سُورَةُ الْفُرْقَانِ
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ... (١)﴾
قال ابن عرفة: كلام أبي حيان يقتضي أن (تَبَارَكَ) مطاوع بارك، وكان بعضهم يرده بأن فعل المطاوعة [فاعله مغاير لفاعل فعله الأصلى*]، مثل: كسرته فانكسر، فالفاعل منها مختلف وهو هنا متحد، مثل: علا فتعالى، وقال: وأجيب: بأنه مختلف باعتبار اعتقاد المعتقد لَا باعتبار ما في نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٢)﴾
وجه مناسبتها لما قبلها أن تنزيل الفرقان عليه معجزة، منزل منزلته صدق عبدي، ومن شرط المرسِل أن يكون غنيا عن غيره موصوفا بالملك العام، والعزة عن الولد والشريك والإنصاف بالقدرة والإرادة.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ... (٣)﴾
إن قلت: كيف هذا وقد قالوا: (هَؤُلاءِ شفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالجواب بوجهين:
الأول: من شرط الإله اختصاصه بالعبادة، فإذا شارك معه غيره فيها فكأنهم عبدوا شريكه من دونه.
الثاني: أن ذكر الذين شركوه معه فيه عبدوا [ ... ] فيه من دون الله.
قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾
[التغيظ معنوي*]، هو غير مسموع، كأنهم لما عبدوا الأصنام واتبعوا الشيطان صاروا كأنهم ملكا لهم، فاحترس عن ذلك بقوله: (عِبَادِي)، بخلاف قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَانٌ)؛ لأنه إضافة تشريف.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا ... (١٨)﴾
إن قلت: ما يفعل زيد كذا، نفيت الفعل، فإن قلت: ما كان لزيد أن يفعل كذا، نفيت القابلية للفعل، وإذا قلت: ما ينبغي له أن يفعل كذا، نفيت الفعل وجعلته محالا، وإذا قلت: ما كان ينبغي لزيد أن يفعل كذا، فهو أشد المحال وأبلغه، لأنك جعلت فعله كالمحال.
стр. 1122
قوله تعالى: (حَتى نَسُوا الذِّكرَ) يوهم [أنه بالتمتع ارتفع نسيان الذكر*]؛ لاقتضاء الآية مخالفة ما بعدها لما قبلها.
قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ... (١٩)﴾
يحتمل بالصرف البرهان [الصارف*] لهم عن اعتقاد الباطل، وبالنص تصحيح أقوالهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ... (٢١)﴾ .. ، أبلغ من قوله: الذين يعتقدون عدم لقاءنا، لأن الأول يحتمل التكذيب باللقاء والشك فيه، وعدم الرجاء أبلغ من الجميع، لأنه لَا مطمع فيه بوجه.
قوله تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، لف ونشر، والاستكبار راجع لإنزال الملائكة عليهم، [والعتو*] لمطلب الرؤية، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ فأجاب الزمخشري: بأنهم أضمروا الاستكبار في أنفسهم، وهو الكفر والفساد، كما قال تعالى (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ).
قال ابن عرفة: أو يجاب بأن المراد لقد استكبروا استكبارا راجعا إلى رؤياهم حيث جعلوا لها مسموعا على غيرها، وقد قال الله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) فهم مخلوقون لله فلا يمتنع أن يخص بعض خلقه بالنبوة والرسالة دون بعض.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ... (٣١)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: لم عطف، وكذلك هنا بالواو ولم يعطفها في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)، قال: فكانوا يجيبون بأن الواو تقتضي الموافقة على ثبوت ما قبلها حسبما أشار إليه، في قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُم كَلْبُهُم)، فقالوا ثم إن هذا القول هو الصحيح، وهو أنهم سبعة ولا شك أن اتخاذهم القرآن مهجورا أمر ثابت صحيح، وتنزيل القرآن جملة واحدة غير ثابت، فلذلك عطف الأول دون الثاني، وأجيب: بأن كذلك الثانية دخلت في الجملة وهي تعليل وسبب لما قبلها، فلذلك لم يعطف بخلاف الأولى، قال ابن عطية: وروي عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: " [من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به يقول هذا اتخذني مَهْجُوراً افصل يا رب بيني وبينه*] ".
стр. 1123
قوله تعالى: ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ... (٣٣)﴾
أي بالحقيقة، والمعنى، وقوله تعالى: (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)، راجع للفظ، وكيفية دلالته على المعنى.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ... (٣٤)﴾
قال: كان بعضهم يفسره: بأن طريقتهم التي يمشون عليها على وجوههم إلى جهنم صعبة المسلك.
وقوله تعالى: (وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، إشارة إلى بعدها، فهي بعيدة واعرة صعبة المسلك.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾ .. ، ظاهره أن هارون ﵇ غير رسول، بل هو تابع لموسى ﵇، وظاهر قوله تعالى: [(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) *] أنه رسول لكن الرسالة مقولة بالتشكيك، قال: قصة موسى تكررت في القرآن لتكرر اليهود عليه ومنهم [ ... ] فلذلك كررت بألفاظ مختلفة.
قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ... (٣٩)﴾
قال ابن عرفة: هذه عندي دليل لمن يقول إن العقل لم يخلو من سمع، وأجيب: بأنها إنما دلت على ضرب المثل لمن ذكر [من القرون*] الذين بينهم، ويعني من قبل نوح، ومن قبل المذكورين، [وابن عرفة*] إنما يحتج كذلك، بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ... (٤٠) .. ، قال: ومنهم من قال إن مطر مصدر على حذف الزوائد، ومنهم من جعله اسم مصدر بخلاف قولك: أمطرت إمطارا فإنه مصدر بلا خلاف، وكذلك عذبته عذابا بخلاف قولك: تعذيبا.
قوله تعالى: (أَفَلَم يَكُونُوا يَرَوْنَهَا).
أي أغَفلوا فكأنهم لم يرونها.
стр. 1124
قوله تعالى: (بَلْ كَانُوا).
إضراب انتقال، ولا بد أن يكون المنتقل إليه أبلغ من المنتقل عنه، قال: وعادتهم يقررون الأبلغية قلنا: بأن حصول النتيجة بأحد أمرين: إما عن اللازم مقدمة، بمعنى أن المقدمة استلزمت نتيجة، أو عن قياس تمثيلي فكونها عن لازم مقدمة أقوى من كونها عن قياس تمثيلي، قال: فقوله تعالى: (أفَلَم يَكُونُوا يَرَونَهَا)، راجع للقياس التمثيلي، وهو أن مشاهدتهم [آباءهم*] المهلكين وآثارهم مع [أن*] الله تعالى [أوجدهم*] من عدم، ثم أهلكهم، وهو كذلك أنهم وجدوا من عدم وحالهم كحالهم في العصيان ألا ترى أن [ابن الحاجب*] استدل على إثبات القياس، بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، والثاني: أن هلاكهم بعد إيجادهم من عدم يستلزم اتصاف الله تعالى بالقدرة والإرادة، فدل على صحة قدرته على إعادتهم للحشر والنشر والحساب.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... (٤٢)﴾
شهادة منهم له بأنه قد أبلغ وسعه في تبليغ ما أمر به حتى قارب إضلالهم عن آلهتهم ولم يضلهم عنها، ومن قارب فعل الشيء ولم يفعله هو على نوعين: إما لعجزه عن طريق فعله، وإما لمانع وجده فيه يمنعه من فعله، والعجز هنا منتف فطريق الوجود، والمانع منهم يمنعهم من الضلال عن آلهتهم، فكذلك لولا أن صبرنا عليها، لأنها لَا تلزم إلا حيث يكون الكلام محتملا، تكون إن نافية ومخففة من الثقيلة، فيلزم اللام المخففة فرقا بينهما وبين النافية، والكلام هنا صريح أنها مخففة.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... (٤٣)﴾
قال الزمخشري: فيه تقديم وتأخير، أي: اتخذ هواه [آلهه*] وقدم لفظ الآلهة اعتناء به.
ابن عرفة: الصواب ألا تقديم فيه بوجه؛ لأن المقدم في هذا التركيب منفي بثبوت المؤخر، كقولك: اتخذ زيد نومه مهجده، أي انسلخ عن نومه وصيره تهجدا، فهذا مدح، ولو عكستها تقول: اتخذ زيد تهجده نومه، أي انسلخ عن تهجده وصيره نوما، وكذلك قولك: اتخذ زيد تجارته عبادة فهذا مدح، ولو عكست لصار ذما، فالمراد هنا أنه انسلخ عن الآلهة وعبادته إلى اتباع هواه، ولو قال: اتخذ هواه آلهه لصار مدحا من ناحية أنه انسلخ عن هواه إلى عبادة آلهه، قيل لابن عرفة: إنما حمله الزمخشري على أنه جعل هواه حاكما عليه، فقال: إنما المعنى ما قلت لكم وهو الصواب، وكذلك
стр. 1125
قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، نقله من الاختصاص، بتسميه إبراهيم إلى الاختصاص بالخليل.
قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
معطوف على مقدر، أي أنت تصده عن ذلك فتكون عليه وكيلا.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ ... (٤٤)﴾
أم بمعنى بل والإضراب بها انتقال وتقدم، أن الانتقال إنما يكون من الشيء إلى شيء أبلغ منه في بابه إما مدح أو ذم، وبيان الأبلغية هنا أن الأول: ذم لهم بخطابهم في أمر تصديقي، وهو اتخاذهم آلهتهم هواهم، والثاني: ذم لهم بخطاياهم في التصور وهو أفج من الخطأ في التصديق، فإن قلت: [كيف عاند*] بين السمع والعقل وليسا بضدين؛ لأن السمع طريق للعقل، قلنا: أوجه المعاندة أن السمع أمر حسي، والعقل أمر وجداني.
قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ).
فرق كون الإنسان لَا يتصور حدوث العالم، وبين كونه يحكم بقدم العالم، فكونهم لَا يسمعون ولا يعقلون راجع لاتصافهم بقدم التصور القابل للزوال، وكونهم كالأنعام راجع لتصور النقيض الذي لَا يقبل الزوال، وهو الجهل المركب والأول بسيط.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... (٥٠)﴾
الضمير المفعول عائد على [مَاءً*] وتصرفه، إما أنزلناه بالفعل، أو بقدر، فالاتعاظ إنما هو بـ أنزلناه، فكان ابن عبد السلام يقول: هذا مصحح لما يقول المنطقيون من أن النتيجة ما تنشأ إلا عن مقدمتين فصاعدا؛ لأن تصديقه إنما هو بتنويعه، فالتذكر إنما حصل بتنوعه وتعدد أقسامه، فإن قلت: هلا قيل: صرفناه لهم، قال: عادتهم يجيبون: بأنه [إخبار*] بكمال خيبتهم؛ لأن تصريفه لهم فيه متعة لهم، مع أنهم حصل لهم بتصريفه نقيض ذلك، فلذلك قال بينهم.
قوله تعالى: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا).
[ولم يقل: فأبى أكثرهم*]، لأن العدول عن الضمير إلى الظاهر تأكيد في نسبة الكفر إليهم.
стр. 1126
قال الزمخشري: وعن [ابن عباس*]: ما من عام أقل مطر من عام، بل الأعوام كلها متساوية، وإنما يختلف مجمل إنزال المطر، ينزل في بعض البلاد دون بعض، ويقل في بعض ويكثر في بعض.
قال ابن عرفة: وهذا ما يمكن أن يقوله ابن عباس باجتهاده، وإنما هو مستند فيه إلى حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قيل لابن عرفة: قد قال الزمخشري: إنه تلا هذه الآية، فكأنه استدل بها على ما قال، فقال ابن عرفة: لَا دليل فيها بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا ... (٥١)﴾
أي لو شئنا، راحتك لبعثنا، ولكن أردنا تعبك في ذلك ليعظم لك الأجر والثواب.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ... (٥٢)﴾
ليس المراد النهي عن طاعتهم، فيما يأمرونه، وإنَّمَا المراد النهي عن طاعتهم في لازم ذلك، كأنهم يأمرونهم باتباع آلهتهم، ومن لازم ذلك كفه عن جهادهم، وعن دعائهم إلى الإيمان بالله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ... (٥٣)﴾
البناء على الضمير للاختصاص، والإتيان بالموصول في الخير تأكيد في الاختصاص؛ لأن قولك: وهو الذي فعل كذا يفيد الاختصاص.
قال ابن عرفة: فإن ابن عبد السلام حكى عن بعضهم في هذا، وفي قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) أنه كان يستشكل الآية، ويقول أولها مناقض لآخرها، فإن قوله تعالى: (مَرَجَ) يعني اختلاطهما، وقوله تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) يقتضي افتراقهما، قال: [وأجيب*]: بأن افتراقهما بالذات لكون المالح لَا يزال عذبا، واختلاطهما بالحس والمشاهدة، وقد ذكروا أن في تضمنه واد يصب فيه البحر المالح أحيانا فلا يغيره، ويصب هو في البحر أحيانا فلا يغيره، قال: وعادتهم يقولون: الأصل يقال: لقيت رجلين أحدهما صالح والإتيان باسم الإشارة فرع عن اسم الظاهر، فلما قال: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)، وكذلك في سورة القصص: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ
стр. 1127
وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ)، قال: والجواب: أنه إن أريد التقسيم بالأمور العرضية فيؤتى باسم الإشارة، وإن أريد التعرض بالأمور الذاتية، فيقال: أحدهم كذا والآخر كذا، كما في حديث عبد الله بن عمر: " [فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ*] ".
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾
أي كان [ولم يزل*]، فإن أريد القدرة الصالحة فالمراد الدوام، وإن أريد القدرة الإيجادية فلا دوام لئلا يلزم قدم العالم.
стр. 1128
سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ... (١٨)﴾
قال ابن عرفة: إن قلت: ما وجه الربط بين هذه وبين قوله: (فِينَا)، قلت: أفاد الترتيب، تارة يكون للتعليم، وتارة يكون للاستخدام، فتربيته لنتخذه خديما فهذه نقمة، وتارة تكون نعمة، وهو أن يريه محبته وشفقته عليه، ولم يدخلها على ما بعد؛ لأنه يحنث عنه بالمخالفة، فإن قلت: ما أفاد قوله: (مِنْ عُمُرِكَ)، دلنا: لفظ العمر نعمة؛ لأنه مأخوذ من العمرى المذكورة في الفقه، فإنها هبة المنافع، وذلك نعمة، فإن قلت: هلا قال: ولبثت فينا من عمرك أعواما، فهو داخل في باب النعمة والامتنان، قلت: لفظ العمر تغني عنه.
قوله تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾
الظاهر أن الكفر فيه الإيمان، وحكى الآمدي وابن الحاجب عن المعتزلة امتناع اتصاف النبي بالكفر قبل النبوة وبعدها عقلا، وجوز عليهم ذلك أهل السنة عقلا، قالوا: لكنه لم يقع، وزعم فرعون أنه وقع، وهذا لَا أذكره بمحضر العوام، وهكذا هنا فإن الله تعالى عاصم من يريد بنبوته من كل بدع، ومن بعض الصغائر، وهي صغائر [الخسة*] فما بال الكفر، وهذا على أصل مذهبه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾
قال سيبويه: (إِذًا) جواب وجزاء، قال ابن الصفار: فهم الشلوبين على أنه شرط وجواب، فأخذ الجزاء بمعنى الشرط، فقوله: إِذًا أكرمك، لمن قال: أنا أزورك، معناه: إن تزرني أكرمك، قال في هذه الآية معناه: إن كنت فعلتها فأنا ضال، فلزمه إثبات الضلال لموسى صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم، وأجاب: بأن المعنى قوله: (وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، بالنعم فقال موسى ﵇: إن كنت كافرا بأنعمك فأنا ضال، أي جاهل بأن الوكزة تقتل القبطي، ورده ابن الصفار، بأن الكفر إذا ذكر مطلقا فهو ضد الإيمان، وإن أريد به [غيره*] قيد له، وكذلك إنما هو على هذا المعنى، ولو سلمناه ففيه عكس المعنى؛ لأنه إذا كان فعله ذلك كافرا بالنعمة عليه فليس من الضالين بل من المبين، وهذا [بناء*] على شرط وجواب، وقال: [لا يحتاج*] إلى هذا بل مراد سيبويه في (نعم) إنها عدة وتصديق، وذلك لَا يجتمع فيه بل هي تصديق لما مضى عدة في المستقبل، فقولك: نعم لمن قال: فعلت كذا تصديق، ولمن قال: افعله عدة، وكذلك إذا قال: أنا أزورك، فيقول: إِذًا أكرمك فهو جواب وجزاء، وإذا
стр. 1129
قلت: لم أنا أكرمك، فهذا جواب خافيه، والآية لَا إشكال فيها على هذا؛ لأنه يقول: إذا فعلت وأنا جاهل فيكون قبيحا له واعتذارا بالجهل. [انتهي كلامه*].
قال ابن عرفة: عادتهم يفرقون بين نعم وإذا، وإن الجائية لازمة لإذا لَا تفارقها، وإنما اختلفوا في كونها جزاء بخلاف نعم، فإنها تارة تكون عدة وتارة تكون تصديقا، قال: وقول ابن الصفار لو كان كما قال الشلوبين لكان [ ... ] بإعادتهم يردون عليه بوجهين:
الأول: مقصودة باعتبار حالها لَا باعتبار ما لها، ولذلك قال الفقهاء فيها: إذا ضرب الأب ولده يلكزه حتى مات أنه يقتص منه، خلاف غير الأب حتى أن بعض الطلبة يغلط ويقول: اللكزة لَا يقتص منها، إذا آلت إلى القتل، وليس كذلك، فقصد موسى الضربة ولم يقصد القتل.
والثاني: أجاب بعض الطلبة: بأنه قصد القتل وظن أنه الحكم، ثم تبين له الحكم بخلاف ذلك.
قال ابن عرفة: وعادتهم يقررون كونها جزاء، فإنها جزاء عن استغاثة من استغاثة من استغاثه، لقوله تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)، فهي جزاء من استغاثة المستغيث له، قلت: قال صاحبنا ابن القصار: قوله واعتذاره بالجهل جزاء مشكل أن الجزاء غير الفعل، وهو هنا نفس الفعل، والمراد بالضالين إما المخاطبين والنَّاسين والذاهلين عن الصواب، وهذه معان متقاربة.
قوله تعالى: ﴿فَوَهَبَ ... (٢١)﴾
الآن [نبوته*] ورسالته كان في زمن واحد.
قوله تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾
قال الجوهري في الصحاح: التعبد الاستعباد، وهو أن يتخذه عبدا، وكذلك الاعتبار، وفي الحديث: "ورجل اعتبد محررا"، قلت: أي اتخذ عبدا وهو حر والاعتبار مثله، قال الشاعر:
علام تعبدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان
قال ابن عرفة: وكذلك التعبد، قال الشاعر:
تعبدني غير ابن سعد قطعته ... وغير ابن سعد لي مطيع ومقطع
стр. 1130
أي اتخذني عبدا، وكان النَّاس يرونه عبدا مطيعا لأمري.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾
إن قلت: لو أعاد الفاعل ظاهرا أو هو من تمام جملة تقدم ذكره فيها بدليل قوله: تقدم حرف العطف، قلنا: لقرابة مقالة القبح، ولذلك يقول ابن الحاجب: قالوا كذا، ويقول سيبويه: زعم الخليل فى قوله: انفرد به في الحسن والقبح.
قوله تعالى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ).
وقال تعالى في طه: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى).
قال ابن عرفة: السؤال بـ (مَنْ) عن الحقيقة باعتبار المعقول منها، والسؤال بـ (ما) عن الحقيقة على الإطلاق والإبهام.
قال ابن عرفة: والحكماء قالوا: لَا يجوز إدراك [حقيقة الذات*] الكريمة والعلم، لأن ذلك [إما*] ضروري أو نظري، فلو كان ضروريا لعلمه كل، والنظري يعلم إما بالحد أو بالرسم، والحد مركب من الجنس والفصل، فيلزم عليه تركيب الذات الكريمة وهو محال، والرسم لَا [يفيد*] إدراك الحقيقة بوجه، ومذهب أكثر المتكلمين بأن إدراكها جائز عقلا غير واقع، قال ابن الخطيب في المطالب العالية: روي أن بعض الزنادقة قد أنكر الصانع عند جعفر بن محمد الصادق، فقال له جعفر: ما حرفتك؟ قال: التجارة، فقال: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: هل رأيت أهواله؟ قال: نعم، هاجت مرة رياح هائلة فكسرت السفينة، وغرق النَّاس، فتعلقت ببعض ألواحها وبقيت في ملاطم الأمواج حتى اندفعت إلى الساحل، قال له: فلما [ذهبت*] هذه الأشياء عنك أسلمت نفسك إلى الهلاك، أم كنت ترجوا النجاة؟ فقال: كنت أرجو النجاة، فقال: ممن كنت ترجوها؟ فسكت، فقال جعفر: من إلهك الذي كنت ترجو، هو الذي سلمك من الغرق، وهو مأخوذ من قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وكان أبو حنيفة شديداً على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة في قتله، بينما هو قاعد في مسجده يوما إذ هجم عليه جماعة بسيوفهم مسلولة وهموا بقتله، فقال: أجيبوا عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: هات، فقال: ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مملوءة بالأحمال والأثقال، أخذتها أمواج متلاطمة وأرياح مختلفة، وهي تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها، هل يجوز ذلك بالعقل؟ فقالوا: لَا، فقال أبو حنيفة ﵁: يا سبحان الله، إذا لم يجز هذا، فكيف تجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وسعة أطرافها
стр. 1131
من غير مانع ولا حافظ؟! فسكتوا، وقال: صدقت، وقال: هذا مأخوذ من قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدِ تَرَوْنَهَا)، ومن قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ)، قال: وسئل الإمام الشافعي ﵁ عن الدليلَ على [وُجُودِ الصَّانِعِ*] فقال: [ورق*] الفرصاد وطعمها ولونها وطيبها وريحها، تأكلها الدود فيخرج الإبريسم، ويأكلها النحل فيخرج [منه*] العسل، [وَتَأْكُلْهُ الظِّبَاءُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْمِسْكُ*]، ويأكلها سائر الحيوانات، [فَتُلْقِيهِ بَعْرًا وَرَوَثًا*] (١)، قلت: الفرصاد هو التوت، فالذي دبر هذه الأحكام هو الله ، قال: وسأل هارون الرشيد مالكا ﵁، فاستدل باختلاف الأصوات، وتردد النغمات، وتفاوت النبات، قال تعالى (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، قال: وسئل أبو نواس عن هذا، فقال:
تَأَمَّلْ في رِيَاضِ الرِّوضِ وانظر ... إلَى آثارِ مَا صَنَعَ المَلِيكُ
عُيُونٍ مِنْ لجينٍ شاخصاتٍ ... بأحداقٍ كما الذَّهَب السَّبيك
عَلَى قَضِيبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِداتٍ ... بأَنَّ اللهَ ليسَ لَهُ شَرِيك
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾
قال الزمخشري: في هذه الآية دليل بها أنه لَا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه، لأن المعجزة تصديق من الله تعالى لمدعي النبوة، [والحكيم*] لَا يصدِّق الكاذب، ومن العجب أن مثل فرعون عليه اللعنة لَا يخفى عليه هذا، ويخفى على ناس من أهل القبلة [حيث*] جوزوا [القبيح*] على الله تعالى حتى لزمهم تصديق الكاذبين [بالمعجزة*].
قال ابن عرفة: تقديره لو لم [يجزم*] العقل بحسن وبقبح؛ لصح صدور المعجزة على يد الكاذب، واللازم باطل والملزوم مثله، وأجاب الطيبي عن ذلك بأن قال: استقرأنا المعجزات كلها فوجدناها لَا تظهر إلا على يد الصادق.
قال ابن عرفة: هذا الكلام دليل على ضعفه في أصول الدين، حيث لم يرد على الزمخشري إلا بالاستقراء، قال: والجواب عن كلام الزمخشري بوجهين:
الأول: منع الملازمة؛ لأن دلالة المعجزة أن تنزلت منزلة صدق عبدي وظهورها على يد الكاذب كذب، فيلزم وقوع [الخلف*] في خبره تعالى، وهو باطل وإن لم يتنزل منزلة صدق عبدي فدلالتها إما عقلية أو عادية، والدلالة العقلية في العلوم العادية.
الجواب الثاني: [بمنع*] الملازمة؛ لأن ظهور المعجزة على يد الكاذب يوجب [تباين الشيء بالشيء*]، وذلك باطل.
стр. 1132
قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾
قال ابن عرفة: الرمي والطرح والإلقاء بمعنى واحد [ومن لغات القرآن الإلقاء*]؛ لأنه أبلغ في الدلالة على القصد، قال: وحمل الخبر على المبتدأ يكون على سبيل [المواطأة*]، مثل الإنسان عالم، ويكون على سبيل [التشبيه*] مثل: أبو يوسف، أبو حنيفة، والآية محتملة للثلاثة، قيل لابن عرفة: ليس فيها على سبيل المواطأة؛ لأن العصا ليست ثعبانا موجه، فقال: تدعى المواطأة باعتبار العصاة الملقاة [وهي ثعبان*].
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ ... (٣٣)﴾
عبر بالنزع دون الإخراج، إشارة إلى أنه ينزل نفسه منزلة من فارق يده لشدة مخالفة [لونها للوْنِهِ*].
قوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ).
قال: [وذَكَر في الأول ما لَمْ يذْكرْ في الثاني وبالعكس، فيحتملُ كونُهُ منْ حذْف التَّقابُلِ*]، أي ["ألقَى عَصاهُ فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ لَلنَّاظرينَ، ونزَعَ يدَهُ فإذا هي بيضاءُ للناظرينَ مبينةٌ"*]، ومما يؤكد هذا أن المنطقيين ذكروا أنه لَا بد من الفاعل، [**والقائل لكرسي مثل خشبة فاعل، ونجاره فاعل]، وقوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ)، صفة للفاعل، وقوله تعالى: (لِلنَّاظِرِينَ) صفة للفاعل الثاني؛ لأن الثعبان جرم كبير يدركه البصر؛ فلذلك قرن الأول بقوله تعالى: (مُبِينٌ)، والثاني بالنظر، والمعجزة أمر محسوس خارجي للعادة، والسحر أمر وهم محسوس، وقوله تعالى: (لِلنَّاظِرِينَ)، يشمل الحسي والمعنوي القلبي، فيكون من استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾
نص هذه المقالة لفرعون وحده، وقال في الأعراف (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [نسبها*] للملأ دون فرعون، فأجاب أبو جعفر ابن الزبير: بأن المقابلة في تلك الآية وقعت بين موسى مع فرعون وقومه، وهنا وقعت بين موسى ﵇ وفرعون فقط، وقال: [هنا*] [يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِ*]، وأسقطها في الأعراف، فأجاب: بأن القائل هنا فرعون، [وهو أحنق عليه من الملأ بجمعهم وأعظمهم بغضا له وكراهة لما جاء به موسى فأكد بقوله "بسحره"*] (١)، وهناك قالها الملأ من القوم؛ فلذلك لم يبالغوا في قولهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾
стр. 1133
قال الزمخشري: هو في غاية [الإذلال*] من فرعون والانخفاض لَا سيما على مذهب المعتزلة، لأنهم يشترطون في الأمر [العلو*]، وخصوصيته ترجع إلى المتكلم بالأمر، وأهل السنة إنما [شرطوا الاستعلاء*] وخصوصيته ترجع إلى نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ... (٣٦)﴾
وقال ابن عرفة: إنما عبر بلفظ الإرجاء دون غيره دون لفظ التأخير والنظرة، مع أنهما مترادفان؛ لأن في مادة الإرجاء ما يدل على حصول الطمع؛ لأن الإنسان ما يترجى إلا ما يطمع في حصوله، قلت: ولهذا قال الإمام الغزالي ﵀: إن الطائع يترجى دخول الجنة، والعاصي يتمنى دخولها.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾
قال ابن عرفة: عوائد الطلبة يقولون: إن المعجزة هي ظهور الأمر الخارق للعادة في الخارج وفي نفس الأمر، والسحر هو الأمر الوهمي المخالف لما في نفس الأمر، وجاءت هذه على عكس هذه القاعدة، لأنها إذا كانت بيضاء للناظرين فقط، فبياضها وهمي مخالف لما في نفس الأمر، وإن كان معجزة فهي بيضاء فقط؛ لأن بياضها موقوف على الناظرين من هولهم، ولما في نفس الأمر، قلت: لعل المراد بالناظرين النظر المعنوي، وهو التدبر فيها والتفكر في دلالتها.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾
قال ابن عطية: [روى البزي وفليح عن ابن كثير شد التاء وفتح اللام وشد القاف (تَّلَقَّفُ)، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يجلب همزة الوصل وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة كما لا تدخل على أسماء الفاعلين*]، مع أنه لم يقرأ بذلك إلا في الوصل.
قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾
قال الزمخشري: فاعل ألقي هو الله تعالى [بما خوّلهم من التوفيق. أو إيمانهم. أو ما عاينوا من المعجزات الباهرة*] ولك أن لَا تقدر فاعلا؛ لأن (أُلْقِيَ) بمعنى خروا وسقطوا.
قال ابن عرفة: يريد أنهم ألقوا أنفسهم، وهذا يناسب مذهبه في أن الغالب خلق أفعاله.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾
انظر كيف [العلم*] كله حسن حتى السحر؛ لأن علمهم هو الذي هداهم إلى إيمانهم بموسى ﵊، والعالم إن كتم مِن علمه شيئا يختص به مما لا يجب له [**ليماريه على المعلم]، وحكي عن الشيخ أبي علي ناصر ابن البخاري: أنه كان
стр. 1134
يقرئ ابن الحاجب [ ... ] فيه زيادات، فلما مات وجد عنده شرحه للشيرازي وفيه تلك الزيادات، ولقد دخلت على شيخنا ابن الحاجب في [**مرضه]، فجعلت أنظر في كتبه فمنعني من استيفاء النظر فيها، قال: لأن الشيخ يمتاز عن طلبته [بزيادات لأحراهم بها*].
قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ... (٤٩)﴾
قال ابن عرفة: كان [ابن*] عبد السلام ينقد على البرادعي في قوله في التهذيب [ويؤمر الْجُنُب*] بالوضوء قبل الغسل، فإن أخره بعده أجزأه، ويقال: إنما في أصل المدونة فإن غسل قبل وضوئه أجزأه، فظاهره أنه الغسل، وإن لم يؤمن [الحدث، فإن الوضوء*] أعم من الغسل، فبدل أبو سعيد اللفظ بلفظ لَا يدل على هذا، لأنك إذا قلت: جاء زيد قبل عمرو فإنه يقتضي الإخبار بمجيء زيد فقط، أعم من أن يكون عمرو جاء بعده ولم يجئ من أصل، ونظيره، قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) إذ لَا يقع بعد الطلاق مس، وكذلك قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي)، لكن تلك الآية في جواب الشرط، والشرط لَا يدل على وقوع الشيء، ولا إمكان وقوعه، وهذه الآية من ذلك المعنى، لأن فرعون عليه اللعنة لم يقصد الإذن لهم بوجه لَا قبل الإيمان ولا بعده.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾
لأن الموجب (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)، فالجواب: أنه أفاد الوعد بالنظرة مطلقا سواء اتبعهم أو لم يتبعهم؛ لأن الوعد بالنظرة إذا كان مطلقا غير مقيد بالإتباع لا تحصل الطمأنينة لإمكان كونه في نفس الآية يقدر بعدم الاتباع، فإذا هم ينصرون عليهم، وإن اتبعوهم، قيل لابن عرفة: سواء متعد، فإذا دخلت عليه الهمزة صار متعديا بنفسه، فلم جمع بين الهمزة والباء، فقال: ذكر الجوهري في [سرى وأسرى بمعنى واحد*]، وقال السهيلي: في أول سورة الإسراء ذكروا أنهما غير متعدين، وهو غير صحيح، وإنما زعموا ذلك لعدم ذكر مفعول أسرى مع أنه مقدر تقديره: (سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى)، أي بعبده، إلى أن قال: (لَيلا)، سلمنا أنه متعد لكن الباء هنا ليست للتعدية، فلذلك صح الجمع بينهما.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾
стр. 1135
الشرذمة تقليل لهم باعتبار العدد.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾
شبه حالتهم المعقولة بحالتهم المحسوسة.
قوله تعالى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ... (٦٣) .. ، ولم يقل فضرب فانفلق، وكذلك في سورة البقرة (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ)، وفيِ الأعراف: ﴿فَانْبَجَسَتْ)، ولم يقل: فضرب، وفي طه (أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩)﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، فذكر فعل المطاوع في طه، ولم يذكره في الآخر، قال: فعادتهم يجيبون: بأنه إن كان الحادث عن الضرب مما يعهد في الخارج صدوره منه لم يحتج إلى إبراز الفعل المطاوع، كالحجر يعهد عادة بخلاف صيرورة [الأجسام*]، [فإن*] انقلاب الأجسام غير معهود، وكان بعضهم يضمر في الآية فعلين [أي: ضربَهُ وفلقَهُ فانفلق*]؛ لأن فعل المطاوعة يفيد تقدم فعل عليه فهو مطاوع له، وقال تعالى (اضرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ).
ينفلق فضربه فانفلق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ... (٦٧)﴾
الإشارة إلى المجموع باعتبار الكلي والكلية، فهل كل جزء من ذلك أو مجموع ذلك آية؟
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾
قال أبو حيان: أجاز الْحَوْفِيُّ: أن يكون (الَّذِي) مبتدأ، و [(فَهُوَ يَهْدِينِ)] ابْتِدَاءٌ [وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي*]، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، ورد بأن الموضع هنا خاص، فليس فيه معنى الشرط، فليس نظير الذي يأتيني فله درهم، وأيضا فليس الفعل الذي هو (خَلَقَ) لَا يُمْكِنُ فِيهِ [تَحَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ*] إلى إبراهيم ﵇، قلت: وكذا قال أبو حيان، في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) إن الفاء إنما تدخل في خبر الموصول إذا كان عائداً وفيه معنى التعليل، وعادتهم يردون عليه بهذه الآية؛ لأنه ليس يعلم وليس الخلق علة في الهداية، [وإلا*] لزم عليه مذهب المعتزلة في [أن*] خالق لجميع النَّاس عندهم منزه عن فعل القبيح وإرادته، ونحن نقول: خلق جميعهم ليهدي بعضهم ويضل بعضهم؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ، وأجيب: بأن المراد الذي خلقني على هذه الصفة الخاصة فهو يهديني، فذلك الخلق الخاص سبب في الهداية، وانظر
стр. 1136
ما تقدم في سورة قد أفلح، في قوله تعالى: (ثَقُلَتْ مَوَازينُهُ).
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾
إنما جمع المرسلين بناء على أن آدم ﵊ رسول، وكذلك إدريس ﵇ رسول، وهو سابق على نوح ﵇، ولأنهم إذا كذبوا نوحا فقد كذبوا المرسلين، لأنهم جاءوا بمثل ما جاء به نوح ﵈، ولأن المعجزات متحدة، فتكذيبهم لمن جاء بشيء منها تكذيب للجميع، [وجمعه*] باعتبار تفسير حالاته، فهو في حالة يدعوهم إلى الله بشيرا، وفي حالة يدعوهم إلى الله نذيرا مخوفا، كقوله:
[فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها ... يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك*]
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... (١٠٩)﴾ .. ، ولم يقل: ما أقبل منكم عليه أجرا، فهو أعم؛ لأن الدعاء إلى الله تعالى وطلب الامتثال له يقتضي التشوف للأجر على ذلك، فلهذا قال: (وَمَا أسْأَلُكُم).
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾
أي أنؤمن لك حالة كونك اتبعك أراذل النَّاس؟ فلا يرضى بحالهم في الإيمان بك.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾
وتقرير هذا الجواب بوجهين:
الأول: أنكم وقفتم مع الأمر العادي الدنيوي في كون قومي المتبعين [لي*] متصفين بأرذل الصنائع، وأنا وقفت مع العادي [الديني*]، لأنهم وإن كانوا أرذل في الظاهر، فهم أخيار في الباطن؛ لاتصافهم بالإيمان والعمل الصالح.
الوجه الثاني: أنه تقرر في [العقول أن الأمرين إن تساويا*] يستحيل ترجيح أحدهما على الآخر، وهؤلاء رجحوا المرجوح؛ كأنهم رجحوا الاتصاف بأرذل الصنائع على أشرفها، فاختار الحياكة، والحجامة، والجزارة، وهي أرذل الصفات فلا عقل له، فكيف يتبع من لَا عقل له؟ فأجابهم نوح ﵇: بأنهم لعل لهم علما بالسبب المرجح لذلك غيره، أي: وما علمي بسبب ما كانوا يعملون، فما رجحوا علم ذلك إلا لسبب خفي ظهر لهم ولم يظهر لكم.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾
стр. 1137
التكذيب إما لحكم بعدم مطابقة الخبر للمخبر عنه، أو عدم الحكم بالمطابقة، وينبني على هذا أن الشاك هل هو مكذب أم لَا؟ وفي الآية إشكال: وهو أن التكذيب لا يصح أن يكون متعلقه (أَلَا تَتَّقُونَ)؛ لأنه طلب غير محتمل للصدق والكذب، ولا يصح أن يرجع لقوله تعالى: (إِنِّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ)؛ لأنه تعليل لذلك الطلب وتابع له، وليس مقصود بالذات، والجواب أنهم كذبوه في دعوى الرسالة المستلزم لتكذيبهم في كل ما جاء به.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ... (١٦٦)﴾
قيل لشيخنا ابن عرفة: هذا استفهام في معنى الإنكار عليهم، فإن تسلط الإنكار على كل واحد من المحتملين لزم عليه مخالفة القاعدة الشرعية، وهي اعتقاد وجوب النكاح لأجل ذمه على تركه، والذم على الترك من خصائص الوجوب، وإن تسلط على مجموع الجملتين [يفيد*] الجملة الجمعية، لزم عليه مخالفة القاعدة الشرعية، وهي اعتقاد وجوب النكاح لأجل ذمهم إن كان كون الثاني منصوبا فنحذف النون، مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وأجاب ابن عرفة: باختيار الأول، ويكون الذم على ترك وطء الأزواج التي انعقد عليهن النكاح؛ لأن ذلك يصير حقا لهن عليهم فهو واجب، ونقول: بأن النكاح كان واجبا عليهم، لأنهم تركوه وهم واجدون الطول، قادرون على [**تزويج الحرام] وقد وقعوا في الزنا واللواط، وإما بأن نقول تسلط الإنكار على الجملة الأولى فقط، وهو أحد وجهين:
الرفع: من جواب الاستفهام أنه على الاستئناف، لكن فيه حذف الجملة الخبرية على الطلبية، وهو ممتنع عند أهل علم البيان، وأجازه جماعة من النحويين، قال ابن أبي الربيع: والصحيح منعه، قلت: هذا الجواب مجموع من كلام شيخنا ابن عرفة، وصاحبنا ابن القصار.
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ)،
قال ابن عرفة: إنما هو في الخبر ومتعلقه هنا أمرا، لكن الجواب أن تكذيبهم له في دعوى الرسالة يستلزم عدم اشتمالهم أمره.
قوله تعالى: (نَافَةٌ لَهَا شِرْبٌ).
فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، أي لها شرب يوم معلوم، ولكم شرب يوم معلوم.
стр. 1138
قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾
عبر عن الأول بالوفاء؛ لأنه الزيادة للقدر الواجب إذ هو محتاج إلى محاولة وتكلف مما [لا يتوصل فيه إلى تحقيق الخروج من العهدة إلا بالزيادة*] من القدر الواجب بخلاف القسطاس، فإنه يمكن فيه بتحقيق الخروج من العهد من غير زيادة.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾
قال الزمخشري: أي على مثل هذه الحال من الكفر به، ومعناه في قلوبهم فلا يتغير وأعماهم عليه بوجه، قال: فإن قلت: كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى نفسه، وهو منزه عن القبائح؟ قلنا: أراد الدلالة على تمكنه في قلوبهم، وإنه أمر [جبلوا عليه*].
قال ابن عرفة: وعلى مذهبنا لَا يحتاج إلى هذا السؤال.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾
من باب نفي الشيء بإيجابه، أي حتى يروا العذاب فيؤمنوا فلا ينفعهم إيمانهم.
قوله تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ... (٢٠٢)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: إن فيها تناقضا؛ لأنهم إذا رأو العذاب لم يكن إتيانهم بغتة؛ لأن البغتة هو إتيان الشيء على [غفلة*] من غير شعور به، قال: وأجيب بأنهم يرونه بعيدا منهم فيظنون أنه غير واقع بهم فينزل بهم بغتة، أي يراد بإتيانه لهم بغتة، بمعنى أنهم لَا يرونه حتى ينزل بهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ)
قال ابن عرفة: تنزل بعض من نزل؛ لأنه يقتضي تكلف الفعل بمشقة، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، لكنه هنا يستلزمه من باب أحرى، لأنه إذا نفى تنزيلهم لهم بمشقة فأحرى بغير مشقة، لأنهم إذا لم يقدروا عليه بمشقة فأحرى بغير مشقة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ ... (٢١١)﴾
أي وما يمكنهم فعله في أنفسهم، (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ)، أي: ولا يجدون معينا على فعله، فالأول: يقتضي فعل قبولهم بفعله [بخاصة*] أنفسهم، والثاني: اقتضى تعين قبولهم بفعله [بمعينٍ*] عليه.
стр. 1139
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... (٢١٣)﴾
هو من باب السلب، مثل: الحائط لَا يبصر لَا من باب العدم والملكة، مثل: زيد لا يبصر.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾
أي هنا (تَنَزَّلُ) هذا مضارعا، وقال قبله، (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) فأتى به ماضيا، قال: والجواب: أن الماضي معلوم لكونه [مشاهدا مرئيا*]، والمستقبل غير معلوم، فلذلك أتى به في جملة الاستفهام المقتضية للجهل بالمسئول عنه.
* * *
стр. 1140
سُورَةُ النَّمْلِ
قوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾
ابن عرفة: لف ونشر، فمن حيث كونه قرآنا معجزا هو هدى، ومن حيث كونه كتابا مشتملا على البشارة والنذارة هو بشرى للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾
من عطف الصفات.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ... (٦)﴾
وقال المفسرون: معناه تؤتى وتعطى.
قال ابن عرفة: بل هو أخص من ذلك، فإن التلقي فيه الإيماء لتقدم سبب له في ذلك.
قوله تعالى: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ).
إشارة إلى كمال قربه منه قرب [منزلة ومكانة*]، فإن قلت: الحكمة تستلزم العلم بخلاف العكس، فهلا قال: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)، فيكون تأسيسا، ثم أجاب ابن عرفة: بأنه قصد التشبيه على وصفه بالعلم مرتين: بالمطابقة وباللزوم.
قوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ... (٧)﴾
وقال تعالى في القصص (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ)، فإن كانت قصتان في موطنين [فلا سؤال*]، والظاهر أنها قصة واحدة، لكن الجواب: أن المخالفة بين الخبرين: تارة ترجع إلى نفس الخبر، وتارة ترجع إلى لازمه، مثال الأول: قد [قرئ*] في هذا البيت، ثم تقول: قرأ في البيت سورة يس، فهذا لَا تناقض فيها، لأنها مخالفة بالعموم والخصوص، وتارة تقول: قد [قرئ*] في هذا البيت لكن لَا يسمع، ويقول آخر: قد [قرئ*] في هذا البيت ليسمع، فهذا [تناقض*] ولا شك أن آية سورة النمل محققة لدخول [اليقين*]، وآية القصص [محققة لدخول الترجي*] بـ لعل.
قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾
стр. 1141
قال الزمخشري: [الهاء في إِنَّهُ يجوز أن يكون ضمير الشأن*]، والثاني، [وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله، يعنى: أنّ مكلمك أنا، والله بيان لـ أنا*]، ورده أبو حيان: بأن الفعل إذا حذف لَا يصح عود الضمير عليه بوجه، ونودي لما بني للمفعول حذف فاعله، وأجاب بعض الطلبة: بقوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ)، وقوله تعالى: (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) عائد على القائلين، وحذف الفاعل، في قوله تعالى: (قُتِلَ)، فقال ابن عرفة: هذا في جملة أخرى، فظاهر كلام أبي حيان جوازه، وقول الزمخشري: [يعنى: أنّ مكلمك أنا*]، أي المناسب لمذهبه، أن يقول: أنا مناديك أنا؛ لأنه ينفي الكلام القديم.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ... (١٠)﴾
الاهتزاز أوائل الحركة.
قوله تعالى: (كَأَنَّهَا جَانٌّ).
قال ابن عرفة: بهذه الآية يقع الجمع بين قوله تعالى: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، وبين قوله تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، فشبهها بالثعبان في عظم جرمها، وبالحية، وإن كانت صغيرة الجرم في سرعة حركتها، فهو استعارة، أو يقال: إنها في أول حالها حية، ثم عظمت وصارت ثعبانا.
قوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ).
قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام يردد في هذا أن هذه قضية كلية، أي كل مرسل لَا يخاف، والقضية الأولى [موجبة جزئية*]، وهو قوله تعالى: (وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)، فدل على أنه خاف، قال: وتقدم الجواب بوجهين:
إما أنه لم يكن حينئذ رسولا، وإنما أرسل بعد ذلك.
وإما أنه ليس المراد نفي الخوف؛ لأنه أمر [جِبلِّي*] لَا يقدر الإنسان على دفعه، وإنما المراد لازمه، أي كن آمنا مطمئنا، فإن رسلي يؤمَّنون من كل ما يخافون.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ... (١١)﴾
стр. 1142
قيل: إن (إِلا) بمعنى الواو، وكما قالوا في قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ).
قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ).
ثم بدل لظلمه حسنا، ويؤخذ من الآية، أن قاتل النفس في المشيئة، ورده ابن عرفة بأن هذه عامة، وآية القتل خاصة، والخاص يقضي على العام.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا ... (١٥)﴾
[قال*] القاضي ابن عبد الرفيع: قال الفقيه أبو عبد الله محمد [**إنه كان مقصور القرى بالتنوين في الأصل].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ... (١٨)﴾
ابن عرفة: قالوا: إذا قلت: مشيت حتى إذا لقيت زيدا يقتضي أول الملاقاة، بخلاف قولك: مشيت حتى لقيت زيدا، قيل له: فسره ابن عطية بوجهين:
أحدهما أنهم أتوا على جميع الوادي، وقطعوا مسافاته، فقال: هذا لَا يحمل على ظاهره ولا بد من تأويله؛ لأن النملة حذرت صواحباتها منه، فدل على أنهم حينئذ لم يكونوا قط مواشيا من الوادي، ولو أتوا عليه لما بقي للتحذير منهم فائدة.
قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ... (٢٠)﴾
هذا إما من الفقاد كما يتفقد السلطان حالة رعيته، وإما من الفقدان وهو عدم الوجدان، ونقل ابن عطية أن نافع بن الأزرق قد سمع ابن عباس يقول: إن الهدهد نظر إلى باطن الأرض ورأى الماء من كذا كذا إقامة، فقال له: كيف يشاهد باطن الأرض ولا يرى الفخ، فقال: [إذا جاء القدر عمي البصر*].
قال ابن عرفة: إنما جوابه يرى الفخ والحب الذي فيه، وجهل ما فيه من [الحيلة*] ولا يرى ما عاقبة أمره.
قال ابن عرفة: والظاهر أن المراد جميع جنس الهدهد؛ لأنه هدهد واحد بدليل ما حكوا أن أحد الهداهد كلم حبر بلقيس، وأعلم به نزل إليه [رئيس الهداهد*] وسلطانها، فأخبره بذلك أيضا لتحقق الخبر، فالظاهر أن جميع الهداهد مضت معه، فلذلك جلا موضعها، ودخلت منه الشمس انفرد يقول، وقالا: مصدر معطوف على علما، أي آتينا داود وسليمان علما، وقالا: الحمد له، قال: فقلت وقوله تعالى: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا)، أتى بالموجب ثم بالمانع.
стр. 1143
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾
يحتمل أن يكون من النظر أو من الانتظار.
قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو: هلا قال: فانظر ماذا يجيبون؟ فإن الجواب للكتاب أخص من الرجوع، قال: وعادتهم يجيبون: بأن [الكاتب*] إن كان له اعتناء بالمبعوث إليه، [وأراد*] بعين الكتاب [الاعتبار*]، ونزل منزلة [المساوي له*] في درجته، سمي ما يصدر عنه بعد قراءة كتابه جوابا، [وإن [أراد*] بعين [الصغار والاحتقار*] جعله في رتبة الرسول الحامل للكتاب، وكان جوابه إنما هو الرسول، فسمي ما يصدر منه له مراجعة، وكذا سليمان ﵇ حال بلقيس وملكها بالنسبة إلى ملكه، فجعل جوابها [كأنه*] لرسوله؛ [لا له].
قوله تعالى: ﴿فِي أَمْرِي ... (٣٢)﴾
أي في شأني.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ ... (٣٤)﴾
جمعتهم إما باعتبار الملوك الماضية، وإمَّا باعتبار ما يأتي، وإمَّا باعتبار إنما لم يكن على تقدير أن لو كان كيف كان يكون.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ... (٣٥)﴾
جمعتهم إما لرجوع الضمير للملوك، وإمَّا تعظيما لسليمان، وإمَّا اعتبارا به وبخاصته.
قوله تعالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ... (٣٦)﴾
وقرئ (وما آتاني الله خير).
قال الزمخشري: والفرق بين العطف بالفاء والواو، أن الإنكار تارة يتسلط على السببية، كقولك: لَا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإن أردت تجهيله في الكتب عطفته بالفاء؛ لأنه تارة يكون يشرب اللبن ظانا أنه ماء، فإذا هو لبن فهذا جهل السبب، وتارة يعلم أنه لبن ويجهل أنه إذا اجتمع في البطن مع السمك يضر، فهذا جهل السببية، وكذلك تقول: تعطي زيدا الدراهم وهو غني، فإن كان المعطي يجهل أنه غني فهو جاهل للسببية، وإن علم أنه غني، وجهل أن الغنى مانع من إعطاء الزكاة له فهذا يجهل السببية.
стр. 1144
ابن عرفة: قال: وإن كان السبب أقوى من إنكار السببية، فهذا كالجهل المركب بخلاف العكس فلذلك عطفه في الآية بالفاء دون الواو.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ... (٣٨)﴾
قال ابن عرفة: عبر بلفظ الملأ ولم يقل: يا أيها الجند؛ لأن الملأ هم الأشراف، وهو إنما خاطب بذلك من له قوة وعلم، ولفظ الملأ يشمل من جمع الأمرين ومن اتصف بأحدهما، ولم يتناول رعاع النَّاس بوجه.
قوله تعالى: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا).
إشارة إلى أنه علم أن فيهم من يأتيه بعرشها، وإنما طلب منهم تنبيه فقط، ولو قال: هل فيكم من يأتيني بعرشها لكان شاكا، هل فيهم من يقدر على الإتيان به أم لَا؟
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾
ابن عرفة: قالوا: هذا يقتضي ذم الدعوى، وكل مدع فدعواه توقع إلا إذا كان لدعواه موجب، كقول يوسف ﵇ (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، فإن موجب ذلك القيام بالحكم الشرعي ليوصل كل ذي حق لما حقه.
قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ... (٤٠)﴾
قال الأصوليون من أهل الفقه: أفعال الله غير معللة، وما ورد من تعليلها، فإنما هو باعتبار الربط العادي، وأحكامه فيها قولان: هل هي معللة أم لَا؟ ولهذا قال ابن الحاجب: مسألتان على التنزيل، أي على النزل مع الخصم إلى مذهبه في قاعدة التحسين والتقبيح.
قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ... (٤١)﴾
قال الأصوليون: إذا كان إسقاط بعض الألفاظ لَا يخل بالمعنى فإثباته حشو لا فائدة له، فحينئذ يقول: ما أفاد قوله لها؟ قلنا: أفاد أن تنكيره إنما هو لمن ينكر بعرف، ويحيط به بأنها نكرة لها لأنها أعرف النَّاس به.
قوله تعالى: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ).
وليس هو بمعنى التفكر، وإنما المراد [نختبر أو نعلم أو ننتظر اهتداءها*]، وأم هنا متصلة، وهي التي يقع بعدها المفرد، أو ما هو في قوته، فإن قلت: قال ننظر أتهتدي أم لَا، كما تقدم السؤال، في قوله تعالى: (أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، لكن
стр. 1145
الجواب هنا عكس الجواب هناك، وهو أن تلك الآية خرجت مخرج التشديد على الهدهد، وهذه خرجت مخرج التلطف ببلقيس أنه هنا بمجرد كذبة واحدة يحصل في ملأ الكاذبين، والجواب هنا: أي في هذه العبارة رفق بها وتلطف، قال: لأن الحكم إذا كان موقوفا على أمرين متفاوتين، فإن كان جانب الذم فيها أشد وأرجح يحصل منها مطلق اهتداء ويتصف بأقبح ما يكون، فخرجت هذه الآية مخرج التلطف والتخفيف عليها.
قوله تعالى: ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ... (٤٢)﴾
ولم يقل: هذا عرشك.
قال الزمخشري: لئلا يكون تلقينا وتفهيما، وقال ابن عرفة: بل هو إشارة إلى أن السؤال عن مثل الشيء أخف على المسئول من السؤال عن ذات الشيء نفسه؛ لأنه أقرب إلى المعرفة، فيجد كثيرا من يقول: هذا مثل زيد، ولا يجد من يقول: هو زيد.
قوله تعالى: (قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ).
انظر هل المعنى كان هذا هو عرشي أو كان عرشي هو، هذا الظاهر الثاني لمشاكلة السؤال؛ لأن المعنى أعرشك مثل هذا؟ قالت: كان عرشي مثله.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ... (٤٦)﴾
قال ابن عرفة: السؤال بالهمزة عن ذات الفعل، والسؤال بقوله: لم عن علة الفعل وسببه، فما السر في العدول عن الهمزة إلى اللام؟ وأجاب بأنه تقدم.
قوله تعالى: (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ).
ومن [نصب*] نفسه منصب المخاصمة، فهو عارف بالحجة، لذلك سألهم عن علة الاستعجال ودليله لَا عن نفسه.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾
أي تعلمون أنها فاحشة.
وقال الفخر؛ العالم لَا تصدر منه معصية أصلا، فإذا عصى فهو جاهل؛ لأنه يرجح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، فلذلك قال لهم لوط ﵇ (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون)، قال: والإطناب بـ بل إضراب انتقال، والانتقال في باب الذم، إنما يكون على أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وقدر بعضهم الأشدية هنا بأن الضرب عنه رافع
стр. 1146
للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة عن ذلك الفعل، والثاني: راجع للقوة العلمية، وهي دائمة؛ لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم.
قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ... (٥٩)﴾
الأكثرون على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومثل هذا في القرآن، وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بتبليغ لفظه لأمته وبالعمل به، وعرف الحمد بالألف واللام لجنسيته.
قوله تعالى: (الَّذِينَ اصْطَفَى).
أي اصطفى خاصا؛ لأن عموم الاصطفاء يصدق على الطائع وعلى العاصي، قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ).
قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ... (٦٠)﴾
قال ابن عرفة: كرر هذه اللفظة تنبيها لها على أن القدرة على الخلق فالاختراع صفة خاصة بالله تعالى بمنزلة تبيين الشيخ للتلميذ واختار أنها صفة معنوية، وأن الله تعالى ليست له صفة تخصه .
قوله تعالى: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا).
أي ما يمكنكم وما ينبغي لكم ذلك، وهذا استدلال على وحدانية الله تعالى بالحدوث، وفيه أربعة مذاهب للأصوليين:
أحدها: أن دليلها لوحدانية الإمكان، الثاني: دليلها الحدوث، الثالث: بها والحدوث شرط، الرابع: هما والحدوث شرط.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا ... (٦١)﴾
إن أريد أنها ذات قرار في نفسها فلا كلام، وإن أريد أنها قرار لغيرها أي محل الاستقرار عليها، فهي حال مقدرة؛ لأن الحكماء قالوا: إن المعمور البعض، لأن الاستقرار على أقلها وأكثرها غير معمور، فهي حياة الخلق حال مقدرة، أو يقال: إنها ليست حالا مقدرة، لأن الحكماء قالوا: إن المعمور منها أقلها وأكثرها يستحيل عمارته، فبعضه لشدة برده، وبعضه لشدة حره، إلا أن يجاب بما قال الفخر الرازي: إن الأرض على الماء، وفيها قولان: قيل: ساكنة، وقيل: إنها متحركة وليست بساكنة، فقد تبدل جهاتها فيصير غير المعمور فيها معمورا.
стр. 1147
قوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا).
قال ابن عرفة: بين إما ظرف وإلا مفعول، وهل البين بنفسه هو الحاجز، أو شيء آخر يحل فيه، وكان بعضهم يرجح الأول خوف التسلسل وتداخل الأجسام؛ لأنه إذا كان الحاجز بينهما شيئا آخر فما الحاجز بين ذلك الشيء وبينهما، فإِن كان شيء آخر فتسلسل الأمر، وإن لم يكن ثم حاجز لزم تداخل الأجسام وعدم الحاجز قرئ في كمال الفرد.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ... (٦٣)﴾ قال ابن عرفة: عادة الطلبة يقولون: لأي شيء أعاد المسند إليه هنا ولم يعده، في قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا).
ولم يقل: ومن جعل خلالها أنهارا، وقال: وتقدم الجواب بأن المعطوفات في الأولين منحصرة في نوع واحد؛ لأن الهداية راجعة إلى القوة العلمية، وإرسال الرياح راجع إلى أثر القدرة.
قوله تعالى: (عَمَّا يُشرِكُونَ).
إنما ذكر الإشراك هنا، بقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، فالإنسان في لجج البحار يستحضر مقام التوحيد، ويلقي اعتقاد التشريك، فناسب أن يعقب بتنزيه الله على نقيض ذلك.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ ... (٦٤)﴾
ابن عرفة: هو على تقدير مضمر، أي ثم يميته ثم يعيده، وأورد الزمخشري: أنهم ينكرون الإعادة، فكيف ينكر عليهم عدم الإيمان ممن يعيدهم؟ وأجاب: بأن الدلائل الدالة على الإعادة قائمة عليهم.
قال ابن عرفة: وإذا بنينا على هذا الجواب يكون في الآية حجة على المعتزلة، لأنا أجمعنا نحن وهم على جواز الإعادة عقلا، واختلفنا في وجوب وقوعها، فهم قالوا: إنها واجبة عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين عندهم، ونحن نقول: وقوعها واجب بالسمع، وهو إخبار الشارع بوقوعها لَا بالعقل.
قوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ).
стр. 1148
إنما تم تقدير ذلك مع ظهور الدلائل العقلية على وجوب الإعادة، قيل لابن عرفة: يلزمك أن يكون ابتداء الخلق واجبا عقلا، ولم يقل به أحد، فقال: قد تقرر أن الثاني من الشرطيات لازم للأول، ولا يلزم من وقوعه وقوع الأول.
قال ابن عرفة: إلا أن يجاب بالإعادة راجعة للأعراض على القول، بأن العرض لا يبقى زمانين إلا أن يقال: إنه لَا يعاد بعينه بل [يُعدم*] ويخلق مثله إلا على قول من يجيز [إعادة*] المعدوم بعينه، والخلق المراد به المخلوق.
قوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ).
قال الزمخشري: برهانكم على نفي الإعادة، فإن قلت: لنا في الشيء لَا يطلب بإقامة الدليل على نفيه، قلت: النفي على قسمين:
نفي لما يثبت، فهذا لَا يطلب صاحبه بدليل.
ونفي لما قام الدليل على ثبوته، فهذا يطلب صاحبه بالدليل.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ... (٦٥)﴾
قالوا: سبب نزولها أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن وقت القيامة التي وعدهم بها.
قال ابن عرفة: الألف واللام في الغيب للعهد، أي الغيب المسئول عنه، أو هو عام المراد به الخصوص، فهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم المغيبات، ولا يخفى عليه منها شيء فأخبر الله تعالى أنه لَا يعلم إلا ما علمه الله، وإن هذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحد فيكون فيه حجة لأحد القولين، بأن الكرامة لَا تتعلق بعلم ذلك، ولا يطلع عليه ولي، ويحتمل أن يقال الغيب على نوعين: غيب ينصب عليه دليل وإمارة، وغيب لم ينصب عليه دليل، فالأول: كمن يمشي في طريق لَا يخبرها فيعلم مواضع الماء وقربه من بعد النبات. والثاني: كدفين في الأرض لَا يخبرها إلا الشق، فإنه لَا دليل له على موضعه، وهذا من الغيب الذي ينصب عليه دليل، وذكر ابن عرفة إعراب الزمخشري واستشكاله الآية، والسؤال الذي أورده وقرره، فإنه من المذهب الذي يؤتى فيه بالحكم مقرونا بدليل، قال: وحاصله أن المراد نفي علم ذلك عمن سوى الله، ولا يحتاج إلى إثبات العلم به لله تعالى، فإنهم لم يخالفوا به، قال: ويحتمل أن يكون من في السماوات والأرض مفعولا للعلم والغيب، إما حال منه بناء على القول بصحة إثبات الحال معرفة، وأما بدل منه بدل اشتمال؛ لأن الغيب مشتمل على من في السماوات والأرض
стр. 1149
ومفعول بأن، ويعلم على بابه وعلى إعراب الزمخشري بمعنى المعرفة، والمعنى قل لا يعلم المخلوق في السماوات والأرض غيبه، أي الذي اشتمل عليه الغيب إلا الله، فإن قلت: بدل اشتمال لَا بد فيه من الضمير، قلنا: الألف واللام نابت مناب الضمير تقديره غيبه أو الغيب منه كما قدروه في صورة فالرجل الحسن الوجه، أي قل لَا يعلم غيب المخلوق في السماوات والأرض إلا الله، أي لَا يعلم المغيبات إلا الله من أمر المخلوقين إلا الله، وهذا أحسن من إعراب الزمخشري، وأبي حيان لما يلزم في إعرابها من المجاز، قلت: وذكرت هذا لصاحبنا الأستاذ أبي العباس ابن القصار فاستحسنه قال: لكن ظاهر اللفظ في حقيقته ولا يحتاج إليه؛ لأن سيبويه أجاز أن يقول: ما رأيت زيدا إلا عمرا، مع أن عمرا ليس خبر ومن زيد لكنه على نية طرح الأول، أي ما رأيت إلا عمراً، فالمعنى هنا: قل لَا يعلم الغيب إلا الله.
قوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
الشعور هو مبادئ العلم، ثم أضرب عنه، بقوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ)، فالأول: اقتضى نفي النظر عنهم، والثاني: اقتضى أنهم نظروا نظرتهم إلى عدم معرفة وقتها، وإنَّمَا لهم ظنون كاذبة أو هم في شك منها، والشاك غير حاكم بشيء فهم جاهلون لها جهلا بسيطا.
قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾
حاكمون بترجيح المرجوح منها، جاهلون بها جهلا مركبا، لأن الناظر تارة ينظر نظرة إلى الشك واستواء الطرفين عنده، وتارة يحكم بترجيح الراجح وهذا عالم، وتارة يحكم نصهم على ترجيح المرجوح، فهذا وهم وجهل مركب، وأفاد الإضراب بـ بل أنهم أولا جاهلون، فليس بها شعور ألبتَّة، بل انتقلوا إلى النظر الموصل للعلم بها، ثم نظروا أو أداهم النظر إلى الشك فيها لم بعد ذلك قطعوا وصمموا على إنكار الإعادة، فكانوا بحيث تنفع فيهم الموعظة ويطمع في رجوعهم، ثم انتقلوا إلى حالة اليأس منهم والقطع بعدم رجوعهم، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار الأنواع، فمنهم جاهل، ومنهم عالم معاند، ومنهم شاك، ومنهم مصمم على إنكار البعث والإعادة.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٦٧)﴾
وهذا من إيقاع الظاهر موقع المضمر.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ... (٦٨)﴾
стр. 1150
قال الزمخشري: لم قال في قد أفلح: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ)، وقال هنا: (هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ)، ثم أجاب بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الفرض المقصود، فهنا دل على إيجاد البعث هو المقصود في الآخر المقصود إيجاد المبعوث.
قال ابن عرفة: فإن قيل: لم خصصت تلك بتقديم نحن، وهذه بتقديم هذا؟ قال: فعادتهم يجيبون: بأن تلك ذكر أحوال الكفار؛ لأن قبلها: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، ثم قال (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)، وهذه تقدم فيها أوصاف البعث، لقوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، (أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا)، (أَمَّنْ يَهْدِيكُم فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ... (٧٣)﴾
إن أريد به العموم [فالأكثر عليه*]، والكافر على هذا منعم عليه باعتبار ما له في الدنيا، وإن أريد بالنَّاس الكفار والأكثر المراد به الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾
إن قلت: هلا قال: ما تعلن ألسنتهم وما يسترون، فيكون تأسيسا؛ لأن العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بخلاف العكس، قال: والجواب: أنه قصد التنبيه على كمال إحاطة علم الله تعالى، وإن السماوات إن تعددت فعلمه بما فيها كلها كعلمه بما في السماء الواحدة ولا فرق بينهما.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾
إما حقيقة فهي مكتوبة في اللوح المحفوظ، وهو عبارة عن كمال إحاطة علمه بذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾
لأنهم يختلفون في أمر جلي، أو أمر خفي، فهو يقص عليهم الأمر الخفي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾
стр. 1151
إما أن يراد الصائر إلى الإيمان كما قال الزمخشري، في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، وهو هدى للمؤمنين حقيقة باعتبار انتقالهم به من مقام إلى مقام أعلى منه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ ... (٧٨)﴾
قال الزمخشري: أي بعدله، وليس المراد الحكم؛ لأنه لَا يقال: يضرب بضربة.
قال ابن عرفة: الإضافة إلى الضمير يرفع هذا الإشكال، أي بمحكمه اللائق به، كما قال تعالى في (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، وكذلك (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أقْفَالُهَا).
قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).
أي العزيز الذي لَا يمانع ولا يدرى وجه حكمه، العليم بخفيات الأمور.
قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ... (٧٩)﴾
التوكل هو استحضار الحاضر ونسبة الحوادث كلها إلى الله ، ونقل بعض الطلبة عن بعضهم: أن التوكل هو الوثوق بالمظنون، وترك الحركة والأمثال على السكون.
ابن عرفة: والأول أصوب وهو قسمان: ابتدائي وانتهائي، فبدئه لَا ينافي الأسباب العادية، ومنتهاه وهو الطريق الموصوفة ينافي الاشتغال بالأسباب العادية.
ابن عرفة: وعطفه بالفاء لإفادة السببية، إشارة إلى أنه لما كان طريق الإيمان لا يمانع ولا يناط بحكمه أمر بالتوكل على الله والتفويض إليه في الأمور، ويحتمل أن يقال لما تقدم.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ).
عقبه بما يفيد إفراده والاعتماد عليه في الأمور، فالذي يفيد انفراده بذلك، هو قوله تعالى: (الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)، وهذه تفيد الاعتماد عليه في الأمور، قال بعضهم: وحاسة السمع أشرف من حاسة البصر، بدليل أنها لم يسلبها نبي بخلاف البصر، فإن قيل: ما أفاد قوله تعالى: (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، قلنا: الأصم إذا كان فبأولئك يشير إليه فيهم عنك بالإشارة، بخلاف ما إذا صيرك خلفه، فإنه لَا يسمع ولا يرى، فوصف الكفار بأقبح صفات المخالفة، وعدم الانقياد إلى الحق، فلا يلزم منه أن يقال: نهى
стр. 1152
النبي عن الحض مقيد بصفة لَا تعم؛ إذ مفهومه ثبوته لامتثالها مما لم يقيد بتلك الصفات.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾
ويحتمل أن يكون دليلا على أن الإيمان أخص من الإسلام؛ لأن معناه فالمؤمنون بآياتنا مسلمون، أي الحكم عليهم بالإيمان يستلزم عليهم الحكم بالإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ... (٨٢)﴾
المراد بالقول متعلقه، ومدلوله، وهو ما وعدوا به من أشراط الساعة، ومن ذلك خروج الدابة، فلا بد أن يكون المعنى وإذ وقت وقوع القول عليهم أخرجنا لهم الدابة، والقول يقع عليهم ولهم؛ لأن فيهم المؤمن والكافر لكن روعي مقام التخويف والإنذار قال: وعوائد الطلبة يقولون: لما عبر في الأول بالقول وبالثاني بالكلام، وهلا قيل: وإذا وقع الكلام عليهم، أو يقال: أخرجنا لهم دابة تقول لهم، قال: وتقدم الجواب بأن القول بسيط والكلام مركب؛ لأنه أخص، والقول أعم، والشرط بسيط، والمشروط مركب؛ لأنه يستلزم الشرط، والشرط لَا يستلزم المشروط، فناسبت أن يجعل القول البسيط شرطا، والكلام المركب شرطا.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ... (٨٦)﴾
ابن عرفة: فيها حذف التقابل وتقرير أن في سورة القصص (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فجعل السماع من خاصية الليل، والإبصار من خاصية النهار، والتقدير: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله، فحذف من الأول نقيض ما ذكر في الثاني، ومن الثاني نقيض ما ذكره في الأول، وعبر عن السكون بالفعل، وعن الإبصار بالأصم؛ لأن الإبصار لازم النهار، والسكون غير لازم الليل، وليس من فعله، ألا ترى أن الصالحين لَا يسكنون بالليل، بل يقومونهم وهو نهارهم، ولذلك خرج الترمذي حديثا: "إن رجلا دخل على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنها فقدمت له طعاما، فقال: إني صائم، فقالت له: ألك زوجة؟ فقال: نعم، بل زوجتان سوداء وبيضاء، وانصرفت ثم وصفته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هو الخضر ﵊، والزوجتان: الليل والنهار"، قوله تعالى: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
стр. 1153
قوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... (٨٧)﴾
قال ابن خليل: وفيها دليل على إبطال القول بإثبات الجوهر المقارن، وهو موجود لَا متحيز ولا قائم بالمتحيز، وجعل من ذلك الملائكة والجن؛ لأن المفسرين قالوا: المراد بقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈، فهم من في السماوات والأرض فجعلها خبرا، فقال ابن عرفة: يلزمه هذا في العرض؛ لأنه ليس بمتحيز، مع أنك تقول: رأيت في هذا البعث وفيه الجوهر والعرض القائم به.
ابن عرفة: فإن قلت: ضل فيها على ابن عصفور؛ لأنه منع الاشتمال المحمول، فقال: لَا يجوز، فقال: رأيت القوم إلا رجالا، فشرط في المستثنى أن يكون معلوما، قال: والجواب: أن هذا معلوم عند المتكلم، وأما الممتنع الاستثناء بالجملة المتكلم، وأيضا فمن الموصولة معرفة، وفرق بين المعلوم والمعين، فاستثناء غير المعين جائزا إذا كان معلوما عند المتكلم.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ... (٨٨)﴾
قال: يحتمل أن يكون (وَهِيَ تَمُرُّ) حالا من فاعل تحسبها، أي تحسبها جامدة حال مرورها كالسحاب، فيكون الناظر إليها لَا يشعر بمرورها كالسحاب، ويحتمل أن يكون يشعر بذلك فيحسبها أولا جامدة، ثم يتأمل فيها فيجدها تمر مر السحاب فهو يعتقد الأمرين.
قوله تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ).
يؤخذ منه إطلاق هذه الصفة على الله تعالى، وقد أطبق المتكلمون على وصفه بها، فقالوا: باب الكلام في إثبات العلم بوجود الصانع.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ... (٨٩)﴾
أي فله خير من ثوابها، قلت: لفظ (خَيْرٌ) إما فعل أو أفعل من، أي فله ثواب أفضل من ثوابها، ومن إما سببية أو لابتداء الغاية فله ثواب سببها، أو ثواب ابتدائها منها، وهل هذا كقولك: زيد [خير من*] صديقه [ ... ]، أو كقولك: زيد [خير من*] عدوه [ ... ].
* * *
стр. 1154
سُورَةُ الْقَصَصِ
قال ابن عطية: السورة مكية إلا (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) فإنها نزلت في الجحفة وقت هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة.
ابن عرفة: بل هي كلها مكية كما قال الزمخشري؛ لأنه تقرر أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها سواء كان في الجحفة [أو غيرها*].
(١)
ابن عطية: والطاء من الطول، والسين من السلام، والميم من المنعم أو من الرحيم أو نحو هذا.
قال ابن عرفة: ما هذه الدلائل؟ قلنا: تضمن، فقال: بل هي التزام وبينهما ارتباط ذهني.
قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى ... (٣)﴾
ابن عرفة: (نَتْلُو عَلَيْكَ) أخص من (نَقُصُّ)؛ لأن نقص لم يرد في القرآن إلا مقيدا، قال تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وهذا ورد غير مقيد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ... (٤)﴾
تبكيت عليه، أي علا، وهو في محل التذلل والانخفاض، فلذلك قال في الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ... (٥)﴾
ابن عرفة: ليس المراد حقيقة الإرادة لأنها قديمة، وإنما المراد ظهور متعلقها، فإن أريد به الإخبار بوقوع ذلك في بني إسرائيل قبل وقوعه، فهو مستقبل حقيقة، وإن أريد به الإعلام بها بوقوع ذلك بقوم موسى صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم، فهو من العبارة عن الماضي بلفظ المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... (٧)﴾
حكى ابن العربي في سراج المريدين لما ذكر فضائل ابن فورك، أنه كان يرى الملائكة يكلمونه، وأنكره بعضهم محتجا بأن جبريل ﵇، قال للنبي صلى الله
стр. 1155
عليه وعلى آله وسلم بقرب وفاته، هذا آخر مهبطي إلى الأرض، واحتج الآخرون بأنه بعض الصحابة أو بعض الملائكة.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ... (٨)﴾
قال الزمخشري: هذه اللام للتعليل، مثل: جئتك لتكرمني، لكنه مجاز؛ لأن الداعي لالتقاطه إنما هو الصحبة، ولما كانت العداوة نتيجة التقاطهم شبهه بالداعي الذي يفعل فاعل الفعل لأجله، فاستعيرت له اللام كما استعير لفظ الأسد للشجاع، ابن عرفة: هي لام الصيرورة، وكان بعضهم يقول: بل هي على أصلها حقيقة، ويقدره؛ لأن [فعل اللقط*] تارة يعتبر من حيث كونه مكتسبا للعبد، وتارة يعتبر من حيث كونه مخلوقا لله ، فعلى الأول تكون اللام للصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه؛ لأن الالتقاط أمر عارض غير مقصود، أي جعل الله تعالى التقاطهم له سببا في عداوته لهم، وجاءت العداوة هنا الثابتة مقابلة للخوف المنفي، في قوله تعالى: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي)، لأنها سبب فيه، والحزن الثابت مقابل للحزن المنفي.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ... (١١)﴾
إن قلت: هلا قال: وقالت لابنتها قصيه؟ فالجواب [من*] وجهين:
أحدهما: قال ابن عرفة: هذا من تعليق الطلب على الوصف المناسب له؛ لأن وصف الأخت يشعر بالحنان والشفقة على الأخ، بخلاف ما لو قال: وقالت لابنتها، فتذكيرها لها بأنه أخوها مذكور [**لحثها في البحث عنه].
الثاني: إن هذه الأخت يحتمل أن تكون أخته من أبيه، وهي ربيبة أمه وليست بنتها.
قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ... (١٢)﴾
ولم يقل: ومنعنا المراضع، إشارة إلى أن هذا أمر قديم مقدر في الأزل، ولو قال: منعناه، لتناول الأمر الظاهر الوجودي من غير اعتبار، فتقدمه في الأزل.
قوله تعالى: (مِن قَبْلُ).
أي من قبل قصها أثره.
قوله تعالى: (يَكْفُلُونَهُ لَكُم).
في زيادة لفظه (لكم) نعمة وإخفاء لئلا يتفطنون بها، أي؛ لأن كفالته ليس فيها منفعة للكافلين.
стр. 1156
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾
إن كان من تمام المعلوم لأم موسى ﵇، فيكون الأكثر بمعنى الجمع؛ لأن جميع بني إسرائيل كانوا حينئذٍ كفارا، وإن كان من كلام الله تعالى خطابا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالأكثر على بابه؛ لأن من القبط من آمن به.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ... (١٤)﴾
إن قلت: ما الحكمة في تخصيص هذه الآية، بزيادة لفظة (استوى) دون آية سورة يوسف ﵇، فالجواب بوجهين:
الأول: قال صاحب البرهان:؛ لأن يوسف ﵇ باعه إخوته وهو صغير عمره خمسة عشر عاما أو عشرين عاما، ولم يمكث عند زليخا إلا أعوام يسيرة، ثم جرت قضيته معها، وقالت له: (هَيتَ لَكَ)، فغاية الأمر أن يكون في أول سن البلوغ الأشد، وهو إما عشرون، أو خمسة وعشرون، أو ثلاثون، فلذلك لم يقل فيها: (وَاسْتَوَى) وزادها في آية موسى ﵇.
الثاني: قال ابن عرفة: وظهر لي أن الجواب بأن يوسف ﵇ هم بالفعل، ولم يفعل، [وموسى ﵇ فعل*]؛ لأنه وكز القبطي وقتله فناسب وصفه بأبلغ درجات القوة، فلذلك قال فيها: (وَاسْتَوَى).
قوله تعالى: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا).
ابن عرفة: يحتمل أن يريد بالحكم النظر الموصل للعلم، أي آتيناه طريق العلم، والعلم يحتمل أن يريد بذلك العلمية والعملية.
قوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... (١٥)﴾
تواضع منه؛ لأن [المقتول حربي*] مباح الدم يعدها هو خطيئة، وليست بخطيئة، وهذه الوكزه هي، [كما*] قال فيها الإمام مالك ﵀: [شِبْهُ الْعَمْدِ بَاطِلٌ، وليس بخطإ، وَإِنَّمَا [هُوَ*] عَمْدٌ، قال ابن عطية: أن يعقد يده ثلاثة وسبعين من حساب اللفظ، ثم يضرب بها.
قوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ... (١٧)﴾
الباء للسبب أو للقسم، وقوله تعالى: (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا)، أي فلن أكون معينا للمجرمين، قال ابن عطية: احتج العلماء بها على منع خدمة الظلمة ومعونتهم، قلت:
стр. 1157
قال شيخنا أبو الحسن المطريني: سئل سيدي أبو الحسن المنتصر عن خياطة الثياب، قال: النظر في صانع الإبرة، وأما الخياط ففي قعر جهنم.
قال ابن عرفة: يريد إن كان خائطهم كما قال ابن رشد فيمن يخيط للكافر.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ... (١٨)﴾
قال ابن عرفة: تقدم المجرور للاهتمام إشارة إلى أن له أثرا في الخوف، والألف واللام للعهد، وعبر في هذا الفعل؛ لأن المترقب متوقع وليس ثابت فيناسب الفعل المقتضي المتجدد.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى ... (٢٠)﴾
وقال تعالى في سورة يس: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى).
قال ابن عرفة: فكان شيخنا أبو عبد الله محمد بن سلمة، يقول من عنده: إنما قدم الرجل هنا تحوطا على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يناله روع أو حزن على موسى ﵇؛ لأنه لو قيل (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)، لأمكن أن يتوهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه جاءه جماعة كثيرون يريهم الاستخفاف منه لأجل قتله القبطي، فما يصل إلى ذكر الفاعل إلا بعد حصول الروع منه والفزع في القلب، فبدأ بذكر الرجل احترازا من هذا، كما قال تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، وأما سورة يس فأتت بعد ذكر الرسول فلا يؤثر فيها هذا التوهم [فزعا*] إذا جاء الجماعة يجيبون بالحض على إتباع الرسول، قيل لابن عرفة: هذا لَا حاجة به، بل يقال: هذه الآية وردت على الأصل، وما السؤال إلا في سورة يس.
قال ابن عرفة: روى بعض الشيوخ المعمرين أن الأمير أبا عبد الله محمد، المدعو بأبي عصيرة، كان خليفة بتونس، وكان الأمير أبو يحيى زكريا والد الأمير ابن أبي بكر خليفة بجاية، وكان كثير الأسفار، وطويل الغيبات في سفره، وكان الأخوان: عمران، وموسى ابن أسرعين أحدهما: بتونس، والآخر: ببجاية، فبعث أبو عصيرة حسينا أميراً عليهم ابن أسرعين ببجاية في غيبة الأمير أبي يحيى زكريا، فدخل إلى أخيه موسى بكتاب من عند الملك، فأمره فيه أن يخلع بيعة سلطانه ويبايع لابن عصيرة، فامتنع، وقال: والله لَا أخونه فيما أمنني عليه، فلما قدم الأمير زكريا أخذ عليه في فتحه الباب لأخيه، وكونه أدخله، ثم بعد ذلك يؤثر في قتله، فكتب بعض الحاضرين إليه براءة
стр. 1158
صغيرة بهذا النص: (يَا مُوسَى إِن) ولم يكمل الآية، ففطن بها موسى وهرب من جنبه.
قال ابن عرفة: وذكر الغزالي في مثل هذا، إن لم يكن فيه تعرض [للتنقيص*] والاستهزاء فيما لَا يحل فهو جائز، وقد حكى فيه عياض في المدارك عن ابن العطار أنه يعلم بآيات في مثل هذا، قلت: نقل عياض عن أبي عبد الله محمد بن أحمد العطار: أنه أفتى في [فصل*] من السهو بالسجود، فقيل له: إن أصبغ بن [الفرج*] لم ير عليه سجودا، فقال (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، قال: وبلغه أن ابن [ ... ] لم يشهد عليه حين دعا النَّاس للشهادة [**بحرصه]، فقال: (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ... (٢٩)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر المراد به أقصر الأجلين؛ لأن الألف واللام إن كانت للعهد فالمعهود القريب، وهو أقصاهما، لأنهما كالضمير العائد على أقرب مذكور، وإن كان للجنس فهو إما بمعنى الكل أو أكثرهما هو المجموع وهو الأقصى، وإن أريد الكلية تناولت اقتضائهما؛ لأنه كل فرد من أفراد الأجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾
وفي الآية الأخرى (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) مع أنه خاف، فأجاب: بأن هذا الخوف أمر جبلي، فالمراد كن آمنا مما تخافه ولا تلتفت إلى ما يقع في نفسك من الجزع والهلع بوجه، قال: وفيها سؤالان:
الأول: كيف أكد الخوف بـ (إِنَّ) والمخاطب عالم بخفيات الأمور وغير منكر لذلك القول؟
الثاني: كيف خاف مع وعد الله، لقوله تعالى: (وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)؟
ثم أجاب عن الأول: بأنه أكده مراعاة لما رتب عليه، من قوله تعالى: (فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ).
الثاني: أن المراد أن (لَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)، فما يوحي إليك به فلا يكن في نفسك منه هلع وخوف، وأما ما لَا يرجع إلى الوحي، فلا يدخل في هذا.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾
стр. 1159
كيف أكد القتل بأن الله أعلم بخفيات الأمور؟ فأجاب ابن عرفة: بأن التوكيد اعتبار المعطوف، وهو خوف القتل.
قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى ... (٣٦)﴾
قال الزمخشري: [سِحْرٌ مُفْتَرىً سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله. أو سحر ظاهر افتراؤه. أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله*]، زاد ابن عرفة: أو سحر اخترعته، وحيث فيه جديد مبتدأ غير معهود في السحر بوجه لم يعلم له نظير في السحر.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ ... (٣٧)﴾
قرأ ابن كثير بحذف الواو، والباقون بإثباتها.
ابن عرفة: وجهه أن من راعى كيفية اللفظ ومعناه فأثبتها.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ ... (٣٩)﴾
[أي*]: الاستكبار على شخص مع استحقار المستعلي [لمن تحته*]، وفي الأرض تنبيه على أن من هو في الأرض المحقرة الموطأة بالإقدام لَا ينبغي أن يستعلي.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ).
إما سبب، والمعنى واستكبر هو وجنوده بسبب هو غير حق، فيرجع إلى متعلق الاستكبار، وهذا صواب لأنهم إذا ذموا على الاستكبار بسبب أحرى أن يذموا على الاستكبار بغير موجب بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... (٤٧)﴾
قال ابن عرفة: من شرط الواقع بعد لولا أن يكون موجودا، كقولك: لولا زيد لهلكنا، وهو هنا [مقدرٍ محذُوفٍ*] [أي: لوْلاَ سبب أنْ تصيبهُمْ.] (١).
стр. 1160
سُورَةُ لُقْمَان
قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ... (١٦)﴾
قال ابن عرفة: اختلفوا هل ابتداء وصية أخرى من لقمان لولده، أو جواب عن سؤال مقدر سأله عنه ولده؛ لأنه لما أوصاه باعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته ونفي الشريك عنه، سأله عن صفاته من العلم والقدرة والإرادة، فأجابه بهذا.
وقوله تعالى: (إِنَّهَا)، قال أبو حيان: إنها ضمير القصة، وقال الزمخشري: الضمير راجع للهيئة من الإساءة والإحسان، أي الفعلة، وقال ابن عطية: المضمر للفعلة.
قال ابن عرفة: والظاهر أنه غير ماهية الشيء لتناول الجواهر والأعراض والفعلة عرض، وكذلك الهيئة والقصة.
قوله تعالى: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ).
وقال تعالى في سورة إذا زلزلت: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، ولم يقل: (مِثقَالَ حَبَّةٍ)؟ فأجيب: بأن الخطاب هنا خاص بمعنيٍّ وهو ولد لقمان، فتناسب ذكر الحبة التي هي أظهر وأجلى وأخص من الذرة، والخطاب هناك عام، فناسب تعلقه بالذرة التي هي أعم من الحبة وأخف، فإن قلت: ما أفاد لفظة مثقال؟ قلنا: الخطاب بتعلق القدرة بالحبة خاص بها، والخطاب بتعلقها بمثقالها عام فيها، وفي كل ما هو في وزنها مما ليس بحبة، فإن قلت: هلا قال: مثقال حبة خردل بالإضافة، قلنا: نص التخصيص بعد الإبهام، كقوله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، ولم يقل: قواعد البيت، فإن قلت: ما أفاد، قوله (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ)، [وهلا قال (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)؟ *] قلنا: أما على قراءة فتكن بالتشديد فالفائدة ظاهرة، وأما على قراءة التخفيف فوجه [فائدته*] تظهر بما قال المفسرون، في قوله تعالى: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ)، إنه راجع إما لصفة القدرة، أو لصفة العلم، فإن كان لصفة القدرة، فيقول: ذكر الأصوليون أن الحادث قبل حدوثه لَا تعلق به قدرة بلا خلاف، وحين حدوثه فهي متعلقة به بلا خلاف وبعد حدوثه، قال في الإرشاد: اتفقوا على أنها غير متعلقة به فيكون قوله تعالى: (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ)، فمعنى إن توجد مثقال حبة، وقوله تعالى: (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ)، أي فتبقى في الصخرة.