أخذ عنه نفي الجوهر المفارق؛ لأن الملائكة في السماء وهم فيما بينهما؛ فدل على أنهم في حيز.
ورده ابن عرفة: بأن الجوهر المفارق غير متحيز؛ كما أن [العرض*] غير متحيز، وكذلك النفوس البشرية عند الحكماء بعد مفارقتها للأجسام، والمراد: وما خلقنا [السماوات*] والأرض عبثا، ولا لغرض مقصود؛ بل خلقنا ذلك مصاحبا لمنفعة الخلق ومؤخرتهم لا لقصد ذلك.
قوله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
احتج بها الآمدي على العنبري القائل بأن الكافر غير المعاند لا [يخلد*] في النار، بخلاف المعاند فإنهم اتفقوا على أنه مخلد في نار جهنم.
والعجب من البيضاوي كيف لم يذكر غير مذهب باطل؟
ونقل نحوه عياض في الشفاء عن الغزالي، قلنا: قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة، وفي كتاب الحقائق.
قال ابن عرفة: وكلامه في كتاب الاعتقاد، كمذهب أهل السنة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ... (٢٨)﴾
عبر عن المؤمنين بالفعل، وعن المفسدين بالاسم؛ إشارة إلى من اتصف بمطلق الإيمان والعمل الصالح؛ مخالف لما اتصف بأبلغ الفساد، فأحرى أن مخالفة من اتصف بأبلغ العمل الصالح هذا في ظرف الإيمان، ويبقى من اتصف بمطلق الفساد في الأرض، فيجاب عنه: بأن المراد من ثبت على فساده؛ لئلا يدخل فيه من أفسد وتاب؛ فإنه من قسم من آمن.
فإن قلت: [لم قدم*] تفاوت المؤمن للمفسد، وهلا عكس، كما قيل (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لأن أسباب الفساد أكثر من أسباب الصلاح، بدليل ما تقدم في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظلُمَاتِ وَالنورَ)، قالوا: جمع الظلمات وأفرد النور؛ [لكثرة*] تشعب طرق الشرك [واتحاد*] الهدى، ونفي ما يتوهم ثبوته أو قرب ثبوته أولى، فالجواب: أنه بدأ بالمؤمنين اعتناء بهم وتشريفا لهم.
قوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).
стр. 1262
إن قلت: لم عبر في (الْمُتقِينَ) بالاسم، وعبر في قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، بالفعل؟ قلت: لأن التقوى أمر اعتقادي تجدده خفي غير ظاهر، وهو أقرب للثبوت؛ فاللزوم والعمل الصالح أمر فعلي يتجدد شيئا فشيئا، وتجدده ظاهر يدرك بالحس.
فإِن قلت: هلا قيل: أم نجعل المتقين في الأرض كالفجار؟ قلنا: التقوى أمر علمي معنوي غير [مرئي بالحس*]، والعمل الصالح أمر فعلي محسوس فناسب ذكر محله، ولذلك قالوا: الإنسان له قوتان: علمية وعملية.
قوله ﵎ (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ... (٢٩)
قال ابن عرفة: النظر مطلوب في الجميع؛ والنتيجة إنما تحصل لأولي الألباب منهم، وظاهر الآية حجة لبعض المبتدعة، في [قولهم*]: إن [**المعلوم تذكرته]. وهو مذهب باطل لما يلزم عليه من قدم العالم، ويحتج بالآية من [**رجح] تنزيل القرآن على سرده، كما قال تعالى (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)؛ وتحتج لمن [يرى*] سرده، بقوله (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)؛ [**قوله: جواز العجل فيه بعد استبقاء الملك له (وَحْيُهُ) عن الله تعالى]، وكذلك حديث عائشة في [ركعتي*] الفجر: قالت: كان رسول الله ﷺ يخفف فيهما حتى نقول هل قرأ فيهما [أم لَا*]، وفي بعض [الروايات*]، أن ولد أحمد بن حنبل، قال لأبيه: أنت تسرد القرآن ولا ترتله، فقال: ما سردته حتى فهمت مواعظه وزواجره.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ... (٣٠)﴾
قال ابن عرفة: إن قلت: هلا قيل: ووهبنا سليمان لداود؟ فالجواب: أنه قصد الاعتناء بداود والتشريف له؛ وأيضا إنما أخر سليمان ليعود الضمير عليه، في قوله (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، والضمير إنما يعود على أقرب مذكور.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ... (٣٤)﴾
الفتنة الاختبار، قال الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ)؛ فاقتضت أن الأنبياء والأولياء يفتنون فيفتنون على دينهم، وكذلك سليمان ﵇ وما يزيدهم ذلك إلا إيمانا وتسليما كسورة الأحزاب؛ وفي آخر سورة براءة.
стр. 1263
وما حكاه ابن عطية والزمخشري من قضية؛ [المرأة*] التي طلبت أن تحكم لأختها على خصمه فمن كلام القصاص لَا يليق ذكرها؛ والأنبياء معصومون منه، والأنسب في هذه أن تكون فتنة في [قوله*]: [لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ، يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ*].
قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا).
وقال تعالى في سورة يونس لفرعون (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، ولم يقل: بجسدك، ففرق تقطعهم بأن البدن ينطلقَ على ما كثرت أجزاؤه، ولذلك يقال: فلان بدن، وفي الحديث أن عائشة ﵂ وكرم وجه أبيها قالت: فلَمَّا بَدَّنَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي فلما طعن في السن، وفرعون كان قد بلغ الغاية في السن، وأما الجسد فيصدق على الصغير الناقص الأجزاء، ولذلك قال: لم تحمل من نسائه إلا واحدة ولدت شق ولد.
قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ... (٣٥)﴾
نقلوا عن الحجاج، أنه قال: لقد كان حسودا.
قال ابن عطية: وهذا من فسقه.
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بل هذا من جهله؛ فإن الإنسان تارة يطلب من أن يعطيه شيئا يخصه به دون غيره، وتارة يطلب منه شيئا علم منه أنه لَا يعطيه إلا رجلا واحدا؛ فيرغب منه أن يكون هو ذلك الرجل، والأول: طلب الإعطاء والخصوصية، والثاني: طلب الإعطاء فقط؛ فلعل الله تعالى أوحى إلى سليمان ﵊ أن هذه الهبة لَا ينالها إلا رجل واحد يكون نوعه منحصرا في شخصيه، فرغب من الله تعالى أن يكون هو ذلك الرجل، فليس في هذا حسد؛ إنما الحسد على طلب الإعطاء والخصوصية؛ لأنه يطلب منه شيئا؛ ويحرم منه غيره.
قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ... (٣٦)﴾
الفاء للسبب، أي لسبب قوله (وَهَبْ لِي مُلْكا)؛ (سَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ).
قال القشيري: ومن الدليل على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أن بعض الأولياء من شبه قدرة الله تعالى على أن تحمل الريح؛ فيقطع المسافة الطويلة في الزمن القصير.
стр. 1264
قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا تقديره؛ أن تأثير الفعل تارة يكون بوقوع أثره في الفاعل، وتارة بوقوع أثره في المنفعل، ويمثلونه بحائط عليه بنيته فحدث فيه اختلاف، فذهاب الخلل منه إما بإعدامه وبنائه، وإما بتخفيف الثقل الذي عليه، فالأول: تأثير في الفاعل وهو [الحامل*] للثقل، والثاني: في المنفعل وهو المحمول.
قال: وتوهم بظاهر الأثر الحاصل في الشيء المفارق، فهلا قيل: فأقدرناه على الريح؛ لأنه يكون تأثيرا في الفاعل راجع إلى ذاته؛ وأما تسخير الريح فهو تأثير في المنفعل بأمر خارق لذات الفاعل؛ وهو سليمان ﵇، وكذلك أيضا [عمل الحديد*] في قصة داود، في قوله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)، ولم يقل: وأقدرناه على عمل الحديد، قال: والجواب: أن هداه [دعاه إلى الخالق بالتذكير بالنعمة*]، وهو أن الإنسان إذا أنعم عليه بصفة في غيره. فإنه يتوهم في كل وقت [زوالها*]، فهنا لو [وجدها*] باقية شكر الله على دوامها، بخلاف ما إذا كانت صفة له ملازمة لبدنه، فإنه قد يثق بها [ويأبى*] الشكر عليها؛ ويقبل عن تذكر زوالها؛ فتذكر زوال النعمة المفارق للبدن أقرب من تذكر زوال النعمة المخالطة للبدن.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾
قال ابن عرفة: هذا من باب مطرنا السهل والجبل، فالمراد بالبناء: من يعمل منهم العمل المرتفع على الأرض، وبالغواص: من يعمل منهم العمل المنخفض في الأرض من حفر الآبار وغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾
وليس المعنى سخرنا له آخرين؛ بأن المقرن في الأصفاد غير مسخر للخدمة.
قوله تعالى: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾
وقال تعالى في سورة الأنبياء (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فأجيب: أن آية الأنبياء أتت في معرض الامتنان؛ فذكر النعم لأن قبلها (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ)، ثم قال تعالى (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا)، ثم قال تعالى (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ
стр. 1265
مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ)، وقال تعالى (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ)، (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، وهذه الآية خرجت مخرج ما عنى بالأنبياء لأن قبلها (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)، ثم قال (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ)، ومنهم من أجاب: بأن (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) فيما هو الأصل الأهم.
قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ... (٤٢)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز التداوي للمرض، أو ترجيحه مع الإجماع على عدم وجوبه؛ إلا إذا أدى تركه إلى الإخلال بالفرض؛ فإنه يجب كمن يمنعه المؤمن من الصلاة قائما، فيجب عليه التداوي. وهنا جعل له الماء دواه.
وذكر ابن عطية في سبب نزول الآية: أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا فلم يغيره، قال: وروي أنه ذبح شاه وطبخها؛ وله جار جائع فلم يطعمه منها.
قال ابن عرفة: أما الثاني: [فخفيف*] إذ لعله لم يعلم بحاجة جاره، وأما الأول: فشديد لا يحل نقله وإسناده إلى الأنبياء.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان؛ ولا يجوز أن يسلط على أنبيائه؟ قلت: لما كانت وسوسته سببا فيما مسه من المرض نسبه إليه؛ وقد راع الأدب حيث لم [ينسبه*] إلى الله تعالى في دعائه مع أن الله تعالى فاعله.
قيل لابن عرفة: كيف وهو يقول إن العبد يخلق أفعاله، فقال: لعله ممن يقول بالاعتزال؛ ولا يقول بالتولد، وتخرج من كلام الزمخشري أنه قرئ بِنُصْبٍ، ونَصَبٍ. ابن عرفة: وهو خطأ، ولا يقرأ [**كما أخذوا الذي] ذكر ابن عطية، [وأبو*] حيان من خفض عن عاصم نصب، والقراءة المشهورة عن [الجميع (بِنُصْبٍ) *].
قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ... (٤٤)﴾
قال تعالى في طه (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، (قَالَ خُذهَا وَلَا تَخَف)، ولم يقل: خذها بيدك.
قال ابن عرفة: أجيب: بأن هذا من تمام النعمة على أيوب ﵇ إشعار بأنه ردت له قوته وصحته كما كانت، فلذلك قال تعالى (وَخُذ بِيَدِكَ)؛ لأن أعضاءه كلها كانت معطلة.
قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾
стр. 1266
إشارة إلى القوة العلمية والعملية.
قوله تعالى: ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾
[**في الاصطفاء]؛ فإِن المصطفين متفاوتون في الأخيرية.
قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾
إنما عطفه بالواو تنبيها على دخول [**من دخول] زمن ذكر قبلهم تفهم في وصف الأخيرية.
قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكرٌ ... (٤٩)﴾
كان بعضهم يقول: معناه هنا ذكر على سبيل التشريف لهذا لَا بالتعيين على سبيل العموم؛ وتشريف آخر وثواب تعميم.
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾
يؤخذ منه مرجوحية تزويج الشابة للشيخ، أو الشاب للعجوز هذا على تفسير من قال: المراد أنهن أتراب لأزواجهن أسنانهن كأسنانهن.
قوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ... (٥٩)﴾
قال أبو حيان: (معكم) ظرف متعلق بـ (مُقْتَحِمٌ)، ولا يصح أن يكون حالا من (هَذَا فَوْجٌ)، فيكون تعديا على مقتحم.
قال [**ابن عرفة: المختصر في هذا: انظر ابن عرفة] امتنع جعله حالا من (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ)، لأنه يكون المعنى: هذا فوج حالة كونه مقتحم، وعلى تلك الحالة غير مقتحم؛ لأنه قد دخل ووقع منه الاقتحام، لأنه لَا يصح أن يقول لزيد وهو معك في الدار: هذا زيد داخل الدار في الزمان والاقتحام في المكان، فتقول الخزنة لرؤساء الكفار عند وردوها هذا الفوج، وقبل دخوله عليهم (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ)، أو [يقوله بعض الطاغين*] لبعض؛ [أى: يقولون هذا. والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب لا مَرْحَباً بِهِمْ دعاء منهم على أتباعهم. تقول لمن تدعو له: مرحبا، أى: أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا: أو رحبت بلادك رحبا، ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء.*]
стр. 1267
سُورَةُ الزُّمَرِ
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ... (٤)﴾
ابن عطية: أي اتخاذ التشريف [والتبني*]، وأما الاتخاذ المسمى المعلوم؛ فلا يتوهم ولا يستقيم عليه الاصطفاء، قال: وقوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)؛ توهم اتخاذ ولد واتخاذ الاصطفاء، فأما الأول [فبالمعقول*]، وأما الثاني فبخبر الشارع.
وقال الزمخشري: أي لو أراد اتخاذ الولد لم يصح لكونه محالا، [ولم يتأت*] إلا أن يصطفي بعض خلقه ويختصهم ويقربهم؛ كما يختص الرجل ولده، وقد فعل ذلك بالملائكة فغركم ذلك وزعمتم أنهم أولاده [جهلا*] منكم.
قال ابن عرفة: فحمله ابن عطية على اتخاذ التشريف، [وحمله*] الزمخشري على اتخاذ الولد حقيقة، فكان جواب الشرط على قول الزمخشري مشكلا؛ لأن القضية الشرطية المتصلة يلزمها منفصلة مانعة الجمع من غير مقدمها، ونقيض بالهاء ومانعة الخلو من نقيض مقدمها وعين تاليها، فيدخلها نفي الملزوم مع صحة وجود اللازم، وهذا خلاف إجماع النظام، لأنه قال: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، لكونه محالا؛ [فلم يبق*] إلا أن يصطفي من خلقه ما يشاء، وقد فعل ذلك بالملائكة والأنبياء ﵈ مع أن (لَوْ) إذا دخلت محل نفي عاد ثبوتين وبالعكس، وهنا دخلت على ثبوتين فيعودا [نفيين*] فيعود أحدهما: وهو الأول نفيا، والثاني ثبوتا.
وأجاب شيخنا: بأن المثبت الاصطفاء الواقع من الله تعالى للأنبياء؛ لَا الاصطفاء الذي هو [التبني*] وهو المراد من اللازم، والمراد نفيه فينتفي الملزوم، وتقديره لو أراد الله اتخاذ الولد للاصطفاء اصطفاء [التبني*] واللازم باطل والملزوم مثله، قيل له: عبر في اللازم بالإرادة وفي الملزوم بالمشيئة؛ وهما معنى واحد، فأجاب: بأنه تفنن في الخطاب، قيل له: هل [يدل*] لفظ التكوير على أن السماء كورية؟ فقال: نعم؛ لأن تكويرها مع [فلكها*] عن محله محال، ومن لوازمه تكور فلكها لاستحالة تعلقها دون مكان.
فإن قلت (٥): [** معهم التكوير مع البساطة؛ لأن المراد تداخل الزمانين والباء من أحدهما للآخر]، قلت: مسلم لكن مع إشعار لفظ التكوير؛ [يريد تكويرا ككور العمامة*] بعضه على بعض.
стр. 1268
فإن قلت: بدأ بالليل على النهار في التكوير على العادة عند العرب، وبدأ بالشمس في التسخير، والمناسب كان الابتداء بالقمر لمقابلته الليل، لأنه فيه يظهر، فلم عدل [عن*] ذلك؟ قلت: لأن آية الشمس أبدع في النفوس بخلاف القمر.
فإن قلت (٦): إذا كان المراد من النفس آدم؛ فيكون لفظ (خلق) استعمل في حقيقته ومجازه؛ لأنه في أولاد آدم المباشرين حقيقة، وفي غيرهم مجاز، ثم إنه عبر عن الخلائق بالخلق، وعن جواب الجعل.
قلت: لأن الزمخشري كان تقدم له أنه خلق بمعنى أبرز من العدم إلى الوجود وجعل معنى صير وهو [تكوين*].
قال شيخنا: قالوا: إن حواء ﵍ خلقت من ضلع أعوج، قال: و [ ... ]. الآخرة مسألة [**الخشي]، قال: وهذا خلاف مذهب أهل التشريع؛ لأنهم قالوا: لو وقع بالآخر لوجد؛ لأنه مما يدرك بالبصر ولم يدرك ولم يوجد؛ واختار التراخي في الزمان.
قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ).
كقوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)
(فِيهِ) الإشارة للتعظيم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ... (٧)﴾
الخطاب لمن في قولكم، والمراد من هذا الكلام، في قوله تعالى: (غَنِيٌّ عَنْكُمْ)، لازمه، وهو أن الضرر الناشئ عن الكفر إنما يعود عليكم، لأن الله تعالى غني على الإطلاق؛ فكفركم إنما يعود بالوبال عليكم.
قال: والمنفي في قوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، على ظاهره من الرضى الذي هو الحب لَا الإرادة، قال: وأما الوجه الثاني في أن المراد بالعباد المؤمنين فقط، بخلاف الظاهر.
فإن قلت: [ما ذكرتموه يتلزم عليه الإضمار، وما ذكرناه يلزم عليه التخصيص*]، وهو خير من الإضمار، قلت: ذكره آخر الشكر، في قوله تعالى: (وَإِنْ تَشْكُرُوا)، يدل على الأول دون الثاني.
стр. 1269
فإن قلت: هل ينتفع بـ (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، في مسألة علمه بالجزئيات؟ فقلت. نعم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ... (٣٢)﴾
قال الشيخ ابن عبد السلام: يدخل في هذا جميع من كذب على الله من أكثر الفقهاء، إذا لم تحكم بمستند التنزيل [**وهو الداء إذا لم يستحقها].
قيل: هل في الآية دليل على تكفير من يكفر بالذنب؛ لأنه سجل عليهم بوصف الكفر، فقال: قد لَا يؤخذ ذلك وقد يؤخذ، قيل له: قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ)، وهل فيه حذف الفاعل تقديره: والذي جاءوا فيكون المراد بالذي الجنس، فقال: ما ذكرته إنما يصح إذا جاء بالموصول مجموعا، فحينئذ تؤتى بالصلة مفردة حذفا لما ذكرت، وهنا ليس كذلك فليس من ذكر الباب، وإنما المراد بالذي الجنس، دليله قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، قيل: هل يتناول العصاة أو لا؟ فقال: لَا لأنه يلزم عليه أن يكونوا موعدين بأن لهم ما [يشاءون*] عند ربهم، وذلك باطل إجماعا.
قيل له: أجمع أهل السنة على أنهم لَا بد لهم من الجنة، فقال: وأجمع المسلمون ما عدا الجبرية على دخول طائفة النار، وإلا فيلزم أن يوصف ذو الكبيرة بالرحمة، وأنه يعبد الله كأنه يراه، وذلك باطل بالإجماع.
قوله تعالى: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ... (٣٥)﴾
قال: لما كانوا في غاية الورع كانت تصدر منهم بعض الحسنات يعدونها سيئات، وليست بسيئة، وإنما هي حسنة، وليس المراد بقوله (أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) أسوأ السيئات، وإنما المراد التشبيه في اعتقادهم أنها سيئة.
فإن قلت: لم قال هنا (بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى في النحل (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، قلت: في النحل تقدم ذكرها، وهنا تقدم ذكر الذي في قوله (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ ... (٤٥)﴾
[وجه نظم هذه مع التي قبلها، ما قرره الأصوليون والجدَلِيُّون، أنّ وجه الترتيب في المناظرة أن يبدأ المستدلُّ بإبطال مذهب الخصم، ثم يصحِّحُ مذهبَه، ثم إنْ كان في مقالة خصمِه تناقضٌ أو تهافتٌ بيَّنَه له؛ وعلى هذا الترتيب أتتْ هذه الآيات؛ أنكَرَ أوّلا على الكفار مُدَّعاهم، مقْرونا ذلك الإنْكارُ بالدّليل الدالِّ على بطلان تلك الدعوى، وهو قولُه (أَم اتَّخَذُوا) الآية؛ ثم ذكَر مُدَّعى المومنين مقرونا بدليل صحّته، فقاَل (قُل للَّهِ الشفَاعَةُ جَميعاً)؛ ثم أكّد دليلَ إبْطال مُدَّعَى الكفار بتناقضهم في دعْواهم فقال (وَإِذَاَ ذُكِرَ اللَّهُ)؛ وبيانُ التناقض أنهم زعموا أن تلكَ الآلهةَ تشْفع لهم عند اللَّه تعالى، والمشفوعُ عنده أعلى رتبةً من الشفيع، فالمناسبُ إذا ذُكر اللَّه وحده أن تطمئن قلوبُهم إليه، فنفورُها عند ذلك مع كونه مشْفوعا له تناقض منهم] (١).
قيل: له قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) .. ، هل كقوله في
الحديث: "لهم فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت"، بالنقيض أم لَا؟ فقال: لَا لأنه
إنما نفى ما لم يحتسبوه، وإلا فهو محسوب عند غيرهم، لأنه من جنس ما يقع منهم،
стр. 1270
أما قوله: "فيها ما لَا عين رأت" فنقيض أنهم سيروا لهم في الآخرة ما لم يقدر أحد ولا يخطر على قلب بشر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... (٥٣)﴾
حصول الغفران مطلقا، أو لمن تاب.
قال الشيخ: والظاهر أن هذا العموم مخصوص؛ لأنه إن لم يخصه يلزم [عنه*] مذهب المرجئة، قال: ومن نظر [وعقل سبب النزول أدرك*] ما قلناه من التخصيص.
قيل: لم أسقط البغتة في الأول (٥٤) ؟ فقال: فيه حذف التقابل، قيل له: المفهوم من قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) .. ، هو المفهوم من قوله تعالى: (بَغتَة)، فقال: تأكيد وانتقال من [التزام المطابقة*].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... (٦٢)﴾
قال: الآية مخصوصة بالإجماع بالواجبات كلها، قيل له: هل ينتفع بها في مسألة خلق الأعمال؟ فقال: لَا لوجهين:
الأول: أن المخصوص هل يبقى حجة أم لَا؟ فيه خلاف، وإذا قلنا: [لا يبقي حجة*]، فالمسألة من قواعد العقائد؛ فلا يثبت بمثل هذا.
الثاني: أن المراد خالف المعنى؛ فيقتضي إن ما وجد مخلوقا فالله خالقه؛ وعلى هذا لَا دليل فيه ألبتَّة؛ لأن خلقها لله محل النزاع، والمنسوب في الآية ما هو منسوب لله.
فإِن قلت: هل يؤخذ من الآية أن المعدوم شيء أو لَا؟ قال: قلت: لَا يؤخذ؛ وإنما المراد ما وجه مخلوقا لله فالله خالقه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ... (٦٣)﴾
[أَوْرَدَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» سُؤَالًا، وَهُوَ أَنَّهُ بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)؟ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا) [الزُّمَرِ: ٦١] أَيْ يُنَجِّي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ بِمَفَازَتِهِمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَاعْتَرَضَ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَأَنَّ لَهُ مقاليد السموات وَالْأَرْضِ. وَأَقُولُ هَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ*]
стр. 1271
الطول؛ لأن فيه عطف جملة اسمية على فعلية وهو قليل.
وأما الثاني: فلأن الكافرين هم بعض النَّاس [ ... ].
قال: والصواب أنها كلية مستقلة بنفسها، قيل له: وهل ينتفع بها الملائكة في القول بالإحباط بمجرد الردة؟ قال: إن قلنا: إن المراد من خوطب به خاصة؛ فلا يلزم ذلك إذ لَا يلزم من إحباط المخاطب مجرد الردة إحباط غيره، لأن عقوبة [المقربين أشد*]، قال: والأظهر أن المراد بقوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ).
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... (٦٧)﴾
يدل على تعظيمه الممكن المقدور عليه؛ المأمور هو به، أما تعظيمه حق تعظيمه؛ فلا يستطيع أحد عليه؛ ولهذا كان بعض شيخونا ينهى أن يكتب في الصدقات: الحمد الله حق حمده، والحمد لله كما يحب لجلاله؛ لأنه قد يقول ذلك ولا يعرف جلاله.
قال الفقيه أحمد بن سيدي الفقيه أبي القاسم أحمد الغبريني قال: ورد على صداق وأنا قاضي بباجية فيه أعلم بثبوته على ما هو عليه.
ابن عبد السلام ابن يوسف الهواري: فلم أجد في الصداق موجبا لذلك إلا الحمد الله حق حمده، قال ابن عبد السلام: وما حكاه عن جبريل هو تصحيف، وإنَّمَا هو جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ).
الظاهر أن النسيان ضد الشرك لَا ضد الذكر، لأن ترتيب الذم عليه أشد، والأول يرجع إلى ترك الأسباب.
قوله تعالى: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).
قال: ضم الياء أحسن من فتحها، لأن الفتح إما أن تكون اللام لام العلة، أو لام الصيرورة؛ والقسمان باطلان، أما الأول فلأن من جعل لله أندادا قد حصل في أشد الضلال في تعيبه، وجعل الله أندادا يقتضي تقدم الضلال؛ فيلزم تصيير ما سبق تصييره وذلك باطل، قيل له: ما المانع أن يكون المراد بصيرورة الضلال مداومة وجوده؟ فقال: يحتمل ويفضله قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا)، إن التمتع به المداومة.
стр. 1272
قال الشيخ: ومَن في قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ)، لَا يصح أن تكون استفهاما لامتناع اجتماع حرفي الاستفهام في كلمة واحدة؛ فلا بد أن تكون من موصولة، قيل له: ما المانع من كونها منادى والهمزة حرف نداء؟ فقال: يحتمل على [ ... ]. وقرئ (أَمَّنْ) بالتشديد.
فإن قلت: هل البداية بالسجود يدل على أنه أشرف أحوال الصلاة؛ لأنه قدم على القيام الذي هو أول؟ قال: المراد في تفضيل العملين على غيرهما من العبادة، لقوله تعالى: (سَاجِدًا وَقَائِمًا).
قوله تعالى: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ).
قيل له: هل هو النفاق؛ لأنه كان يقول (اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، فقال: لَا نسلم لأن الأمر بالتقوى صادر منه ﵇، فحسن أن يقول ربكم، قيل له: يعكس عليك قوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ)، وهو السلام لَا نخاطبهم بذلك، فقال: الأول على جهة الحكاية، قيل له: أيما أبلغ هذه أم قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى)، فقال الثانية لأنها أعم من أن تكون في الدنيا أو في الآخرة، قيل له: ما مناسبة قوله تعالى: (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ)؟ قال: فكأن القائل يقول: فإن بعض الإحسان في بعض البلاد في العمل، فقال تعالى (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ).
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ).
قال: ظاهر كلام الزمخشري في جواز العطف؛ إنما لاختلاف الجهة دفعا للسؤال؛ والسؤال لَا يزول، ولابد الإخبار بالجملة الثانية لَا معنى له إذ هو مستفاد من الأولى بالضرورة؛ لأن عبادة الله منه مخلصا؛ لَا بد أن يكون ذلك أول الإسلام لاستحالة وقوع ذلك بدون الإسلام، فالأولى أخص؛ والثانية أعم، والأخص يستلزم الأعم، فلما ذكر اللازم الثاني، قيل له: لاختلاف الجهة، فقال: اختلافها إنما هو بالنسبة إلى اللفظ في حق غيره؛ وهذا السؤال إنما ورد من جهة المعنى، ومن جهة اختصاصه به.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ).
بوقوعها في العذاب الدائم؛ وليس لهم من الحور العين أو في الدنيا حصول.
стр. 1273
قوله تعالى: (ظُلَلٌ).
الظلل إنما يكون لدفع حرارة الشمس، وهذه تجلب قوة الحرارة.
قوله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ).
فإن قلت: ما معنى (مَبْنِيَّةٌ)؟ قلت: رد لما يتوهم من أنها كالدنيا من أن الغرف التي على الأرض مبنية، والتي فوقها من القصب والخوص والرؤية في الأثر بصرية.
قوله تعالى: (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ).
قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا).
وقال تعالى في الحديد (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، فأجاب: بأنه لما كانت هذه الأفعال هنا مضافة إلى الله تعالى حسن أن يقول: [(ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) *] ولما كانت في تلك غير مصرح بها حسن أن يقول: (ثُمَّ يَكُونُ)، قيل له: هل ينتفع بها من يقول: إن الإسلام والإيمان بمعنى واحد؛ لأن شرح الصدر إنما يكون ما محله القلب، وقد جعل هنا أن الإسلام محله القلب؛ لأنه مشروح له، فدل على أن المراد بالإسلام الإيمان.
قوله تعالى: (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، اختار الشيخ بالحديث الكتب الأربعة المنزلة وأحسنه القرآن و (كِتَابًا) [بدل من أحسن الحديث*].
قوله تعالى: (مُتَشَابِهًا).
أي متشابه الأجزاء من أقاصيص وأخبار.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ).
قال: هذا [تهكم*]؛ لأن الوجه في العادة إنما يتقي عنه لَا به؛ وهو هنا به لَا عنه.
قوله تعالي: (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ).
الخطاب في الدار الآخرة؛ لأنها ليست دار تكليف؛ وإنما إخبار بخلودهم.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾
стр. 1274
[**الآية]، فيكون عذابا في عذاب؛ وجعل النَّاس كأنهم علموا أولا أشياء ثم نسوها، فضرب الأمثال؛ ومن كلامه في سورة الزمر، قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وجه مناسبتها لما قبلها؛ أن الاشتراك في الأمر المشق المؤلم أهون على النفوس من الاختصاص به، كمن ضاع له دينار ولم يضع لغيره شيء، وآخر ضاع له ولغيره، وكذلك فعل [الطاعات*].
قال: ووقوعنا من بئس القوم ابتداء أقرب إلى الإنذار به فيها والإتباع، فلذلك قال (أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، ثم قال (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ).
قال الزمخشري: يعني أن الله تعالى أمرني أن أخلص له الدين بدليل العقل والسمع، فإن عصيت ديني لمخالفة الدليلين استوجبت عذابه.
قيل لابن عرفة: هذا اعتزال، فقال: هذا تنبيه يصدر من السني والمعتزلي، فالمجرور في قوله بدليلي العقل تعلق بالفعل، وهو (أمرني) وهو اعتزال، وإن تعلق بقوله: (أخلص) فليس باعتزال، قيل له: قد نص [الضرير*] في أرجوزته على اعتقاد وحدانية الإله واجبة بالعقل والفروع، والشرائع هي الواجبة بالسمع، لأنه قال: ما نصه فخالق الأشياء وجداني، وشاهد العقل بذلك [يشهد*].
قال ابن عرفة: هذا خطأ لأن الأصوليين حكموا الخلاف في النظر؛ فمذهب أهل السنة أنه واجب بالسمع، ومذهب أهل المعتزلة أنه واجب بالعقل على أن كلام المفسرين يمكن تأويله، فيحتمل أنه يريد به قصر معرفة ذلك في الدليل والإدراك، أو رجوعه إلى الأمر التكليفي.
قيل له: ما عمله شارحه ابن خليل في شرحه: أن السلطان وأميره إذا دعا إلى معصية؛ فإنه يجب اتباعه، قال: وهذا خطأ طرح؛ وحديث مسلم في كتاب الإعادة يرد عليه.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم)،
أي الخسران الأخص، أي خسروا لذة أنفسهم ونعم أنفسهم؛ لأن خسران الشيء هو ضياعه، وأنفسهم لم تزل باقية.
قوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ).
стр. 1275
إن قلت: ظلل النار عليهم لَا لهم، فالجواب: أنه استغنى عن على بكلمة فوق، فلو أتى بعلى لكان تكراره أتى ليفيد اختصاصهم بعذاب العذاب العظيم، وإدخال من على فوق ليفيد أول مواضع الفوقية؛ فيشعر بكمال ملاصقة النار لهم من غير فاصل.
قوله تعالى: (وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ).
جعلت النار ظله باعتبار أن لهيبها يصعد إلى فوق؛ فيعلو عليهم ويصيرون تحته، أو باعتبار أن النار تدور بهم كالكرة فيصير الأعلى أسفل؛ والأسفل أعلى، فهي ظلة باعتبار ما كانت عليه، فكل جهة منها فوقهم وتحتهم وفوق آخرين.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا).
قال الزمخشري: (الطَّاغُوتَ) مبالغة؛ وقدر وجه المبالغة أنه إما مصدر المراد به الجنس، فعبر فيه عن شخص معين؛ وهو الشيطان أو غيره من معبوداتهم، الثاني: فيه القلب؛ لأن أصله [فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين*].
قال ابن عرفة: ليس في القلب مبالغة.
قوله تعالى: (وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ).
قال ابن عرفة: عادتهم أنهم يقولون: الإنابة سبب في اجتناب الطاغوت، والأصل تقديم السبب على مسببه، فكان بعضهم يجيب: بأن الانتقال من الشيء لغيره لأحد وجهين:
إما لوصف في المنتقل عنه ونحوه.
قال ابن التلمساني في باب الأوامر في المسألة الثانية عشر في اعتراضه على مذهب: [الأمر بالشيء عين النهي عن ضده*]؛ [**قد يكون مقصود الطالب أعلى الخبر الأول]؛ فيكون الطلب منه نهيا، وقد يكون مقصوده [امتثال*] الخبر الثاني فيكون الطلب فيه أمرا [مقدرا*] هنا، السبب إشغال بأن اجتنابهم الطاغوت لمحض ما فيه من المفسدة الدائمة لَا لكونهم رأوا الإنابة إلى الله أحسن منه؛ إذ الاشتراك بينهما في الحسن بوجه، فكان الابتداء به أهم وأولى.
قوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى).
стр. 1276
قدم المجرور للحصر إما للتشريف، وإما لأجل الآي، وإما باعتبار تقابله.
قوله تعالى: (يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ).
ابن عطية: قيل: هو كتاب الله.
ابن عرفة: فعلى هذا يكون في القرآن حسن وأحسن منه وفيه خلاف، هل يصح أن يقال: بعض العذاب أعظم من بعض؟ أو أوضح من بعض؟ وهو بمعنى لفظ القرآن بالعجز، وإنما معناه القديم الأزلي فلا تجوز فيه ذلك بإتقان، وإما أن يراد بأحسنه أبينه؛ وهو عند المتشابه، وأما تعليم التكاليف التي عليها الثواب عند المباح الذي لا ثواب فيه.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ).
ابن عرفة: هذا من باب إطلاق المسبب على السبب، لأن المراد: فمن دام على الكفر وضمير (عَلَيهِ) فأنت تنقله عنه وتصرفه إلى الإيمان، فالكفر سبب في العذاب، والإيمان سبب في الإبعاد.
قال ابن عطية: وأسقط الثاني في الفعل إما للفصل، مثل: حضر القاضي اليوم امرأة، وإما لتأنيث الكلمة غير حقيقي.
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: وإما لأن العذاب مذكور، فتوحي إضافة الكلمة إليه؛ لأنه الأهم المقصود بالذات.
قوله تعالى: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ).
يحتمل أن يريد من فوقها غرف لهم أيضا، كما ورد "أن أهل الجنة يرون الغرف كما ترون الكوكب الدري في السماء"، والظاهر الأول إذ به تتم النعمة، والأنهار تجري من تحت الجميع، أو تجري تحت الغرف العليا كما تجري تحت السفلى، فهو أكمل في باب النعمة.
قوله تعالى: (مَبْنِيَّةٌ).
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: بل هو إشارة إلى وجودها الآن، وأنها مخلوقة خلافا لمن أنكر ذلك.
قيل لابن عرفة: أو هذا إشارة إلى تنويعها إلى أصناف من الذهب والفضة والياقوت والزبرجد، كما أن البناء في الغرف يتنوع إلى الحجر والجص والجير، فليس الحائط كله زجاجا خالصا، ولا ذهبا خالصا، وإنما هو منوع فهو أعظم وأعجب.
стр. 1277
قوله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ).
أما فيما يرجع إلى الثواب فظاهر إذ لَا خلاف فيه، وأما فيما يرجع إلى العقاب، ففيه خلاف بيننا وبين المعتزلة في المعاصي؛ فنحن نقول: إنه في المشيئة، والمعتزلة يقولون: بتخليده في نار جهنم؛ فيكون عندنا مخصوص بالمعاصي.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)
فإن قلت: لم عبر في (أَنْزَلَ) وسلكه بالماضي، وقال (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا)، فعبر بالمستقبل؟ فالجواب بوجهين:
الأول: أن إنزال الماء في الأرض سبب في إخراج النبات، فناسب جعل السبب ماضيا ومسببه مستقبلا لتأخره عنه في الوجود.
الثاني: أن الماء إذا حصل في الأرض لَا يستغرقها ولا يتغير، والنبات إذا خرج يتغير وييبس فناسب أن يعبر عن الأول بالماضى المقتضي للتحقيق والثبوت، وعن الثاني بالمستقبل المقتضي للتجدد والاختلاف.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ).
إشارة إلى اتصافه بالمقدمات والدلائل المرشدة إلى الهداية.
قوله تعالى: (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ).
إشارة إلى حصول النتيجة عن ذلك، وأنه نظر فاهتدى.
قال: وفي الآية حذف التقابل، أي فيرى له (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)، فهم على ضلال من ربهم، وأسند الشرح إلى الصدر مبالغة وتخصيصا على الاتصاف بأسباب ذلك.
قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا).
ابن عرفة: لما تقدمها (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم) عقبه ببيان أن قساوة قُلُوبِهِم أمر ذاتي لها؛ لَا بسبب غموض الذكر والقرآن الملقى إليهم؛ بل هو أحسن الحديث وأبينه.
وذكر ابن عطية في سبب نزول الآية غير هذا.
ونقل الزمخشري، عن ابن مسعود: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ملوا ملة، فقالوا [حدثنا*] فنزلت.
стр. 1278
ابن عرفة: وفي هذا اللفظ [بعد*]، والصواب ما قلناه].
قوله تعالى: (مُتَشَابِهًا).
قال المفسرون: أي متماثل المعاني في الصحة والكلام والصدق، ونفع الخلق وتناسب ألفاظه.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يريد بالتشابه أن آياته متشابهات باعتبار الحفظ؛ بحيث تشتبه على من هو ضعيف الحفظ.
قوله تعالى: (مَثَانِيَ).
جمع مثنى أي مكرر ومردد لما بين من قصصه وأحكامه، أو إشارة إلى أنه مهما كرر في التلاوة يزداد حلاوة ولا يمل.
ابن عرفة: ويحتمل أن يراد به الدوام، يعني أنه محفوظ لَا يزال دائما يكرر ويقوى إلى آخر الدهر؛ بخلاف غيره من الكتب المنزلة.
قوله تعالى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ).
الزمخشري: إن قلت: [لم ذكرت*] الجلود وحدها أولا، ثم كرر [معها*] القلوب ثانيا؟ فأجاب: بأن ذكر الخشية أولا أغنى عن ذكر القلوب؛ لأنه محلها.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقدر الجواب: بأن وجوب السبب يستلزم وجود المسبب؛ فوصف الجلود بكونها مقشعرة مسبب عن وصف القلوب بالخشية والخوف، ووصف الجلود باللين [يقتضي نفيه*] عنها، ونفي المسبب لاستلزام السبب؛ فلذلك ذكرت القلوب ثانيا.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ).
قال ابن عرفة: ذكر اسم الإشارة، وإن كان مستغنى عنه؛ إشارة إلى تحقيق القرآن، [المعجز*] المشتمل على أخبار الصدق والمواعظ الحسنة، فلذلك فرقوا في باب الإيمان بين من حلف لَا آكل طعام فلان فأكله بعد انتقاله عن ملك فلان، قالوا: لا يحنث، وبين قوله: لَا أكلت هذا الطعام؛ فأكل منه أنه يحنث على كل حال.
قوله تعالى: (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ).
يؤخذ منه جواز القياس، ولاسيما القياس التمثيلي؛ لأنه تشبيه معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما.
стр. 1279
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾
إما تعليل التعليل أو تعليل بعد تعليل، فعلى الأول: المعنى رجاء أن يتذكروا؛ فيكون تذكرهم سببا في ترجي تقواهم.
وعلى الثاني: المعنى رجاء أن يحصل لهم التذكر والتقوى.
قيل لابن عرفة: فهلا عطف؟ فقال: الحكمان إذا كانا في غاية الاتصال، أو في غاية الانفصال لَا يعطفان.
قوله تعالى: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ).
قالوا إذا قلت: زيد ذو مال، فهو دليل على كثرة ماله، ومنه قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ)، ونحوه للقاضي عياض في حديث: "قد بلغ علي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال".
وقال السهيلي في الروض الأُنف في حديث هرقل في قول أبي سفيان: [هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ*] [**والانخفاض منه].
قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا).
لما تقدم أن القرآن يشتمل على ضرب الأمثال عقبه ببيان أن من حمله ذلك هذا المثل.
قوله تعالى: (فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ).
ذكر ابن عرفة كلام المفسرين، ثم قال: وكان بعضهم يحمله على أن طريق الحق واحدة، والضلال متعددة، فنسب ما أفصح به الزمخشري، في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فالمحق يتبع دليلا واحدا؛ والمبطل من نفسه [عنده*] الشهوات متعددة.
قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
إشارة إلى أن من ليس فيه [استثارة قابلة*] للعلم فجهله نعمة، لأن الحمد إنما هو على [النعم*].
قيل لابن عرفة: اختار جملة نعمة لغيره؛ لأنه نعمة به.
стр. 1280
فإن قلت: لم قال فيه شركاء [فعداه بـ في، و (سلما لرجل) *]: فعداه باللام، قلنا: اللام تفيد الاختصاص، وهو مناسب للمؤمن، والمشرك مناسب للظرفية؛ لأن كل واحد له فيه جزاء مظروف منه.
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ).
قال ابن عرفة: اعلم إنه تارة يكون المقصود نفي الثاني، والمقصود هنا ملزوم الشرطية، وهو أنه لَا يجتمع وجود ملكهم لما في الأرض ومثله وجه؛ مع عدم اقتدائهم به من سوء العذاب.
قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).
ابن عرفة: يحتمل أن يريد ما عظموه [حق*] تعظيمه، وهو مقتضي كلام المفسرين، ويحتمل أن ما عظموه مطلق تعظيمه؛ وهو الصواب، لقوله تعالى: في سورة الأنعام (إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) فهم أنكروا الرسالة، فلو عظموه [في مطلق التعظيم] لصدقوا الرسول الوارد عنه، والقرآن يفسر بعضه بعضا.
قيل لابن عرفة: تأكيده بالمصدر دليل على أن المراد أخص تعظيم، فقال: التأكيد يشعر بأن المراد التعظيم الواجب التكميلي.
قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قال ابن عرفة: عادتهم يوردون: فيه سؤالا، وهو أنه ما المناسبة لتعقبه بهذا مع هذا لَا يعقب إلا بما يناقضه، فيقال: ما عظمت زيدا؛ وهو شجاع عالم محظي عند الأمير؛ فتأتي بما يناقض عدم تعظيمك له في الحال لَا في المستقبل، ولا تقول: ما عظمت زيدا وهو بعد عشرين متصف بالشجاعة والعلم والحظوة، فالمناسب كان عدم تقييد الجملة بيوم القيامة، وأجيب: بأن العلم بتحقيق وقوع ذلك في المستقبل كاف في حصول التصديق به، واتصاف فاعله بكمال القدرة؛ لأن بعثة الرسول عندنا جائزة، وقد أخبر الرسول بوقوع المعاد الدار الآخرة، وهو حاصل بالدليل السمعي، ونسب الطي للسماوات دون الأرض لعظمتها، فكبر جرمها بالنسبة إلى الأرض؛ فليس وجوب المعاد مستفاد بالدليل العقلي إلا عند المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ... (٧٤)﴾
ابن عرفة: قالوا: لم عطفه بالواو؟ فأجابوا: بأنه لو لم يعطفه لتوهم إنه من تمام المقاولة مع الملائكة، كأن قائلا يقول: بالذي أجابوا به الملائكة، فيقال (الْحَمْدُ
стр. 1281
لِلَّهِ)، فلما عطفه بالواو دل على أنه معطوف على قوله تعالى: (وَفُتِحَت أَبْوَابُهَا)، وما بينهما جملة اعتراض.
فإن قلت؛ هل قال: (صَدَقنَا) في خبره؟ فالجواب: أن الصدق في الخبر واجب، والوفاء بالعهد مختلف فيه، قيل: يجب، وقيل: لَا يلزم؛ وإذا صدق حيث لا يلزم الصدق، فأحرى أن يصدق حيث يلزم الصدق، فهو من التنبيه بالأدنى على الأعلى.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ... (٧٥)﴾
يحتمل أن يريد حوله في [مقعَّره*] من داخل، [أو في مخْرجه من خارج،*]، وهو الذي تقدم لنا؛ هل خارجه [الخلا والملا*]؟
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا).
كان بعضهم يأخذ من هذه الآية أن جاء لَا يصدق إلا على من مضى ووصل إلى الشيء، بخلاف قولك: مضى زيد لعمرو، فإنه يحتمل أن يكون رجع من الطريق، وبقي المعنى مستفاد من قوله (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فما أفاد جاء إلا لدخول المحل.
* * *
стр. 1282
سُورَةُ غَافِرٍ (الْمُؤْمِن)
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ... (٧)﴾
قال الزمخشري: قيل: خلق الله تعالى خلقا يقال له: [إسرافيل*]: زاوية من زوايا العرش على كاهله.
ابن عرفة؛ إنما هذا إذا قلنا: إن السماء بسيطة، وأما إن كانت [كورية*]؛ فلا يحتاج إلى حامل، لأن الكورة تحمل بعضها بعضا، نعم إن مجموعها محتاج أن تحل بمستقر.
ابن عرفة: وهذا دليل على أن الملائكة أجسام لطيفة، وهو مذهب أهل السنة.
قوله تعالى: (وَمَنْ حَوْلَهُ).
يحتمل أن يكون حاملا ولا محمولا، أي لَا يكون ظلا؛ فيكون معطوفا على الذين يحملون العرش وخبره يسبحون.
قوله تعالى: (وَيُؤمِنُونَ بِهِ).
الزمخشري: ما فائدة قوله تعالى: (وَيُؤمِنُونَ بِهِ)؟، فأجاب: بأن فائدته إظهار شرف الإيمان والحض عليه.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بجواب آخر: وهو احتمال عود الضمير المجرور بأن على الحمد، أي ويؤمنون بحمد ربهم، بمعنى أنهم يعتقدون أنه المستحق للحمد؛ فإنا قد نجد في الدنيا بعضنا يحمد بعضا في الظاهر دون الباطن.
قوله تعالى: (رَحْمَةً وَعِلْمًا).
العلم عام، والرحمة إما عامة فما من عذاب منزل إلا وفي علم الله تعالى ما هو أعظم منه، وإما أنه مخصوص بذلك وبالغائب.
قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا).
احتج بها المعتزلة، ونحن نقول: إما أن المعاصي أقل والتوبة هنا من الكفر لقوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، وإما أن التوبة من الذنوب والمعاصي مسكوت عنه، وهذا الدعاء مقبول من البعض قطعا.
стр. 1283
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا).
أي وجبت.
قوله تعالى: (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).
حجة لمن يقول من المحدثين: إن الصاحب هو من دام الصحبة معك، خلافا لأكثر المحدثين في قولهم: إن الصاحب من رأى النبي ﷺ وجلس معه ولو لحظة.
قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا).
[المراد*] من قريش، وشبه حالهم في عذابهم وإهلاكهم، [بحال*]: أممهم السالفة أو عام فيهم، وفي الأمم السالفة، وشبه إهلاكهم في الدنيا إهلاكهم في الآخرة الموعود بوقوعه بهم.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ... (٨)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: إن الدعاء تحصيل الحاصل؛ لَا يجوز إذ لَا فائدة فيه؛ ووعد الله حق واجب وقوعه، وقال تعالى (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا)، قال: وأجيب: بأن الدعاء يتم لمن اتصف بالتوبة، واتباع سبيل الحق والدعاء لمن أحل بعض ذلك؛ لكن يلحقه بروحه في وفاته، ويدخله الجنة التي وعد المتقين، وراعى في هذه المعطوفات السبقية في الزمان، فالأب أنسب ثم الزوجات ثم الأولاد.
وقوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
مع أن المناسب الغفور الرحيم إشارة أن هذه النعمة محض تفضل منك ولا يجب عليك شيء.
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ... (١٧)﴾
قال ابن عرفة: هذا احتراس أو تتميم، أما تقرير كونه احتراسا فلأنه لما تقدمها (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، فقد يتوهم مَن [وُصف الزيادة*] في الحدود، فاحترس من ذلك بما يتضمن أن من [صفته*] العدل؟ فيجزي كل نفس ما كسبت لَا يزيد عليها ولا ينقص، وأما تقدير كونه تتميما، فلأنه لما تقدم اختصاص الله تعالى يومئذ بالملك والقهر والغلبة تممه بأن السلاطين والجبابرة أذلاء محكومون، فهو ينصف المظلوم من ظالمه؛ وإن كان جبارا عنيدا، [**وخبره بما كسبت وما كسب؛ فعلى قراءة
стр. 1284
السالكون]: المراد نجازي كل نفس بسبب كسبها الذي كسبت، فيرجع [سببه للجزاء*] وهو الثواب والعقاب، والجزاء يطلق على الإثم وهو المجزى به، وعلى المصدر، وهو [المجازاة*] وهي المحاسبة.
قوله تعالى: (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ).
مع أن الظلم منفي عن الله تعالى في الدنيا والآخرة، لكن التقييد بالظرف راجع إلى النَّاس فيما بينهم، أي لَا يظلم بعضهم بعضا يوم القيامة بخلاف الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ... (١٨)﴾
يحتمل أن يكون الظرف والعامل فيها ما في (الآزِفَةِ)، أي يوم الواقعة القريبة إذ الحناجر، ويكون عبر بإذ عن المستقبل بالتحقيق، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).
فإن قلت: المضاف إليه لَا يعمل، قلنا: قد عملت الجوامد، كقوله: أنا ابن جارية إذ حد النظر؛ وأحرى المضاف إليه، وجعله أبو حيان بدلا من قوله (يَوْمَ الآزِفَةِ) وأعرب (يَومَ الآزِفَةِ) مفعولا؛ فأخرجها عن الظرفية، وجعله من عمل الفعل في المفعول به لَا في الظرف.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ... (٢٠)﴾
يحتمل أن يريد بالقضاء الحكم فقط، ويحتمل الحكم والفعل، فيكون فيه شبهة للمعتزلة في أنه لَا يفعل القبائح؛ يحتمل أن يريد بالحق الأمر المستلزم للثواب، فحينئذ ترك هذه الشبهة، ويحتمل أن يريد به نفس الحق الذي هو ضد الباطل، وهذا إما في الدنيا والآخرة فهو الصواب، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ)، أو هو في الدنيا فقط.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا ... (٢١)﴾
يحتمل السير الحسي بالنظر في آثار الأمم السالفة وفي مساكنهم، وحمل السير المعنوي بالنظر في كتب التاريخ، ويؤخذ منه أن التواتر يفيد العلم، وأن العلم الحاصل عن التواتر نظري لَا ضروري؟ وفيه خلاف، قيل: إنه نظري، وقيل: إنه ضروري، وهذه الآية تدل على أنه نظري، كقوله (فَيَنْظُرُوا)، لكن هذا إن أريد به النظر بالفكر، إما أن أريد به النظر بالبصر والسير الحسي؛ فلا يؤخذ منه ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾
стр. 1285
ابن عرفة: كررت هذه القصص في القرآن كثيرا؛ وذلك لكثرة الوفود الواردين على النبي صلى الله محليه وعلى آله وسلم؛ [فيسمعها*] قوم، ولم يسمعها آخرون، فأنزلت القصة عليه لأجلهم بلفظ آخر، إما بحسب اختلاف الأذهان والعقول، وإما لأن الإخبار بها إذا أنزلت بلفظ آخر خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يسمع من غيره، بخلاف ما لو نزلت بلفظها الأول لكان يقول بعض الصحابة ممن سمعها قبل ذلك يشارك النبي صلى الله محليه وسلم في الإخبار بها للوفود الواردين عليه.
قال: والآيات المعجزات والسلطان المبين راجع إلى التحدي بها والاحتجاج، فهو من قبيل الإرجاع، كقولك: جاءني الشيخ والرجل الصالح، أو يكون السلطان راجع إلى ظهور المعجزة إلا المقترح، قال: وليس من شرطها ظهورها أو راجع إلى نتيجتها، قوله تعالى: (لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ) يحتمل أن يكون من باب العدم والملكة؛ فهم يعبدون ولا ينفعهم، أو من باب السلب والإيجاب؛ مثل الحائط لَا يبصر فهم لَا قدرة لهم على العبادة بوجه.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾
إما أن بعضهم، قال (سَاحِرٌ)، وبعضهم قال: (كَذَّابٌ)، أو كل واحد منهم قال ذلك، وهل المراد (كَذَّابٌ) ب الإطلاق، أو كذب في سحره إشارة إلى أن سحره توبة وتقوى وليس بحقيقي؛ لأن السحر عندهم محمود، إذ هو علم من العلوم، وعلى هذا فيكون أطلق الكذب على الفعل، وقد تقدم في حديث سليمان؛ حيث كان يظهر أنه يفعل ولا يفعل، أنه يؤخذ منه عدم إطلاق الكذب على الفعل، وظاهر كلام ابن التلمساني في باب الإخبار في صحة إطلاق الكذب عليه ونحوه لابن عطية في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا ... (٢٥)﴾
مع ما قبلها إشكال. لإيهامه أنه قبل ذلك [لم يكن جاءهم*]، كقولهم: جئت زيدا، فلما أخبرته بقصة عمرو خرج مسافرا، فمفهومه أنه قبل المجيء لم يخبره بذلك، فيلزم منه أنه يجيبهم بالحق، قيل ذلك بدليل قوله تعالى: (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذابٌ)، والجواب: إنه أولا لم يدعهم إلى الإيمان، بل أتى بالمعجزات فقط، ثم لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا ذلك، واعلم أن المبتدأ لَا يحذف إلا إذا كان الخبر لَا يصلح له؛ وكذلك هذا هو عندهم لَا يصح أن يوصف بالسحر إلا هذا الرجل.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ... (٢٧)﴾
стр. 1286
من باب عطف الصفات لَا الموصوفات، لئلا يلزم عليه تعدد الآلهة.
فإن قلت: هلا قال: ربنا، فيغلب ضمير المتكلم، لأنه الأصل؟ فالجواب: إنه قال (وَرَبِّكُمْ)، ليدخل فيه فرعون وقومه، ولو قال: وربنا، ما دخل فيه فرعون.
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾
ابن عرفة: اتبعوني بالإيمان، كقولك: قال الصالح: اتبعوني في الصلاح.
وقال الفقيه: اتبعوني في الفقه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ... (٣٩)﴾
أي تمتع زائد، والتمتع أمر عرضي، والعرض لَا يبقى زمنين، والقرار وهو دائم لأن مذهبنا: أن الأجسام فانية؛ ولابد لها من مستمر، والمتاع راجع إلى نفي المانع، والقرار راجع إلى وجود المقتضي؛ لأن التمتع مانع من الزهد في الدنيا والتقشف، وكون الآخرة دار مستقر تقتضي وجود الحرص على [الأسباب الموصلة*] إليها.
قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾
أي رزقا كثيرا دائما غير منقطع؛ لَا يحاسبون على كثيره بشيء.
قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ... (٤٤)﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول في مثل هذا، وفي قوله تعالى: (مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرسَلُونَ)، إنما المخبر بالشيء قبل وقوعه؛ تارة يخبر به لموجب ودليل عام عنده، وتارة يكون خبره لغير موجب، فإن أخبر به لموجب ثم وقع نحو ما أخبر به كان خبره صدقا، وإلا كان اتفاقيا ولم يكن صدقا، وكان يستشهد على ذلك بقول مالك ﵀ فيمن حلف بالطلاق؛ لتمطرن السماء غدا فأمطرت؛ فإنه تطلق عليه زوجته؛ لأن ذلك أمر اتفاقي لَا دليل عليه، فمعنى الآية سيظهر لكم صدقي وتندمون على اتباعي فيه؛ وتعلمون أني إنما قلته لكم لدليل ظهر لي وخفي عنكم.
قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ... (٤٦)﴾
نقل ابن عطية، عن الأوزاعي، أنه قال له رجل: [إني رأيت طيورا بيضا تغدو من البحر ثم ترجع بالعشي سودا مثلها، فقال الأوزاعي: تلك هي التي في حواصلها أرواح آل فرعون يحترق رياشها وتسود بالعرض على النار*].
стр. 1287
قيل لابن عرفة: وكيف تغدو من الغد [بيضا*]؟ فقال: لعل تلك الأرواح تنتقل من الغد إلى حواصل طيور أخرى بيض، أو لعل تلك الطيور نبت لها من الغد ريش أبيض؛ لأن ذلك خرق.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ... (٤٧)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: المحاجة مفاعلة واقعة من الجانبين؛ وهي هنا واقعة من الضعفاء فقط، وأما المستكبرون فإنهم قالوا: [إِنَّا كُلٌّ فِيهَا*]، وهذا ليس باحتجاج ولا جواب مع أن قول الضعفاء أتى كالتفسير للمحاجة، قال: وتقدم الجواب بأن الجملة المفسرة إنما تأتي غير معطوفة، والعطف يقتضي المغايرة إلا في قليل، كقوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) فهذا ما خرج عن ذلك؛ فلم يفسر والآية مخاطبتهم، بل ذكر ما يقولون بعد تمامها.
قيل لابن عرفة: أو يكون قول المستكبرين: إن الله قد حكم بين العباد هو الجواب: أي حكم بمساواتكم لنا في العذاب، فلا طاقة لنا على [تخفيفه*] عنكم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾
يؤخذ منه منع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين للاستسقاء في دار الدنيا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمعاذ لما بعثه إلى اليمن [وأهلها*] كفار: "واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب".
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٥١)﴾
ابن عطية: هذا إما عام مخصوص؛ لأن في الأنبياء من قتله قومه ولم ينصر عليهم كيحيى، وإما لأن المضرة واقعة بين وفاة من قتل منهم بالانتقام له في قومه في الدنيا.
ابن عرفة: فإن قيل: أن يحيى ﵇ ليس برسول فالمقام باق على عمومه، قلنا: هو داخل في عموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ... (٥٢)﴾
стр. 1288
الأصل [أن*] يقال: وعليهم اللعنة، لكن كان بعضهم يقول: عبر باللام المقتضية للملك والاستحقاق وإشعار استحقاقهم اللعنة، كأنهم حائزون لها [حوز المالك لها*].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ... (٥٣)﴾
ابن عرفة: هو [التوراة*] وأسباب الرشاد.
قوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ).
عبر بالوراثة؛ لأن بني إسرائيل طوائف تنتقل فيهم التوراة من جيل إلى جيل، فكان بعضهم يرثها عن بعض.
ابن عطية: والوراثة في حق الصدر الأول منهم مجاز.
ابن عرفة: بل حقيقة؛ لأنهم ورثوها عن موسى ﵇؛ وصاروا بعد موته هم القائمين بها؛ وعنهم أخذها أولادهم.
قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾
إن أريد به حقيقة الذكر؛ فيكون من باب ضربته الظهر والبطن، فالأمر بالتسبيح عام في كل الأزمنة، وإن أريد به الصلوات الخمس؛ فيكون على ظاهره وحقيقته، واختلفوا، ما الأفضل: فالصحيح أن الفكر في أوقاته المعينة في الحديث أفضل من قراءة القرآن في غير ذلك الوقت أفضل من الذكر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ... (٥٦)﴾
قال ابن عرفة: فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (أَتَاهُم)، مع أنه مستغن عنه؟
قال: عادتهم يجيبون: بأن السلطان المراد به الموجب، أي بغير شبهة توجب لهم عذر.
قيل لابن عرفة: السلطان هو الدليل لَا الشبهة، فقال: بل المراد به هنا الموجب، ومنهم من أجاب: بأن المراد الدليل النقلي والعقلي، فقوله تعالى: (بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُم) إشعار نفي الدليل السمعي، وقوله تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ)، إشعار بنفي الدليل العقلي، فدل على أن كفرهم [عناد*].
قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ).
قال ابن عرفة: إن قلت: لم كرر (لَا) في قوله تعالى: (وَلَا الْمُسِيءُ (٥٨) .. ، ولم يذكرها في قوله تعالى: (وَالْبَصِيرُ)؟
стр. 1289
قال: عادتهم يجيبون: بأن عدم مساواة الأعمى والبصير ظاهرة لَا تخفى على أحد، وعدم مساواة المسيء للصالح خفية لَا يدركها إلا من اطلع على حالهما معا، فلذلك كرره.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... (٦٠)﴾
قال: عادتهم يقولون: القرآن كله [قول الله تعالى*] فتخصيصه بنسبته إليه لَا بد له من فائدة، وهي الاعتناء بهذا، [وأن سُؤلك*] لَا يسوغ تركه، وقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، ولفظ الأمر فيه زيادة الإشعار بتأكد الطلب.
قال ابن عطية: ومعناه إن شئت ذلك.
قال ابن عرفة: لَا حاجة إلى تقييده بالمشيئة، لأن هذه الشرطية مطلقة كما تقدم لنا في الجواب عن الإشكال الوارد في قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ)، قال: وبيان ذلك أن القائل لزوجته: [إن دخلت الدار*] فأنت طالق، فلا تطلق [بالدخول*] إلا مرة واحدة، ولا يتكرر عليه الطلاق بدخولها مرارا، فالمطلق يصدق وقد وجدنا بعض [الداعين*] يستجاب، فتصدق الشرطية بذلك، أو يجاب: بأن كل داع يستجاب له، ومن لَا يستجاب له لم يكن أخلص النية، أو استجيب له بإدخال الثواب باستجابة الدعاء وحفظه الليل والنهار ونقصه، والخبر هو المبتدأ لكن أفاد بما ذكر معه من الأوصاف، وقدم هنا صفة الخلق على كلمة التوحيد، وعكس في الأنعام لتقدم ذكر المخلوقات هنا.
قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾
استغراب وتعجب من صرفهم على الإيمان به، ثم قال: كذلك [يؤفك*] على وجه التسلية للنبي ﷺ ، و [يؤفك*] حكاية حال ماضية، أي كذلك فعل الذين من قبلهم.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ... (٦٤)﴾
ابن عرفة: انظر هل يؤخذ أنها [كورية*]، وأنها كالقبة، فهي [نصف*] دائرة، لكن يقال: لو كانت نصف دائرة لانكشف عنه دورانها.
قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ).
قالوا: الإنسان هو أحسن الحيوانات خلقا، كما قال الله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
стр. 1290
فإن قلت: إنه غير عام فإن فيه الأعرج والأحدب والأعمى، قلنا: أحكام الخلق لها اعتبارات، فإن اعتبر بالنسبة إلى المفعول فيرد ما قلتموه، وإن اعتبر بالنظر إلى الفاعل فإِنه عام؛ لأنه فعل كله بحكم متقن دال على [اتصاف*] فاعله بالقدرة والإرادة وصفات الكمال، وتفاوته لَا يقدح في إبداعه، ويحتمل أن يقال: إن كل أحدب هو أحسن من غيره من الحيوانات، فمن هو أحدب وأعمى من النَّاس أحسن من أعمى من غيره.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... (٦٦)﴾
قال ابن عرفة: التعبير عن المنع عن الشيء بلفظ النهي يشعر بأن المكلف بذلك كان ملتبسا به قبل النهي، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعبد آلهتهم قط، وفرق بين قولك: لَا تفعل كذا، وبين قولك: نهيتك من فعل كذا، فالأول: يقتضي المنع المطلق، والثاني: يقتضي المنع مما أنت فاعله.
قال: والجواب: أن النهي عن المنتهي يقتضي اتصاف أمثاله به، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان بين أظهر المشركين فنهي عن أن يتصف بصفاتهم، قال: وعادة الشيوخ يذكرون سؤالا موردا في حسن الائتلاف؛ وهو لم [أسند*] لفظ العبادة ولفظ الدعاء لآلهتهم، وهلا قال: أن أعبد الذين تعبدون، أو يقول: أن أدعو الذين تدعون، أو يقول: إن الذين تعبدون فما السر في ذلك؟
قال: فأجابوا: بأن المراد بالعبادة الخضوع، أي نهيت أن أخضع للذين [دعوتموهم*] آلهة، والخضوع يستلزم أن يدعوهم آلهة بل هو أعم، فناسب إسناد النهي للأعم المطلق؛ لكونه يستلزم النهي عما فوق من باب [أحرى*]، فاستعمل الأخص في الثبوت والأعم في النهي.
فإن قلت: قوله تعالى: (لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي)، مفهومه أنه كان متصفا بذلك قبل مجيء البينات؟ فالجواب: بأن النهي له والمراد غيره، وإما أن يراد بالبينات مطلق الوحي المنزل عليه وعلى من قبله من الأمم، ولا شك أنه كان حين بلوغه متشرعا بشريعة إبراهيم صلى الله عليه وعلى آلهما وسلم، وإنما يرد السؤال لو قلنا: المراد لما حضر زمن إرساله ونزول الوحي عليه.
قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
стр. 1291
المراد بالإسلام العملي الراجع للصلاة والصوم والزكاة، والأول أمر عملي اعتقادي، والنهي عما تقدم إما بالشرع أو بالعقل أو بهما، فيرجع إما للحكم فهو شرعي، أو للدليل فهو عقلي أو لهما معا.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ... (٦٩)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق التنبيه على كمال الله تعالى بالقدرة، وأخرج عالم الإنسان من العدم للوجود، وتصويره ونقله من حال إلى حال، ثم نقل إلى حالة العدم، واتصافه بالحياة والوحدانية عقبه بذم حالة المجادلين في آيات الله مع وضوحها، وآيات الله إما القرآن وإما المعجزات.
ابن عرفة:، وتقدم في الآية سؤالا قد خفي ظهوره، وهو أن الجملة المتضمنة لمعنى إذا؛ عقبت بالإنكار، فإنما يريد فيها نقيض لازم ذلك المعنى، ولا يتكرر فيها عين لازمه، تقول: أحسنت إليك فكيف تكفرني، ولا تقول: أحسنت إليك فكيف تشكرني، لأن الشكر من لوازم الإحسان والإنكار هنا تسلط على صرفهم عن الآية وهو عين لازم المجادلة فيها، قال: والجواب: أن ذلك إذا كان هو العجب بأمر خارجي عن المعنى الأول، فحينئذ تؤتى فيه بعين اللازم، كقولك: من لم يعلم إنتاج الشكل الأول فكيف يدرك بعقله إنتاج الشكل الثاني، وهنا التقدير كيف تجادلون فيها وأنى يصرفون عن المانع من خبر الذم.
قلت: وقال ابن عطية في قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي كيف تصرفون عن طريق النظر والهدى.
وقال الزمخشري: كيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان.
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)﴾
وفيه الفاء للتعقيب وسوف للتنفيس، فكيف صح الجمع بينهما؟ فالجواب: إن التعقيب لذات الشيء، والتنفيس للعليم بذلك، وفرق بين كون الأغلال في أعناقهم وعلمهم قبل نزوله بهم ليس كعلمه بعد حلوله بهم.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَاسِلُ ... (٧١)﴾
بالخفض.
ابن عطية: على [النصب*]، أي إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، مثل: أدخلت القلنسوة في رأسي.
стр. 1292
قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا أنه على ظاهره وليس على القلب، والمراد أن الأغلال في السلاسل، والسلاسل في أعناقهم، فالأغلال في أعناقهم، وقد أراني الفقيه أبو سعيد الغبريني أثر القيد في عبد تهادت ساقه [**طرفا] لهم، وهم يجرونها.
قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ... (٧٤)﴾
قال ابن عطية: فدعوا إلى الكذب وهذا من أشد الاختلاط وأبين الفساد.
وقال الزمخشري: أي شيئا، أي نبين لهم أنهم لم يكونوا شيئا، كما تقول: حسبت أن فلانا شيئا، فإذا هو ليس بشيء.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ).
ابن عرفة: مثل ضلال الأصنام وغيبتهم عنهم في الآخرة، يضل الله الكافرين في الدنيا [حين*] طلبوا الآلهة وطلبتهم الآلهة [لم يتعارفوا*].
قلت: والمعنى على ما قال ابن عطية، أي مثل ضلالهم في الآخرة بكذبهم في إنكارهم عبادتهم الأصنام فضلهم الله في الدنيا لعبادتهم لها.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... (٧٥)﴾
ابن عرفة: [يوجب*] أن الفرح بغير الحق كبيرة لترتب العقاب الأبدي عليه.
فإِن قلت: العقاب عليه وعلى المدح بعاقله هل هو على كل واحد منهما بانفراد؟ قال: وانظر هل الفرح بغير المباح داخل في ذلك أم لَا؟ قلنا: تجري على الخلاف في المباحِ هل هو حكم شرعي أو لَا؟ وتقدم [نظيره*] في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا).
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... (٧٧)﴾
قال ابن سلامة في شرح أسماء الله الحسنى: صرح مسلم أن النبي ﷺ إذا قام من الليل يصلي، يقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض" الحديث، وفيه: "أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق والساعة حق"، فلما ذكر ذات الله وصفاته عرف الحق بالألف
стр. 1293
واللام، ولما ذكر لقاء الله والجنة والنار نكر الحق ليظهر الفرق والله أعلم مبين ذاته وأفعاله، وأنه الحق الذي لم يكن لغيره وإن كان حقا سواه قائما هو به وبإثباته لولي.
ابن عرفة: أراد أنه عرف الحق الذي هو صفة ذات وصفة نفس، لأن الوعد هو الكلام وكلام الله نفسي لَا لفظي لكن ترد عليه تنكيرا في هذه الآية.
قوله تعالى: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ).
قال ابن عرفة: هذه شرطية متضمنة مانعة الخلو من غير مقدمها ونقيض تاليها، أي فإما نرينك قبل وفاتك وبعض الذي نعدهم أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا يرجعون فتنتقم لك منهم على كل حال لهم، قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (٧٨) .. أي إلا بأمر الله أو لَا يخلق الله القدرة على ذلك.
قوله تعالى: (قُضِيَ بِالْحَقِّ).
راجع إما للحكم أو التنفيذ، والمراد به تنفيذ الحكم الواقع أزلا وهو إظهاره.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا ... (٧٩)﴾
قال الزمخشري: [الإبل خاصة*].
وقال ابن عطية؛ هي الأزواج الثمانية.
وقال الطبري: إن الأنعام في هذه: يعم البقر، والإبل، والغنم، والخيل، والبغال، والدواب، وغير ذلك.
ويحكي ابن [رشد*] في البيان قولا: بأن الأنعام يدخل تحتها الظباء.
قوله تعالى: (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا).
كان بعضهم يقول للفعل لأنه فعل للعلة لأن الله تعالى لَا يفعل [للغرض*]، لكن أفعاله معللة شرعا.
قوله تعالى: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ).
هذا من عطف العام على الخاص لأن المركوب خاص ببعض النَّاس، وخاص بالإبل والأكل عام في جميع النَّاس، وعام في جميع الأنعام.
قوله تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ... (٨٠)﴾
من عطف الخاص على العام؛ لأن المنافع خاصة في جميعها من الصوف والوبر وغيره.
стр. 1294
قوله تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ ... (٨٢)﴾
راجع إلى الملائكة، وقوله (وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) للكيفية وشدة القوة تارة يظهر آثارها، وتارة لَا يظهر لها أثر، ويؤخذ منه أن التواتر يفيد العلم لأنا نشاهد آثار من مضى وأعمالهم وآنيتهم ولا نعلم إنها آثارهم إلا بخبر التواتر.
قوله تعالى: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ).
إما نفي أو استفهام على سبيل الإنكار والعجب.
قوله تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ... (٨٣)﴾
حكى الزمخشري فيه [وجوها: منها: أنه على طريق التهكم في قوله تعالى بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ: وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب*].
* * *
стр. 1295
سُورَةُ فُصِّلَتْ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ... (٥)﴾
قال ابن عرفة: هذه إشارة إلى إنكارهم الدليل العقلي الدال على وجود الله ووحدانيته.
قال الشيخ: اليوم قطعة من الزمان.
فإن قلنا: الزمان حركة الفلك فما معني اليومين إذ ذاك، فإن قلت: الزمان عبارة عن مقارنة حادث لحادث ولا يلزم عليه ما ذكرت، قلت: ذلك كلام خرج من قائله على غير تحصيله وإلا فيلزم إن كان زمان مضى زمان أصلا؛ لأنه قد انقضى ولم [يزل*] الحادثان، ويلزم أن نكون نحن صحابة؛ لأن زمانهم لم يزل يطلق على زمان مع حدوثنا نحن، وهذا كله باطل.
قال الشيخ: وسؤال الزمخشري هنا أنه لم ينثني عمل انحصاره، قلت: فيما قاله [نظر*] بل ينبغي أن [نفسر*] الآية بغير ذلك ولا يلزم عليه سؤال، وهو أن قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) الآية ليس معطوفا على خلق الأرض وإنَّمَا ذلك كلام قديم، وثَمَّ محذوف تقديره فعل ذلك واسمها (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ).
إن قلت: خطابه لهما هل هو حقيقة أم لَا؟ قلت: اقتران الأمر بذلك الطوع والكره دليل على أن كلامه لهما حقيقة، لأن الطوع والكره لَا يكون إلا من المخاطب حقيقة الموصوف بالحياة، وكذلك قوله تعالى: [(أَتَيْنَا) *] دليل على أن كلامهن حقيقة.
قوله تعالى: (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)
إنكار منهم للدليل السمعي الدال على وجود المعاد والدار الآخرة.
قوله تعالى: (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ).
إنكار للمعجزات المرسلات بالبصر، فأنكروا المعقول والمسموع والمبصر.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا ... (١٣)﴾
ابن عرفة: علقه بالإعراض وهو أخف من التكذيب ومن التولي ليفيد العقوبة على ما فوقه من باب أحرى.
стр. 1296
قال: وفي الآية دليل على وجوب النظر، قال: والتعبير بلفظه أن فعلهم حتى كأنه غير واقع منهم اعتبارا بالأمر الشرعي لَا العادي مثل صاعقة [عاد وثمود*].
قال ابن عرفة: إن كانت صاعقة ثمود مثل صاعقة عاد لزم التكرار من غير فائدة، وإن كانت مخالفة لها لزم مماثلة الشيء بواحد لأمرين مختلفين وهو باطل، قال: والمثلان عند الفقه باعتبار العادة هما المتساويان في الأمور الأعمية من جميع الوجوه، وعند المتكلمين هما المتفقان في صفات النفس وإن اختلفا في الأمور الأعمية فإِن كانت هذه الصاعقة فلأنها في تشبيهها بصاعقة ثمود، وإن كانت مماثلة لأحدهما ومخالفة للأخرى فلا يصح التشبيه، قال: وتقدم الجواب بأن التعدد في التشبيه مبالغة في تأكد العذاب وتكرره، وإنه يحل ببعضهم صاعقة كصاعقة عاد، ويحل ببعضهم أخرى كصاعقة ثمود.
قلت: فالمماثلة في وقوع الصاعقة من حيث كونها آية والمخالفة في صفتها.
قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... (١٤)﴾
ابن عطية: أي في أول تكليفهم، (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي في آخر عمرهم.
الزمخشري: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) أي من بين أيدي الأمم ومن خلفها الرسل المرسلين إليهم، أي جاءتهم رسل بعد رسل.
قوله تعالى: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً).
ابن عرفة: الصواب تفسير لها أي لو شاء الله إرسال الرسل لأنزل ملائكته لكنه لم ينزل فلم يرسل رسلا.
ولكن كما قال أبو حيان: لما صح الاستثناء لأنه يكون التقدير: لكنه لم ينزل ملائكة فلم يرسل إلينا ملائكة، والغرض أنه كذلك وقع فلم يتم له، فالصواب أنه يرد مفعول بشاهد غير جواب لواو لازمة.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ... (١٦)﴾
قال ابن عطية: (صَرْصَرًا) هو من صر يصر إذا صوت صوتا يشبه الصاد والراء، وكذلك يجيء صوت الريح أكثر الأوقات.
قال ابن عرفة: قالوا: الطباق هو موافقة اللفظ للمعنى إما في الإفراد، كقولهم: [صرصر البازي*]، [وصرصر العصفور*]، وإما في التركيب، كقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤).
стр. 1297
قال: (اللَّيْلِ) [مفارق*] للنهار، و (الذَّكَرَ) مفارق للأنثى، وكذا (سَعْيَكُم) متفرق مخالف بعضه لبعض.
قال ابن عطية في الحديث: إن الله أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد قدر حلقة الخاتم ولو فتحوا بقدر منخر الثور لهلكت الدنيا.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إن عادا كفروا لقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) فعذبهم الله تعالى بأضعف شيء من العناصر لأن الريح أضعف من جنس التراب والحجر وغير ذلك من العناصر تعجيزا لهم في افتخارهم بالقوة.
ابن عرفة: قال: وهنا أيام نحسات، وفي سورة القمر: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) فدل على صحتها.
قال الأصوليون: في الواحد بالشخص، والواحد بالنوع، قيل لابن عرفة: هذا دليل على أن الزمان موجود لأن حلول الريح فيه دليل على أنه موجود، فقال: وكذلك هو عندنا لأنه حركات الأفلاك أو مقارنة حادث لحادث.
قوله تعالى: (عَذَابَ الْخِزْيِ).
مقابل لقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) لأن الخزي هو الاحتقار.
قوله تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ).
تعليل للفعل لأنه فعل العلة، أعني أنه ليس بفعل [للغرض*] فهو تعليل شرعي جعلي عقلي.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ ... (١٧)﴾
قال ابن عرفة: تحامل الزمخشري هنا على أهل السنة وسماهم قدرية، فقال: ولم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة النبي ﷺ وكفى به شهيدا إلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ ... (١٩)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر لمن يقول لشخص: يا عدو الله إنه لَا يقتل لأنه إنما يقصد به المبالغة والمعصية، وربما يقوله بعضهم على جهة المدح، قيل له: مقتضى قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) إنه كافر، فقال الظاهر: إنه غير كافر.
قوله تعالى: (فَهُمْ يُوزَعُونَ).
стр. 1298
أي يجلس أولهم حتى يجيء آخرهم وكذلك مقتضى الجمع.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا ... (٢٠)﴾
زيادة (مَا) للتأكيد أي حتى إذا جاءوها.
وقيل: لتأكيد ملزومية الشرط للجزاء لأنها لتأكيد الشرط وحده.
قال ابن عرفة: وحاسة البصر أفضل من حاسة السمع بدليل أن موسى ﵊ أكرم بسماع الكلام الأزلي ولم [يحظ بالرؤية*].
قيل لابن عرفة: لم يكن في الأنبياء أصم، وقد كان شعيب ﵇ أعمى فدل على أن الصمم عيب بخلاف العمى.
قوله تعالى: (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).
فهدى [ثمود*] بالضلال الذي هو مقابله.
قلت: هو من حذف التقابل، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والتقدير: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ... (٣٣)﴾
وقال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)؟ ويجاب: بأنهما متساويان في الحسن، كما تقدم في قوِله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ... (٣٤)﴾
إما ضدان أو نقيضان أو خلافان، فلا يصح أن يكونا نقيضين لأن عدم المساواة بين النقيضين معلوم بالبديهة، فهما ضدان لصحة ارتفاعهما عن الشيء الواحد فلا يكون حسنة ولا سيئة، ويحتمل أن يكون المراد لَا تستوي الحسنة ولا عدمها، وإن الحسنات في ذواتها متفاوتة فهي غير مستوية والسيئات كذلك بعضها أعظم من بعض.
قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ).
стр. 1299
إن قلت: لم عبر بهذا ولم يقل: فإذا الذي هو عدوك؟ فالجواب: أن هذا يفيد حصول العداوة من الجانبين، وكل واحد منهما عدو لصاحبه، ولو قيل: فإذا الذي هو عدوك لَا، فإذا العداوة من أحد الجانبين فقط.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾
أي من الصبر أو من العقل ولا يحصل ذلك إلا من اتصف بالصبر، وهذا أخص من الأول.
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ... (٣٦)﴾
الزمخشري: النزغ هو النخس.
ابن عرفة: وهذا على سبيل [الفرض*] كان ملزومية المقدم للتالي لَا يدل على وقوعه، مثل: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)، ولذلك أتى فيه بكلمة إن قلت: هو حقيقة، قال: أو هو مجاز، وشبهه بعضهم بطائر مؤذ أغار على بستان فلا يؤذيه ولا يقصد إذايته لعلمه أنه لَا يقبل الإذاية لكنه يمر عليه ويقصد إذايته، ويمنعه من ذلك مانع، وتارة يقصد إذايته فيؤذيه، فالأول: حالة الشيطان عليه اللعنة مع الأنبياء ﵈، والثاني: حاله مع الأولياء يوسوس لهم فلا يعطونه، والثالثة: حالة مع سائر النَّاس من العصاة.
قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ... (٤٢)﴾
ابن عطية: أي مما قبله من الكتب و (مِنْ خَلْفِهِ) أي مما بعده من نظر ناظر أو فكرة عاقل، أي لَا يتعلق به إبطال مبطل متقدم ولا متأخر.
ابن عرفة: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) على هذا متعلق بالباطل لَا يتأتى لأن يأتي مستقبل، و (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) مأمن له، قلت: أو يكون حالا من الباطل.
قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ... (٤٣)﴾
فسر بمعنيين:
أحدهما: [ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم*].
الثاني: ما يقال لك من الوحي في الكتاب المنزل عليك إلا ما قد قيل للرسل في الكتب المنزلة عليهم، أو ما يقال لك من الوحي بالأحكام والشرائع إلا ما قد قيل [لغيرك*]، فالمقول له على هذا مثل ما قد قيل لغيره لأنه غير ما قد قيل لغيره.
стр. 1300
ابن عرفة: ويحتمل أن يراد ما يقال لك من كلمة التوحيد واعتقاد ما يجب لله وما يستحيل عليه إلا ما قد قيل لغيرك من الرسل، فالمقول على هذا نوعين: ما قيل لغيره وهو كلمة لَا إله إلا الله.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ).
ولم يقل: ذو مغفرة شاملة، كما قال تعالى (وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) تغليبا للخوف على جانب الرجاء.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا ... (٤٧)﴾
أما معطوف على الساعة، أي داليه يرد علم الساعة، (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ) فما موصولة فهو منحصر في علم الله، وإمَّا متصل بما بعده وما نافية.
قال ابن عرفة: والثمرات بعد حصولها في الأكمام قد يدعي أحد علمها، وكذلك الحمل بعد ظهوره، وأما قبل حصول الثمرات في الكم فلا يقدر أحد أن يدعي علمها، وكذلك النطفة حين حصولها في الرحم لَا يعلم أحد لها بوجه، فلذلك أسند العلم إلى الله تعالى في حالة إمكان ادعاء العلمِ بها فأحرى في حال عدم ادعائه. قوله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ... (٥١)
قال ابن عرفة: النأي عن الشيء البعد منه أقوى من الإعراض عنه، فلذلك عطفه عليه أو يكون الاعتراض من صفة المؤمن، والنأي من صفة الكافر أو هو قدر مشترك بين الجميع، وعبر هنا بالفعل مبالغة في ذمه بمطلق الإعراض، ثم عبر بالاسم، في قوله تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) مبالغة في ذمه بكثرة الإلحاح وملازمته له عند نزول الشدائد به.
قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ).
لأن العرض يستلزم الطول فكل عريض طويل والطويل قد لَا يكون عريضا.
ابن عرفة: هذا لَا يصح، فإن الطول والعرض أمران نسبيان، فالشيء لَا بد له من طول وعرض، وكذلك الخيط لَا بد له من طول وعرض، والصواب كأن يقول: عظم العرض يستلزم الطول، والطول لَا يستلزم العرض، بدليل المفتول والحبل فإنهما طويلان قليلا العرض بخلاف [ما لو*] كان الشيء كثير العرض، فإن طوله إما أن يكون قدر عرضه، أو أعظم منه، ولا يكون أقل منه أصلا بوجه.