← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ إن كان من تمام المعلوم لأم موسى ﵇، فيكون الأكثر بمعنى الجمع؛ لأن جميع بني إسرائيل كانوا حينئذٍ كفارا، وإن كان من كلام الله تعالى خطابا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالأكثر على بابه؛ لأن من القبط من آمن به. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ... (١٤)﴾ إن قلت: ما الحكمة في تخصيص هذه الآية، بزيادة لفظة (استوى) دون آية سورة يوسف ﵇، فالجواب بوجهين: الأول: قال صاحب البرهان:؛ لأن يوسف ﵇ باعه إخوته وهو صغير عمره خمسة عشر عاما أو عشرين عاما، ولم يمكث عند زليخا إلا أعوام يسيرة، ثم جرت قضيته معها، وقالت له: (هَيتَ لَكَ)، فغاية الأمر أن يكون في أول سن البلوغ الأشد، وهو إما عشرون، أو خمسة وعشرون، أو ثلاثون، فلذلك لم يقل فيها: (وَاسْتَوَى) وزادها في آية موسى ﵇. الثاني: قال ابن عرفة: وظهر لي أن الجواب بأن يوسف ﵇ هم بالفعل، ولم يفعل، [وموسى ﵇ فعل*]؛ لأنه وكز القبطي وقتله فناسب وصفه بأبلغ درجات القوة، فلذلك قال فيها: (وَاسْتَوَى). قوله تعالى: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا). ابن عرفة: يحتمل أن يريد بالحكم النظر الموصل للعلم، أي آتيناه طريق العلم، والعلم يحتمل أن يريد بذلك العلمية والعملية. قوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... (١٥)﴾ تواضع منه؛ لأن [المقتول حربي*] مباح الدم يعدها هو خطيئة، وليست بخطيئة، وهذه الوكزه هي، [كما*] قال فيها الإمام مالك ﵀: [شِبْهُ الْعَمْدِ بَاطِلٌ، وليس بخطإ، وَإِنَّمَا [هُوَ*] عَمْدٌ، قال ابن عطية: أن يعقد يده ثلاثة وسبعين من حساب اللفظ، ثم يضرب بها. قوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ... (١٧)﴾ الباء للسبب أو للقسم، وقوله تعالى: (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا)، أي فلن أكون معينا للمجرمين، قال ابن عطية: احتج العلماء بها على منع خدمة الظلمة ومعونتهم، قلت:

стр. 1157

قال شيخنا أبو الحسن المطريني: سئل سيدي أبو الحسن المنتصر عن خياطة الثياب، قال: النظر في صانع الإبرة، وأما الخياط ففي قعر جهنم. قال ابن عرفة: يريد إن كان خائطهم كما قال ابن رشد فيمن يخيط للكافر. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ... (١٨)﴾ قال ابن عرفة: تقدم المجرور للاهتمام إشارة إلى أن له أثرا في الخوف، والألف واللام للعهد، وعبر في هذا الفعل؛ لأن المترقب متوقع وليس ثابت فيناسب الفعل المقتضي المتجدد. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى ... (٢٠)﴾ وقال تعالى في سورة يس: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى). قال ابن عرفة: فكان شيخنا أبو عبد الله محمد بن سلمة، يقول من عنده: إنما قدم الرجل هنا تحوطا على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يناله روع أو حزن على موسى ﵇؛ لأنه لو قيل (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)، لأمكن أن يتوهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه جاءه جماعة كثيرون يريهم الاستخفاف منه لأجل قتله القبطي، فما يصل إلى ذكر الفاعل إلا بعد حصول الروع منه والفزع في القلب، فبدأ بذكر الرجل احترازا من هذا، كما قال تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، وأما سورة يس فأتت بعد ذكر الرسول فلا يؤثر فيها هذا التوهم [فزعا*] إذا جاء الجماعة يجيبون بالحض على إتباع الرسول، قيل لابن عرفة: هذا لَا حاجة به، بل يقال: هذه الآية وردت على الأصل، وما السؤال إلا في سورة يس. قال ابن عرفة: روى بعض الشيوخ المعمرين أن الأمير أبا عبد الله محمد، المدعو بأبي عصيرة، كان خليفة بتونس، وكان الأمير أبو يحيى زكريا والد الأمير ابن أبي بكر خليفة بجاية، وكان كثير الأسفار، وطويل الغيبات في سفره، وكان الأخوان: عمران، وموسى ابن أسرعين أحدهما: بتونس، والآخر: ببجاية، فبعث أبو عصيرة حسينا أميراً عليهم ابن أسرعين ببجاية في غيبة الأمير أبي يحيى زكريا، فدخل إلى أخيه موسى بكتاب من عند الملك، فأمره فيه أن يخلع بيعة سلطانه ويبايع لابن عصيرة، فامتنع، وقال: والله لَا أخونه فيما أمنني عليه، فلما قدم الأمير زكريا أخذ عليه في فتحه الباب لأخيه، وكونه أدخله، ثم بعد ذلك يؤثر في قتله، فكتب بعض الحاضرين إليه براءة

стр. 1158

صغيرة بهذا النص: (يَا مُوسَى إِن) ولم يكمل الآية، ففطن بها موسى وهرب من جنبه. قال ابن عرفة: وذكر الغزالي في مثل هذا، إن لم يكن فيه تعرض [للتنقيص*] والاستهزاء فيما لَا يحل فهو جائز، وقد حكى فيه عياض في المدارك عن ابن العطار أنه يعلم بآيات في مثل هذا، قلت: نقل عياض عن أبي عبد الله محمد بن أحمد العطار: أنه أفتى في [فصل*] من السهو بالسجود، فقيل له: إن أصبغ بن [الفرج*] لم ير عليه سجودا، فقال (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، قال: وبلغه أن ابن [ ... ] لم يشهد عليه حين دعا النَّاس للشهادة [**بحرصه]، فقال: (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ... (٢٩)﴾ قال ابن عرفة: الظاهر المراد به أقصر الأجلين؛ لأن الألف واللام إن كانت للعهد فالمعهود القريب، وهو أقصاهما، لأنهما كالضمير العائد على أقرب مذكور، وإن كان للجنس فهو إما بمعنى الكل أو أكثرهما هو المجموع وهو الأقصى، وإن أريد الكلية تناولت اقتضائهما؛ لأنه كل فرد من أفراد الأجل. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾ وفي الآية الأخرى (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) مع أنه خاف، فأجاب: بأن هذا الخوف أمر جبلي، فالمراد كن آمنا مما تخافه ولا تلتفت إلى ما يقع في نفسك من الجزع والهلع بوجه، قال: وفيها سؤالان: الأول: كيف أكد الخوف بـ (إِنَّ) والمخاطب عالم بخفيات الأمور وغير منكر لذلك القول؟ الثاني: كيف خاف مع وعد الله، لقوله تعالى: (وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)؟ ثم أجاب عن الأول: بأنه أكده مراعاة لما رتب عليه، من قوله تعالى: (فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ). الثاني: أن المراد أن (لَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)، فما يوحي إليك به فلا يكن في نفسك منه هلع وخوف، وأما ما لَا يرجع إلى الوحي، فلا يدخل في هذا. قوله تعالى: ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾

стр. 1159

كيف أكد القتل بأن الله أعلم بخفيات الأمور؟ فأجاب ابن عرفة: بأن التوكيد اعتبار المعطوف، وهو خوف القتل. قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى ... (٣٦)﴾ قال الزمخشري: [سِحْرٌ مُفْتَرىً سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله. أو سحر ظاهر افتراؤه. أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله*]، زاد ابن عرفة: أو سحر اخترعته، وحيث فيه جديد مبتدأ غير معهود في السحر بوجه لم يعلم له نظير في السحر. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ ... (٣٧)﴾ قرأ ابن كثير بحذف الواو، والباقون بإثباتها. ابن عرفة: وجهه أن من راعى كيفية اللفظ ومعناه فأثبتها. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ ... (٣٩)﴾ [أي*]: الاستكبار على شخص مع استحقار المستعلي [لمن تحته*]، وفي الأرض تنبيه على أن من هو في الأرض المحقرة الموطأة بالإقدام لَا ينبغي أن يستعلي. قوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ). إما سبب، والمعنى واستكبر هو وجنوده بسبب هو غير حق، فيرجع إلى متعلق الاستكبار، وهذا صواب لأنهم إذا ذموا على الاستكبار بسبب أحرى أن يذموا على الاستكبار بغير موجب بوجه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... (٤٧)﴾ قال ابن عرفة: من شرط الواقع بعد لولا أن يكون موجودا، كقولك: لولا زيد لهلكنا، وهو هنا [مقدرٍ محذُوفٍ*] [أي: لوْلاَ سبب أنْ تصيبهُمْ.] (١).

стр. 1160

سُورَةُ لُقْمَان قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ... (١٦)﴾ قال ابن عرفة: اختلفوا هل ابتداء وصية أخرى من لقمان لولده، أو جواب عن سؤال مقدر سأله عنه ولده؛ لأنه لما أوصاه باعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته ونفي الشريك عنه، سأله عن صفاته من العلم والقدرة والإرادة، فأجابه بهذا. وقوله تعالى: (إِنَّهَا)، قال أبو حيان: إنها ضمير القصة، وقال الزمخشري: الضمير راجع للهيئة من الإساءة والإحسان، أي الفعلة، وقال ابن عطية: المضمر للفعلة. قال ابن عرفة: والظاهر أنه غير ماهية الشيء لتناول الجواهر والأعراض والفعلة عرض، وكذلك الهيئة والقصة. قوله تعالى: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ). وقال تعالى في سورة إذا زلزلت: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، ولم يقل: (مِثقَالَ حَبَّةٍ)؟ فأجيب: بأن الخطاب هنا خاص بمعنيٍّ وهو ولد لقمان، فتناسب ذكر الحبة التي هي أظهر وأجلى وأخص من الذرة، والخطاب هناك عام، فناسب تعلقه بالذرة التي هي أعم من الحبة وأخف، فإن قلت: ما أفاد لفظة مثقال؟ قلنا: الخطاب بتعلق القدرة بالحبة خاص بها، والخطاب بتعلقها بمثقالها عام فيها، وفي كل ما هو في وزنها مما ليس بحبة، فإن قلت: هلا قال: مثقال حبة خردل بالإضافة، قلنا: نص التخصيص بعد الإبهام، كقوله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، ولم يقل: قواعد البيت، فإن قلت: ما أفاد، قوله (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ)، [وهلا قال (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)؟ *] قلنا: أما على قراءة فتكن بالتشديد فالفائدة ظاهرة، وأما على قراءة التخفيف فوجه [فائدته*] تظهر بما قال المفسرون، في قوله تعالى: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ)، إنه راجع إما لصفة القدرة، أو لصفة العلم، فإن كان لصفة القدرة، فيقول: ذكر الأصوليون أن الحادث قبل حدوثه لَا تعلق به قدرة بلا خلاف، وحين حدوثه فهي متعلقة به بلا خلاف وبعد حدوثه، قال في الإرشاد: اتفقوا على أنها غير متعلقة به فيكون قوله تعالى: (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ)، فمعنى إن توجد مثقال حبة، وقوله تعالى: (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ)، أي فتبقى في الصخرة.

стр. 1161

وقوله تعالى: (يَأتِ بِهَا اللَّهُ)، إشارة إلى تعلق القدرة في الزمن الثاني عن إيجاده، فهو إشارة إلى نفي ما يتوهم من عروض النسيان له بعد إيجاده والذهول عنه، فلا يتعلق به العلم القديم حينئذ، فقوله تعالى: (يَأتِ بِهَا اللَّهُ)، أي بعلمها الله، قال: وخفاء الشيء يكون إما لبعد مسافة، وإما لحاجب بينه وبين الناظر إليه، وإما لاختلاطه بغيره، فقوله (فِي صَخْرَةٍ)، راجع لوجود الحاجب، وقوله (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ)، راجع لبعد جهته، وقوله (أَو فِي الْأَرْضِ)، راجع لإخلاطه بغيره، أو راجع لموجود في ظلمة. قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ... (١٧)﴾ ابن عرفة: إن قلت: لم كرر النداء؟ قلت: عادتهم يجيبون: بأن الوصية إن كانت في موطنين فتكريره مناسب، وإن كان في موطن واحد فكرره لوجهين: إما تأكيد بعده القريحة واستحضارها لسماع هذه الوصية الثانية للولد، فإنه في الأولى أوصاه بأمر علمي اعتقادي، وفي الثانية أوصاه بأمر عملي، أمره بإقامة الصلاة دون غيرها من العبادات لتكررها في اليوم والليلة. قوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ). اعتزل ابن عطية هنا فقال: هذا إنما يريد به أن يمتثل هو في نفسه ويزدجر عن المنكر. قال ابن عرفة: هذا اعتزال، ولذلك كان شيخنا ابن عبد السلام يحرر من المطالب من نظر ابن عطية، فإنه سيئ لكنه ينقل كثيرا عن الرماني، وهو [معتزلي*] فيغفل أحيانا عن كلامه، فيعتزل من حيث لَا يشعر، ومذهب أهل السنة يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان متصفا، لقوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)، قيل لابن عرفة: لعل ابن عطية لم يرد بذلك الوجوب بل الاستحباب؛ لأنه أدعى إلى القبول، قال الأخطل: لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِىَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلِيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، قال البيضاوي: هو جزم تردد الإرادة، وقيل: توطين النفس على الفعل. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ... (١٨)﴾

стр. 1162

الأصل أن بعد لكن اللام، هنا ليست للتعدية بل للتعليل، أي لَا تمل خدك لأجل النَّاس. قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ... (١٩)﴾ قال ابن عرفة: إنما لم يقل: واقصد في مشيك وصوتك؛ لأن المشي أقسام: مشي في غاية الضعف والبطء، ومشي في غاية السرعة والاستعجال، ومشي متوسط مقتصد، فأمر بالتوسط فيه، والصوت أحد طرفيه منتف هاهنا، وهو أضعفه وأخفى، لأن المقصود منه الإسماع، فلم يبق منه إلا القسم الثاني، وهو أعلاه وأبلغه المتناول لأقصى غاية الإجهاد، فأمره بالنقص من هذا والاتصاف بما دونه. قوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ). ولم يقل: لصوت الحمار؛ لأن ذلك خرج مخرج التقبيح، وأصوات الحمير مجمعه أشد من صوت حمار واحد. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ ... (٢٠)﴾ قال ابن عرفة: مثل هذا في القرآن كثير، وإنما أتى بهذا البعض منكرا دون تعيين لوجهين: إما قصد التستر عليه، وإما قصد العموم [للتخويف*]، حتى أن كل أحد من المخالفين يظن أن الآية تتناوله، والمجادلة تتعدى باللام [وفي*]، والمجادل لله بحق، لأنه يجادل لإظهار دين الله ونصرته، والمجادل في الله مبطل، لأنه يجادل قادحا في دين الله لنصرة الإشراك بالله. قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ). قال ابن عرفة: [يستفاد منها*] أن المجادل في الشيء تارة يكون جداله بعلم استعمله واستنبطه من عقله، وتارة يأتي بدليل استفاده من غيره ممن هو مثله، كمن يستدل بدليل ذكره القاضي الباقلاني، أو غيره، وتارة يأتي بدليل سمعي: كتاب، أو سنة، استفادها من نبي معصوم، أو بلغه عنه، فالأول: راجع لقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ)، والثاني: بقوله تعالى: (وَلَا هُدًى)، والثالث: بقوله تعالى: (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ). قوله تعالى: (مُنِيرٍ) إشارة إلى ذلك الدليل الذي من الكتاب والسنة قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، وأشار الفخر إلى بعض، قال: وفي الآية حجة من قاعدة المنطق واستعمال لفظه غير ذي الأولى، لأنها كالمعدولة المقتضية لوجود الموضوع،

стр. 1163

فالمعنى: ومن النَّاس من يجادل في الله بشيء هو غير علم؛ لأن المجادل في الله قابل؛ لأن يستفيد علما بعقله، كقوله: زيد غير بصير، ولم يأت به في الثاني، لأن الدليل في إبطال دين الله المستفاد من العقل أو الكتاب أو السنة منتف غير ثابت في نفس الأمر فنفيه من باب السلب، مثل الحائط لَا يبصر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... (٢١)﴾ قال الفخر: هنا الفعل أبلغ من القول. ابن عرفة: بل بينهما عموم من وجه، فالفعل أبلغ من القول باعتبار الحصول والقول أبلغ من الفعل باعتبار المتعلق؛ لأن متعلقه أمر كلي، ومتعلق الفعل خبر، أي ولذلك العالم يُقتدَى بقوله دون فعله، فإنه يترخص في نفسه بما لَا يفتى به لغيره. قوله تعالى: (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا). فرق بعضهم بين [وجد وأيقن*] بأن الوجدان يكون اتفاقيا على غفلة من غير قصد ولا تقدم شهود، ومنه وجدان الضالة، واليقين يقتضي وجدان ما كان ثابتا دائما مستقرا، قال ابن عطية: الآية دالة على إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد، انظر تمامها في البقرة والعقود. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ... (٢٢)﴾ عداه باللام، فأجاب: بأن اللام تقتضي الاختصاص والقصد إلى الشيء التي لا تقتضيه. قال ابن عرفة: فوجه مناسبتها هنا أنه لما كان المخبر عنه فيما قبلها لم يخص به واحد بعينه بل أتى به مطلقا عقبه بحال من حصل منه مطلق استسلام لله تعالى، فإنه ممدوح ليتناول مدح من اتصف بالنص الاستسلام من باب أحرى، بخلاف قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)، فأتى به خاصا لأجل ما رتب عليه من الثواب الجزيل الذي لهم في هذه القصة إلا بعضه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ... (٢٣)﴾ قال الظاهر في (مَنْ) أنها شرطية لَا موصولة، تقتضي وجود الموضوع.

стр. 1164

الثاني: إنها معطوفة على قوله تعالى: (وَمَنْ يُسْلِم) وهي شرطية من باب [لا أرينك هاهنا*]، أي لَا تتذكر أسباب الحزن على كفره، فتحزن على كفره فإِنما أنتقم لك منه. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). قال ابن عطية: هذا مثل قولهم: [الذئب مغبوط بذي بطنه*]، وقولهم: ذو بطن بنت خارجة. قال ابن عرفة: وانظر هل الحزن على فوات أمر محبوب، كقوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، أو على وقوع أمر مكروه، كقوله تعالى: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ)، وهو الظاهر من نص هذه الآية. قوله تعالى: [(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... (٢٩) *] قال الزمخشري: إن قلت: تجري لأجل، وتجري إلى أجل مسمى، فهذا من تعاقب الحرفين، قلت: كلا ولا [نسلك*] هذه الطريقة إلا بدليل؛ لأن إلى لانتهاء الغاية، واللام للاختصاص، وكل واحدة منهما لها معنى لَا تصلح فيه الأخرى، نحو: أعطيت لزيد ثوبا وسرت إلى عمرو، ومنه قوله تعالى في سورة يونس ﵇ (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ... (٣٣)﴾ الخطاب لجميع الإنس والجن، وعرف القرآن في النَّاس أنهم بنو آدم، لكن الخطاب التكليفي يتناول الجميع. قوله تعالى: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ). قال الزمخشري: لم أكد، قوله تعالى: (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، ولم تؤكد، قوله تعالى: (لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) شيئا، فأجاب: بأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إليها، قوله (هُوَ)، وقوله (وَلَا مَوْلُودٌ) وهذا إنما يصدق على الوالد المباشر، بخلاف لفظ الولد، فإِنه يتناول ولد الصلب، وولد

стр. 1165

الولد، وكذلك قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ورد ابن عرفة الأول بأنها ليست جملة اسمية بل فعلية، فمولود من قوله: (وَلَا مَوْلُودٌ)، فاعل مقدر، ولا تجزي مولود أو هو معطوف على الجملة الفعلية، وقوله (هُوَ جَازٍ)، في موضع الصفة لمولود، أي لَا يجزي مولود بلغ الغاية في الإجزاء، والنيابة عن أبيه، والقدرة على إنقاذه من المهالك، قال: وتقدم الجواب: أنها إنما كانت الجملة الثانية دون الأولى؛ لأن الأب يوجد فيه من الرأفة والحنان على ولده ما لَا يوجد في الابن على أبيه، بدليل أن الإمام مالك ﵀، قال فيمن قتل ولده عمدا إنه لَا يقتل به بل تغلظ عليه الدية، بخلاف ما إذا قتل الولد أباه عمدا، فإنه يقتل به فلا يجزي عن أبيه إلا الولد الجاني حقيقة، وهذا الباب مطيع له، فدخل النفي عليه مؤكدا فنفاه ولم يحتج إلى تأكيد الأول، واكتفى فيه بمطلق الإجزاء؛ لأن إجزاء الأب عن ولده معلوم بالوجود الخارجي. قوله تعالى: (شَيْئًا). تأكيد للنفي إلا إنه نفى الفعل المؤكد، فالتأكيد دخل بعد النفي؛ لأن النفي دخل عليه. قوله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ). مناسب لقوله تعالى: (اتَّقُوا)، فلذلك لم يقل: [** (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)]. قوله تعالى: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ). من باب [لا أرينك هاهنا*]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ... (٣٤)﴾ أورد الطيبي سؤالا، وهو لم قال: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)، مع أنه ليس المراد الإعلام بأنه ينزل الغيث، وإنما المراد باختصاصه بعلم وقت نزول الغيث، وأجاب بوجهين: الأول: إنه على إضمار إن، كقوله: أَلا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى ... وَأَن أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْت مُخْلِدِي الثاني: أن الإعلام بقدرته على تنزيل الغيث يستلزم علمه بوقته؛ لأن القادر على الشيء عالم به، ورد ابن عرفة: الأول بأنه شاذ، قال: وإنما عادتهم يجيبون بقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)، فإنه إذا [نفى*] عنها علمنا بمكتوبها الذي

стр. 1166

هو من قدرتها، فأحرى أن ينفي عنها علمها بما يكسب غيرها مما هو من جنسها، فأحرى أن ينفي عنها علمها مما اختص بالقدرة عليه خالقها. قوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا). قال ابن عرفة: نقلوا عن ابن الطراوة: صيغة افعل أنها مختصة بالحال، وعن الزجاج؛ أنها مختصة بالاستقبال، وعن الجمهور: أنها مشتركة بينهما، احتج ابن الطراوة بأن المستقبل لَا يخبر به إلا عن أن أو عن مبتدأ عام كقوله: وكل أناسٍ سوفَ تدخلُ بَيْنَهُم ... دويهيةٌ تصفرُ منها الأناملُ قال: ولا يعترفن بقولك زيد يقوم غدا؛ لأن معناه ينوي أن يقوم ورد عليه [الغُبْرِيني*] وغيره بقول الشاعر: فَلَمّا رَأَتْهُ [أُمُّنا*] هَانَ وَجْدُها، ... وَقَالتْ: [أَبوكم*] هَكَذا كانَ يَفْعَلُ قال وأما قوله معناه ينوي إلا أن يقوم إذا فمردود بهذه الآية، لأن الإنسان لَا يدري ما ينوي إلا أن [**تنفر عند درايته]، قال [الغُبْرِينِي*]: يفسره [غيره*]. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون: عن ابن الطراوة: بأن النية قسمان: صادقة، وهي التي طابقت ما آل إليه الأمر، وكاذبة، وهي [ما خالفت*] عاقبة الأمر، فالمنفي في الآية هي النية الصادقة، فهو لا يدري الآن أن ينوي ما يكسب [**غدائية] صادقة لا تتخلف، ويخرج الأمر على [وفقها*]. قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ). قيل لابن عرفة: إن قلت: ما فائدة قوله (مِنْ شَجَرَةٍ)، ولو حذف لكان أبلغ، لأنه إذا كان جميع ما في الأرض من شجر، وحجر ومدر وعظام أقلاما، وكتب بها كلمات الله تعالى فلم [تنفد بنفود*] الأقلام، فأحرى أن [لَا تنفد*] حالة كتبها بالأقلام المصنوعة من الشجر فقط، والجواب: بأنه لو لم يقل من شجرة لزم منه المحال، لأن الأرض فيها الجوهر والعرض فيلزم صيرورة العرض [كلاما*] وهو محال، وكان يلزم عليه المحال، وهو [نفود كلمات الله تعالى*]؛ لأن المحال قد يستلزم محالا، ورده ابن عرفة في مختصره المنطقي: بأنه لو استلزم المحال محالا لما صدقت قضية تقدمها كاذب، مع أنه قد تصدق وقد تكذب، فإِن قلت: هلا قال: ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام، فالجواب: أن الشجر أقرب إلى الأقلام من الحجر. * * *

стр. 1167

سُورَةُ الْسَّجْدَةِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... (٤)﴾ قال ابن عرفة: جاءت هذه الآية موصولة غير مفصولة بحرف العطف، لأنها بيان ما قبلها، ودليل عليه من جهة أن حقيقة رسالة المرسل يستدل عليها بالمعجزة، وبما هو من فعل مرسله الخاص به وهذه منه، قال بعضهم: من حقيقتها أن السماوات ليس بينهما خرق، ولو كان بينهما خرق، لقال: ما بينهما أو لقال: وما بينهن بضمير التأنيث، فلما أتى بضمير التثنية، دل على أن المراد ما بين السماء والأرض، وأجيب: بأن الشاهد منها ما بين السماء الدنيا والأرض، ورد بأن جميعها مشاهد لقوله تعالى: في سورة نوح ﵇ (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، فكأن قوم نوح ﵇ لطول أعمالهم أدركوها بالرصد، وأجيب: بأن الشاهد أن في السماوات في أنفسها لَا ما بينها. قوله تعالى: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ). الظرف تارة يعتبر من حيث كونه محالا للفاعل، وتارة يعتبر من حيث كونه محالا للمفعول والفاعل، يقول ضربت زيدا في المسجد، وأنتما معا فيه وحده وأنت في الطريق، أو العكس، وتقول: ضربت زيدا يوم الجمعة، وأنتما معا فيه، كقوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، الظرف هنا منسوب للمفعول فقط، واليوم ليست حركة الفلك بالطلوع والغروب؛ لأن لَا يلزم الدور؛ لأن الفلك خلق فيه فاليوم سابق عليه، فالمراد مقدار حركة مقدرة، وقول ابن عطية: روي [أن الخلق ابتدئ يوم الأحد*]، وقيل: يوم السبت (١). ابن عرفة: فتسمية هذه الأيام أمور جعلية، والمحال المقدم في حملها على حقيقتها أمر عقلي. قوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا). يؤخذ منه أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. قوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ).

стр. 1168

الولي: الحافظ، وهو الذي خيره بقوله: يدفع عنه بالمحاولة والرغبة، فالولي يمنعه من الملك لقوته، والشفيع: يمنعه منه بجاهه عنده ومكانته، وانظر ما تقدم في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ). قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ... (٥)﴾ قال ابن عطية: عدة تأويلات فعن مجاهد وابن عباس وجماعة: [ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه، (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) خبر ذلك (فِي يَوْمٍ) من أيام الدنيا (مِقْدارُهُ) أن لو سير فيه السير المعروف من البشر (أَلْفَ سَنَةٍ)؛ لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة، وقيل: يدبر: يلقى إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا*]، وهو اليوم عنده، فإذا [فرغت ألقى إليهم مثلها*] إلى أن ينفذ الأمور عنده لهذه المدة، ثم تصير إليه أخرى، وكلها عن مجاهد، وقيل: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في هذه الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة لشدة هوله، وهذا راجع لقوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، أي كل يوم منها ألف سنة، وعن أبي يزيد: أن الضمير في مقداره عائد على العروج، وهو الصعود، وقيل: يدبر أمر الشمس أنها [تصعد*] وتنزل في يوم، وذلك قدر ألف سنة، زاد الزمخشري [الْأَمْرَ المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبرا (مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصا كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة، لقلة عمال الله والخلص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص*]، قال تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)، قيل: ينزل الوحي مع جبريل إلى الأرض ثم يصعد إليه مع ما كان من قبوله أو رده في وقت هو ألف سنة، وهي [مسافة*] الطلوع والهبوط وسرعة سير جبريل. قال ابن عرفة: وظهر لي معناه، وأورده ابن عرفة في قوله (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)، سر الأفعال تقدير الآية لو شئنا إتيان كل نفس هداها لآتيناها هداها، فيلزم عليه أحد أمرين وهما: إما تحصيل الحاصل أو تقدم الصفة على الموصوف بيان ذلك أنه أن يراد بقوله تعالى: (شِئْنَا) الإرادة التنجيزية أو الصلاحية، فإن كان الأول وهو إيراد الإرادة التنجيزية، لزم تحصيل الحاصل، وأنه يصير المعنى حينئذ: لو أوقعنا الهداية بالفعل [لوقع الفعل*]، وإن كان الثاني وهو أن يراد الصلاحي لو تم تقدم الصفة على الموصوف، وبيانه أن الإرادة من الصفات التعليقية وهي قديمة والنفوس حادثة، فيلزم وجود التعلق الذي هو صفة في الأزل دون المتعلق، وذلك نفس تقدم الصفة على الموصوف، قلت: وهذا جواب بتقدير الإشكال المذكور في الأصل فتأمله. قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... (٧)﴾

стр. 1169

أي خلقا حسنا في صفته، والأعمى كذلك، وهذا إكمال نجد الصناع من الدهاقين والنجارين والخياطين يصنع بعضهم مثالا ينطبق على الصورة سواء، وآخر يصنعه غير مرتب فلا ينطبق على الصورة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ... (١٣)﴾ قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: المراد لو شئنا هداية كل نفس لهديناها فتعلق المشبه بالهداية، فالهداية إن [كانت تنجيزية*] لزم عليه تحصيل الحاصل وعدم الفائدة في التركيب؛ لأنه يكون المعنى لو حصلنا هداية كل نفس بالفعل لحصلناها بالفعل، وإن كان صلاحيا لزم عليه تناهي إرادة الله تعالى، لأن متعلقاتها وهي النفوس متناهية، وما ثبت لأحد المتلازمين ثبت للآخر، فالمراد لو أردنا الأزل هداية كل نفس هدايتها بالفعل، وكل ما دخل في الوجود متناه، وهو ملزوم للإرادة، وأجيب: بأنها متعلقة بخاص، والخاص متناه بالضرورة، فلا يلزم منه تنافيها. قوله تعالى: (هُدَاهَا). أي هداها اللائق بها، قيل: لابن عرفة: قال (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ)، فهو المستلزم لحصول الهداية، وإنما إتيانها هداها، فقد يعطي الإنسان ولم يقبله، فقال: إنما ذلك في غير العالم، وأما العالم بخفيات الأمور فلا يعطي إلا لمن يقبل. قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ... (١٤)﴾ النسيان [يأتي*] بمعنى الترك، قال الآمدي: منع المعتزلة إطلاق صفة الترك على الله تعالى، وأجازها أهل السنة بقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ... (١٥)﴾ قال ابن التلمساني في شرح المعالم: الآية إن تحدى بها فهي معجزة، وإن لم يتحدى بها فهي آية، ولفظ الآية أعم. قوله تعالى: (خَرُّوا سُجَّدًا). المراد به الخشوع للسجود الفعلي حقيقة؛ لأنه غير ملازم لهم. لأنه يلزم أن لا يؤمن بها إلا من سجد بالفعل، وسجد حال مقدرة لَا محصلة؛ لأن السجود إنما هو بعد الخرور. قوله تعالى: (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).

стр. 1170

ولم يقل: سبحوا بنعمة ربهم؛ لأن النعمة غير ملازمة لهم. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ... (١٨)﴾ قال ابن عطية: نزلت في علي والوليد بن عقبة بن أبي معيط؛ لأن الوليد قال لعلي كرم الله وجهه: " [أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد للكتيبة، فقال له علي بن أبي طالب: اسكت فإنك فاسق*] ". ابن عرفة: إن صح كيف أن نقول له هذا، وهو مسلم، فأجاب: باحتمال أن تكون هذه نزلت بعد آية الحجرات وهي (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، لأنها نزلت في الوليد لما بعثه النبي صلى الله عَليه وعلى آله وسلم [إلى بني المصطلق، فقال له: إنهم لم يؤمنوا فأرسل إليهم عليا*] بن أبي طالب، فخرجوا بأجمعهم وآمنوا فنزلت الآية، وكان الوليد لما رآهم خرجوا بجماعتهم ظن أنهم يقاتلونه، وهو الذي ولاه عثمان على الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص مرة، ويقال: إن الوليد أخو عثمان ﵁ لأمه فبقي واليا عليهم إلى أن صلى بهم الصبح أربع ركعات، وقال: إن شئتم أزيدكم، فقال ابن عباس: ما زال أمرنا في زيادة منذ وليت علينا، فإذا هو سكران فعزله عثمان، وأمر بجلده، فجلد وهو يعد أسواطه حتى بلغه أربعين، فأمره علي ﵁ بالكف عنه، وقال: جلد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخمر أربعين، وأبو بكر ﵁ وعمر ثمانين، فإني رأيت أن تقف على أربعين [ففعل*]، قاله أبو عمرو، في الاستيعاب، وهو خلاف ما نقله عنه الأصوليون من أن عليا كرم الله وجهه اختار في حد الخمر ثمانين، وقال: إذا شرب [سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى*] فأرى عليه [حد الضرب*] ثمانين، وذكر أنه شهد عليه رجل أنه شربها، وأخبر بأنه قاءها، فقال عثمان: ما قاءها حتى شربها. قال ابن عرفة: ولما تقدم الكلام على المؤمن ومدحه بأخص وصفه عقبه ببيان أن مطلق الإيمان ومطلق الفسق لَا يستويان، وهو دليل على أن المراد هنا بالفسق الكفر، لأنه جعله ضد مطلق الإيمان. قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى ... (١٩)﴾ قال ابن عطية: سميت جنة المأوى؛ لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها إلى قناديل معلقة تحت ساق العرش، والعرش سقف الجنة، ولعلها تأوي إليها في الدنيا؛ لأن الشهيد تنعم روحه وجسده. قوله تعالى: (نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

стр. 1171

قال ابن هشام الباهلي: مذهب أهل السنة للسبب، وعلى مذهب المعتزلة واجب، وكذلك السبب. قوله تعالى: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ... (٢٠)﴾ .. المبتدأ مأواهم؛ لأنه أعرف، ولأنه مقدم ولإحصاره في الخبر لَا مأوى لهم إلا النار، بخلاف العكس. قوله تعالى: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ). قال ابن عرفة: عادة القراء يقولون: السورة المدنية وصف فيها عذاب النار بالمذكور، وهي سورة السجدة، وفي سورة سبأ وصف فيها عذاب النار [بالمؤنث*] [فانتسبت*] هنا للعذاب، وفي سبأ للنار، وأجاب الطيبي [وابن الزبير*]، بأن النار هنا تقدم ذكرها، فالأصل جاء ذكرها مضمرا، فيقال: مأواهم النار كلها. قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا). وقيل لهم ذوقوا عذابها، فالظاهر هنا وقع موقع المضمر لَا ينعت، فلذلك قال (الذي كنتم به [تُكَذِّبُونَ) *]، النعت للعذاب لَا للنار، وأما سورة سبأ فقبلها (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ). قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا). قال بعضهم: الإعادة تقتضي أن يكون الخروج أن يكون بمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، ويجوز في لفظ الإعادة بأن يراد منها المنع من الخروج أو يكون المعنى أرادوا الخروج، وأخذوا في أسبابه، وروي عن الحسن: أنهم يصعدون من الطبقة السفلى إلى العليا، فيردون إليها. قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ... (٢١)﴾ قال الزمخشري: العذاب الأدنى عذاب الدنيا، من القتل والأسر وغيره، وعن مجاهد: هو عذاب الآخرة، زاد ابن عطية بلا خلاف. قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون معا في الدنيا فالأصغر [بسبي ذراريهم [وسلب أموالهم*]، والأكبر [سبيهم*] في أنفسهم. قال الفخر: [وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى فِي مُقَابَلَتِهِ الْعَذَابُ الْأَقْصَى وَالْعَذَابُ الْأَكْبَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الْعَذَابُ الْأَصْغَرُ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَدْنَى بِالْأَكْبَرِ؟ فَنَقُولُ حَصَلَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَرِيبٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَلِيلٌ صَغِيرٌ وَحَصَلَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ أَيْضًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَعِيدٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَظِيمٌ كَثِيرٌ، لَكِنَّ الْقُرْبَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ الْعَاجِلَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا قَدْ يَحْتَرِزُ مِنْهُ بَعْضُ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَرِزُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ إِذَا كَانَ آجِلًا، وَكَذَا الثَّوَابُ الْعَاجِلُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ وَيَسْتَبْعِدُ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ الْآجِلَ، وَأَمَّا فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ فَالَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ هُوَ الْعَظِيمُ وَالْكَبِيرُ لَا الْبَعِيدُ لِمَا بَيَّنَّا فَقَالَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا الْعَذابِ الْأَدْنى لِيَحْتَرِزَ الْعَاقِلُ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ: (لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأصغر) ما كَانَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وَعَدَمِ فَهْمِ كَوْنِهِ عَاجِلًا وَقَالَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ الْأَكْبَرِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَبْعَدِ الْأَقْصَى لَمَا حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِهِ مِثْلَ مَا يَحْصُلُ بِوَصْفِهِ بِالْكِبَرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَذَابَيْنِ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ أَصْلَحُ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ الْوَصْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِيهِمَا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ*].

стр. 1172

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ... (٢٢)﴾ وفي الكهف (فَأَعْرَضَ عَنْهَا). قال ابن عرفة: كان الطلبة يقولون: [ ... ]. ما أشد؟ هل ظلم من أعرض عقب التذكر بالآيات أو ظلم من أعرض بعد مهلة، وهل الإنكار على الأول أشد، والإنكار على من ظلم بعده مهلة أشد؛ لأن ظلمه أضعف فيستلزم الإنكار عليه الإنكار من باب أحرى. قوله تعالى: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ). قلت: أجاب الزمخشري: أنه [لما جعله أظلم كل ظالم ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دلّ على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام*]، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة. قال ابن عرفة: هذا يحتاج إلى دعامة، وهو أن لفظ المجرمين يتناول الإنكار عليهم وعلى غيرهم ممن قد اتصف بالإجرام المطلق. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ .. هذا كقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، فالكسب هدى لهم، ومنهم المؤمن به والكافر، هذا إن أريد به عموم بني إسرائيل، إن أريد المؤمنون فقط من بني إسرائيل، فهو هدى لهم حقيقة. قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ قال ابن عرفة: اليقين هو الحق لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ). قال ابن عرفة: إنما قدم الأنعام على الأنفس مع أن الأنفس آكد؛ لأنه كذلك في الوجود الخارجي؛ لأن أول ما يأكل [من الزرع الأنعام من عصفه*] ثم بعد ذلك الإنسان [من حبه*] فجاء على الترتيب الوجودي.

стр. 1173

قال ابن عرفة: وقع الاعتناء هنا بأمرين بقوله تعالى: (أَوَلَم يَهْدِ لَهُم)، يشتمل على تخويف، قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوا)، يشتمل على نعمة فتخرج به زرعا، دليل على أن الزرع إنما يخلق من التراب، وقيل: من الماء، وقيل منهما معا، وكذلك اختلفوا في الجنين مماذا يخلق، [قيل: من ماء الرجل، وقيل: من ماء المرأة*]، وقيل: منهما، ولو كان إخراج الزرع من الماء لقال: فيخرج به زرعا. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ فهو ترق. قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ ... (٢٩)﴾ إن أريد في مكة، فالمراد من مات من الذين كفروا، فإنه لَا ينفعه إيمانه بعد ذلك، وأما من بقي حيا فينفعه إيمانه. قال ابن عرفة: ما ذكر الزمخشري في آخر سورة السجدة من الحديثين الذي ذكرهما كما جرت به عادته، لم يثبت منها حديث صحيح، والذي في الحديث الصحيح، خرجه الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان لا ينام حتى يقرأ (الم تَنْزِيلُ)، و (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدهِ الْمُلْكُ)، قلت: وذكره الطيبي هنا قائلا: رويناه عن أحمد والترمذى والدارمي. * * *

стр. 1174

سُورَةُ الْأَحْزَابِ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ... (١)﴾ قال ابن عرفة: قالوا: أكثر ما وقع في القرآن مخاطبته بصفاته فيقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وكذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)، وما وقع التعبير عنه باسم العلم إلا في نحو خمس آيات، وهو قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وقوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، وقوله (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، قال: وسبب ذلك أن هذه الصفات ذكرت على سبيل المدح والتشريف، فلذلك كثر ذكرها، والتصريح باسمه العلم إنما هو يميزه عن غيره فقط. قوله تعالى: (اتَّقِ اللَّهَ). إن قلت: ما فائدة أمره بالتقوى مع أنه تحصيل الحاصل، قلنا: متعلق الأمر بالشيء لمن هو متصف به، إن كان متعلقه مقولا بالتشكيك ففائدته الترقي في أجزائه، والاتصاف بإعلام، وإن لم يكن كذلك ففائدته الدوام عليها. قوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ). قال ابن عرفة: فائدته عندي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخفض جناحيه لهم، فيوافقهم على فعل ما يصل به إلى غاية ما يباح له [فعله*] شرعا استيلافا لهم وحرصا على إيمانهم، فقيل له لَا تفعل هذا، فإِن ذلك يندرج بهم إلى طمعهم فيك، وتعلق آمالهم لطلبهم منك ما لَا يباح لك فعله شرعا، وهذا كما يطلبه منك عبدك درهما، فإن سعفته به يتجاسر عليك، ويطلب منك دينارا. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ... (٤)﴾ قال الزمخشري: لو كان قلبان لكان تاما أن يفيده أحدهما من العلم، ما أفاده الآخر أو غيره، فالأول: تحصيل الحاصل، والثاني: يلزم عليه اجتماع النقيضين. قال ابن عرفة: هذا على أن أصله أن الصفة إذا قامت بحدث أوجبت الحكم لجميع الذوات، وهو مردود بحاستي السمع والبصر واليدين، فإنه يسمع بالأذن مثل ما

стр. 1175

يسمع بالأخرى، ويضع يده الواحدة على النار ويده الأخرى على المسخن، ويجاب: بأن قوله تعالى: (مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، كان بعضهم يقول: الحكمة في إدخال (مِنْ) أن صيغ الجموع، والتثنية كلمة [كل*]، فإذا قلت: الرجال قائمون معناه: كل واحد قائم، وكذلك الزيدان قائمان، فلو قال: ما جعل الله لرجل قلبين لأوهم نفي القلب الواحد، ولذلك قال تعالى (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)، فأكده بقوله (اثْنَيْنِ)، ليفيد أن المراد نفي مجموع القلبين من حيث هو مجموع لا نفي الواحد لأنها في النفس لاستغراق الجنس. قوله تعالى: (فِي جَوْفِهِ). قال الزمخشري: فائدته زيادة التصور المدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور [لنفسه*] جوفا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار، وأجاب الزمخشري في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ). قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ). قال الزمخشري: إن قلت: ما معنى قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي فكنوا عن البطن بالظهر؛ لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر، قلت: هو حديث ذكره ابن أنس عنه في كتاب التجارة بأرض الحرب، قال عن عمر: [لاَ حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا، لاَ يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ مِنْ أَذْهَابٍ إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا، فَيَحْتَكرونَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِه كَبِدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ, فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ*]، فأباح ذلك عمر للجالب والزراع. قوله تعالى: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) أي قول باللسان دون اعتقاد القلب. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ). وإنما يقال: قال الله الحق، ورد عليه النواوي ﵀ بهذه الآية. قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... (٦)﴾ قالوا سببها ما أخرجه البخاري ومسلم من أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟»، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ*]. وعلق الحكم هنا بالنبي، وهو أعم من الرسول ليدل على تناوله للرسول من باب أحرى.

стр. 1176

قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ). فيه حجة لأبي حنيفة ﵁، القائل إنهم أولى بالإرث عن بيت المال. قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا). قال ابن عطية: قيل: استثناء متصل، وقيل: منفصل، وقال الزمخشري: إنه استثناء من أعم العام. قال ابن عرفة: تقريره أن العام هم المؤمنون والوصية؛ لأن العام في الأشخاص والأزمنة أولا، والمشهور أنه مطلق فيها، واستثنى من أحوال تلك الأشخاص الوصية، فهو استثناء متصل، وتقدم لابن التلمساني شارح المعالم أن الاستثناء قسمان يصدق على إخراج ما لولاه الموجب دخوله على إخراج ما لولاه لصلح دخوله، فلو استثنى من الخاص المؤمنين أو المهاجرين لكان إخراج ما لولاه الموجب دخوله، وأما المستثنى من أحوالهم أن إخراج ما لولاه لصلح دخوله؛ لأن أحوالهم صحيحة؛ لأن يكون إرثا أو عطية، بمعنى الهبة أو بمعنى الصدقة وبمعنى الإعمار والتحسين، وقد تقرر في الأصول الفرق بين الأعم والعام، وهذا كثيرا ما يقوله الزمخشري أنه استثناء من أعم العام، وذكر مثله في هذه السورة في قوله تعالى: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ)، وفي سورة يوسف في قوله تعالى: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، وتقدم نحوه، لابن عرفة في قوله تعالىَ: في سورة هود (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)، وفي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ*] ". ابن عرفة: أي لَا تبيعوه في حال إلا في المماثلة، وقال الطيبي: إنه استثناء [مفرغ*] في الثبوت، وقاعدة [المفرغ*] إنما يكون في [المنفي*]. قوله تعالى: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا). المسطور هو حكم الوصية وغيرها، لَا متعلق ذلك. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ ابن عطية: [إِذْ يحتمل أن تكون ظرفا لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون إِذْ متعلقة بقوله كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً، [الأحزاب: ٦]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول*]. ابن عرفة: لأجل واو العطف إذ لو كان [معمولا*] لمسطور جاء موصولا غير مفصول بحرف العطف، قال: وإذا كان العامل اذكر، فلابد من تقدير مضاف، أي

стр. 1177

اذكر حالهم إذا أخذنا، وأما ذكر الوقت نفسه، فلا يصح؛ لأنه ماض، فكيف يؤمر الآن بالذكر، إلا أن يكون مفصولا به فيكون أمر بذكره لَا بالمذكور فيه، مع أن ابن عطية جعله ظرفا، والنبي أعم من الرسول، وقيل: أخص واحتج ابن [رشد*] على كونه أخص بقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، فعطف النبي عليه، دليل على كونه أخص ورد ابن عرفة: بأنه في سياق النفي فينتج له العكس؛ لأن النفي الأخص أعم من النفي الأعم، وقد ذكر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشريفا له، وروي أنه قال: "كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث"، قيل لابن عرفة: فجاء تقديمه على الأصل؛ لأنه أولهم خلقا حين أخرجوا من ظهر آدم [كالذر يوم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) *]، فقال: لزمك أن يكون خلق، قيل: آدم مع أنه أخرج من ظهره، قلنا: نلتزمه لما ورد أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ذرا قبل خلق آدم انتقل ذلك النور إلى ظهره، نقله عياض في الشفاء في الفصل السادس من الباب الثاني عن ابن عباس ﵄ قال: [كَانَتْ قُرَيْشٌ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ, فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ*]. قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا). قال ابن عرفة: وكان شيخنا ابن عبد السلام يقول: إنما كرره؛ لأن المصدر تارة يعتبر من حيث إضافته للمفعول، وتارة يعتبر من حيث إضافته للفاعل، ومثاله إذا أخذ رجلان مالا بالسواء، أخذ أحدهما نصفه منه من عند رجل عظيم، والآخر نصفه منه من عند رجل حقير، فالأخذ بالنسبة إلى المفعول مسبق، وبالنسبة إلى الفاعل متفاوت، فقوله تعالى: (مِيثَاقَهُمْ)، إما مصدر مضاف للمفعول فلذلك لم يصفه بالغلظة، اعتبارا بنسبته للفاعل، وهو الله تعالى، ولما كرره لم يعرف بـ (ال) لكونه ذكر أولا معرفا على منكر. قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ... (٨)﴾ ذكر ابن عطية احتمال كون اللام للصيرورة، على أن الضمير في يسأل عائد على غير الله تعالى، إما على الملك أو نحوه؛ لأن لام الصيرورة تقتضي أن الفاعل جاهل بعاقبة الأمر. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا ... (٩)﴾

стр. 1178

قال ابن عرفة: إن كانت للسبب فظاهر، وإن كانت للتعقيب [فبكون الله تعالى أرسل عليهم الريح وأنها كانت إثر مجيئهم*]، وأمر الملائكة أن [**يتربصوا] عليهم بقدر ما تستوفي جنودهم، ويطمعون في أخذ المؤمنين، فهو [**إنكالهم]. ابن عطية: لما أرسل عليهم الريح، قال بعضهم: سحرنا محمد. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بموجبة ولكن سحرهم السحر الحلال، قيل له: هذا لَا يحل إطلاقه، فقال: ترى النَّاس إذا تعجبوا من شيء يقول: هذا هو السحر الحلال. قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا). قرئ بتاء الخطاب، فهو وعد للمؤمنين الحفظ والنصر، كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، وقرئ [بياء الغيبة*] فهو وعيد للكفار بأنه يرى عملهم فيجازيهم عليه، وينتقم لكم منهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... (١٢)﴾ ابن عرفة: هذا من عطف الصفات، أي وإذ يقول الموصوفون بالنفاق ومرض القلوب، أو من عطف الموصوفات فيكون المنافقون قسمين: منهم من جزم بالكفر، ومنهم من في قلبه مرض، وفي سورة المدثر (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)، فقدم الذين في قلوبهم مرض، قال: وعادتهم يجيبون: بأن منشأ المقالة في هذه الآية، هو الجزم بالكفر والتصميم عليه، لقولهم (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، وهذا الكفر صريح ومنشأ [المقالة*] في سورة المدثر، الشك في الإيمان لقولهم (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)، فروعي في كل آية منهما الأصل فيما سبق الكلام لأَجله، فقدم هنا المنافقون المصممون على الكفر، وقدم في المدثر مرضى القلوب، قيل لابن عرفة: لَا معارضة بين الآيتين، لأن المنافقين هم الذين في قلوبهم مرض، فقال (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ)، أعم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ... (١٥)﴾ قال ابن عرفة: هذا أخص من أن لو قيل: لَا يخلفون عن القتال، لأنهم إذا عاهدوا الله لَا ينهزموا ولا ينصرفوا عن المقاتلة، فأحرى أن لَا يتخلفوا عن حضور القتال، لتكثير السواد وإن لم يقاتلوا، أو أحرى أن لَا يتسببوا في خذلان المؤمنين

стр. 1179

وصدهم عن القتال، فخالفوهم في ذلك واتصفوا بأشد ما يناقض عهدهم، وهو السبب في فشل المؤمنين وخذلانهم. وقوله تعالى: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ... (١٦) قال ابن عرفة: المجرور متعلق بالفعل، وهو فررتم لَا بالفرار إما لقربه منه، وإما لأنه الأصل في العمل حسبما أشار إليه الزمخشري في (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ)، [فإن قلت: بم تعلق مِنَ الْأَرْضِ أبالفعل أم بالمصدر؟ قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل*] [يريد*] وإن ذلك إنما هو حيث يكون المصدر جاريا على ذلك الفعل، مثل (دَعَاكُمْ دَعْوَةً)، وأما هذا فإن مصدر فررتم الجاري على المفر أن يكون الفرار إلا الفرار، وما كلام الزمخشري إلا حيث تجري فتأمله، قلت: وهذا الذي ذكر غير صحيح، فإن مصدر فررتم ما هو إلا الفرار فتأمله، وإمَّا لأن الفرار مصدر معرف بالألف واللام فهو موصول فلو تعلق به لوقع الفصل بين الصلة والموصول بأجنبي، ومعناه أن تعلق الفعل لن ينفعكم الفرار من كل شيء [إن*] فررتم من الموت أو القتل، لأنهم قد يفرون لحفظ أموالهم، كما قالوا (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)، وإن تعلق بالفرار فمعناه لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم منهما، قال: ومما يرجح تعلقه بالفرار أنه إذا تعلق بـ فررتم لم [يناقض*] أول الآية آخرها، بقوله تعالى: (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا)، فقد نفعكم الفرار مطلق نفع، وهو التمتع القليل، فلا يصح أن ينفي عنهم نفعه لهم مطلقا، إذا تعلق بالفرار لَا يكون فيه تناقض بوجه، فإن قلت: ما أفاد بقوله (إِنْ فَرَرْتُمْ) قلت: عادتهم يجيبون: بأن [السالبة عند المنطقيين ما تقتضي وجود الموضوع ولا عدمه*] كقولك: لَا شيء من الآدمي في هذا البيت [بمتنفس*]، فيصدق بأن يكون ليس فيه حيوان بوجه، والموجبة المعدولة تقتضي وجود الموضوع نحو: كل آدمي في هذا البيت متنفس، فيقتضي وجوده، وأنه محكوم عليه بعدم التنفس، فإما أن [تكون*] كاذبة أو يكون الآدمي ميتا، وكذلك ما لم يقل: (إنْ فَرَرْتُمْ)، [لأوهم أنهم إنما لم ينفعهم الفرار لعدم وقوعه، فلما قال: (إنْ فَرَرْتُمْ)، أفاد أنه وجد، ولم ينفعهم وجوده*]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾ الولي: هو القريب الموالي، فهو أخص من الناصر؛ لأن الناصر قد يكون أجنبيا، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فلذلك عطفه عليه، وكذلك قال ابن عطية في أوائل العنكبوت. قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ ... (١٨)﴾

стр. 1180

كما قال الزمخشري (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)، قال: (قَدْ نَرَى) ربما نرى، ومعناه كثرة الرؤية كقوله: قَدْ أتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ والكثرة في متعلق العلم؛ لأن علم الله متحد لَا يوصف بالكثرة، ولا بالقلة. قوله تعالى: (الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ). المجرور إما فاعل أو مفعول، أي المعوقين الذين بهم بعضكم، والمعوقين من غيركم لبعضكم فمعكم أو معوق مثل علمت المكرم، فـ (منكم) إما حال أو مفعول، وكونه مفعولا أقرب لإقبال الخطاب صرف الذم إليهم، ومدح المؤمنين لعدم إتباعهم، وإذا كان فاعلا يكون فيه تهييج على الفرار منهم فقط وما سيقت الآية لهذا. قوله تعالى: (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا). عطف تفسير كقوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) فهو من عطف الصفات أو من عطف الموصوفات. قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا). يحتمل معنيين: أحدهما: أن فيهم نجدة، وشجاعة، وقدرة على القتال، لكنهم يتناحلون ويظهرون الضعف والعجز. والثاني: أنهم عاجزون عن القتال كالنساء لما يدركهم من الهلع والخور والخوف، وهو الظاهر أي من شأنهم أنهم لَا يأتون البأس ولا يستطيعونه ولا يقدرون عليه. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ... (١٩)﴾ هذه لنفي الماضي المقبل بزمن الحال. قوله تعالى: (فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ). ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد بالإحباط بتبكيتهم، وعدم اتصالهم بغرضهم في صدهم المؤمنين، وخذلانهم عن القتال، وأنهم لَا يسعفوهم بمطلوبهم في قولهم: [هَلُمَّ إِلَيْنَا*]، خلاف ما حمله عليه المفسرون. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ ... (٢٢)﴾

стр. 1181

قال ابن عرفة: الفرق بين قولك: جاء زيد فأكرمته، وبين قولك: لما جاء زيد فأكرمته، أن الثاني يقتضي المبادرة بالإكرام، بخلاف الأول فإن الفاء تكون للتسبيب، ويتأخر الإكرام عن المجيء. قوله تعالى: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ). قال الزمخشري: الإشارة إلى [الخطب أو البلاء*] فالمشار إليه معنى مفهوم من السياق وجعله ابن عطية حسيا، وهو الأحزاب. ابن عرفة: وعلى هذا يقال: كيف أشار إلى الجمع بلفظ المفرد، فيجاب بأنه قصد تقليل الجمع وتحقيره، كقوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ). قوله تعالى: (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ). يحتمل أن يكون من [تمام*] كلام المؤمنين، وأن يكون من كلام الله تعالى تقريرا لكلام المؤمنين، وتحقيقا له، فإن كان من كلام الله تعالى فلا شيء فيه، وإن كان من كلام المؤمنين، [ففيه*] دليل على صحة إنكاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الخطيب القائل "مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَدْ غَوَى، حيث قال له: "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ" [لاحتمال اعتقاد التسوية بينهما في المقام*]. قوله تعالى: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا). الإيمان عند المعتزلة يزيد وينقص؛ لأن الفعل عندهم جزء من الإيمان، وعندنا فيه ثلاثة مذاهب ثالثها أنه يقبل الزيادة، ولا يقبل النقص. ابن عرفة: والتحقيق فيه أنه باعتبار ذاته، وهو التصديق لَا يزيد ولا ينقص باعتبار عوارضه يزيد، فالإيمان من عرف الله بالدليل والبرهان المقابل للقول بالشكوك الواردة

стр. 1182

عليه في التوحيد أزيد من الإيمان من لم يعرفه بالأدلة، وفي قول ابن أبي يزيد في الرسالة، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصها مسامحة توهم مذهب المعتزلة، لكن قوله فيكون فيها النقص وبها الزيادة يهدي إلى تأويله. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... (٢٣)﴾ قال ابن عرفة: نص ابن مالك على أن الجملة إن كانت صحيحة الترادف لما قبلها أو صحيحة التباين له أتى بها موصولة غير مفصولة بحرف العطف، وإن كانت في [مقام التوسط*] فلا بد من حرف العطف ليزيل الإشكال، قال: وظاهر كلام سيبويه، وأكثر النحويين أن الأصل تقديم المبتدأ سواء كان نكرة لها مسوغ أو معرفة، وظاهر كلام الزمخشري: أن الأصل [تأخيره*] إذا كان نكرة؛ لأنه أورد سؤالا [في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَأَجَلٌ مُسَمى عِندَهُ)، قال: [فما أوجب التقديم*؟] [فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ؟ قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ. فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولي عبد كيس، وما أشبه ذلك، فما أوجب التقديم؟ فأجاب: بأن في تقديمه تعظيما لشأن الساعة.*] قوله تعالى: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ). إما أن يراد صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فيكون حقيقة بمعنى الوفاء بالعهد، وإن كان المعاهد عليه مصدوقا، فهي مجاز كقولهم: صدقني من بكره في رجل اشترى من رجل حمارا، فقال: إنه بكر، فلما رأى الإبل صوت بتصويت البكر، فقال مشتريه صدقني من بكره، قال الطيبي: يروى برفع النون [مجازا*]؛ لأنه جعل السن صادقا. قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ). فسر بوجهين: إما وفاء بعهده، وإما مات، فعلى الثاني لَا سؤال، وعلى الأول يشكل مع قوله تعالى: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ)؛ لأن صدقهم دليل على [توفية جميعهم بعهده، فكيف تقسمهم إلى من وفَّى*] بعهده ومن ينتظر، فالمنتظر لم يصدق. ابن عرفة: إلا أن يقال: إنه وفَّى بعض، وعزم [الوفاء الباقي*] فهو صادق بهذا الاعتبار. قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ... (٢٤)﴾ قالوا: اللام للصيرورة باعتبار أن فاعل الفعل المعلل غير فاعل للعلة المستفادة، أو باعتبار الفعل المعطوف عليها وهو ويعذب المنافقين، قال: وكان بعضهم لما ذكر سبب جزاء الصادقين، ولم يذكر جزاء المنافقين، فلم يقل: ويعذب المنافقين بنفاقهم، فقال: كان يجيب بالتهيج على فعل المأمور به، واكتفى في النهي عنه بمطلق النهي، وظاهر كلام ابن عرفة أنه جعله من حذف التقابل.

стр. 1183

قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ... (٢٥)﴾ ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الغيظ هو الغم اللاحق للنفس بوقوع مؤلم، فإِنها الأولى متعلقة بمؤلم، والثانية بوقوع، ولم يدخل فيها الحزن؛ لأن المؤلم الواقع بها غير مقصود وقوعه بها، بل هو أمر من الله تعالى كذهاب مال الإنسان بأمر من الله تعالى، وموت قريب له بخلاف ما لو ذهب ماله باغتصاب آخر له، فإن الحادث له حزن وغيظ. قوله تعالى: (لَمْ يَنَالُوا خَيرًا). انظر هل الخير والشر نقيضان أو بينهما واسطة، فكان بعضهم يحتج على [أنهما*] على طرفي النقيض بقول المتكلمين: الوجود خير كله، [والعدم*] شر كله، [والوجود والعدم*] نقيضان. ومنهم من قال أن بينهما واسطة. قوله تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ). قالوا في السير: إن المؤمنين قاتلوهم بالنبل والحجارة. ابن عرفة: وهذا قتال كيف يفهم أنهم كُفوا القتال، لكن يجاب: بأن السورة تقتضي [ ... ] ولا تنبيه فهي هنا للترتيب، بمعنى أنهم كفوا قتالهم بعد أن صدهم الله تعالى يفيد أنهم خائبين. قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا). يحتمل له أن يريد، وكان رسول الله قويا عزيزا كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ)، وهو الأصوب؛ لأنه هو محل مخالفة الكفار، بخلاف الأول. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ ... (٢٦)﴾ أي [عاونوهم*]، وظاهر كلام المفسرين أن المعاونة والمظاهرة مترادفان، وكان بعضهم يقول: إن المعاونة تقتضي المباشرة في السبب الذي وقعت فيه، والمظاهرة لا تقتضي ذلك، بل تصدق على من دل على الفعل، وحض عليه وإن لم يفعله من المدلول عليه.

стр. 1184

قال الزمخشري: وروي أن جبريل ﵊ أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، وقال ابن عطية: جاءه جبريل ﵊ وقت الظهر. ابن عرفة: كذا في السير لقوله: " [لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة*] ". ابن عطية: [ووصلها*] قوم من الصحابة بعد العشاء وهم لم يصلوا العصر، فلم [يخطئهم*] رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ابن عرفة: فيه دليل على أن كل مجتهد مصيب. قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ... (٣٠)﴾ قيل لابن عرفة: كنتم أوردتم سؤالا في قوله تعالى: في سورة النحل (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، قلتم: زيادة العذاب على مثله [ملزوم لاجَتماع الأمثال في المحل الواحد وهو باطل، وهذا السؤال بعينه يرد في هذه الآية، فيقال: تضعيف العذاب ضعفين ملزوم لاجتماع الأمثال في المحل الواحد*]، [وتقدم الجواب*] عن ذلك من وجهين*]: إما أن يزاد على جواهر أجسامهم جوهر آخر تكون محلا للعذاب الزائد الأول، وإما باعتبار تطاول أزمنة العذاب وقصرها، فكانوا مثلا يعذبون في ساعة واحدة، ثم صاروا يعذبون في ساعتين، وهذا يفهم قولهم في حد الحرابة مثلا: حد العبد، فحد العبد في القذف أربعون، وحد الحر ثمانون، وكما يفهم أن صيغ هذه [ ... ] لكونها [ ... ] صنعت من زمن أطول من زمن الأخرى، وتقدم نحوه في البقرة في قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، وفي مريم (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)، وفي سورة المدثر في قوله تعالى: (وَيَزدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، وهي في سورة الفتح والقتال. قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... (٣٣)﴾ قرأ الجمهور بكسر القاف، ونافع وعاصم بفتحها، فالفتح على لغة من قال: قررت بفتح القاف في المكان. ابن عطية: وهي لغة ذكرها أبو عبيد في التقريب المصنف، والزجاج. ابن عرفة:؛ قال بعضهم: وأشار الشاطبي بقوله [وَقِرْنَ افْتَحْ اذْ نَصُّوا يَكُونَ لَهُ ثَوى ... يَحِلُّ سِوَى الْبَصْرِيْ وَخَاتِمَ وُكِّلَا*]

стр. 1185

قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى). ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الصواب أن تكون هذه الجملة في معنى الأولى مفسرة لها، فيكون أمرهن بملازمة البيوت ليس نهيا عن مطلق الخروج، بل عن الخروج المخالف للشرع، وهذا خروج التبرج، قال: فبكت عائشة على خروجها في آخر عمرها يوم الجمل في حرب معربة عن تورع منها وندم على مخالفتها الأولى في حقها ﵂ وأداها اجتهادها إلى حمل الآية على هذا المعنى. ابن عرفة: فإن قلت: مفهوم هذا النهي أن التبرج الذي لَا يبلغ تبرج الجاهلية مباح لهن، قلنا: ليس كذلك، وإنَّمَا جاء هذا من اعتقاد أن حرف النهي دخل على الفعل بعد تأكيده بالمصدر، فكان نهيا عن الأخص، وليس كذلك بل المصدر تأكيد [للذم*]، أو تعليل له، فليس هو نهيا عن التبرج المشابه لتبرج الجاهلية، بل نهي مطلق التبرج المعلل بكون جنسه أو نوعه من صفة فعل الجاهلية، فتبرج الجاهلية علة للنهي لَا تأكيد له. قوله تعالى: (الأُولَى). حكى البيضاوي في تفسيره (الأُولَى) قولين: إما أنه للذي لم يسبقه غيره، أو الذي هو متبوع شأن بعده. فقول الحكم بين عيينة: إنه ما بين آدم ونوح. وقول ابن الكلبي: ما بين نوح وإبراهيم. وابن عباس: ما بين نوح وإدريس. وقول غيره: ما بين موسى وعيسى يوافق التفسير الأول، وكذلك حديث الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة". القول في أبي بكر أول خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "وفي عمر أنه أول خليفة بعد أبي بكر، وفي عثمان أنه أول خليفة بعد عمر"، ولا يقال في علي لما في الحديث، ثم يعود ملكا يوافق التفسير الثاني؛ لأنه ليس بعد علي خليفة. قوله تعالى: (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). إما من عطف العام على الخاص، أو المراد طاعته فباعدا ما تقدم. قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ).

стр. 1186

إن كان المقصود ظهور تعلق الإرادة، وهو التعلق [التنجيزي*]، فالفعل على بابه من الاستقبال، وإن كان المراد التعلق الصلاحي، فهو في معنى الماضي. قوله تعالى: (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). الطهارة عبارة عن التطهير الحسي في البدن أو غيره من نجس أو غيره، وإطلاقها على [التنظيف*] المعنوي من الآثام والذنوب مجازا. وقال المازري أول الطهارة في شرح التلقين: بل هو حقيقة لتأكيده بالصدق في هذه الآية، قال: وبه يحتج لأهل السنة في قوله تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، يفيد وقوع الكلام منه حقيقة فكذا هذا. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ... (٣٤)﴾ ابن عطية: هذا وعظهن بأحد وجهين: فإما أن المراد تذكرنه [واقدرنه*] قدره وفكرن في أن مَن هذه حاله ينبغي أن [تحسن*] أفعاله. وإما أن المراد [احفظن وكررن*] فكره على ألسنتكن وامتثلن أمر الله. ابن عرفة: هذا كلام المفسرين وحمله المحدثون وحفاظ الفقهاء، على أنه أمر لهن بتبليغ ما حفظن من القرآن والسنة للناس، ومنه أخذوا جواز الشهادة على الصوت؛ لأنهن محجوبات عن الأعين، لقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لكن يجاب: بأن القرينة تنزلت منزِلة الشهادة على الصوت؛ لأنهن محجوبات عن الأعين، لقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ) المفيدة للعلم، وقوله تعالى: (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، الآيات المعجزات من القرآن والسنة (وَالْحِكْمَةِ) آية الأحكام. قوله تعالى: (فِي بُيُوتِكُنَّ). فائدته توكيد ومبالغة في أمرهن بتبليغه؛ لأن تلاوته في بيوتهن مظنة لاختصاصهن بسماعه عن غيرهن من النَّاس، فينبغي أن يجيب عليهن بتبليغه وجوب فرض العين، لا وجوب فرض الكفاية. قيل لابن عرفة: بل هو مأمور بتبليغه للجميع، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، فقال: لَا بل يخرج من العهدة بتبليغه للبعض كما قال: ليبلغ الشاهد الغائب قال، وقال في قوله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ

стр. 1187

فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ)، [إذ*] في ذكر بيتها ترتيب ليوسف ﵊، وتعريف بأنه كان في حكمها مع ذلك فامتنع منها بخلاف ما لو راودته في موضع هو متمكن من الهروب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... (٣٥)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقدر وجه الترتيب في هذه المعطوفات ثلاثة أمور: وهو الظاهر والأظهر، والسبب والمسبب، [والتصديق والتصور*]، فقدم الإسلام ظهوره وخفاء الإيمان، وقدم الإيمان على القنوت؛ لأنه أظهر من القنوت؛ لأن القانت هو القائم بالطاعة الدائم عليها، فيعرف إيمان الشخص بمجرد المخالطة، ولا يعلم أنه قانت إلا بالمداومة على مخالطته، ولأن القنوت مطلق الطاعة، والإسلام شرط فيها، ورتبة الشرط أن يكون متقدما على المشروط، وقدم (وَالْقَانِتِينَ) على (الصَّادِقِينَ). (وَالصَّابِرِينَ)؛ لأن الصادق هو الذي يصدق في نيته وقوله وعمله، والصابر الذي يصبر على فعل الطاعة وعلى المعاصي، فحصول وصف القنوت لهم مع الإسلام سبب في اتصافهم بالصدق والصبر لاجتناب المنهيات؛ لأنه منع نفسه من شهواتها، وكلها متعلقات الطاعة فإثباتها بعدها شبه التفسير بهذا الإجمال، ثم قال تعالى (وَالْخَاشِعِينَ)، إشارة إلى من حصلت له هذه الأوصاف لَا ينبغي له أن يثق بعمله، بل لَا يزال خائفا خاشعا؛ لأن هؤلاء على فعلهم هذا كله مهما مالوا عليه ازداد خوفهم وخشوعهم، وأخّر المتصدقين إما لأن ما قبلها أوصاف قاصرة، وهي وصف بطاعة متعدية للغير، وإما حديث أول الطهارة من صحيح مسلم عن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ من ["وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ"*]، فهو كالدليل على صحة ما تقدم من الطاعات، ورتبة الدليل أن يكون بعد المدلول، وأخر الصيام؛ لأنه أمر عدمي راجع لترك الأكل والاستمتاع، وجميع ما قبله أمر وجودية، والوجود أشرف من العدم، وقدم الصوم على حفظ الفرج؛ لأن الصوم غير دائم في زمنها، وهو النهار فقط، وحفظ الفرج ترك دائم في كل الأزمان، فالصوم أقرب إلى الوجود، وحفظ الفروج أبعد. قلت: وتقدم عن ابن عرفة أنه إنما أخرهما عن المتصدقين؛ لأن الصدقة مظنة، ومن حصل له الغَناء هو متمكن من شهوة بطنه وفرجه، فأفاد أنهم مع ذلك يتركون شهوة بطونهم بالصوم، وشهوة فروجهم يحفظها عن المحارم، فجاء هذا شبه

стр. 1188

الاحتراس والتكميل وأخر (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ)، إشارة إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من كان آخر قوله لَا إله إلا الله دخل الجنة". قلت: وتقدم لنا أنه إنما أخره؛ لأنه كالعلة الغائبة التي قال الحكماء فيها: أول الفكرة آخر العمل، فأفاد أن فعلهم ذلك إنما كان لذكرهم الله تعالى واستحضارهم مقام الهيبة والإجلال. قال الزمخشري: إن قلت: أي فرق بين عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين. ابن عرفة: أراد أي فرق بين كل صنف من هذه المزدوجات من إناث وذكور على مجموع الصنف الآخر، وبين عطف إناث كل صنف على ذكوره. فأجاب: بأن عطف الإناث على الذكور عطف ذوات، وعطف المجموع على المجموع عطف صفات، قال: معناه أن الجامعين لهذه الصفات لهم مغفرة. ورده ابن عرفة بقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)، فليس المراد أن لَا يأخذها إلا من اجتمعت فيه هذه الأوصاف، بل كل نوع من هذه المذكورات له فيها حظ. وكذلك قال مالك: فيمن أوصى بثلث ماله للعلماء والفقراء والمجاهدين والصلحاء، فإنه لَا يقصر على من جمع هذه الأوصاف، بل للعالم منه حظه، وإن كان غنيا غير مجاهد، وكذلك الفقير وإن لم يكن عالما ولا مجاهدا. قيل لابن عرفة: لما رتب عليه الأجر الأخص، وهو العظيم وجب قصره على الأخص، وهو من جمع الأوصاف كلها، قال: بل هو فضل الله واسع. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، ولم يقل: وكانت من القانتات فأدخَلها في وصف الذكور وهم أشرف من الإناث، وهنا لم يكتف بقوله: إن المسلمين والمؤمنين والقانتين عن ذكر المسلمات والمؤمنات والقانتات، مع أن الجمع يتناولهن على جهة التغليب.

стр. 1189

قيل لابن عرفة: قد قال المفسرون: سبب نزولها أن نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنهن، قلن له: قد ذكر الله في كتابه الرجال ولم يذكر النساء، فنزلت الآية، فقال: التصريح بذكرهن أدخل في مقام التطمين لنفوسهن. قوله تعالى: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً). وقال ابن عرفة: كان بعضهم يعارضه بقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، وهذه الأوصاف كلها محصلة للثواب، فلم يبق ما يغفر. قال: وأجيب: بأنها سبب في المغفرة فغفر له نصا. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ... (٣٦)﴾ هذا لنفي القابلية، وهو الفرق بين قولك: ما يفعل زيد كذا، وما كان لزيد أن يفعل كذا، وهو خبر في معنى النهي، وليس بنفي ولا بخبر حقيقة؛ لأن زينب ﵂ لما خطبها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لزيد امتنعت هي وأخوها عبد الله، فنزلت الآية، فأذعنت وامتثلت أمره، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة لما وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنها، فيلزم عليه إما الخلف في الخبر أو كون المخالف غير مؤمن، فلذلك جعلناه نهيا، وبدأ بالمؤمن؛ لأنه لَا يلزم من امتثال ذلك امتثال المؤمنة لما ورد أن "النساء ناقصات عقل ودين". قال ابن عرفة: وهذه الآية مما يحسن أن يذكر مثالا للعام المتفق على عدم تخصيصه، وهو من آية الأحكام. وقد قال الفخر: عمومات القرآن مخصوصة إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بكُلَ شَيءٍ عَلِيمٌ). فرده ابن التلمساني بعدم انحصاره في ذلك بل منه، قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، وقوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وقوله تعالى: (مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ). قال: ونقلوا عن ابن الحاجب أنه كان يقول: الأولى تمثيلة بآية ينبني عليها حكم متفق عليه، وذلك قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)، قال: نقله عنه ابن عبد السلام، فقال: اختلفوا هل يصح أن يتولى المسلم عقد نكاح المشركة من المشرك أم لَا؟ والآية محتملة لهذا.

стр. 1190

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ... (٣٧)﴾ قال ابن عرفة: هذا الفعل المراد به المعنى لاقترانه بـ إذ، وأتى بلفظ المضارع للتصوير. قوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ). لا ينبغي حمله على أنه خاف فقط، بل المراد عناية خلط خوفه من الله تعالى بخوفه من النَّاس، وأمره بأن لَا يخاف إلا الله فقط غير منسوب بشيء. قال: وكان بعضهم يقول: عقاب [المالك*] لمملوكه على عدم تصرفه في ماله اعتناء منه به، وكذلك عتاب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على إخفائه ما وقع في نفسه [وحضه*] لزيد ﵁ على إمساك زينب ﵂، وامتناعه من تزويجها، فإن الجميع ملك لله تعالى. قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ). قال ابن عرفة: احتج الأصوليون على وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما يثبت فيه خصوصية، ولولا ذلك لما احتيج إلى تعليله بنفي الحرج عن المؤمنين، ومنهم من احتج به على عدم وجوب الاقتداء. وقال: التعليل بهذا دل على صحة الاقتداء به في هذه القضية فقط، فالخصوصية ثابتة حتى يدل الدليل على الاقتداء حسبما أشار إليه ابن الحاجب، وعلى هذا يكون من باب تخصيص العام بحكم العام. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ ... (٣٨)﴾ أي من نقص. قيل لابن عرفة: وكذلك ما عمل غيره من النَّاس من حرج فيما فرض الله له، أوجب الله له فيما نفى الحرج فيه، وإن كان معناه فيما قدر الله له فيدخل فيه المباح، فيكون نفي الحرج عنه لما قد يتوهم في حقه من أنه لعلو منزلته، قد لَا يفعل المباحات ويشدد على نفسه فيها كما يشاهد بعض أشراف النَّاس يتنزه عن أشياء يفعلها غيره. قلت: وانظر قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) قوله ﷺ : " [لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي*] ".

стр. 1191

قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا). معناه إما لازما ملتزما، وإما قضاء مقضيا. قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ... (٤٠)﴾ ومَن بفتح التاء وكسرها فهو إما اسم جامد أو صفة بمعنى اسم الفاعل، كالخاتم الذي يطبع الكتابة عند كماله. وكان بعضهم يقول في التاريخ: إذا كتبه في العشرين في الشهر يقول: الموفي عشرين، وفي الثلاثين يقول: الموفي ثلاثين والثلاثون هو نفس الشهر، فكأنه يقول: الموفي به شهر والعشرون بعض الشهر، فكأنه يقول: كتبته في اليوم الموفي عشرين من الشهر. قال ابن عطية: ولفظ الآية مع قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا خاتم الأنبياء"، عند علماء الأمة نص صريح في أنه لَا نبي بعده. وما ذكره القاضي الباقلاني في كتاب الهداية من أنه ظاهر ليس [بصريح*]، وما ذكره الغزالي في الاقتصاد وتصدى إلى إفساد عقيدة المسلمين في جهة النبوة الشريفة. قال ابن عرفة: قال الغزالي في آخر الاقتصاد: الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يرد فيه نص قطعي، وذهب النَّظَّام إلى عدم العمل به، قال: وهو مردود بقوله: وهو (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). قال ابن عرفة: فقوله هذا دليل على أن ختمه للنبيين إنما ثبت عنده بالإجماع. قال: وقال الفخر غير هذا أن الأدلة الشرعية لَا تفيد الظن، فضلا عن اليقين لإمكان تأويلها، فهي عنده ظاهرة وليست نصا، وسلمه له ابن التلمساني. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ ... (٤٣)﴾ من عطف الجمل لَا من عطف المفردات، أي ملائكته يصلون عليكم؛ لأن المقامين مختلفان. قوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). ولم يقل: إلى الضياء مع أنه أخص من النور. قلت: [ولو قال: إلى الضياء لما وجد في الأمة عاصٍ، ولكانت*] الدلائل الشرعية بديهية يدركها كل أحد بالضرورة.

стр. 1192

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ... (٥٠)﴾ ابن عطية: عن ابن زيد: أي أحللنا لك جميع النساء، وعن ابن عباس: المراد أزواجه التسع التي في عصمته. ابن عرفة: وهذا كما يقول المنطقيون في العنوان والوصف: هل هو صادر عن الذات بالقابلية قاله الفارابي، والفعل قاله ابن سينا. وحكى النحويون في اسم الفاعل خلافا، هل هو حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال؟ فعلى قول ابن زيد: هو مجاز فيمن هو قابل لتزويجه، ولا سؤال فيه، وعلى تأويل ابن عباس، هو حقيقة في الحال لكن فيه سؤال؛ لأنه تحصيل الحاصل، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، معصوم في اجتهاده، لَا يفعل إلا ما هو حلال له في نفس الأمر، وقد كان تزوجهن، فلا فائدة في إحلالهن له إلا على القول الثاني الذي حكاه ابن الحاجب عن بعض الملاحدة، من أنه جوز عليه الخطأ في اجتهاده. قال: ويحتمل الجواب عنه: بأنه ليس المراد حقيقة الإحلال، بل لازمه وهو الاعتناء بهن والتشريف بذكرهن، ففي ضمنه التوصية عليهن [بالرفق*] والإكرام]، وبدليل قوله تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)، وبدليل تأكيد الإحلال. فإن قلت: فعلى هذا يكون خبرا لَا إنشاء، اخترناهن لك واصطفيناهن عن غيرهن وحجزنا عنك ما سواهن، والله تعالى لَا يختار لنبيه إلا الطيب، كما قال تعالى (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ). قوله تعالى: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ). ولم يقل: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ). [فإما أن يكون*] حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، [**أو يكون كما]. ابن عرفة: يسير في العطف خلافا، هل يشرك في الإعراب والمعنى؟ وحملنا على أنه أراد إذا قيد أحد المعطوفين يقيد في صفة أو عدمها، هل يدخل فيه الإحرام؟ لا كقولك: [جاء*] العاقل وعمرو. فإن قلت: لم أفرد العم والخال، وجمع العمات والخالات؟ فالجواب: أن بنات العم وبنات الخال منسوبات إلى الأب، وهو واحد في جنسه ونسبه، وبنات العمات

стр. 1193

والخالات منسوبات للأم، والأولاد يختلفون، فيهم الشريف والوضيع والمتوسط [وأشرفهن من جهة أمهاتهن*]؛ لاختلاف آبائهن في النسب. قوله تعالى: (اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ). هذا جار على الخلاف في النعت والاستثناء إذا تعاقب جملا، هل يرجع إلى الآخرة أم لَا؟ والقرينة هنا تعين رجوعه للجميع. قوله تعالى: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا). هل هو شرط في الثاني، وهو جوابه شرط في الأول، وجواب الثاني جواب لهما معا، يحتمل الأمرين والمعنى واحد كقوله تعالى: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ). قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ). حجة لمن يقول بوجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولولا ذلك لما كان لقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ) فائدة. قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا). أي لما قد تقع المخالفة بما بينه له وحدده. قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ). ابن عرفة: كان بعضهم يرد بها على الزمخشري في جعله قد عرف توقع مع أن التوقع هنا من الفاعل محال، فما هي إلا حرف تحقيق بخلاف قوله تعالى: (قَدْ أفلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). قالوا: وكانوا يجيبونه: بأن التوقع من المخاطب، قيل له: علم الله محقق غير متوقع، فقال: باعتبار ظهور متعلقه وإبرازه هو التعلق [التنجيزي*] لَا باعتباره في ذاته. قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ... (٥١)﴾ ابن عرفة: إن قلت: لم أخر في الجملة الأولى المجرور الذي هو مفعول في المعنى وقدمه في الثانية؟ فهلا قيل: ترجي منهن من تشاء، أو يقال: تؤوي من تشاء إليك. قال: والجواب: أن تقدم المجرور بـ إلى في الثانية تشريف له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 1194

قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ). أي أقرب لأن تقر أعينهن، فقروا أعينهن فيما حصل لهن، وعدم حزنهن على ما فاتهن؛ لأن الحزن على فوات الماضي، والخوف على توقع المستقبل ورضاهن، فما آتين إشارة إلى من حصل لها منه حظ، وحصل لغيرها أكثر منه لَا تتشوق إليه، بل ترضى بما حصل لها، وإن كان الحاصل لغيرها أكثر، [وكأنه تأسيس*] لَا تأكيد فيه بوجه. قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ... (٥٢)﴾ ابن عرفة: إن قلت: ما الفرق بينه وبيَنَ أن يقال: حرمت عليك النساء؟ فالجواب: أن نفي الحلية تقتضي رفع الإذن ابتداء ولا يستلزم المنع بعد الفعل، والتحريم يستلزم المنع ابتداء وبعد الفعل، فهذا أخف، فلذلك خوطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ). يحتمل أمرين: أحدهما: ولا أن تبدل بهن من نسائهم زوجات لغيرك، فيكون نهيا على ما كانت عليه الجاهلية، من أن كل من الرجلين ينزل لصاحبه عن زوجته ويتبادلا، وهو ظاهر قول عيينة بن حصين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن شئت نزلت لك عن أحسن نساء العرب جمالا. وإن كان ابن عطية قال: ليس بمبادلة ولكنه اختص عائشة ﵂. ابن عرفة: فيكون على هذا نهيا أخص وإطلاق الأزواج هنا حقيقة. الثاني: أن المعنى ولا أن تبدل بهن من نساء تتزوجهن بإطلاق الأزواج، هنا مجازا باعتبار إلى الأمر. وما حكاه ابن عطية من أنه نظر إلى أسماء بنت عميس، وأعجبته لم يرد في الصحيح، والمحل ضيق فلا ينبغي نقله. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ ... (٥٣)﴾ قال ابن عرفة: اقتضت الآية النهي عن دخول بيوت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم للإقامة فيها.

стр. 1195

قيل: لانتظاره بعده للاستئناس فيها بالحديث، فمقتضاها جواز دخولها للطعام، بشرط عدم فيها، ولفظها يقتضي بأنه مشروط بالإذن، وتقدم الإقامة فحينئذ يرد فيها ثلاثة أسئلة. الأول: [ ... ]. الثاني: أن الدخول بإذن مشروط بعدم الإقامة قبل الطعام وبعده، وقد تأخر عنه ففيه تأخير الشرط على المشروط، وجوابه: أن الشرط متأخر ودليله متقدم، وهو عدم الضرر، فالدخول مشروط بعدم الضرر، أعني بالعزم عليه، وهذا كما قال مالك في كتاب الإيلاء فيما إذا [طلق عليه*] القاضي ثم راجع في العدة فوطئها بعد الثلاثة أشهر، فإنه لَا يقال لها [رجعة تامة*] لانتفاء الضرر. والسؤال الثالث: أن فيه تكليف الإنسان بفعل غيره؛ لأن تأخير الطعام من فعل غير الداخلين، فيتعلق جواز دخول المأذون فيه على عدم انتظاره من باب التكليف بفعل الغير؛ لأنهم إذا دخلوا قد لَا يتهيأ حضور الطعام حينئذ، وجوابه: أنهم لا يدخلون إلا إذا علموا أن الطعام حضر أو قرب حضوره. فإن قلت: لم جمع البيوت؟ قلت: لئلا يكون النهي خاصا ببيت زينب، إذ هي السبب في النهي. قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ). الإذاية هنا [مغايرة*] للإذاية في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، لأن الأولى مقصورة، وهذه غير مقصورة. قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا). عبر بـ إذا دون إن؛ لأن سؤال المتاع من مصالح التكليف المرغب فيها شرعا. ابن عطية: المتاع جميع ما يطلب من مرافق الدين والدنيا. ابن العربي: متاعا قيل: عارية، وقيل: حاجة، وقيل: فتوى، وقيل: مصحف القرآن. ابن عرفة: وفي التفسير بلفظ السؤال تعظيم لهن، لقول صاحب الجمل الطلب من الأدنى إلى الأعلى دعاء ومسألة.
следующие страницы →