← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قال: وفي الآية دليل على وجوب النظر، قال: والتعبير بلفظه أن فعلهم حتى كأنه غير واقع منهم اعتبارا بالأمر الشرعي لَا العادي مثل صاعقة [عاد وثمود*]. قال ابن عرفة: إن كانت صاعقة ثمود مثل صاعقة عاد لزم التكرار من غير فائدة، وإن كانت مخالفة لها لزم مماثلة الشيء بواحد لأمرين مختلفين وهو باطل، قال: والمثلان عند الفقه باعتبار العادة هما المتساويان في الأمور الأعمية من جميع الوجوه، وعند المتكلمين هما المتفقان في صفات النفس وإن اختلفا في الأمور الأعمية فإِن كانت هذه الصاعقة فلأنها في تشبيهها بصاعقة ثمود، وإن كانت مماثلة لأحدهما ومخالفة للأخرى فلا يصح التشبيه، قال: وتقدم الجواب بأن التعدد في التشبيه مبالغة في تأكد العذاب وتكرره، وإنه يحل ببعضهم صاعقة كصاعقة عاد، ويحل ببعضهم أخرى كصاعقة ثمود. قلت: فالمماثلة في وقوع الصاعقة من حيث كونها آية والمخالفة في صفتها. قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... (١٤)﴾ ابن عطية: أي في أول تكليفهم، (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي في آخر عمرهم. الزمخشري: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) أي من بين أيدي الأمم ومن خلفها الرسل المرسلين إليهم، أي جاءتهم رسل بعد رسل. قوله تعالى: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً). ابن عرفة: الصواب تفسير لها أي لو شاء الله إرسال الرسل لأنزل ملائكته لكنه لم ينزل فلم يرسل رسلا. ولكن كما قال أبو حيان: لما صح الاستثناء لأنه يكون التقدير: لكنه لم ينزل ملائكة فلم يرسل إلينا ملائكة، والغرض أنه كذلك وقع فلم يتم له، فالصواب أنه يرد مفعول بشاهد غير جواب لواو لازمة. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ... (١٦)﴾ قال ابن عطية: (صَرْصَرًا) هو من صر يصر إذا صوت صوتا يشبه الصاد والراء، وكذلك يجيء صوت الريح أكثر الأوقات. قال ابن عرفة: قالوا: الطباق هو موافقة اللفظ للمعنى إما في الإفراد، كقولهم: [صرصر البازي*]، [وصرصر العصفور*]، وإما في التركيب، كقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤).

стр. 1297

قال: (اللَّيْلِ) [مفارق*] للنهار، و (الذَّكَرَ) مفارق للأنثى، وكذا (سَعْيَكُم) متفرق مخالف بعضه لبعض. قال ابن عطية في الحديث: إن الله أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد قدر حلقة الخاتم ولو فتحوا بقدر منخر الثور لهلكت الدنيا. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إن عادا كفروا لقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) فعذبهم الله تعالى بأضعف شيء من العناصر لأن الريح أضعف من جنس التراب والحجر وغير ذلك من العناصر تعجيزا لهم في افتخارهم بالقوة. ابن عرفة: قال: وهنا أيام نحسات، وفي سورة القمر: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) فدل على صحتها. قال الأصوليون: في الواحد بالشخص، والواحد بالنوع، قيل لابن عرفة: هذا دليل على أن الزمان موجود لأن حلول الريح فيه دليل على أنه موجود، فقال: وكذلك هو عندنا لأنه حركات الأفلاك أو مقارنة حادث لحادث. قوله تعالى: (عَذَابَ الْخِزْيِ). مقابل لقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) لأن الخزي هو الاحتقار. قوله تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ). تعليل للفعل لأنه فعل العلة، أعني أنه ليس بفعل [للغرض*] فهو تعليل شرعي جعلي عقلي. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ ... (١٧)﴾ قال ابن عرفة: تحامل الزمخشري هنا على أهل السنة وسماهم قدرية، فقال: ولم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة النبي ﷺ وكفى به شهيدا إلا هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ ... (١٩)﴾ قال ابن عرفة: الظاهر لمن يقول لشخص: يا عدو الله إنه لَا يقتل لأنه إنما يقصد به المبالغة والمعصية، وربما يقوله بعضهم على جهة المدح، قيل له: مقتضى قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) إنه كافر، فقال الظاهر: إنه غير كافر. قوله تعالى: (فَهُمْ يُوزَعُونَ).

стр. 1298

أي يجلس أولهم حتى يجيء آخرهم وكذلك مقتضى الجمع. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا ... (٢٠)﴾ زيادة (مَا) للتأكيد أي حتى إذا جاءوها. وقيل: لتأكيد ملزومية الشرط للجزاء لأنها لتأكيد الشرط وحده. قال ابن عرفة: وحاسة البصر أفضل من حاسة السمع بدليل أن موسى ﵊ أكرم بسماع الكلام الأزلي ولم [يحظ بالرؤية*]. قيل لابن عرفة: لم يكن في الأنبياء أصم، وقد كان شعيب ﵇ أعمى فدل على أن الصمم عيب بخلاف العمى. قوله تعالى: (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى). فهدى [ثمود*] بالضلال الذي هو مقابله. قلت: هو من حذف التقابل، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والتقدير: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ... (٣٣)﴾ وقال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)؟ ويجاب: بأنهما متساويان في الحسن، كما تقدم في قوِله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ... (٣٤)﴾ إما ضدان أو نقيضان أو خلافان، فلا يصح أن يكونا نقيضين لأن عدم المساواة بين النقيضين معلوم بالبديهة، فهما ضدان لصحة ارتفاعهما عن الشيء الواحد فلا يكون حسنة ولا سيئة، ويحتمل أن يكون المراد لَا تستوي الحسنة ولا عدمها، وإن الحسنات في ذواتها متفاوتة فهي غير مستوية والسيئات كذلك بعضها أعظم من بعض. قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ).

стр. 1299

إن قلت: لم عبر بهذا ولم يقل: فإذا الذي هو عدوك؟ فالجواب: أن هذا يفيد حصول العداوة من الجانبين، وكل واحد منهما عدو لصاحبه، ولو قيل: فإذا الذي هو عدوك لَا، فإذا العداوة من أحد الجانبين فقط. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ أي من الصبر أو من العقل ولا يحصل ذلك إلا من اتصف بالصبر، وهذا أخص من الأول. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ... (٣٦)﴾ الزمخشري: النزغ هو النخس. ابن عرفة: وهذا على سبيل [الفرض*] كان ملزومية المقدم للتالي لَا يدل على وقوعه، مثل: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)، ولذلك أتى فيه بكلمة إن قلت: هو حقيقة، قال: أو هو مجاز، وشبهه بعضهم بطائر مؤذ أغار على بستان فلا يؤذيه ولا يقصد إذايته لعلمه أنه لَا يقبل الإذاية لكنه يمر عليه ويقصد إذايته، ويمنعه من ذلك مانع، وتارة يقصد إذايته فيؤذيه، فالأول: حالة الشيطان عليه اللعنة مع الأنبياء ﵈، والثاني: حاله مع الأولياء يوسوس لهم فلا يعطونه، والثالثة: حالة مع سائر النَّاس من العصاة. قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ... (٤٢)﴾ ابن عطية: أي مما قبله من الكتب و (مِنْ خَلْفِهِ) أي مما بعده من نظر ناظر أو فكرة عاقل، أي لَا يتعلق به إبطال مبطل متقدم ولا متأخر. ابن عرفة: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) على هذا متعلق بالباطل لَا يتأتى لأن يأتي مستقبل، و (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) مأمن له، قلت: أو يكون حالا من الباطل. قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ... (٤٣)﴾ فسر بمعنيين: أحدهما: [ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم*]. الثاني: ما يقال لك من الوحي في الكتاب المنزل عليك إلا ما قد قيل للرسل في الكتب المنزلة عليهم، أو ما يقال لك من الوحي بالأحكام والشرائع إلا ما قد قيل [لغيرك*]، فالمقول له على هذا مثل ما قد قيل لغيره لأنه غير ما قد قيل لغيره.

стр. 1300

ابن عرفة: ويحتمل أن يراد ما يقال لك من كلمة التوحيد واعتقاد ما يجب لله وما يستحيل عليه إلا ما قد قيل لغيرك من الرسل، فالمقول على هذا نوعين: ما قيل لغيره وهو كلمة لَا إله إلا الله. قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ). ولم يقل: ذو مغفرة شاملة، كما قال تعالى (وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) تغليبا للخوف على جانب الرجاء. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا ... (٤٧)﴾ أما معطوف على الساعة، أي داليه يرد علم الساعة، (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ) فما موصولة فهو منحصر في علم الله، وإمَّا متصل بما بعده وما نافية. قال ابن عرفة: والثمرات بعد حصولها في الأكمام قد يدعي أحد علمها، وكذلك الحمل بعد ظهوره، وأما قبل حصول الثمرات في الكم فلا يقدر أحد أن يدعي علمها، وكذلك النطفة حين حصولها في الرحم لَا يعلم أحد لها بوجه، فلذلك أسند العلم إلى الله تعالى في حالة إمكان ادعاء العلمِ بها فأحرى في حال عدم ادعائه. قوله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ... (٥١) قال ابن عرفة: النأي عن الشيء البعد منه أقوى من الإعراض عنه، فلذلك عطفه عليه أو يكون الاعتراض من صفة المؤمن، والنأي من صفة الكافر أو هو قدر مشترك بين الجميع، وعبر هنا بالفعل مبالغة في ذمه بمطلق الإعراض، ثم عبر بالاسم، في قوله تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) مبالغة في ذمه بكثرة الإلحاح وملازمته له عند نزول الشدائد به. قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ). لأن العرض يستلزم الطول فكل عريض طويل والطويل قد لَا يكون عريضا. ابن عرفة: هذا لَا يصح، فإن الطول والعرض أمران نسبيان، فالشيء لَا بد له من طول وعرض، وكذلك الخيط لَا بد له من طول وعرض، والصواب كأن يقول: عظم العرض يستلزم الطول، والطول لَا يستلزم العرض، بدليل المفتول والحبل فإنهما طويلان قليلا العرض بخلاف [ما لو*] كان الشيء كثير العرض، فإن طوله إما أن يكون قدر عرضه، أو أعظم منه، ولا يكون أقل منه أصلا بوجه.

стр. 1301

قلت: وأفصح ابن عطية في سورة آل عمران (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) فقال: الطول لَا يدل على قدر العرض بل قد يكون الطويل قليل العرض كالخيط، وانظر على الذم على مجموع أو على كل واحد منهما. قيل لابن عرفة: لو كان الذم على مجموعها للزم عليه المفهوم، فقال: يكون مفهوم أحرى لأنه إذا ذم على الإعراض عند النعمة والدعاء عند الشدائد، فأحرى أن يلزم عن الإعراض عند النعمة، وعدم الدعاء عند الشدائد. قوله تعالى: (عَرِيضٍ). إشارة إلى أنه ذو دعاء لكنه يعظم دعاءه، والحاجة عند الشدائد، وفرق بين قولك: هذا الثوب ذو عرض، وهذا الثوب عريض، فعريض أبلغ فعبر في الأول، بقوله: (إِذَا أَنْعَمْنَا)، وفي الثاني بالقسم إشارة إلى المبالغة من حيث إنه يعرض عند حلول كمال النعمة به، ويصح في الدعاء عند نزول أوائل السور، وأسند النعمة إلى الله تعالى [والمس*] إلى الشر على جهة الأدب. قيل لابن عرفة: بل هو حقيقة عند المعتزلة، فقال: لَا لأنهم يقولون: إن الأمراض والعلل ليست من فعل العبد، وعطفه هنا وفي الأحقاف بالواو، قوله تعالى: (مَنْ أَضَلُّ). ابن عرفة: جوابها إما مفهوم من الأول أي من أضل هو أو من [** (حس)]، وهذا مع قوله تعالى: في الأحقاف: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ينتج أنهما مستويان في الضلال. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ إن أريد بالشهادة لازمها وهو العقوبة والانتقام، فلفظ (شَيءٍ) خاص بالحادث، وإن أريد بها العلم والحضور فيعم القديم [والحادث*] وهذا خطاب للكفار والمراد به رؤساءهم، وأما العوام والأتباع فلا يعلمون ذلك حتى يقرأ عليهم عملهم بهمزة الاستفهام، قلت: بدليل حديث ابن مسعود في كتاب القدر عند مسلم اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم،

стр. 1302

فقال أحدهم: أترون الله يسمع إن أخفينا، وقال الثالث: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إن [أخفينا*]. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ... (٥٤)﴾ المراد بذلك الدار الاخرة وإلا فالموت تحقيق عندهم. قوله تعالى: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ). ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها إنه لما اتصف الله تعالى بالجزاء، في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) وأنه حكم عدل ليس بظلام للعبيد، قد تتشوق النفوس لمعرفة الوقت الذي يقع فيه الجزاء، فقال: علم ذلك معروف له لَا لغيره، والألف إما للجنس فالمراد به: يعلم ساعة بعد ساعة أو [ ... ] فهي ساعة واحدة وهي [القيامة*]. ابن عرفة: وقد تقدم لنا في الآية سؤالان أن إلى لانتهاء الغاية وما [بعدها*] غير داخل فيما قبلها فيفيد أن رد الفعل منتهى إليه وهو غير داخل مع أنه في نفس الأمر داخل؟ وأجيب بوجهين: أحدهما: أن تكون القرينة هنا صيرته داخلا، كما قالوا في: اشتريت الشقة التي طرفها. الثاني: أن الرد ينشأ عند الثبوت والاستقرار، فالثبوت والاستقرار هو الداخل والرد غير داخل. السؤال الثاني: أن الرد يقتضي انفصاله بعد انفصال، قال تعالى (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) وكان موسى ﵇ انفصل عن أمه ثم رجع إليها، وأجيب: بأن المراد إليه معرف علم الساعة. قوله تعالى: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا). إما لكل ثمرة كم، أو لكل ثمرة أكمام، كما في النور فإنه أولا يفتح عنه النوار ثم يلبس، فيزول عنه القشر ثم يكنز، فيزول عنه القشر الآخر. قوله تعالى: (وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ). ولم يقل: وما تضع، فأجيب: [بأن (لا) للنفي*]، والوضع متأخر عن الحمل. قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي).

стр. 1303

ابن عرفة: هذا السؤال تبكيت لهم وخزي، فلا يستحق جوابا؛ [لأنهم*] كانوا في مقام الدهش [وعدم العلم*]، أجابوا بقولهم: (آذَنَّاكَ) ولم يطلب منهم جواب بوجه، وعلى هذا لَا حاجة بسؤال الزمخشري، في قوله: [فإن قلت: آذَنَّاكَ إخبار بإيذان كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟ *] لأنه سؤال تبكيت. قوله تعالى: (آذَنَّاكَ). أي [أعلمناك*]. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الآذان أقوى في الإعلام من العلم لأنه يقتضي الشهرة والإذاعة بذلك، قال الله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ) ومنه الآذان لأنه يرفع الصوت فهل هو إخبار عن إعلام مضى أو إنشاء، ومنه مسألة المدونة في أول كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، قال: ومن طلق زوجته، فقال له رجل: ما فعلت؟ فقال: هي طالق، فقال: إن نوى إخباره فله نيته. قوله تعالى: (لَا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ). السآمة هي الكسل عن الدوام على مشقة لما حصل إتعاب النفس في بعضه من أمور التكاليف فنهى عن الكسل عن ذلك، [وأراد*] الامتناع منه، واليأس أمر [عدمي*] عبارة عن تعلق النفس بالرجاء، والرجاء ضده، فهو تعلق الأمل لحصول الأمر المحبوب، والقنوط عبارة عن ظهور أثر ذلك المكلف. * * *

стр. 1304

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّورَى قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ... (١٣)﴾ ابن عرفة: كلام متعلق الخبر مستقبلا سمي وصية، وإن كان حاليا سمي واجبا، ولما كان دينا مستقبلا عن دين نوح وغيره من الأنبياء، أطلق على الدين المؤيد إليهم به وصية، وأطلق على الدين المنزل إلينا وحي لأنه حالي ليس بعده شيء، ولما كان نوح غائبا عنا، فقال تعالى (مَا وَصَّى) بلفظ الغيبة، ثم قال: (وَالذِي أَوْحَيْنَا) بلفظ التكلم لأنه خطاب للحاضر، فغلب فيه خطاب الحاضر على الغائب فأدخل بعده فيه، فقال تعالى (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ). قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ... (١٥)﴾ إن قلت: نفيت الحجة مع أنها ثابتة، بقوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) قلت: معناه لَا يحاجه. فإن قلت: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ ... (١٦) .. حصول المحاجة منهم، فكيف نفيت عنهم؟ قلنا: المنفي عنهم إنما هي المفاعلة والمثبت إنما هو قوله: (يُحَاجُّونَ) ويفاعلون لَا يقتضي المفاعلة من الجانبين لأنك إذا قلت: تضارب اقتضى الفاعل منهما، وإذا قلت: [تضارب لم يقتضِ*] التفاعل بل حصول المعرفة [بالبادئ منهما*] واختار أن يفاعل يقتضي [المفاعلة*]، ويلزم حصول التعب والغضب، فأما في حق الكافر فصحيح، وأما في حق المؤمن فيدل على أن النظر يحرم في علم الكلام وقد قال به جمع كبير، وأيضا يلزم أن يكون الجمع في الضلال. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ). لأنها إذا كانت داحضة عنده من حيث كونه رءوفا رحيما، فأحرى أن تبطل من حيث كونه قادرا قاهرا منتقما. قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ... (١٨)﴾ ابن عرفة: قال بعض شراح سيبويه في باب الإحالة [**فرق بين الخبر المتهافت في نفسه، وبين الخبر المتهافت، مثال الأول: سأحمل لك هذا الطعام أمس]، ومثال الثاني:

стр. 1305

هذه الآية لأن استعجالهم بها وطلبهم تقدمها يقتضي إيمانهم بها فهو مناقض للإخبار عنهم بأنهم كذبوا بها. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ... (٢١)﴾ وقال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق ذمهم بكفرهم بالله عقبه ببيان أنهم ليس لهم في ذلك شبه. فإِن قلت: المطابقة تقتضي أن يقال لهم: شرعوا من الدين ما لم يشرعه الله، كما قيل: [وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا*]، وأجيب: بأن الإذن أعم من الشرع، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص؛ لأن الشرع يقتضي ثبوت ذلك وجعله شريعة مستمرة، والإذن يقتضي الأمر به. قوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ). ابن عرفة: عادتهم يقولون الفرق بين هذا وبين قوله: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) قال وأجيب: بالفرق بين اعتبار المستقبل من حيث نسبته للفاعل وبين اعتباره من حيث نسبته للمفعول، فقوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ) أتى فيها الخبر منصوبا للفاعل، وقوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) الخبر فيه منصوب للمفعول، أي (وَلَوْلا كَلِمَةُ) الموجبة للفصل بين النَّاس، فالفصل بين النَّاس منعزل للكلمة. قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا ... (٢٢)﴾ ابن عرفة: عادتهم يقولون: ترتيب الوصف المناسب [يشعر*] بكونه علة له، فهلا أتى معبرا عنه بلفظه، فيقال: (مُشْفِقِينَ) من ظلمهم. قال: وأجيب: بأن الكسب أعم من العلم فهم لأجل ظلمهم يخافون من كل ذنب [عملوه*] وإن قل. وأورد الفخر: أن الإشفاق هو الخوف ومتعلقه مستقبل، فكيف قال وهو واقع بهم؟ وأجيب: بأنها حال مقدرة، ويحتمل أن تكون محصلة، قيل له: الضمير يعود على قوله تعالى: (مِمَّا كَسَبُوا) أي وما كسبوا واقع بهم فيرد الإشكال، فقال: [واقِعٌ بِهِمْ يُرِيدُ أَنَّ وَبَالَهُ وَاقِعٌ بِهِمْ سَوَاءٌ أَشْفَقُوا أَوْ لَمْ يُشْفِقُوا*] وهم خائفون من تزايده وتراكمه عليهم شيئا بعد شيء [فيكون*] من باب عندي درهم ونصف، قالوا: [واقِعٌ بِهِمْ*] عذاب مثله وهم مشفقون من تزايده. قوله تعالى: (فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ).

стр. 1306

إما لكل واحد روضة، أو لكل واحد روضات، ويكون الظرف مجازا، كقولك: زيد في المدينة، وإنما هو في موضع واحد منها، فالظرف أوسع من المظروف. قوله تعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ). ابن عرفة: قد ورد "أن في الجنة ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت"، فأجيب: بأنها لَا تقتضي الحصر إلا لو قيل: ليس لهم إلا ما يشاءون وما لم يكونوا [يشاءوه*]، وفي الآية دليل على أن العاصي في الجنة [لأن*] المؤمن الصالح في روضات وهي أعلى روضة فيها، كما فسره الزمخشري؛ والعاصي فيها فقط، وهذا تفسير الزمخشري. قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ). دليل على أن دخول الجنة محض تفضل من الله . قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ ... (٢٣)﴾ قال الزمخشري: الإشارة إلى التبشير. قيل لابن عرفة: والضمير المقدر عائد على المصدر المفهوم من بشر، أي [البشرى*]. قوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا). إن قلت: هلا قيل: لَا أقبل لكم أجرا، فهو أخص من السؤال لأنه قد [يأخذ*] الأجر من غير سؤال؟ فأجيب: بأنه إنما يعدل عن ذلك لأجل الاستثناء لأنه سأل منهم تحصيل المودة القرابية. وذكر الزمخشري هنا أحاديث ولم يتعرض لها الطيبي بوجه. لكن ذكر الترمذي حديثا يرجع معناه إلى معنى بعضها، وفيه التوصية على العباس عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنه، وأن عم الرجل صنو أبيه. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ... (٢٤)﴾ ابن عرفة: المراتب ثلاثة: أدناها الكذب، وفوقها الافتراء، وأقبح منه افتراء الكذب. قوله تعالى: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ). [فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفترى عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم*]. (١)

стр. 1307

ابن عطية: قيل: بالصبر على آذاهم [وقيل: ينسيك القرآن*]، وكان بعضهم يقول: الآية دليل على إبطال قولهم وصحة قول النبي ﷺ ، وتقريره أن كل ما أتى به الناقل منسوبا للمنقول عنه بحضرته فهو غير مفترى، إذ لو كان مفترى لأنكر عليه نسبته إليه، ولما لم ينكر نسبته إليه دل على أنه من عند الله حقيقة، لقوله: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ... (٢٩)﴾ ابن عرفة: في الدليل الدال على وحدانية الصانع، فقيل: الحدوث، وقيل: الإمكان، ويؤخذ من الآية أن الدليل على وحدانيته [هما معًا لأن (مِنْ) في*] قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ) للتبعيض فدل على أن حدوث هذه المخلوقات بعض الدلائل لَا كلها. * * *

стр. 1308

سُورَةُ الزُّخْرُفِ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ... (٤٥)﴾ قيل: إنما أُمر أن يسأل جبريل ﵇، أو يسأل الرسل ليلة الإسراء. ابن عرفة: الصواب أن يقال: (اسْأَلْ) أتباع الرسل [تقريرًا*] لتقيم به الحجة عليهم، وإلا فهو عالم بذلك غير محتاج إلى السؤال عنه، وسؤال جبريل والرسل لا يصح لقول [صاحب*] الجمل: إن الطلب من الأدنى إلى الأعلى هو مسألة ودعاء، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلى من غيره. وقد قال بعضهم: إن السؤال يقتضي أن يكون عند المسؤول عنه علما. قيل لابن عرفة: من يسألهم عن هذا هل وقع في الموجود أم لَا؟ وقيل: الأمر بسؤالهم عن جواز هذا عقلا وهو أبلغ، فقال: تنزل بعضهم على قدر عقولهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ... (٤٨)﴾ أورد الزمخشري فيه سؤال التناقص أو التسلسل إذ الآية الأولى ليس [قبلها*] آية، وإن كانت مما بعدها أكبر منها لزم التناقض، وأجيب: بمثل ما أجيب في قوله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) أن هذا يزيد على هذا الشيء ويزيد عليه المفضول لشيء آخر، فكذلك الآية أكبر من أختها في شيء، وأختها أكبر من أختها في شيء آخر، أو بالنسبة إلى المخاطبين، أو واحد يعتقد أن هذه أكبر. وآخر يعتقد أن هذه أكبر، وآخر معتقد العكس، فالمراد من واحدة من أخواتها بالنوع لا بالشخص؛ لأنها أكبر من التي قبلها. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ... (٥٥)﴾ أي فلما [أغضبونا*]، وليس المراد حقيقة الغضب بل هو بمعنى إرادة الانتقام منهم، أو عبارة عن فعل ذلك بهم. قيل لابن عرفة: يلزم عليه أن يكون المعنى: فلما انتقمنا منهم، فقال الأول: انتقام أعم، أي فلما انتقمنا انتقمنا منهم. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ أي يصدوهم [عن*] عبادة محمد كما عبدت النصارى عيسى؟ وذلك لما نزل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)، ونزل قوله

стр. 1309

تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) على ما فسروه هناك من أنه [كناية عن الاحتياج لأن*] الغائط والبول كان ذلك سببا لنفور المشركين عن عبادتهم وترجيحهم عبادة الأصنام على عبادة عيسى ﵇، قوله تعالى: [(بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ) *] ابن عرفة: أي هذا إضراب إبطال؛ لأن بقاء الكلمة في عقب إبراهيم سببا في تعلق أصله برجوعهم فهو إبطال تشبيه، فالكلمة باقية في عقب إبراهيم على أنه لم يخل زمان عن توحيد الله ، لكن بقاء ذلك لم ينفع في إيمان قريش؛ بل لم يزالوا كفارا. قال: وتقدم لنا هنا سؤال وهو هلا قال: بل متع هؤلاء وآباءهم؟ وأجيب: بأنه إخبار عن أمر ماض ويمتنع الإنباء عن مستقبل. ابن عرفة: وذكر ابن عطية في غير هذا الموضع: أن قريشا كان منهم سبعون رجلا ملك كل واحد منهم القناطير من الذهب والفضة، قال: والغاية تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها ولا [عكس*]، فالجواب: أن الإيمان بالرسول إنما هو لأجل مجيئهم بالحق فتكذيبهم بالحق الذي هو مقصد يستلزم تكذيبهم بالرسول، قال: وتقدم لنا هنا سؤال، وهو أنه قال تعالى في سورة المنافقين: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) فأجابهم بالقول الموجب، وهنا لم يخاطبهم بالموجب، فكان يقول لهم قد نزلت على النبي ﷺ وهو أعظم من كل عظيم. قال: وعادتهم يجيبون: بأنهم لو أجيبوا بذلك لأوهم أن لهم حظا في القسمة كما وافق هنا على العزة والذلة، فقيل هنا: ليس لهم حظ في القسمة كما وافق هنا على العزة والذلة، فقيل هنا: ليس للعظيم حظ في القسمة، وليس لكم قدرة على القسمة بحيث تجعلون ذلك العظيم. وأجاب بعضهم: بأنهم فهموا العظم في الدنيا باعتبار كثرة المال وكثرة اليسر [والحركة*]، وليس كذلك بل المراد العظيم القدرة عند الله. قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ). إن أريد الذكر الابتدائي، إما بالقلب أو باللسان، فالمصدر مضاف للفاعل، فالمراد [بالذكر*] القرآن [**المقول]؛ لاستحالة وقوع ذلك من الله لأنه ليس بجسم، وإن أريد الذكر الناشىء عن سببه، فالمصدر مضاف للفاعل، فالمراد [بالذكر*] القرآن، أي ومن يعش عن سماعها والاتعاظ بها.

стр. 1310

قوله تعالى: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ). قال الحجاج: فرعون افتخر بملك مصر وليست [كذلك*]، وإنما المحمودة دمشق [**على مصر أقل البلاد قدرا]. وقد رد ابن طاهر على الحجاج في مقالته هذه، قيل له: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) راجع، لقوله: (لِي مُلْكُ مِصْرَ)، ولقوله تعالى: (الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) أو إلى المجموع، فقال: لَا يصح الأول، وأما الثالث فيلزم فيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والثاني ظاهر قوله تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا)، كقوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي آسفوا رسلنا. قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ... (٥٨)﴾ يقتضي ذم الجدال في العلم ولا شك في ذمه، فيقتضي ذم جميع الجدال؛ لأن الآية عامة. قيل له: الجدال [المذموم*] ما كان في [ ... ] الحق والمخالطة فيه، فقال [هو*] طريق لهما: أعني لإظهار الحق والباطل، والذم تسلط على الأعم، فلا موجب لتخصيصه مع أنه ليس من العلم في شيء؛ لأنه يوجد عالم غير جدلي، وجدلي غير عالم، وأيضا فالعلم محله لَا يطل عليه مانع لأن محله إما العمل أو التكليف، والجدل محله استعماله قد يطل عليه مانع بأن ينسل لسانه فيبقى عدمه ووجوده شيئان فالعلم غير معروض، والجدل معروض. قال الشيخ: ومن قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ) إلى قوله: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى) فإن قلت: لم قال: تشتهيه الأنفس ولم يقل أنفسنا؟ قلت: إشارة [إلى*] التعميم، فإن [كل ما يشتهى*] هو فيها. فإن قلت: لم ذكر الأنفس والأعين دون الإسماع؟ قلنا: لأن لذة السمع أقرب إلى النفس من البصر، وجمع الأنفس جمع قلة إشارة إلى قلتها في النسبة إلى كثرة ما أعد الله لها من النعيم، ولم يجمع في القرآن جمع كثرة، إلا في قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) إشارة إلى عموم علة، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧). قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ... (٧١)﴾ لأنها طريق إلى لذة النفس، لأن النفس لَا لذة لها بدون العين بدليل الأعين، ولم يذكر حاسة السمع؛ [لأن النسبة إلى غيره*].

стр. 1311

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا ... (٧٢)﴾ [سماها*] ميراثا إشارة إلى الجمع بين هذه الآية، وبين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لن يدخل الجنة أحد بعمله"، فدل ذلك على أن دخول الجنة من غير عوض؛ فأشبه الميراث الذي هو عن غير عوض. فإن قلت: الآية نص في دخولها بالعمل؟ قلنا: العمل حق لله تعالى وهو الذي أقدر المكلف عليه، فلا وجود له إلا بخلق الله تعالى فليس [بعوض*] بوجه. وقول ابن عطية: إن دخولها بفضل من الله، ورفع الدرجات بالعمل باطل؛ بل الجميع بفضل الله . قوله تعالى: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ). ابن عطية: بعض بمعنى [كل*] وضعفه، قال: وذهب الجمهور إلى أن الاختلاف في أمور كثيرة دينية ودنيوية لَا مدخل لها في الدين، والنبي إنما [يبين*] الأديان فقط. وهو بعض ما يختلف [فيه*]. ابن عرفة، يقول: الأولى في تفسير هذا أن يقال: [الاختلاف: الخوض في التناقص، وأنه*] اختلاف قضية بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي أن آية صدق أحدهما وكذب الآخر فالمختلفان أحدهما [محق والآخر مبطل*]، فالنبي إنما بعث لتبيين الحق، فإِن بينه علم بالضرورة [أن*] ما عداه باطل، وكذلك قوم عيسى ﵈ بعضهم يدعي أن مع الله شركاء، ويثبت له الولد والزوجة، وبعضهم يوحده وينفي عنه الشريك، فجاء عيسى ﵇ [مُبيِّنًا*] أن الحق مع من يوحده، وهذا بعض من كل. معناه، ولأبين لكم منه ما هو الحق فيتبعونه ويترك ما سواه. قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ). ابن عرفة: هذا دليل على أن من شرط الإيمان التمكن من النظر لَا نفس النظر، إذ لو كان كذلك لقال: انظروا. وأورد ابن عرفة: بأن الأمر بالتقوى يستلزم الأمر بالنظر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ... (٦٤)﴾ أكده هنا بالضمير ولم يؤكده في سورة آل عمران ولا في سورة مريم.

стр. 1312

فأجاب أبو جعفر بن الزبير: بأن آية آل عمران ومريم تقدمها نحو عشرون آية ذكر فيها ما يدل على الربوبية والتوحيد، وهذه ليست كذلك، [فاقترنت فيها*] بزيادة الضمير. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ... (٦٥)﴾ هذا أبلغ، من قوله تعالى في سورة مريم (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) لأن ما لزم الأعم لزم الأخص من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ أورد الزمخشري: أنه تأكيد؛ لأن إتيانها لهم بغتة يغني عنه، ثم أجاب: بأن معنى قوله تعالى: (لَا يَشْعُرُونَ) أنهم غافلين لاشتغالهم بأمور دنياهم، ويجوز أن يأتيهم بغتة وهم يظنون. ونقل الطيبي عن القاضي -يريد به البيضاوي- على عادته أنه أجاب: بأنهم قبل إتيانها لهم بغتة لَا يشعرون أنها تأتيهم بغتة. قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... (٦٧)﴾ إن أريد به عداوة الجماعة منهم للشخص الواحد كعداوة قوم فرعون لفرعون، فالبعض صادق على الأكثر، وإن أريد به عداوة كل فرد لخليله فلا يلزم فيه ذلك. قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ إن قلت: لم نفى الخوف بالاسم والحزن بالفعل؟ قلنا: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبوا بوجهين: أحدهما: أن سبب الخوف مستقبل، والمستقبل ما يعقل فيه التجدد إذ هو غير واقع، وسبب الحزن ماض والماضي واقع حادث فيعقل فيه التجدد شيئا بعد شيء وحدوث بعد حدوث وهو أنه [كلما يتذكره الإنسان يتجدد حزنه*]. الثاني: أن الماضي متناه، والأمور المستقبلة غير متناهية، والنكرة في سياق النفي عامة، فناسبت اقترانها بغير المتناهي ليكون أبلغ في النهي، وإنَّمَا أخر النعت، ولم يقل: يا عبادي الذين آمنوا لَا خوف عليكم، ليكون أنكى للعدو وأشد حسرة عليهم في العذاب حيث يطمع ويرجو الدخول بهم في ذلك ثم [يبلس*] بعد ذلك، وفي الآية التفات بالخروج من الخطاب إلى الغيبة، إذ لم يقل: الذين آمنتم بآياتنا وكنتم مسلمين. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ قال ابن عرفة: فسروه بوجوه:

стр. 1313

أحدهما: أنه من [الفرض*] على المحال لكن يرد عليه أن القياس يستثنى فيه نقيض التالي تفيد المقدم، إلا أن [ ... ] قال: يحتمل أن يراد (أَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ) للولد، فيكون المعنى لكن لست أول العابدين فليس للرحمن ولد. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ... (٨٣)﴾ ابن عرفة: الخوض إما الاشتغال بما لَا فائدة فيه فقط، واللعب الاشتغال بما لا فائدة فيه مع زيادة ضرر فيه، وأما الخوض المقاولة والمجادلة، قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) واللعب بالاشتغال بما لَا فائدة فيه فقط. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ... (٨٤)﴾ قيل لابن عرفة: القاعدة أن الاسم إذا أعيد نكرة يقتضي التعدد، وبه يفهم قول عمر، في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)، لن يغلب عسر يسرين، مع أن الإله هنا واحد فكأن الأصل مقترنا بالألف واللام. فأجاب ابن عرفة: بأن التعدد هنا في الصفة لَا في الذات، كقولك: زيد أكل في الدار ضاحك في السوق، فهما صفتان لموصوف واحد. قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... (٨٥)﴾ ابن عرفة: وعادتهم يقولون فيه حجة للفلاسفة القائلين بأن السماوات متلاصقة ليس بينهما خرق، إذ لو كان بينهما خرق، لقال: وما بينها، قيل لابن عرفة: لعل مراده ما بين الأرض أعلاها، وبين الأرض، وما بين الثانية بينها وبين الأرض، وما بين الثالثة وبينها وبين الأرض فثناها اعتبارا بذلك، فقال: لو أراد ذلك، لقال: وما بينهن، قال: وإنما عادتهم يجيبون: بما في سورة الطلاق (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) قيل: فلم خصت تلك الآية بالجمع وهذه بالتثنية؟ فقال: أجابوا: بأن هذه خرجت مخرج التذكير بالنعمة، فاعتبر فيها ما فضل منه النعمة إلى الإنسان وهي السماء الدنيا وما بينها وبين الأرض من الأمطار والرياح، وما ينشأ عن ذلك في الأرض من النبات والفواكه وغير ذلك، وتلك الآية خرجت مخرج الإعلام بكمال قدرة الله تعالى، فاعتبر فيها مجموع السماوات وما يكون فيها من الأمور. قيل لابن عرفة: وفي الآية دليل على نفي الجوهر المفارق، وهو قسم ثالث لا متحيز ولا قائم بالمتحيز، فليس هو في السماوات ولا في الأرض؛ بل هو خارج عنها،

стр. 1314

فلو كان موجودا، لقال هنا: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وما يخرج، لأن الآية خرجت مخرج الإعلام لجميع مملوكات الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ نقل ابن عطية، عن قتادة: أن الاستثناء متصل فاستثنى من عُبِدَ من دون الله عيسى، وعزير، والملائكة. وقال مجاهد: من [المشفوع فيهم*] أي لَا يشفع الملائكة وعيسى إلا فيمن شهد بالحق. قال ابن عرفة: يحتمل عندي أن يكون منفصلا، والمراد به ما تضمنه، قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فهؤلاء لَا يملكون الشفاعة. ابن عرفة: وهذا رد عليهم في قولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا) * * *

стр. 1315

سُورَةُ الدُّخَانِ قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ قال ابن عرفة: جملة الإرسال متقدمة بالنسبة علي الإنذار يجري مجرى العلة فهلا قدمت في الذكر؟ فأجاب: بأن الإنذار يجري مجرى العلة القائمة المتقدمة وهنا المتأخر وجودها. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ... (١٧)﴾ سئل ابن عرفة عن تكرير القصة في القرآن في مواضع بألفاظ مختلفة يزيد بعضها على بعض؟ فأجاب بثلاثة أوجه: الأول: أن الأعراب كانت تأتي أفواجا فبعضهم يحضر القصة وبعضهم لم يحضرها. الثاني: أن بعض النَّاس قد لَا يحفظه كله، [فما حفظ حصل فيه القصة*] وما لَا فلا. الثالث: أن ذلك لطف من الله بنا، فبالغ في الوعظ والتذكير والتحذير رفقا بنا، فلذلك كرر ذلك لأن [مثلنا*] إذا كان له ولد [**حرامي] فإنه يزجره مرة ويعظه مرة أخرى وثالثة ورابعة، ولا يقتصر في وعظه على مرة واحدة. قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ ... (٢٢)﴾ قال هنا في قصة موسى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ)، وقال تعالى في قصة نوح (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) مع أن سبب الدعاء فيها عدم إيمان قومهما؟ فالجواب: أن نوحا ﵇ أول رسول بعث إلى الأرض من المؤمنين، ولم يقرر [له*] أناس فيستعين، فطلب النصر من الله ليظهر على عدوه ليرجع من يرجع ويهلك من هلك، ولما تقرر لموسى أناس لم يطلب ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ لم يقل: مقامات [مجموعا*]؛ كما جمع غيرها، يكون مقام مصدر يصدق على القليل والكثير. * * *

стр. 1316

سُورَةُ الْجَاثِيَةِ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾ قال ابن عرفة: الإشارة إما إلى الإيمان والعمل الصالح، أو إلى إدخالهم في الرحمة، وكان بعضهم يرجح الثاني، بوصف الفوز، بقوله: (الْمُبِينُ) لأن حصول الفوز الأول مظنون وحصوله الثاني محقق. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾ إن قلت: هلا قيل: فأجرمتم وكنتم قوما مستكبرين؟ فالجواب: الاستكبار أمر معنوي، والإجرام أمر فعلي حسي، فناسب التعبير عنه بالاسم المقتضي للثبوت. قوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ قال الزمخشري: أصله [نَظُنُّ ظَنًّا*]، ومعناه إثبات الظن فقط؛ دخل حرف النفي والاستثناء ليفيد إثبات الظن ونفي ما سواه، ثم أكد نفي ما سوى الظن، بقوله تعالى: (بِمُسْتَيْقِنِينَ). وقال أبو حيان: لَا يجوز أن تقول: ما ضرب إلا ضربا لعدم الفائدة، وأجابوا بثلاثة [أوجه*]: أحدها: أنه على حذف الصفة، أي إلا ظنا ضعيفا. ابن عرفة: وأول ما ورد في مختصر أبي حيان [ ... ] أبو الفضل ابن أبي مدين، فنظرنا فيه هذه المسألة. فقال بعض نحاة التونسيين حينئذ: ما [**أصر] أحد على منع هذا، وكتاب سيبويه والفارسي وأبي [ ... ] وابن عصفور وغيرهم [لم أرَ*] أحدا منهم منع أن يقال: ما ضرب إلا ضربا، وعلى تقدير تسليم هذا فإنما ذلك في الماضي لوقوعه على صفة واحدة وانقطعت بحيث لَا يعلم لها التغيير، وأما المضارع فيكون تغييره وتبدل صفة المقدرة الوجود لعدم. [ ... ] فيتطرق إليه الاختلاف والتنويع، فلما [كرر*] أفادنا كفرهم أنهم لا

стр. 1317

ينقلون عن ذلك الظن، بل لَا يزالون ظانين، ومنهم من أجاب: بأن تنكيره وتنوينه يفيد التعليل. قال: وفي الآية اللف والنشر، فقولهم: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)، راجع لقوله تعالى: (وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا)، وقوله تعالى: (وَمَا نَحْنُ بمُسْتَيْقِنِينَ) راجع لقوله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) قال: والعطف يدل أنه لم يجعلَ لنا منها إلا الظن، بل لم يجعل إلا لنا عدم اليقين الذي هو أعم من الظن والشك. قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ... (٣٣)﴾ [ما*] مصدرية أو موصولة، وكان بعضهم يرجح [كونها*] موصولة، لأن إضافة الأثر إلى المفعول وهو المؤثر بعد إضافته إلى الفعل، فإذا أبدت لهم سيئات الشيء الذي عملوا، فأحرى أن تبدو لهم سيئات عملهم، وإن كان [أحدهما*] يستلزم الآخر. قال: وفي الآية حسن الائتلاف، فاقتران به سيئات عملهم، واقتران حاق بـ يستهزءون، لأن البدأ عبارة عن أول ما يظهر من الشيء، و (سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) يقتضي مطلق الذنوب الناشئة عن مطلق ما اتصفوا به من العمل، والاستهزاء عبارة عن شدة ما اتصفوا به من القبيح، والحوق: الإحاطة، قلت: ومنه قولهم: الطائفة محوقة بهذا الرقم، ففرق الأشد بالأشد، والأحق بالأحق. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ ... (٣٤)﴾ قال ابن عرفة: ذكروا في المجاز أنه لَا بد له من علاقة، وإن علاقة ترجح الحمل على المجاز مع جواز الحمل على الحقيقة، قالوا: وقد تكون العلاقة توجب الحمل على المجاز مع جواز تحريم الحمل على الحقيقة، ويسمى هذا عندهم الدال البرهاني، ومنه هذه الآية؛ لأن النسيان بمعنى الذهول، فيستحيل على الله تعالى، ففسر هنا بمعنى الترك، واقترانه باليوم يمنع حمله على الحقيقة لاستحالة نسيان الأمر الحالي؛ إذ هو مرئي ومشاهد، وإنما نسي الغائب. والكاف في قوله تعالى: (كَمَا نَسِيتُمْ) للتعليل، مثل: (وَأَحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ). * * *

стр. 1318

سُورَةُ الْأَحْقَافِ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً .. (١٢)﴾ قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تضمن قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) تقبيحهم إياه بأنه إما كذب في نفسه أو شبيه بما قبله من الأكاذيب، [والقرآن*] عينه ببيان أنه إما صدق في نفسه، وشبيه بما قبله من الكتب الصادقة الواردة على يدي الرسل. قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ نفى الخوف بالاسم، والحزن بالفعل؛ لأن سبب الخوف والأمور المستقبلة [متكررة*] غير متناهية؛ لعدم وقوعها، فتذهب النفس بها كل مذهب، وسبب الحزن ماض، والماضي متناه لانقطاعه، فعبر عن الأبلغ بالأبلغ، وعن الأخف بالأخف. قيل لابن عرفة: هذا صحيح لو كان في الثبوت، وأما في النفي فنفي الأعم أخص من نفي الأخص، وأجيب: بأنهم [ما*] قالوا هذا إلا في باب الإخبار، وهو أن الإخبار بالاسم [**أخير] من الإخبار بالفعل، والاسم هنا مخبر عنه لا مخبر به. قوله تعالى: [(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ... (١٤) *] اختلف المحدثون هل من شرط الصحبة طول الملازمة أو لَا، وظاهر الآية حجة لمن لم يشترط ذلك، لقوله تعالى: (خَالِدِينَ)، وقوله تعالى: (جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون) هو جزاء شرعي تفضلي لَا أنه عقلي. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ... (١٥)﴾ عداه هنا بالباء، وقال تعالى في سورة النساء: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) فعداه بـ في. قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بوجهين: الأول: متعلق الوصية هنا بسيط مفرد وهو بر الوالدين فقط، ومتعلقها هناك متعدد وهي أمور كثيرة، والقاعدة أن التعدد يحتاج في حفظه إلى [وعاء*] يكون فيه، والبسيط لا يحتاج في صورته إلى ظرف كمن عنده أمتعة، فإنه [**يستعد لها مسند وقالوا: ومن عنده مقطع واحد في صورته إلى ذلك].

стр. 1319

الثاني: أن متعلق الوصية هنا مطلوب شرعا، وهو البر ومتعلقها هناك غير مطلوب لأن الأولاد غير مطلوبين شرعا، إنما المطلوب الفصل بينهم وما يقع به الفصل وهم محل لذلك الفصل، فالوصية فيهم بالفصل بينهم بكذا وكذا. قوله تعالى: (بِوَالِدَيْهِ). ولم يقل: بأبويه إشارة لمن وقعت صفة الولادة، وتغليبا لحق الأم على حق الأب، وفيه تنبيه على أن حقها أكثر من حق الأب، فإذا أمرته أن يكلف لها بحاجة وأمره أبوه بحاجة، فإنه يجعل ثلاثة أرباع لأمه، وربعه لأبيه. قوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا). يريد مشقة الحمل من زمن الإحساس به لَا من أوله. فإِن قلت: ذكر أسباب الأمر بطاعة الأب، فقد قال في سورة البقرة (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وفي سورة الطلاق (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) فهلا قال: وأنفق عليه أبوه وكساه، فعادتهم يجيبون: بأن أسباب طاعة الأم راجعة إلى مشقة بدنها، وأسباب طاعة الأب راجعة إلى مشقة بذل المال، وجنس الأول أشرف من جنس الثاني؛ لأن حفظ النفوس آكد من حفظ الأموال، ولذلك أكد الأمر بطاعة الأم فذكر سببه لشرف جنسه، ولم يؤكد الأمر بطاعة الأب بذكر سببه. قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ). اختلفوا في حد بلوغ الأشد. فقال ابن إسحاق: ثمانية عشر، وقيل: عشرون، ابن عباس وقتادة: ثلاثة وثلاثون، الجمهور: ستة وثلاثون. وقال: أربعون. ابن عرفة: فعلى أنه ثمانية عشر يكون المعنى: العجز عن القيام بنفسه، وعلى أنه أكثر يكون التقدير في كامل خلقه (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ). قوله تعالى: (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً). عطف تفسير، [كقوله*] تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) واحتج علي بن أبي طالب بهذه الآية على أنَ أقل الحمل ستة أشهر، فأتت امرأة بولد لأقل من ستة أشهر فألحقه عمر بالثاني، فرد عليه عليٌّ فرجع إليه وألحقه بالأول، واستدل بهذه الآية، وكذلك حكم عمر بإقامته على امرأة

стр. 1320

حامل، فقال له علي: كيف تقيم الحد على ما في بطنها وبعد لم يكن شيئا فرجع إليه، وقال: لولا عليٌّ لهلك عمر. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ... (١٦)﴾ قال ابن عرفة: تقدم لنا فيها سؤالان: الأول: (أَحْسَنَ) أفعل من، فيقتضي أن في عمله أحسن، وحسن لَا يتقبل منه إلا الأحسن، مع أن الحسن قد يتقبل؟ قال: والجواب: أن المراد بالحسن هنا [**نفس] الشيء وهو المباح، فهو غير متقبل إذ لَا ثواب فيه، قيل له: ثم حسن وأحسن منه، وأحسن منهما، كقولك: أوصى فلان [لأعلم النَّاس*]، فإنها تعطى لمن هو في الدرجة العليا من العلم لَا لمن هو أعلم من غيره بالإطلاق، وإن كان هناك من هو أعلم منه. فقال ابن عرفة: فرق بين قولك: اعط هذا لأعلم النَّاس، وقولك: أعط هذا للأعلم من النَّاس، فالأول: يقتضي أن يعطى لأعلاهم درجة في العلم، والثاني: يقتضي أن يعطى لمن هو أعلم من غيره بالإطلاق، و (مِن) في قوله: من النَّاس في موضع الحال دخلت على المفعول بل هي للتبعيض لابتداء الغاية، أي أعطيه للأعلم من غيره؛ حالة كونه من النَّاس. قيل لابن عرفة: الآية من القسم الأول: وهو مثل قوله: أعط هذا لأعلم النَّاس فيلزم أن لَا يتقبل إلا ما هو أحسن أعمالهم على التوزيع في كل زمن، فإذا عمل في صبح يوم الخميس عملين مباحا ومندوبا قبل المندوب؛ لأنه أحسن العملين، ثم إذا عمل بعد ذلك عملين مباحا وواجبا، قبل: الواجب فيهما، ثم إذا عمل مباحا وغيره قبل المطلوب دون المباح، فالمراد أنه يتقبل من كل مسلم في كل زمن أحسن ما عمل في ذلك الزمان بعينه، وليس المراد أنهم يتقبل عنهم أحسن ما عملوه، وأعمالهم كلها. السؤال الثاني: أن يتقبل إنما يتعدى بمن قال: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا)، وقالت؛ (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي)؟ وأجيب: بأن (عن) أفادت قبول مطلق العمل الحسن وإن كان فيه نقص ما، لأن (عن) تقتضي المجازاة [ولو عداه*] بمن لما أفادت هذا المعنى. وأجاب ابن حمدون: أنه عداه بـ في مطابقة لقوله تعالى: (وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيَئَاتِهِم) لأنه [عداه أيضا بـ[عن*]، وتضمن هذه الآية قوله تعالى: في سورة التوبة (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وكذا في الزمر.

стр. 1321

قوله تعالى: (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ). فمن هم أصحابها؟ فقال الملائكة والنبيون. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ... (١٩)﴾ قال ابن عرفة: اختلفوا في الإيمان هل يزيد وينقص على ثلاثة أقوال: ثالثهما: أنه يزيد ولا ينقص، ولم يذكروا ما في الكفر خلافا؛ بل هو [مسكوت عنه*]، وظاهر الآية أنه يزيد وينقص، لقوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) قيل له: إن ابن عطية قال: الدرجات قريبة في أنها للمؤمنين، وأما الكافرون فإنما لهم دركات، فقال: لَا بل لفظ الدرجات أعم بدليل قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ). قلت: وكذلك قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ). قوله تعالى: (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ). ظاهر التوفية هنا الإتيان بالمطلوب من غير زيادة عليه. قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ... (٢٠)﴾ قيل: المراد بالطيبات المستلذات، أي الأسباب التي توصلون بها إلى سبل المستلذات في الدار الآخرة، أذهبتموها في الدنيا، أي تركتموها في الدنيا ولم تفعلوها. قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). ابن عرفة: مفهومه صحة الاستكبار بالحق، قلنا: نعم وهو كذلك وهو أن نستكبر على الظالم والجائر. فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (فِي الأَرْضِ)، قلنا: فائدته تحقير المستكبر إشارة إلى استكباره في الأرض التي توطأ بالأقدام، وتوضع فيها الأقذار والنجاسات، وقد خلق منها ويعود إليها، فكيف يستكبر فيها؟!. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ... (٢٤)﴾ إن قلت: هلا قال: (هو مُمْطِرُنَا)، قلت: إشارة إلى أنه في نفس الأمر على خلاف اعتقادهم لأنهم اعتقدوا أنه رحمة وهو عذاب. قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ... (٢٥)﴾

стр. 1322

مع أن (مَسَاكِنُهُمْ) لم تدمر؟ فيجاب: بأن بقاءها خالية منهم تدمير لهم، وهو عام مخصوص. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ... (٢٨)﴾ ابن عطية: آلهة بدل من قربانا. أبو حيان: فيه نظر. ابن عرفة: النظر أنه تناقض؛ [لأن*] اتخاذهم آلهة مناقض لعبادتهم على أنهم قربان. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا ... (٢٩)﴾ ابن عطية: العامل في [(إِذْ) *] مضمر أي اذكر. ورده أبو حيان: بأنها غير متصرفة. ابن عرفة: بأنها لَا يريد التحامل فيها بذاتها؛ بل العامل فيها أضيف إليها مما يقتضيه الكلام أي اذكر نعت (إِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ) ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث إلي الإنس والجن، واختلف هل بعث إلى الجن رسول منهم قبل بعثته هو إليهم، وإنَّمَا بعث إليهم من الإنس. قال: وقضايا الأمم السالفة تارة تحكي على سبيل الإنذار، كقصة عاد وثمود، وتارة تحكي على سبيل الإخبار بها في نفسها كقصة يوسف ﵇، وتارة على سبيل الثناء والمحمدة لفاعلها، [كقوله*] تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَهَا). قوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ ابن عرفة: تقدم لنا نظيره بوجهين: أحدهما: أن (الْحَقِّ) راجع إلى الأمور الاعتقادية، و (طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) راجع إلى الأمور الفعلية العملية. والثاني: أن الحق راجع إلى الأحكام الشرعية، والطريق المستقيم راجع لأدلتها. قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ... (٣١)﴾ قال ابن عرفة: استجاب يقتضي [إجابة*] الموافق فهو أخص من أجاب فهلا عبر بالأخص؟ وأجيب: بأن عطف: (وَآمِنُوا بِهِ) فلو قيل: استجيبوا لـ (دَاعِيَ اللَّهِ)

стр. 1323

لكان (وَآمِنُوا بِهِ) تأكيدا، فلما عبر بالأعم، كان قوله تعالى: (وَآمِنُوا بهِ) تأسيسا. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ... (٣٣)﴾ ابن عرفة: فيه إيماء إلى صحة إعادة خلق الإنسان فإن الإعادة إيجاد عن عدم، وأن المعدوم يعاد بعينه؛ لأن المعاد مثله، وليس عينه؛ إذ لو كان دوام بقائه حيا موجبا لأعي الله تعالى بقاء جرم السماوات والأرض مع عظمها، فهذا يعدم ويعاد على ما هو عليه، قال: وقوله تعالى: (وَلَم يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) من باب السلب والإيجاب مثل الحائط لَا يبصر. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ... (٣٥)﴾ نقل ابن عطية عن مقاتل: أنهم ست نوح أنه صبر على أذى قومه طويلا، وإبراهيم صبر على النار. ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما صبر إبراهيم على الرمي في المنجنيق كما في النار فإِنها صارت عليه بردا وسلاما. قوله تعالى: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ). إن قلت: هلا قال: إلا ساعة من ليل، فهو أبلغ لأن العرب إنما يؤذون بالليل؟ فالجواب: أن ساعة النهار يعقبها ظلام الليل، وساعة الليل يعقبها ضوء النهار غلبت ساعة من الليل يعقبه [المرح*] بخلاف العكس. * * *

стр. 1324

سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ (الْقِتَال) قال الزمخشري، عن مجاهد: أنها مدنية، وعن الضحاك، وسعيد بن جبير: مكية. ابن عطية: مدنية بإجماع غير أن بعضهم قال في قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) أنها نزلت بمكة وقت دخول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها عام الفتح أو سنة الحديبية. قال: وما كان مثل فهو مدني لأن المراعى في ذلك ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وما كان بعدها فمدني. وقال ابن عطية: تلك الآية إنها نزلت إثر خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة في طريق المدينة، وقيل: بالمدينة، وقيل: بمكة بعد الحديبية، وقيل؛ عام الفتح وهذا كله مدني. قيل لابن عرفة: فما [نزل*] حين الهجرة بعد خروجه من مكة وقبل وصوله إلى المدينة؟ فقال: لم ينقل ذلك، ولو نقل فالمراعى [ما بعد*] الهجرة، فبعد خروجه من مكة كل ما كان نزل عليه مدني. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... (١)﴾ ابن عطية: (صَدُّوا) إما قاصر أي صدوا في أنفسهم، أو متعدٍّ أي صدوا غيرهم. ابن عرفة: فعل أنه قاصر، يقال: ما في فائدته بعد قوله تعالى: (كَفَرُوا) قال: عادتهم يجيبون: بأن الكفر قسمان: إكراه، وطوع، فأفاد قوله تعالى: (وَصَدُّوا) أن كفرهم اختياري لَا اضطراري. قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ ... (٤)﴾ ابن عرفة: تقدم لنا سؤال: وهو أن دلالة الخاص على الخاص أقوى من دلالة العام على الخاص، فهلا قيل: اضربوا رقابهم؟ وأجيب: بأن (إذا) عند مالك [**لَا تقتضي بخلاف كلما]، فلو قيل: كذلك [لكان*] مطلقا فيصدق بلقائهم مرة واحدة، فلما أتى به عاما كان [قرينة*] في عموم الشرط تكراره. قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا). إما غاية للغاية الأولى فقط، أو غاية لها أو لما [بعدها*].

стр. 1325

قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ). أي ليبلو المسلم بالكافر. قوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾ أما على قراءة (قاتلوا) فظاهر، [والمراد*] (سَيَهْدِيهِم) لأداء الفرائض (وَيُصْلِحُ بَالَهُم) بأفعال المندوبات، أو (سَيَهْدِيهِم) لطاعته (وَيُصْلِحُ بَالَهُم) بخير ما نقص منها أو تتميم ما بقي عليهم من أفعال البر والإعانة أو بمغفرة ذنوبهم، وأمَّا على قراءة (قُتلوا) فالمراد سيهديهم في الدار الآخرة إلى طريق الجنة بالفعل ويغفر ذنوبهم ويدخلهم الجنة. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ... (٧)﴾ قال ابن عرفة: المذاهب ثلاثة: مذاهب المعتزلة أن العبد يخلق أفعاله، وأهل السنة يقولون بالكسب، والجبرية يقولون إنه كالميت بين يدي الفاعل ولا فعل له [بوجه*]، والآية حجة على المجبرة؛ لأنه يلزم عليه أن يكون الشرط غير الجزاء إن ينصركم الله، قال: والجواب: باختلافهما باعتبار المتعلق، أي (إِنَّ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) في موطن (يَنْصُرْكُمُ) في مواطن أخر، مثل: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)، وإما أن الأول: باعتبار ابتداء القتال والصبر على مشقته، أي تقدموا على القتال أو تصبروا على مشقته يظفركم الله بعدوكم، فالثاني: باعتبار الظفر بالعدو أي إن يخلق لكم القدرة على القتال والصبر عليه يخلق لكم الظفر بعدوكم. قال ابن عرفة: وتقدم لنا أن القضية الشرطية المتصلة يلزمها منفصلة بالغة الخلو من نقيض مقدمها وعين تاليها، ومانع الجمع من غير مقدمها ونقيض تاليها، فمنع الخلو هنا مقصورتين، وأما منع الجمع ففيه إشكال لأنها لَا تقتضي أنه لَا يجتمع نصرهم دين الله مع عدم نصر الله مع أن ذلك قد وقع في غزوة أحد، وغزوة صفين وغيرها، إلا أن يجاب: بأن يكون النصر في الآخرة باعتبار الثواب، أو النصر مطلقا أي إن تنصروا دين الله مرة ينصركم مرة أخرى فهو مطلق يصدق على تلك المرة وعلى غيرها ويكون ذلك باعتبار الأعم الأغلب. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... (١٠)﴾

стр. 1326

إن كان التقدير ... (أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)، فالجملة موصولة غير مفصولة وتقرر أنها ما يؤتى بها مفصوله إلا لكمال الاتصال أو لكمال الانفصال، وعطف هنا بالفاء لظهور السببية، وفي غير هذه الآية قالوا أو لعدم ظهورها. قوله تعالى: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا). الكافرون من تقدم ومن تأخر ومن هو موجود في الحال، وجميع الأمثال، إما على التوزيع أو لكل كافر مثل ذلك، أو لكل كافر أمثال ذلك باعتبار التجدد شيئا بعد شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٢)﴾ أسند إدخالهم الجنة إلى نفسه تشريفا لهم، وقال في الكافرين: [ ... ] (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم) زيادة في [النعي*] عليهم، كما قال تعالى: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ). قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ... (١٣)﴾ ابن عرفة: كان بعضهم يقول: كم الخبرية [لتكثير*] آحاد العدد ذاته، (وَكَأَيِّنْ) [تكثير*] له باعتبار صفته بدليل قوله تعالى هنا: (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ) فهي تكثير لها باعتبار أوصافها الشديدة. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ... (١٥)﴾ ابن عطية، والزمخشري: أي صفة الجنة. وقال القرطبي: إن المثل بمعنى الحديث ذكره في سورة المدثر. قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ). قال ابن عطية: أي [وتنعيم أفادته المغفرة وسببته، وإلا فالمغفرة إنما هي قبل دخول الجنة*]. وقال ابن عرفة: هو عند إشارة إلى أن هذا النعيم ليس خالصا بمن [لم يقترف*] السيئات، بل هو عام يدخل فيه من خلط العمل الصالح بالسيئ. قوله تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ). ابن عطية: هنا سؤال: وهو أنه لَا يحتاج إلى [التشبيه*] على المخالفة بين الشيئين إلا إذا كان ممن يقارنهما، أما إذا كانت المخالفة بينهما معلومة بالبديهة فلا فائدة [بالتشبيه*]

стр. 1327

على مخالفتهما، قال: وعادتهم يجيبون: بأن فائدة التبشير والمحمدة والثناء لقوم والتخويف والإنذار لقوم آخرين تقبيحا على الحرص على أسباب المقام الأول والبعد عن المقام الثاني، قال: وقوله تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) أخص من قوله: كمن هو في النار خالد، لأن إتيان الخبر مقيد بصفة أخص من إتيانه مع صفة، فقولك: زيد ضاحك في الدار ضاحكا لَا خبر بعد خبر، فوصفته بالأمرين فما يلزم منه أن يكونا مجتمعين إلى حالة واحدة. قوله تعالى: (فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ). قالوا: هو أخص من قولك: قطعت أمعاءهم. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ... (١٦)﴾ أي ومن النَّاس المستمعون هم المنافقون. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ... (١٨)﴾ ابن عرفة: انظر هل المستقبل هو الذي يأتي للحال أو الماضي، والحال، هما اللذان يأتيان للمستقبل، قال: والصواب أن المستقبل هو الآتي للحال، فيقال: زيد أتاه أجله، ولا يقال: زيد أتى أجله، قال: ووجهه أن الماضي معدوم والمستقبل صار موجودا فالموجود هو الآتي. قيل لابن عرفة: إنما ذلك بين زمنين [**والتعاند] هنا بين الإنسان والساعة وهما موجودان، فقال: الإنسان لَا يوجد إلا في زمان، فزمانه الحالي الذي كان فيه وكان فاصلا بينه وبين الساعة صار حين إتيان الساعة معروفا، قال: وعادتهم يستشكلون الآية من ناحية الجمع بين إتيانها بغتة مع مجيء أشراطها؛ لأنها بعد مجيء أشراطها حصل لهم الشعور بها، فلم [تأتهم*] بغتة، لَا يقال: هلك زيد بغتة إلا إذا لم يكن عنده بأسباب الهلاك شعور. قيل لابن عرفة: حصل لهم العلم بها جملة لَا [بتعيين*] وقتها، فقال: إنما يصدق لفظ البغتة عليها مع العلم جملة، قيل له: قد قال تعالى في آخر الأعراف: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) وهي خطاب للمسلمين وقد حصل لهم العلم بأشراطها، فقال: لم يذكر هنالك معها مجيء أشراطها؟ قال: والجواب أنه لم يقل: فقد جاء أشراطها؛ بل حذف المفعول، وأشراطها إنما حصل بها لنا لَا للكفار، فهي للكفار بغتة حقيقة.

стр. 1328

قيل لابن عرفة: في هذا إشكال لأن ينظرون بمعنى ينتظرون، والمنتظر قاصد، والقاصد للشيء المنتظر له لَا تأتيه بغتة؛ لأن الانتظار جاء في البغتة، وأجيب: بأن المراد فهل حالهم، قيل: إلى إتيان الساعة بغتة لأنه شبهه بمن ينتظر إتيانه بغتة. قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا). أي من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن بعض أشراطها وهو: بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وانشقاق القمر والدخان وباقيها لم يقع فهو مثل: (أتَى أَمْرُ اللَّهِ) أو يكون عاما مخصوصا. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ ... (٢١)﴾ ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدمها: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) ومقتضاه كراهية المنافقين هذا الدين عقب بيان دوامهم على ذلك؛ إذ قد يتوهم أنهم إذا عزم الأمر لَا يدومون بل [يسمعون ويطيعون*] ظاهرا وباطنا. قال الزمخشري: والعزم بمعنى الجد. قال ابن عرفة: ليس كذلك لأن الجد في الشيء يقتضي التلبس به، والعزم إنما هو [قبل*] التلبس، [والعزم*] على الشيء إنما هو بتحصيل أكثر أسبابه، ولذلك قالوا في المسافر إذا عزم على إقامة أربعة أيام أنه يتم، وإن عزم على أقل منها فلا يتم، وتقدم الخلاف في الوجوب هل يتعلق بأول الوقت أو بآخره، واختلفوا في الواجب الموسع هل ينتقل عنه إلى بدل أم لَا؟ والبدل عندهم العزم على الفعل، وهو أن يعرض مثلا عند الزوال على أن يصلي الظهر في نصف الوقت. قوله تعالى: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ). قيل لابن عرفة: كيف يفهم هذا على قاعدة [لو نفيها إيجاب*]، وإيجابها نفي، وإنما ينتفي فيها الثاني لانتفاء الأول، فيقال: لأنهم لم يصدقوا الله فلم يكن صدقهم خيرا لهم، مع أن الصدق كله خير بالإطلاق؟ فأجاب: ابن عرفة بأنها سالبة والسالبة لا تقتضي ثبوت [الموضوع*] بوجه؛ بخلاف المعدولة. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ... (٢٢)﴾ هذا [نعي عليهم أوليست لكم قدرة بوجه*] بحيث لو كانت لكم ولاية وسلطنة في الأرض لما قدرتم على الفساد بوجه.

стр. 1329

قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ... (٢٤)﴾ ولم يقل: أفلا يتذكرون القرآن، أو أفلا يتفكرون القرآن؛ لأن التذكر والتفكر هو استحضار أمر مستقبل يتوقع مجيئه، والكفار لم يكن لهم شعور بالقرآن في وجه؛ لأنه ينزل شيئا بعد شيء. قوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). ابن عرفة: جمع القلوب جمع كثرة، والأقفال جمع قلة، [والقليل*]: إذا وُزع على الكثير لَا يقوم به، قال: وعادتهم يجيبون بوجهين: أحدهما: أن كل قلب عليه أقفال. والثاني: أن أقفالا مصدر لَا جمع؛ كما هو في قراءة إقفالها بكسر الهمزة. قوله تعالى: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ... (٢٦)﴾ ابن عرفة: هذا البعض هو الذي كانوا مخالفين لهم فيه، والبعض الآخر كانوا موافقين لهم. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). قرئت بفتح الهمزة وكسرها، فهو بالكسر مصدر، وبالفتح جمع سر، والمصدر أبلغ لأن علم المعنى يستلزم علم اللفظ المعبر به عن [ذلك*] المعنى. قوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ ضمير الفاعل في (يَضْرِبُونَ) إما عائد على الملائكة وهو أظهر، أو على الكفار أي يضرب بعضهم وجه بعض. فإن قلت: قد نهى في الحديث عن الضرب في الوجه في الجهاد وغيره. ابن عرفة: وجهه أنه قد [يسبيه المسلمون فيجدونه معيبا فينقص منه*]. قلنا: إما بأن تلك عقوبة دنيوية، وهذه عقوبة أخروية، وليست الدار دار تكليف، وإما أنه من باب مطرنا السهل والجبل، والمراد به التعميم. قوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ ... (٢٨)﴾ وهو عذابه، و (اتَّبَعُوا) ما أراد وقوعه من العذاب، أو يكون المعنى اتبعوا منهيات الله تعالى الموجبات لإيقاع السخط بهم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ ... (٣٠)﴾

стр. 1330

رؤية ظاهرة لَا شك فيها بحيث تصفهم لغيرك، والواحد منا إذا رأى شيئا تارة يكون لو سئل عنه لوصفه لغيره؛ كأنه يشاهد، فهذا أحاط بصفته، وتارة لَا يقدر على وصفه لغيره. قوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ). هو مقتضاه، وهو نحو قول الأصوليين: لحن الخطاب، وهو عندهم دلالة اللفظ التزاما على ما لَا يستقل الحكم إلا به: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) أي فضرب فانفلق، وقد أطال أبو علي [القالي*] في الأمالي الكلام في لفظ اللحن. انظر فيه. قال ابن عرفة: فاقتضت الآية أن الله تعالى لم يريهم لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أعلمه بهم لكن جعل له علامة على معرفتهم وهو أنهم يتكلمون بمحضره كلاما يفهم منه عنهم النفاق من غير أن [يقصدوا*] به إفهامهم. قيل لابن عرفة: تقدم لنا هنا أن هذه الآية دالة على صحة الشهادة على [الخطأ*] في الكلمة الواحدة، لقوله تعالى: (فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) ولم يقل: لحن الكلام، والقول أعم من الكلام. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ). قال ابن عرفة: يدخل فيه النظر والنية كما تقدم في قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، أنه يستثنى منه النية والنظر. قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ ... (٣١)﴾ قال ابن عرفة: هذا ترق في العلم فأظهرها العلم بالجهاد، ثم العلم بالصبر، وأخفاها العلم بالإخبار، فإن الأقوال فيها الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص

стр. 1331

والاستعارة والتعريض والرموز، والظاهر والمأول والكنايات الظاهر والكناية الحقيقية، فالعلم بها أخفى من العلم بالصبر. قال ابن عرفة: وفيه سؤال: وهو أن قوله تعالى: [(وَنَبْلُوَ) *] معطوف على (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أو على قوله تعالى: (حَتى نَعْلَمَ) وكونه منصوبا دليل على أنه معطوف على (حَتَّى نَعْلَمَ)، فإن كان قوله: [(وَنَبْلُوَ) *] بمعنى قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) لزم أن يكون الشيء غاية لنفسه، وإن كان أخص منه لزم كون الكلي غاية للجزئي، وهو باطل عنه، والجواب: أنه خاص لَا أخص، كقولك: والعورة من السرة إلى الركبة؛ لأنه ليس المراد إظهار المطلق بل المقيد بالأقوال، أي ولنخبرنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونختبر أقوالكم. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ... (٣٢)﴾ وهذا إما على ظاهره، أو المراد (لَنْ يَضُرُّوا) رسول الله، مثل (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يبايِعُونَ اللَّهَ) و (شَيْئًا) مصدر مؤكد للنفي لا للفعل المنفي، فهو داخل بعد النفي لَا قبله. قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ .. (٣٣)﴾ تقدم الخلاف في الطاعة، هل هي موافقة الأمر وعدم مخالفته، فمن عجز عن فعل ما أمر به [مطيع*] على الثاني دون الأول. قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ). يتناول الأعمال الموجبة؛ كمن شرع في نافلة لَا يحل له أن يقطعها، ويتناول البشرية؛ كمن يتصدق بدرهم ثم آذى الفقير، أو مَنَّ به عليه، قال تعالى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ... (٣٤)﴾ العطف بـ ثم إما نعي عليهم إشارة إلى أنهم أمهلوا وأخروا لكي ينزجروا [وينظروا*] النظر السديد فلم يؤمنوا، وإما البعد ما بين مطلق الكفر والموت على الكفر. فإن قلت: ما الفرق بين قولكم: ماتوا كافرين، وبين قولك: و (مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)؟ فالجواب: كان بعضهم يقول: الثاني أبلغ لأنه تصديق، والأول راجع لقسم التصور، لأن الثاني جملة إسنادية خبرية، والأول قيد في الجملة فهو مفرد. قوله تعالى: (فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).

стр. 1332

مفهومه أن من لم يمت كافرا يجوز أن يغفر الله له، بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) أي ليس إرجاء من هذه الآية لأنه أثبت لهم المغفرة حقيقة. قال ابن عطية: روي أنها نزلت بسبب عدي بن حاتم، قال: يا رسول الله، إن حاتما كانت له أفعال برٍّ فما حاله؟ فقال: هو في النار فبكى وولى، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أبي وأبوك وأبو إبراهيم في النار"، فنزلت هذه الآية في ذلك. قال ابن عرفة: هذا لَا ينبغي أن يكون نقله بحضرة العوام، والأولى تركه والوقوف عنه، وعدم السؤال عليه لأنه ليس بأمر اعتقادي، ولا يمس الإنسان من تركه شيء على أن الحديث مذكور في المصنفات. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ... (٣٥)﴾ إما أن يكون انتقال من قصة إلى إنشاء حكم، فلا يحتاج فيه إلى مناسبة، وكان بعضهم يقرر وجه المناسبة: بأن عدم مغفرة لهم فيقتضي إبعاده لهم وإبقاءه لهم، يؤذون بفشلهم وضعفهم وتكاسلهم عن اتباع التكليف، فنهى المؤمنون عن الاتصاف بصفتها التي أوجبت لهم الطرد والإبعاد عن رحمة الله . قوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ). هذا احتراز من أي أنتم الغالبون والله معينكم وناصركم عليهم ولو كنتم أقل منهم. قوله تعالى: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم). وهو مأخوذ من الوتر وهو [الدَّحْلُ*]. ابن عرفة: في صحاح الجوهري بالحاء والدال المهملتين، قال: [والدَّحِلُ: الخَدَّاعُ*]، وفي مختصر العين بالدال المهملة: هو النار، وبالذال المعجمة: هو البيت الصغير، وفي صحيح مسلم في كتاب اللباس لَا يبق في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت. قال المازري: يلزم قصر النهي على الوتر خاصة، وأجازه ابن القاسم بغير الوتر. قال عبد الوهاب: يكره للمسافر الأجراس والأوتار لحديث لَا يصحب الملائكة رفقة فيها جرس، وأما الأوتار فقد تؤدي إلى الاختناق بها [وحمل*] بعضهم النهي عن اتخاذ الأوتار الدخول.

стр. 1333

قال ابن عطية: وقيل: مأخوذ من الوتر وهو الفرد، أي أنه أفردكم من ثواب أعمالكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... (٣٦)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول إذا قلت: هذا الثوب أسود فتارة تريد الحقيقة بمعنى أنه لَا بياض فيه بوجه، وتارة تطلقه مجازا بمعنى أن بعضه أسود وإن كان بعضه أبيض، فقوله (الدُّنْيَا) إن كان على معنى الأول فهي حياة لَا حظ فيها للآخرة بل هي كلها مشغولة بالأمور الدنيوية فقط، فالوصف بالدنيا [للحصر*] والقصر على شهواتها، وإن كان على المعنى الثاني فهي حياة دنيوية وإن خالطها بعض أسباب الآخرة فوصفها بالدنيا مجازا، [واللعب*] كان بعضهم يقول: هو الاشتغال بما لَا فائدة فيه مطلقا، كلعب الأطفال واللهو والاشتغال مما يسلي النفس ويلهيها عما نالها من الغم والهم والحزن، كلعب المسجونين، وقدم في الأعراف والعنكبوت اللهو على اللعب، وفي غيرها عكس ذلك بحسب الوقائع، فإن كان حال [الإنسان*] حين نزول الآية عليه مشغولا بما لَا فائدة فيه كالأطفال قدم اللعب، وإن كان العكس قدم اللهو. قوله تعالى: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ). قيل لابن عرفة: مفهومه (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) مع أنه لَا أجر لهم هنالك بوجه، فقال: السالبة لَا [تقتضي*] وجود الموضوع بوجه، قيل له: يبقى مفهوم آخر وهو أنه إن لم يؤمنوا [ولم يتقوا*] سألهم أموالهم، يقال: مال الحربي غير محرم، أو تقول: الكفار مخاطبون بالفروع. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ يؤخذ منه صحة ما قاله الأصوليون من أن الغيرين يصدقان على المثلين. قيل لابن عرفة: كيف هذا وقد ورد في الحديث: " [لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ*] ". فأجاب بمفهوم: قوله تعالى: (تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) معا. * * *

стр. 1334

سُورَةُ الْفَتْحِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ قالوا: التأكيد بـ (إِنَّا) إما لأن المخاطب منكر أو عليه [مخايل*] الإنكار، فإن لم يكن منكرا فالأظهر عليه [مخايل الإنكار*]، فالتأكيد لمجرد التعظيم والتفخيم لهذه الآية، وأجمعوا على أن السورة مدنية، وإنما اختلفوا في محل نزولها، وحاصل الجميع أنها نزلت بعد الهجرة. قوله تعالى: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ... (٢)﴾ قال: الذنب ما استلزم الذم والعتب أو العقوبة، وعذابه بمعنى المؤاخذة وعدم المؤاخذة يبطل لازمه فيبطل الذنب فلا ذنب هنالك ونظيره، قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وليست الدار دار تكليف فليس فيها ذنب يغفر؛ بل هو راجع لعدم المؤاخذة بما يفعلون، فهو دليل لما قلناه. وقيل: المغفرة تطلق على ستر المعصية بمعنى الحفظ منها، وعلى ستر المرتب عليها بمعنى التجاوز عنه. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ... (٤)﴾ إشارة إلى شدة ثبوتها واستقرارها في القلب؛ لأن الإنزال يقتضي الثبوت لَا سيما من موضع مرتفع بعيد. قوله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ). احتج بها الفخر على أن الإيمان يزيد وينقص، وأجيب: بأن زيادته بحسب متعلقات، يزيد بزيادة الأعمال، قال: المزيد غير المزيد عليه وليس مثله، بدليل قوله تعالى: (مَعَ إِيمَانِهِمْ) ولم يقل: إلى إيمانهم، كما في التوبة (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ). قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ... (٥)﴾ مع أن تكفير السيئات سابق على دخول الجنة؟ وأجيب: بأن المراد تكفيرها سترها، فمعناه يستر عنهم سيئاتهم حتى لَا يرونها ولا يتأسفوا عليها. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ ... (١١)﴾

стр. 1335

السين للاستقبال أو التحقيق، فإِن قلت: هلا قال: (الْمُخَلِّفُونَ) لأن العبارة باسم الفاعل أبلغ في الذم؟ والجواب: أنه قصد التنبيه على الاستغناء عنهم، وأن الله تعالى خلقهم، كما قال تعالى (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) وإن كان التخلف في ظاهر الحال منهم فهو في الباطن منسوب إلى المؤمنين بمعنى أنهم تركوهم ولم ينالوهم. قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ). فيه سؤالان: الأول: قال في آل عمران: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) قلب القول للأفواه كما لا لَلألسنة؟ فالجواب: أن قولهم هنالك أكثر وأعظم وأشنع لأنهم قالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)، وبدليل قول الله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكتُمُونَ) فدل على كثرة قولهم، فنسب الكثير للأفواه إذ هي أوسع من الألسنة. الثاني: قالوا يؤخذ من الآية الرد على إمام الحرمين، في قوله: إن الْكَلَام فِي [الْفُؤَاد*] وَإِنَّمَا ... جعل اللّسانُ على الْفُؤَاد دَلِيلا وردوا عليه بأن ابن العربي إنما يحتج بقوله: فيما ينطق فيه بطبعه من رفع ونصب وخفض، أما ما يحكم فيه فلا، وأجيب: بأن هذا حكم على اللغة والعربي إذا تكلم بكلمة ويقول: معناها عندي كذا، فالمرجع لقوله على وجه الدليل من الآية، أن الله تعالى قال (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) والضمير في [(لَيْسَ)] عائد على القول، فلولا أن ذلكَ القول قابل لأن يكون قال (فِي قُلُوبِهِمْ) والضمير عائد على المذكور، والمذكور إنما هو القول، قال: ونسبها لقول اللسان مع أن مخارج الحروف غير منحصرة في اللسان لكنه هو أعمها. قوله تعالى: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا). يقال: بفتح الضاد وضمها، وهما راجعان لمعنى واحد، أحدهما حسِّي والأخرى معنوي. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... (١٨)﴾
следующие страницы →