أي (لعليم) بمن جاهد وهاجر، (حليم) [يستر*] سيئاته فيعفوا عنها، ولا يعاقبه بها.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ... (٦٠)﴾
قال ابن عرفة: اللفظ أن ذلك فعل مثل أما بعد ونحوها لمباينة هذه الجملة لما قبلها، وجعلها الفخر متصلة وقرر وجها لمناسبة بينهما، وقال ابن عطية: سبب نزولها أن بعض المسلمين أمن بعض المشركين في شهر محرم، وفيه القتال وأرادوا قتالهم فناشدوهم أن لَا يقاتلوهم، ولم يفعلوا فقاتلوهم فنصرهم الله عليهم.
قال ابن عرفة: لفظ الآية مخالف للسبب؛ لأن ظاهرها أن المسلمين هم البادون بالقتال، إلا أن يريد بذلك بدايتهم من المنازلة والمعاقدة فيكون مجازا فسمي المنازلة عقوبة ثم يعبر عليه بالقتال بالفعل.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).
قال الزمخشري: أي عفو عن الجاني على طريق التستر به، إشارة إلى أن عقوبة المؤمن للكافر على ما جنى عليه جائزة، لكن العفو راجح، لقوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)، وقوله تعالى: (وَأنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فقال ابن عرفة: إنما هو بعد القدرة عليه، وأما قبل القدرة عليه فلا يجوز له العفو عنه بوجه، فقصر الآية على عفو المسلم على الكافر، وكان بعضهم يجعلها عامة، وتقدير وجه المناسبة بأن الإنسان لَا يعاقب بالمثل، إلا إذا تحقق وجه مماثلة العقوبة [للجناية*]، أما إذا شك في المماثلة، فإنه ينبغي له أن يعفو ويترك حقه إذ لعله يعاقب أكثر من الخيانة، وقرر الطيبي: وجه المناسبة كان ذلك في شهر حرام، فكان الأولى عدم وقوف المسلمين لهم في القتال، وأن يصفحوا عنهم ويتفرقوا.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ... (٦٢)﴾
قال ابن عرفة: هذه لذلك سبب فصل بل يعتقدوا بأن نصرة الله لكم لاتصافه بالوحدانية والقدرة والإرادة، بدليل إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل.
قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
ابن عرفة: تكلم الزمخشري هنا كلاما موافقا لمذهب أهل السنة، فقال: سميع بما يقولون بصير بما يفعلون، مع أن المعتزلة يردون ذلك كله إلى صفة العلم، وكان
стр. 1087
بعضهم يقول: لم يرد في القرآن أن القدرة مقرونة بالعلم، وكذلك هنا بدليل تعقب الإيلاج الراجع للقدرة بالسمع والبصر.
قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
ابن عرفة: (الْعَلِيُّ) باعتبار ذاته، (الْكَبِيرُ) باعتبار صفاته.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ... (٦٦)﴾
ابن عرفة: هذا دليل على أن الموت دليل وجودي، وهو مذهب أهل السنة بخلاف الفلاسفة؛ لأن القدرة لَا تتعلق بالعدم، قال: والإحياء الثاني يتناول الإحياء في القبر للسؤال، والإحياء للحشر، قال ابن عطية: [الإحياء والإماتة في هذه الآية ثلاث مراتب وسقط منها الموت الأول الذي نص عليه في غيرها إلا أنه بالمعنى في هذه*]، الأول: ورده ابن عرفة: بأنه عدم صرف، فلا يقال: فيه موت إلا مجازا، قال: وعطف هذا يحتمل الترقي لأنك إذا رجحت بين إنعامك على شخص أولا ثم ناله الجوع، ثم أنعمت عليه ثانيا تجد إنعامك عليه أولا أدخل في باب الامتثال وأرجح يحتمل التدلي لقوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، فالإحياء بعد [الإمامة*] نظير الإطعام من الجوع، وقال: وعادتهم يقولون: إن النحويين عطفوا الفعل المضارع على الماضي، وجعلوه مرجوعا فلا بد أن [تكون هذه الجملة*] تقديرها، ثم هو يحيكم ثم هو يجمعكم يعلم من هذا.
قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ).
ابن عرفة: قالوا هذا تلطف من ناحية أنه لم يقل: إنكم لكفار مع تقدم الخطاب لهم في الآية وتسديد من ناحية تعريفه الإنسان بعلم الجنس فيعم المخاطبين وغيرهم، قال: وهذا إن أريد به قيد الإيمان فهو خاص بمن اتصف بذلك، قيل لابن عرفة: بل المراد به المجموع ويكون علميا لَا كليا، قال ابن هارون: والجملة كقولك كل الأمة معصوم، مع أن المعصوم بعضهم، فأبطله ابن عرفة بأنهم نبهوا على أن الحكم على المجموع لَا بد فيه من اعتبار نسبته لكل فرد من أفراده كقولك: [**كل شيء عليم، برفع الهمزة العظيمة فمجموعهم يرفعها]، وكل واحد منهم له في ذلك نصيب، وإذا اعتبرناه هنا لزم الكفر.
قال ابن عرفة: وفي الآية من علم البيان، وهو خلط المختلف فيه بالمتفق عليه على وجه التسوية بينهما؛ لأن الإحياء الثاني في الدار الآخرة مختلف فيه بيننا وبين الفلاسفة، وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ... (٦٧)﴾
стр. 1088
قال ابن عرفة: يؤخذ منها أنه ما خلا زمن من الأزمان من سمع، وقال الزمخشري: سبب نزولها أن [بديل*] بن ورقاء، وبشر بن سفيان الخزاعيين، قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله.
ابن عرفة: هذا خطابة شريفة حسبما مثلها البيانيون، يقول القائل في مدح الخمر: إنه ياقوت يسال ... ، وقال: هذا السبب لَا يناسب الآية، إنه يلزم عليه أن تكون الآية نزلت مقدرة لذلك، فيكون مقتضاها أن ذلك كان في [شرعنا جائزا*]، وفيه زيادة أن ما قتلوه لَا يؤكل مع أنهم كانوا يأكلونه.
قوله تعالى: (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ).
[كقولهم لا أرينك هاهنا*].
قوله تعالى: (لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ).
الهداية قسمان: إما الإرشاد فيمن بعُد أو من قرب، فأفاد الوصف المستقيم أنه إرشاد بوجود قريب؛ لأن المستقيم هو أقرب من [**تمام ما أمرنا بقوله لهم وابتداء إخبار من الله تعالى].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (٧٠)﴾
قال ابن عرفة: هذا الاستفهام على معنى التقرير، معناه: قد علمت ذلك، فإن أريد علما [ماضيا*] فيكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخصوصيته [أو له*] ولمن يلحق به من العلماء، وإن أريد به مطلق العلم فالخطاب لكل واحد، وإن قلنا: إن السماء كورية يمكن عطف الأرض عليها من باب عطف الخاص على العام، ويقول في الآية حجة لأهل السنة القائلين بأن علم الله بالجزئيات كعلمه بالكليات خلافا للحكماء.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ).
ويحتمل عود اسم الإشارة على قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ بما تعملون)، أي علمكم عنده محفوظ في كتاب، ويحتمل عوده على علمه مما في الأرض وما في السماء.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
أي علم ذلك عليه يسير، أو حكمه بينكم عليه يسير، فإن قلت: هذا ماض أزلي هلا قيل: [(أَلَمْ تَعْلَم أَن اللَّهَ عَلِمَ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) *]، فالجواب: أنه عبر
стр. 1089
بالمستقبل كقوله (يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ)، وهذا إن كنت عالما بذلك، قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ).
قال الزمخشري: هنا، [لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم*].
قال ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأن مذهبه أن الله تعالى عالم بذاته، لَا يعلم بصير بذاته، لَا يبصر لأنهم ينفون الصفات.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ... (٧١)﴾
قال ابن عرفة: هذا كالتسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي [لدوامهم على معاندتهم لك*] في الأحكام الشرعية، وذلك قولهم: لم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله أحد منهم، [فخالفوا*] فيما هو أشد من ذلك من الأمور الاعتقادية [فعبدوا*] غير الله، قال ورد عليهم قولهم بأمرين: ذلك بأنهم لَا دليل عليه من جهة السمع، ولا من جهة العقل، فنفى الأول الدليل السمعي، ثم العقلي، فهو تأسيس؛ لأن نفي الدليل السمعي لَا يستلزم نفي الدليل العقلي، قال: وفيه ذم التقليد، وهو على قسمين:
تارة يكون المقلد ذاكرا له وعاجزا عن التعبير عنه، وتارة يكون مستشعرا، فالأول هو الذي يقدر ويصح تقليده، وهو الذي يقولون فيه: إيمان المقلد جائز وهو في الرتبة الثانية.
قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ... (٧٢)﴾
عبر باسم المفعول عن المصدر وهو قليل.
قوله تعالى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ).
الإشارة إتيان للألم الحادث في قولهم عند سماعهم الآية، وإما للسطوة الصادرة [منهم للمؤمنين*].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ... (٧٣)﴾
قال الفخر: [ضُرِبَ يُفِيدُ فِيمَا مَضَى واللَّه تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ ابْتِدَاءً*]، وأجاب: بأنه إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز فيه ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).
قال الفخر هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقه لما له حياة، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم، والأول: فاسد؛ لأنه معلوم بالضرورة، فأي فائدة في
стр. 1090
إقامة الدليل على ذلك، وأما الثاني: فلأنه لَا يلزم من نفي كونها حية أن [لا*] تكون معظمه، [فَإِنَّ جِهَاتِ التَّعْظِيمِ مُخْتَلِفَةٌ*].
قال ابن عرفة: لأي شيء لم يقل لم يخلقوا ذرة، فهو أحقر من الذباب وأصغر، والذرة هو [الشيء*] الذي يراه الناظر من شقاق الباب من عين الشمس، وأجيب: بأن المراد بخلق الذرة إيجادها عن عدم، وهذا لم يدعه أحد بوجه، وأما خلق الذباب فهو راجع إلى جميع أجزائه عن تفريق ونفخ الروح فيه وخلق الأعراض له، وهذا قد ادعاه المعتزلة فقالوا: إنهم يخلقون أفعالهم، وقد كان عيسى ﵇، يحيي الموتى، فإِيجاد الذباب أخف من إيجاد الذرة، والعجز عنه يستلزم العجز عن إيجاد الذرة من باب أحرى، ولاسيما إذا قلنا: إن القادر على إيجاد الجزء المكمل يصدق عليه أنه قادر على الجميع، فالقادر على إيجاد الحياة يصدق عليه أنه خالق للذرات، لأن فعله حصل كمال الذات.
قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... (٧٤)﴾
قال الزمخشري: ما عرفوه حق معرفته.
ابن عرفة: هذا يلزم عليه أن تكون [معرفة*] ذاته والإحاطة به ممكنة، وليس الأمر كذلك مع أن المسألة فيها خلاف.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ... (٧٧)﴾
هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن العبادة أعم، قال: ويحتمل أن يراد [الخضوع*]، أي اخضعوا في ركوعكم وسجودكم، وهي عبارة قاصرة.
قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ).
عبارة متعدية للغير مع إعطاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* * *
стр. 1091
سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ
وقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)
قال الزمخشري: هو حرف توقع.
قال ابن عرفة: هذه عبارة المتقدمين والمتأخرون، يقولون إنها حرف تحقيق مع الماضي ولا ينافي ذلك أنها مع المضارع للتوقع، قال: وتارة يكون التوقع صادقا، وتارة يكون كاذبا، وذلك أن القائل: يقوم زيد هو على أربعة أقسام:
تارة باقي حرف التوقع، والقيام متوقع عند الناس عنه، لكن لم يقع في الخارج، وتارة يكون القيام متوقعا عند النَّاس، ويقع مدلوله في الخارج ولا يأتي المتكلم بحرف التوقع فهذه ثلاثة أقسام: المتوقع فيها صادق، وبقي قسم رابع: وهو إتيانه بحرف التوقع حاله كون القيام غير متوقع عند النَّاس، ولكنه يقع في المستقبل على حسب ما أخبر به، فهل هذا توقع صادق؟ أو مطروق فيه نظر، واللغو هو الكلام الذي لَا فائدة فيه.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾
قال الإمام الغزالي: الخشوع في الصلاة واجب وإلا جرى تحصيل ما يراه الدين خاصة، وأما القبول والثواب فأمر آخر.
ابن عرفة: وهذا على خلاف الأصوليين في هل هي موافقة؟ ويراه الذمة والجروح من العهدة.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾
وقيل: أي مانعون، وقيل: أي: [عافون*].
ابن عرفة: وتقدم لما خصه أنه يلزم عليه أن يكون المعنى مخصوص كقولك: قصرت المال على الصدقة أي خصصته، فالمراد: (وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم) فإنهم لَا يخصونهم بذلك فيلزم نقيض المطلوب.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾
قال ابن عرفة: ترتيب هذه المعطوفات بدني، والخشوع في الصلاة أمر قلبي، والقلب أشرف ما في الإنسان، واللغو من أفعال اللسان، وهو ترجمان عن القلب،
стр. 1092
فهو ثان عنه الصلاة واللغو عامان بجميع النَّاس، والزكاة خاصة، فكانت ثالثة عنهما، ولما كانت هذه الثلاثة أمور خاصة، والنكاح أمر تكميلي ليس بحاجي لاسيما إذا قلنا: إنه من باب الفكاهات لَا من باب الأقوات، فكان حفظ الفروج أمر خارجا عنهما والأمانة خاصة بمن يصلح بها لَا بكل النَّاس، والمحافظة هو الإيمان بها في أوقاتها ولما كان وجوبها متقدما على تعيين أوقاتها، ذكرت أولا ثم ذكرت المحافظة عليها في أوقاتها بعد ذلك، ولما كانت أوقاتها محددة شيئا بعد شيء أتى بالمحافظة عليها بالفعل، بخلاف الإعراض عن اللغو وفعل الزكاة وحفظ الفروج ورعي العهود والأمانة، فإن المراد منهم الثبوت على ذلك، والميراث إما أخذ الشيء بموجب، وهو الميراث الشرعي، وبغير موجب، وهو إرث الفردوس؛ لأنه ليس في مقابلة العمل بل [محض فضلٍ*] من الله ، هل يرجع هذا إلى الحصر أو مبني على تقيد إذا تعقب عملا؟ هل يعم الجميع أو يرجع إلى الآخر؟ فهل مجموعهم يرثون الفردوس، أو كل واحد منهم؟
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ... (١٤)﴾
عطف الأول بـ ثم، والثاني بالفاء قيل لبعد ما بين النطفة والعلقة، وقرب ما بين النطفة والمضغة، ورد بأن الشارع ساوى بينهما في قوله، ثم تكون نطفة أربعين ثم علقة أربعين، وأجيب: بمكان إفساد النطفة بخلاف العلقة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾
عبر عن الأول مؤكدا بأن واللام، وأما في الثاني بأن فقط والمتبادر للذهن العكس، بأن الموت لم ينكره أحد، والبعث ينكره الكفار، والحكماء والفلاسفة، وأجيب: أنه من باب حمل اللفظ على غير ظاهره مثل: جَاء شَقيقٌ [عَارضاً*] رُمْحَهُ ... إِنَّ [بَنِي عَمكَ فِيهمْ رِماحْ*] فهم بعصيانهم ومخالفتهم لم يعملوا على الموت، فحالهم كحال [ ... ]، وما كانت دليل البعث ظاهره صادقا للثابت.
قال ابن عرفة: [هذا*] لَا يتم إلا على مذهب المعتزلة في قاعدة التحسين والتقبيح [ووجوب*] الإعادة، قلت: إما أن يجيب [بأن أدلة البعث*] العقلية ظاهره، ونحن نقول [أدلة*] البعث السمعية [عندنا*] ظاهره، فإن قلت: لم عبر عن الموت بالاسم، وعن البعث بالفعل؟ قلنا: لما تقدم من الجواب في التأكيد.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ ... (١٧)﴾
стр. 1093
دليل على أن السماء [بسيطة، إذ لو كانت كورية لما كانت فوقنا [ ... ] وأجيب: بأن الجزء السامت فكل شخص هو فوقه، والجزء السامت [ ... ] هو تحته وفوق الشخص آخر، والسماء [ ... ]، وفوقنا وهي تحت، وقوله تعالى: (خَلَقْنَا فَوْقَكُم)، دليل على أن الجسم والعرض لَا يبقى زمانين، وهو قول ثالث، قيل: إنما هما مبقيان، وقيل: يبقى الحسم دون العرض، ولا شك أن خلق السماء متقدم علينا، ولا كونها فوقنا إلا بعد وجودنا، فقوله تعالى: (خَلَقنَا فَوقَكُمْ)، دليل على أنها في كل زمن [موجودة مخلوقة*].
قوله تعالى. (طَرَائِقَ).
طرق بينها للملائكة.
قال ابن عرفة: هذا دليل على أنها ليست ملتصقة إلا أن يقال: الطرق فوق أعلاها بينها وإنها متلاصقة، وفيها خلاف، قيل: إنها سبع، وقيل: تسع على الجملة، وعلى التفصيل أربع وعشرون، حكوا ذلك في كتب الهيئة وأشار إليه البيضاوي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾
قال ابن عرفة: فيه دليل على تعلق القدرة بالعدم الإضافي، وكذلك ما في الحديث فإن قدر الله علي ليعذبني".
قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ... (١٩)﴾
قال ابن عرفة: الإنشاء هو ابتداء الشيء على أكمل وجه، والضمير في به عائد على الماء، هل الماء هو الأصل في النبات والتراب وهما معا، قال: والظاهر أن الماء مكمل للإنبات إذ التراب وحده لَا ينبت فهو الجزء المكمل فلذلك نسب إليه الإنشاء.
قوله تعالى: (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ).
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول الكثرة إما راجعة لآحاد الفاكهة أو لأصنافها؛ لأن العنب أصناف، والتمر أصناف، وكل صنف من ماله آحاد منعقدة، وكل نوع لا يشبه الآخر، قال: واشتملت هذه الآية على العلل الأربعة، وهي المادة، والفعل، والغاية، والصورة بالماء، هو العلة المادية التي استمد منها النبات، والأقل هو العلة الغائية، والمنفكة هو الصورة باعتبار صور الفاكهة وأنواعها، والفاعل راجع لقوله تعالى: (فَأَنْشَأْنَا) لأن الفاعل [**معالي وكثر بالنقلة عن الأول]؛ لأن غالب التمر والزيت
стр. 1094
إنما هو الفعلة لَا القوت، لقوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ... (٢٠) .. ، أن ينقل من طور سيناء إشارة إلى أن الزيتون من الشام ثم نقل منه إلى سائر البلاد.
قوله تعالى: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ).
الصبغ قال الزمخشري: هو غمس الأيدي في زيتها للأكل به.
قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا ... (٢١)﴾
أعاد الضمير على بعض الجمع، وهو المؤنث منها.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً ... (٢٤)﴾
قال ابن عرفة: هذا تناقض منهم؛ لأنه أول رسول بعث، فلم يتقدم قبله رسول، فلم يعلموا الملائكة إلا من قوله وهم قد كذبوه، قيل له: قد قيل: إن آدم أرسل إلى بنيه فلعلهم علموا بالسماع منه، وخلق الله لهم علما ضروريا أو خاطبوه على تقدير صحة قوله.
قوله تعالى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ).
مفهومة أنهم لو سمعوا ذلك لقتلوه فيؤخد منه أن خبر التواتر تقييد العلم، وقوله تعالى قبل هذا (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
قال ابن عرفة: هذه مثالية لَا معدولة؛ لأن موضعها غير موجود بوجه؛ لأن وجود غير الله محال بل الموضع موجود تقديره: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، فالموضع هو أنتم فهي معدولة وليس موضعها الله غيره.
قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾
قال ابن عرفة: هو انتظار لأمر مؤلم.
قوله تعالى: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾
قال ابن عرفة: الألف واللام للجنس، قيل لابن عرفة: حكى الشيخ النواوي رحمه الله تعالى في الأذكار أن الحافظ أبا عمرو بن الصلاح، سئل عمن حلف أنه يحمد بجميع محامده، فأجاب: بأنه ليس بقوله الحمد لله، وإنما يريد بقوله: "الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، ويقول: الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، ويقول: الحمد لله حمداً [يوافي نعمه ويكافئ مزيده*] ونقله حديثا عن النبي ﷺ .
стр. 1095
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾
إن قلت: قد خاطبه بقوله: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، قلنا: سأله عن سبب نزوله، ولم يطلب منه رفع العذاب، وإنما سأله ليعرف موجب قدرته؛ لأنه كان وعده تنجية أهله وهو يعتقد أنه منهم وعطف: قال الأولى بالفاء، لأنها في قضية نوح ﵇، وهو أول من بعث فناسب مبادرة قومه بالتكذيب لعقب الرسالة؛ لأنه لم يتقدم له نظر في ذلك، فجاءهم بأمر غير معهود لهم، وأما الثاني فهي قضية هود وصالح، وقد تقدم قبله إرسال نوح ﵇ بزمان متطاول وغيره، فعطفه بالواو التي تقتضي الترتيب والتعقيب ولا تنفيهما، فيحتمل أنهم قالوا ذلك عقب إرساله أو بعده بزمان طويل، إن قلت: لم قال أولا (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)، وقال تعالى ثانيا [(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) *]، قلنا: الجواب كالجواب المتقدم، فإن القضية الأولى من قوم لم يعهدوا الرسالة فالكفر فيهم متصل ثابت فبدأ به تنبيها على أنه حاصل لهم على هذه المقالة، وأما الثانية فابتدأ فيها بالقوم إشارة إلى أن كفرهم غير عام فيهم، وأن القائل بعض القوم لَا كلهم، ويحتمل أن يجاب بأنه قدم القول وهنا العطف على وصفهم بالكفر غيره من الصفات.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا ... (٢٩)﴾
عطف على جواب الشرط فظاهره أنه يقول: تعقب الاستواء على الفلك مع أنه إنما يقول ذلك حين تركه في الفلك في الأرض، إما أن يكون اكتفى بدلالة القرائن على ذلك أو يكون أمر أن يدعوا بذلك حين الاستواء لينزل إلى الأرض مطمئنا، أو المراد أنزل على الذي أنا فيه فيكون دعاء بأن ينزل السفينة في محل يصلح لها خشية أن ينزل في محل يفسدها فيصادف حينئذ بكسرها.
قوله تعالى: (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).
الكلام فيه كالكلام في (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
قوله تعالى: (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ).
ولم يقل فقولوا الحمد لله، وإنما أفرده بالخطاب؛ لأنه هو المقصد [من*] الأمر بالذات، و (منزل) إما اسم مصدر أو اسم مكان.
قال ابن عرفة: والصواب أنه اسم مكان؛ لأن المصدر معنى من المعاني، والمعاني تجمل ولا تثبت بخلاف المكان.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا ... (٣٢)﴾
стр. 1096
قال الزمخشري: حق أرسل أن يتعدى بـ إلى [ولم يجعل صلة مثله*]، ولكن [الأمّة أو القرية جعلت موضعا للإرسال*]، قال الطيبي: كقوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)، والأصل أن يقال: وأصلح لي ذريتي.
ابن عرفة: فتارة يجعل متعلق الفعل محلا له، وتارة يجعله [ظرفا*].
قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ ... (٣٥)﴾
قال ابن عطية: الاستفهام يعني التوقيف على جهة الاستبعاد والاستهزاء.
قال ابن عرفة: الاستبعاد في الممكن الرجوع، والاستهزاء في المستحيل الوقوع، فإن استبعدوا وقوعه على سبيل التقرير والإنكار، وإن نفوا الإعادة وجعلوا وقوعها محالا، فهو استهزاء إما بالرسول الذي وعد بذلك، أو بالمخاطبين الموعودين به، قال: والتوقيف إما بنفي المقتضى له أن يوجد المانع له منه فهم أنكروا عليهم واحتجوا بنفي المقتضي، بقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)، من وجهين:
الأول: المثلية تمنع من اتباعكم له، [ولَا يتبع الإنسان إلا من هو أعلى منه*].
الثاني: أن المثلية تقتضي التساوي فاتباعهم له ترجيح، إذ ليس اتباعهم له بأولى من اتباعه لهم، وأما وجود المانع فباعتبار أنه آتاهم بالمحال مانع من قبول قوله: هذا عندهم دليل على بطلان قوله: فكيف يتبعونه على بطلان ما جاء به.
قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾
قال ابن عرفة: كيف الجمع بين هذه وهي من أوعد وبين قوله تعالى: في أول الآية (أَيَعِدُكُمْ)، وهو من وعد، فأجاب: بأن الأول راجع إليهم في الحال والوجود، فلذلك قرنه بالوعد، والثاني: راجع لحالتهم بعد الموت والعدم، فناسب اقترانه بالوعيد.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ... (٣٧)﴾
الضمير عائد على مطلق الحياة، وفسرها بحياة مخصوصة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾
الإنشاء أخص من الابتداء، والقرن إما القطعة من الزمان أو الجماعة المجتمعون في وقت ما، فإن أريد الأول: كان على حذف مضاف، أي أهل قرون، والوصف بآخرين تأكيدا، وكان بعض الطلبة يجعله تأسيسا ويرده بأنك إذا قلت: رأيت رجلا
стр. 1097
عالما، وآخر أنك تريد رجلا آخر مشاركا له في العلم، بخلاف قولك رأيت رجلا عالما وزيدا، فأفاد الوصف بآخر لمشاركتهم لهم في الظلم، قال: وكان بعض الطلبة يرد بهذه الآية على ابن الخطيب في احتجاجه في (المعالم) على أن الواو لَا تفيد الترتيب بقول القائل: جاء زيد وعمرو بهذه، وجاء زيد وعمرو قبله، أو لو أفاد الترتيب بقول القائل: لكان الأول تكرارا، والثاني: [تناقضا*] فقد أتت هنا لفظة تجد مع أن ثم للترتيب والمهلة، فلم يبق إلا توكيدا، قال: وتقدم الجواب بأن مهلة في ثم على قسمين حسية ومعنوية، فأفاد بعد احتمال إرادة المهلة المعنوية، أو يجاب بقول من دعم أن ثم كالواو فأفادت من بعد رفع إرادة ذلك الاحتمال، أو يجاب بأن من لَا ولا رسم أزمنة البعدية، فأفادت طول المهلة لَا قصرها، قال: ومن أريد بها أول أزمنة البعدية فتكون المهلة طويلة، لأنها عبارة عما بين أول من هلك منهم، وأكثرهم هلاكا، وإن كان أريد بها آخر أزمنة البعدية فالمهلة قصيرة بينها وبين آخر القرون.
قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾
إن قلت: هلا قيل وما يستأخرون.
قال ابن عرفة: تقدم لنا الجواب من وجهين:
الأول: مراعاة رءوس الآي، الثاني: لو قيل وما يستأخرون، لأفاد أن مجموع الأمة لَا يستأخرون عن آجالهم، وما يلزم منه أن لَا يتأخر بعضهم، فعدل عنه إلى هذا التقييد، أن كل واحد منهم لَا يتأخر عن أجله فيكون كليا [ ... ] مع أن التقدم على الأجل مكروه للنفوس، والتأخر عنه محبوب لها من كل أحد؛ لأن كل أحد يكره الموت، فلذلك جمعهم؛ لأن كل أحد يحب أن يتأخر عن أجله، فقيل لابن عرفة: قد قالت المعتزلة: إن المقتول له أجلان.
[ ... ]
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥)﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية صحة صدور المعجزة على غير يدي من تجرأ بها، [والآية*] إنما تجرأ بها موسى، وقد صدرت على يدي موسى ويدي هارون، فإما أن يكون هارون شريكا له، فيؤخذ منه جواز صدور المعجزة على يدي شخصين مشتركين فيها، أو نقول أنها صدرت على يدي موسى دلالة على صدقه في جميع ما جاء به موسى، [وأن*] أخاه هارون نبي، فتكون نبوة هارون ثبتت بقول موسى إنه نبي، مع ثبوث صدقه في مقالته، ونبوة موسى ثبتت بالمعجزة ورسالته ثبتت بالمعجزة، قال ابن عطية: والآية هي اليد والعصا، وسائر [آياتهما*]، كالبحر، والمرسلات الست.
стр. 1098
قال ابن عرفة: إنما هي خمس، وهي (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ)، والسادس الرجز، لقوله تعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ).
قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ... (٥٠)﴾
قال الزمخشري: هي بيت أرض المقدس، وهي كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء ثمانية عشر ميلا، فينقص بعدها من السماء عن بعد غيرها منها ثمانية عشر ميلا.
قوله تعالى قبل هذا (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ).
قال ابن عرفة: هذا على ما فسروه من عطف الصفات لَا من عطف الموضوعات، وكأنه يقول: وأرسلنا موسى بمعجزات وبسلطان مبين للاحتجاج بها والتحدي بها.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ... (٥١)﴾
قال المفسرون: الخطاب هذا إما لعيسى وحده، أو لمحمد صلى الله عليهما وعلى آله وسلم وحده، ويكون من خطاب الواحد خطاب الجماعة اعتبارا باختلاف الآية كقوله:
فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلِّها ... يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك
وكما قال الفخر: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، أو يكون من قبيل الجمع عن تفريق، كقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، أي قال: كل فريق منهم ذلك.
قال ابن عرفة: وهذا كله على القول بمنع خطاب المعدوم، وأما الزمخشري فهو مذهبه، وأجابنا ابن عطية بكلامه بناء على أن هذا القول، وأما على القول بجوازه فيهم أن يراد بيانها جميعها، قيل له: القول بجواز خطاب المعدوم، إنما هو على تقرير وجوده مستوف فيه شرائط تكليفه، والرسل هنا حين نزول الآية قد مضوا وانقرضوا، وليسوا مقدرين الموجود إذ زمن تطبيقهم قد مضى وعودهم [محال*]، وقال: كلام الله قديم أزلي سابق على وجود جميعهم، وهذا أيضا حكاية عما كلف به كل واحد منهم، أن للأكل الطيب تأثيرا في العمل الصالح.
قوله تعالى: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
وعد ووعيد ولفظ الرسل غير مقصود هنا، بل المراد المرسلون والأنبياء أتباعهم.
стр. 1099
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾
إن قلت: الخشية الخوف، والإشفاق الخوف، فكيف هم خائفون من الخوف؟ قلنا: الإشفاق وقوع متعلق الخوف فهم خائفون من وقوع العذاب بهم خائفون، وذكر ابن عطية: إن من [لبيان الجنس*]، والصواب أنها للسبب، ويؤخذ منه جواز أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، وتقدم نحوه في سورة الأنبياء في قوله تعالى: (وَهُمْ مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، فإن التواضع للعظمة من حيث كونها صفة لله بالتواضع، إنما هو للذات فكذلك الخوف، وما وجه من منع أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته إلا أنه فهم اللام التعدية لَا للسبب، وإن جعلناها للسبب زال الإشكال، ويكون التواضع للذات لأجل العظمة، قال: سلك في الآية مسلك الترقي بالانتقال من حالة الوقف والتردد، وهي حالة العمل بالفروع، وبقى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ... (٦٠) .. ، فالأول هو زمن النظر لهم فهم مشفقون خائفون من عدم العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل على وجود الصانع، وكذلك اختلف الأصوليون في أول الواجبات، فقيل: النظر، وقيل: القصد إلى النظر، وقال أبو هاشم [الشَّكُّ*].
قال ابن عرفة: وأكد الثلاثة الأول: بضمير الجمع، لأنها لبيان الأصول المستلزم للسلامة من صغير الكفر المقطوع لتعذيب صاحبها، والرابع: إيمانه بالفروع المستلزم للسلامة من صفة العصيان التي تحتاجها في المشيئة غير مقطوع بتعذيبه، فلذلك لم يقل (وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا آتَوْا)، أو (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، احتراس لقوله تعالى: (وَهُمْ لَهَا سَابقُونَ)، خشية أن يتوهم مسابقتهم إلى فعل ما لَا يطاق، ويؤخذ منه جواز تكليف ما لَا يطاق، وعدم وقوعه، قال الفخر: والتكليف إنما يقع بدون الوسع لَا بالوسع بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
قال ابن عرفة: [التكليف بالمتعذر ساقط، والتكليف بالمشقة*] واقع بوقوف الواحد للعشرة، وقد ورد التكليف به، وكوقوف المائة للألف يعني للجهاد.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا ... (٦٣)﴾
стр. 1100
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون إضراب إبطال؛ لأن قبلها (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فهو إبطال لمفهوم هذا، لأن مفهومه [ ... ] إتباع المخاطبين وموافقتهم على ما جاء به وإلزامهم حكمه، إذا نظروا النظر الصحيح السديد، وتأملوا فيه فأبطل هذا الملازم لكونهم عقلوا، ولم ينظروا فخالفوا حكمه وكذبوه، ويحتمل أن يكون إضراب المال من حكم إلى حكم، لقوله تعالى: (أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُم لَهَا عَامِلُونَ)، أي أعمال قبيحة، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (لَهَا عَامِلُونَ)، قلنا: أفاد نفي احتمال كونهم مأمورون بها أو تسببوا في فعل غيرهم لها فنسب إليهم، فما أن فاعل السبب فاعل المسبب، فنفى هذا الاحتمال بأنهم عاملون لها حقيقة.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ ... (٦٤)﴾
قال ابن عطية: حتى حرف ابتداء لَا غير [وإِذا والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون حَتَّى غاية لـ (عامِلُونَ) *].
قال ابن عرفة: انظر كيف يمنعان ذلك، قيل له:؛ لأن عملهم سابق على أخذهم بالعذاب، وليس مقارنا له بوجه حتى يقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها (لَهَا عَامِلُونَ)، حين وقت أخذ مترفيهم بالعذاب.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ... (٦٨)﴾
[يفهم*] على عدم تدبير مطلق القول، فيستلزم ذمهم على عدم [تدبر*] قول الرسول، من باب [أحرى*] [**الصدقة وعلى منزلته].
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ... (٦٩)﴾
أضافه إليهم.
قال الزمخشري: لمعرفتهم به وكونه نشأ فيهم، وربا بينهم، ورده ابن عرفة: بأنه يلزم عليه أن لَا يكون رسولهم إلا من عرفوه، قال: وإنما أضافه لما عليه لهم؛ لأنه من جنس البشر، وليس بطائر، ولا ملك.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ... (٧٢)﴾
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنهم ذموا على إنكارهم رسالته، مع قيام الدليل المقتضي لصحتها سمعا، وعقلا، وقع نفي المانع منها، أما الاضطرار، [فبقوله*] تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وأما الاختياري فبقوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ)، هو جامع أن الكهان والسحرة كانوا يأخذون منهم
стр. 1101
الرشوة على الإخبار بالمغيبات التي تقرها الجن في أذنهم وقر الدجاجة، فيكذبون عليها مائة كذبة، كما في الحديث.
قوله تعالى: (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ).
أخذ منه الطلبة جواز أخذ الأجرة على إقراء الحديث، وترويته وتعليم العلم، لأن ظاهر الآية مرجوحية ذلك لَا تحريمه فدل على أنه جائز، وأن كان مرجوحا، وقرأ حمزة والكسائي: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ [خَرَاجًا*] فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ)، وقرأ ابن عباس؛ (خَرْجًا [فَخَرْجُ*] رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ)، وقرأ الباقون (خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)، قال الشاطبي في سورة الكهف: [وَحَرِّكْ بِهاَ وَالمُؤْمِنينَ وَمُدَّهُ ... خَرَاجاً شَفَا وَاعْكِسْ فَخَرْجُ لَهُ مُلَا*] فاختصر اختصارا حسنا، وقال في الشعراء: [**وفي خراج مع الريح خلفهم، وكلهم فخراج بالثبوت قرا] (١)، وليس المراد أن الجميع اتفقوا على قراءتها بالألف، وإنَّمَا مراده أن الجميع اتفقوا على أن من قرأها بالألف يكتبها ألفا ثابتة لَا ألفا محذوفة، وهي في الخط ثابتة كسائر الألقاب المحذوفة في الخط.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾
الاستكانة: الخضوع والتذلل، وأورد الزمخشري سؤالا قال: لأي شيء أتى الأول ماضيا، وبالثانية مضارعا، وهلا كانا ماضيين، أو مضارعين، فيقال: فما استكانوا وما تضرعوا، وفما يستكانون وما يتضرعون، وأجاب: بأنه نفى في الأول الاستكانة باعتبار الحصول، وفي الثانية نفى الخضوع باعتبار القابلية له في المستقبل، فإن قلت: هلا قيل: فما تضرعوا لربهم وما يستكينون، فلم خصصت الاستكانة بالماضي؟ فالجواب: أن الاستكانة أخص من سبب التضرع؛ لأن الخشوع يحصل بمجرد العذاب، والتضرع إنما هو يرد به العذاب الشديد، فالتضرع أخص، فإن قلت: نفي الأخص يستلزم نفي الأعم، قلت: نفي الأخص هنا يستلزم ذلك باعتبار سببه، فإن انتفى سبب الذي [ ... ] سمعي، فإن قلت: ما معنى الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ... (٧٧) .. ، فيلزم عليه إذا فتح عليهم العذاب الشديد تضرعوا، قلنا: نعم وكذلك هو لكن لَا يفيدهم التضرع.
стр. 1102
وقال ابن عرفة: إنما [ألفينا*] مفهوم قوله تعالى: (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ)؛ [أن*] نفي الاستكانة والتضرع يقتضي اتصافهم بالتكبر والتعنت، وعدم [ ... ].، فإذا أنزل بهم العذاب الشديد لنفي عنهم ذلك التكبر والتجبر، واتصفوا بالذلة حيث لَا ينفعهم ذلك.
قال الزمخشري: وأخذهم بالسنين حتى أكلوا العلهز.
ابن عرفة: هو الدم المخلط بالشعر، وقيل: إنه كبير.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ... (٧٨)﴾
ابن عرفة: الإنشاء أخص من الإيجاد أن يكون تقدير بإيجاد بعض الأجزاء [وكلها*] هو، فإن قلت: لم أفرد السمع؟ قلت: أجاب الزمخشري: بأنه إما مصدر أو اسم [مختص*].
ابن عرفة: وعادتهم يجيبون: بأنه أفرده؛ لأنه مفرد، ومتعلقاته متعددة، والبصر متعدد بتعدد متعلقاته، فكل جهة لها إبصار خاص بها بخلاف السمع، فإنه سمع واحد يسمع به من كل جهة، وليس المراد الخارجة وهي الأذن، فالمراد بالسمع السماع لا الحاسة، بدليل قوله في المدونة فيمن ضرب رجلا بآلة حادة فأذهب سمعه، أن عليه الدية، مع أن أذنه لم تزل أذنه باقية؟ والعطف هنا ترق؛ لأن عدم الرؤية أشد من الصمم، قيل له: قد كان يعقوب وشعيب ﵉: لَا يبصران، ولم يكن أحد من الأنبياء ﵈ أصم بوجه، فقال: العمى طارئ عليهما وليس ابتدائيا بوجه، والمراد بالأفئدة هنا العقل؛ لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بهذه النعم، ولا يكون الامتنان إلا بالعقل، لَا بمجرد الفؤاد.
قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ).
قال ابن عرفة: كانت الطلبة يقولون: يحتمل أن يزيد القدر المتحرى من الشكر هو قليل، ويحتمل أن يرد الشكر الأعم، فعلى الأول: من صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يفعل الطاعات هو شاكر قليلا، وعلى الثاني: من وحد الله ولم يصدق بالنبي ﷺ ، هو شاكر مطلق شكر.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ... (٧٩)﴾
стр. 1103
قال ابن عرفة: يحتمل أن يريد (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) [ ... ]. ابن عرفة: بل المراد أفردكم فيها لئلا يلزم عليه التكرار، أي أقركم فيها بلا تناسل.
قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)،
تقديم المجرور إما للحصر أو لرءوس الآي أو للنشر.
فقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ .. (٨٠) .. ، في إسناد الإحياء والإماتة إلى الله تعالى، رد على الحكماء القائلين بالطبع والطبيعة، وفيه دليل على أن الموت أمر وجودي، لخروجها مخرج الامتنان، والامتنان إنما يقع بالموجود لَا [بالمعدوم*]، أو؛ لأن الموت تفريق الأعضاء، والتفريق أمر وجودي.
قوله تعالى: (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
وانتقل من ذات الامتنان إلى الاستدلال بأمر خارجي عنه، وهو العالم العلوي.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا ... (٨١)﴾ .. إضراب إبطال؛ لأن نتيجة ما تقدم الاعتبار والإنابة والخضوع، فأضرب عن ذلك، والإضراب عنه يستلزم فعل نقيضه، بل بمعني مسكون عنه محتملا لفعل النقيض ولعدم فعله، فقال: لم تفعلوه بل فعلوا نقيضه، والمثلية تقدم في الأصول هل هي بديهية أو نظيرية؟ والخلاف هل هي عملية، أو إضافية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا ... (٨٤)﴾
قال ابن عرفة: حذف المقول له، إما لكونه معلوما من السياق، أو لدلالة حال سيقولون عليه، قال: والآية دالة على وجود الله ووحدانيته، قال: ويستفاد منها أمران:
أحدهما: تقرير النعمة لنصب هذه المذكورات دليلا على وجود مالكهما ووحدانيته.
الثاني: نفي القدر عمن خالف وجحد، قال: وخصص الأول بالتذكير؛ لأن الإنسان في أول أحواله يتذكر الدليل ليعلم ماذا تقرر عنده، فإذا تقرر عنده العلم حصلت له التقوى، فالقدرة ناشئة عن التذكر فهي في ثاني رتبة، وبدأ أولا بالأمر الحسي القريب، الوجود منهم ثم بالحسي العلوي الأعظم خلقه، فالمعنوي في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ... (٨٨) .. ، فقرن الأول بالعلم، وحذفها من الثانية
стр. 1104
لبعدها عن الأول، ويؤخذ من الآية أن العلوم تذكيرية، وهو مذهب الفلاسفة، ومذهب الجمهور أنها إنشائية لَا تذكيرية.
قوله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ).
قال ابن عرفة: الآية حجة المقول بإمكان معرفة حقيقة ذات الله ، والقول بالعلم بها، وهما مبطلان، ذكر الخلاف فيهما ابن التلمساني شارح المعالم فأما إمكان معرفة ذات الله تعالى، فقال الفلاسفة والحكماء: أنه محال، ومذهب الجمهور جوازه، وأما وقوع ذلك في مذهب الفخر وجماعة: أنه واقع، ومذهب القاضي أبي بكر، والأشعري، وجماعة: الوقف، والوقف ما وقف حياة، أو وقف استرشاد، والسؤال بمن إنما يكون على الحقيقة، والأفلاك من حيث الجملة، اختلف فيها فقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: تسعة، وقيل: عشرة، ومن حيث التفصيل اتفقوا أنها أربعة وعشرون فلك.
قوله تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ).
قال الشهرستاني، والغزالي: الفلك عبارة عما وجد في الخارج، مما هو مشاهد الموجود، والملكوت: عبارة عما وجدوه، مما لم تشاهده، ولم يوجد.
وقال ابن عرفة: الملك أعم فيطلق على ما قدر وجوده سواء وجد أو لم يوجد، والملكوت: عبارة عما وجد في الخارج، فظاهر الآية أن المستحيل لَا يصدق عليه شىء.
قوله تعالى: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ).
أي هو يمنع غيره ولا يمانع فيما يفعل، يقال: أجرت فلانا من فلان أي منعته منه، وهذه الجملة إما في موضع الحال، أو معطوفة، أي ومن يجير، ولأن بعضهم يرجح العطف؛ لأنه يقتضي تعديد هذه الأدلة، وتقدر الدليل أولى من إيراده.
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ... (٩١)﴾
يعني اتخاذ الولد أعم من نفي الولد، فيدل باللزوم عن نفي الولد. لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وما ينفي الحال، والمراد به ما وقع ودام، والقرينة هنا تدل على عموم النفي في كل الأزمنة.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ).
стр. 1105
وقال ابن عرفة: عدل عن الاستدلال عن عدم اتخاذ الولد، إذ دليله ظاهر [على وحدانية الله تعالى*]، وفي تقرير الاستدلال بهذه الآية إشكال لاقئضائها من لوازم الإله الخلق، وهو باطل؛ لأنه يلزم عليه قدم العالم.
قال ابن عرفة: الجواب عن الإشكال، أن المراد وقوع الخلق بالفعل، وتقريره في الآية أنه لو فرض تعدد الآلهة مع [ضميمة*] وقوع الخلق منهم في الوجود الخارجي للزم عليه استقلال كل واحد منهم بمخلوقه، وعلى بعضهم على بعض، واللازم باطل باللزوم مثله بيان الملازمة، أن الفرض وجود المخلوقات، فهذه المخلوفات إما أن لا تضاف خلقها لواحد منهم، وهو باطل؛ لأنه خلاف الفرض، أو يكون معدودة للجميع وهو باطل لاستلزامه اجتماع أثرين على مؤثر واحد، أو تكون مقدورة لأحدهما دون الآخر، وهو ترجيح من غير مرجح، فلم يبق إلا أن يضاف بعضها إلى هذا، فيكون مقدراً له، وبعضها إلى الآخر والبعض الذي اختص به أحدهما، إما أن يكون الآخر قادر على إيجاده، وهو تحصيل الحاصل، أو على إعدامه فيلزمه التناقض والعجز، فصح أن كل واحد منهم إله للآخر فيما اختص به عنه، وهو معنى علو بعضهم على بعض.
قوله تعالى: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ).
راجع إلى اتخاذ الولد والأنداد.
قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾
راجع إلى نسبتهم لشريك الله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾
يحتمل أن يكون من وعد في الخير، أو من أوعد في الشر، وهي هنا من أوعد.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾
دعواه بذلك مع عصمته منه لَا يقال: إنه تحصيل الحاصل، بل هو إما من تعليمه لأمته، أو كما قال الزمخشري: إنه إظهار للتذلل والخضوع، قال: واقتران الفعل [بـ في*] دون (من)، إما مبالغة [في*] النفي؛ لأن قولك: زيد من الظالمين، فإنه يقتضي صحبته لهم أعم من أن [يكون*] شريكا لهم في الظلم، بخلاف قولك: زيد من الظالمين، فإنه يقتضي مشاركته لهم في وصفهم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾
стр. 1106
قال إمام الحرمين في الشامل: مذهب أهل السنة، صحة تعلق القدرة والإرادة بما علم الله عدم وقوعه، ومذهب غيرهم امتناع ذلك.
قال ابن عرفة: والآية حجة لأهل السنة لاقتضائها عموم تعلق قدرة الله تعالى، بأن جعل نبيه مبصر الجميع، ما وعد به من أنواع المهالك في الدنيا؛ لأن الرؤية بصرية، وقد مات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل استيفاء ذلك، لهلاك جمع كثير منهم ممن ارتد بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم على يدي أبي بكر، وعمر ﵄ وقد نص الله تعالى على تعلق القدرة بذلك.
قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ... (٩٦)﴾
المراد إما بالخاصة، أو بالحالة، أو بالفعلة التي هي أحسن، ويتناول الحالة القاصرة والتعدية، وهو أن يدفع عجزه عن الطاعة بنشاطه وعمله، وانتقامه لنفسه بعفوه عن الجاني.
قوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ).
هذا تسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي افرغ وسعك وقاتلهم بما في كسبك، وما سوى ذلك [مما*] لم يبلغه وسعك*] فنحن أعلم به ونجازيهم عليه، وكان بعضهم يأخذ من الآية ترجيح القول بتخفيف العقوية في المسائل التي اختلف في منتهى العقوبة فيها بالكثرة والقلة بنا، على أن المراد بالأحسن الأخف، ويحتمل أن يراد الأحسن شرعا فينعكس الأمر ويكون الأحسن الشديد.
قوله تعالى: ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾
إما على [أن*] لكل شيطان همزة، أو لكل شيطان همزات.
قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾
ئأسيس؛ لأن الحضور أعم من الهمز، وقد دعا بنفيه، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ... (٩٩)﴾
أمر وجودي أو عدمي، فإن كان عدميا، فالمراد بمجيئه مجيء [علة الموت*]، وإن كان وجوديا فهو عرض من الأعراض، كما أن الحياة عرض، وهي أمر وجودي،
стр. 1107
والمراد بمجيء الحصول، وبعد حصول الموت هو الذي يطلب الرجوع؛ لأنه على مذهبنا انتقال من دار إلى دار، لَا إعدام لبقاء النفس الناطقة، والروح فيه تطلب الرجوع البدني لدار الدنيا، فلا تسعف بذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ... (١٠٠)﴾
أي من أمامهم، وعبر بلفظ الواو إشارة إلى تحقيق وقوعه، وأنه أمر واجب لَا بد منه، فهو طالب [لهم*]، كطلب من يتبع الإنسان من [خلفه*]، لأنه لَا مفر له عنه بوجه، بخلاف من هو أمامه، فإنه قد [يجيئه*] شمالا ويمينا.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾
أي الأنساب ثابتة أي نافعة، وإلا فالأنساب موجودة، ويحتمل أن يكون على التوزيع أو بين كل شخصين نسب، ويحتمل الجميع، لأنه قد يكون بين كل شخصين أنساب، فيكونان ابني عم وزوجان، أو أخوين، وإلا [فاللفظ*] عام للجميع، وقوله تعالى: (فَلا أَنْسَابَ)، إشارة إلى الآباء عدوهم الأصحاب، فلا يسأل أحدهما الآخر عن حاله، بل كل أحد مشغول بنفسه.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ... (١٠٦)﴾
يدل على اتصافهم بمذهب الجبرية القائلين: بأن لَا قدرة للعبد ولا كسب، لأنهم آتوا هذا عذرا لهم، أن هذا أمر قدر علينا لَا طاقة لنا به، كقول آدم لموسى صلى الله على نبينا محمد وعليهما وسلم: [تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ*]، وقولهم (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا ... (١٠٧) يدل على اعتقادهم أن لهم كسبا [واختيارا*].
قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾
قال الزمخشري: وعن ابن عباس ﵄ [إنّ لهم ست دعوات: إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فيجابون: حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي*].
ابن عرفة: يحتمل أن يجابوا بذلك في كل مرة، أو في المرة الأخيرة، وهو وكذلك الحكم في الست دعوات إلى آخرها، قال ابن عطية: ونهيهم عن الكلام، وهم لَا يستطيعون الكلام مبالغة في المنع، [ورده*] ابن عرفة: بوجهين:
الأول: أنهم يستطيعون الكلام وقد قالوا: [(يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) *] وتكلموا بغير هذا، وقد ورد الدعاء بالواجب، فكذلك النهي عما هو غير مستطاع.
قوله تعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ).
стр. 1108
كان بعض الطلبة يقول: دليل على أنه [ ... ] إذ ليس بواجب عقلا، وإنما واجب شرعا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي ... (١٠٩)﴾
[إِنَّ رُؤَسَاءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَيَضْحَكُونَ بِالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ مِثْلِ بِلَالٍ وَخَبَّابٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ ﵃*]
قوله تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا).
ويؤخذ منه قول ترجيح، قول ابن سحنون: في إجازته قول القائل: من غير تقييد بالنسبة؛ لأن هذا إنشاء لَا خبر عن معنى والقطع فالمعتقد دوامه، وقد حكى عياض: أن رجلا ضرب الباب على ابن سحنون، فقال: كيف تقول أنا مؤمن؟ فقال: أنا مؤمن إن شاء الله فبصق في وجهه، فأصيب الرجل بلكمة واعورت أحد عينيه.
قال ابن عرفة: والتحقيق أنه قصد الإعلام بحالته، فلا شيء فيه، وإن قصد الإعلام بعاقبة أمره فلا بد من الاستثناء.
قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا).
دليل على التوبة غير مقطوع بقبولها إلا أن يجاب فيه بصحة الدعاء بالواجب إظهار التذلل والخضوع.
قوله تعالى: (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ).
ولم يقل: أنت خير الغافرين؛ لأن الرحمة سبب في المغفرة، وإسناد الحكم إلى السبب أقوى من إسناده إلى سببه، ولذلك فرق الفخر بين [بُرْهَانِ اللِّمَ وبُرْهَانِ الْآنِ*].
قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ... (١١٠)﴾
أي خدمة وهو بضم السين، وقرئ بكسرها، أي فعله، واستهزاء وقيل: العكس.
قوله تعالى: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي).
قيل: حتى [للتعليل*]، وقيل: غاية، فإن قلت: مفهوم الغاية على أن نسيانهم ذكر الله واقع لاتخاذهم المؤمنين سخريا، قلنا: واقع العموم السخرية، ويبقي أخصها، وهي السخرية الأخصية الشديدة [ ... ] فهو آخر مدخر.
قوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾
وجه الحصر هنا إما باعتبار قسمهم وهم الكفار أو للمحصور فيهم فوز خاص وسائر المؤمنين حصلوا فوزا عاما.
стр. 1109
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾
قال ابن عرفة: كلام الشاطبي هنا مشكل؛ لأنه قال:
[وَفي قَالَ كَمْ قُلْ دُونَ شَكٍّ وَبَعْدَهُ ... شَفَا وَبِهَا يَاءٌ لَعَلِّيَ عُلِّلَا*]
فقوله: [وَبَعْدَهُ*] يوهم بأن الخلاف في (قالوا) كما هو في (قال)، وإنما قرئ [(قالُوا*] لَبِثْنَا يَوْمًا أَو بَعْضَ يَوْمٍ)، فأجيب: بأن لفظ قال يدل على أن الذي بعده مثله، فما هو إلا قال الثاني، فقال: هذا أمر مردود، لقوله في باب الإمالة: [وَكَيْفَ الثُّلاَثِيْ غَيْرَ زَاغَتْ بِمَاضِيٍ ... أَمِلْ خَابَ خَافُوا طَابَ ضَاقَتْ فَتُجْمِلَا وَحَاقَ وَزَاغُوا جَاءَ شَاءَ وَزَادَ فُزْ ... وَجَاءَ ابْنُ ذَكْوَانٍ وَفِي شَاءَ مَيَّلَا*] مع أن حمزة يميل [جاء*] مفردا أو مثنى أو مجموعا، قيل له: يستدل على هذا، بقوله: "وكيف الثلاثي" معناه كيف ما كان مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، وغلط ابن عطية النسبة لابن عامر أنه قرأ كنافع وليس كذلك، وإنما قرأ كابن كثير ونسب البزي أنه قرأ وهي قراءة ابن كثير من طريق البزي، وقيل: وكذلك غلط أيضا، فقال: ادعم أبو عمرو والكسائي (لَبِثْتُمْ).
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ ... (١١٦)﴾ في ظاهرها حجة للمعتزلة [بوجوب*] الإعادة عقلا، فالجواب: إن معنى (أَفَحَسِبْتُمْ) بعد بعثنا الرسل إليكم أنا خلقناكم عبثا؛ بل جعلنا خلقكم مرتبطا بثوابكم أو عقابكم [بالشرط*] الشرعي العادي؛ [لا أن*] ذلك واجب على الله عقلا، بل هو واجب شرعا، وإعادتكم جائزة عقلا، وهي بالشرع واجبة، قيل لابن عرفة: فلم عطف عليه (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)؟ فقال: لأن خلقهم عبثا يستلزم عدم إعادتهم، فلذلك عطف عليه قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ) هو أبلغ من على الله.
قوله تعالى: (الْمَلِكُ الْحَقُّ)، هو القادر على كل شيء، النافذ أمره في كل شيء. وصلى الله على مولانا وسيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى سائر إخوانه ساداتنا من الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين، وعلى آلهم وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، آمين.
* * *
стр. 1110
سُورَةُ النُّورِ
قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا ... (١)﴾
قال ابن عطية: سورة خبر مبتدأ، أي هذه سورة، أو هو مبتدأ و (أَنْزَلْنَاهَا) صفة، وخبره الجملة من (الزانِيَةُ وَالزانِي) ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح كونه مبتدأ خبره أنزلنا؛ لأن سيبويه لم يشترط في الابتداء بالنكرة إلا [حصول*] الفائدة، ولا شك أن الفائدة أكثر من الفائدة في قولك: رجل من بني تميم قائم، وقرئ [بنصب (سُورَةً) فأعربه الفراء حالا*] من ضمير المفعول في (أنزلنا)، قيل لابن عرفة: وأين مفسر الضمير؟ فقال: لما أنزلنا الأحكام أو الشرائع حالة كونها سورة.
قال ابن عرفة: و (أَنْزَلْنَاهَا)، إن أريد إنزالها إلى سماء الدنيا، فيكون ماضيا حقيقة.
ابن عطية: فرضناها بتخفيف الراء ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وقوعه.
ابن عرفة: ولذلك جعل أبو زيد الدبوسي الفرض ما نشأ عن دليل قطعي، إذ هو مأخوذ من الفرض في الخشية، والوجوب ما نشأ عن دليل قلبي إذ هو بمعنى السقوط، قال تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، وقرئ بالتضعيف لتكرر الأحكام فيها ما لم تتكرر في غيرها.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
أي يفصل لكم على شبيه بما تحصل لمن تذكر شيئا نسيه أو تذكرون ما علمتم يوم [أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ*]، والحكماء القائلون بأن العلوم كلها تذكيرية يحملونها على ظاهرها.
وفال الفخر: هذا إشارة إلى اشتمالها على الأحكام وعلى أدلتها، فقال ابن عرفة: ليس فيها أدلة، قال: فيها أدلة. قال: وفيها من علم البيان [ ... ]. السرقة من الرجل أكثر، [ووقوع*] الزنا من النساء أكثر، فإن قلت: هذا يتم في السرقة ولا يتم في الزنا، لأنها نسبة إضافية، فكذا المرأة يكثر منها الزنا مرات مع رجال كثيرين، والرجل في الأكثرين مرة واحدة، قلت: أو لكثرة النساء وقلة الرجال، قال ابن عطية: وهذه الآية عامة عند الجميع، وحكم المحصنين منسوخ، واختلفوا في النَّاسخ، فقالت فرقة: النَّاسخ: السنة المتواترة.
стр. 1111
قال ابن عرفة: هذا عند الأصوليين تخصيص لَا ناسخ، لكن قالوا المخصص إذا ورد على العام بعد العمل به فهو ناسخ، وإن كان قبل العمل به فهو تخصيص، في قوله: السنة المتواترة.
قال ابن عرفة: هذا عند الأصوليين مخالفا لما قال ابن الصلاح: لم يتواتر من الأحاديث غير حديثين:
حديث "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
وحديث "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ".
والباقي أخبار آحاد.
стр. 1112
ابن عطية: وقالت فرقة: بل النَّاسخ القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه.
ابن عرفة: وهو الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما ألبتَّة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ... (٢)﴾
ابن عرفة: هل هذا من باب وروده على النفي [عن*] غير المخاطب، مثل [لا أرينك هاهنا*] للرأفة، فالأصل أن يقال: [لَا ترأفوا بههما*]، أو يكون من باب النهي عما هو أمر جلي، فيرجع إلى ترك أسبابه.
قوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
[جمعت الآية العذاب الحسي، والعذاب المعنوي*]، والطائفة اختلفوا في أقل ما يجزئ منها.
ابن عطية: عن الحسن البصري عشرة، وعن ابن زيد أربعة، وعن الزهري ثلاثة، وعن عطاء، وعكرمة اثنان، وهو مشهور قول [مالك.*]؛ وعن مجاهد رجل واحد.
ابن عرفة: وقيل: ستة لأنها أول العدد التام الأجزاء.
قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ... (٣)﴾
فسره ابن عطية بأربعة أوجه: إما أن النكاح الوطء، فالزاني لَا يطأ إلا زانية، قال: ورده الزجاج بأن النكاح بمعنى الوطء، لم يرد في القرآن، وأجاب ابن عطية بوروده (حَتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، ورده ابن عرفة بأن الصحابة إنما فهموه على العقد، ولذلك لما أرادت المرأة غير المدخول بها الرجوع لزوجها الأول منعها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بقوله: "حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، فلو كان قضى في الوطء لما احتاجت إلى تفسير الآية، فإن قلت:
стр. 1113
معلوم أن الزنا لَا يكون إلا بزانية، وأن الزانية لَا يطأها إلا زان، قلنا: قد يزني الزاني بامرأة مكرهة على الزنا، فهو عام مخصوص ولا يلزم من عطف الزانية عليه تخصيصها؛ لأن الإكراه في الرجل غير مفهوم، لكن يقال: قد تكون المرأة عالمة بالزنا ويزني بها الرجل غالطا ظانا أنها زوجة، فإن قلت: لم بدأ أولا بالزانية في الجلد وبالزاني بالنكاح؟ قلنا: بدأ هنالك بالزانية لأنها هي المادة التي جاءت منها الجناية، لأنها لو لم تطع الرجل لم يطمع، والآية سيقت لعقوبة الجاني، والثانية سيقت لهذا النكاح، والرجل أصل فيه؛ لأنه هو الخاطب، وأيضا فلأن الرجل في الوطء فاعل، والمرأة منفعلة، فلذلك بدأ به.
قوله تعالى: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
وكان بعضهم يفسره بأمرين: إما أنه [حكم بالتحريم*]، وإمَّا إخبار عن الواقع، أي المؤمنون الكاملون الذين منعوا أنفسهم منه فلا يقعون فيه، ولا يفعله إلا مشرك أو ضعيف الإيمان، كما قاله: "لَا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
стр. 1114
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ... (٤)﴾
قال ابن عرفة: إنما ذكر قذف المحصنات دون قذف المحصنين؛ لأن لحوق المعرة للنساء أشد، بدليل قول الإمام مالك ﵀: قاذف الصبي الذي يطيق الوطء [إنه لَا يحد*]، بخلاف قاذف الصبية المطيقة للوطء، وما ذلك إلا للحوق المعرة لها.
قوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
مع أن مالكا ﵀، قال في الضد: إذا قذف إنه يجلد نصف الثمانين [وعقاب القاذف*] بثلاثة أمور: حسي: وهو الجلد وعدم قبول الشهادة، ومعنوي: وهو الحكم عليه بالفسق.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ... (٦)﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منها أنه إذا شهد أربعة على الزنا أحدهم الزوج أن الثلاثة يحدون؛ لأنه ألغى شهادة الزوج، بقوله تعالى: (وَلَم يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أنْفُسُهُمْ)، فإذا ثبت إلغاؤها مع انفرادها ثبت مطلقا، وهي مسألة المدونة في [أجزاء اللعان*].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ... (١٠)﴾
يؤخذ منه في مسألة الغيبة فيمن حلف على طائر أنه غراب، وحلف الآخر أنها حدأة، فغاب عنهما أنهما يَدِينَانِ ولا يحنث واحد منهما، وكذلك هذان المتلاعنان؛ لأن أحدهما على الباطل مع أن الله تفضل بأن يستر عليهما، وقد جاء في حديث ماعز بن مالك والغامدية، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لهما بعد تمام اللعان: "أحدكما كاذب"، وتركهما ولم يتعرض لهما، ولم يقل لهما ذلك قبل اللعان؛ لأن لعانهما أوجب لهما [حرمة*] يبقيا مهملين من العقوبة.
стр. 1115
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... (١١)﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن دل الدليل على الاعتناء بالمخاطب، فإنه يقال: لا تحسب زيدا قائما، وإن لم يقصد الاعتناء به، فيقال: ليس زيد قائما.
قوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾
وكان بعضهم يقول: إطلاق الألفاظ على مسمياتها تابع للتركيب الوجودي، ولا شك أن ظن الخير سبب في قوله: والسبب سابق على المسبب، هلا عطف بالفاء، فكان يقال: فقالوا هذا إفك، قال: لكن يجاب بأنه إذا كانت السببية ظاهرة جلية، لم يحتج إلى عطفها بالفاء، وإنما يحتاج ذلك في السببية الحقيقية.
قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه أن من قذفه رجل بالزنا، وعلم من نفسه صدق قاذفه، وأنه زان فلا ينبغي له السكوت عنه، بل يرفع أمره إلى الحاكم، ويقوم بحقه في ذلك حتى يجد قاذفه حد القذف بدليل قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، فكل من لم يأت بالشهادة على صحة قوله فهو عند الله كاذب، وإن كان في نفس الأمر صادقا، يؤخذ من الآية أن من رمى عائشة ﵂، وكرم وجه أبيها بذلك، فهو كافر؛ لأنه كذب بالقرآن، ومن رمى غيرها من نسائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنهن فهو فاسق؛ لأن الكل مبرءات [طاهرات*] غير أن تبرئة عائشة ﵂، وكرم وجه أبيها، وردت في القرآن بخلاف غيرها، ولم يكن هذا في زوجة نبي قط؛ لأنه مما يعيب الرجل أن تكون زوجته زانية.
стр. 1116
قوله تعالى: في امرأة نوح وامرأة لوط: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)، بأن كفرتا فقط لولا ذلك ما احتيج إلى قوله تعالى: (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... (١٤)﴾
قال ابن عرفة: إنعام الله تعالى على العبد له اعتباران: تارة يعتبر من حيث كونه واقعا فهذا يسمى تفضلا، وتارة يعتبر من حيث كونه مراداً فهذا يسمى رحمة، كذا كان بعضهم يقول: قال ابن الخطيب: الفضل باعتبار الإمهال في الدنيا، والرحمة باعتبار تخفيف العذاب في الآخرة.
قوله تعالى: (لَمَسَّكُمْ).
قال ابن عرفة: هذا أبلغ من أن يقول: لأصابكم، أو لأنالكم، أو لوقع بكم، لأن المس يقتضي تحقيق الإصابة.
قوله تعالى: (فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ)، الإفاضة: هي استماع الحديث لإسماعه مع الإجابة ومنه المفاوضة.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ... (١٥)﴾
قال ابن عرفة: الباء للسبب، ومعناه قلتموه، والسبب مجرد سماعه من ألسنة بعضكم من غير طلب دليل على صحته والإسناد [ ... ].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا ... (١٦)﴾
فعبر بالكلام والقول أعم من الكلام، والقاعدة استعمال الأعم في النفي والأخص في الثبوت، قال: فالجواب: أن الأول في معرض الذم لهم، فذموا على إشاعة مطلق القول الذي يتناول القيد الخاص، وما دونه فأحرى أن يذموا على إشاعة القول المتناول للغيب الأخص، ثم قال تعالى (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ)، فنفى، ولولا إذ سمعتم هذا القول الخاص سماعا مستكملا لشرائط السماع، قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا فأحرى إذ سمعتموه مطلق سماع، وإن لم يستكمل بعضه أن ترجعوا وتقولوا: لا نتكلم به، قيل له: إنما هذا لو قيل: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) كلاما فيكون في موضع الثبوت، وإنما أتى هنا بالكلام في سياق النفي، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم،
стр. 1117
فأجاب باسم الإشارة في قوله، بهذا يفيد مع قوله: تكلم أنه سماع كلام لَا سماع قول، فلما أثبت الأخص نفاه بقوله: ما (نَتَكَلمَ بِهَذَا).
قوله تعالى: (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ).
قال ابن عرفة: البهتان أن تقول في الشخص ما ليس فيه، وهو هاهنا كذلك بزيادة مخالفته للضرورة، كقولك: الواحد نصف الاثنين لوصف البهتان بالعظم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ... (١٩)﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون قوله تعالى: (فِي الَّذِينَ آمَنُوا) كل أركانه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾
الرحمة أخص من الرأفة، فإذا أطعمت فقيرين أحدهما مشرف للهلاك، والآخر معه بعض زمن يصدق عليك، أنك رحمت الأول ورأفت على الثاني.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... (٢١)﴾
قال ابن عرفة: المنكر كل ما قبحه الشرع مما اشتَّد قبحه كالزنا، وشرب الخمر فهو منكر، وما كان دون ذلك، كالغيبة ونحوها فهو فحشاء.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... (٢٢)﴾
قالوا: يأتل إما من الإيلاء، أو بمعنى التقصير.
ابن عرفة: وهو الصواب؛ لأنه إذا كان من الإيلاء لزم عليه تكليف ما لَا يطاق، ولأن إيلاء أبي بكر كرم الله وجهه وقد وقع وما وقع لَا يرتفع، ولا بد أن يرجح النهي لدوام الإيلاء وتقريره؛ لأنه إن قاله في قسمته، فكأنه حدده وهو مجاز وإلا فسد.
قوله تعالى: (أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ).
والسعة من عطف الخاص على العام؛ لأن الفضل هو الزيادة في المال أعم من أن يكون فيه اتساع أم لا.
قوله تعالى: (أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
قيل لابن عرفة: هذا دليل على إبطال القول بالإحباط؛ لأن مِسْطَحًا كان ممن خاض في حديث الإفك، وتولى كبره فلو كان إثمه يحبط لحصل له من ثواب الهجرة لها (والمهاجرين في سبيل الله)؛ لأنه من عطف الصفات.
стр. 1118
قوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا).
قال ابن عرفة: العفو عمن قصد الجناية عمدا كان أو خطأ، والصفح بالمتعمد، بدليل قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، فإذا شككت في تعدي رجل عليك ثم تركته فهذا عفو، وإذا تحققت ذلك ثم تركته فهذا صفح.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ... (٢٦)﴾
والمراد الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، والفعلات الخبيثات للرجال الخبيثين.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ).
قال: عادتهم يوردون: سؤالا، وهو أن تبرئتهم من هذا يقتضي عدم [احتياجهم للمغفرة*]، فيناقض قوله تعالى: (لَهُم مَغفِرَةٌ)، فأجيب بأنه يغفر لهم لثبوت ما يثبت بسبب رميهم مما هم برآء منه، وإما بأن قوله لهم يقتضي الحصر وخصوص هذه المغفرة الخاصة المعنى لهم بها وحدها، ولذلك قدم المجرور.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ... (٣٥)﴾
قال ابن عرفة: ذكر القاضي ابن عبد السلام أنهم اجتمعوا للشهادة في ميدان في حقيقة هذه الآية، فامتنع الفقيه أبو إسحاق بن عبد الرفيع من الشهادة عنه حتى يذكر الآية كلها قال [باقي الآيةِ صفةٌ لـ (مصباح) *].
قال ابن عرفة: وهذا عندي مستحسن لَا واجب.
قوله تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... (٣٦)﴾
ولم يقل: أمر الله أن ترفع، فالجواب: إن كان المطلق محبوبا للنفس، فيقال فيه: (أَذِنَ) لأنها بنعتها تطلبه وتفعله، والإذن خاص مما ترغب النفس في فعله، والأمر عام فيه وفيما تكرهه النفس وتعظيم هذه البيوت مما تفعله النفوس وتحرص عليه.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ... (٣٨)﴾
إن قيل: ظاهره أنهم يثابون على الأحسن لَا على الحسن، فالجواب هنا: إن قلنا: إن المباح حسن فظاهر؛ لأن ما فوقه مندوب، وإن قلنا: إنه ليس بحسن، فيكون تهييجا على الاتصاف بأعلى الطاعة، فوعدهم بالثواب على أعلاها دون أدناها.
стр. 1119
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ... (٣٩)﴾
هذه اتباعهم المقلدين، لأنهم يظنون أن كبارهم على شيء كما يظن الناظر إلى السراب أنه ماء فلا يجده شيئا.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ... (٤٠)﴾
هذه في آلهتهم ورؤسائهم المتنوعين، لأنهم في الظلمات لأنهم يعتقدون أن ما هم عليه حق، فإذا هم يمشون في الظلمات لَا دليل لهم بوجه.
قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... (٥٠)﴾
نقل ابن عرفة هنا كلام المفسرين، ثم قال: والظلم من معنى الآية أن الشيء بما يثبت بعد نفي الجرم بثبوت نقيضه، أو نفي الشك في ثبوت نقيضه، أو نفي لازم نقيضه، فقوله تعالى: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، راجع لنفي ثبوت الإيمان، وقوله تعالى: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، هذا ظلم الكفر لَا ظلم المعصية المذكور، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ... (٥٩)﴾
يحتمل أن يكون [نفس الْحُلُم*]، أو بلغوا أن يحتلموا في النوم، والظاهر الأول، لأن البلوغ [يقتضي*] قطع المسافة، وهذا يستدعى الزمان، فإِن قلت: لمَ لم يقيد استئذان المماليك بالعتق، كما قيد استئذان الأطفال بالبلوغ؟ فالجواب: أن الأطفال إن بلغوا فلا يزالون أولادا وقرابة، والمماليك إذا أعتقوا صاروا أجانب.
قوله تعالى: (كَمَا اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم)، المراد من قبلهم في الزمان؛ لأن الذين قبلهم في الزمان الأطفال، ولم يكونوا يستأذنون، وإنما المراد [القبلية*] في ذكر بيان الحكم، أي استأذن الذين تقدم بيان حكمهم قبل هؤلاء، والكاف للسبب أو للتعليل، مثل: وأحسن كما أحسن الله إليك.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ).
وقال: بعدها وقبلها (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ)، وأجيب بوجهين:
الأول: قال ابن عرفة: هذه خاصة بالأطفال، والتي قبلها عامة في العبيد والأطفال، فأتى منها بالآيات مطلقا غير مقيد بالإضافة وهذه خاصة، فعبر فيها بلفظ خاص، ومنهم من أجاب بأن الخطاب للبالغين فأسند الحكم فيه لله تعالى تخويفا لهم وتشديدا عليهم.
стр. 1120
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... (٦١)﴾
يحتمل أن يراد في التخلف عن الجهاد، ويحتمل أن يراد في الأكل من كل جهة، ويحتمل أن يراد نفي الحرج عمن يأكل مع الأعمى، وله أن يجعل يده في الإناء، فيكون إما على حذف مضاف، أي ليس على مُجالس الأعمى حرج، أو تكون على التعليل كما قال ابن مالك، أي ليس لأجله حرج.
قوله تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ).
نفي الحرج عن الإنسان في الأكل من البيوت معلوم، فما فائدته إلا التساوي بينه وبين نفي الحرج عن الأكل من بيت الآباء مع أن طاعة الأم آكد لتكرار [دخولَ الأبناءِ إياها*]؛ لأن النفقة واجبة على الآباء، وقدم العمة؛ لأن الحضانة لها عند الإمام مالك ﵀ دون الخالة، فإن قلت: أفرد الصديق وجمع غيره، قلت: إنما أفرده لقلته أو أراد به الجنس.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (٦٢)﴾
يحتمل أن يراد مطلق الإيمان، والكاملون الإيمان، وهو [الأعم*]؛ لأن الخبر عندهم أعم من المبتدأ؛ لأن في المحصور؛ لأنه أخص بقول: إنما العالم زيد، والخبر هنا مقيد بتوقيفهم على استئذانه، إذا كانوا معه على أمر جامع، فدل على أن المراد الكاملون في الإيمان، ولا يلزم منه أن يكون أويس القرني منهم، لأنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يكن معه حتى يستأذنه.
قوله تعالى: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ).
لا يؤخذ منه أنه مجتهد؛ لأن هذا اجتهاد في محل الحكم لَا اجتهاد في إثبات حكم شرعي، كما استأذنه بعضهم في التخلف عن الجهاد، [فإن بدا له عذر يمنعه ويبيح له التخلف فيأذن له*].
قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ ... (٦٣)﴾
والنهي للتحريم والمصدر مضاف إما للمفعول، أي دعاؤكم للرسول، وهو أن الداعي إذا دعا يقول: السلام عليك يا رسول الله، ولا يقول: السلام عليك يا محمد، فأمروا بالتأدب معه أو مضاف للفاعل، أي لَا تجعلوا دعاء الرسول لكم إلى أمر من الأمور كدعاء بعضكم لبعض بحيث تمتثلوا أمره تارة، وتخالفوه أخرى، فإن قلت: ما فائدة قوله (بَينَكُم)، [والأصل عدمه*]؛ لأن النهي على المطلق [أولى*] من النهي المقيد؟ فالجواب: أنهم إذا نهوا عن مخالفة أمره فيما بينهم، أي في حال غيبته عنهم، فأحرى أن ينهوا عن مخالفة أمره فيما بينهم وبينه، أي بحضرته معهم، فيعلق النهي بالأخص؛ ليدل على ما عداه من باب أحرى.
* * *
стр. 1121
سُورَةُ الْفُرْقَانِ
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ... (١)﴾
قال ابن عرفة: كلام أبي حيان يقتضي أن (تَبَارَكَ) مطاوع بارك، وكان بعضهم يرده بأن فعل المطاوعة [فاعله مغاير لفاعل فعله الأصلى*]، مثل: كسرته فانكسر، فالفاعل منها مختلف وهو هنا متحد، مثل: علا فتعالى، وقال: وأجيب: بأنه مختلف باعتبار اعتقاد المعتقد لَا باعتبار ما في نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٢)﴾
وجه مناسبتها لما قبلها أن تنزيل الفرقان عليه معجزة، منزل منزلته صدق عبدي، ومن شرط المرسِل أن يكون غنيا عن غيره موصوفا بالملك العام، والعزة عن الولد والشريك والإنصاف بالقدرة والإرادة.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ... (٣)﴾
إن قلت: كيف هذا وقد قالوا: (هَؤُلاءِ شفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالجواب بوجهين:
الأول: من شرط الإله اختصاصه بالعبادة، فإذا شارك معه غيره فيها فكأنهم عبدوا شريكه من دونه.
الثاني: أن ذكر الذين شركوه معه فيه عبدوا [ ... ] فيه من دون الله.
قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾
[التغيظ معنوي*]، هو غير مسموع، كأنهم لما عبدوا الأصنام واتبعوا الشيطان صاروا كأنهم ملكا لهم، فاحترس عن ذلك بقوله: (عِبَادِي)، بخلاف قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَانٌ)؛ لأنه إضافة تشريف.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا ... (١٨)﴾
إن قلت: ما يفعل زيد كذا، نفيت الفعل، فإن قلت: ما كان لزيد أن يفعل كذا، نفيت القابلية للفعل، وإذا قلت: ما ينبغي له أن يفعل كذا، نفيت الفعل وجعلته محالا، وإذا قلت: ما كان ينبغي لزيد أن يفعل كذا، فهو أشد المحال وأبلغه، لأنك جعلت فعله كالمحال.
стр. 1122
قوله تعالى: (حَتى نَسُوا الذِّكرَ) يوهم [أنه بالتمتع ارتفع نسيان الذكر*]؛ لاقتضاء الآية مخالفة ما بعدها لما قبلها.
قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ... (١٩)﴾
يحتمل بالصرف البرهان [الصارف*] لهم عن اعتقاد الباطل، وبالنص تصحيح أقوالهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ... (٢١)﴾ .. ، أبلغ من قوله: الذين يعتقدون عدم لقاءنا، لأن الأول يحتمل التكذيب باللقاء والشك فيه، وعدم الرجاء أبلغ من الجميع، لأنه لَا مطمع فيه بوجه.
قوله تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، لف ونشر، والاستكبار راجع لإنزال الملائكة عليهم، [والعتو*] لمطلب الرؤية، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ فأجاب الزمخشري: بأنهم أضمروا الاستكبار في أنفسهم، وهو الكفر والفساد، كما قال تعالى (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ).
قال ابن عرفة: أو يجاب بأن المراد لقد استكبروا استكبارا راجعا إلى رؤياهم حيث جعلوا لها مسموعا على غيرها، وقد قال الله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) فهم مخلوقون لله فلا يمتنع أن يخص بعض خلقه بالنبوة والرسالة دون بعض.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ... (٣١)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: لم عطف، وكذلك هنا بالواو ولم يعطفها في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)، قال: فكانوا يجيبون بأن الواو تقتضي الموافقة على ثبوت ما قبلها حسبما أشار إليه، في قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُم كَلْبُهُم)، فقالوا ثم إن هذا القول هو الصحيح، وهو أنهم سبعة ولا شك أن اتخاذهم القرآن مهجورا أمر ثابت صحيح، وتنزيل القرآن جملة واحدة غير ثابت، فلذلك عطف الأول دون الثاني، وأجيب: بأن كذلك الثانية دخلت في الجملة وهي تعليل وسبب لما قبلها، فلذلك لم يعطف بخلاف الأولى، قال ابن عطية: وروي عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: " [من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به يقول هذا اتخذني مَهْجُوراً افصل يا رب بيني وبينه*] ".
стр. 1123
قوله تعالى: ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ... (٣٣)﴾
أي بالحقيقة، والمعنى، وقوله تعالى: (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)، راجع للفظ، وكيفية دلالته على المعنى.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ... (٣٤)﴾
قال: كان بعضهم يفسره: بأن طريقتهم التي يمشون عليها على وجوههم إلى جهنم صعبة المسلك.
وقوله تعالى: (وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، إشارة إلى بعدها، فهي بعيدة واعرة صعبة المسلك.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾ .. ، ظاهره أن هارون ﵇ غير رسول، بل هو تابع لموسى ﵇، وظاهر قوله تعالى: [(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) *] أنه رسول لكن الرسالة مقولة بالتشكيك، قال: قصة موسى تكررت في القرآن لتكرر اليهود عليه ومنهم [ ... ] فلذلك كررت بألفاظ مختلفة.
قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ... (٣٩)﴾
قال ابن عرفة: هذه عندي دليل لمن يقول إن العقل لم يخلو من سمع، وأجيب: بأنها إنما دلت على ضرب المثل لمن ذكر [من القرون*] الذين بينهم، ويعني من قبل نوح، ومن قبل المذكورين، [وابن عرفة*] إنما يحتج كذلك، بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ... (٤٠) .. ، قال: ومنهم من قال إن مطر مصدر على حذف الزوائد، ومنهم من جعله اسم مصدر بخلاف قولك: أمطرت إمطارا فإنه مصدر بلا خلاف، وكذلك عذبته عذابا بخلاف قولك: تعذيبا.
قوله تعالى: (أَفَلَم يَكُونُوا يَرَوْنَهَا).
أي أغَفلوا فكأنهم لم يرونها.
стр. 1124
قوله تعالى: (بَلْ كَانُوا).
إضراب انتقال، ولا بد أن يكون المنتقل إليه أبلغ من المنتقل عنه، قال: وعادتهم يقررون الأبلغية قلنا: بأن حصول النتيجة بأحد أمرين: إما عن اللازم مقدمة، بمعنى أن المقدمة استلزمت نتيجة، أو عن قياس تمثيلي فكونها عن لازم مقدمة أقوى من كونها عن قياس تمثيلي، قال: فقوله تعالى: (أفَلَم يَكُونُوا يَرَونَهَا)، راجع للقياس التمثيلي، وهو أن مشاهدتهم [آباءهم*] المهلكين وآثارهم مع [أن*] الله تعالى [أوجدهم*] من عدم، ثم أهلكهم، وهو كذلك أنهم وجدوا من عدم وحالهم كحالهم في العصيان ألا ترى أن [ابن الحاجب*] استدل على إثبات القياس، بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، والثاني: أن هلاكهم بعد إيجادهم من عدم يستلزم اتصاف الله تعالى بالقدرة والإرادة، فدل على صحة قدرته على إعادتهم للحشر والنشر والحساب.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... (٤٢)﴾
شهادة منهم له بأنه قد أبلغ وسعه في تبليغ ما أمر به حتى قارب إضلالهم عن آلهتهم ولم يضلهم عنها، ومن قارب فعل الشيء ولم يفعله هو على نوعين: إما لعجزه عن طريق فعله، وإما لمانع وجده فيه يمنعه من فعله، والعجز هنا منتف فطريق الوجود، والمانع منهم يمنعهم من الضلال عن آلهتهم، فكذلك لولا أن صبرنا عليها، لأنها لَا تلزم إلا حيث يكون الكلام محتملا، تكون إن نافية ومخففة من الثقيلة، فيلزم اللام المخففة فرقا بينهما وبين النافية، والكلام هنا صريح أنها مخففة.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... (٤٣)﴾
قال الزمخشري: فيه تقديم وتأخير، أي: اتخذ هواه [آلهه*] وقدم لفظ الآلهة اعتناء به.
ابن عرفة: الصواب ألا تقديم فيه بوجه؛ لأن المقدم في هذا التركيب منفي بثبوت المؤخر، كقولك: اتخذ زيد نومه مهجده، أي انسلخ عن نومه وصيره تهجدا، فهذا مدح، ولو عكستها تقول: اتخذ زيد تهجده نومه، أي انسلخ عن تهجده وصيره نوما، وكذلك قولك: اتخذ زيد تجارته عبادة فهذا مدح، ولو عكست لصار ذما، فالمراد هنا أنه انسلخ عن الآلهة وعبادته إلى اتباع هواه، ولو قال: اتخذ هواه آلهه لصار مدحا من ناحية أنه انسلخ عن هواه إلى عبادة آلهه، قيل لابن عرفة: إنما حمله الزمخشري على أنه جعل هواه حاكما عليه، فقال: إنما المعنى ما قلت لكم وهو الصواب، وكذلك
стр. 1125
قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، نقله من الاختصاص، بتسميه إبراهيم إلى الاختصاص بالخليل.
قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
معطوف على مقدر، أي أنت تصده عن ذلك فتكون عليه وكيلا.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ ... (٤٤)﴾
أم بمعنى بل والإضراب بها انتقال وتقدم، أن الانتقال إنما يكون من الشيء إلى شيء أبلغ منه في بابه إما مدح أو ذم، وبيان الأبلغية هنا أن الأول: ذم لهم بخطابهم في أمر تصديقي، وهو اتخاذهم آلهتهم هواهم، والثاني: ذم لهم بخطاياهم في التصور وهو أفج من الخطأ في التصديق، فإن قلت: [كيف عاند*] بين السمع والعقل وليسا بضدين؛ لأن السمع طريق للعقل، قلنا: أوجه المعاندة أن السمع أمر حسي، والعقل أمر وجداني.
قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ).
فرق كون الإنسان لَا يتصور حدوث العالم، وبين كونه يحكم بقدم العالم، فكونهم لَا يسمعون ولا يعقلون راجع لاتصافهم بقدم التصور القابل للزوال، وكونهم كالأنعام راجع لتصور النقيض الذي لَا يقبل الزوال، وهو الجهل المركب والأول بسيط.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... (٥٠)﴾
الضمير المفعول عائد على [مَاءً*] وتصرفه، إما أنزلناه بالفعل، أو بقدر، فالاتعاظ إنما هو بـ أنزلناه، فكان ابن عبد السلام يقول: هذا مصحح لما يقول المنطقيون من أن النتيجة ما تنشأ إلا عن مقدمتين فصاعدا؛ لأن تصديقه إنما هو بتنويعه، فالتذكر إنما حصل بتنوعه وتعدد أقسامه، فإن قلت: هلا قيل: صرفناه لهم، قال: عادتهم يجيبون: بأنه [إخبار*] بكمال خيبتهم؛ لأن تصريفه لهم فيه متعة لهم، مع أنهم حصل لهم بتصريفه نقيض ذلك، فلذلك قال بينهم.
قوله تعالى: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا).
[ولم يقل: فأبى أكثرهم*]، لأن العدول عن الضمير إلى الظاهر تأكيد في نسبة الكفر إليهم.