قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا).
معناه إما لازما ملتزما، وإما قضاء مقضيا.
قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ... (٤٠)﴾
ومَن بفتح التاء وكسرها فهو إما اسم جامد أو صفة بمعنى اسم الفاعل، كالخاتم الذي يطبع الكتابة عند كماله.
وكان بعضهم يقول في التاريخ: إذا كتبه في العشرين في الشهر يقول: الموفي عشرين، وفي الثلاثين يقول: الموفي ثلاثين والثلاثون هو نفس الشهر، فكأنه يقول: الموفي به شهر والعشرون بعض الشهر، فكأنه يقول: كتبته في اليوم الموفي عشرين من الشهر.
قال ابن عطية: ولفظ الآية مع قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا خاتم الأنبياء"، عند علماء الأمة نص صريح في أنه لَا نبي بعده.
وما ذكره القاضي الباقلاني في كتاب الهداية من أنه ظاهر ليس [بصريح*]، وما ذكره الغزالي في الاقتصاد وتصدى إلى إفساد عقيدة المسلمين في جهة النبوة الشريفة.
قال ابن عرفة: قال الغزالي في آخر الاقتصاد: الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يرد فيه نص قطعي، وذهب النَّظَّام إلى عدم العمل به، قال: وهو مردود بقوله: وهو (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).
قال ابن عرفة: فقوله هذا دليل على أن ختمه للنبيين إنما ثبت عنده بالإجماع.
قال: وقال الفخر غير هذا أن الأدلة الشرعية لَا تفيد الظن، فضلا عن اليقين لإمكان تأويلها، فهي عنده ظاهرة وليست نصا، وسلمه له ابن التلمساني.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ ... (٤٣)﴾
من عطف الجمل لَا من عطف المفردات، أي ملائكته يصلون عليكم؛ لأن المقامين مختلفان.
قوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
ولم يقل: إلى الضياء مع أنه أخص من النور.
قلت: [ولو قال: إلى الضياء لما وجد في الأمة عاصٍ، ولكانت*] الدلائل الشرعية بديهية يدركها كل أحد بالضرورة.
стр. 1192
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ... (٥٠)﴾
ابن عطية: عن ابن زيد: أي أحللنا لك جميع النساء، وعن ابن عباس: المراد أزواجه التسع التي في عصمته.
ابن عرفة: وهذا كما يقول المنطقيون في العنوان والوصف: هل هو صادر عن الذات بالقابلية قاله الفارابي، والفعل قاله ابن سينا.
وحكى النحويون في اسم الفاعل خلافا، هل هو حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال؟ فعلى قول ابن زيد: هو مجاز فيمن هو قابل لتزويجه، ولا سؤال فيه، وعلى تأويل ابن عباس، هو حقيقة في الحال لكن فيه سؤال؛ لأنه تحصيل الحاصل، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، معصوم في اجتهاده، لَا يفعل إلا ما هو حلال له في نفس الأمر، وقد كان تزوجهن، فلا فائدة في إحلالهن له إلا على القول الثاني الذي حكاه ابن الحاجب عن بعض الملاحدة، من أنه جوز عليه الخطأ في اجتهاده.
قال: ويحتمل الجواب عنه: بأنه ليس المراد حقيقة الإحلال، بل لازمه وهو الاعتناء بهن والتشريف بذكرهن، ففي ضمنه التوصية عليهن [بالرفق*] والإكرام]، وبدليل قوله تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)، وبدليل تأكيد الإحلال.
فإن قلت: فعلى هذا يكون خبرا لَا إنشاء، اخترناهن لك واصطفيناهن عن غيرهن وحجزنا عنك ما سواهن، والله تعالى لَا يختار لنبيه إلا الطيب، كما قال تعالى (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ).
قوله تعالى: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ).
ولم يقل: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ).
[فإما أن يكون*] حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، [**أو يكون كما].
ابن عرفة: يسير في العطف خلافا، هل يشرك في الإعراب والمعنى؟ وحملنا على أنه أراد إذا قيد أحد المعطوفين يقيد في صفة أو عدمها، هل يدخل فيه الإحرام؟ لا كقولك: [جاء*] العاقل وعمرو.
فإن قلت: لم أفرد العم والخال، وجمع العمات والخالات؟ فالجواب: أن بنات العم وبنات الخال منسوبات إلى الأب، وهو واحد في جنسه ونسبه، وبنات العمات
стр. 1193
والخالات منسوبات للأم، والأولاد يختلفون، فيهم الشريف والوضيع والمتوسط [وأشرفهن من جهة أمهاتهن*]؛ لاختلاف آبائهن في النسب.
قوله تعالى: (اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ).
هذا جار على الخلاف في النعت والاستثناء إذا تعاقب جملا، هل يرجع إلى الآخرة أم لَا؟ والقرينة هنا تعين رجوعه للجميع.
قوله تعالى: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا).
هل هو شرط في الثاني، وهو جوابه شرط في الأول، وجواب الثاني جواب لهما معا، يحتمل الأمرين والمعنى واحد كقوله تعالى: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ).
قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ).
حجة لمن يقول بوجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولولا ذلك لما كان لقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ) فائدة.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
أي لما قد تقع المخالفة بما بينه له وحدده.
قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ).
ابن عرفة: كان بعضهم يرد بها على الزمخشري في جعله قد عرف توقع مع أن التوقع هنا من الفاعل محال، فما هي إلا حرف تحقيق بخلاف قوله تعالى: (قَدْ أفلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
قالوا: وكانوا يجيبونه: بأن التوقع من المخاطب، قيل له: علم الله محقق غير متوقع، فقال: باعتبار ظهور متعلقه وإبرازه هو التعلق [التنجيزي*] لَا باعتباره في ذاته.
قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ... (٥١)﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم أخر في الجملة الأولى المجرور الذي هو مفعول في المعنى وقدمه في الثانية؟ فهلا قيل: ترجي منهن من تشاء، أو يقال: تؤوي من تشاء إليك.
قال: والجواب: أن تقدم المجرور بـ إلى في الثانية تشريف له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 1194
قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ).
أي أقرب لأن تقر أعينهن، فقروا أعينهن فيما حصل لهن، وعدم حزنهن على ما فاتهن؛ لأن الحزن على فوات الماضي، والخوف على توقع المستقبل ورضاهن، فما آتين إشارة إلى من حصل لها منه حظ، وحصل لغيرها أكثر منه لَا تتشوق إليه، بل ترضى بما حصل لها، وإن كان الحاصل لغيرها أكثر، [وكأنه تأسيس*] لَا تأكيد فيه بوجه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ... (٥٢)﴾
ابن عرفة: إن قلت: ما الفرق بينه وبيَنَ أن يقال: حرمت عليك النساء؟ فالجواب: أن نفي الحلية تقتضي رفع الإذن ابتداء ولا يستلزم المنع بعد الفعل، والتحريم يستلزم المنع ابتداء وبعد الفعل، فهذا أخف، فلذلك خوطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ).
يحتمل أمرين:
أحدهما: ولا أن تبدل بهن من نسائهم زوجات لغيرك، فيكون نهيا على ما كانت عليه الجاهلية، من أن كل من الرجلين ينزل لصاحبه عن زوجته ويتبادلا، وهو ظاهر قول عيينة بن حصين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن شئت نزلت لك عن أحسن نساء العرب جمالا.
وإن كان ابن عطية قال: ليس بمبادلة ولكنه اختص عائشة ﵂.
ابن عرفة: فيكون على هذا نهيا أخص وإطلاق الأزواج هنا حقيقة.
الثاني: أن المعنى ولا أن تبدل بهن من نساء تتزوجهن بإطلاق الأزواج، هنا مجازا باعتبار إلى الأمر.
وما حكاه ابن عطية من أنه نظر إلى أسماء بنت عميس، وأعجبته لم يرد في الصحيح، والمحل ضيق فلا ينبغي نقله.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ ... (٥٣)﴾
قال ابن عرفة: اقتضت الآية النهي عن دخول بيوت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم للإقامة فيها.
стр. 1195
قيل: لانتظاره بعده للاستئناس فيها بالحديث، فمقتضاها جواز دخولها للطعام، بشرط عدم فيها، ولفظها يقتضي بأنه مشروط بالإذن، وتقدم الإقامة فحينئذ يرد فيها ثلاثة أسئلة.
الأول: [ ... ].
الثاني: أن الدخول بإذن مشروط بعدم الإقامة قبل الطعام وبعده، وقد تأخر عنه ففيه تأخير الشرط على المشروط، وجوابه: أن الشرط متأخر ودليله متقدم، وهو عدم الضرر، فالدخول مشروط بعدم الضرر، أعني بالعزم عليه، وهذا كما قال مالك في كتاب الإيلاء فيما إذا [طلق عليه*] القاضي ثم راجع في العدة فوطئها بعد الثلاثة أشهر، فإنه لَا يقال لها [رجعة تامة*] لانتفاء الضرر.
والسؤال الثالث: أن فيه تكليف الإنسان بفعل غيره؛ لأن تأخير الطعام من فعل غير الداخلين، فيتعلق جواز دخول المأذون فيه على عدم انتظاره من باب التكليف بفعل الغير؛ لأنهم إذا دخلوا قد لَا يتهيأ حضور الطعام حينئذ، وجوابه: أنهم لا يدخلون إلا إذا علموا أن الطعام حضر أو قرب حضوره.
فإن قلت: لم جمع البيوت؟ قلت: لئلا يكون النهي خاصا ببيت زينب، إذ هي السبب في النهي.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ).
الإذاية هنا [مغايرة*] للإذاية في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، لأن الأولى مقصورة، وهذه غير مقصورة.
قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا).
عبر بـ إذا دون إن؛ لأن سؤال المتاع من مصالح التكليف المرغب فيها شرعا.
ابن عطية: المتاع جميع ما يطلب من مرافق الدين والدنيا.
ابن العربي: متاعا قيل: عارية، وقيل: حاجة، وقيل: فتوى، وقيل: مصحف القرآن.
ابن عرفة: وفي التفسير بلفظ السؤال تعظيم لهن، لقول صاحب الجمل الطلب من الأدنى إلى الأعلى دعاء ومسألة.
стр. 1196
قوله تعالى: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).
ظاهره ولو [كن*] ملتحفات بساتر، فإنه لَا بد من حجاب آخر يحول بينهن وبين السائل، ألا ترى إلى ما حكى ابن عطية من قول عمر ﵁ لما توفيت زينب بنت جحش ﵁: لَا يشهد جنازتها إلا ذو محرم، حتى أشارت عليه أسماء بنت عميس بسترها [في النعش في القبة*].
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).
إن قلت: هلا عكس العطف، إذ لو قيل: ([ذَلِكُم أَطهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ وَقُلُوبِكُمْ) *].
لكان تأسيسا؛ لأن كونه أطهر لقلوبنا، يستلزم كونه أطهر لقلوبهن من باب أحرى. لأن قلوبهن أقرب للسلامة من الإدناس من قلوب غيرهن، فكل ما ينزل عن قلوبهن يزيله عن قلوبنا.
قال: والجواب: أن ذلك من أسبابها هي، وهو جهة للفظ، فيقول: إنه قصد الاهتمام بتقديم تطهير ما هو أقرب للوقوع في الدنس على ما هو أبعد منه؛ لأن قلوب غيرهن أقرب للدنس من قلوبهن.
فإن قلت: أطهر أفعل وشرطها ألا تنبني إلا فيما يبنى منه فعل التعجب مع أنه لا ينبني إلا من الخلق التي تزيد وتنقص، وطهارة القلوب راجعة لسلامتها من الأدناس فهي أمر عدمي، والأمور العدمية لَا تزيد ولا تنقص.
قال: والجواب: أن الزيادة لأسبابها وهي وجودية للأمور المنافية للطهارة التي وقع التكليف بها شرعا، كما يقول: وجود المنافي للغيبة في عمر بن الخطاب ﵁ أقرب من وجود المنافي لها في غيره.
قلت: وأجاب بعض الطلبة: بأن المراد متعلق ذلك العدم أو إنماء ذلك إذا اتحد العدم، أما إذا تعددت الأمور العدمية فلا، كما يقال: قلب فلان الطائع أطهر من قلب فلان العاصي، تعلقت به أدناس، سلم الآخر من بعضها.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ).
الإذائة أخف من الضرر، قال الله تعالى (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى)، وقال تعالى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)، فنفي [الإذاية*] يستلزم نفي الضرر مع أن هذا اللفظ يقتضي نفي الصحة والقبول [للإذاية لَا نفي وجود الإذاية*].
стр. 1197
قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ... (٥٥)﴾
المراد به نفي التحريم فقط، وقوله تعالى: (وَاتَّقِينَ اللَّهَ).
والتقوى فيكون عطف تأسيس لَا تأكيد، وقدم الآباء لأن حرمتهن آكد من حرمة الأبناء، وحرمة الأبناء آكد من حرمة الأخوة، بدليل أن آدم ﵇ كان يزوج الأخ لأخته، والتي تزايدت قبله أو بعده من بطن آخر، ولم ينقل أن ابن تزوج أمه قط، فهو تدلي.
هكذا كان ابن عبد السلام يقرره، لأنه لَا يلزم من نفي الحرج عليهن في دخول من تحريمه عليهن أشد نفيه في دخوله من تحريمه أخف.
وأورد الفخر سؤالا، قال: خوطب أولا الرجال بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، ثم نفى الجناح عن النساء في دخول محارمهن عليهن، فهلا نفى الجناح عن الرجال، فيقال: لَا جناح على آبائهن ولا أبنائهن في الدخول إليهن.
وأجاب ابن عرفة: عنه بأنه اعتبر أولا حال الفاعل، وهنا حال المنفعل؛ لأن المنفعل قسمان: منه موصوف بالشدة، ومنه موصوف باللين، ونسوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من القسم الأول، بحيث لَا يتجاسر أحد محلهن إلا بإذن، فكان الدخول عليهن من فعلهن إذ لَا يتصور إلا بإذنهن، فالحرج فيه وعدمه مصروف لهن فلذلك نفى عنهن الجناح فيه.
قوله تعالى: (وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ).
ابن عرفة: العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال، فلذلك قال مالك ﵀ في العبد: أنه لَا يرى [شعر*] سيدته إلا إذا كان وغدا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... (٥٦)﴾
قال ابن عرفة: لما تقدم التنبيه على تعظيم أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمر سائر الأمة بتعظيمهم، حيث نهوا أن يسألوهن إلا من وراء حجاب، وأن لا ينكحوهن من بعده، عقبه ببيان تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما هو أقوى من ذلك وأعظم، وهو صلاة الله عليه وملائكته، وقرر الفخر وجه المناسبة بغير هذا، وعلى الصلاة عليه بالوصف الأعم، وهو النبوة فيستلزم الصلاة عليه من حيث اتصافه بالأخص، وهو الرسالة من باب أحرى.
стр. 1198
ابن عطية: وما ورد عن الخطيب القائل: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"، وأجيب بوجوه منها:
قال ابن عرفة: قال [ابن هشام المصري*] على قراءة من قرأ (وَمَلائِكَتَهُ) بالرفع فهو محمول عند البصريين على الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، أي إن الله يصلي وملائكته يصلون، وليس عطفا على الموضع، و (يُصَلُّونَ) خبر عنهما لئلا يتوارد عاملان على معمول واحد، والصلاة المذكورة بمعنى الاستغفار، والمحذوفة بمعنى الرحمة.
قال: والصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد، وهو العطف ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض، وأما قول الجماعة [فبعيد من*] جهات:
أحدها: الاقتضاء والاشتراك، والأصل عدمه.
الثانية: وَالثَّانِيَة أَنا لَا نَعْرِف فِي الْعَرَبيَّة فعلا [وَاحِدًا*] يخْتَلف مَعْنَاهُ باخْتلَاف الْمسند إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْإِسْنَاد حَقِيقِيًّا.
[وَالثَّالِثَة*]: أَن الرَّحْمَة فعلهَا مُتَعَدٍّ وَالصَّلَاة فعلهَا قَاصِر وَلَا يحسن تَفْسِير الْقَاصِر بالمتعدي.
[وَالرَّابِعَة*]: أنه [لَو قيل*]: [مَكَان*] [صلى عَلَيْهِ*] انعكس الْمَعْنى وَحقّ [المترادفين*] صِحَة حُلُول كل مِنْهُمَا مَحل الآخر.
قلت: ظاهر هذا أن الحذف من الأولى لدلالة الثاني عليه، وهو مذهب سيبويه، وأبطله أبو حيان في براءة.
وعادتهم يجيبون: بأن الآية في سياق الثبوت، وكلام ابن الخطيب في سياق النفي؛ لأن العصيان أمر سلبي، وهو عدم امتثال المأمورات، فيحتمل أن يكون الوعيد إنما هو لمن عصاهما من حيث الاجتماع، لَا من عصى أحدهما فقط؛ لأن المضمرات على المعروف كل لَا كلية بخلاف ما لو قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
وانظر قول عبد الوهاب في حد القياس: أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، وانتقاد النَّاس عليه أو يحتمل أن يجاب: بأن الواو للترتيب، فلذلك قال (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
стр. 1199
ونقل ابن العربي في العارضة قولا في المذهب بوجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل مجلس.
ونقل [ابن*] عرفة عن المفسر المشرقي: أنه احتج بالآية على أن الْمَلَك أشرف من بني آدم لأن [ ... ]. المشروف، فرده ابن عرفة: بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
وبقوله ﷺ " [إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِلْعِبَادِ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وَيقَالُ لِأُوَيْسٍ: قِفْ فَاشْفَعْ فَيُشَفِّعُهُ اللهُ فِي مِثْلِ عَدَدِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ يَا عُمَرُ وَيَا عَلِيُّ إِذَا أَنْتُمَا لَقِيتُمَاهُ فَاطْلُبَا إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمَا، يَغْفِرِ اللهُ تَعَالَى لَكُمَا*] مع أنها أشرف منه.
ابن عرفة: ووقع وجوب [ ... ] في زمن الأشياخ البخاري مختصرا منه الصلاة وكنت [ ... ] لم يعلم به إلا بعد انعقاد السمع، فحكم لمشتريه بأنه [ ... ] يرجع به على تابعه.
قال ابن عرفة: وكان ابن عبد السلام يكفي إذ يقال ﷺ ، ولا يحتاج إلى زيادة تسليما.
وكان الفقيه أبو عبد الله محمد الزبيدي أنكر ذلك، وقال: بل يحتاج إليه وكتب له براءة به فأبى أن يجيب عنها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ... (٥٧)﴾
قال ابن عطية: عن الجمهور [إذاية*] الله كفر، ونسبة الصاحبة والولد والشريك، ووصفه بما لَا يليق، وعن عكرمة بتصوير الصور وفعل ما لَا يفعله إلا هو، وعن فرقة: أنه على مضاف إلى يؤذون أولياء الله.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إن احتيج إلى هذا المضاف؛ لأن الفعل المتعدي على قسمين: فعل له أثر في المفعول كقتلت زيدا لو ضرب عمراً، أو فعل لا أثر له في المفعول، كعرفت زيدا وسمعت صوت عمرو، وتصورت ذات زيد، وفعل الإذاية لَا أثر هنا له، فلا حاجة إلى تقدير المضاف، ولما كانت إذاية الله لَا أثر لها فيه، قابلها بالنفي الذي هو المفرد، والإبقاء وهو مجرد ترك، وإذاية الرسول فيه فقابلها بالعذاب المهين؛ لأنه جزاء عن إذايته، وإذاية الله تعالى.
قال: وجعل من يقول: إن الذين يؤذون رسول الله ورسول رسوله.
قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ... (٥٨)﴾
стр. 1200
قال ابن عرفة: هذا هو الذي في الحديث: "إذا قلت في أخيك ما ليس فيه فقد غبته، وإذا قلت فيه ما فيه فقد اغتبته"، وهو إذايته بما اكتسب.
[كتاب*] الرجم من المدونة سئل [هَلْ يُنَكَّلُ فِي قَذْفِهِ هَؤُلَاءِ الزُّنَاةَ*]؟ فقال: [إذَا آذَى مُسْلِمًا نُكِّلَ*]، قال: وإذا علم المقذوف من تغيبه أنه وإن قاله العباد على قاذفه لخوف المعرة.
قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ... (٥٩)﴾
(مِنْ) للتبعيض إما في أنواع الجلاليب أو في أجزاء كل واحد منها وهو الظاهر؛ لأن كل امرأة لها جلبابان.
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ ... (٦٠)﴾
ابن عرفة: هذه كالمقيد لما قبلها، أو كالسبب مع مسببه؛ لأن قبلها (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ).
والإذاية إما في الفروع أو في الأصول الراجعة لأمور الدنيا والآخرة، فإن أريد نفي لم ينتهوا عن إذايتهم على العموم، فيتناول الفروع والأصول.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ... (٦٣)﴾
ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها، أنها تقرير لما لحق رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم في قومه من المشاق، فمنها إذايتهم له في بدنه [ومنها إذايتهم له بقولهم تزوج بزوجة وولده من الشبق*]، وفي إطالتهم الجلوس في بيت زينب ﵂، وفي التكلم في تسلية، وفي سؤالهم له عن الساعة، وهي ما استأثر الله بعلمه، فاليهود سألوه امتحانا.
قوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ).
[لَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبْلُ أَقْوَامًا ثَلَاثَةً نَظَرًا إِلَى اعْتِبَارِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: وَهُمُ الْمُؤْذُونَ اللَّهَ، وَالْمُؤْذُونَ الرَّسُولَ، وَالْمُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ مِنَ الْمُسِرِّينَ ثَلَاثَةً نَظَرًا إِلَى اعْتِبَارِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا: الْمُنَافِقُ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ سِرًّا وَالثَّانِي: الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ الَّذِي يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ بِاتِّبَاعِ نِسَائِهِ وَالثَّالِثُ:
الْمُرْجِفُ الَّذِي يُؤْذِي النَّبِيَّ ﵇ بِالْإِرْجَافِ بِقَوْلِهِ غُلِبَ مُحَمَّدٌ وَسَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَيُؤْخَذُ*]، [وسألوا*] سؤال تعنت واستهزاء.
стр. 1201
قال ابن عرفة: [وانظر ما هو العدم*]، قيل: عبارة عن وقت فناء العالم الأول، وعن إنشائه النشأة الثانية بعد العدم لقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ).
قوله تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا).
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: فرق بين قولك: لعل مجيء زيد قرب، وبين قولك هل مجيء زيد يكون قريبا؟ فالأول: تقوله إذا أخذ في أسباب المجيء ولم يحضر، والثاني: تقوله إذا أراد أن يجيء ولم يسرع في أسباب المجيء، بل يكون مجيئه مستقبلا.
قيل لابن عرفة: هذا مردود بقوله [في الآية]، [(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا) *].
قوله تعالى: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾
الولي هو الموالي، وقد يكون نصيرا دون وجه.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا ... (٦٧)﴾
ابن عرفة: إن أريد الكبراء في السن، فالعطف تأسيس، وإن أريد في المنزلة والقدر فتأكيد، إلا أن يريد بالسادة من هو سيد في ذاته، وبالكبراء من أسلافه سادة، وإن لم يكن مثلهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ... (٧٠)﴾
التقوى عند المتقدمين هي الإيمان، وعند المتأخرين أخص منه.
وقال الإمام مالك ﵀ في المتعة في قوله (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) و (عَلَى الْمُتقِينَ).
وقال: إن كنت متقيا [فمتع*]، فإن كانت بمعنى الإيمان فتعني الأمر بالتقوى، أما المداومة عليها كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا)، [يَا أَيُّهَا*] الذين آمَنوا ظاهرا بألسنتهم آمِنوا باطنًا بقلوبكم.
قوله تعالى: (سَدِيدًا).
أي مستقيما.
كقوله:
стр. 1202
أعلِّمه الرماية كل يوم ... فلمَّا اشتدَّ ساعدهُ رماني
على روايته بالسين المهملة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٧١)﴾
المراد من يفعل جميع الطاعات أو أكثرها، وليس المراد مطلق الطاعة، لئلا يكون فيه حجة للمرجئة القائلين: بأن مجرد النطق بالشهادتين كافٍ في دخول الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ ... (٧٢)﴾
العرض إما الاختبار أو الإعطاء، وعرض ذلك على السماوات، إما بعد خلق التمييز فيها والإدراك، وإمَّا عرضه على ملائكتها.
قوله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا).
من باب تقديم المسبب على سببه، لأن الإشفاق سبب في [الإباية أو يكون الإشفاق علة وغاية*].
قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ).
هو آدم ﵇ أو الجنس، والمراد بعضه لَا كله، وفيه أن عدم الدخول في العهدة أولا كقول مالك ﵀ في أهل الكتاب، وترك الحكم بينهم أحب إليَّ.
قيل لابن عرفة: المراد عرضناها على الإنسان فحملها، قال: لَا بل حملها لأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ولذلك كان الشيخ ابن عبد السلام يحكي أن الفقهاء اجتمعوا في جنازة، فقال بعضهم: هذا عليه دخلنا، فقال الآخر: بل عليه أُدخلنا.
قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ ... (٧٣)﴾
اللام للصيرورة على قراءة، (وَحَمَلَهَا).
بتخفيف اللام، وللتعليل حقيقة على قراءة التشديد في اللام.
стр. 1203
سُورَةُ سَبَإٍ
ذكر سيبويه في قولهم (لَهُ ... (١) .. ، في علم [**الفقهاء] أن الرفع يقتضي عموم الجنس.
قوله تعالى: (وَمَا فِي الْأَرْضِ).
إنما أعاد لفظ (مَا) [لمخالفة نوع*] (مَا فِي الأَرْضِ) لنوع ما في السماء.
ابن عرفة: وهذا من العام الباقي على عمومه.
فإن قلنا: إن العام في الأشخاص عام في الأزمنة والأحوال، فسيكون قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ) تأكيدا.
وإن قلنا: إنه مطلق غير عام، فيجاب بثلاثة أوجه:
الأول: جواب الزمخشري على قاعدته بأن الحمد الأول [واجبٌ*] له في الدنيا على نعم متفضل بها.
والثاني: (فِي الآخِرَةِ) على نعم واجبة الإيصال إلى مستحقها؛ لأنهم يقولون: إن الطائع يجب على الله أن يثيبه.
ورده ابن عرفة: بأنه باطل على مذهبه؛ لأنهم يقولون بوجوب رعاية الأصلح، فكيف يقولون النعم متفضل بها؟
الجواب الثاني: أنهما مختلفان باختلاف المتعلق والفاعل فحمد الآخرة أكثر لدوامه، إذ هي حياة لَا موت فيها، قال الله تعالى (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) وحمد الدنيا منقطع بموت صاحبه، ثم تموت جميع الخلائق عند النفخ في الصور.
الجواب الثالث: أنهما مختلفان باختلاف السبب، فحمد الآخرة أعظم لتبيين الحقائق فيه وصيرورة الأمر [بالنظر*] ضروريا، فالمحق يرى ما أعد الله له، وما نجاه منه عيانا، فحمده حينئذ أعظم وأجل.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "لا أحصَي ثناء عليك". لَا ينبغي لنا أن نقوله كذلك، إنما نقول: [لَا يُحْصَى*] ثناءٌ عليك؛
стр. 1204
لأن سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو الذي اعترف بعجزه عن إحصاء الثناء عليه، مع أنه في منزلة يتوهم فيها قدرته على إحصاء الثناء عليه، إذ هو معصوم محفوظ وقع هذا فاعترف بالعجز، وإنما قال: لَا يُحْصَى ليكون النفي عاما في القائل وغيره فيكون أبلغ.
قوله تعالى: (وَهُوَ الحَكِيمُ).
قيل: المتقن، وقيل: واضع الأشياء في [محالها*]. قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ... (٢) .. هذا كقوله (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى)، فيرد فيه السؤال من جهة أن العطف تأكيد، والجواب كالجواب إما أنه قصد التسوية في علمه بالنوعين، وإما الاهتمام بتقديم الأخبار، فمعرفة ما هو في مظنة الخفاء، وإما الدلالة على معرفة بالمطابقة وباللزوم.
قيل لابن عرفة: ليس هذا مثله بل هو كقوله: فلان يعلم أن زوجته حامل، ولا يعلم ما في بطنها، ويعلم ما يخرج من بطنها عند خروجه، فقال: لَا بل هو مثله.
قوله تعالى: (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا).
ولم يقل: وما يعرج إليها؛ لأنه لو قال: إليها لتوهم أن أعمال العبادة تعرج إلى سماء الدنيا فقط، والمنقول أنها تعرج إلى السماوات السبع، وتصعد إلى أعلاها.
قوله تعالى: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).
ابن عرفة: من رحمته بهم مغفرة ذنوبهم.
قيل لابن عرفة: قال بعضهم في الفرقان أربع سور استفتحت بالحمد، وخمس بالتسبيح، وسورتان بالبركة، ولم تذكر فيه لَا حول ولا قوة إلا بالله، لما ورد أنها كنز
стр. 1205
من كنوز الجنة، والكنز من شأنه الخفاء، فرده ابن عرفة بقوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ... (٣)﴾
ابن عرفة: كل واحد منهما لصاحبه آتٍ؛ كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)، لكن الصواب استناد الإتيان إلى الموجود، وهو الذين كفروا. لأن الساعة معدومة.
قوله تعالى: (عَالِم الْغَيْبِ).
ابن عرفة: لَا خلاف أن العلم القديم لَا يختلف، وفي الحادث خلاف، فإن قلنا: إنه يتفاوت بالمبالغة في العلم القديم بالنسبة إلى العلم الحادث.
وإن قلنا: لَا يتفاوت، فالمبالغة باعتبار متعلقه، فإن قلت: ما أفاد قوله (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)، مع أن (عَالِمِ الْغَيب) يكفي عنه؟ فالجواب: أن هذه المذكورات إن كانت كبيرة الجرم [فهي ظاهرة معلقة*] فعزوبها عن المخلوقات، إنما هو حالة كونها في الغيب لم تخلق ولم تظهر للوجود، فدخلت في قوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيبِ)، [وإن*] كانت موجودة فعزوبها، إنما هو باعتبار رجوعها في خفية عن أعين الناظرين، [ولَا تخفى*] على الله.
قوله تعالى: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
انظر تعقب أبي حيان على الزمخشري.
وقال ابن عرفة: الصواب أن هكذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
كقول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾
وجه مناسبة القراءة هنا أن (الْعَزِيزِ) هو الذي لَا يمانع، فإما أن يراد أن كلامه لا يقدر أحد على ممانعته، وإما أن يكون أشار إلى أنه لَا تهتدي إلى المطالب القلبية الخفية الممتنعة عن الإدراك إلا به، و (الْحَمِيدِ) إشارة إلى حمده هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها، وهو القرآن العظيم الهادي إلى طريق الحق.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ... (٢٠)﴾
стр. 1206
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنها نزلت تخويفا لقريش، لأنهم اتبعوا الشيطان فيما اتبعه فيه [آباؤهم*] من الكفر، وقد هلكوا وعذبوا، [فلم [يتوقعوا*] أن ينزل بهم ما نزل بآبائهم، كعبدين عصى أحدهما سيده فعذبه، ثم عصاه الآخر فهو متوقع [عذابه*]، وأطلق قول إبليس بفعله المستقبل صدقه وهو قوله (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ففيه دليل على أن من يعتقد صدقه من الأولياء إذا أخبر بشيء قبل وقوعه أن يقال فيه: صدق فلان في مقالته.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ ... (٣١)﴾
ابن عرفة: يشار بلفظ القريب للبعيد تعظيما لأمره في قلبه، إما مدحا أو ذما، كقوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)، وعكسه أن يشار [بالبعيد*] للقريب تحقيرا له في بابه، مثل (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)، وكذلك هذا هم [يحتقرونه*]، واستعمل لفظ [إذا*] في المستقبل، وهو ظرف لما مضى.
وأجيب: بأنه أمر تقديري أي لو حضروا بين يديك ورأيتهم لرأيت عجبا، لأنه يخلص الفعل للماضي أو يكون المراد من مات منهم.
قال: وعدم إيمانهم بالقرآن [إما راجع لعدم التصديق لكونه معجزا*]، أو لعدم التصديق لما [تضمن*] من رسالة محمد ﷺ ، فالأول عقلي، والثاني سمعي نظري.
قوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ).
القول دليل على أن البعض يطلق على النصف وأكثر منه.
قال: وعادتهم يقولون: عبر عنهم أولا بوصف الكفر (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ)، والظلم أعم من الكفر لصدقه عليه، وعلى ما دونه من الماضي، قال: وحكمة ذلك أنه أسند لهم المخاصمة والمراجعة وهي مبادئ التعنت والاختلاف، فلذلك قرنها بمطلق الظلم لَا بأخصه، فإن قلت: لم قال: [(يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) *]، بلفظ المضارع، ثم عقبه بقوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، بالماضي؟ فالجواب: إما بأن الأول مضارع لتكرره منهم وتجدده المرة بعد المرة، فلما تكرر منهم المرة بعد المرة حينئذ أجابهم
стр. 1207
أكابرهم بهذا الجواب، وإما أنه بدل وتفسير لقوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ)، وهو مضارع يفسره بالمضارع.
قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ).
قال الزمخشري، وابن عطية: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) هي الأرضة، قالا: وروي أن الجن أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا، فحسبوا ذلك النمو المقدر فوجدوه قد مات منذ سنة.
قال ابن عرفة: ما يتوهم هذا إلا لو كانت الأرضة شرعت في أكل العصا منذ سنة، ولعلها ما بدأت الأكل إلا بعد مدة طويلة.
قوله تعالى: (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ)
اليمين والشمال نسبة وإضافة فاعتبر حاصل الوادي بالنسبة إلى الهابط من أعلاه، والطالع من أسفله، ويمين الإنسان في الأكثر هو اليد القوية السريعة الحركة غالبا والشمال ضدها، وقد تكون العكس فيمن يخلق شيئا، وهو الأيسر ويكون أعسر أيسر فالأعسر الذي يبطش بيساره دون يمناه، والأعسر الأيسر الذي يبطش بهما يديه جميعا وهو الأضبط.
قوله تعالى: (فَأَعْرَضُوا).
أول الآية أشد من آخرها، لأن ظاهر أوطان العقوبة نالتهم بنفس إعراضهم، فيتناول العاصي والكافر، لقوله تعالى: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ).
قوله تعالى: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ).
قال أبو حيان: المجرور بالباء هو المأخوذ المعوض وغيره.
وقال ابن عرفة: الصواب أنك تقول: بدلت الدار بالجنان، أي أخذت الدار عوضا عن الجنان، ثم قال: الحاصل أن المقدم هو العوض، والمؤخر هو المعوض قلت: [ ... ].
стр. 1208
فيها عن ابن عبد السلام القاضي ما نصه قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، قال: تعقيب الحكم بالوصف المناسب ويشعر أنه علة؛ لأن كل ما في السماوات وما في الأرض مستحق للحمد.
فإن قلت: ظاهر الآية أن السماء بسيطة إذ لو كانت [كورية*] لاكتفى بقوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) عن قوله (وَمَا فِي الْأَرْضِ).
قلنا: مقام الاستدلال حقه من فيه الاستئناف فالصريح بدلالة المطابقة دون دلالة الالتزام، إذ هو أقوى منها، وإنما تقدم علمه بما يلج في الأرض على علمه بما ينزل من السماء؛ لأن النزول بمنزلة الخروج والعروج كالولوج.
قوله تعالى: (قُل بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنكُمْ).
لما نفوا الساعة بدعوى مجردة عن الدلائل، قوبلوا بدعوى مقسم عليها، وإن كان القسم لَا يثبت دعوى.
قوله تعالى: (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ).
قال ابن عرفة: بدأ هنا بالسماوات، قال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
بدأ بالسماء لأن إتيانها أعظم، فلما أراد بالثاني التخويف من العذاب بدأ بالأرض، لأنها المشاهدة في حصول العذاب، وقوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ)، دليل على أن الرؤية في قوله تعالى: (أَفَلَم يَرَوْا)، علمية لَا بصرية، قوله تعالى: (وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، المراد به العلم لَا حقيقة الكتاب، لئلا يلزم عليه التسلسلَ؛ لأن الكتاب إما أصغر أو أكبر، وكل أصغر وأكبر من كتاب فيلزم أن يكون من كتاب، وينتقل الكلام لذلك الكتاب فيتسلسل.
قوله تعالى: (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ).
قال ابن عبد السلام: هذا الترتيب على الأصل، لأنه لَا يلزم من نفي الملك في الأقوى، وهو السماء، نفي الملك في الأضعف وهو الأرض، وقوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) فعلى عكس ذلك؛ لأن ما لَا يملك مثقال ذرة فيهما كيف يكون شريكا فيهما أو ظهيرا؟ وأجاب: بأن ذلك استعظام لنقصان عقولهم، وأنهم يعتقدون الإعانة والشرك فبين من لَا يملك مثقال ذرة، فكأنه لَا يملك مثقال ذرة، الذي هو أحرى أن يكون شريكا ولا ظهيرا كيف يعبد من دون الله؟ فإن
стр. 1209
قلت: إذا انتفيت الشفاعة وانتفى النفع الحاصل عنهما فما أفاد قوله تعالى: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ).
قلت: هو كقوله
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أي ليس ثم شفاعة ينتفع بها.
قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى).
(أو) تعني الواو [ففيه اللف والنشر*] وعلى بابها تكون من تجاهل الفارق.
قوله تعالى: (لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا).
نزلت بمكة فبل شريعة الجهاد، وسائر الأحكام، لأن هذا الأمر لم يبق بعد كذلك.
قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ).
الكلام إما وقع في إثبات الشركاء له في إثبات الله تعالى أو نفيه، حتى يضرب عن مقالتهم إلى إثباتهم، وإنما المعنى بل الوحدانية لله تعالى.
قوله تعالى: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ).
المراد به متعلقه، والوعد والوعيد بمعنى واحد بخلاف [الميعاد*].
قال: وعبر عن المراجعة [بالقول*] دون الكلام، لأن القول غير مقيد، قيل له: لم
عطف، (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ... (٣٣) .. بالواو، والأصل في المراجعة عدم العطف، كما
في قوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) الآية، وقد جعله ابن مالك في المصباح من البديع وأنشد عليه، فأجاب: بأن الجملة التي دخلت عليها معطوفة على كلامهم، وليست جوابا عما قبلها، فلم تدخل واو في المراجعة وبتقدير أن يكون جوابا، وأنها دخلت في المراجعة فليس بممتنع، ولم يثبت امتناعه عن القرب، والشعر الذي ذكره ابن مالك مولد، وإنما وقع ذلك في آية موسى ﵇ مع فرعون عليه اللعنة.
قلت: هكذا ذكره السكاكي، وذلك منه قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ)، قال: لما قال (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)، كأنه قيل: فما قال لهم، قال المجيب: (قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ)، ثم قال (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ)، فكأنه قيل: فما قالوا له حين رأوه، كذلك قال (قَالُوا لَا تَخَف).
стр. 1210
قال ابن عبد السلام: قوله تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أضاف المكر إلى الليل، وإن كان لَا يصح منه ذلك تنزيلا للمكر فيه منزلة الماكر.
قوله تعالى: (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)
شدد عليهم في التوبيخ، لأنهم عبدوا غير الملائكة، فإذا وبخوا على عبادة أكرم خلق الله فأحرى أن يوبخوا على ما دون الملائكة انتهى.
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافةً لِلنَّاسِ).
قال شيخنا ابن عرفة: فرد أن رسالة نوح ﵇ عامة أيضا، ويجاب: إما بأن محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعث للإنس والجن، ورسالة نوح ﵇ خاصة بالإنس، وأما نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم آمن به من قبله، لأن كل نبي أخبر به بخلاف نوح ﵇.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾
قال الزمخشري: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) بالفقر لكثرة أموالنا.
وضعفه ابن عطية قال: وإنما المراد نحن في الآخرة لكثرة أموالنا وأولادنا، إما اعتناء بنا وإكراما من الله تعالى لنا، وإكرامه لنا في الدنيا دليل على رضاه عنا، وعلى إكرامه لنا في الآخرة بعدم العذاب، فهو قياس منهم فيكون (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، نتيجة عن قولهم (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا).
وقيل: إنه استئناف [مستقل*] بنفسه فعقبه بقوله (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)، فيبسط الرزق ليس منحصرا في الإكرام، بل قد [يكون إملاء*]، كقوله تعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُم وَلَا أَوْلادُكُمْ ... (٣٧)﴾
قال ابن عرفة: تكرير (لا) في العطف محض تأكيد، إذ لو جعلناها تأسيسا لزم عليه المفهوم، إذ لَا يلزم من نفي التقريب عن كل مرفوع منهما نفي التقرب عنهما مجتمعين.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾
стр. 1211
قرر عليهم عبادة الكفار لهم على جهة الاستهزاء بالكفار، فأجابوا: بأنهم كانوا يعبدون الجن إما لإتباعهم في عبادة الملائكة ووسوسة الشيطان، فكأنهم عبدوا الجن، وإما لكون الملائكة غير راضين بعبادتهم لهم. وقوله (أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)
إشارة إلى الأتباع والمتبوعين، وهم رؤساؤهم وسوس لهم الشيطان فاتبعوه وآمنوا به واتبعوهم مقلدون لهم، فلم يؤمنوا بالجن قبل ذلك رؤساؤهم في ذلك.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ... (٤٢)﴾
الأقسام أربعة: جلب النفع والضر ودفعهما معا، وجلب النفع ودفع الضر وعكسه، والنفي متسلط على الجميع، وهل المراد بالبعض الثاني حقيقة له، فكأنه يقول: لا يملك بعضكم لغيره نفعا، أو المراد به العموم، أي لَا يملك بعضكم لإنسان بالإطلاق، أي لا يملك لنفسه ولا لغيره، وهذا أولى لعمومه، وقدم النفع على الضر لأن جلب النفع مهم، ودفع الضر أهم، وعدم الاتصاف بالمهم لَا يستلزم عدم القدرة على ما هو أهم منه، فجاء هذا على الأصل، لأن الأصل أنه لَا يملك، وعلى تقدير ابن عطية فيقال لهم: يكون معطوفا عليه (بَيِّنَاتٍ) يدل على أن القرآن لَا ينسخ [بالسُّنَّة*]، لأن النسخ بيان، والآية دلت على أنها بينة في أنصبتها.
قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ ... (٤٣)﴾
[يرد عليه*] القول بالموجب، وهو أنه كذلك هو في نفس الأمر وهو الذي أراد، لكن وجه احتجاجهم بهذا أنه من الدليل السوفسطائي، وقد ذكر المناطقة أنه لم ترد في القرآن ولا في كلام فصيح، لكن مرادهم أنه لم يرد من كلام الله تعالى، وهذا إنما هو حكاية عن هؤلاء، وتقريره أنهم اعتقدوا أن الخروج عن ملة الآباء قبيح، لَا يحل ولا يجوز، وهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قصد صدهم عن ملة آبائهم، فلذلك كفروا به وابتدءوا هم بهذه المقالة من باب إثارة الغضب كقول القائل:
يا ابن الذي طاعته عصمة ... وحبُّه مفترض واجب
إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب
قوله تعالى: (مُفْتَرًى).
إن قلت: ما فائدته، فالجواب: بين وجهين:
الأول: الإفك، قول الباطل عمدا أو سهوا، والافتراء تعمد الكذب.
стр. 1212
الثاني: الإفك، هو القول الباطل في [نفسه*]، وإن كان قائله صادقا في مقالته مثل أن يخبرك شخص عن [**عمرو يقام زيد]، وهو صادق في الإخبار عن عمرو، ولكن ذلك الكلام في [نفسه*] كذب، فلما قال: (مفترى)؛ أفاد أن الكلام في [نفسه*] كذب، وأن ناقله كذب أيضا على المنقول عنه في حكايته.
قوله تعالى: (لِلْحَقِّ).
الزمخشري: [لامان الجر ولام التعريف*] (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ... (٤٤)﴾
دلت الآية على أنهم في تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير مستندين إلى كتاب منزل، ولا إلى إخبار رسول، ولا إلى خبر تواتر، لأن الذين من قبلهم قد كذبوا، وإذا كذبوا انقطع التواتر، لأن شرطه صدق المخبرين، أما المكذبون فلا.
فإن قلت: إنهم لم يشترطوا في التواتر صدق المخبرين، بل قالوا: إن خبر الكفار البالغين عدد التواتر يفيد العلم، فالجواب: إنما ذلك إذا أخبروا عن أمر شاهدوه، وأما النقل فلا، لأن الكفار البالغين عدد التواتر نقلوا لهم ذلك عن قوم كذبوا بينهم، فلا يعتمد على قولهم بوجه لقوله (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِمْ).
وإنما احتيج إلى ذكر الثلاثة، لأن الرسول لَا يستلزم الكتاب، إذ قد يكون رسولا بغير كتاب منزل عليه.
فإن قلت: لم وصف الكتب بـ يدرسونها، مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فيبقى المفهوم، فالجواب: أن الكتب ما ينتفع بها إلا بالنظر وبالدرس وإلا فوجودها كالعدم، فهذه لازمة أو هو مفهوم خرج مخرج الغالب فلا يعتبر.
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي ... (٤٥)﴾
إن قلت: ما أفاد بعد قوله تعالى: (وَكَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، فالجواب: بوجوه:
الأول: أن هذا مقيد، والأول مطلق.
الثاني: والمراد بالأول تكذيبهم المعجزات، وبالثاني تكذيب الرسل.
стр. 1213
وأجاب الزمخشري: بأنه لما كان معنى قوله تعالى: (وَكَذبَ الُّذِينَ مِن قَبلِهِمْ)، [وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه: جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ونظيره*] أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى ... (٤٦)﴾
إن قلت: قدم (مَثْنَى) على (وَفُرَادَى) وكان العكس، فالجواب: أن مفعول التكذيب بالنظر والاستدلال مع الجماعة أقرب من حصوله حالة الانفراد، والآية خرجت مخرج الوعظ والتذكير، فكان تقديم الاثنين من الواحد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ... (٤٧)﴾
إما أن يقتضي النفي [نفى مسألة الأجر رأسا*]، [والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله تعالى قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا*]، وفي الآية دليل بجواز أخذ الأجرة على رواية الأحاديث.
وفيه خلاف حكاه ابن الصلاح، قيل: تجوز، وقيل: لَا تجوز، واختار بعض المتأخرين إن كان يشغله عن [معاشه*] فجائز، [وإلا لم يجز*]، وأما الحديث الواحد فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغه، وانظر بما تقدم في آخر سورة البقرة، ووجه الدليل من هذه الآية أن الأصل الناشئ حين يدل الدليل على التخصيص، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يتوهم سؤاله إلا عن ما هو جائز.
قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
إن أريد بالشهادة مجرد العلم والكشف والإطلاع فهو عام باق على عمومه، ويكون فيه دليل على تعلق علمه بالجزئيات والكليات، وإن أريد بها الشهادة الملزومة للمجازاة مستثنى، فلا يصح كونه بدلا، وأيضا فقد فرقوا بين العطف على مواضع أن، وبين العطف على مواضع إن واسمها، فالعطف على مواضع اسمها لَا يجوز عند الأكثر، لعدم [المجوز*]؛ لأن الرفع امتنع بدخول (إن) والعطف على موضعها هي واسمها جائز، لأن موضعها رفع، فالصواب: أن (عَلَّامُ) خبر ابتداء مضمر، أي هو علام، والمبالغة إما باعتبار كثرة معلوماته، أو باعتبار الكيفية، وأنه في [أعلى*] درجات العلم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾
يحتمل أن يكون فيه حذف التقابل.
قوله تعالى: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ).
[والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ وعن ابن مسعود رضى الله عنه: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود نبعة، ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ*]
стр. 1214
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ... (٥٠)﴾
إن قلت: فيه دليل أنه ﵇ غير مجتهد، فالجواب: أن اجتهاده راجع إلى الوحي.
قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ ... (٥٢)﴾
إنشاء لا خبر.
قوله تعالى: (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).
أي كيف يصح إيمانهم، والدار ليست دار تكليف، فلا ينفعهم إيمانهم بحال.
قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ ... (٥٣)﴾
تدل على أول الأزمنة القبلية، فأفادت الآية أنهم ماتوا على الكفر، لأن ابتداء الغاية بحسب مآلهم، وحالهم حينئذ أمر الآخرة، فأفادت من أن ابتداء أمر الآخرة حينئذ في حقهم الكفر، وهو انتهاء أمر الدنيا، فهم ماتوا كفارا في شك، والمراد به الشك اللغوي لَا استواء الطرفين كما هو اصطلاحا، فيتناول الظن، وهو تنبيه بالأدنى عن الأعلى، لأنه إذا كان الشاك يناله هذا الوعيد فأحرى من جزم.
* * *
стр. 1215
سُورَةُ فَاطِرٍ
تقدم الكلام على الحمد في أول الفاتحة.
قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ... (١)﴾
لم يعتبر مفهوم العدد هنا مع أنه قوي عندهم.
الزمخشري: [(أُولِي أَجْنِحَةٍ) أصحاب أجنحة، وأولو: اسم جمع لذو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة*] انتهى، أراد مخاضا جمع خلفه، نص عليه عياض في كتاب الزكاة من الإكمال (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، مشتقة من اثنين وثلاثة وأربعة، ومنع صرفها العدل [والوصفية*].
الزمخشري: منعها تكرار العدل فيها وتقدم بيانه في النساء، قال: ولا فرق في [الوصفية بين المعدولة والمعدول عنها*]، كنسوة أربع ورجال ثلاثة، واعترض بأن شرط الوصف المانع من الصرف، أن لَا تكون مؤنثة بالتاء، وأن لَا يكون مع التأنيث؛ فلا يلزم من عدم اعتبار الصفة اعتبارها في المعدول [لفقد*] شرطها فيها.
وأجيب: بأن مراده أنه لم يجتمع فيه علتان، فليس فيه الوصف، لأن شرطه عندهم ألا يمنع الصرف إلا في أفعل فعلاء، كأحمر حمراء أو فيها مؤنثة بغير تاء، وأما الصفة التي في مؤنثها التاء الفارقة بينها وبين المذكر، فلا يمنع الصرف [فيها*] بوجه.
قيل: وكذلك أيضا عنده لَا يمنع الصرف إلا فيما كان اسما، ومثله ابن عصفور بأربعة: فإنها اسم العدد بخلاف غيره.
القرافي في شرح المحصول قال: التصريف الذي نقل عن جماعة أن الواو [ترد بمعنى (أو) *]؛ كقوله (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، انتهى.
ابن هشام: زعم قوم أن الواو تخرج من [إفادتها لمطلق الجمع*]، وتستعمل بمعنى (أو) ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معناها في التقسيم نحو الكلمة [اسْم أَو فعل أَو حرف*]، وممن ذكر ذلك ابن مالك في التحفة. والصواب أنها في ذلك على معناها الأصلي، إذ الأنواع مجتمعة في الدخول تحت الجنس، ولو كانت (أو) هي الأصل في التقسيم، لكان استعمالها فيه أكثر من استعمال الواو.
والثاني: أن معناها في الإباحة، قاله الزمخشري: وزعم أن يقال: جالس الحسن وابن سيرين، أي أحدهما وأنه لهذا قيل: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)،
стр. 1216
بعد ذكر ثلاثة وسبعة، لئلا يتوهم إرادة الإباحة، والمعروف من كلام النحويين أنه لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين كان [أمرا*] بمجالسة كل منهما، وجعلوا ذلك فرقا بين العطف بالواو والعطف بـ أو.
الثالث: يكون معناها في التخيير.
قاله بعضهم في قوله:
وقالوا نأتْ فاخترْ من الصَّبر والبُكا ... فقلتُ البُكا أشفى إذاً لغليلي
فقال: معناه أو البكاء إذ لَا يجتمع مع الصبر، ونقول: إن الأصل فاختر من الصبر والبكاء، أي أحدهما، ثم حذف (مِن)؛ كما في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَومَهُ)، [**ويؤيده أن بها على القاف من].
وقال الشاطبي في باب البسملة، وقيل: [وَاسْكُتَنْ*]، فقال شارحوا كلامه: إفراد التخيير ثم قال محققوهم: ليس ذلك من قبل الواو، بل من جهة المعنى، وقيل: إن شئت.
قال أبو شامة: وزعم بعضهم: أن الواو تأتي للتخيير مجازا.
قوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ ... (٢)﴾
إن قلت: [مَا يَفْتَحِ*] ما أفاد، قلت: لأن الفتح المطلق لَا حسد فيه، وإنما يحسد في الفتح في شخص معين.
قوله تعالى: (وَمَا يُمْسِكْ).
قال شيخنا ابن عرفة: يؤخذ منه أن العدم الإضافي السابق متعلق للقدرة، وجعله بعض الأصوليين متعلقا للإرادة.
قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِهِ).
إن قلت: ما أفاد، وهو خص بالقسم الثاني دون [الأول*]، فالجواب: أنه إشارة إلى ما قرره المتكلمون: من أن ما أراد الله تعالى كونه فلا بد من وقوعه باتفاق بين الجميع، ولذلك لم تحتج إلى تأكيد الأول بقوله (مِنْ بَعْدِهِ)، ولم يرد وقوعه، فنحن نقول: لَا يقع أصلا وفريق من المعتزلة يقولون بصحة وقوعه، لأن العبد عندهم يخلق أفعاله، والله
стр. 1217
تعالى عندهم لَا يريد الشر ولا الكفر بوجه، فلذلك احتيج إلى تأكيد الثاني بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِهِ)، وما لم ترد وقوعه فنحن نقول: لَا يقع أصلا.
وجواب الفخر: بأنه إشارة إلى أن الرحمة في الآخرة لَا تزول، وأن العذاب فيها زائل منقطع، يرد بأن الآية عامة في الدنيا والآخرة، [والناس*] عام في المؤمن والكافر.
قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
من اللف والنشر المخالف، وهو قليل لأن (الْعَزِيزُ) راجع لقوله تعالى: (وَمَا يُمْسِك) إذ العزة هي الامتناع و (الْحَكِيمُ)، لقوله (مَا يَفتَحِ اللَّهُ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ... (٣)﴾
النَّاس عام في بني آدم، فإن كان ذكروا للوجوب فخص العموم بالصبيان والمجانين، وإن كان للندب فلا تخصيص.
قوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ).
هذا كالنتيجة بعد المقدمتين، لأن المقدمة الأولى أفادت أن لَا معطي إلا الله، والثانية: أفادت أن لَا مانع إلا الله، فإذا ثبت اختصاصه بالمنع والإعطاء أنتج ذلك أن لا خالق إلا الله.
قوله تعالى: (يَرْزُقُكُمْ).
كالتتميم للدليل، والأولى كونه ابتدأ كلام وبعد كونه صفة لخالق لئلا يلزم عليه المفهوم، أن [ثَمَّ خالقًا لَا يرزق*].
قوله تعالى: (يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وفي سورة والذاريات (رِزْقُكُم) بالحصر، والجواب: أن أصل الرزق من السماء، وتشارك فيه الأرض باعتبار النبات.
قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
تلقين للمخاطب بأن يصرح بنتيجة الدليل المذكور.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ... (٥)﴾
من باب [لَا أرينك ها هنا*]، أي لَا تركنوا إليها فتغرقكم.
стр. 1218
فإن قلت: لم ذكر في الثاني ما وقع الغرور عنه، وهو الله تعالى، ولم [يذكره*] في الأول، إذ لم يقل: فلا يغرنكم بالله الحياة الدنيا، فالجواب من وجهين:
الأول: أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا كثير في لسان العرب، وإنَّمَا القليل عكسه.
الثاني: أن الحياة الدنيا إنما [تغر*] في شهواتها والمأكل والمشرب والشهوة البهيمية والملبس فقط، وأما الشيطان فإنما يغر ويوسوس في الشرك بالله والكفر، فلأجل ذلك ذكر معه اسم الله .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ... (٦)﴾
وهذا من النسب الغير متعاكسه، لأنه قد يكون الإنسان [عدوا*] لشخص، ويكون الشخص ذلك صديقا له، لكن هذا ما يتأتى إلا فيمن لَا يعرف منه ذلك.
قوله تعالى: (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).
فإِن قلت: كيف يتأتى ذلك، مع أن هذا لَا يمكن إلا في شخص معين تراه بحيث تتحرز منه وتتحرر، وأما الشيطان فهو خفي لَا يظهر، فكيف التحرز منه؟ فالجواب: أن هذا كما قال أبو بكر الصديق ﵁: إن يكن خيرا فمن الله وإن يكن غير ذلك [فمن*] من الشيطان، فالإنسان مكلف بأن يزن أعماله بالميزان الشرعي، فإن رآها جارية على ما أمره الشرع به، علم أنها كلها من الله، وإن رآها مخالفة للشرع علم أن ذلك من وساوس الشيطان.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
حزبه هم الذين انقطعوا إليه وصاروا قوة، وهم الشياطين، ويكون المراد بالشيطان إبليس لعنة الله عليه، فالمعنى أن أصدقاءه الذين لَا عداوة بينه وبينهم، إنما يدعوهم ليكونوا من أهل النار، فما [بالك*] فيمن هو عدو لهم هو يدعوهم إلى النار من باب أحرى.
فإن قلت: إذا كان حزب الشيطان بعض أصحاب السعير، فمَن البعض الآخر؟ فالجواب: أن أصحاب السعير هو وحزبه ومن تابعهم من بني آدم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ... (٨)﴾
стр. 1219
الهمزة للإنكار لَا للتقرير، وفيه دليل للمعتزلة القائلين: بأن [العقل*] يحسن ويقبح، وجوابه: أن المعنى ظنه حسنا من جهة الشرع، أي اعتقد أن الشرع حسنه.
وفيه دليل ما يقول الفخر: أن العاصي لَا يعصي وهو جاهل، ولا يتصور من العالم حين علمه عصيانه بوجه، فهو يظن أن الأرجح فعل المعصية لقوله تعالى: (فَرَآهُ حَسَنًا).
قوله تعالى: (حَسَرَاتٍ).
[الزمخشري*] جعله مفعولا من أجله، وهو على مذهبه إذ [شرط*] المفعول من أجله، أن يكون مفعولا لفاعل الفعل المعلل، فالحسرات إذًا من فعل النفس لَا من فعل غيرها، وهو أيضا جائز على مذهب أهل السنة القائلين بالكسب، وأما من ينفي الكسب هنا [يجري*] على هذا الإعراب على مذهبه، وتحتمل كونه حالا.
وقول الزمخشري: لَا يتعلق بـ[حسرات*]، لأنه مصدر فلا تتقدم صلته عليه، يرد بوجهين:
الأول: إن ذلك إنما هو في المصدر والمقدر بـ أن والفعل، حسبما ذكره ابن هشام شارح الإيضاح في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا).
الثاني: أن المصدر إذا ثنى وجمع بعد عن التقدير بـ أن والفعل، فلا يكون موصولا وهذا بمجموع.
قوله تعالى: ﴿الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ... (٩)﴾
أتى بالأول ماضيا، والثاني [حالا*] للتصوير، لأن الأول ليس بمشاهد، وإثارة السحاب [مشاهدة لنا*]، ولأن إرسال الرياح غير مكرر، وإثارة السحاب متكررة.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ... (١٠)﴾
[**لا مفهوم].
قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ).
مجاز لأن الصعود قطع المسافة من أسفل إلى فوق، إلا أن يكون باعتبار الصحف.
قوله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
стр. 1220
قيل: الضمير على الكلم الطيب، أي ليرفعه الكلم الطيب.
فإِن قلنا: المراد بالكلم الطيب الشهادتان فقط فظاهر.
وإن قلنا: المراد به التسبيح ونحوه فلا يتأتى إلا على مذهب المعتزلة القائلين: أن مجرد كلمة الإسلام لَا تنفع العاصي.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ ... (١٢)﴾
حمله ابن عطية على الحقيقة، والزمخشري على المجاز.
فإن قلت: لمَ لم يذكر في الثاني عند الوصف المذكور في الأول، فتقول: ملح الأجاج صعب تناوله، فالجواب: من وجهين:
الأول: يستلزم الملح الأجاج لوصف كونه صعب التناول [الجبلي*] وأظهر من استلزام العذب الفرات، لكونه سائغا شرابه، فلذلك اكتفى به، في الثاني: دون الأول، لأنه قد يكون عذبا شرابه، ولا يسوغ شرابه لما فيه من الغثاثة، وتقرر أن اللازم بوسط نظري وبغير وسط ضروري، وباستلزام الشيء للشيء تارة يكون نظريا وتارة يكون ضروريا، ومنه الخلاف في لازم المذهب، هل هو مذهب أم لَا؟ والخلاف في تكفير المعتزلة بلازم مذهبهم.
الجواب الثاني: أن الأول أمر ملائم، والثاني أمر مؤلم، والأمور المؤلمة تكفي في التعبير بأول أوصافها، بخلاف الأمور الملائمة، فإن حصول الإقبال عليها حالة المبالغة في أوصافها، أقوى من حصوله مع عدم المبالغة.
قوله تعالى: (تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً).
إن قلت: لم ذكر في الثاني الحلية تفرد له بسببها، وهو الإخراج، وذكر في الأول الأكل دون سببه وهو الاصطياد، مع أن الحوت لَا يتوصل إلى أكله إلا بعد تكلف وموته في اصطياده، لاسيما على المذهب الشافعي القائل: بأن طافي الحوت لَا يجوز أكله، فالجواب: أن السبب في استخراج الحلية من البحر أشق على النفوس من سبب الاصطياد، لأن الاصطياد يتأتى من الأطفال والنساء وغيرهم، وأما استخراج الجوهر واللآلئ من البحر فلا [يعلمه*] إلا غواص الجواهر من النَّاس في بعض الأقطار.
حتى قال المسعودي في مروج الذهب: إنهم يجعلون على وجوههم أغشية من كروش ويغلف سائر بدنه وتثقل رجليه بحجر وتهبط إلى قعر البحر، فيمكث الأيام يرصده، [**وأما فيه عوائدها] تمكث جالسة على محل الجوهر
стр. 1221
استلذاذا لبرده، فإذا قامت غرف منه وجعله في قفاف، وحرك الشرائط المربوطة فيها، فيرفعها من يكون يرصده وألقى الحجر الذي في رجله، فيصعد حينئذ فوق الماء، انتهى كلامه، فذكر الأول دون سببه لسهولته حتى كأنه تحصل بلا سبب بخلاف الثاني.
قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ... (١٣)﴾
أي يأخذ من الليل ويزيد في النهار، ويأخذ من النهار ويزيد في الليل، وهذا في القطر الواحد في غير الاستواء.
وقال الفخر: الإيلاج [باعتبار*] أن نفس الليل عندنا هو نهار عند قوم آخرين، وهذا باعتبار جميع الأقطار.
قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ).
هذا من اللف والنشر، إما مخالف لأن الشمس أمة النهار، أو المواقق باعتبار المولج، فالمولج فيه أولا هو النهار.
ابن عطية: اختلفوا في الألف واللام في الشمس والقمر، هل هما زائدتان أو للعهد، انتهى.
قال شيخنا: كانوا يختلفون هل يصح ورود الزائد في القرآن أم لَا؟ فقيل: يصح، وقيل: لَا يصح، لأنه معجز، فكل لفظ منه معتبر لَا زائد، والذين قالوا بالصحة، هل يصح أن يقال: زائد لغير معنى، أو ما فيه زائد إلا المعنى؟ فكلام ابن عطية مخالف لقول ابن التلمساني أن الشمس والقمر من الكل، فإذا كانا من الكل فالألف واللام فيهما للعهد لَا زائدة، لأن فائدة العهد إنما هي أنها خصصت ذلك الكل بنوع واحد مشخص.
قوله تعالى: (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).
أي ما يملكون دفع ضرر ولا جلب نفع، وهم يفتقرون إلى الله تعالى، وشرط المعبود الاستقلال بنفسه وفيه استقلال الله تعالى بجميع الكائنات، خلافا للمعتزلة بأن الغير يخلق أفعاله.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ... (١٤)﴾
إن [بنينا*] أن الاستيجاب لَا يطلق إلا على الإجابة بالموافقة فبين، والمعنى ولو سمعوا لَا يجيبون إلا بنقيض ما تدعونه إليه، وإن قلنا بالإطلاق فالمعنى ولو سمعوا لا
стр. 1222
يردون عليكم بجواب لعدم رضاهم ما أنتم تدعون، ولا يرد في هذه الآية الإشكال الوارد في قوله تعالى: (وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لأَسْمَعَهُم)، لأن تلك استثنى فيها عن التالي، ومنه جاء الإشكال، وهنا استثناء نقيض التالي، لأن السمع في تالي الصغرى منفي وفي مقدمة الكبرى مثبت، ولما اشتملت الآية على دليلين عقلي ونقلي.
قوله تعالى: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
وهذا الكلام محمول على المعنى، لأنك إذا قلت: لَا تفعل هذا مثل عمرو ففعله منفي عن مثل عمرو، فيلزم نفي الإنباء عن مثل الخبير، وليس لذلك [بل*] المراد ولا ينبئنا أحد مثل خبير، وهذا إن أريد به الله تعالى فيتعين أن [تكون*] سالبة، والسالبة عند المنطقين ما تقتضي وجود الموضوع بوجه، بخلاف [المعدد له*] والله تعالى لَا مثل له، فلذلك كانت سالبة، لأن مثله غير موجود.
قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ... (١٥)﴾
مفهوم الحصر من اللقب منتف، بل هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان الحيوان العاقل الذي به الاستقلال بنفسه إلى الله تعالى، فأحرى من دونه من الحيوانات والجمادات، فهو مفهوم موافقة لَا مخالفة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ... (١٦)﴾
أي [إن يشأ*] إذهابكم يذهبكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٨)﴾
فيها سؤالان:
الأول: أنه تقرر أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فهلا قيل: لَا تزر نفس وزر أخرى، لأن النفس قد تكون وازرة وقد تكون غير وازرة، فيلزم المفهوم، وجوابه: أن مفهوم (أُخْرَى) لأن النفس الوزارة هي العاصية المتحملة للذنوب، فإن كانت النفس العاصية لَا تحمل وزر غيرها فأحرى الطائعة، لأن حمل الوزر عقوبة.
الثاني: [ما الجامع بينها وبين حديث: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ"، وقوله تعالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) "*]، وجوابه: أن الحديث وتلك الآية في صناديد الكفار الذين كفروا وتسببوا في كفر أتباعهم، لأن فاعل السبب فاعل للمسبب، وهذه الآية في الأتباع، ومن اختص بفعله ولم يتسبب في معصية أحد.
стр. 1223
قوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ).
قيل: المفعول إنما حذف لقصد العموم، فالمراد وإن تدع أحدا، وهو عام في القريب والبعيد، فما أفاد ولو كان ذا قربى.
وأجيب: بأنه نفي لما قد يوهم قربه فيذب عنه ويرعاه.
قوله تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ)
أي الإنذار النافع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾
قال شيخنا: هو قياس معنوي وهو كثير في القرآن، لأنه تمثيل لحال المؤمن والكافر، وليس القصد التفريق بينهما؛ كما يفرق بين الأعمى والبصير، وإنما القصد التنبيه على قبح الكفر وحسن الإيمان.
أبو حيان: استوى هنا [لـ فاعلَين*] انتهى، يرد بأنه من السبب لمعاكسته، فلا يطلب فاعلين، ويدل عليه قولهم استوى الماء والخشبة، والأول فاعل، والثاني مفعول، وقدم في الأولين الوصف القبيح، وعكس في [الآخرين*] ليحصل، انظر للزمخشري.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ ... (٢٢)﴾
الاقتران المراد الإسماع النافع، لأنه عام ورد على سبب.
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ).
هذا زيادة في التقبيح، لأن الميت الذي في القبر أبعد عن الإسماع من ميت على وجه الأرض، ونفاه بلفظ الاسم، لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لَا يسمع الإسماع الأخص فنفاه على حقيقته.
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾
أي لهو الكفر ولذا عقبه بقوله [(بَشِيرًا وَنَذِيرًا) *].
الزمخشري: وفي حدود المتكلمين الأمة هي المصدقة بالرسول دون المبعوث إليهم، وهم المعتبر إجماعهم. انتهى.
قال شيخنا: هذا إنما علمت من قاله من المتكلمين، لكنه حسبه بقوله: وهم المعتبر إجماعهم، لأن الإجماع في حياة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، غير معتبر إلا بعد وفاته.
стр. 1224
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ ... (٢٥)﴾
قيل: أفادت هذه بعد التي قبلها في معناها، أجيب: بأن [تحسر الرسل واغتمامهم إما على أنفسهم بتكذيب قومهم لهم*]، وإما على قومهم بامتناعهم عن الإيمان، وبأن الأولى تضمنت تكذيبه في نفسه، وهنا وفيما جاء به فهو أبلغ.
قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾
الأصل سود غرابيب، لكنه عكس إشارة لشدة السواد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ... (٢٨)﴾
ابن عطية: قال بعض: الخشية رأس العلم، والصحيح العكس انتهى، بل الصواب الأول للحديث الذي ذكره.
قوله تعالى: (عَزِيزٌ غَفُورٌ).
ووجه مناسبتها أن العزة هي الامتناع، وكذلك خشية الله قليلة في أعلى المراتب و (غَفُورٌ) إشارة إلى الواصلين إليها من العلماء، لم يسلموا من تقصير اتصفوا به ونقص في أعمالهم فوصولهم بمغفرة الله وعفوه عنهم، وانظر هل يؤخذ من الآية [تقديم الأصلح الأصلح*] في إمامة الصلاة؟
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ... (٢٩)﴾
عبر في الأول: بالمضارع إشارة إلى سهولة مصدره، وفي الثاني: بالماضي إشارة إلى محقق وقوعه مع عدم سهولته.
قوله تعالى: ﴿شَكُورٌ (٣٠)﴾
تَجَوُّزٌ لأنه تعالى هو المنعم على الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ... (٣٦)﴾
قيل: [ما وجه الجمع*] بينه وبين قوله تعالى: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا)؟ وأجيب: بأن عذابها يكون شديدا، فإذا خبت لَا يزال ألمها شديدا حالًّا بهم، لكنه يكون أولا يزيد فإذا خبت [يقف حاله، ولا يزيد ثم تشتعل بعد ذلك فيزداد عليهم الألم*]، فهي في نفسها تسكن لَا أن الألم النازل بهم يخفف عنهم.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ).
стр. 1225
فيه سؤال، وهو أن المشبه لَا يقوى قوة المشبه والأول كافر، وهذا كفور، فكيف شبه جزاء الكفور بجزاء الكافر؟ ولا جواب فيه إلا أنه من عكس التشبيه كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ... (٤٠)﴾
حكى أبو حيان عن بعضهم: أنه بدل من الأول، ورد بأن همزة الاستفهام دخلت على الأول دون الثاني، [ويجاب*]: باحتمال كونه حذف من الثاني لدلالة الأول [عليه*].
ذكر ابن عصفور خلافا فيه يلزم معه تكرار، فأدخل على المبدل منه أم لَا؟
وحكى أبو حيان عن بعضهم أيضا: بدل جملة من جملة.
ورده أبو حيان: بأنه بدل فعل من فعل، ويجاب: بأنهم فرقوا بين بدل الفعل من الفعل، وبدل الجملة من الفعل، وهو إذا كان الفاعل في الفعلين متحدا، إما ضمير متكلم أو ضمير غائب، نحو إن قمت أكرمت زيدا فأتني، أو يكون المفعول متحدا، فإن اختلف الفاعل فيكون في أحدهما ظاهرا وفي الآخر مضمرا، أو يختلف الضمير أو يختلفا في المفعول كان بدل جملة من جملة، مثل إن قمت يخرج أبوك فأتني، وهذان الفعلان وإن اتفقا في الفاعل فهما مختلفان في المفعول.
قال أبو حيان: وأيضا فالبدل على نية تكرار العامل، وهو لم يتكرر هنا انتهى، إنما ذلك إذا كان العامل موجودا، وأما إذا لم يكن ثم عامل فليس ثم ما يكرر.
قوله تعالى: (مَاذَا خَلَقُوا).
قال شيخنا: كان وقع في زمن الأستاذ أبي زكريا يحيى بن فرج النعر نزاع [فيها*].
فقال بعضهم: إنها تقتضي التكثير، واحتج بحديث: "ماذا أنزل الليلة من خير".
وقال بعضهم: إنما يكون التقليل، واحتج بهذه الآية، وهنا إشكال وهو أنها تقتضي أن من لوازم الإله اتصافه بالخلق، مع أن مذهبنا أن الذي من لوازمه اتصافه بالقدرة وصلاحية الخلق لَا اتصافه بالخلق بالفعل، وإلا يلزم عليه قدم العالم، لأن الله تعالى في الأزل لم يخلق شيئا بالفعل، وجوابه: أن الألوهية أمر نظري لَا ضروري، والاستدلال عليها إنما يتم بأثرها، فلذلك قال (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا)، فمعناه لو كانوا آلهة لظهر لنا أثر قدرتهم، فلما لم يظهر لنا أثر قدرتهم، دل على أنهم ليسوا بآلهة.
قيل: لَا يلزم من عدم العلم بالدليل عدم العلم بالمدلول، أجيب: بأنه كذلك،
стр. 1226
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ولكنه يلزم من عدم العلم بالدليل عدم العلم بالمدلول.
قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).
فيه سؤالان:
الأول: المستدل، يأتي أولا بما هو مستلزم لغيره، ثم يأتي بمستلزمه ولا يأتي باللازم قبل الملزوم، فيقول: إن كنت ذا مال فأعطه دينارا أو أعطه درهما، ولا يقول: إن ذا المال فأعط لزيد درهما أو دينارا؛ لأن العجز عن الدرهم يستلزم العجز عن الدينار، [وهو لَا يجوز*]، والعجز [الاستقلالي*] بالخلق، وما يلزم من ذلك عجزهم عن الخلق مع الشريك المعين لهم في ذلك.
السؤال الثاني: أن المذهب على امتناع اجتماع مؤثرين على أثر واحد، حسبما ذكر الأصوليون في مسألة [الكسب*]، حيث قالوا: هو فعل فاعل معين، وقد قرروا في دلالة التمانع امتناع ذلك، فكيف يصح الرد عليهم بعجز آلهتم عن خلق السماوات مع الشريك، والجواب: أن الاستدلال قسمان: عقلي لَا يفهمه إلا الخواص، وآخر يفهمه العوام، فالعلماء منعوا اجتماع قدرتين على مقدور واحد، والعوام يتصورون اشتراك رجلين وثلاثة في فعل.
قوله تعالى: (أَمْ آتَيْنَاهُم كِتَابًا).
هذه إشارة إلى الدليل السمعي، والأول: إشارة إلى الدليل العقلي فهم يستندوا في عبادتهم الأصنام لَا إلى عقل ولا إلى سمع، ثم عقب ذلك بالدليل السمعي الدال على وحدانية الله تعالى، وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ).
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا ... (٤١)﴾
فيه سؤال، وهو أن الجزاء لَا يجوز كونه موافقا بشرط، لعدم الفائدة ولا مناقضا له، بل يكون مخالفا فلا يقال: إن قام زيد قام زيد، ولا إن قام زيد لم يقم زيد، وإنَّمَا يقول: إن قام زيد قام عمرو، والجواب: ليس يترتب على الشرط، والجواب: أنه ترتب على جواب مقدر، وتقديره (وَلَئِنْ زَالَتَا)، فلا راد لهما ولا مستمسك.
وحكي ابن عطية هنا أن إن تعني لو، وهو على جهة التوهم والفرض، أي وليس فرضنا إلا العكس.
وقال ابن التلمساني: إنَّ إنْ تدخل على المحقق وعدمه، واستحالته وإن غالب دخولها على المشكوك، وقد تدخل على المحقق.
стр. 1227
قوله تعالى: (حَلِيمًا).
لا يعجل لعقوبة الكفار.
وقوله تعالى: (غَفُورًا).
للمؤمنين المخالفين في فروع الشريعة.
قوله تعالى: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ... (٤٢)﴾
أي من المحق في الأمم.
قال ابن رشد في كتاب الإيلاء [من "البيان" وفي "المقدمات"*]: إذا حلف أن لَا يطأ زوجته أكثر من ستة أشهر، فإنه مولي، وإن قال: وطئتها لأكثر من أربعة، فكل مملوك أملكه حر، فإنه إذا وطئها ينعقد عليه اليمين، ولا يكون موليا، قال: وهذا مثل ما لو قال: والله لَا آكل أحد هذين الرغيفين، فأكل أحدهما فإنه لَا يحنث، بل ينعقد عليه اليمين في الآخر، فإذا أكله حنث.
قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ ... (٤٣)﴾
نفى الوجدان مع أن الأبلغ نفي التبديل زوال الشيء من أصل، وتعويضه بخلافه، [والتحويل*] تغيير حاليه بزيادة أو نقص أو تخصيص مع بقاء ذاته الأصلية، فنفى أولا تبديل السُّنَّة من الأصل، وثانيا تغيرها فهو تأسيس.
قوله تعالى: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ ... (٤٤)﴾
ثم أقوى منهم، إشارة إلى الاشتراك في الفسق، كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (أوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).
قوله تعالى: (مِنْ شَيءٍ).
باق على عمومه بخلاف قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) استثنى منه الواجب والمستحيل، أما الواجب فاختلفوا هل يصدق على شيء أم لَا؟ وأما المستحيل.
فقال ابن التلمساني: لَا يصدق عليه لفظ شيء.
قوله تعالى: ﴿النَّاسَ ... (٤٥)﴾
يحتمل الإنس فقط أو الإنس والجن.
* * *
стр. 1228
سُورَةُ (يس)
في جامع العتيبية لَا ينبغي لأحد أن يتسمى بـ ياسين.
ابن رشد: الكراهة [مراعاةً*] للخلاف، لأنه قيل: من أسماء الله تعالى، وقيل: من أسماء القرآن، فعلى هذا لَا يجوز التسمية به.
[وقال*] ابن عباس: [معناه بالحبشية يا إنسان*].
وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح به الله تعالى به [كتابه*] فعلى هذا تجوز التسمية به.
قوله تعالى: (الْحَكِيمِ).
قيل: بمعنى المحكم، فيكون فيه دليل لمن يقول بعدم وجود النسخ فيه، وينبني على كون لفظ العرب اسم جنس أو لا، وهل يصدق على البعض أو الكل؟
قوله (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)
[دلالة المعجزة*] تثبت بالعقل، ولو ثبتت بالسمع للزم عليه إثبات السمع بالسمع.
قوله تعالى: (مُسْتَقِيم).
إما صالح حسن فهو صفة مدح، أو المراد به القرب؛ لأن المستقيم أقرب من المعوج، وهو طريق قريب من الجنة لَا بعيد.
قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ ... (٥)﴾
هو الذي لَا يمانع، فدلت الآية على أنهم [لَا تنفعهم*] [الشفاعة*] و (الرَّحِيمِ) في تخصيصه الرسالة بالنبي ﷺ رحمة به وبأمته.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ ... (٧)﴾
إنذارهم مع الإخبار بأنهم لَا يؤمنون، ليس يبيح التكليف به اعتبارا بها عن الأمر والإلزام أن تكون التكاليف كلها لَا تطاق ولا فائدة؛ لأن المكلفين قسمان:
فمن علم الله تعالى أنه لَا يؤمن، فلا فائدة من أمره بالإيمان إذ لَا يطيقه.
ومن علم أنه يؤمن فلا فائدة في إنذاره وأمره بالإيمان إذ لَا يطيق عدمه، وضمير (هم) عائد على الأكثر أو على المجموع من حيث هو مجموع على أن الضمائر كل لا كلية.
стр. 1229
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ... (٩)﴾
وفي آية أخرى (لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ)، فتلك أعم من هذه، إلا أن يجاب بأن هذه كقولهم: ضربت الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل، أو شبه هذا على ما هو المقصود، لأن الأمام والخلف هو محل المقابلة، والحركة بخلاف اليمين والشمال.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ ... (١١)﴾
أي الإنذار النافع.
فإن قلت: لم قدم السبب على سببه، لأن الخشية والخوف سبب في الطاعة والإتباع؟ فالجواب: أنه إشارة إلى تأكد الأمر بالخوف، وأن المكلف إذا أطاع واتبع لا يكتفي بطاعته ويركن إليها، بل لَا يزال خائفا خاشعا، وإن كان طائعا.
قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ... (١٤)﴾
فيه دليل على القول باعتبار الكثرة، وقد اختلفوا في عدد التواتر والمشهور، أنه غير محدود ولا محصور، قيل: حد بلوغ العلم، وقيل: أربعة، وقيل: أكثر من ذلك، فهذا دليل اعتبار الكثرة في العدد، قيل: ليس المراد هنا تعدد الأشخاص، بل تعدد الأدلة والبراهين، أجيب: بأن الأدلة [إذا*] تعددت [فمرجعها*] إلى شيء واحد.
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... (١٥)﴾
مذهب هؤلاء كمن يذكر عن البراهمة في نفيهم الرسالة، وعدلوا في نفيها عن التصريح إلى الكناية إلى نفي أبلغ، زعما منهم أن البشر لَا يكون رسولا ألبتَّة، وإلا فالبشرية في اعتقادهم [إنما هم*] سواء [فالرسالة*] من الله، لَا من رسول الله.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ ... (٢٠)﴾
وفي القصص (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ)،
وأجيب: بأن تلك على الأصل، وهذه تفيد أن مجيئه من أطرافها وأعاليها، إشارة إلى استغراب ذلك، وأنه المقصود لَا كونه رجلا.
وأجاب بعضهم: بأن تقديم (رجل) في تلك لئلا يظن النبي ﷺ ، لسماعه أول الخطاب، أن الذي جاء هو فرعون أو غيره من أعداء موسى عليه الصلاة السلام [فيحزن*] لذلك بخلاف [هذه*] لتقدم ذكر المرسلين فيها.
قال شيخنا: هذا كان مع شيخنا أبي عبد الله بن محمد بن سلامة.
стр. 1230
قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ... (٢١)﴾
ابن عطية: فيه دليل على تحريم الأخذ للأجرة على مثل هذا. انتهى، يرد بأن الآية اقتضت مدح تاركها لَا ذم آخذها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾
يراد بالعبادة إما الاعتقاد القلبي والإنابة، أو العمل والطاعة، فيكون فيه حجة للمعتزلة القائلين: بأن شكر المنعم واجب لاقتضاء الآية، أن الاختصاص بالخلق والإعادة موجب للعبادة بالفعل، إلا أن يجاب: بأن الآية إنما اقتضت تكميل العبادة، وأن موجب العبادة كان عنده مستفادا بالسمع من شرع الأمم السالفة قبله، وأتى هذا على سبيل التكميل لذلك، لَا أنه مستقل بالوجوب، واقتضت الآية الاستدلال بالوحدانية والمعاد؛ أما الوحدانية فأمر عقلي، وأما المعاد فنحن نقول بجوازه من جهة العقل، ووقوعه من جهة السمع، والذي بقاعدة التحسين والتقبيح هو عنده واقع عقلا، وفي الآية دليل له؛ لأنه جعل [الخلق*] كالدليل على الإعادة، لأنه رتبها عليه وأتى بها بعده، والوحدانية تقرر أن دلالة المعجزة لَا تتوقف.
قلنا: عند الأكثر، [يدل*] على مجرد وجود الصانع، فالوحدانية يصح استفادتها من السمع، قيل: لو أتت الآية على أسلوب واحد، وما لكم لَا تعبدون الذي فطركم، فلم عدل عن ذلك مع أن معلوم اتصافه بالعبادة، فلا تحتاج إلى أنه يخبر بها؛ أجيب: أنه إشارة بـ إلى أنه لم يأمرهم إلا بما فعله هو في خاصة نفسه، ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل أي [وما لكم لا تعبدون الذي فطركم*].
قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ ... (٢٣)﴾
فيه المبالغة في عجزهم من وجهين:
الأول: لفظ (الرَّحْمَنُ)، أي إذا عجزوا عن دفع الضر الواقع ممن هو في مقام الرحمة فأحرى،
الثاني: تنكير (ضُر) للتنكير.
قوله تعالى: (وَلَا يُنْقِذُونِ).
الإنقاذ أعم من إغناء الشفاعة؛ لأنه لَا يكون بالمحاربة وغيرها، فنفيه أخص فهو من عطف الأخص على الأعم.