← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ولكنه يلزم من عدم العلم بالدليل عدم العلم بالمدلول. قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ). فيه سؤالان: الأول: المستدل، يأتي أولا بما هو مستلزم لغيره، ثم يأتي بمستلزمه ولا يأتي باللازم قبل الملزوم، فيقول: إن كنت ذا مال فأعطه دينارا أو أعطه درهما، ولا يقول: إن ذا المال فأعط لزيد درهما أو دينارا؛ لأن العجز عن الدرهم يستلزم العجز عن الدينار، [وهو لَا يجوز*]، والعجز [الاستقلالي*] بالخلق، وما يلزم من ذلك عجزهم عن الخلق مع الشريك المعين لهم في ذلك. السؤال الثاني: أن المذهب على امتناع اجتماع مؤثرين على أثر واحد، حسبما ذكر الأصوليون في مسألة [الكسب*]، حيث قالوا: هو فعل فاعل معين، وقد قرروا في دلالة التمانع امتناع ذلك، فكيف يصح الرد عليهم بعجز آلهتم عن خلق السماوات مع الشريك، والجواب: أن الاستدلال قسمان: عقلي لَا يفهمه إلا الخواص، وآخر يفهمه العوام، فالعلماء منعوا اجتماع قدرتين على مقدور واحد، والعوام يتصورون اشتراك رجلين وثلاثة في فعل. قوله تعالى: (أَمْ آتَيْنَاهُم كِتَابًا). هذه إشارة إلى الدليل السمعي، والأول: إشارة إلى الدليل العقلي فهم يستندوا في عبادتهم الأصنام لَا إلى عقل ولا إلى سمع، ثم عقب ذلك بالدليل السمعي الدال على وحدانية الله تعالى، وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ). قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا ... (٤١)﴾ فيه سؤال، وهو أن الجزاء لَا يجوز كونه موافقا بشرط، لعدم الفائدة ولا مناقضا له، بل يكون مخالفا فلا يقال: إن قام زيد قام زيد، ولا إن قام زيد لم يقم زيد، وإنَّمَا يقول: إن قام زيد قام عمرو، والجواب: ليس يترتب على الشرط، والجواب: أنه ترتب على جواب مقدر، وتقديره (وَلَئِنْ زَالَتَا)، فلا راد لهما ولا مستمسك. وحكي ابن عطية هنا أن إن تعني لو، وهو على جهة التوهم والفرض، أي وليس فرضنا إلا العكس. وقال ابن التلمساني: إنَّ إنْ تدخل على المحقق وعدمه، واستحالته وإن غالب دخولها على المشكوك، وقد تدخل على المحقق.

стр. 1227

قوله تعالى: (حَلِيمًا). لا يعجل لعقوبة الكفار. وقوله تعالى: (غَفُورًا). للمؤمنين المخالفين في فروع الشريعة. قوله تعالى: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ... (٤٢)﴾ أي من المحق في الأمم. قال ابن رشد في كتاب الإيلاء [من "البيان" وفي "المقدمات"*]: إذا حلف أن لَا يطأ زوجته أكثر من ستة أشهر، فإنه مولي، وإن قال: وطئتها لأكثر من أربعة، فكل مملوك أملكه حر، فإنه إذا وطئها ينعقد عليه اليمين، ولا يكون موليا، قال: وهذا مثل ما لو قال: والله لَا آكل أحد هذين الرغيفين، فأكل أحدهما فإنه لَا يحنث، بل ينعقد عليه اليمين في الآخر، فإذا أكله حنث. قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ ... (٤٣)﴾ نفى الوجدان مع أن الأبلغ نفي التبديل زوال الشيء من أصل، وتعويضه بخلافه، [والتحويل*] تغيير حاليه بزيادة أو نقص أو تخصيص مع بقاء ذاته الأصلية، فنفى أولا تبديل السُّنَّة من الأصل، وثانيا تغيرها فهو تأسيس. قوله تعالى: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ ... (٤٤)﴾ ثم أقوى منهم، إشارة إلى الاشتراك في الفسق، كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (أوْ أَشَدُّ قَسْوَةً). قوله تعالى: (مِنْ شَيءٍ). باق على عمومه بخلاف قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) استثنى منه الواجب والمستحيل، أما الواجب فاختلفوا هل يصدق على شيء أم لَا؟ وأما المستحيل. فقال ابن التلمساني: لَا يصدق عليه لفظ شيء. قوله تعالى: ﴿النَّاسَ ... (٤٥)﴾ يحتمل الإنس فقط أو الإنس والجن. * * *

стр. 1228

سُورَةُ (يس) في جامع العتيبية لَا ينبغي لأحد أن يتسمى بـ ياسين. ابن رشد: الكراهة [مراعاةً*] للخلاف، لأنه قيل: من أسماء الله تعالى، وقيل: من أسماء القرآن، فعلى هذا لَا يجوز التسمية به. [وقال*] ابن عباس: [معناه بالحبشية يا إنسان*]. وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح به الله تعالى به [كتابه*] فعلى هذا تجوز التسمية به. قوله تعالى: (الْحَكِيمِ). قيل: بمعنى المحكم، فيكون فيه دليل لمن يقول بعدم وجود النسخ فيه، وينبني على كون لفظ العرب اسم جنس أو لا، وهل يصدق على البعض أو الكل؟ قوله (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) [دلالة المعجزة*] تثبت بالعقل، ولو ثبتت بالسمع للزم عليه إثبات السمع بالسمع. قوله تعالى: (مُسْتَقِيم). إما صالح حسن فهو صفة مدح، أو المراد به القرب؛ لأن المستقيم أقرب من المعوج، وهو طريق قريب من الجنة لَا بعيد. قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ ... (٥)﴾ هو الذي لَا يمانع، فدلت الآية على أنهم [لَا تنفعهم*] [الشفاعة*] و (الرَّحِيمِ) في تخصيصه الرسالة بالنبي ﷺ رحمة به وبأمته. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ ... (٧)﴾ إنذارهم مع الإخبار بأنهم لَا يؤمنون، ليس يبيح التكليف به اعتبارا بها عن الأمر والإلزام أن تكون التكاليف كلها لَا تطاق ولا فائدة؛ لأن المكلفين قسمان: فمن علم الله تعالى أنه لَا يؤمن، فلا فائدة من أمره بالإيمان إذ لَا يطيقه. ومن علم أنه يؤمن فلا فائدة في إنذاره وأمره بالإيمان إذ لَا يطيق عدمه، وضمير (هم) عائد على الأكثر أو على المجموع من حيث هو مجموع على أن الضمائر كل لا كلية.

стр. 1229

قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ... (٩)﴾ وفي آية أخرى (لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ)، فتلك أعم من هذه، إلا أن يجاب بأن هذه كقولهم: ضربت الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل، أو شبه هذا على ما هو المقصود، لأن الأمام والخلف هو محل المقابلة، والحركة بخلاف اليمين والشمال. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ ... (١١)﴾ أي الإنذار النافع. فإن قلت: لم قدم السبب على سببه، لأن الخشية والخوف سبب في الطاعة والإتباع؟ فالجواب: أنه إشارة إلى تأكد الأمر بالخوف، وأن المكلف إذا أطاع واتبع لا يكتفي بطاعته ويركن إليها، بل لَا يزال خائفا خاشعا، وإن كان طائعا. قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ... (١٤)﴾ فيه دليل على القول باعتبار الكثرة، وقد اختلفوا في عدد التواتر والمشهور، أنه غير محدود ولا محصور، قيل: حد بلوغ العلم، وقيل: أربعة، وقيل: أكثر من ذلك، فهذا دليل اعتبار الكثرة في العدد، قيل: ليس المراد هنا تعدد الأشخاص، بل تعدد الأدلة والبراهين، أجيب: بأن الأدلة [إذا*] تعددت [فمرجعها*] إلى شيء واحد. قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... (١٥)﴾ مذهب هؤلاء كمن يذكر عن البراهمة في نفيهم الرسالة، وعدلوا في نفيها عن التصريح إلى الكناية إلى نفي أبلغ، زعما منهم أن البشر لَا يكون رسولا ألبتَّة، وإلا فالبشرية في اعتقادهم [إنما هم*] سواء [فالرسالة*] من الله، لَا من رسول الله. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ ... (٢٠)﴾ وفي القصص (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ)، وأجيب: بأن تلك على الأصل، وهذه تفيد أن مجيئه من أطرافها وأعاليها، إشارة إلى استغراب ذلك، وأنه المقصود لَا كونه رجلا. وأجاب بعضهم: بأن تقديم (رجل) في تلك لئلا يظن النبي ﷺ ، لسماعه أول الخطاب، أن الذي جاء هو فرعون أو غيره من أعداء موسى عليه الصلاة السلام [فيحزن*] لذلك بخلاف [هذه*] لتقدم ذكر المرسلين فيها. قال شيخنا: هذا كان مع شيخنا أبي عبد الله بن محمد بن سلامة.

стр. 1230

قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ... (٢١)﴾ ابن عطية: فيه دليل على تحريم الأخذ للأجرة على مثل هذا. انتهى، يرد بأن الآية اقتضت مدح تاركها لَا ذم آخذها. قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ يراد بالعبادة إما الاعتقاد القلبي والإنابة، أو العمل والطاعة، فيكون فيه حجة للمعتزلة القائلين: بأن شكر المنعم واجب لاقتضاء الآية، أن الاختصاص بالخلق والإعادة موجب للعبادة بالفعل، إلا أن يجاب: بأن الآية إنما اقتضت تكميل العبادة، وأن موجب العبادة كان عنده مستفادا بالسمع من شرع الأمم السالفة قبله، وأتى هذا على سبيل التكميل لذلك، لَا أنه مستقل بالوجوب، واقتضت الآية الاستدلال بالوحدانية والمعاد؛ أما الوحدانية فأمر عقلي، وأما المعاد فنحن نقول بجوازه من جهة العقل، ووقوعه من جهة السمع، والذي بقاعدة التحسين والتقبيح هو عنده واقع عقلا، وفي الآية دليل له؛ لأنه جعل [الخلق*] كالدليل على الإعادة، لأنه رتبها عليه وأتى بها بعده، والوحدانية تقرر أن دلالة المعجزة لَا تتوقف. قلنا: عند الأكثر، [يدل*] على مجرد وجود الصانع، فالوحدانية يصح استفادتها من السمع، قيل: لو أتت الآية على أسلوب واحد، وما لكم لَا تعبدون الذي فطركم، فلم عدل عن ذلك مع أن معلوم اتصافه بالعبادة، فلا تحتاج إلى أنه يخبر بها؛ أجيب: أنه إشارة بـ إلى أنه لم يأمرهم إلا بما فعله هو في خاصة نفسه، ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل أي [وما لكم لا تعبدون الذي فطركم*]. قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ ... (٢٣)﴾ فيه المبالغة في عجزهم من وجهين: الأول: لفظ (الرَّحْمَنُ)، أي إذا عجزوا عن دفع الضر الواقع ممن هو في مقام الرحمة فأحرى، الثاني: تنكير (ضُر) للتنكير. قوله تعالى: (وَلَا يُنْقِذُونِ). الإنقاذ أعم من إغناء الشفاعة؛ لأنه لَا يكون بالمحاربة وغيرها، فنفيه أخص فهو من عطف الأخص على الأعم.

стр. 1231

فإن قلت: هو من تحصيل الحاصل، لأن مراد الله لَا بد منه، فالجواب: ليس أراد بهذه الإرادة التخصيص بالمعنى إن وقع في الضرر، ولا شك أن ما أوقعه الله تعالى بالعبد يمكن رفعه. قوله تعالى: ﴿بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ ولم يقل: بربي أي حالنا في عبوديته مستو، وكان حقكم الإيمان به. قوله تعالى: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ ... (٢٦)﴾ صيغة افعل هنا للإكرام. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ إشارة إلى رفع الدرجات أخص من قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). قوله ﵎ (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ ... (٢٨) أورد الفخر سؤالين: الأول: لم قال من السماء مع أن الإنزال كله معلوم أنه من السماء؟ إذ لَا يكون إلا من فوق إلى أسفل؟ وأجيب بوجهين: الأول: أنه قصد التعظيم والتشريف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بذكر لفظ السماء التي هي من أشرف المخلوقات وأعظمها. الثاني: أن المراد السماء المعهودة، والإنزال إنما يتناول ما كان فوق إلى أسفل بالإطلاق. السؤال الثاني: ذكر الفاعل هنا. وقال: قبل (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ)، فحذف الفاعل، وجوابه: أن تلك في حبيب النجار، وهذه في حبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ابن عطية: عن ابن مسعود: [أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك*] انتهى، يوم أن غيرهم احتيج إلى ذلك فيه وهو باطل، ومذهبنا أن قدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض كقدرته على خلق الذرة، وليس بينهما تفاوت أصلا، فلذا كان كلام الزمخشري هنا أحسن.

стр. 1232

وأورد الزمخشري هنا سؤالا هو: ما الفائدة في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)؟ مع أنه أغنى عنه قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ)، وأجاب: بأن معناه ما كان يصح في حكمنا أن ننزل إهلاك قوم حبيب بجند من السماء بناء على ما تقتضيه الحكمة وأوجبته المصلحة، وهو بناء على مذهبه الفاسد، وهل هو راجع إلى قاعدة التحسين والتقبيح أو لقاعدة تعليل أفعال الله تعالى؟ وهو الظاهر؛ لأن الأولى إنما يكون غالبا في الأمور الشرعية، وهذا أمر فعلي فهم يقولون: إنه يفعل للغرض، ونحن نقول: يفعل بما يشاء، ويحكم ما يريد لَا لأغراض؛ لأن ذلك إنما يكون من العاجز؛ فيفعل الأسباب الموجبة للغرض. ولم يذكر الطيبي هنا شيئا فيبطل الجواب على مذهبنا، ويبقى السؤال واردا، فيجاب عنه بوجهين: الأول: أن النفي في قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا)، دخل على أخص مقيد، بقوله تعالى: (مِنَ السَّمَاء)، وهو أعم وفي (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)، دخل على الأعم فهو أخص. الثاني: أن الثاني أفاد نفي القابلية، وهي راجعة إلى الأسباب والأحوال التي اتصف بها غيره. ابن عطية: (ما) يحتمل كونها نافية أو موصولة. فرده أبو حيان: بأنه ليس مذهب البصريين؛ لأن مذهبهم أن (مِنْ) الزائدة لَا تدخل على الموصول، انتهى، إنما يتعقبه بمثل هذا على من لم يعرف إلا بمذهب الكوفيين، وترك مذهب البصريين، وابن عطية إنما قال: يحتمل كذا أو يحتمل كذا. وقد قال الفارسي في (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) يجوز كون (مِنْ) و (مِنْ) الأخرى زائدتين، فتجوز الزيادة في الإيجاب. وقال ابن جني في (لَمَا آتَيتُكُم مِن كتَابٍ)، على تشديد [(لَمَّا) *]: (مِنْ) زائدة. وقال ابن مالك في من الداخلة على قبل وبعد: أنها زائدة؛ لأن كونها لابتداء الغاية على ما ذهب إليه الجمهور يلزم منه دخولها على الزمان، فتأولوا قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ)، أي من تأسيس أول يوم.

стр. 1233

ورده السهيلي بأنه قيل: هكذا لما احتيج إلى تقدير الزمان، وأجيب: عن دخول (مِنْ) على قبل وبعد، بأنهما غير متأصلين في الظرفية، وأنهما في الأصل صفتان للزمان، إذ معنى حيث قبلك جئت زمانا قبل زمن مجيئك، فلهذا سهل ذلك. وأيضا قلنا: أن تجعل (مِنْ) للتبعيض لَا زائدة، كما زعم، وهو أولى (مِنْ) قول المختصر: إنها نكرة موصوفة؛ لأنه إذا انتفى إنزال بعض الجند انتفى إنزال الجند من باب أحرى؛ لأن إنزال الجميع يستلزم إنزال البعض، ونفي إنزال البعض يستلزم نفي إنزال الجميع، ويحتمل أن تكون الواو في (وَمَا كُنَّا)، واو القسم، وهو راجع لما يجد قبله، أو لما بعده، ويكون الله أقسم بما كان منزلا على عدم إنزاله على قومه جندا من السماء، أو المعنى: وحق ما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة. ابن هشام: جوز الزمخشري في (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ)، الآية .. [كَون*] المعنى: ومن الذي كنا منزلين، فجوز زيادتها مع المعرفة، وتوالي مثل هذه الضمائر، نص صاحب المثل السائر: على أنه مستقبح في كلامهم، وأنشد عليه شيوخ لها منها عليها [شواهد*]، نص أبو الإصبع على أنه متضمن. الزمخشري: وفضل سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، [بكل شيء على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار*] (١). قال الطيبي: يقع في بعض النسخ (على)، ويقع في أخرى فضلا (عن) حبيب، قال: [فعن*] تقتضي [السلب*]، وأن الثاني ليس له فضل، و (على) تقتضي ثبوت الفضلية للثاني، انتهى، وفي المعالم لو كان احتمال الاشتراك متساويا لاحتمال الانفراد لنا، أفادت الدلائل السمعية الظن فضلا عن اليقين. قال شيخنا: ورأيت تأليفا للقرافي ذكر فيه أنه بحث، وما وجد من يعربها، ويقول: فما رأيت الشيوخ يقولون: إنها مصدر موضع الحال، بمعنى مفعول، مثل: قتلته صبرا، أي مصبورا، وكذلك قوله في المعالم: فضلا عن اليقين وإلا فلا يصح أن يقال فضلت اليقين فضلا، لما يلزم عليه من كون الظن أفضل من اليقين. قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ... (٢٩)﴾ قرئ بنصب (صَيحَة) ورفعها. ابن عطية: لَا يصح ذلك إلا على إن كانت تامة، انتهى.

стр. 1234

قال شيخنا: هذا لَا يفيده جوابا وترجيحا، وحقه أن يبطله بقولهم: إن الفعل تابع للفاعل في تذكيره وتأنيثه ما لم يفصل بينما بـ إلا، فحينئذ لَا يجوز التأنيث إلا في شاذ كقوله: وما بقيت إلا الضلوع [الجراشع*] قال وكنت رأيت نقدا على المعري لابن الصائغ، لما ذكر فيه قول ابن عصفور في الفاعل: إذا فصل بينه وبين الفعل فليس إلا التذكير، قال: ولم تكن جوابا عن سؤال، كقولك لمن قال: من قام من النساء؟ فتقول: ما قامت إلا هند، قال شيخنا: ويحسن أن يجاب هنا بذلك، فيقال: إن الآية جواب عن سؤال مقدر، فكأنَّ قائلا يقول: فكيف كانت أخذتهم؟ فقيل له: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيحَة)، أي إن كانت الأخذة إلا صيحة واحدة. قيل لابن عصفور: [إنه*] ينازع في ذلك ولا يسلمه، فقال: كلام الزمخشري هنا يقتضيه بدليل قوله؛ لأن المعنى مما وقع من (إِلَّا صَيحَةً) فقدر الفاعل مذكرا فإذا تقدم عليه السؤال مؤنثا كان يعتبر مؤنثا. قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً ... (٣٠)﴾ ابن عطية: فسر بعضهم قراءة التنوين بأن الحسرة من العباد أنفسهم وهو بعيد، انتهى، وجه بعده أن التنوين ظاهره أن الحسرة منكرة ليست منهم، بل من غيرهم يتحسر عليهم، ولو كانت منهم لأتى بها مضافة دون تنوين، وأتى لفظ العباد هنا على خلاف الأصل؛ لأن غالب استعماله في الطائعين، وجاء هنا في الفاسقين، لكنه غير مضاف، ولا يقال في الفاسقين عباد الله. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ... (٣١)﴾ هذه الآية وعظ وتخويف وأمر نظري استدلالي. الزمخشري: (أَلَمْ يَرَوْا)، ألم يعلموا أو هو معلق، لأن كم لَا يعمل فيها عامل قبلها، كَانَتْ لِلِاسْتِفْهَامِ أَوْ لِلْخَبَرِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا الِاسْتِفْهَامُ. ورد أبو حيان الأول بأنه قد يدخل حرف الجر، فتقول [كَمْ عَلَى: كَمْ جِذْعٍ بَيْتُكَ*] وبكم درهم اشتريت ثوبك، انتهى، هذا لَا يليق به؛ لأن حرف الجر ليس بعامل، ألا تراهم يقولون: ما العامل في هذا المجرور وبماذا يتعلق؟ وبدليل صحة دخول حرف الجر على ما الاستفهامية، يحذف منها الألف، وما ذاك إلا لأنه ليس بعارض حقيقة.

стр. 1235

ورد أبو حيان الثاني: بأنها لَيْسَ أَصْلُهَا [الِاسْتِفْهَامَ*]، ولا يحمل عليها بوجه، وأجاب: بأنه إن كان أراد الزمخشري جعلها مأخوذة منها [إلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك: ألم يروا إن زيدا لمنطلق، وإن لم يعمل في لفظه*] فهو لا يقوله الزمخشري بوجه، وإن أراد أنها محمولة عليها فهذا صحيح. قال شيخنا: وقد كان بعض النَّاس يلغي على كتاب سيبويه من ناحية أنه جمع بين النحو والأصول؛ لأنه نص فيه على قياس الشبه، إذ جعل كم الخبرية محمولة على كم الاستفهامية، وهذا هو قياس الشبه. وذكر أبو حيان في إعراب الآية ستة أوجه، فنقل عن الزمخشري أنه قال: (أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)، بدل من كم على المعنى لَا على اللفظ، أي أولم [يروا*] كثرة إهلاكنا القرون كونهم أنهم غير راجعين. ورده أبو حيان وقال: لَا يصح أن يكون بدلا على اللفظ ولا على المعنى، أما على اللفظ فلأنه زعم أن يروا [مُعَلَّقَةٌ*]، فَيَكُونُ كَمِ اسْتِفْهَامًا، وَهُوَ مَعْمُولٌ لَأَهْلَكْنَا، وَأَهْلَكْنَا لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ، [وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى، فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا، لِأَنَّهُ قَالَ تَقْدِيرُهُ، أَيْ عَلَى الْمَعْنَى: أَلَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إِهْلَاكِنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَوْنَهُمْ غَيْرَ رَاجِعِينَ إِلَيْهِمْ؟ فَكَوْنُهُمْ غَيْرَ كَذَا لَيْسَ كَثْرَةَ الْإِهْلَاكِ، فَلَا يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كل، وَلَا بَعْضًا مِنَ الْإِهْلَاكِ، وَلَا يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَلَا يَكُونُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ، لِأَنَّ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِلَى مَا أُبْدِلَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ هُنَا. لَا تَقُولُ: أَلَمْ يَرَوُا انْتِفَاءَ رُجُوعِ كَثْرَةِ إِهْلَاكِنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ*]، انتهى كلامه، وهو قصور. وقد ذكر سيبويه في باب ما يكون فيه أن بدلا من شيء غير الأول متصلا بقوله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ)، وبقوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ). قال ابن خروف في شرحه: يريد أنه بدل من المعنى، كقولك: عرفت زيد أبو من هو، أي عرفت كنية زيد أبو من هو، وكذلك هذا بدل من المعنى، انتهى، ومعنى ما قال الزمخشري؛ لأن عدم الرجوع هو بمعنى الإهلاك والكون، فيصدق على الكثرة وعدمها، وهو لَا ينافي الكثرة فيصح [لأنه بدل شيء من شيء*]، وبدليل قول الزمخشري في الوجه الذي بعده، والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال، ويظهر من كلامه أن تمثيله بـ ألم يروا كثرة إهلاكنا [بدل معنى لَا بدل إعراب*]، وليس مراده البدل على هذا المعنى. قيل: بدل الاشتمال يشترك على تفسير الإعراب، [وهو أَلَمْ يَرَوُا كَثْرَةَ إِهْلَاكِنَا*]، وهذا يصح إضافته إذ يصح أن تقول: ألم يروا انتفاء رجوع كثير أهلكنا على أن شرط

стр. 1236

الإضافة في بدل الاشتمال فيه نظر، [**هل هو نظر وفي جميع بدل الاشتمال، أو إنما هو إضافي]. قال شيخنا أبو العباس ابن القصار: ولا أعلم أحد اشترط ذلك من النحويين. قال ابن هشام: كم على وجهين: خبرية بمعنى كثير، واستفهامية بمعنى [أي عدد*]، ويشتركان فِي خَمْسَة أُمُور الاسمية والإبهام والافتقار إِلَى التَّمْيِيز وَالْبناء وَلُزُوم التصدير، وأما قول بعضهم في (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)، أبدلت (أن) وصلتها من (كم)، فمردود بأن عامل البدل هو عامل المبدل منه، [فإن*] قدر عامل المبدل منه (يرَوا)، فكم لها الصَّدْر، ولا يعمل فيها ما قبلها، وإن قدر أهلكنا، فلا تسلط له في المعنى على [الْبَدَل*]، [وَالصَّوَاب*]: أن كم مفعول لأهلكنا، والجملة إما معمولة ليروا، على الله [أنه*] علق عن العمل في اللفظ، وأن وصلتها مفعول لأجله، وإما معترضة بين (يروا) وما سد مسد مفعوليه، وهو أن وصلتها. انتهى، وهو أيضا [قصور*]. وحمل ابن عطية أنهم بدلا من كم، وهي خبرية، والرؤية بصرية. ورده أبو حيان بأن كم مفعول لأهلكنا، ولا يصح غيره، والبدل على نية تكرار القائل ولو سلط أهلكنا على أنهم لم يصح كلامه. فإن قلت: يتخرج قول ابن عطية على أن كم معمولة ليروا، وليس لها صدر الكلام وهي لغة قليلة، حكاها الأخفش، فيكون أهلكنا صفة لكم، وحذف العائد جائز في الصفة كما هو جائز في الصلة، وإن كان في الصلة أكثر. قلت: قال ابن هشام المصري: قول ابن عصفور: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا) أن (كَمْ) فاعل مَرْدُود [بِأَن كم لَهَا الصَّدْر]، وقوله: إن ذلك جاء على لغة رديئة حكاها الأخفش عن بعضهم أنه يقول: ملكت كم عبيد [فيخرجها عَن الصدرية*]، وهو خطأ عظيم [إِذْ خرج كَلَام الله سُبْحَانَهُ على هَذِه اللُّغَة*]، وإنما الفاعل على ضمير [اسم*] الله سبحانه، أو ضمير العلم أو الهدى المدلول عليه بالفعل، أَو جملَة (أهلكنا) *]، على القول بأن الفاعل يكون جملة إما مطلقا، أو [بشرط*] كونها مقترنة بما يعلق عن العمل [وَالْفِعْل قلبِي*]، نحو: [ظهر لي أَقَامَ زيد*]، [وجوز*] أبو البقاء كونه [ضمير الإهلاك*]، المفهوم من الجملة، وليس هذا من المواضع التي يعود فيها الضمير على [الْمُتَأَخر*]. انتهى.

стр. 1237

وذكر أبو حيان عن الفراء: أنه أعمل يروا في الجملتين دون إبدال، قال: [وَقَوْلُهُمْ فِي الْجُمْلَتَيْنِ تَجُوزُ، لِأَنَّ أَنَّهُمْ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ هَذَا الْعَمَلِ.*]، ونقول: إنها جملة في تقدير المفرد، وأما كيفية العمل فبأن يكون كم مفعولا أولا ليروا، إذ أهلكنا صفة حذف منها العائد كما تقدم، وأنهم مفعول ثاني، [**والأذية] على هذا عليه أو يكون (يروا) مطلقا عن العمل [و*] (كم) في موضع المفعول الأول، وأنهم في موضع المفعول الثاني، وهذا إن لم يكن فيه نص، [والعبارة تقتضيه*]. الزمخشري، وفي قراءة [ابن مسعود*] (ألم يروا من أهلكنا)، قال: وهذا مما يردُّ قول أهل الرجعة. قال الطيبي: هم القائلون بالتقبيح انتهى. قال شيخنا: خرج البخاري في أول كتابه عن [**الجعفي] وانتقدوا عليه التخريج عنه؛ لأنه فيمن يقول بالرجعة، واختلفوا حينئذ ما معنى القول بالرجعة، قال: ولغيرهم عندي التصالح، وأما هو كقول بعض الخوارج أن عليا ﵁ لم يمت، بل رفع إلى السماء، وهو في السحاب لم يزل حيا. وقد ذكره ابن السيد في أسئلته في المسألة الثامنة والستين في قول علي ﵁ حين قتل عثمان: [**ألا فإن الله قتله وأنا معه، فذكر ابن السيد أن للناس فيه تأويلات، فقيل: معناه سيقتلني ثقة، وقيل: معناه وأنا] [ ... ]، وقال: وتأوله [**الجذورية] بما قدره الله علينا، وذكر بعضهم، واعترض تفسير سيقتلني ثقة، وأنكره ذلك في علي ﵁، انتهى، [ومعنى التناسخ*] عند قائليه هو أن الإنسان يموت وترجع روحه في ذات أخرى، فإذا ماتت تلك الذات أجلت أيضا لذات أخرى، لكن لفظ الإهلاك هنا ما يقتضي أن استدل به الزمخشري إلا بقول بالتناسخ لَا للقول الذي ذكرناه. وانظر استدلال الزمخشري بقول ابن عباس: بئس القوم نحن إذا أنكحنا نساءه، واقتسمنا ميراثه، فهذا لما يقضي إلا على أنه حي. وقال الفخر: ويحتمل أن يكون الضمير في أنهم يعود على الأحياء، وفي الخبر يعود على القرون الماضية، انتهى، هو يرد بأنهم منسوبون إلى الأموات. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ هذا كالاحتراس؛ لأنه لما نفى عنهم الرجوع، قد يتوهم عدم حشرهم [ ... ]

стр. 1238

وأورد الزمخشري سؤالا قال: كيف أخبر عن (كل) بـ (جميع) [ومعناهما واحد*] مع أن الفارسي نص على أنه لَا يجوز أن [**الذاهبة قاربته صاحبها]، واستشكلوا قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثنَتَينِ)، لأنه يعبر عن ضمير الاثنين بالاثنين، فلا فائدة فيه، وأنشد بعض النَّاس على الفارسي، وقال: إن الجارية مضافة، والإضافة بكونها وفي ثلاثة، فلا تدل إضافة الجارية إليه على أنها ملكه، بل قد تكون جارية، فإما جاء باعتبار الجواز فقط، ثم قال صاحبها: فأفاد أنها ملكه. وأجاب الزمخشري عن السؤال: بأن لَا يقتضي الجمع بخلاف الجميع، وهذا قد نص عليه ابن عصفور لما ذكر أن كلا لَا يؤكد بها إلا ما [تبعض في نفسه*] إذ يقابله، قال: ولا يؤكد بها ما يستقل بمعنى الكلام بالدلالة عليه، فلا يقال: تقابل الزيدان كلاهما، إذ المفاعلة لَا تكون إلا بين اثنين، قال: بخلاف أجمع فإنها يؤكدها ذلك. ونقل في الشرح الكبير عن أبي الحسن الأخفش، أنه أجاز أن يقال: تقاتل زيدان كلاهما فناسبا على التأكيد بالجمع بعد التأكيد. فإن قلت: قد [فرق*] ابن عصفور بين أجمع وجميع، فأجمع لَا تقتضي الجمعية، وجميع تقتضيها، أجيب: بأن ذلك إنما هو في حالة النصب، جاء الزيدان جميعا أي مجتمعين، وأما في الرفع قد فرق بين: جاء الزيدان أجمعون، أو الجميع يصح أن ما قال الزمخشري باطل، وأن جميعا لَا تفيد الجمعية، إلا إذا انتصبت على الحال، فيبق السؤال واردا. لكن أجاب الفخر عنه بجواب حسن، وهو إذا كان في الخبر زيادة صفة أو إضافة أو تقييد فصح أن يؤتى بلفظ المبتدأ أو معناه كقولك: [الرَّجُلُ رَجُلٌ عَالِمٌ*]. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ عرفها، ونكر الحب والنخيل والأعناب؛ لأن هذه يتجدد شيئا بعد شيء فتكون للتكثير، و (الْعُيُونِ) لما كانت تجري دائما صارت كالشيء الواحد وأخر (الْعُيُونِ) مع أنها سبب في الجنات وأصل لها؛ لأنها علة [غائية*] لَا مقصودة بالذات، بل المقصود بها الجنات، وضمير ثمرة النخيل؛ لأنه اسم جمع مذكر بخلاف (الْعُيُونِ) فإنها مؤنثة أولا، لأن النخيل المراد به الشجر والأعناب إنما المقصود ثمرها فقط، فلا يصح

стр. 1239

عود الضمير على الثمر، فيقال: ليأكلوا من فم الثمر، وأول الآية وعظ وتخويف لعموم النَّاس عوامهم وخواصهم، وهذه تذكير ونظر واستدلال لخواصهم، وأنشد أبو حيان هنا بيتا، وإنما ذكره سيبويه فى باب الضرائر. قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي ... (٣٦)﴾ اعتراض، لأنه تقدم عنها آية بذكر قدرة الله تعالى، وتأخرت عنها آية أخرى، فأتت هذه إنباء بأن فاعل ذلك مستحق للتنزيه. وقال الفخر: وجه المناسبة أنه تقدمها (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِم أَفَلا يَشكُرُونَ)، فحقهم الشكر على هذه النعم، فتركوه وزادوا في الضلال، بأن عبدوا غير الله تعالى، فأتى هذا على معنى التنزيه لله تعالى عما فعلوه، وليس في الآية تعرض لعبادتهم غير الله، بل [**وعزا] (١) فيها على عدم الشكر، ومن يشكر على قسمين: تارة يعبد الله ، وتارة يعبد غيره. قال الفخر: واستدل بها من يقول: إن الأعمال ليست من الأرواح ولا من الأنفس، والآية اقتضت حصر المخلوقات [في*] هذين، وأجاب الفخر بالفرق بين قولك: خذ كل المال من العبيد والخدم والعروض، فهو عام مفسر بعض أفراد، وذكرها يكفي عن ذكر الباقي، انتهى، إنما ذلك فيما علم دخوله أو خروجه باتفاق، وأما المختلف فيه والمشكوك فيه، فلا بد فيه من التنصيص على دخوله أو خروجه، والأعمال مختلف فيها، فلو أريد دخولها لنص عليها، ومِن في [(مما تنبت) *]، إما للتبعيض أو لبيان الجنس. قوله تعالى. (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) ليست قضية حقيقية؛ لأنه تقدم ذكر النفوس وأزواجها، هي مجهولة لَا تعلم حقيقتها، ولا قضية خارجية؛ لأن بعض المتقدم ذكره موجود في الخارج، ونحن نتصوره ولا نعلمه إذ لم [نره*]، فلم يبق إلا أن تكون بين الحقيقة وهي أخص الوصف، والخارجية الذهنية، وهي أعم الوصف فيكون بينهما، فالمراد به ما هو معلوم الوجود، ولم [نره*] كما نعلم وجود أشياء في الجنة، ولم نرها، بل رأينا نظير تلك الأشياء في الدنيا لكن لَا يتم هذا على قاعدة الزمخشري؛ لأنه يقول: إن الجنة غير مخلوقة الآن. قوله تعالى: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ... (٣٧)﴾ قيل: (النَّهَارَ) زمان [مستقل*] بنفسه، وكذا (اللَّيْلُ)، فليس انسلاخ أحدهما من الآخر أولى من عكسه، أجيب: بأن مذهب أهل السنة أن الضوء ليس من طبيعة الشمس ولا من لوازمها ذهنا، وإمَّا هو أمر عادي خلقها الله تعالى عندها لَا بها. هذا

стр. 1240

مذهب أهل السنة، وإذا كان كذلك ففي الجائز أن تكون الشمس في الأرض، ويبقى ضوئها عاما في الأفق والليل على سطح الأرض، ونحن نرى الضوء بالبعد في الأفق، وكون ذلك لم يقع كذلك هو انسلاخ النهار من الليل؛ لأنه قد كان الليل وسطا وضوء النهار دائر بأفق ذلك الموضع الذي فيه الليل، وقد ذكروا في كتب العينية أن الليل يحدث من ظل الأرض حين كون قرص الشمس تحتها، وأنه شكل مستدير ضوء يرى مخروط ينتهي رأسه إلى فلك عطارد وبه يكون الكسوف، وانظر هل في الآية دليل على أن لَا واسطة بين الليل والنهار؛ خلافا لمن أثبت الفضلة؟ وانظر ما تقدم في سورة آل عمران في قوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ). قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ... (٣٨)﴾ ذكر المفسرون في مستقرها أقوالا، الظاهر منها قولان: أحدهما: أن مستقرها، يوم القيامة، والثاني: زوالها، حكاه ابن عطية؛ لأن الغاية تكون تابعة لها مخالفا لما قبلها، ويوم القيامة تتقدم فلا يكون لها جري، وكذلك حين الزوال، وأما القول بالطلوع والغروب فلا يستقيم؛ لأنها لَا تقدم ولا تزال تجري. وقال بعضهم: معناه أن الموضع الذي تطلع منه إذا أكملت الدورة [جارية*] فذلك هو مستقرها، والدورة عندها أربع وعشرون ساعة، فإذا استكملت بين اليوم والليلة أربعا وعشرين ساعة وصلت إلى مستقرها وهو كإنهاء الدورة، وابتدأت دورة أخرى، وانظر كيف يفهم حديث أَبِي ذَرٍّ في الشمس: "حتى يؤذن لها فتسجد تحت العرش مع قواعد المسبحين"، فيحتمل أن تكون الشمس في دورتها بعرض أنها تسلمت جزءا معلوما من الشمس فتسجد حينئذ، أو تقول: إن وافق المدينة لَا إن نشأت دائرته جزءا من العرش، فعندما تقرن الشمس، وتسلمت ذلك الجزء من العرش الصامت لجميع دائرة الأفق فتسجد ولا تزال متناسبة في الفصول؛ لأن الشمس لَا تخرج عن دائرة الأفق، ألا تراه أراد أيما منطقة ذلك البرج، فإن قيل في الجواب: أنها أبدا فيها جزء [ساجد*] كما هي ابتداء طالعة على قوم، وغاربة على آخرين؛ رد بأنه ينافي الحديث؛ لأن ظاهره أنها قيل: لم تكن ساجدة، وانظر كيف يفهم طلوعها من [مغربها بانقلاب*] الفلك بها، فتطلع هي والقمر والنجوم من المغرب؟ وكيف يفهم مع أنها إذا طلعت على قوم تغرب على آخرين، فإذا طلعت من مغربها في قطر تكون في قطر آخر طالعة من مشرقها، فإن أخذنا الحديث على [عمومه*] كان تصادما بعلم الغيب، وقواعد المنجمين، إلا أن نجعله خاصا بقوم، وكيف تطلع الشمس من مغربها في الجزء أو

стр. 1241

الخالدات حيث يكون ستة أشهر، والليل ستة أشهر، فيحتمل أن يكون ذلك في قومين ففي قوم تطلع على قطرين آخرين، وفي غيره تطلع على أهل القطر الآخر من المغرب، وأجيب في الأول: بأن حركة الشمس يسترها في الفلك من المغرب إلى المشرق، وحركة الفلك بعكسها من المشرق إلى المغرب، وهي تقطعه في سنة، فيمكن أن تسرع هي إذ ذاك في سيرتها حتى تسبق حركة الفلك وتضعف حركة الفلك، حتى تكون أقل من حركتها، فعند ذلك تطلع من المغرب، وهذا ما ورد في بعض الآثار، أن تلك الليلة طويلة بعد، أو نقل أبو عمرو وعثمان الصقلي عن ابن العربي الطائي: أن المراد به طلوع شمس الحياة من مغرب الأبدان، قلت: هذا لَا ينبغي اعتقاده. وسئل الفقيه المفتي أبو عبد الله ابن السكري، كيف يتقرر الصيام بالنسبة إلى أهل الجزائر والخالدات الذين ليلهم ستة أشهر ونهارهم ستة أشهر، فقال: لعلهم لم تبلغهم الدعوة. قال بعضهم: على الصواب أن يقال: أن الشمس لاقت جزءا من الفلك الذي هو ثلاثمائة وستون درجة، فإذا عادت إلى محاذاة ذلك الجزء فهي الدورة وبها يحسبون الليل والنهار، وكذلك لو كان زمانهم كله ليلا أو كله نهارا، واعلم أن الشمس بها [ ... ]. يسمى الفلك الحامل، وذلك آخر يحرك الفلك الحامل من المشرق إلى المغرب يسمى الفلك المدور، وآخر تحركه من الشمال إلى الجنوب يسمى الفلك المائل، وبه فرق الميل الكلي، وهو نقص عند أول الأزمان وهو رصد الشيخ عبد الخالق في عام أحد وسبعين وسبعمائة كحاجب ثلاث وعشرون درجة واثنان وعشرون دقيقة، وفلك آخر خارج عنها حامل لتلك الأفلاك أعلاه يسمى الأوج، وهو الذي به أوج الشمس، وأسفله يسمى الحضيض، وكل كوكب لَا بد له من أربعة أفلاك حامل ومدور ومائل وفلك الأوج، ولذلك وضع أهل العدالة يسمى ذات الخلق، واعلم أنه إذا كان بلد عرضه ستة وستون درجة؛ فالميل فيه أربعة وعشرون، فإذا كان الميل جنوبا؛ فوقت الزوال عند طلوع الشمس وبنفس طلوعها تغرب، وإن كان شماليا؛ كان ارتفاع الزوال خمسين، أو نحوه، فكان النهار طويلا جدا، وإذا تماثل عرض البلدين، واختلف طولهما فأكثرهما طولا تغرب والآخر، وإن اختلف الجمع، فإن كان أحدهما أقل عرضا وأكثر طولا فهو جنوب كمكة، وتونس، وإن كان أكثر عرضا وأقل طولا فهو شمالا.

стр. 1242

قال [ ... ] في زيجه: انظر حيث تكون مكة في سمت الأرجل ما هي القبلة لأهل ذلك الموضع، والظاهر أنه الخط الخارج من سمت أرجلهم وتصير جهاتهم كلها قبلة، كمن صلى في الكعبة نفسها. قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ... (٣٩)﴾ أي قدرنا سيره منازلا. الزمخشري: [ينزل*] منزلة كل ليلة. ابن عطية: يقطع بعض المنزلة، انتهى. والصواب: أنه تارة يسرع سيره ويكثره، وتارة يقل، وانتهاء سيره في اليوم خمس عشرة درجة ودقائق؛ أقل سيره إحدى عشرة درجة ودقائق، وذلك بحسب حصته، والمنازل منها كبير وصغير؛ ولكنهم جعلوا لكل منزلة ثلاثة عشر درجة، فإذا سار في اليوم خمس عشر ودقائق يقطع منزلة وسدس الأخرى بتقريب. قوله تعالى: (كَالْعُرْجُونِ). الزمخشري: قرئ العِرجون [كالفِرجون*] انتهى، هي جريدة يمشط بها شعر البهيمة. الزمخشري: لو قال: كل مملوك لي قديم حر، فإنه يعتق عليه؟ قاله عنده بسنة، انتهى، هذا مذهب أبي حنيفة، لأن الزمخشري حنفي، وكلام الفخر فيها يرد على الزمخشري بالفرق بين التبتيل ويريد الوصفية يرجع فيها إلى عرف الاستعمال، فإن لم يوجد عرف نظر فناسب الاجتهاد. قال شيخنا في مذهبنا: فيها نص إلا أنه يرجع فيها إلى الفرق، كما قلنا في الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ)، راجعة إلى سير القمر لَا للتقدير، لأن تقدير الله تعالى لَا غاية له، ولا انقضاء له بوجه. قوله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا ... (٤٠) أي يمكن، وهو الإمكان المادي لَا العقلي؛ لأن الله تعالى أراد عدم إدراكها القمر وقدره في الأزل، وهذا هنا مجاز، لأن هذا إنما تقرر فيمن يعقل. قوله تعالى: (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ). عبر في الأول بالفعل وبالثاني بالاسم، إشارة إلى أن القمر أسرع سيرا من الشمس، فكأن السبقية والإدراك ملازما له فنفى عنه الملازمة، والشمس أقل سيرا من القمر، فنفى الإدراك عنها بالفعل المقتضي للتجرد.

стр. 1243

قيل: نفى أولا إدراك الشمس للقمر، ونفى ثانيا سبقية الليل للنهار، ولم ينف سبقية القمر للشمس، مع أن هذا هو المطابق للأول؟ أجيب: بأنه إذا كان أحد الشيئين سابقا على الآخر؛ فتعلق طلب المتأخر بينهما، بأن يلحق بالسابق، أكد من تعلق طلب السابق بأن يزيد في مسافة سبقيته مسافة أخرى؛ فلذلك لم يقل: ولا الليل سابق الشمس، ومعنى السبقية والإدراك في هذا أن فلك الشمس غير فلك القمر، فلا بد جعل أحدهما على الآخر، ولا يسبق أحدهما الآخر في جريه؛ فالمراد أن الشمس لا تزداد في جريها حتى تصير تقطع الفلك في أقل من عام، والقمر لَا يزداد جريه حتى يصير يقطع الفلك في أقل من شهر. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ ... (٤١)﴾ قال بعضهم: فيه ضمير تقديره وآية هي لهم، لأن الابتداء بالنكرة لَا يصح. فتعقبه أبو حيان: بأنه إضمار ما لَا فائدة فيه. ونص ابن عصفور في زيد قائم؛ أنه لَا يجوز أن تقول: التقدير زيد هو قائم إذ لا فائدة فيه، وهو خلاف ما يقول المنطقيون، فالرابطة أنها لابد من تقديرها. ابن هشام: [الْجِهَة الْعَاشِرَة*] إخراج الكلام على خلاف الأصل، أو على خلاف الظاهر [لغير مُقْتَض كَقَوْل مكي فِي ﴿تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى كَالَّذي﴾ الْآيَة إِن الْكَاف نعت لمصدر مَحْذُوف أَي إبطالا كَالَّذي وَيلْزمهُ أَن يقدر إبطالا كإبطال إِنْفَاق الَّذِي ينْفق وَالْوَجْه أَن يكون كَالَّذي حَالا من الْوَاو أَي لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ مشبهين الَّذِي ينْفق فَهَذَا الْوَجْه لَا حذف فِيهِ*]، [وقول*] بعض العصريين في قول ابن الحاجب: الكلمة هي لفظ [أَصله الْكَلِمَة هِيَ لفظ*]. ومثله قول ابن عصفور في شرح الجمل: إنه يجوز في زيد هو [الفاصل أن [يحذف*] مع قوله وقول غيره: إنه يجوز حذف [العائد*] [فِي نَحْو جَاءَ*] الذي هو في الدار]، لأنه لَا دليل حينئذ عليه. قوله تعالى: (أَنَّا حَمَلْنَا). يؤخذ جواز أن يقال: إن الله حمل فلانا، ومثله في الحديث: "لم أحملكم عليه، ولكن الله حملكم"، وامتنع النووي رحمه الله تعالى من إطلاق ذلك. قال ابن الخطيبفوقَ الماء إنما هو بالفاعل المختار*]. قوله تعالى: ﴿مِنْ مِ: وفي الآية حجة على [الطبائعيين*] القائلين: بأن الجرم الثقيل بطبعه [ينزل*] إلى أسفل فترى [السفن*] ثقيلا، وهو بطبعه يصعد إلى فوق (١)، انتهى، هذا أمر قد شاهدوه، ولهم أن يجيبوا عنه بأن ذلك مع عدم [التعارض*]، وهنا عارض طبع الثقل طبع الهوى، [رُدَّ بإثباته، فَتَعَيَّنَ أنّ حفظَ الثّقيل ثْلِهِ ... (٤٢)﴾ (مِن) لبيان الجنس.

стр. 1244

قوله تعالى: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ ... (٤٣)﴾ أي لَا مغيث ولا مستغيث وهو أبلغ؛ أي لم يبق لهم قدرة على الاستغاثة. قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ هذا استثناء يعقب جملا، وهو تفرقهم (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ)، ثلاث جمل. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ أجمعوا على أن التوبة من الكفر [مقطوع*] بقبولها، فالترجي ليس على بابه، وأيضا فهو من الله تعالى [واجب*] (١). قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ إما من كلام الله أو من كلامهم. قوله تعالى: ﴿الْوَعْدُ ... (٤٨)﴾ جعله ابن عطية بمعنى الوعيد، ويحتمل كونه على بابه على سبيل التهكم بهم. أي متى يحل بكم الخير الذي أنتم تنتظرونه من هلاكنا ونجاتكم وعذابنا ونعيمكم. قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ... (٥٠)﴾ الفاء للتسبيب، وهذا تتمة وتكميل لما قبلها؛ لأنه لَا يلزم من عجزهم بالصحة عن الخصومة عجزهم بها عن الوصية لأنها أخف. قوله تعالى: ﴿الْأَرَائِكِ ... (٥٦)﴾ الزمخشري: جمع أريكة، [وهو السرير في الحجلة*]، [وقيل: الفراش فيها*]. الطيبي: هي البيت المزينة؛ كبيت العروس انتهى. الذي ذكره الثعلبي في فقه اللغة في الألفاظ الغريبة، قال: الكأس لَا يسمى كأسا، إلا إذا كان فيه الشراب، والمائدة لَا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها الطعام، وإلا فهو خوان، [والأريكة*] لَا تسمى كذلك إلا إذا كانت عليها الحجلة، فدل على أن الحجلة هي [الفُرُش*]. قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا ... (٥٩)﴾ الأصل تقدم النداء على الأمر، لكنه قدم الأمر هنا؛ لأن في النداء إقبالا على المنادى فبدأ بالأمر؛ لأن المقام مقام خزي لهم، وتبكيت وإعراض عنهم.

стр. 1245

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ ... (٦٠)﴾ بدأ بالاستفهام، إما لأن له صدر الكلام أو لما ذكر قبل، وقال (يَا بَنِي آدَمَ)، ولم يقل: يا أيها النَّاس، إما إشارة إلى يوم [أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ*]، أو لدخولهم في دعوة آدم ﵇ إلى الإيمان. وقال ابن عطية والفخر: العهد إما يوم [أَلَسْتُ*] أو على ألسنة الرسل. قال الزمخشري: [ما ركزه فيهم من أدلة العقل*] يناسبهم على وجوب النظر عقلا. قوله تعالى: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ). إما حقيقة، لأن الشيطان في الأصنام، أو بمجاز باعتبار قبول وسوسته، وقدم النهي على الأمر، لأن اجتناب المنهي عنه [أولى من*] فعل المأمور به. قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ... (٦٥)﴾ نسب الكلام إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل، وفي سورة النور (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ)، وفي فصلت (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ)، انظر الفخر، وأضاف الكلام إليه دون الشهادة مع أنها أشرف، فلم يقل: وشهد لنا، أو عندنا، وتقدم كلام الأيدي على شهادة الأرجل، وجواب الأول: أنه لو قال: لنا؛ لتوهم النفع بالشهادة، ولو قال: عندنا؛ لطال الكلام دون فائدة، وجواب الثاني: أن الأيدي أشرف من الأرجل، ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل؛ أي: تكلمنا أيديهم وتشهد، وتكلمنا أرجلهم وتشهد. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا ... (٦٦)﴾ فيه سؤال، وهو أن [الجملة الفعلية*] إذا أريد أن يرتب عليها مستبعد الوقوع، فإنما يؤتى فيه بمسببها لَا بنقيض سببها، فتقول: زيد فقير، فكيف يتصرف، وزيد عاجز فكيف يجاهد، ولا تقول: زيد فقير فكيف يستغني، ولا زيد عاجز فكيف يقدر وزاد هذا في الآية إن كان يقال: فأنى تبصرون، وما هو إلا كالتكرار؟ والجواب: أن الطمس على الأعين سبب في عدم الإبصار، وعدم الإبصار سبب في عدم الاهتداء، فقوله تعالى: (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)، سبب عن ما ترتب هو عليه، وهو الطمس، وهو منطو على سبب في ضمنه، وهو الاهتداء؛ لكن [يبقى*] السؤال لم عدل عن ترتيب المسبب الثاني، وهو الاهتداء على الطمس إلى المسبب الأول؟ فيجاب عنه: بأنه لو قيل: فأنى يهتدون؛ لتوهم أن لهم أبصارا ضعفا لم توصلهم إلى الاهتداء؛ فأفاد هذا

стр. 1246

أنهم لَا يبصرون شيئا ألبتَّة لَا قليلا ولا كثيرا؛ فيستلزم أنهم لَا يهتدون ألبتَّة من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ ... (٦٧)﴾ يحتمل حقيقة فلا يستطيعون زوالا عن ذلك المسخ، وانتقالا إلى حالهم الأول، وأما المسخ بأنهم أقعدوا ومنعوا عن القيام؛ فلا يستطيعون مضيا ولا رجوعا إلى حالتهم الأولى بوجه. فإن قلت: قد قال السكاكي: في مفعول شاء أنه يحذف ولا يذكر إلا إذا كان مستغربا لقوله: ولو شئت أن أبكي دما لبكيته وهذا مستغرب فهل ذكره؟ فالجواب: أن الفاعل هو الله تعالى، ولا يستغرب إلا ما ينسب إلى المخلوق، وأما الخالق فليس شيء عنده بغريب أصلا. قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ... (٦٩)﴾ قيل: معناه وما ينبغي له أن يقوله، وقد ورد بأنه قد قال: "أنا النبي لَا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، وورد في القرآن (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)، (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى) الآية، وأجيب: بأن ذلك غير مقصود الوزن والتقفية، وشرط كونه شعرا القصد لذلك. قال شيخنا: وهذا مما ينازع فيه الخصم، فنقول لعله قصد ذلك، وإنما الجواب: أن المعنى وما ينبغي له تعلمه، فهو وإن قاله فإنما قاله اتفاقيا من غير تعلم، وهذا مشاهد من أرباب الصنائع، أن الرامي قد يصيب الغرض في ابتداء تعلمه اتفاقيا. كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقد سئل عن عجوز باعت واشترت على سبيل الصواب، هل يعطيها مالها، أم لَا؟ فقال: رب رمية من غير رام. وكان الشيخ ابن عبد السلام يقول: المعنى وما ينبغي له أن [يتعاطى*] ما لَا علمه الله.

стр. 1247

قال شيخنا: وإما بلغ من الشعر خوفا أن يظن أن القرآن ما اشتمل عليه من البلاغة من صاغه، وإنما المذموم الإكثار من الشعر، وقد ذكر المبرد في أول كتابه الكامل عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: [علّموا أولادكم العوم والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا، وروّوهم ما يجمل من الشعر*] قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ... (٧٠)﴾ أي قابلا للحياة التي هي الإيمان بالفعل لَا تحصيل الحاصل. قوله تعالى: (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ). أي الوعد. قوله تعالى: ﴿أَيْدِينَا ... (٧١)﴾ جمعها هنا وأفردها في آية أخرى، إشارة إلى أن المراد مجازها، وهو القدرة لا حقيقتها حسبما تقدر في أصول الدين. قوله تعالى: ﴿رَكُوبُهُمْ ... (٧٢)﴾ عبر عن الركوب بالاسم، لأنه دائم، وعن الأكل بالفعل، لأنه غير دائم؛ لأنهم قد يأكلون من غيرها، وأما الركوب فلا يركبون إلا من الأنعام المذكورة. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا ... (٧٤)﴾ إخبار عنهم أنهم زادوا مع عدم شكرهم عبادتهم غير الله. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ... (٧٥)﴾ مصدر مضاف إما للفاعل أو للمفعول، والضمير عائد عليهم أو على الأصنام؛ أي لا يستطيعون هم نصر آلهتهم، أو أن آلهتهم لَا يستطيعون نصرهم؛ هذا على أنه مضاف للمفعول، وتقدير إضافته للفاعل؛ أي لَا تستطيع آلهتهم النصر الذي نسبوه إليهم في قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ). قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ... (٧٦)﴾ ونسبة هذا الفعل إلى القول مجاز. قوله تعالى: (إِنَّا نَعْلَمُ). قرئ بكسر إن وفتحها.

стр. 1248

وأورد الزمخشري: سؤالا على قراءة الفتح، وهو لزوم الكفر لاقتضائه أنه ﵊ حزن لأجل علم الله تعالى بسرهم وعلانيتهم، وأجاب: بأن إنا بدل من قولهم، أو تعليل للأول، فيكون تعليلا لنفي الحزن لَا نفي حزن معلل، قيل: أو يجاب: بأنه تعليل باعتبار لازمه؛ لأن لازم علم الله تعالى سرهم وعلانيتهم، مدخلا في الحزن أم لَا؟ فإن لم يكن له مدخل فيه فباطل، لأنه يلزم عليه اعتبار لازم اللفظ دون ملزومه، ولا قائل إذ لَا يصح استعمال اللفظ دون ملزومه بوجه، وإن كان له مدخل لزم أنه يحزن بعلم الله تعالى وهو كفر. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ ... (٧٧)﴾ المراد إما الجنس، أو أجل معين، ونرجحه. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ... (٧٨)﴾ والخلق إن أريد به الكامل حسا ومعنى وذاتا [وصفة*]؛ [فالمنشآت*] حقيقة، وإن أريد به لمجرد تكوينه من النطفة [فمجاز*]؛ لأنه لَا يصير خصما إلا بعد ذلك بزمان طويل، وإذا الفجائية معناها الحال لَا الاستقبال، وهي عند الزجاج ظرف زمان. واختاره الزمخشري، وزعم أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، قال في قوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)، أي [فاجأكم*] الخروج في ذلك الوقت ولا يعرف هذا لغيره؛ وإنما [ناصب*] عندهم الخبر الملفوظ به، أو المقدر في نحو: فإذا الأسد، أي حاضر، وإن قدرت أنها الخبر فعاملها مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به، وهي عند الأخفش [**يعرف]، واختاره ابن مالك، وعند المبرد ظرف مكان. واختاره ابن عصفور، وفي الآية سؤال، وهو أن سبب نزولها أن بعض الكفار أنكر الإعادة ورفع عظما رميما في يده، وقال: محال أن يرجع هذا كما كان، فما أنكر واستبعد، إلا إيجاد المعدوم، فهلا قيل (أَوَلَم يَرَ الإِنْسَانُ أَنا خَلَقنَاهُ)، بعد أن لم يكن، كما قال تعالى في سورة مريم (وَلَم يَكُ شيئًا)؟ وجوابه: أنه قصد الاستدلال على الإيجاد عن عدم سابق مع التعرض لتحقير المعاند في ذلك، وأن أصله نطفة فأنتجت الآية صحة إمكان الإعادة؛ وهذا دليل على أنهم أنكروا مكانها وصحتها لَا وقوعها بالفعل، وهو كفر، [وهذا لنفيهم عن*] الله تعالى صفة القدرة على ذلك. قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا ... (٧٩)﴾

стр. 1249

قال أبو الإصبغ: المذهب الكلامي الاحتجاج على المقصود بحجة عقلية؛ لأنه من علم الكلام، وهو إثبات أصول الدين بالبراهين ونسبت تسميته إلى الجاحظ. وزعم ابن المعز أنه لَا يؤخذ في القرآن، وهو محشو به، ومنه قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَومُهُ)، إلى قوله تعالى: (وَتِلكَ حُجتُنَا). وقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ ... (٨١) وقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، وقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، وتقدير القياس من [الشكل الأول*] أن يقال: الحادث منتقلٌ من حالة إلى ضدها، وكل منتقل من حالة إلى ضدها يمكن إيجاده بعد إعدامه، فالحادث يمكن إعادته الصغرى ضرورية، وبيان الكبرى أن أصل وجود الحادث من عدم وبأمر جزئي، وهو خروج نار الزناد من الشجر الأخضر الرطب، وليس هذا [بقياس تمثيلي*]؛ لأنه لَا ينتج إلا الظن، وهذا قطعي ولعدم شروطه هنا. قوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي). هو انتقال بين الدليل بما يتعلق بنفس المخاطب إلى دليل خارج عنه، وانتقال من دليل جلي إلى أجلى منه؛ وهو الأرتب في الاستدلال، وتقرير المعطوف عليه اتصف بالعجز [**وليس الذي]، وقال: [** (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ)، فخاطبهم على سبيل التكلم]، وهنا على سبيل الغيبة، ولم يقل: أولسنا، وجوابه: أن الخطاب [لجزء*] معين، وهم كفار قريش والتكلم مناسب [للجزء*]، والخطاب هنا لجميع النَّاس فناسب الغيبة. فإِن قلت: هلا قيل: قادر على أن يعيدهم لأنهم إنما أنكروا إيجاده المعدوم لإيجاد مثله، فالجواب: أنه تقرر في علم أصول الدين أن المثل مساو لمماثله في الحكم؛ فإذا استويا في الحكم فالقادر على المثل قادر على تماثله. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ ... (٨٢)﴾

стр. 1250

اقتضت (إنما) حصر الأمر في مضمون القضية الشرطية لَا حصر الإرادة وحدها، والخطاب بـ (كن) إما للمعدوم على تقدير وجوده، بناء على أن شيئا يطلق على المعدوم، أو خوطب حالة إيجاده لَا قبل؛ لأنه معدوم، ولا بعد لأنه تحصيل الحاصل. قوله تعالى: ﴿مَلَكُوتُ ... (٨٣)﴾ قال ناصر الدين البيضاوي في خطبة كتابه: "المطلع على مشاهدات الملك ومغيبات الملكوت": فجعل الملك راجعا إلى العلم بظواهر الأمور، والملكوت راجعا إلى العلم بخفياتها. وقال الزمخشري: الملكوت هو الملك العظيم. وفرق القرافي بينهما بما أشار إليه البيضاوي. * * *

стр. 1251

سُورَةُ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ قيل: الملائكة صافات أقدامها وأجنحتها في الهوى، وقيل: الطير، وقيل: العلماء العمال يصفون أقدامهم في التهجد. الزمخشري: وقيل: الغزاة في سبيل الله تعالى التي تصف الصفوف، وتجرد الخيل للجهاد، وتتلوا الذكر مع ذلك، لأنه لَا يشغلها عنه شاغل، كما يحكى عن علي. قال الطيبي: إن عليا ﵁ كان يمشي بين الصفوف وسيفه يقطر دما، ولا يفتر عن خطبته. قال ابن عرفة: إنما [مراده*] ما في الحديث الصحيح أن عليا ﵁ في [حديث "أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا"*] مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ.، قال: والاصطفاف هو كون الكتائب على خط مستقيم، وهل يشترط مع ذلك تلاصقها، ومقاومتهما إلى مجرد كونها على خط، وإن تباعد بعضها عن بعض، وهكذا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ). قال ابن عرفة: وهذه المعطوفات، قيل: إن عطفها ترق، وقيل: إنه بدل، والصواب أنه ترق؛ لأن الاصطفاف يكون من الجماد وغيره، وهو قاصر غير متعد للغير، والفعل المتعدي أقوى من القاصر مع أن الزجر يكون في الخير والشر، فقد يزجر الإنسان غيره عن الخير، وقد يزجره عن الشر، بخلاف تلاوة الذكر؛ فإنه مجرد طاعة فمتعلقه ذات الخالق وصفاته، وهو بالضرورة أشرف وأبين، وإذا جعلته ترقيا كان عطفها تأسيسا، وإن كان تدليا كان العطف تأكيدا. قال: وحكى الفخر في المعالم الخلاف هل الملائكة أفضل من البشر، أو لَا؟ وحكى في الأربعين والمحصل هل الملائكة بالإطلاق أفضل من الأنبياء أم لَا؟ قال الزمخشري: والعطف بالفاء إما على الترتيب في الوجود، كقوله: [يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ ... الصَّابِحِ فالغَانِم فَالْآيِبِ*] كأنه قيل: الذي صبح [فغنم فآب*]. ابن عرفة: صوابه الذي [**ورد اسم الفعل] اسم الفاعل عنه، وذكروا منه، أيفع الكلام فهو يافع، وأورش الشجر فهو وارش؛ بخلاف صبح فلم ترد فيه صابح.

стр. 1252

قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ الإله هو المستغني بذاته المفتقر غيره إليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ... (٦)﴾ التزيين هو زيادة وصف في الماهية بعد كمالها، يوجب حسنها احترازا من زيادتها قبل كمالها، فإنه ليس بتزيين. قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ قال الزمخشري: المارد الخارج عن الطاعة، [المتملس*] منها. وقال ابن عطية: [المارد» المتجرد للشر، ومنه شجرة مرداء لا ورق عليها*]. قال ابن عرفة: المارد هو القوي؛ فيحتمل أن يرجع إلى [قوة نفسه*]، وإلى قوته على التخيل، وإن كان في نفسه ضعيفا؛ فإن رجع إلى قوة نفسه فحفظ السماء من يستلزم حفظها من دونه من باب أحرى، وإن رجع إلى قوته إلى التخيل مما يلزم حفظ السماء منه، حفظها ممن لَا يقدر على التخيل، وإن كان في ذاته قويا هذا ينبنى على الخلاف في السماء، هل هي الآن محفوظة من جميع الشياطين، المارد، وغيره، أو من المردة فقط. قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ قال ابن عرفة: قالوا: الجملة الثالثة تارة تكون مفسرة لما قبلها، كقولك: أخذ زيد يثني على عمرو، قال: كذا وكذا، وتارة تكون أجنبية، كقولك: خطب زيد، وقال: كذا وكذا، وهذه تحتمل الأمرين، وأتت على المعنى الثاني؛ لأن قبلها (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ). قوله تعالى: (يَتَسَاءَلُونَ). قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: السؤال طلب [قال صاحب الجمل*]. الكلام: إن دل على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرا، ومع الخضوع دعاء، ومسألة، [ومع*] التساوي التماثل، قال: والجملة الثانية مفسرة له، فيلزم [أحد*] أمرين: إما تغيير الشيء بنقيضه؛ لأن الثانية خبرية؛ أو إبطال ما قاله [صاحب الجمل*]، وأجيب: بأن السؤال هنا المراد به التوبيخ، وليس بسؤال حقيقة، وقد قال المفسرون فى قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ). قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾

стр. 1253

زاد هنا عظاما وأسقطها في سورة (ق)، فقال تعالى (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ). فأجاب بعضهم: بأن هذا كلام ابتدأ به المسلم، فقال (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا)، [نحيا ونُبعث*]؛ فأنكر ذلك عليه [قومُه*]، وأعاد كلامه على ما هو عليه بأداة الإنكار، والمسلَّم كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن عظام بني آدم كلها تفنى إلا [عَجْب الذَّنَب*]، وهو قُدِّر بغرز إبرة؛ فلذلك قال: (عِظَامًا) في سورة (ق) حكاية عن كلام كافر ابتدأ من غير أن يتقدمه شيء. قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ قال المفسرون: إنما عرفه بعد مدة طويلة. ابن عرفة: عادتهم يقولون: العطف بالفاء يقتضي التعقيب، وأجابوا: بأنه دله ولم يعرفه، ثم عرفه بعد مدة طويلة؛ كما تنظر صاحبك في السجن، فقد تبدلت سجيَّته وتغيرت حاله؛ فما تعرفه إلا بعد التأمل، وتكرار النظر. قوله تعالى: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ كان بعضهم يقول: هذا دليل على [أن*] القياس التمثيلي المستعمل في الكلام؛ لأن المعنى قاربت أن ترديني على مثل دينك؛ وقد نزل بك العذاب؛ فكان يترك في مثل ما نزل بك؛ والقسم بالتاء للتعجب. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي ... (٥٧)﴾ أي: شاملة لنا. قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى ... (٥٩)﴾ ابن عرفة: ظاهر الآية يقتضي ما قال المفسرون. لأن الاستفهام بمعنى التقرير [يصير*] المنفي مثبتا، والمثبت منفيا، مثل (أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ)، فيقتضي إثبات الموت والعذاب؛ أي نحن ميتون غير الموت الأول ومعذبون، وليس المراد [ذلك*]، فلا بد من إضمار، بل المعنى: نحن مبعوثون غير ميتين غير الموت الأول ومعذبون، فلم تدخل أداة الإنكار على المنفي، بل على مثبته، ونفي العذاب يستلزم [نفي الإعادة*]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾

стр. 1254

هذا تعليل لكونها مثبته لَا سيما إن كانت جعل بمعنى خلق، وفيه إبطال للقول بوجوب مراعاة الأصلح. فإِن قلت: هلا قال: إنها شجرة تنبت في أصل الجحيم. قلنا: عادتهم يجيبون: بأن النبات فيه إشعار بالماء والتراب؛ وهو أقرب للمعجزة؛ لأنه نبات أخضر رطب فيما يناقضه وهو النار. قال ابن عرفة: وهذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع؛ فتكون على جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو تكون واحدة بالشخص. قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ الزمخشري: هذا استعارة إما لفظية أو معنوية. قال الطيبي: اللفظية جعلك الشيء نفس الشيء وليس به، وهو أن يطلق اسم المشبه على [المشبه به*] [من غير أداة تشبيه*]، مثل: رأيت أسدا تريد رجلا كالأسد، والمعنوية جعلك الشيء للشيء وليس له، كقولك: إذا أصبحت بيد الشمال زمامها فهذا مدع أن للريح الشمال يدا، وللسحاب [زماما*]، وأيضا خفى الأول بحسن الرجوع للتشبيه، فيقال: رأيت رجلا كالأسد، وفي الثاني لَا يحسن ذلك، فقال: [ ... ] أما اللفظية فهي أن المطلع موضوع لحمل الشجرة مع قصد أن تكون نخلة باستعمال هنا غيرها، كالرسن، فإنه موضوع للأنف بشرط أن يكون فيه رسن، فإِذا استعمل في أنف الإنسان كان مجازا لفظيا، وللمعنوي هو أن يشبه حمل تلك الشجرة بالطلع الحقيقي تشبيها بليغا، ثم يطلق على ذلك الحمل اسم الطلع؛ فاستعير لحمل شجرة الزقوم اسم الطلع، وشبهه برءوس الشياطين، وفي المرئي بينهم بالقول. كقول امرئ القيس: أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ ولم تر الغول ولا أنيابها. فهذا حاصله. قال ابن عرفة: وعادتهم يقررونه قبل وصول كتاب، الطيبي لنا: بأن الاستعارة على ما قال ابن مالك في استعمال اللفظ في غير موضوعه؛ كضرب من التأويل؛

стр. 1255

فاللفظية هي استعمال اللفظ مطلقا من غير استحضار لثبوت المعنى المجازي فيه ولا نفيه، والمعنوي إطلاق اللفظ مستحضرا فيه المعنى المجازي. كإطلاق لفظ الأسد على الرجل، فتارة يطلقه عليه غافلا عن معنى الشجاعة، وكتسمية [رجلٍ*] بكلب مع الغفلة عن استحضار صفة الذم فيه؛ فإنه لَا يكون ذما؛ فهي استعارة لفظية، وإذ أطلقت لفظ الأسد على الرجل الشجاع مستحضرا عنه المعنى الذي لأجله أطلقته عليه؛ كان استعارة معنوية، وكذلك لفظ كلب على رجل تريد به الذم، قال: وكانوا يتلونه عن مستعير فرسا طريا، وآخر يستعيرها بسرحها، ولجامها، وجهازها كله. قوله تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ ولم يقل: بطونهم مع أنه الأصل. قال: وكان يجيبون: بأنه إشارة إلى واحد منهم، فملأ منها بطنه بالفعل وبطن ولده، ومن يعز عليه بالحض على الأكل منها ظانا أنها تنفعه وتنفعهم؛ فيريدون عذابا ومضرة. قوله تعالى: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ قال ابن عرفة: الأصل كان بعجزهم ما ينافي الألوهية من القدرة والإرادة، وأما الأكل، [فالإله*] غني عنه لَا يحتاج إليه، ثم أجاب: بأنه أتاهم على وفق دعواهم؛ لأنهم يتقربون إليهم بالذبائح يذبحونها ويعتقدون أنها تأكل. قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ لما خاطبهم فلم يجيبوه، قال (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ). قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ ابن عرفة: الصبر استحضار المؤلم وعدم التأثر له على تركه، والعفو استحضاره وعدم [الالتفات*] إليه؛ [وهذا*] أعلاها. قوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ). وقال [قبله*] (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).

стр. 1256

قال صاحب البرهان: لما تقدمها (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا)، وهو أمر حسي يقتضي العلو والارتفاع، قابله بنقيضه حسا، فقال (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ)، بخلاف قوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)، فإن الكيد أمر معنوي فقابله بالمعنوي. قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ابن عرفة: [الحاكم إذا حكم بحكم مستدلا له، [قرينة*] على أن الحكم مختلف فيه، ولو كان مجمعا عليه لما احتاج إلى استدلال على صحته. وقال الفخر في أجزاء المعالم اللدنية: الدليل على أن النبي أفضل من الولي وأشرف؛ أن النبي كامل مكمل، والولي كامل فقط؛ فإن الكامل المكمل أشرف. الثاني: أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " [مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلَا غَرَبَتْ، عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ*] "، فقوله: "بَعْدَ النَّبِيِّينَ"، دليل على أن النبي أشرف، وهذا لم يخالف فيه أحد. قيل له: لعل بعض الملاحدة أو المبتدعة خالف فيه، فقال قوله تعالى: (مِنَ الصَّالِحِينَ)، قد يتوهم منه ذلك، ولولا ذلك لما كان لذكره بعد النبوة [فائدة*]. قال: وعادتهم يجيبون عنه: أن النعت تارة يكون مرادا به الثناء، وهذا يكون فيه الثاني أعلى من الأول، وتارة يراد به حقيقة ذلك الوصف، كقوله تعالى: (أَعْلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ)، وكوصفك طعاما طيبا بأنه [حسن*]، وتارة تصفه بأنه قبيح، [فهذا لحقيقة ذلك الوصف*]؛ فهو إشارة إلى أنه ممن يستحق أن يوصف بتلك الصفة. وأجاب بعض الطلبة: بأن ذكر الصالحين تنبيه على إبراهيم لمطلوب، لقوله (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، أو يكون الصلاح مقولا بالتشكيك؛ وصلاح النبي أعلى من صلاح الولي. قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ هي زوجته، [ولوط*] هو ابن أخت إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقيل: ابن أخيه. ابن عرفة: ولا يبعد أن يكون جمع الأمرين؛ فيكون أخوه من أبيه تزوج أخته من أمه؛ [فولد*] له لوطا ﵇.

стр. 1257

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ ... (١٣٨)﴾ الأصل تقديم الليل؛ لأن العرب تؤرخ بالليل؛ لكن إنما قدم الصباح لكي ينظروا ويتأملوا من مواضعهم، فإِذا مروا عليهم بالليل تذكروا، [وما*] كانوا نظروا بالنهار. قلت: أو لأن مرورهم بالنهار أكثر، وتأكيد بـ إن مثل: جاءَ شقيقٌ عارضًا رُمْحَه ... إِن بني عَمِّكَ فيهم رِمَاحُ لأن حالتهم في الغفلة وعدم التذكر والاعتبار شيهة بحالة من لم تمر عليهم؛ ولا نظر لمساكنهم ولا لمصرعهم؛ فهو من نفي اللازم لنفي ملزومه فلذلك أخره. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ قال ابن عرفة: قال الفقيه أبو عبد الله محمد بن نزار: يوم جمعة في الكتبيين: أبِق بكسر الباء فأنكرتها عليه وأنا صغير؛ فاحتشم مني ثم أتاني في الجمعة الأخرى بصحاح الجوهري ضبطها بالفتح والكسر والفتح أشهره. وقال الثعالبي: من فقه اللغة أن يقال: أبق إلى كذا، ولا يقال: أبق بالإطلاق، وإنما يقال مقيدا.

стр. 1258

سُورَةُ (ص) قال ابن عطية (١): هو مفتاح أسماء الله تعالى، (ص) صادق الوعد صانع المصنوعات. ابن عرفة: أسماء الله تعالى توقيفية؛ ولذلك استشكل النَّاس قول أصول الدين بأن الدليل على وحدانية الصانع إلا أنه يريد في القرآن معناه، ورد في القرآن في سورة الأحزاب (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)، وفي سورة النمل (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ). قوله تعالى: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) ذكروا فيه تأويلات. قال ابن عرفة: ويحتمل عندي والقرآن المذكور على ألسنة الخلق إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فهو المعرف بالذكر الدائم بخلاف غيره من الكتب؛ فإنه لم يبق مذكورا لما وقع فيه من التغيير. قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ كان بعض الطلبة يورد على هذا قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزةَ فَلِلَّهِ الْعِزةُ جَمِيعًا)، وأجيب: بأن العزة المختصة بالله بمعنى الرفعة والعلو، والعزة المسندة للكافرين هي بمعنى الممانعة [والتعنت*]. قال: والفرق بين العزة والشقاق؛ أن العزة مانعة فقط، والشقاق [ممانعةٌ مع*] ومكابرة ومجاهرة بالسوء، قال: ومن كلامهم [من عزَّ بزَّ*] أي من غلب سلب. قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ... (٣)﴾ ابن عرفة: لما تقدم التنبيه على إنعاتهم بالعزة والمكابرة، عقبه ببيان غفلتهم عن فعل مثل فعلهم نزل به العذاب والهلاك. قوله تعالى: (فَنَادَوْا). هذا يرد فيه ما أورد ابن عصفور في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا)، لأن النداء سابق على الإهلاك، كما أن مجيء البأس سابق أيضا عليه، والجواب كالجواب: إما أردنا إهلاكهم فنادوا، ويرد عليه ما قال [ابن هشام المصري*]: من أن الإرادة قديمة تقتضي التعقيب؛ فيلزم إما قدم العالم أو حدوث

стр. 1259

الإرادة، وإما أن يجاب بأن الإهلاك نزل أولا ببعضهم، وهم رؤساؤهم، فنادى الأتباع (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ)، مستغيثين؛ أي لَا مخلص لهم؛ فلم ينفعهم ذلك، والمناص المخلص والمنجا والفرار. قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ... (٤)﴾ الضمير عائد على قوله تعالى: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لأن المتعجبين ليس هم السابقة؛ بل المعاصرون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (فَقَالَ الْكَافِرُونَ). أتى بالفاعل ظاهرا غير مضمر؛ والأصل أن يقول: فقالوا؛ لأن خبر المبتدأ تارة يكون عاما صالحا لكل واحدة، وتارة يكون خاصا لَا يصح إلا لذلك المبتدأ. قوله تعالى: (وَعَجِبُوا). العجب يصلح أن يقع من كل أحد فأتى بفاعله مضمرا، وقوله تعالى: (هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، كلام [مختلق*] لَا يصح أن ينسب لإلههم، وقولهم: (كَذَّابٌ)؛ إما أن يريدوا أنه كاذب في سحره، أو أنه عالم بالسحر كذاب في أموره على العموم، قيل له: لعل عندهم ساحر في شيء كذاب في شيء، كما قال تعالى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)، وعطف العجب هنا [بالواو*]، وفي (ق) بالفاء؛ لأن التعجب بالقول سبب على التعجب بالفعل، كقوله تعالى: (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ)، بخلاف السحر والكذب؛ فإنه غير مسبب عن التعجب بالفعل. قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ ... (٦)﴾ هم الأشراف، الأصوب تعلق (منهم) بالملأ لَا بـ (انطلق) يشعر بأنهم أشراف فقط، وتعلقه بـ[(انطلق) *] يشعر بأنهم أشرافهم؛ وإن كان في غيرهم من هو أشرف منهم. قلت: جعله عكس ما قاله البصريون في إضافة الصفة المشبهة؛ أنه في معنى الحسن الوجه. وقال الكوفيون: إنه في معنى الحسن وجهه. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾

стр. 1260

قال ابن عرفة: إن قلت: ما فائدة تأكيده بـ إنَّ والمخاطب به غير منكر له؟ قلنا: هو مستغفر، والمستغفر عادته أن يتمنى مطلوبه ويستبعد الزيادة على مطلوبه من الإحسان والإنعام، فذلك أكده بـ إنَّ. قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ... (٢٦)﴾ وقال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فقدم المجرور على خليفة، فأجيب بوجهين: الأول: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون: بأن أحد أسباب التقديم الشرف، وكان آدم ﵊ حينئذ معدوما والأرض موجودة، والوجود أشرف من العدم، وأما هنا فالمخاطب داود ﵊ وهو موجود، وهو أشرف من الأرض بالضرورة. الثاني: قال بعض الطلبة: هذه الآية في معرض التشريف لداود ﵊ تقدم فيها ما يقتضي التشريف وهو الخلافة، وآية البقرة خرجت مخرج الاعتناء بالأرض، فجعل [الخلافة*] الموجبة لإزالة الفساد عنها، وتغيير المناكر. قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). ابن عرفة: انظر ما أشد هل هذه أو آية العقود في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فقالوا: تلك أشد لأنهم توعدوا على عدم الحكم بالحق، وهذا الوعيد على الحكم بالهوى، فالحكم يتناول من حكم بالباطل، ومن حكم بالحق لمفارقتها غير مقصود، فآية العقود الوعيد فيها على عدم الحكم بالحق أعم من الحكم بالباطل، أو من ترك الحكم من أصل، وهذه الآية الوعيد فيها على الحكم بالهوى؛ أعم من أن يكون بالباطل متبعا للهوى، أو بالحق متبعا. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ). ابن عرفة: قد يؤخذ منه جواز تعليل الحكم بعلتين [منتقلتين*]؛ لأن حلول العذاب بهم [يعلل*] باتباعهم الهوى المضل عن سبيل الله، ونسيانهم يوم الحساب سبب في ضلالهم، فالعلتان متداخلتان [في*] علة واحدة. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ... (٢٧)﴾

стр. 1261

أخذ عنه نفي الجوهر المفارق؛ لأن الملائكة في السماء وهم فيما بينهما؛ فدل على أنهم في حيز. ورده ابن عرفة: بأن الجوهر المفارق غير متحيز؛ كما أن [العرض*] غير متحيز، وكذلك النفوس البشرية عند الحكماء بعد مفارقتها للأجسام، والمراد: وما خلقنا [السماوات*] والأرض عبثا، ولا لغرض مقصود؛ بل خلقنا ذلك مصاحبا لمنفعة الخلق ومؤخرتهم لا لقصد ذلك. قوله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا). احتج بها الآمدي على العنبري القائل بأن الكافر غير المعاند لا [يخلد*] في النار، بخلاف المعاند فإنهم اتفقوا على أنه مخلد في نار جهنم. والعجب من البيضاوي كيف لم يذكر غير مذهب باطل؟ ونقل نحوه عياض في الشفاء عن الغزالي، قلنا: قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة، وفي كتاب الحقائق. قال ابن عرفة: وكلامه في كتاب الاعتقاد، كمذهب أهل السنة. قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ... (٢٨)﴾ عبر عن المؤمنين بالفعل، وعن المفسدين بالاسم؛ إشارة إلى من اتصف بمطلق الإيمان والعمل الصالح؛ مخالف لما اتصف بأبلغ الفساد، فأحرى أن مخالفة من اتصف بأبلغ العمل الصالح هذا في ظرف الإيمان، ويبقى من اتصف بمطلق الفساد في الأرض، فيجاب عنه: بأن المراد من ثبت على فساده؛ لئلا يدخل فيه من أفسد وتاب؛ فإنه من قسم من آمن. فإن قلت: [لم قدم*] تفاوت المؤمن للمفسد، وهلا عكس، كما قيل (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لأن أسباب الفساد أكثر من أسباب الصلاح، بدليل ما تقدم في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظلُمَاتِ وَالنورَ)، قالوا: جمع الظلمات وأفرد النور؛ [لكثرة*] تشعب طرق الشرك [واتحاد*] الهدى، ونفي ما يتوهم ثبوته أو قرب ثبوته أولى، فالجواب: أنه بدأ بالمؤمنين اعتناء بهم وتشريفا لهم. قوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).

стр. 1262

إن قلت: لم عبر في (الْمُتقِينَ) بالاسم، وعبر في قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، بالفعل؟ قلت: لأن التقوى أمر اعتقادي تجدده خفي غير ظاهر، وهو أقرب للثبوت؛ فاللزوم والعمل الصالح أمر فعلي يتجدد شيئا فشيئا، وتجدده ظاهر يدرك بالحس. فإِن قلت: هلا قيل: أم نجعل المتقين في الأرض كالفجار؟ قلنا: التقوى أمر علمي معنوي غير [مرئي بالحس*]، والعمل الصالح أمر فعلي محسوس فناسب ذكر محله، ولذلك قالوا: الإنسان له قوتان: علمية وعملية. قوله ﵎ (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ... (٢٩) قال ابن عرفة: النظر مطلوب في الجميع؛ والنتيجة إنما تحصل لأولي الألباب منهم، وظاهر الآية حجة لبعض المبتدعة، في [قولهم*]: إن [**المعلوم تذكرته]. وهو مذهب باطل لما يلزم عليه من قدم العالم، ويحتج بالآية من [**رجح] تنزيل القرآن على سرده، كما قال تعالى (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)؛ وتحتج لمن [يرى*] سرده، بقوله (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)؛ [**قوله: جواز العجل فيه بعد استبقاء الملك له (وَحْيُهُ) عن الله تعالى]، وكذلك حديث عائشة في [ركعتي*] الفجر: قالت: كان رسول الله ﷺ يخفف فيهما حتى نقول هل قرأ فيهما [أم لَا*]، وفي بعض [الروايات*]، أن ولد أحمد بن حنبل، قال لأبيه: أنت تسرد القرآن ولا ترتله، فقال: ما سردته حتى فهمت مواعظه وزواجره. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ... (٣٠)﴾ قال ابن عرفة: إن قلت: هلا قيل: ووهبنا سليمان لداود؟ فالجواب: أنه قصد الاعتناء بداود والتشريف له؛ وأيضا إنما أخر سليمان ليعود الضمير عليه، في قوله (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، والضمير إنما يعود على أقرب مذكور. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ... (٣٤)﴾ الفتنة الاختبار، قال الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ)؛ فاقتضت أن الأنبياء والأولياء يفتنون فيفتنون على دينهم، وكذلك سليمان ﵇ وما يزيدهم ذلك إلا إيمانا وتسليما كسورة الأحزاب؛ وفي آخر سورة براءة.

стр. 1263

وما حكاه ابن عطية والزمخشري من قضية؛ [المرأة*] التي طلبت أن تحكم لأختها على خصمه فمن كلام القصاص لَا يليق ذكرها؛ والأنبياء معصومون منه، والأنسب في هذه أن تكون فتنة في [قوله*]: [لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ، يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ*]. قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا). وقال تعالى في سورة يونس لفرعون (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، ولم يقل: بجسدك، ففرق تقطعهم بأن البدن ينطلقَ على ما كثرت أجزاؤه، ولذلك يقال: فلان بدن، وفي الحديث أن عائشة ﵂ وكرم وجه أبيها قالت: فلَمَّا بَدَّنَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي فلما طعن في السن، وفرعون كان قد بلغ الغاية في السن، وأما الجسد فيصدق على الصغير الناقص الأجزاء، ولذلك قال: لم تحمل من نسائه إلا واحدة ولدت شق ولد. قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ... (٣٥)﴾ نقلوا عن الحجاج، أنه قال: لقد كان حسودا. قال ابن عطية: وهذا من فسقه. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بل هذا من جهله؛ فإن الإنسان تارة يطلب من أن يعطيه شيئا يخصه به دون غيره، وتارة يطلب منه شيئا علم منه أنه لَا يعطيه إلا رجلا واحدا؛ فيرغب منه أن يكون هو ذلك الرجل، والأول: طلب الإعطاء والخصوصية، والثاني: طلب الإعطاء فقط؛ فلعل الله تعالى أوحى إلى سليمان ﵊ أن هذه الهبة لَا ينالها إلا رجل واحد يكون نوعه منحصرا في شخصيه، فرغب من الله تعالى أن يكون هو ذلك الرجل، فليس في هذا حسد؛ إنما الحسد على طلب الإعطاء والخصوصية؛ لأنه يطلب منه شيئا؛ ويحرم منه غيره. قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ... (٣٦)﴾ الفاء للسبب، أي لسبب قوله (وَهَبْ لِي مُلْكا)؛ (سَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ). قال القشيري: ومن الدليل على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أن بعض الأولياء من شبه قدرة الله تعالى على أن تحمل الريح؛ فيقطع المسافة الطويلة في الزمن القصير.

стр. 1264

قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا تقديره؛ أن تأثير الفعل تارة يكون بوقوع أثره في الفاعل، وتارة بوقوع أثره في المنفعل، ويمثلونه بحائط عليه بنيته فحدث فيه اختلاف، فذهاب الخلل منه إما بإعدامه وبنائه، وإما بتخفيف الثقل الذي عليه، فالأول: تأثير في الفاعل وهو [الحامل*] للثقل، والثاني: في المنفعل وهو المحمول. قال: وتوهم بظاهر الأثر الحاصل في الشيء المفارق، فهلا قيل: فأقدرناه على الريح؛ لأنه يكون تأثيرا في الفاعل راجع إلى ذاته؛ وأما تسخير الريح فهو تأثير في المنفعل بأمر خارق لذات الفاعل؛ وهو سليمان ﵇، وكذلك أيضا [عمل الحديد*] في قصة داود، في قوله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)، ولم يقل: وأقدرناه على عمل الحديد، قال: والجواب: أن هداه [دعاه إلى الخالق بالتذكير بالنعمة*]، وهو أن الإنسان إذا أنعم عليه بصفة في غيره. فإنه يتوهم في كل وقت [زوالها*]، فهنا لو [وجدها*] باقية شكر الله على دوامها، بخلاف ما إذا كانت صفة له ملازمة لبدنه، فإنه قد يثق بها [ويأبى*] الشكر عليها؛ ويقبل عن تذكر زوالها؛ فتذكر زوال النعمة المفارق للبدن أقرب من تذكر زوال النعمة المخالطة للبدن. قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ قال ابن عرفة: هذا من باب مطرنا السهل والجبل، فالمراد بالبناء: من يعمل منهم العمل المرتفع على الأرض، وبالغواص: من يعمل منهم العمل المنخفض في الأرض من حفر الآبار وغيرها. قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ وليس المعنى سخرنا له آخرين؛ بأن المقرن في الأصفاد غير مسخر للخدمة. قوله تعالى: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فأجيب: أن آية الأنبياء أتت في معرض الامتنان؛ فذكر النعم لأن قبلها (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ)، ثم قال تعالى (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا)، ثم قال تعالى (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ

стр. 1265

مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ)، وقال تعالى (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ)، (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، وهذه الآية خرجت مخرج ما عنى بالأنبياء لأن قبلها (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)، ثم قال (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ)، ومنهم من أجاب: بأن (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) فيما هو الأصل الأهم. قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ... (٤٢)﴾ ابن عرفة: يؤخذ منه جواز التداوي للمرض، أو ترجيحه مع الإجماع على عدم وجوبه؛ إلا إذا أدى تركه إلى الإخلال بالفرض؛ فإنه يجب كمن يمنعه المؤمن من الصلاة قائما، فيجب عليه التداوي. وهنا جعل له الماء دواه. وذكر ابن عطية في سبب نزول الآية: أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا فلم يغيره، قال: وروي أنه ذبح شاه وطبخها؛ وله جار جائع فلم يطعمه منها. قال ابن عرفة: أما الثاني: [فخفيف*] إذ لعله لم يعلم بحاجة جاره، وأما الأول: فشديد لا يحل نقله وإسناده إلى الأنبياء. قال الزمخشري: فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان؛ ولا يجوز أن يسلط على أنبيائه؟ قلت: لما كانت وسوسته سببا فيما مسه من المرض نسبه إليه؛ وقد راع الأدب حيث لم [ينسبه*] إلى الله تعالى في دعائه مع أن الله تعالى فاعله. قيل لابن عرفة: كيف وهو يقول إن العبد يخلق أفعاله، فقال: لعله ممن يقول بالاعتزال؛ ولا يقول بالتولد، وتخرج من كلام الزمخشري أنه قرئ بِنُصْبٍ، ونَصَبٍ. ابن عرفة: وهو خطأ، ولا يقرأ [**كما أخذوا الذي] ذكر ابن عطية، [وأبو*] حيان من خفض عن عاصم نصب، والقراءة المشهورة عن [الجميع (بِنُصْبٍ) *]. قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ... (٤٤)﴾ قال تعالى في طه (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، (قَالَ خُذهَا وَلَا تَخَف)، ولم يقل: خذها بيدك. قال ابن عرفة: أجيب: بأن هذا من تمام النعمة على أيوب ﵇ إشعار بأنه ردت له قوته وصحته كما كانت، فلذلك قال تعالى (وَخُذ بِيَدِكَ)؛ لأن أعضاءه كلها كانت معطلة. قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾
следующие страницы →