَّ صَافِيهِ كُمَّلَا*] إشارة إلى ما ورد في الحديث: "يكون أول طعامهم زيادة كبد الحوت" وهو حديث شائع ذائع، وليس هو
стр. 1062
قصد الشاطبي؛ لأنه معنى حسي، وإنما قصد الشاطبي التنبيه على قراءة قوله: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ)، قلت: إنما يجيء هذا على قضية النون لَا على رفعها.
قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى ... (٨٧)﴾
قال الزمخشري: وعن ابن عباس، أن معاوية قال له: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. قال: وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية وقال: أو يظن نبىّ الله أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة.
قال ابن عرفة: أي من الإرادة، أي يظن أن لن نريد عقوبته.
قال ابن عرفة: وتحمل الآية على ظاهرها؛ لأن إمام الحرمين ذكر في الشامل خلافا هل تتعلق القدرة بنقيض الواقع أم لَا، فذهب أهل السنة المنع، والمعتزلة أجازوه، فنحن الآن جلوس هنا فهل يصح أن يقال: غير قادر على أن يوجدنا في هذا الزمان نفسه في موضع آخر أم لَا؟ أهل السنة منعوا ذلك، والمعتزلة أجازوا إطلاق ذلك، والواقع في الوجود معلوم، والمستقبل مظنون، فإذا كنت ظانا أنك تقوم كدا، وغلب ذلك على ظنك فتقول هذا مذهب المعتزلة أن الله غير قادر على جلوسي غدا، فكذلك يونس ﵇، تعلق ظنه لشيء، فظن أن القدرة على نقيضه منفية.
قوله تعالى: (فَنَادَى).
ولم يقل: قال إشارة إلى رفع صوته بذلك، أو إشارة إلى النداء تنبيه من أراد إقباله عليك.
قوله تعالى: (فِي الظُّلُمَاتِ).
دليل على الظلمات أمر وجودي، وجمع الظلمات بناء على أن العرض لَا يبقى زمانين، أو لكون النداء المدة بعد المرة، فكل نداء في الظلمات، أو بناء على الظروف لا بد أن تكون أوسع من الظرف، وفيه دليل على أن الظروف في الظروف في الشيء مظروف في ذلك الشيء؛ لأن يونس نادى في بطن الحوت، والحوت في بطن حوت آخر أكبر منه والحوت الكبير في البحر.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
стр. 1063
ولم يقل: وكذلك ننجي المسبحين، كما قال: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ) مراعاة لأول القصة في التسبيح، وأَول القصة (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) فمن حصل له هذه الكلمة نجا، وإن لم يكن مسبحا.
قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ... (٩٣)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: ما أفاد قوله (بَيْنَهُمْ)؟ فكانوا يجيبون بأن مادة التقسيم تفيد الانقسام بين الشخصين، فلو قال: تقسموا أمرهم لأفاد أن كل واحد منهم أخذ منه قسما بخلاف قوله: تقطعوا لحمهم، أو أمرهم بأنه يحتمل؛ لأن يكون تقطعوه وأخذ بعضهم بعضه، والبعض الآخر أخذه أجنبي، أو أخذ كله بعضهم، فلو قال: بينهم أفاد قسمة بين المتقطعين أنفسهم.
قوله تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ).
التنوين عوض عن ضمير مضاف أو مجرور، فإنه قدر مضافا كان كلا، وإن قدر مجرورا؛ فإن كلية أي كل منه وهو أولى لإفادته تعلق علم الله بالجزئيات، وفي الآية الوعد [للطائع والوعيد للعاصي*].
وقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... (٩٤)
الآية حجة لأهل السنة في أن الإيمان هو مجرد التصديق، وأنه غير العمل الصالح، ولو كان هو نفس العمل لكان قوله (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) تأكيدا، وأجاب بعض الطلبة: بأنهم يقولون إن الإيمان هو الأعمال الصالحة الواجبة، والآية تناولت مطلق الأعمال واجبها ومندوبها.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ... (٩٦)﴾
ذكر ابن عرفة: ما قال المفسرون [وذكر*] عن بعضهم أن حتى غاية.
كقوله تعالى: (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ).
لما ورد من أن الشمس إذا طلعت من مغربها يغلق باب التوبة ولا يقع بعدها عمل صالح، فلا يكتب الأعمال الصالحة، وإنما يكتب السيئة مع أن يأجوج ومأجوج مقارب أو مقارن طلوع الشمس من مغربها.
وزاد أنه وقف بعض النحويين، وهو ابن خروف: على أن الغاية إنما هي لازمة بحتى الجارة فقط، فإن قلت: لم هنا فتحت، وقال في الكهف: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)، الفتحة أخف من الدك، بأن
стр. 1064
الفتح يصدق بأن يفتح فيه باب واحد، والدك يقتضي فتح جميعه، وانظر حديث حذيفة، حيث قال أحمد في [الفتنة: "وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ عُمَرُ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"*]: ذلك أحرى أن لَا يغلق أبدا، فالجواب: أنه اعتبر في ذلك حال السد نفسه لخروجها في سياق القوة، والشدة؛ لقوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ)، الآية وفي الآية اعتبر حال المسدود عليه.
فإن قلت: فما هو الواقع، قلت: يفتح أولا ثم يجعل ذلك دكا، والدك إما بهدمه كله أو بنزوله في الأرض وغيبته فيها حتى لَا يظهر منه شيء على وجهها، فلا يحتاج إلى ما أجاب به الفخر قال: [كيف صح هدمه وهو من حديد وأفراغ*]، وأجاب بأن الله يلينه لهم فلا يقدرون على هدمه.
قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ).
الضمير عائد على بني آدم في خروجهم من القبور لتوافق قراءة [جدث*]، وهو القبر لقراءة الحرف [حدب*]، ولا يتناقض الحديث الوارد، بأن يأجوج ومأجوج لَا يطلعون إلى أعالي الجبال حيث يكون عيسى ومن معه.
قال ابن عطية: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: ["يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا"*].
قال ابن عرفة: الحديث صحيح خرجه البخاري ومسلم، إلا أنه مشكل من كل ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون، فيكون الرجل الواحد عُشر عشر العشر فهو مخالف لقوله: إن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل.
قال ابن عرفة: وهذا الحديث مقتضي أن يأجوج ومأجوج بلغتهم الدعوة، إما دعوة النبي ﷺ ، أو دعوة من قبله من الأنبياء لقوله (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ... (٩٧)﴾
فإن قلت: فهلا قيل: [(يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) *]، أو يقولون قد كنا في غفلة بل كنا في ظلم؟ فالجواب: أن الغفلة سبب في الظلم وإضافة
стр. 1065
الحكم إلى السبب أقوى من إضافته إلى مسببه، فلذلك جعلهم مظلومين في الغفلة، وإنما أحاطت بهم حتى كانت سببا في ظلمهم.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ... (٩٩)﴾
قال ابن عرفة: الإشارة إليهم بلفظ القريب تحقيرا لهم؛ كقوله تعالى: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ)، قال بعضهم وفيها رد على النحويين في قولهم: إن لو يمنع الورود لامتناع كونهم آلهة، والتقدير هنا لكنهم [واردوها*]، فليسوا بآلهة.
قوله تعالى: (وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ).
أخص من الورود؛ لأن الخلود ورود [وزيادة*].
وأورد ابن عرفة: تشكيكا، ولم يجب عنه، قال: هذا إما خطاب للمؤمنين أو للمشركين، وعلى التقديرين فلا فائدة فيه، المؤمنون مقرون بأنهم واردوها فلا حاجة إلى الاستدلال عليهم والمشركون مكذبون بورودهم النار، فلا فائدة في هذا الدليل، وأجيب: بوجهين:
الأول: قال ابن عرفة: الخطاب للمشركين في الدنيا، والدليل يفيد بصحيحه إلى المعجزة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جميع ما جاء به، ومن جملة ما أخبر به أن آلهتهم تدخل النار، فلو كانت آلهة ما أدخلوها، وهو قد علم صادقا لم يجربوا عليه كذبا [فيصدقونه*] في ذلك.
القول الثاني: قال ابن عبد السلام: هذا للكافرين في الدار الآخرة حين عاينوهم في النار.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ... (١٠٠)﴾
صوت المعذب وهو كنهيق الحمير، أو [شبهه*]، إلا أنه من المصدر.
قال ابن عرفة: هذا غير صحيح بدليل قوله تعالى: في صفة جهنم (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) فلو كان الزفير صوت المعذب لما وصفت به جهنم لأنها يعذب بها،
стр. 1066
ولا تعذب هي بحال والصحيح ما قاله ابن سيده في المحكم والجوهري في الصحاح: الزفير، إخراج الصوت من الصدر يمد فيه.
قوله تعالى: (وَهُم فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ).
قيل: لَا يسمعون خيرا، وقيل: لَا يسمعون شيئا من أصل.
ابن عطية قيل: يجمعون في توابيت حتى لَا يسمعون شيئا.
ابن عرفة: اختلفوا في أصول الدين في السماع هل هو بقوة يخرج من صوت المتكلم يقرع آذان السامع أو بغير ذلك، وتقدم إبطال الأول بسماعنا الصوت من خلف حائط كثيف دون من يسمعه من هو دون الحائط مما يجيء هذا إلا على قول من زعم أن السماع بالهوى الذي يقرع السمع، فلذلك جعلوا في توابيت.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ... (١٠٤)﴾
قال ابن عرفة: اليوم يحتمل أن يراد به [الدهر*] والقطعة من الزمان، ويوم القيامة الذي مقداره [خمسين ألف سنة*]، وهو الظاهر، والطي هو جعل السطح المستوي الأجزاء مثنيا بعضه على بعض، والسجل إما اسم رجل وإما الكتاب، وإما المراد به ما يفعله أهل المشرق من أنهم يكتبون ويطوون. السماء: المراد بها الجنس، قال تعالى (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
قوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ).
يحتمل أن يريد به آدم ﵇، وحده أو ذريته أو كل شيء كما بدأناه نعيده، فيكون ردا على الحكماء القائلين بعدم الإعادة، وأنها [إيجاد*] بعد عدم لَا جمع بعد تفريق.
قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾
في هذه الأمور ثلاثة أمور: [التهييج بالاتصاف بالصلاح*]، وتشريف الصالحين، وتوبيخ من لم يعمل بعملهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾
إن هذا الأمر مبلغا لدرجة القوم العابدين، وإما قال: (عَابِدِينَ)، ولم يقل: صالحين، إشارة إلى وصف الصلاح إنما يحصل لمن اتصف بالعبادة والزيادة على الواجب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾
стр. 1067
قال أبو حيان: رحمة إما مفعول من أجله، أو حال.
ابن عرفة: فعلى الأول تكون الرحمة من فعل الله تعالى، وما أرسلناك إلا لنرحم بك [العالمين*]، وعلى أنه حال الرحمة من صفته، وما أرسلناك إلا لترحم المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾
إن قلت: عبر في الجهر بالاسم وفي العلم بالفعل .. ؛ لأن الكتم فعل قلبي وخواطر القلب كثيرة التجدد والاختلاف، والجهر أمر ظاهر، والأمور الظاهرة أقرب إلى الثبوت والتفرد، لأن الإنسان ما يظهر إلا ما يثبت عليه.
فإن قلت: الجهر مسموع، هلا قيل: يسمع الجهر من القول؟ فالجواب: أنه إشارة إلى علمه به قبل وقوعه، ولو قيل: يسمع [لا يتناول إلا ما وقع*].
* * *
стр. 1068
سُورَةُ الْحَجِّ
قال ابن عرفة: حكى الزمخشري، وابن عطية السورة: هل هي مكية أو مدنية؟ سبعة أقوال.
قال ابن عطية: وروي عن أنس أن أول السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم فنادى بها النَّاس واستمع النَّاس إليه، فقال: " [أتدرون أي يوم هذا؟» فبهتوا، فقال: «يوم يقول الله يا آدم أخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال: فاغتم الناس فقال رسول الله ﷺ «أبشروا فمنكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل*] ".
قال ابن عرفة: في فهم هذا الحديث إشكال، فإن أوله مناقض لآخره، والصواب أن تقول: منكم رجل [ومن*] يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون رجلا، فلا بد من تأويله.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾
قال ابن عرفة: تقدر لنا أن عرف القرآن فيما اشتمل على أمر اعتقادي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ومن اشتمل على أمر فرعي أن يفتح (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ووقع في البقرة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)، وفي النساء (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)، لكن الأمر المعنوي أبلغ؛ لأنهم إذا أمروا واتقوا مع استحضار مقام الرأفة والرحمة فأحرى مع استحضار العظمة والجلال.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ).
فإن بعضهم يقول: هذا من الأمر المطلق المعني مثل [**حرص الثاني في رصد الجند]، [وقوله (زَلْزَلَةَ) *].
قالوا: وهي إما مضافة للفاعل؛ أي أن تزلزل الساعة النَّاس، أو الأرض. (شيء عظيم)، أو للمفعول: أي أن تزلزل الساعة النَّاس في نفسها، واتسع في الظرف، كما قيل: تمر عليه بزمان، والعظم إما في الكمية مثل رجل عظيم، أو في الكيفية مثل الأمر العظيم، فإن أريد بالزلزلة الحركة، وهي معنى من المعاني فالعظم في الكيفية، وإن أريد الذات احتمل الأمرين.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ... (٢)﴾
стр. 1069
جمع الفاعل هنا ثم قال: (وَتَرَى النَّاسَ) فأفرده.
فأجاب الزمخشري: أن المرأي هناك الزلزلة وكل أحد يراها، والمرئي وكل أحد يرى غيره ولا يرى نفسه.
قال ابن عرفة: وأجاب بعضهم: بأن الأولى ليس فيها ما يمنع من إسناد الفعل إلى الجميع، والثانية فيها المانع، وهو وصف السكر؛ لأن السكران لَا يرى شيئا.
قال ابن عرفة: وفي الآية [الطباق*]، وهو تارة يكون بين الشيء [وضده*] كقوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا)، كقول الشاعر:
[لَا تَعْجَبي يَا سَلْمُ من رَجُلٍ ... ضَحِكَ المَشِيبُ برأسِهِ فَبَكىَ*]
ابن عرفة: وتارة يكون بين [النفي والإثبات*]، كقوله:
[يُقَيِّضُ لِي مِنْ حيْثُ لا أَعْلَمُ النوى ... ويَسرى إِليَّ الشَّوق مِنْ حيْثُ أَعْلمُ*]
أنشدهما ابن مالك في المصباح، ومنه قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ومنه هذه الآية، وذكر ابن الحاجب أن من تحقيق المجاز من جهة نفيه وهذه الآية منه؛ لأن قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) دليل على [سكرهم*] مجازا.
قال ابن عرفة: وفي الآية سؤال، وهو أنه قال تعالى في الأولى (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ)، وفي الثانية: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ) فهلا قال: يوم تذهل كل ذات رضاع، أو يقال: [وتضع*] كل حامل وكل مرضعة؟ قال: وعادتهم يجيبون بأن ذو تفيد مبادئ الشيء وأوائله، فلو قيل: أو تضع كل حامل [لتناول الحمل اللفظ المحقق*] ووضعه أسرع وأقرب من وضع العلقة والمضغة، فلما قال: (كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ) أفاد وضع العلقة أو المضغة، فهو أصعب من وضع ما فوقها،؛ لأن الذي فوقه من باب أحرى.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ).
احتراس؛ لأن الآيتين متناقضتان فأفاد أن [سكرتهم باعتبار ما نالهم من العذاب فوجوده لوجود العذاب*]، ونفيه باعتبار ذاته.
стр. 1070
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ ... (٣)﴾
قال ابن عرفة: الحجة: هي إقامة الدليل على الدعوى.
والمعارضة: هي إتيان الخصم بدليل يدل على خلاف دعوى المدعي، والقدح وهو إبدال دليل المدعي.
والمجادلة: [**تعرف بالمعارف المقلة سأل فجوابه].
قال ابن عرفة: [والحجة*] لفظة أعجمية كان بعضهم يقول: أظنها القوة والشدة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ... (٥)﴾
قال ابن عرفة: فإن بعضهم يقول: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أخص من أنتم لوجهين:
أحدهما: إن كنتم في ريب يقتضي إحاطة الريب فيهم من جميع جهاتهم لأجل حلولهم فيه يقتضي اللفظة.
وفي الثاني: أن لفظة كان يقتضي كونهم فيه، والكون ملازم للإنسان ولا بدل عنه بخلاف الريبة، وعبر بإن؛ لأن المراد في الريب مكانه غير واضح، وأطلق الريب هنا على معناه اللغوي، وهو مطلق الاحتمال، فيتناول الظن والشك والوهم، باعتبار المعنى ومن كان مصمما على عدم البعث فهو قائل لأن يكون شاكا فيه فيدخل في الآية، وجواب الشرط مقدر (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) فانظروا وتأملوا فإنا خلقناكم، والمراد أنا خلقنا أصلكم من تراب، أو كما قال الفخر: ابن آدم يتغذى بالنبات، والنبات من التراب.
قوله تعالى: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ).
قال ابن عطية: العلقة هي الدم [العبيط*].
ورده ابن عرفة:؛ لأن الفقهاء فرقوا بينها، وبين الدم.
فقال ابن قاسم في الأمة: إنها إذا وضعت من سيدها الدم المجمع، فإنه إذا جعل في الماء الساخن ينقطع، وقوله البسيط يعني الطري.
وقوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ).
أي متممة وغير متممة.
قال ابن عطية: وغير مخلقة هي التي تسقط غير متممة البنية.
стр. 1071
ابن عرفة: المسقوطة لم يخلق الإنسان منها، فالصواب قول الزمخشري: المخلقة [المسواة الملساء من النقصان والعيب*] والله تعالى يخلق مضغ متقاربة فمنها [ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب*]، ومنها عكسه، فبذلك تتفاوت النَّاس بالطول والقصر والتمام والنقصان.
وقال ابن عرفة: قال الحكماء إن النطفة تارة تبقى في الرحم ثلاثين يوما فيبين حملها بمثلها، أعني بعد شهرين، وتارة تبقى خمسة، وتارة تبقى أربعين يوما، وتارة تبقى خمسة وأربعين يوما، فإن بقيت ثلاثين يوما بين حملها بمثلها، أعني: بعد شهرين وتوضع لثلاثة أمثال ذلك، أي ستة أشهر، وإن بقيت خمسة وثلاثين يوما تبين حملها لمثلها، أعني: سبعين يوما، وتوضع لثلاثة أمثال ذلك، أي بعد سبعة أشهر، وإن بقيت أربعين يوما تبين حملها لمثلها، أي بعد ثمانين يوما، وتوضع لثلاثة أمثال ذلك؛ أي لثمانية أشهر مع أنه قل ما يعيش الولد إذا وضع لمثل ذلك، وإن بقيت خمسة وأربعين يوما تبين حملها لمثلها أيضا، أي لثلاثة أشهر، وتوضع لثلاثة أمثالها، أي لتسعة أشهر وهو أقصى الحمل.
ونقل المتيطي عن بعضهم: أن أقصى الحمل تسعة أشهر بعد أن ذكر الخلاف في أقصى الحمل هو خمس أو سبع سنين، أو ثلاث سنين، أو أربع، فحكى قولا آخر بأن أقصاه تسعة أشهر.
قال ابن عرفة: وهذا جهل من حاكيه، ولم يفهم هذا القول، وإنما قصد قائله بأن أقصى الحمل الطبيعي العادي بالنسبة إلى علم التشريح وإلى ما قلناه؛ لأنه [منتهى*] الحمل الشرعي، فإن ذلك خلاف أمر ليس هو هنا.
قوله تعالى: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً).
قال ابن عرفة: الرؤية إما [بصرية، والمرئي هي الأعراض*] لَا الذوات لأنها عند الأصوليين غير مرئية إلا على مذهب من يقول بالهيولى، قال ابن مالك في المصباح: والاسم إذا أضمر إما أن يؤتى به غائبا أو مخاطبا، وإما أن يحذف، ويجرد، [ومذهب المفسرين*] على مذهب، قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
قال ابن عرفة: وعندي هذه الآية منه، فالمقيد هو السكونين [والإهماد هو التحريك*] مع عدم الانتقال فحركة الإنسان في محله ولا ينتقل عنه.
قوله تعالى: (وَرَبَتْ).
стр. 1072
أي ارتفعت (١).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ... (٦)﴾
جعل الزمخشري: الباء للسبب أي ذلك سبب أن الله الحق الفاعل لذلك كله.
ابن عرفة: واللفظ عندي أن في الآية حذفا، والتقدير ذلك دليل واضح والباء للإلصاق، أي هذه دليل على أن الله حق، وأنه يحيي الموتى، وهذا عكس ما قال الزمخشري؛ لأنه جعل وجود الله سببا في هذه، ونحن نقول هذه الأمور دلائل على وجوب وجود الله ووحدانيته وقدرته على إحياء الموتى.
ابن عرفة: وهذا من قياس التمثيل أو من قياس الغائب على الشاهد؛ لأن قدرته على إيجاد المعلوم دليل على حجة عادية.
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
حكى الإمام في الشامل الخلاف فيما علم الله عدم وجوده، هل يصح تعلق القدرة القديمة له أو لَا؟ وهذه الآية، مع قوله تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ)، وما في الحديث بين قدراته على ليعذبني دليل على صحة تعلق القدرة به.
قال: وفي الآية حجة للمعتزلة القائلين بالإعادة عقلا، ونحن نقول بوجوبها سمعا، وبجوازها عقلا؛ لأنها عطفت في الآية على أن الله هو الحق، وهذا اعتقاده واجب عقلا، وكذا قدرته على كل شيء واجب عقلا، والمعطوف شريك المعطوف عليه في الإعراب والمعنى، فدل على إتيان الساعة واجب، قال: ووجوبه فإن أهل المنطق لما ذكروا القضايا الثلاثة عشر، وأن بعضها أعم من بعض، وأن منها الممكنة والوجودية الداعية، والثابت بالعطف شريك في وصف القضية التي هي أعم من الوجوب، والجواز الثبوت فعطف الساعة عليها لَا يدل على وجوبها بل على ثبوتها فقط أعم من الجواز والوجوب.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (٨)﴾
قال ابن عرفة: إنما كرره مرتين؛ لأن الأول صمم على الجدال، فهو مجادل مستند في جداله [بأي*] شبهة سولها له الشيطان وهو (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) لَا يلزم من ذمة ذم ومن دونه، وهو من يجادل من غير دليل ولا شبهة؛ لأن كفر هذا أقرب إلى الزوال من كفر الأول، فالإتيان بهذا بعد الأول تأسيس لَا [تأكيد*].
стр. 1073
قلت: وقال ابن عرفة: إنما كرر هنا؛ لأن الأول مجمل وهذا مبين نفى ما يستند إليه في جداله، أو الأول مصمم على الكفر وهذا مقلد غيره في الكفر، والأول: يجادل المسلمين جدالا فابتدأ عن نفسه مريدا به الدوام على الكفر، والثاني: يجادل ليضل غيره ويتسبب في كفره.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال الزمخشري: أراد به العلم الضروري.
قوله تعالى: (وَلَا هُدًى).
فأراد به العلم النظري.
وتعقبه ابن عرفة: التكليف من [شرطه*] العقل، وقد قال الإمام في الإرشاد: العقل علوم ضرورية، فإذا انتفى عن هذا المجادل العلم الضروري سقط التكليف؛ لأنه غير عاقل، فكيف يحصر؟ قال: وإنما يقال: إن العلوم على قسمين: علم ابتدائي، وهو ما استفاده الإنسان من ذات نفسه بفكره وعقله من غير تعليم، كعلم ابن سيناء، والفارابي والشيخ أبي الحسن الأشعري، ومالك رحمهم الله تعالى، وعلم ثان، وهو ما جعل للإنسان بالتعليم من غيره، كعلم ابن القاسم، وأشهب رحمهما الله تعالى الفقه، وعلمنا نحن بأصول الدين، فقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) يريد به العلم الابتدائي.
قوله تعالى: (وَلَا هُدًى).
يريد به العلم المعلم.
قوله تعالى: (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ).
قال الزمخشري: هو الوحي.
ابن عرفة: ظاهره الوحي المنزل عليه وهو أخص من أن يتوهم فيه هذا، وإنما المراد غير أن يسمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحيا في هذا.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ... (١١)﴾
قيل: المراد به من أسلم إسلاما قريبا من الكفر فسلك في الآية مسلك التدلي.
الأول: كافر مصمم مجادل جدالا مجملا متبعا فيه كل شيطان مريد.
والثاني: كافر مقلد مجادل من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر مسلم إسلاما ضعيفا، وهذا يحتمل أن يكون تقسيما مستوفيا أو غير مستوفٍ، مثال المستوفي
стр. 1074
قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ... (١٣)﴾
ذكر فيها أبو حيان وجوها منها: أن (يَدْعُو) حال، مفعوله ضمير من (يَدْعُو) تقديره، أي: مَدْعُوًّا، و (ذلك) مبتدأ، وهو فصل، وضعف بأن (يَدْعُو) لَا [يقدر مدعوا*] (١).
ابن عرفة: بل يصح كما يقول: رأيت زيدا يضربه عمرو أي مضروبا ومنها: أن يدعوا بمعنى يقول: ولمن خبره مبتدأ خبره مقدرا أي الآمر أو الناهي والجملة في موضع محلية، يدعوا وليس مستأنف لَا تدخل له في الحكاية؛ لأن الكفار لَا يقولون ذلك على أمنياتهم.
قال: ورد بالكافر لم يعتقد قط أن الأوثان ضرها أكثر من نفعها، وأجابه ابن عرفة بصحة إرادة المعنى معبرا عنه باسم غير ذلك المعنى، كقوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، لأنهم [لم*] يقولوا هذا اللفظ، ولذلك تقدم لنا أيضا أنه لَا يلزم من حلا غيره بصفة اتصافه هو بها، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)، لأنهم وصفوه بكونه منزلًا عليه الذكر، وزاد الطيبي: أنه يصح الوقف على (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ) مبتدأ خبره (لَبِئْسَ الْمَوْلَى).
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... (١٥)﴾
نقل ابن عرفة: كلام المفسرين، ثم قال: وكان بعضهم يقول الآية وإن خرجت على [سبب*]، فإنها تتناول عندي من اتصف بمثل ذلك السبب فيدخل تحتها من أصابه آفات في بدنه، أو ماله، أو عرضه لأجلها؛ أي: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فليتب عن ذلك، ويرضى بحاله وإلا (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ)، وكان يسمى هذا عطف المقهور بموقف على أمر فيه هلاكه، وهذا موجود عند سائر النَّاس، يقول بعضهم لبعض: إن لم ترض بهذا فاضرب بدماغك الحائط.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... (١٨)﴾
قال ابن عرفة: الصواب عندي أن يكون وكثير من النَّاس مبتدأ، ويكون في الآية حذف من الأول ما دل عليه الثاني، ومن الثاني ما دل عليه الأول، أي (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) مثاب، (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وعلى هذا يضمحل كلام الزمخشري.
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ... (١٩)﴾
وقال ابن عرفة: العناصر الأربعة عندنا التراب، والماء، والهواء، والنار، والثالث والأول لَا خلاف فيهما ولا إشكال أنها جواهر ويقع النظر في النار، هل هي جواهر أو
стр. 1075
أعراض؛ لأنها [أبدال تقوم بنفسها*] ولا توجد إلا في غيرها، وانظر قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ)، والصحيح أنها جواهر لطيفة، بدليل اللهب الذي فيها فإنه يعلو جدا.
قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).
قال ابن عطية: اختلف في سبب نزول الآية.
فقال قيس بن عباد، وهلال بن يساف: نزلت في حمزة، وعلي، وعبيدة، [ابن الحارث ﵃ برزوا لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة*] في غزوة بدر.
قال ابن عطية: ووقع أن الآية نزلت فيهم في صحيح البخاري.
ابن عرفة: وفي صحيح مسلم وهو آخر حديث رُوي [عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ*].
ابن عرفة: وإنما قال (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ) دونهم لنص الحكماء على أن الأصح إذا جعل في النار نفسها، قالوا: لأن النار جسم لطيف، والنحاس جسم كثيف متجمع [وآفته حرارة النار*].
فإن قلت: ما فائدة زيادة (مِنْ) في قوله تعالى: (مِنْ فَوْقِ)، وهلا استغنى عنها؟
فأجاب ابن عرفة: بأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الفوقية، قال: وكذلك أن الحميم إذا صب فوقهم عن بعد، فإنه يدركه الهوي فينقص من حرارته، فإذا صب فوق رءوسهم بالقرب نزل كما هو، وهذا مشاهد عندنا في المس إذا طبخناه أو صب في الإناء يرده بالمغرفة ترفع بها إلى فوق وتصبه فيبرد بالهواء ومهما علونا بالمغرفة إلى فوق، كان أشد في تبريده فأفادت زيادة من أنه يصب فوق رءوسهم من أقرب أمكنة الفوقية إليهم حتى لَا ينتقص من حرارته شيء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ... (٢٣)﴾
أكد جزاء المؤمنين بأن ولم يؤكد جزاء الكافرين في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ).
وقال ابن عرفة: فالجواب: أن حرص الإنسان على دفع ما يؤلمه أشد من حرصه على جلب ما يلائمه، فاكتفى في التنفير عن العذاب لمجرد الوعد مع ما حصله في
стр. 1076
النفوس من كراهة ما يؤلمها، وأكد وعدها بالثواب لحمل مشاق الفساد في الدنيا، قلت: إنما الجواب عندي بوجهين:
الأول: إن جزاء الكافرين العذاب عدل من الله تعالى، وجزاء المتقين بالجنة، فضل من الله تعالى إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فأكده ليصير واجبا ما جاء به له عن نفسه فقوي رجاء المؤمنين وطمعهم فيه.
الثاني: أتى بعده (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فجزاؤهم مكرر مؤكد في هذه الآية فاستغنى به عن تأكيده أولا.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... (٢٥)﴾
من عطف الخاص على العام؛ لأنه من سبيل الله.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).
ابن عرفة: هذا من المشاكلة؛ لأنه قابل إرادة [الإلحاد*] بذوق بعض العذاب، والإرادة العزم على الشيء من غير فعله، والذوق إدراك أوائل الشيء ومبادئه فقط، فيجوز عن مبادئ السيئات، وهو العزم عليها بمبادئ العذاب الأليم.
قيل لابن عرفة: هذا مخالف لحديث " [مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ*]، أو كتبت له حسنة"، فقال: نعم هذا خاص، والحديث عام، وهذا متواتر والحديث [أخبار*] آحاد وفعله معناه إرادة ذلك مع العزم والتصميم عليه حتى كأنه فعله وأما نفس الألم لا مع العزم والتصميم، فلا شيء فيه، فعلى هذا معنى هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ... (٢٦)﴾
قال ابن عرفة: المكان هو المحل المحوط بأمرنا، ومنهم من يزيد فيه بحيث يشار إليه أنه هناك أو هنا، فهو على هذا مخالف للخبر، فالطائر إذا نزل في الأرض هو في مكان، فإذا كان في الهواء فهو في جنب، ولم يكن في مكان، [**ويبنى أيضا على القول بالجلاء، والملأ فعلى القول بالملأ، يكون الطائر في مكان].
قال ابن عطية: والمفعول الأول هو إما محذوف تقديره [النَّاس*] أو العالمين.
ابن عرفة: أما النَّاس فنعم وأما العالمين فبعيد؛ لأن الحيوانات غير الإنسان لا ترجع إلى البيت، وليست مكلفة بالعبادة.
قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
стр. 1077
ولم يعطف السجود بالواو كما عطف ما قبله؛ فالجواب: أن الركوع يستلزم السجود إذ لَا يوجد ركوع إلا ويعقبه سجود بخلاف العكس مكانهما شيء واحد، فلذلك لم يعطفهما؛ لأن العطف يقتضي المغايرة.
فإن قلت: [لم جمع*] الطائفين والقائمين جمع سلامة، وجمع الركع السجود جمع تكسير؟ فالجواب: أن القيام أول أجزاء الصلاة، ولا بد فيه النية، وجمع السلامة إنما يصدق على العاقل [فلذا يجمع*] جمع سلامة، والركوع والسجود في أثناء الصلاة لا يحتاج فيه [إلى تجديد نية*] لأجل انسحاب حكم النية الأولى عليه [فأشبه*] جمعه غير العاقل الذي [**لَا نية ولا منكر]، قلت: أو يجاب بأن الطائفين والقائمين في الصلاة أقل من الركع السجود، وأما الطواف فظاهر؛ لأن الحجاج في النَّاس أقل من غيرهم، وأما القيام في الصلاة فلأنه إنما كلف به الصحيح، وأما المريض لم يكلف به بخلاف السجود والركوع، فإن العاجز عن القيام يركع ويسجد.
قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ... (٢٨)﴾
قال ابن عرفة: على هنا للتعليل، أي لأجل ما رزقهم حسبما قاله ابن مالك.
قوله تعالى: (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ).
والمذهب على أنه يطعم منها من انفرد بأحد الوصفين، كما يطعم من اجتمع فيه الوصفان، قال: والجواب بالفرق بين الواحد بالنوع، والواحد الشخص.
فإن قلت: هذا الحب للحيوان الطائر والناطق فهو صحيح لإمكان اجتماع الأمرين فيه بكون المائي والحيواني باعتبار نوعه، وأنه منوع للطائر، وإلى ناطق باعتبار شخصه بالتكليف هنا فإطعام الإنسان باعتبار نوعه المقسم إلى إنسان انفرد بأحدهما.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ... (٣٠)﴾
قال ابن عرفة: أشار بذلك احتراس من جهة أن قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، تعظيم له [فاحترس*] من ذلك ونبه على أنه ينبغي لهم أن يعتقدوا أن الطواف بها لَا بذاتها بل لكونها من شعائر الله فتعظيمها تعظيم لله.
قال الزمخشري: (ذلك) خبر المبتدأ، أي الأمر والشأن ذلك كما [يقدّم الكاتب*] جملة من [كتابه*] في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا، وقد كان كذا.
стр. 1078
قال ابن عرفة: [ ... ] بعد وما ذكره الفارسي في أول إيضاحه من قوله إما على أثر ذلك.
فإن قلت: من الشرطية لَا تقتضي الحصول، فهل عبر عن الموصولة؟ بمعنى الذي لأنها تقتضي حصول التعظيم، فالجواب: أن الشرط يدخل على المقدر والمحصول، والمقدرات الوجود أكثر من الموجودات فهو إشارة إلى أنه مهما قدر الإنسان وجود شيء من حرمات الله تعالى وعظمها، ففي الممكن أن يقع في الوجود ما هو أعظم منها فينبغي له أن يطلب أعظم الأشياء، وأرقاها وأفضلها ويحرص على الاتصاف بأكمل الأوصاف في ذلك.
قوله تعالى: (خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ).
خير فعل لَا أفعل من إلا أن يقال: إن المباح خير فيكون أفعل من فقوله (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)، يؤخذ منه أن الأشياء على الحصر، ويؤخذ منه أن مهما شككنا في شاة، هل هي محللة أو محرمة فإنا [نبني*] على أنها محللة [خلافًا*] لمذهب الإمام مالك ﵀، وقد قالوا في كتاب الربا في قوله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا [هاء وهاء*] أنه إذا وقعت صورة شككنا في تحليلها أو تحريمها، فإنا نحكم بتحريمها، لأنه يستثني القليل من الكثير، فلا بد أن تكون صورة المستثنى المحللة أقل من المحرمة، فيكون المشكوك فيه داخلا في قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ)؛ لأنه غير داخل في المتلو علينا، وهو ما تضمنه قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ).
وأجاب ابن عرفة: بأن المراد بالمتلو المحرم باعتبار أفراده، وأنواعه بالذاتيات، لا المحرم باعتبار أوصافه لَا باعتبار ذاته، قلنا: أو يدخل في عموم قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)؛ لأنه يدعي أنه ميتة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ... (٣١)﴾
قال ابن عرفة؛ والصواب في تقرير كونه من [تشبيه المركب بالمركب أن*]، يقال: شبه الشرك بالله والمشرك [بمن*] خر من السماء [فَاخْتَطَفَتْهُ*] الطَّيْرُ، [فالمشرك*] كالخار من السماء، والمشرك شبه بالطير التي تخطف الخار من السماء، فجعل [مَزْعًا فِي حَوَاصِلِهَا*] ونحوها كالطير المتخطفة للخار من السماء ناقلة عضوا عضوا، فهو تشبيه المجموع بالمجموع، أو هذا بهذا، وهذا بهذا، فهو تشبيه المجموع، كقوله:
стр. 1079
كأنَّ مُثارَ النَّقع فوق رُؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تَهاوَى كواكبُهْ
ومثله قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، وفي تشبيه المفرد بالمفرد، ومنه قوله:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لدَىَ وَكْرِهَا العُنَّابُ والحشَفُ البَالي
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ... (٣٢)﴾
الخطاب إما لجميع النَّاس أو المسلمين، قال القاضي في [المشارق*] [جَاءَت بِمَعْنى عمل وهيأ وصير وَبِمَعْنى صَار وَبِمَعْنى خلق وَبِمَعْنى حكم وَبِمَعْنى بَين وَبِمَعْنى شرع وابتدأ وَأكْثر تصرفها بِمَعْنى صَار*]، وذكر بعضهم في كتاب الجمل والآحاد من تنبهاته، وهو بمعنى [صير*].
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ... (٣٦)﴾
الزمخشري: عن إبراهيم النخعي: من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب.
قال ابن عرفة: أي بعد بلوغها، وبعد فصيلها.
قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ).
قال الزمخشري: وقرأ بعضهم صوافي نحو مثل العرب اعط القوس [باريها*] بسكون الياء.
ابن عرفة: أصله صوافي فانتقلت الفتحة إلى الياء، فقال: صوافي ثم حذفت الياء وعوض عنها التنوين لشبهه بغواشي وجواري في الرفع، فحمل المنصوب على المرفوع تأخيره، فقال: اعط [القوس باريها*] وهو شاذ من الضرائر الجائزة للشاعر.
قوله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا).
وخرجت روحها؛ لأنه يكره القطع منها قبل خروج روحها.
قوله تعالى: (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ).
هما صفة فعل؛ أي السائل والمتعفف.
وقيل: القانع: الفقير، فيكون بصفة ذات؛ أي المتصف بالشدة والفقر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٣٨)﴾
стр. 1080
ولم يقل: عن المؤمنين؛ لأنه إذا دفع على من اتصف بمطلق الإيمان، فأحرى أن يدافع عمن ثبت له الإيمان الكامل، وهذا من تقدير العلة على المحكوم على سبيل الحصر، والتأكيد على انتقال الحكم.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ).
جعله الزمخشري: راجعا للكفار.
ابن عطية: [روي أن هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين*] لقولهم: إن السبب في نزولها كون بعض المؤمنين عزم على خيانة الكفار وقتلهم، فالكفر على هذا إما كفر النعمة، وإمَّا أن يراد لَا يحب كل خوان، ولا كل كافر، فيكون [ ... ] أو يكون تلطفا في العبارة، فيكون النهي عن الخيانة تسلط على المؤمنين بالإيمان لَا بالنص، لأجل اقترانها بوصف الكفر.
قال ابن عرفة: ونفى المحبة وثبوتها، إما على طرفي النقيض أو بينهما واسطة، وهو عدمها مقاومهم لمن قال: لَا يحب بمعنى لَا حبذا زيد، فيقتضي الذم فيكون لا يحب في معرض الذم لمن اتصف بهذا.
فإن قلت: هل يؤخذ من الآية رد على من يقول إنَّ كلا إنْ كان منصوبا لَا يقتضي العموم، وإن كان مرفوعا اقتضاه حسبما قالوا [ومنه*] قوله:
قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ
قلنا: العموم مستفاد من القرينة.
فإن قلت: هلا قيل: لَا يجب كل خائن كافر فهو أبلغ؟ قلنا: الجواب بما أجابوا به (وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ).
قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾
قال ابن عرفة: إما على قراءة فتح التاء فظاهر تقدم الإذن، وإمَّا على قراءة كسرها فيكون الإذن الآن، وفقا لهم مثل قوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، أي [الصائرين*] للتقوى، ولذلك يقاتلون، أي الذين يقاتلون في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... (٤٠)﴾
أي لولا دفاع الله ضرر الكفار وبقتال المسلمين لهم، إذ ولولا دفاع الله الظلم بشهادة العدول، إذ ولولا دفاع الله [ظلم الظلمة بعدل الولاة*]، وفيه دليل على أن
стр. 1081
البعض يصدق على النصف؛ لأن البعض الآخر إما مساو له أو أقل منه وعلى كل تقدير فينتج صحة صدقه على النصف، وقدمت الصوامع لأنها كانت قبل الإسلام [مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين*]، [ثم استعمل في مئذنة المسلمين فحصل لها مشاركة المسلمين فيها بالصومعة على عبادة المسلمين والنصارى*]، [والبيع كنائس النصارى، واحدتها بيعة، وقيل هي كنائس اليهود، فجعلت [لذلك*] محل عبادة اليهود، وملتهم أقدم الملل.
قوله تعالى: (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا).
يحتمل أن يراد الاسم أو المسمى، كقوله تعالى: (اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ)، يحتمل الاسم والذات.
قوله تعالى: (صَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ).
إما على حذف مضاف أي لهدمت صوامع وصلوات ومساجد والهدم مجاز، أي لفعلت صلوات فيتعارض فيه المجاز والإضمار وفيهما قولان.
قوله تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ).
ومعناه ولينصرن دين من ينصره.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
احتراس: أي لَا يتوهموا أن الله يحتاج إلى جهادكم الكفار، بل هو قادر على رفع أذاهم عنكم، ولمن جرت عادته بترتيب الأسباب على مسبباتها، قلت: قال ابن عرفة: ما بعده، قال سيبويه: وقوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، المعنى على الانقطاع البين، وكأنه قال: هؤلاء [ظلموا؛ لأن الظلم قد صرح به حين قال*] (إنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِم لَقَدِيرٌ)، فهم أخرجوا من ديارهم بغير حق، أي سبب غير الحق؛ لكن قالوا (ربُّنَا اللَّهُ) ولا يقدر [الاتصال*]؛ لأنه يصير المعنى أخرجوا بغير حق إلا هؤلاء، فإنه حق آخر جوابه: [**قولهم ربنا الله] يخرجون به هكذا [تكون*] صورة الاتصال، فيكون المعنى جليا، وكان الشلوبين يجعله متصلا، ويقول: إنهم أخرجوا بغير حق، فوجب إخراجهم عند الكفرة، فالاتصال على هذا بين كان هذا مما يظهر في الموضع، وراجعت فيه أبا الحسن ابن عصفور: فرده عليَّ بأمرين:
الأول: أنه يكون المعنى أخرجوا ولا حق [يوجب*] إخراجهم إلا قولهم (رَبُّنَا اللَّهُ)، ولم يخرجوا بهذا القدر خاصة، بل كان هذا جزاء من آخر أخرجوا بها ألا ترى أنهم أخرجوا بقولهم: (رَبُّنَا) ولصلواتهم، وبأمور الشريعة كلها ولأنهم حلفوا عليهم
стр. 1082
أن يفتنوهم على دينهم، فقولك: لم يكن ثم حق فوجب الإخراج إلا هذا باطل، قلت له لم يكن ثم حق يوجب الإخراج إلا هذا؛ لأنه الأصل الذي أثبتنا عليه ما عداه، فقولهم (رَبُّنَا اللَّهُ)، مرادف لقوله: لم يخرجوا بحق إلا بالإيمان، وقيل: إن هذا حق يبطل من وجه آخر وهو أن المعنى عنده اخرجوا، [ولا معنى للإخراج عندهم إلا هذا*] ومن أين يفهم عندهم، قلت: المعنى يفهمه.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ... (٤٦)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الأمر السابق إهلاك الأمم السالفة في قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، وبقي أثرهم ضاربا عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بهم، ونظرهم النظر الهادي إلى الصواب، وكان بعضهم يقول: السير في الأرض إما حسي باعتبار سماع أخبارهم فمن أدركهم قطع مغادرها للتفكير والنظر في آثار الكفار المهلكين بسبب تكذيبهم، أو معنوي باعتبار سماع أخبار أحبارهم ممن أدركهم أو قرأ لهم في الكتب.
قوله تعالى: (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا).
[راجع*] للسير الحسي (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)، [راجع*] للسير المعنوي، وهو سماع ذلك ممن أدركهم، هذا إن ثبتنا على تفسير السير بالحسي والمعنوي، وإن لم [نبني*] على هذا فنقول: إنما عطفت هذه بـ لو دون الواو؛ لأن الواو تقتضي الجمع فيكونوا ذموا على ذم المجموع، والذم على عدم الاتصاف بكل واحد من ذلك يستلزم الذم على عدم الاتصاف بالمجموع من باب أحرى، فإذا ذموا على عدم العقل بانفراده، وعلى عدم الجمع بانفراده فأحرى أن يذموا على [عدمهما*] معا، قال ابن عطية: وفيه دليل على أن العقل في القلب.
فرده بعض الطلبة: بأن النظر مشروط بوجود العقل، فما يوجب عليه النظر حتى يكون عاقلا، فكيف نظره شرطا في عقله، فقال ابن عرفة: العقل التكليفي، هو الذي يتوقف على وجوده وجوب النظر، والعقل النافع، هو الذي يتوقف وجوده على تقدم النظر عليه، قيل لابن عرفة: ما اختلف الأطباء والفقهاء، إلا في محل العقل التكليفي، فقول ابن عطية: إنه في القلب لم يرويه إلا العقل التكليفي، قال محلها واحد.
قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ).
стр. 1083
إن قلت: لم عطفت هذه بالواو وعطفت، [فَكَأَيِّنْ*] قبلها بالفاء؟ فالجواب: [بوجوه*] أحدها للزمخشري قال: لأن الأولى: تقدمها جملة معطوفة بالفاء، وهي قوله تعالى: [(فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) *]، وهذه تقدمتها جملة معطوف بالواو، وهي المشاكلة في كل واحدة منهما، الثاني: قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما عطفت الأولى بالفاء المقتضية للترتيب؛ لأن الجمل السابقة عليها لَا يمكن وقوعها بعدها بوجه إذ هي إخبار عن الأمم السالفة، وعطف هذه بالواو؛ لأن الجمل التي قبلها يمكن تقديمها عليها وتأخيرها؛ لأن استعجالهم العذاب يمكن الإخبار عنه قبل الإخبار عن الإملاء، يكون في القرى وبعده فيناسب الإتيان بالواو المقتضية للجمع، ولا تقتضي ترتيب الثالث، قال الفخر: عطفت الأولى بالفاء المقتضية للسبب؛ لأن إهلاك أهل القرى [كائن*] في إهلاك القرى.
قوله تعالى: (ثُمَّ أَخَذْتُهَا).
[المهلة لما بين أول أزمنة الإملاء وزمن الهلاك*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾
الحصر سبب السياق، وسياق [الإنذار*] للكفار، فإن قلت: لم قال: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)، وقال في الآخرين: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، قلنا: لما ذكر الزمخشري: من أن الآية إنما [سيقت*] بالذات في معرض التخويف للكافرين، فذلك شدد في خطابهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ... (٥١)﴾
قال الزمخشري: أي سابقين إلى المراد فيها وإبطالها من قولك: سابقت فلانا فسبقته، وفي الحديث: "لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا عليه".
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ... (٥٢)﴾
إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (مِن قَبْلِكَ)؟ فالجواب: إنه أفاد مع قولك من رسول التأكيد في عموم القبلية في الأمم المتقدمة، والرسالة تارة يراد بها مطلق البعث، وهو المعنى الأعم فيها، وتارة يراد بها البعث والتبليغ لغيره، والمراد بها في الآية المعنى الأعم، لقوله تعالى: (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ)، ولو أريد المعنى الأخص، للزم استواء الرسول والنبي في المعنى، مع أنهما مختلفان، وإنما عطف النبي على
стр. 1084
الرسول مع أنه لَا يستلزم من استلزم الأخص أمر باستلزام الأعم له، والرسول أخص من النبي فالعطف تأسيس.
قوله تعالى: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ).
النسخ رفع ما قد ثبت، وهذا لم يثبته قرآن بوجه، وهذا الذي تكلم به الشيطان وأوهم الكافرين أنه على لسان النبي ﷺ ، فالمراد ننسخ سببه، وما نشاء منه، وما حصل في اعتقاد [من بعض المؤمنين*]، ومن كانت في نفسه ريبة وشك، فيزيل ذلك بنزول الآيات البينات الدالات على بطلانه، وأورد الفخر: أنه إذا ثبت أن الله تعالى قدر الشيطان على فعل مثل هذا، فيلزم الارتياب في جميع آيات القرآن، وعدم الوثوق بها، إذ لعل بعضها من قول الشيطان، وأجاب: بأنه إذا قدره على ذلك يلهم الرسول إلى استدراك الأمر، وإبطال ما هو من كلام الشيطان، كما ألهمه لها.
قال ابن عرفة: هذا فتح باب سوء، وإنما الجواب: أن القرآن مقطوع بصحته
ووروده من عند الله ، إما لأنه معجز ودليل الإعجاز يقطع هذا كله، وإما
التواتر والإجماع على أن هذا الذي نحن نقرأوه هو قرآن صحيح، وارد من عند الله عز
وجل، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)،
قال الفخر: وآية القرآن على ثلاثة أقسام، فقوله تعالى: (اللَّهُ نَزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
كِتَابًا مُتَشَابها)، وقوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، تقتضي أنه كله محكم، وقوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، يقتضي أن بعضه محكم وبعضه متشابه،
فأجاب ابن عرفة: بأن المتشابه في قوله تعالى: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا)،
بمعنى التماثل، لَا بمعنى الاختلاف، والإحكام في قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ
آيَاتُهُ)، يقتضي الإتقان.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ... (٥٤)﴾
مع أن العلم بوحدانية الله تعالى مرادف للإيمان، فالجواب: إما أن يراد بالعلم العلم التصويري، وبالثاني الذي هو الإيمان العلم التصديقي، وإمَّا بأن يجعل الضمير المحذوف في قوله تعالى: (فَيُؤْمِنُوا بِهِ)، عائد على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما على قول ما قال الزمخشري: من أن المراد يعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق من ربك والحكمة، أن المراد قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
стр. 1085
قال ابن عرفة: المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، وهداية المؤمنين ظاهره، إن قلنا: إن الإيمان يزيد وينقص، وإلا فيكون مجازا بمعنى تثبتهم على الإيمان ودوامهم عليه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ... (٥٥)﴾
قال ابن عرفة: المراد هنا بالمرية: الوهم الذي هو أعم من الشك، لقوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)، فإن هناك سياق الوهم.
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)﴾
ابن عرفة: إن قلت: قال في الأولى (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، وقال في الثانية [(فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) *]، فأجاب: بوجوه:
الأول: أنه قصد المبالغة في جهة الكفار، فلذلك مد جزاؤهم باسم الإشارة مع الفاء واللام في لهم، إما بمعنى على أو ذلك تهكم بهم
الجواب الثاني أن في الآيات حذف التقابل، فذكر في الأول الظرف الذي هو محل للجزاء دون ما يقع فيه الجزاء، وذكر في الثاني الجزاء دون محله والتقدير فالذين آمنوا وعملوا الصَّالِحَاتِ فأولئك لهم نعيم كريم في جنات النعيم، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)، في جهنم.
وقوله تعالى: (وَكَذبُوا بِآيَاتِنَا)، أما مساو للكفر أو يعادله، فالمراد بالأول كفرهم بالله تعالى وبالتكذيب كفرهم بالرسالة.
قوله تعالى: ﴿رِزْقًا حَسَنًا ... (٥٨)﴾
احتج بها الفخر للمعتزلة: على أن الرزق إنما يطلق على [الحلال*] ورده ابن عرفة بقوله: (حَسَنًا) فدل على أن هناك رزقا غير حسن، قال الفخر، قوله تعالى: (خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، دل على [أن*] غير الله يرزق ويملك، ولولا كونه قادرا فاعلا لما صح ذلك، وأجاب: بأنه لَا نمنع في كون الغير قادرا، فإن القدرة مع الداعي فريدة في الفعل بمعنى الاستلزام.
قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾
стр. 1086
أي (لعليم) بمن جاهد وهاجر، (حليم) [يستر*] سيئاته فيعفوا عنها، ولا يعاقبه بها.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ... (٦٠)﴾
قال ابن عرفة: اللفظ أن ذلك فعل مثل أما بعد ونحوها لمباينة هذه الجملة لما قبلها، وجعلها الفخر متصلة وقرر وجها لمناسبة بينهما، وقال ابن عطية: سبب نزولها أن بعض المسلمين أمن بعض المشركين في شهر محرم، وفيه القتال وأرادوا قتالهم فناشدوهم أن لَا يقاتلوهم، ولم يفعلوا فقاتلوهم فنصرهم الله عليهم.
قال ابن عرفة: لفظ الآية مخالف للسبب؛ لأن ظاهرها أن المسلمين هم البادون بالقتال، إلا أن يريد بذلك بدايتهم من المنازلة والمعاقدة فيكون مجازا فسمي المنازلة عقوبة ثم يعبر عليه بالقتال بالفعل.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).
قال الزمخشري: أي عفو عن الجاني على طريق التستر به، إشارة إلى أن عقوبة المؤمن للكافر على ما جنى عليه جائزة، لكن العفو راجح، لقوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)، وقوله تعالى: (وَأنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فقال ابن عرفة: إنما هو بعد القدرة عليه، وأما قبل القدرة عليه فلا يجوز له العفو عنه بوجه، فقصر الآية على عفو المسلم على الكافر، وكان بعضهم يجعلها عامة، وتقدير وجه المناسبة بأن الإنسان لَا يعاقب بالمثل، إلا إذا تحقق وجه مماثلة العقوبة [للجناية*]، أما إذا شك في المماثلة، فإنه ينبغي له أن يعفو ويترك حقه إذ لعله يعاقب أكثر من الخيانة، وقرر الطيبي: وجه المناسبة كان ذلك في شهر حرام، فكان الأولى عدم وقوف المسلمين لهم في القتال، وأن يصفحوا عنهم ويتفرقوا.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ... (٦٢)﴾
قال ابن عرفة: هذه لذلك سبب فصل بل يعتقدوا بأن نصرة الله لكم لاتصافه بالوحدانية والقدرة والإرادة، بدليل إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل.
قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
ابن عرفة: تكلم الزمخشري هنا كلاما موافقا لمذهب أهل السنة، فقال: سميع بما يقولون بصير بما يفعلون، مع أن المعتزلة يردون ذلك كله إلى صفة العلم، وكان
стр. 1087
بعضهم يقول: لم يرد في القرآن أن القدرة مقرونة بالعلم، وكذلك هنا بدليل تعقب الإيلاج الراجع للقدرة بالسمع والبصر.
قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
ابن عرفة: (الْعَلِيُّ) باعتبار ذاته، (الْكَبِيرُ) باعتبار صفاته.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ... (٦٦)﴾
ابن عرفة: هذا دليل على أن الموت دليل وجودي، وهو مذهب أهل السنة بخلاف الفلاسفة؛ لأن القدرة لَا تتعلق بالعدم، قال: والإحياء الثاني يتناول الإحياء في القبر للسؤال، والإحياء للحشر، قال ابن عطية: [الإحياء والإماتة في هذه الآية ثلاث مراتب وسقط منها الموت الأول الذي نص عليه في غيرها إلا أنه بالمعنى في هذه*]، الأول: ورده ابن عرفة: بأنه عدم صرف، فلا يقال: فيه موت إلا مجازا، قال: وعطف هذا يحتمل الترقي لأنك إذا رجحت بين إنعامك على شخص أولا ثم ناله الجوع، ثم أنعمت عليه ثانيا تجد إنعامك عليه أولا أدخل في باب الامتثال وأرجح يحتمل التدلي لقوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، فالإحياء بعد [الإمامة*] نظير الإطعام من الجوع، وقال: وعادتهم يقولون: إن النحويين عطفوا الفعل المضارع على الماضي، وجعلوه مرجوعا فلا بد أن [تكون هذه الجملة*] تقديرها، ثم هو يحيكم ثم هو يجمعكم يعلم من هذا.
قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ).
ابن عرفة: قالوا هذا تلطف من ناحية أنه لم يقل: إنكم لكفار مع تقدم الخطاب لهم في الآية وتسديد من ناحية تعريفه الإنسان بعلم الجنس فيعم المخاطبين وغيرهم، قال: وهذا إن أريد به قيد الإيمان فهو خاص بمن اتصف بذلك، قيل لابن عرفة: بل المراد به المجموع ويكون علميا لَا كليا، قال ابن هارون: والجملة كقولك كل الأمة معصوم، مع أن المعصوم بعضهم، فأبطله ابن عرفة بأنهم نبهوا على أن الحكم على المجموع لَا بد فيه من اعتبار نسبته لكل فرد من أفراده كقولك: [**كل شيء عليم، برفع الهمزة العظيمة فمجموعهم يرفعها]، وكل واحد منهم له في ذلك نصيب، وإذا اعتبرناه هنا لزم الكفر.
قال ابن عرفة: وفي الآية من علم البيان، وهو خلط المختلف فيه بالمتفق عليه على وجه التسوية بينهما؛ لأن الإحياء الثاني في الدار الآخرة مختلف فيه بيننا وبين الفلاسفة، وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ... (٦٧)﴾
стр. 1088
قال ابن عرفة: يؤخذ منها أنه ما خلا زمن من الأزمان من سمع، وقال الزمخشري: سبب نزولها أن [بديل*] بن ورقاء، وبشر بن سفيان الخزاعيين، قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله.
ابن عرفة: هذا خطابة شريفة حسبما مثلها البيانيون، يقول القائل في مدح الخمر: إنه ياقوت يسال ... ، وقال: هذا السبب لَا يناسب الآية، إنه يلزم عليه أن تكون الآية نزلت مقدرة لذلك، فيكون مقتضاها أن ذلك كان في [شرعنا جائزا*]، وفيه زيادة أن ما قتلوه لَا يؤكل مع أنهم كانوا يأكلونه.
قوله تعالى: (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ).
[كقولهم لا أرينك هاهنا*].
قوله تعالى: (لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ).
الهداية قسمان: إما الإرشاد فيمن بعُد أو من قرب، فأفاد الوصف المستقيم أنه إرشاد بوجود قريب؛ لأن المستقيم هو أقرب من [**تمام ما أمرنا بقوله لهم وابتداء إخبار من الله تعالى].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (٧٠)﴾
قال ابن عرفة: هذا الاستفهام على معنى التقرير، معناه: قد علمت ذلك، فإن أريد علما [ماضيا*] فيكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخصوصيته [أو له*] ولمن يلحق به من العلماء، وإن أريد به مطلق العلم فالخطاب لكل واحد، وإن قلنا: إن السماء كورية يمكن عطف الأرض عليها من باب عطف الخاص على العام، ويقول في الآية حجة لأهل السنة القائلين بأن علم الله بالجزئيات كعلمه بالكليات خلافا للحكماء.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ).
ويحتمل عود اسم الإشارة على قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ بما تعملون)، أي علمكم عنده محفوظ في كتاب، ويحتمل عوده على علمه مما في الأرض وما في السماء.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
أي علم ذلك عليه يسير، أو حكمه بينكم عليه يسير، فإن قلت: هذا ماض أزلي هلا قيل: [(أَلَمْ تَعْلَم أَن اللَّهَ عَلِمَ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) *]، فالجواب: أنه عبر
стр. 1089
بالمستقبل كقوله (يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ)، وهذا إن كنت عالما بذلك، قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ).
قال الزمخشري: هنا، [لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم*].
قال ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأن مذهبه أن الله تعالى عالم بذاته، لَا يعلم بصير بذاته، لَا يبصر لأنهم ينفون الصفات.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ... (٧١)﴾
قال ابن عرفة: هذا كالتسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي [لدوامهم على معاندتهم لك*] في الأحكام الشرعية، وذلك قولهم: لم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله أحد منهم، [فخالفوا*] فيما هو أشد من ذلك من الأمور الاعتقادية [فعبدوا*] غير الله، قال ورد عليهم قولهم بأمرين: ذلك بأنهم لَا دليل عليه من جهة السمع، ولا من جهة العقل، فنفى الأول الدليل السمعي، ثم العقلي، فهو تأسيس؛ لأن نفي الدليل السمعي لَا يستلزم نفي الدليل العقلي، قال: وفيه ذم التقليد، وهو على قسمين:
تارة يكون المقلد ذاكرا له وعاجزا عن التعبير عنه، وتارة يكون مستشعرا، فالأول هو الذي يقدر ويصح تقليده، وهو الذي يقولون فيه: إيمان المقلد جائز وهو في الرتبة الثانية.
قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ... (٧٢)﴾
عبر باسم المفعول عن المصدر وهو قليل.
قوله تعالى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ).
الإشارة إتيان للألم الحادث في قولهم عند سماعهم الآية، وإما للسطوة الصادرة [منهم للمؤمنين*].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ... (٧٣)﴾
قال الفخر: [ضُرِبَ يُفِيدُ فِيمَا مَضَى واللَّه تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ ابْتِدَاءً*]، وأجاب: بأنه إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز فيه ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).
قال الفخر هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقه لما له حياة، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم، والأول: فاسد؛ لأنه معلوم بالضرورة، فأي فائدة في
стр. 1090
إقامة الدليل على ذلك، وأما الثاني: فلأنه لَا يلزم من نفي كونها حية أن [لا*] تكون معظمه، [فَإِنَّ جِهَاتِ التَّعْظِيمِ مُخْتَلِفَةٌ*].
قال ابن عرفة: لأي شيء لم يقل لم يخلقوا ذرة، فهو أحقر من الذباب وأصغر، والذرة هو [الشيء*] الذي يراه الناظر من شقاق الباب من عين الشمس، وأجيب: بأن المراد بخلق الذرة إيجادها عن عدم، وهذا لم يدعه أحد بوجه، وأما خلق الذباب فهو راجع إلى جميع أجزائه عن تفريق ونفخ الروح فيه وخلق الأعراض له، وهذا قد ادعاه المعتزلة فقالوا: إنهم يخلقون أفعالهم، وقد كان عيسى ﵇، يحيي الموتى، فإِيجاد الذباب أخف من إيجاد الذرة، والعجز عنه يستلزم العجز عن إيجاد الذرة من باب أحرى، ولاسيما إذا قلنا: إن القادر على إيجاد الجزء المكمل يصدق عليه أنه قادر على الجميع، فالقادر على إيجاد الحياة يصدق عليه أنه خالق للذرات، لأن فعله حصل كمال الذات.
قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... (٧٤)﴾
قال الزمخشري: ما عرفوه حق معرفته.
ابن عرفة: هذا يلزم عليه أن تكون [معرفة*] ذاته والإحاطة به ممكنة، وليس الأمر كذلك مع أن المسألة فيها خلاف.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ... (٧٧)﴾
هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن العبادة أعم، قال: ويحتمل أن يراد [الخضوع*]، أي اخضعوا في ركوعكم وسجودكم، وهي عبارة قاصرة.
قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ).
عبارة متعدية للغير مع إعطاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* * *