والاستعارة والتعريض والرموز، والظاهر والمأول والكنايات الظاهر والكناية الحقيقية، فالعلم بها أخفى من العلم بالصبر.
قال ابن عرفة: وفيه سؤال: وهو أن قوله تعالى: [(وَنَبْلُوَ) *] معطوف على (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أو على قوله تعالى: (حَتى نَعْلَمَ) وكونه منصوبا دليل على أنه معطوف على (حَتَّى نَعْلَمَ)، فإن كان قوله: [(وَنَبْلُوَ) *] بمعنى قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) لزم أن يكون الشيء غاية لنفسه، وإن كان أخص منه لزم كون الكلي غاية للجزئي، وهو باطل عنه، والجواب: أنه خاص لَا أخص، كقولك: والعورة من السرة إلى الركبة؛ لأنه ليس المراد إظهار المطلق بل المقيد بالأقوال، أي ولنخبرنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونختبر أقوالكم.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ... (٣٢)﴾
وهذا إما على ظاهره، أو المراد (لَنْ يَضُرُّوا) رسول الله، مثل (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يبايِعُونَ اللَّهَ) و (شَيْئًا) مصدر مؤكد للنفي لا للفعل المنفي، فهو داخل بعد النفي لَا قبله.
قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ .. (٣٣)﴾
تقدم الخلاف في الطاعة، هل هي موافقة الأمر وعدم مخالفته، فمن عجز عن فعل ما أمر به [مطيع*] على الثاني دون الأول.
قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ).
يتناول الأعمال الموجبة؛ كمن شرع في نافلة لَا يحل له أن يقطعها، ويتناول البشرية؛ كمن يتصدق بدرهم ثم آذى الفقير، أو مَنَّ به عليه، قال تعالى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ... (٣٤)﴾
العطف بـ ثم إما نعي عليهم إشارة إلى أنهم أمهلوا وأخروا لكي ينزجروا [وينظروا*] النظر السديد فلم يؤمنوا، وإما البعد ما بين مطلق الكفر والموت على الكفر.
فإن قلت: ما الفرق بين قولكم: ماتوا كافرين، وبين قولك: و (مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)؟ فالجواب: كان بعضهم يقول: الثاني أبلغ لأنه تصديق، والأول راجع لقسم التصور، لأن الثاني جملة إسنادية خبرية، والأول قيد في الجملة فهو مفرد.
قوله تعالى: (فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
стр. 1332
مفهومه أن من لم يمت كافرا يجوز أن يغفر الله له، بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) أي ليس إرجاء من هذه الآية لأنه أثبت لهم المغفرة حقيقة.
قال ابن عطية: روي أنها نزلت بسبب عدي بن حاتم، قال: يا رسول الله، إن حاتما كانت له أفعال برٍّ فما حاله؟ فقال: هو في النار فبكى وولى، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أبي وأبوك وأبو إبراهيم في النار"، فنزلت هذه الآية في ذلك.
قال ابن عرفة: هذا لَا ينبغي أن يكون نقله بحضرة العوام، والأولى تركه والوقوف عنه، وعدم السؤال عليه لأنه ليس بأمر اعتقادي، ولا يمس الإنسان من تركه شيء على أن الحديث مذكور في المصنفات.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ... (٣٥)﴾
إما أن يكون انتقال من قصة إلى إنشاء حكم، فلا يحتاج فيه إلى مناسبة، وكان بعضهم يقرر وجه المناسبة: بأن عدم مغفرة لهم فيقتضي إبعاده لهم وإبقاءه لهم، يؤذون بفشلهم وضعفهم وتكاسلهم عن اتباع التكليف، فنهى المؤمنون عن الاتصاف بصفتها التي أوجبت لهم الطرد والإبعاد عن رحمة الله .
قوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ).
هذا احتراز من أي أنتم الغالبون والله معينكم وناصركم عليهم ولو كنتم أقل منهم.
قوله تعالى: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم).
وهو مأخوذ من الوتر وهو [الدَّحْلُ*].
ابن عرفة: في صحاح الجوهري بالحاء والدال المهملتين، قال: [والدَّحِلُ: الخَدَّاعُ*]، وفي مختصر العين بالدال المهملة: هو النار، وبالذال المعجمة: هو البيت الصغير، وفي صحيح مسلم في كتاب اللباس لَا يبق في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت.
قال المازري: يلزم قصر النهي على الوتر خاصة، وأجازه ابن القاسم بغير الوتر.
قال عبد الوهاب: يكره للمسافر الأجراس والأوتار لحديث لَا يصحب الملائكة رفقة فيها جرس، وأما الأوتار فقد تؤدي إلى الاختناق بها [وحمل*] بعضهم النهي عن اتخاذ الأوتار الدخول.
стр. 1333
قال ابن عطية: وقيل: مأخوذ من الوتر وهو الفرد، أي أنه أفردكم من ثواب أعمالكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... (٣٦)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول إذا قلت: هذا الثوب أسود فتارة تريد الحقيقة بمعنى أنه لَا بياض فيه بوجه، وتارة تطلقه مجازا بمعنى أن بعضه أسود وإن كان بعضه أبيض، فقوله (الدُّنْيَا) إن كان على معنى الأول فهي حياة لَا حظ فيها للآخرة بل هي كلها مشغولة بالأمور الدنيوية فقط، فالوصف بالدنيا [للحصر*] والقصر على شهواتها، وإن كان على المعنى الثاني فهي حياة دنيوية وإن خالطها بعض أسباب الآخرة فوصفها بالدنيا مجازا، [واللعب*]
كان بعضهم يقول: هو الاشتغال بما لَا فائدة فيه مطلقا، كلعب الأطفال واللهو والاشتغال مما يسلي النفس ويلهيها عما نالها من الغم والهم والحزن، كلعب المسجونين، وقدم في الأعراف والعنكبوت اللهو على اللعب، وفي غيرها عكس ذلك بحسب الوقائع، فإن كان حال [الإنسان*] حين نزول الآية عليه مشغولا بما لَا فائدة فيه كالأطفال قدم اللعب، وإن كان العكس قدم اللهو.
قوله تعالى: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ).
قيل لابن عرفة: مفهومه (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) مع أنه لَا أجر لهم هنالك بوجه، فقال: السالبة لَا [تقتضي*] وجود الموضوع بوجه، قيل له: يبقى مفهوم آخر وهو أنه إن لم يؤمنوا [ولم يتقوا*] سألهم أموالهم، يقال: مال الحربي غير محرم، أو تقول: الكفار مخاطبون بالفروع.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾
يؤخذ منه صحة ما قاله الأصوليون من أن الغيرين يصدقان على المثلين.
قيل لابن عرفة: كيف هذا وقد ورد في الحديث: " [لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ*] ".
فأجاب بمفهوم: قوله تعالى: (تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) معا.
* * *
стр. 1334
سُورَةُ الْفَتْحِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾
قالوا: التأكيد بـ (إِنَّا) إما لأن المخاطب منكر أو عليه [مخايل*] الإنكار، فإن لم يكن منكرا فالأظهر عليه [مخايل الإنكار*]، فالتأكيد لمجرد التعظيم والتفخيم لهذه الآية، وأجمعوا على أن السورة مدنية، وإنما اختلفوا في محل نزولها، وحاصل الجميع أنها نزلت بعد الهجرة.
قوله تعالى: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ... (٢)﴾
قال: الذنب ما استلزم الذم والعتب أو العقوبة، وعذابه بمعنى المؤاخذة وعدم المؤاخذة يبطل لازمه فيبطل الذنب فلا ذنب هنالك ونظيره، قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وليست الدار دار تكليف فليس فيها ذنب يغفر؛ بل هو راجع لعدم المؤاخذة بما يفعلون، فهو دليل لما قلناه.
وقيل: المغفرة تطلق على ستر المعصية بمعنى الحفظ منها، وعلى ستر المرتب عليها بمعنى التجاوز عنه.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ... (٤)﴾
إشارة إلى شدة ثبوتها واستقرارها في القلب؛ لأن الإنزال يقتضي الثبوت لَا سيما من موضع مرتفع بعيد.
قوله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ).
احتج بها الفخر على أن الإيمان يزيد وينقص، وأجيب: بأن زيادته بحسب متعلقات، يزيد بزيادة الأعمال، قال: المزيد غير المزيد عليه وليس مثله، بدليل قوله تعالى: (مَعَ إِيمَانِهِمْ) ولم يقل: إلى إيمانهم، كما في التوبة (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ... (٥)﴾
مع أن تكفير السيئات سابق على دخول الجنة؟ وأجيب: بأن المراد تكفيرها سترها، فمعناه يستر عنهم سيئاتهم حتى لَا يرونها ولا يتأسفوا عليها.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ ... (١١)﴾
стр. 1335
السين للاستقبال أو التحقيق، فإِن قلت: هلا قال: (الْمُخَلِّفُونَ) لأن العبارة باسم الفاعل أبلغ في الذم؟ والجواب: أنه قصد التنبيه على الاستغناء عنهم، وأن الله تعالى خلقهم، كما قال تعالى (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) وإن كان التخلف في ظاهر الحال منهم فهو في الباطن منسوب إلى المؤمنين بمعنى أنهم تركوهم ولم ينالوهم.
قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ).
فيه سؤالان:
الأول: قال في آل عمران: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) قلب القول للأفواه كما لا لَلألسنة؟ فالجواب: أن قولهم هنالك أكثر وأعظم وأشنع لأنهم قالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)، وبدليل قول الله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكتُمُونَ) فدل على كثرة قولهم، فنسب الكثير للأفواه إذ هي أوسع من الألسنة.
الثاني: قالوا يؤخذ من الآية الرد على إمام الحرمين، في قوله:
إن الْكَلَام فِي [الْفُؤَاد*] وَإِنَّمَا ... جعل اللّسانُ على الْفُؤَاد دَلِيلا
وردوا عليه بأن ابن العربي إنما يحتج بقوله: فيما ينطق فيه بطبعه من رفع ونصب وخفض، أما ما يحكم فيه فلا، وأجيب: بأن هذا حكم على اللغة والعربي إذا تكلم بكلمة ويقول: معناها عندي كذا، فالمرجع لقوله على وجه الدليل من الآية، أن الله تعالى قال (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) والضمير في [(لَيْسَ)] عائد على القول، فلولا أن ذلكَ القول قابل لأن يكون قال (فِي قُلُوبِهِمْ) والضمير عائد على المذكور، والمذكور إنما هو القول، قال: ونسبها لقول اللسان مع أن مخارج الحروف غير منحصرة في اللسان لكنه هو أعمها.
قوله تعالى: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا).
يقال: بفتح الضاد وضمها، وهما راجعان لمعنى واحد، أحدهما حسِّي والأخرى معنوي.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... (١٨)﴾
стр. 1336
ابن عطية: كان سبب هذه الآية كذا وكذا، ثم قال: وحيث جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على يده، وقال: "هذه عن عثمان وهو خير من يد عثمان".
قال ابن عرفة: أراد بذلك إزالة النقص المتقدم بحق عثمان من كونه لم يحضر ولم يبايع، فمعناه أن بيعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه خير من بيعته هو لنفسه مباشرة.
فإن قلت: وإنما بايعوا على الموت وعثمان قد شاع عندهم حينئذ موته، فكيف يبايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه على الموت وهو يعتقد أنه ميت؟
قلنا: قد يكون سبب البيعة [إثر سماعهم*] الخبر بموت عثمان، ثم في أثناء الأمر ورد [**يحيونه].
قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا ... (٢١)﴾
فيها حجة على المجبرة القائلين: بأن العبد لَا قدرة له ولا كسب لأجل نفي القدرة عنهم في هذه، فمفهومه ثبوت القدرة لهم على غيرها، وإلا فلا فائدة لتخصيص هذه بنفي القدرة، والمراد غنيمة أخرى أو نعمة أخرى.
ابن عرفة: أي غنيمة مغايرة الأولى، أو غنيمة مغايرة لها، أو سابقة عنها في الزمان، كقوله: [ ... ].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ... (٢٤)﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن القدم الإضافي متعلق به القدرة، وتقدم لنا مثله في قوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) قيل [لا حجة فيه؛ لاحتمال*] أن يرجع إلى الإرادة، فقال: والإرادة مؤثرة؛ لأن من شأنها الاختصاص.
قيل له: الأشهر عندهم أنها غير مؤثرة، قال: وعادتهم يقولون: الآية خرجت مخرج الامتنان والنعمة في كف أيدي الكفار عن المسلمين ظاهرة، وأما كف أيدينا عنهم ففيه عكس النعمة، وأجيب: بأن المراد لازم ذلك وهو إسلامهم فبإسلامهم وانقيادهم [حصل*] كف أيدينا عنهم؛ لَا بالعجز عن قتالهم.
* * *
стр. 1337
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (١)﴾
الآية دالة على حرمة الاجتهاد بحضرته ﵇؛ لأن معنى التقدم في غيبة [ ... ].
قوله تعالى: ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... (٢)﴾
قال: وكذا مثله في القدْر أو دونه.
قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ... (٤)﴾
حال من المنادي.
قوله تعالى: (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
قال ابن عرفة: يعود على ضمير (الَّذِينَ) فتبين أن المراد بالذين مدلوله الضمير فلا يكون مدلوله الأول داخلا في النداء.
قوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ... (٥)﴾
عداه بحتى دون إلى؛ لأن معنى حتى المراد به حقيقته وظهوره، وفي إلى الانتهاء إليه فقط.
قوله تعالى: ﴿فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ... (٦)﴾
قال ابن عرفة: النبأ أخص من الخبر، فإذا رتب التبين على الأخص المخبر به فأحرى الأعم الذي لَا يتحفظ في نقله.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ... (٧)﴾
عبر هنا بالرسول وفيما قبل هذا بالنبي؛ لأن المراد هنا شرف الرسالة، وشرف النبي تبعا لها وبقاء التعظيم في ذاته، ولما كانت المحبة قد تزول ولا تدوم أخبر تعالى بأنه مزين راسخ لَا يزول، فهو تأسيس، ولهذا عبر مع التزيين بـ[(في) *]، ومع حبب بـ (إلى) إشعارا بهذا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ... (٩)﴾
قال ابن عرفة: في الآية استشهاد واستشكال، أما الاستشهاد فيدل على أن الفسق لا يسلب صدق الإيمان على صاحبه، كقوله تعالى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى) مع إطلاق الإيمان عليها، وأما الاستشكال فهو في الجمع بينهما وبين قوله
стр. 1338
عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، والآية دلت على عدم تكفيره بالقتل، الجواب: أن الحديث مأول فيمن استحل [ونحوه*] لَا يدل على الكفر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... (١٠)﴾
قال ابن عرفة: الأخوة إما باعتبار الحكم فظاهر، وإن كانت باعتبار [وجوده*] الخارجي فكان بعضهم يقدره بأنه تمثيل لأن الأجنبي يكون بالاشتراك في الإيمان أو في أحدهما، وهو هنا بالاشتراك في كلمة الشهادتين فهي تمثيل، كقوله: زيد أسد، والأول كقوله: زيد قائم.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
ولم يقل: لعلكم تفلحون إشارة إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، فالأمر بالصلح [إنما*] بالتراحم بينهم والشفقة والحنان ليكون ذلك سببا في رحمة الله لهم.
стр. 1339
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... (١١)﴾
قال ابن عطية: [يَسْخَرْ معناه: يستهزئ*]، والاستهزاء أخف من السخرية، فالاستهزاء عدم المبالاة به مع استحضاره، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
قال: ورأيت نحوه للسهيلي في الروض الأنف، قلت: قال الزمخشري: في قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) هو بالضم والكسر مصدر كالسخر إلا في باب النسب بزيادة قوة في الفعل كما فعل بالخصوصية والخصوص.
عن الكسائي والفراء: أن الكسر من الهمزة والمضموم من السخرية والعبودية والأول مذهب الخليل وسيبويه.
قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ).
ابن عرفة: هذا إما تعليل للنهي أو نفي للفعل المعلل، فهو إما راجع للإسخار، أي لَا تسخروا بقوم لتكونوا خير منهم ولا تسخروا بقوم، وعلى الثاني حمله الزمخشري وغيره، والقوم الرجال.
قيل لابن عرفة: يخرج منه سخرة الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فالصواب جعل القوم صادق على الرجال والنساء.
وقال ابن عرفة مرة أخرى: للقائل أن يقول لَا يصح فغير القوم على الذكور لدلالة قوله تعالى: (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) لئلا يلزم عليه عدم استيفاء الآية للأقسام الممكنة فيها، وهي أربعة: رجال من رجال، ونساء من نساء، ورجال من نساء، ونساء من رجال، فإن خصصنا القوم بالذكور خرج الأخيران، فإِن جعلناه شاملا لهم وللإناث شمل الجميع ويكون قوله تعالى: (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) تأكيدا وهو أولى من كونه تأسيسا المستلزم لعدم كمال الفائدة.
قوله تعالى: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ).
نقل الزمخشري: هنا عن الحسن أنه قال في الحجاج أتانا أخيفش أعيمش إلى آخره.
قال ابن عرفة: هذا لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "لَا غيبة في فاسق".
قيل لابن عرفة: هذا لَا يصح لأن القاضي عياض حمل الحديث على غيبة الفاسق فيما كان به فاسقا، يقال: ظلم في كذا بأفعاله الكسبية؛ لَا بصفاته الخلقية التي لم يكن
стр. 1340
بها فاسقا، فقال يصح ذلك بمعنى أبدا المانع جهالة عن الفسق، كما قال: "أشد النَّاس عذابا يوم القيامة الشيخ الزاني، والعالم المستكبر، والأمير الكذاب"، لأن الداعي لهم إلى الفسق معدوم في حقهم، قال: [ولمز الإنسان على غيره*] من باب لمزه نفسه.
ابن عطية: لأنه يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص وقد تكون اللمز بالقول وبالإشارة، والهمز لَا يكون إلا باللسان وهو مشبه بالهمز [بالعود*].
قيل لأعرابي: أتهمز الفأرة، فقال: الهر همزها. انتهى. ذكر هذا ليستدل به على أن الهمز يكون بالفعل، ومعنى قوله أتهمز الفأرة، أي تقول: بالهمز، فأجابه الأعرابي مستخفا به؛ لأن الهر يهمزها، وهمز الهر لها بالفعل.
وما ذكر ابن عطية: من أن سبب نزول الآية [ ... ] بما يكره ضعيف؛ لأنه مسرع فيبعد أن يترك ردا عليه.
ابن عطية: [كأن المؤمنين كنفس واحدة*] فإِذا لمز أحدهم صاحبه فكأنه لمز نفسه، انتهى. والمراد النهي عن سبب اللمز، أي لَا تفعلوا من المعايب ما يكون سببا في لمزكم، فإِن فعلتم ذلك فكأنكم لمزتم أنفسكم بفعلكم سببه فإِنه من إطلاق اسم المسبب وهو اللمز على سببه وهي العيوب.
الزمخشري: وعن الحسن ﵁ في ذكر الحجاج: [أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول: يا أبا سعيد يا أبا سعيد، وقال لما مات: اللهم أنت أمته فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي*]. انتهى.
ابن عرفة: وهذه غيبة لكن في فاسق وقد ورد "لَا غيبة في فاسق" إذا تظاهر بالمعاصي فلا تحرم غيبته، ولقد سئل بعضهم عمن حلف بالطلاق أن الحجاج من أهل النار، فقال: قل له يبقى مع زوجته فلان غفر الله للحجاج، فهو راحم به إذا بقي مع زوجته في الحرام وهي سيئة من سيئات عبد الملك بن مروان.
قوله تعالى: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ).
فسره الزمخشري بثلاثة أوجه:
أحدها: استقباح ما بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويمنعه، وهذا توقيف على مذهبه في أن الفاسق كافر وليس بمؤمن، ولو صدر هذا الكلام من سني
стр. 1341
لأمن فيه التأويل، وقد قال بعض النَّاس فيمن تأول كلام الفارسي في رهبانية ابتدعوها على مذهب أهل السنة: أنه [لو سمع*] تأويله لبصق في وجهه.
قال: الوجه الثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول [للمتحول*] عن التجارة إلى الفلاحة بئس الحرفة الفلاحة بعد التجارة، انتهى. أراد بئس الانتقال من الإيمان إلى الفسوق، وهذا على مذهبه أيضا؛ لأن الفاسق عنده كافر، ولذلك [ ... ]. بالانتقال من التجارة إلى الفلاحة؛ لأنه سلب عنه اسم التجارة ووصفه بالفلاحة، ونحن نقول: المراد بئس الانتقال من الإيمان الخالص الكامل إلى الإيمان المخالط.
وظاهر كلام الزمخشري أن التاجر أحسن من الفلاح، وقال غيره: الفلاح أحسن لما يحصل من الأخروي فيما يصنع ويؤكل، والتاجر لَا يخلوا من تطفيف في الوزن أو حيف أو زيادة في الثمن بخلاف الفلاح، وكان أكثر أهل المدينة فلاحين، وأكثر أهل مكة تجارا، وظاهر الآية أن التحدث في النَّاس بالمعايب، وذكر ما لهم حرجه تسقط شهادة المتكلم بذلك لأن الآية دلت على أنه من الكبائر لأن الكبائر ما توعد على [فعلها*].
قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ... (١٢)﴾
إن قلت: لم قيل: (اجْتَنِبُوا) بلفظ الأمر، ولم يقل: لَا تظنوا بلفظ النهي، لأن اجتناب [المنهي*] أشد من فعل المأمور، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ*]، ولأن النهي عند الأكثرين للتحريم بخلاف الأمر فإن فيه خلافا، فالجواب: أنه لو قيل: لَا تظنوا كان النهي عاما في جميع الظن، والمراد إنما هو [بعض*] الظنون، فأتى فيه بلفظ الأمر وفي ضمنه النهي، لأن مادة الاجتناب تدل عليه، وعلق النهي بأكثر الظن لَا بجميعه، ولأن
стр. 1342
لفظ افعل أحق في التكليف من صيغه لَا تفعل، والظنون منها الجائز والمحرم والواجب والمندوب والمحرم بعضها ... ، فلذلك قرنه بأخف العبارات.
ابن عطية: قال سلمان الفارسي: إني لأعد [عُراق*] قدري مخافة الظن، انتهى، أراد أنه يختم على [**البومة مخافة أن يظن بمن تكلف بها ظن السوء وهو أولى من عدة اللحم]، فإنه قد يظن أنه قطع له من كل لحمة طرفا.
قال: وقال ابن مسعود: الأمانة خير من الخاتم، والخاتم خير من سوء الظن، انتهى، أراد أن وضع الشيء عند الأمين غير مطبوع عليه أطيب لنفسه ما لو ختم عليه، ووصفه عنده أمانة.
الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين كثير حين جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة؟ قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية وإن في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تعيين لئلا [يجترئ*] أحد على ظن إلا بعد نظر وتأمل، وتمييز بين حقه وباطله بإمارة بينه مع استشعار [للتقوى*]، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظن [منوطا*] بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظن متصف بالكثرة مجتنبا، [وما اتصف منه بالقلة*] مرخصا فيه، انتهى. تقديره أن الكثير المعرف بالألف واللام كل يقتضي اجتناب كثير الجمع بغير الجمعية، وقوله: كثير الظن يفيد تعلق الكلية بالكثير، فيقتضي اجتناب الكثير مع تتبع الأفراد، كما تقول لرجل: أكرم الكثير من الضيوف، فلا يلزمه إلا إكرام الجماعة الكثيرين المجتمعين لأن الألف واللام [لتكثير الجنس*]، ولو قلت له: أكرم كثيرا من الضيف فأتاه ضيف واحد أو ضيفان [لزمه*] إكرامهما، ثم كذلك لَا يزال مطلوبا بإكرام ما زاد عليهما إلى أن يبلغ حد الكثرة، بخلاف الأول فإنه لَا يلزمه إكرام الضيف الواحد ولا الاثنين، قيل: يؤخذ من الآية أنه إذا اختلط شاة محرمة بشاة محللة أنه يحرم الجميع، ووجه الاستدلال أنه حرم الكثير [لأجل*] تحريم القليل، فالاجتناب معلل، بقوله تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، أجيب: بأن الآية لم تتضمن اجتناب على الظن لكون بعضه إثما، وإنما تتضمت اجتناب بعضه، وتعلق النهي بالبعض المجتنب لكونه إثما، فالمراد بقوله تعالى: (بَعْضَ الظَّنِ) ذلك البعض المجتنب، فالمعنى إن كثيرا من الظن إثم فهو تعليل للكثير المجتنب لَا للظنون التي بعضها مجتنب وبعضها غير مجتنب، والظن الذي في مصلحة واجبة أو مندوبة غير مراد في الآية وإنما تناولت الآية ظنونا متماثلة في عدم المصلحة الأخروية، وزاد أحدهما بكونه إثما، فالكثير بعض ذلك ظن الذنب لَا مصلحة فيه وهو المعلل بكونه إثما وهو المأمور باجتنابه وما عداه جائز لَا إثم فيه، وفي آخر جامع التنبيه حدثني أشهب، عن نافع بن عمر
стр. 1343
الجمحي، عن أبي مليكة، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لَا يحل لامرئٍ مسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوء وهو يجد لها في شيء من الخير" مصدر ابن رشد هذا صحيح يشهد له، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ).
قوله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا).
ابن عطية: لَا تجسسوا: أي: [لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس واجتزوا بالظواهر الحسنة*]، انتهى.
قال شيخنا: ووقع النظر بين فقهاء الزمان في بعض قضاة المغرب كان يرد الديار على النَّاس يتجسس عليهم فمن رأى عنده أمارة المعصية من شرب الخمر ونحوه عاقبه، فاختلف في ذلك الفقهاء فمنهم من خطأه وجعله من التجسس المنهي عنه، ومنهم من صوب فعله [لغلبة*] الفساد على النَّاس، والصواب فيه أن من اشتهر بذلك فالتجسس عليه مطلوب وواجب، ومن هو مستور الحال فلا يحل التجسس عليه، وهؤلاء الذين يغتابون النَّاس في حقائق الفقهاء لم أرهم كذلك قديما وحديثا، والصواب فيه أنه إن [اغتاب*] من هو في نسبة الشهادة أو القضاء أو الإمامة أو خطة من الخطط الشرعية فلا بأس للفقيه أن يسمع ذلك ويصغي إليه، وحيث تتقرر عنده عدالة ذلك الشخص المقول فيه ذلك أو [جرحه*] فيقدمه في تلك الخطة أو يؤخره عنها سواء كان ذلك الفقيه السامع للغيبة قاضيا أو غيره؛ لأنه قد يستشار معه، ويقلد في الأمور ولا يحل سماع ذلك إلا لمن هو بتلك المنزلة، ومن ليس كذلك إذا سمع ذلك فليخرج ويتركه، وأما غيبة من ليس فيه قابلية الخطة فلا يحل سماعها لأحد بوجه.
ابن عطية: وحكى الزهراوي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه قال: "الغيبة أشد من الزنا لأن الزاني يتوب الله عليه والذي يغتاب فلا يتاب عليه حتى يستحل"، انتهى.
قال شيخنا: هذا الحديث لم يصح، وقيل: الزنا أشد من الغيبة بثلاثة أوجه:
الأول: إمكان التحلل في الغيبة بخلاف الزنا فإِنه إذا ولدت منه فنسب ذلك الولد ثابت لَا يرتفع.
الثاني: أن الغيبة حق لآدمي والزنا حق لله وحق الله [آكد*].
الثالث: أن الغيبة استثنى منها بعض العلماء بعض الصور فأجازوها بخلاف الزنا فإنه يحرم مطلقا.
стр. 1344
ابن عطية: [ولم يبح*] في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح [في الشهود*]، [وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم*]، انتهى، ولما عرف عياض في المدارك بالشيخ العابد أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي السجستاني، قال: قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا عنه هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت: أعطيتموها لصبي لم [يقم*] لها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق: قد [اغتبته*]؟ فقلت له: وصفته بحاله، وفي السنة ما يبيح ذلك، وهو قوله ﵇ للتي شاورته في النكاح: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ"، فقال لي: لا حجة فيها لأن المستشار مؤتمن، وأيضا فإِنما شاورته لتنكح في أنه يدخلها في النكاح أو يصرفها عنه، ومسلما ليست كذلك؛ بل في السنة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتاه طبيبان وكانا نصرانيين فلما خرجا، قال: "لولا أن يكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب".
قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيين قبل ذلك، ثم قال لي: أرأيت هذا الصبي لو سمعك لكان توجهه نفسه، وإنما كان أحب إليك [تجده*] في صحيفتك أولا، فقلت: له صدقت، انتهى.
قال شيخنا ابن عرفة: يحتمل أن يكون معنى الحديث في الطبيبين أنهما استويا في القدر المجزئ منهما المحتمل [للفرض*]، وزاد أحدهما بأمور تكميلية لَا يضر تركها ولا ينقص من معرفة العلاج والمعاناة، فزاد بعلم الطبيعيات، فحينئذ يكون تفضيل أحدهما على الآخر غيبة، وأما حيث يكون المرجوح منهما لَا يحصل المقصود منه في التطبيب، فالظاهر أن التعريف بذلك ليس بغيبة.
قوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا).
الهمزة للإنكار على غير المخاطبين؛ لأن المخاطبين لم يفعلوا ذلك، وهذا من [**الخطاب الشعري]. الفخر، وفيه معنى آخر وهو أن [الِاغْتِيَابَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ مَيْتًا، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْمُضْطَرُّ إِذَا وَجَدَ لَحْمَ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ وَلَحَمَ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ فَلَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْآدَمِيِّ، فَكَذَلِكَ الْمُغْتَابُ إِنْ وَجَدَ لِحَاجَتِهِ مَدْفَعًا غَيْرَ الْغِيبَةِ فَلَا يُبَاحُ لَهُ الِاغْتِيَابُ*]، انتهى. لو أريد هذا المعنى لقيل: أيأكل أحدكم، والذي في الآية إنما هو: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ) والمضطر يأكل الميتة وهو كاره لها غير محب لها، فصدق نفي المحبة مطلقا مع الاختيار والاضطرار. الفخر، (مَيْتًا) حَالٌ [عَنِ اللَّحْمِ أَوْ عَنِ*] الْأَخِ.
стр. 1345
فَإِنْ قِيلَ اللَّحْمُ لَا يَكُونُ مَيْتًا، قُلْنَا بَلَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فهو ميت»، انتهى.
قلت: وبدليل اختلاف الفقهاء في العظام هل يحلها الحياة أم لَا؟ واختار المازني في الجوزق أنها يحلها الحياة بدليل وجود الإحساس والتالي بها والطب يقتضي ذلك [فحلول الحياة فيها*]؛ دليل على اتصافها بالموت.
ابن عطية: وقال الرماني كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهية الغيبة يدعوا إليها [العقل*] وهو أحق أن يجاب لأنه [بصير عالم*]، والطبع أعمى جاهل، انتهى.
قلت: هذا اعتزال عقل عنه، ابن عطية: لأنه [بناه*] على قاعدة التحسين والتقبيح حكَّم العقل وجعله [يحسن ويقبح*]، ومذهبنا بطلا ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).
يحتمل أن يكون ردعا عن الغيبة، كأنه قيل: إن الوصف الذي وقعت به الغيبة في الشخص المخبر عنه معروض للزوال بالتوبة فتنقلب الغيبة مباهتة، ولهذا [صدَّره*] بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ... (١٣)﴾
ابن عطية: يحتمل أن يريد بالذكر والأنثى آدم وحواء فيكونا شخصين، ويحتمل أن يكونا كليين واقعين على ما [تناسل*] منه كل واحد منا؛ لأن كل إنسان له أب وأم، انتهى.
قيل: يترجح الثاني لأنه حقيقة والأول مجاز، قيل: بل الأول أولى بوجهين:
أحدهما: أنه مفيد إذ [إنه*] إخبار بمغيب بخلاف الثاني.
الوجه الثاني: أن الآية رد على من يريد [التنقص*] بأخيه تقرير كونهما متساويبن في الأبوين، وعلى الثاني قد [ ... ] أحدهما [ ... ] أشرف، و (من) للتبعيض كما هي في حديث و"لست من دد ولا دد مني" ومعناه ليست من الغناء واللهو ولا هو مني إبعاد [لنفسه*] عن اللعب والغناء.
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ).
стр. 1346
ذكر القاضي عياض في الشعب والقبيلة في كتاب النكاح من التنبيهات ورتبها كما رتبها ابن عطية والزمخشري، هنا.
الزمخشري: والشعب [الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع، العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصى بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.*]، انتهى.
قلت: أعلاها خزيمة، وأخصها العباس، والقبيلة متقدمة على الشعب في الوجود، والشعب متقدم عليها في التسمية، وبيان ذلك أن أباك وأمك متقدمان عليك في الوجود، ولكن اسم الأبوة والأمومة ما صدق عليهما إلا بعد ما تزايد لها الولد فكانا موجودين دون وصف الأبوة [والأمومة*]، وكذلك القبيلة أول وجود خزيمة لم تكن يقال لها قبيلة ثم لما تزايد لها الأولاد والأحفاد صارت قبيلة، ثم لما كثروا وانتشروا صارت شعبا، ثم لما امتدت فروعهم واشتهروا صارت عمارة، ثم تزايدوا في الكثرة فصارت فصيلة، وإذا كانت القبيلة متقدمة في الوجود، فكان الأصل أن يقدم في الذكر لكن الشعب أهم من القبيلة والقبيلة أخص منه؛ لأن مسمى الشعب وأفراده، وأجاب لكثر من مسمى القبيلة، وتقرر أن المعرفات يبدؤوا فيها بالأعم ثم الأخص.
وقال: (وَجَعَلْنَاكُم) ولم يقل: وخلقناكم؛ لأن الشعب والقبيلة لم يكونا في أصل الخلقة؛ بل هما صفتان عارضتان، فناسب لفظ جعل بمعنى صير.
قوله تعالى: (لِتَعَارَفُوا).
إشارة إلى أن الاختلاف بينهم إنما ليعرف هو بعضهم بعضا لَا لكون بعضهم أشرف وأحسن من بعض.
قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُم عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم).
في المدونة في كتاب النكاح الأول، قيل: [أَرَأَيْتَ إنْ رَضِيَتْ بِعَبْدٍ*] قال: قد قال [مالك*] " [أَهْلُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ*] "، [وقيل*]: إن بعض هؤلاء فَرَّقُوا بَيْنَ عَرَبِيَّةٍ وَمَوْلًى فاستعظم ذلك، وقال: (إِنَّ أَكرَمَكُم عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: والحديث الصحيح الذي فيه، قال: " [فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِي» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا*"] اعتبر فيه
стр. 1347
الكفاءة الظاهرة الدنيوية، وهذه الآية اعتبر فيها الكفاءة في الدين خاصة، انتهى. والحديث الذي ذكر في البخاري.
وقال عياض في التنبيهات: جواب ابن القاسم في المسألة يحتمل، وظاهره الجواز، وكذا أطلق أبو محمد، عن ابن القاسم إجازة ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ابن القاسم لَا يخالف غيره في عدم الإجازة، واستدل بمسألة ما إذا رضي الولي بزوج ثم طلقها ثم أرادت مراجعته أنه ليس له منعها إلا أن يحدث فيه فسق ظاهر أو [ ... ] أو يظهر أنه عبد ولم أسمع العبد [من مالك*].
قلت: لأنه [لم يرضَ*] به أولا إلا ظنا منه أنه حر، وقد منع المراجعة واعتبر رضى الولي.
وقال آخرون: إن رضيَ به أولا فلا كلام له، قال: واستدل أيضا بمسألة تزويج العبد ابنة سيده برضاه ورضاها، واشتراطه الرضى فيها يدل على أن لكل واحد منهما [ ... ]، ووقع في كلام الفخر هنا: أن سام ابن نوح أبو الأعاجم.
وقال الزمخشري في سورة الصافات: سام أبو العرب وفارس والروم، وحام [أبو السودان*] ويافث أبو الترك، ويأجوج ومأجوج.
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ... (١٤)﴾
ابن عطية: قال أبو حاتم، عن ابن [عباس*]، سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلا يقرأ: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ) بغير همزة، فرد عليه بهمز وقطع. انتهى، صوابه أنه قرأها: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ) (١) على صورة ألف الوصل فهي قراءة ورش بنقل الحركة، وقد سئل مالك ﵀ في التنبيه في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم في كتاب الصلاة عن [النَّبْرِ*] في القرآن في الصلاة، فقال: إني لأكرهه وما يُعجبني [ذلك*]. ابن رشد يريد بالنبر إظهار الهمز، وروي أنه أتى [بأسير*] يُرْعَدُ فقال: ["أدْفُوهُ"*] يريد ["أدفئوه"*] من [الدفء*]، فذهبوا به فقتلوه فَوَدَاهُ من عنده، ولو أراد قتلَه لقال: دافوه أو دافوا عليه، ولهذا المعنى كان جاريا بقرطبة قديما لَا يقرأ الإمام في الصلاة إلا برواية ورش.
قال: ويحتمل أن يريد بالنبر [الترجيع*] الذي يحدث في الصوت معه نبرا، [والتحقيق*] الكثير في [الهمزات*].
قوله تعالى: (آمَنَّا).
стр. 1348
خبرا (آمَنَّا) بدليل تكذيبهم فيه، وفيه دليل لجواز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن دون استثناء؛ خلافا لمن قال: لَا بد من زيادة إن شاء الله، وتقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
الزمخشري: الإيمان هو التصديق مع الثقة، وطمأنينة النفس، انتهى، هذه غفلة عن مذهبه؛ لأن مذهب المعتزلة أنه مشروط بالأعمال الصالحة، وأراد بالطمأنينة، كمال التصديق القلبي مع السلامة من [إباية*] النطق بالشهادتين عند التمكن من ذلك.
قال شيخنا ابن عرفة: هو كاف ولا أعلم فيه [خلافا*]، فإِن من آمن وأمكنه النطق فلم ينطق ولم يدعه أحد إلى النطق حتى مات، فهو مؤمن وإن دُعي إلى النطق فامتنع، فهذا هو الكافر العنادي.
وقد قال في العتبية في كتاب الطهارة في سماع موسى، من ابن القاسم في النصراني: يغتسل ويصب السنة في الغسل ثم يُسلم بعد ذلك، أنه لَا يجزئه الغسل، فإِن اغتسل وقد أجمع على الإسلام بقلبه، ثم أسلم بعد ذلك أجزأه. ابن رشد: لأنه إذا اعتقد الإسلام بقلبه فهو مسلم عند الله حقيقة؛ إلا أننا لَا نحكم له بحكم الإسلام حتى يظهره لنا بلسانه لنجري عليه في الدنيا [أحكامه*]، ولو اخترمته المنية قبل أن يتلفظ بكلمة التوحيد بعد أن اعتقدها لكان عند الله مؤمنا، إلا أن الذي لَا يتكلم يصح إيمانه لأنه من أقفال القلوب.
ابن العربي في تأليفه في أصول الدين المسمى بالمتوسط، وفي سراج المريدين، وفي العارضة أجمعوا أنه لَا بد من النطق بالشهادتين بين، وأن الاعتقاد القلبي غير كافٍ من القادر على النطق.
قال شيخنا: ولا أعلم أحدا [حكى*] ذلك غيره، قد قال ابن زيد في الرسالة: وإن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، فقال: يريد الإيمان الكامل والذي عليه السنة أنه يكفى في حصول الإيمان مجرد التصديق بالشهادتين والمعاد بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الجملة وشرط الأكثرون استحضار المعاد مع الشهادتين وما عداه يكفي فيه التصديق الجملي، وأما النطق بالشهادتين هو عمل من الأعمال، ولم يشترط العمل مع الإيمان إلا المعتزلة.
وحكى ابن العربي فيمن آمن وعصى: بترك الفروع قولين لأهل السنة فأكفرهم لا يسميه كافرا، وبعضهم سماه كافرا؛ لكن غير مخلد في النار، وهو عند المعتزلة مخلد فيها، وهذا خلاف لفظي راجع إلى مجرد التسمية، وهذا هو قول [عجيب*] في التكفير
стр. 1349
بترك الصلاة وحدها دون ما سواها من قواعد الإسلام؛ لأنها مما علم وجوبها بالضرورة.
وحكي عن الحكم بن عتيبة: أنه أضاف إليها الزكاة وخطؤه في ذلك، وعلى قول الأكثرين بالفرق بين الإسلام والإيمان لَا إشكال في الآية، وعلى قول الأقلين؛ لأن الإيمان الشرعي مشروط بفعل الطاعات يرجعان إلى شيء واحد، فكيف رد عليهم بأن قيل لهم: قولوا أسلمنا لكن القول مرغوب عنه، والحديث الصحيح في مسلم يرد عليه.
حكى القاضي عياض في المدارك، عن أبي محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن [التبَّان*]: أنه أخرج رأسه من الطاق ليلة عاشوراء فرأى خلقا كثيرا مجتمعين للتبرك فبكى، فسئل عن موجب بكائه، فقال: والله ما أخشى عليهم من الذنوب لأن مولاهم كريم، وإنما أخشى أن يشكوا في كفر بني عبيد فيدخلوا النار لأن الشك في الكفر كفر، انتهى.
قال شيخنا: وهذا كما قال: ولقد كنت جالسا عند الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد ابن سلامة فوقع جزء رسم له المهلة فجاءه رسول صاحب الجزء بدينار ناقص فرده عليه، وقال: ما هذا التشكك، فقال الرسول: يا سيدي، هذا حق واجب، فأنكر عليه غاية الإنكار وألزمه الكفر باعتقاد وجوب الحرام، أو شكه فيه واستحلاله له، وما زال يؤنبه ويكرر حتى تاب من ذلك الاعتقاد ورجع إلى الحق، انتهى. ونص كلام ابن العربي في المتوسط: ولما كان الإيمان أمرا باطنا لَا يعلمه إلا الباطن جعل الشارع عليه علامات، وقضى الرب بأن لَا يكون مؤمنا إلا باستخدام اللسان كاستخدام القلب، فمن العلامة الإقرار بالشهادتين، فمن اعتبرها بقلبه وعبر عنها بلسانه فهو مؤمن عند الله وعندنا، ومن أقر بها بلسانه دون قلبه فهو المنافق.
وذهب الكرامية إلى أنه مؤمن حقا، وهو أفسد من أن يتكلم عليه، ومن اعتقد ذلك بقلبه ولم يصدق به لسانه [فمؤمن عندنا*] إذ [حال*] بينه وبين النطق [جهل*] أو عذر وهي مسألة اجتهادية هذا أظهر الأقوال فيها، لأن الأمة أجمعت على أن ذا العذر الذي لا يستطيع النطق مؤمن باعتقاده التسليم، فلو اعتقد الحق وعاند بالامتناع من النطق هو كافر؛ إذ الإجماع منعقد على اشتراط النطق بالشهادتين في العصمة الدنيوية والأخروية جميعا، ومن الطاعات تجرد الاعتقاد عن سجود الصنم أو نحوه]، أو [الاستخفاف*] بحق الرسول أو بشيء من الشريعة.
стр. 1350
قال بعضهم: أو أكل لحم الخنزير ولا يقوى عنده إلا أن يأكله مستحلا فيستوي في ذلك [هو*] وسائر المحرمات، وجعل بعضهم من ذلك فعل الصلاة، فمن تعمد تركها كفر، تناقضوا فيه، والقول فيه بعيد، ومن أصحابنا من قال: الإيمان هو جميع الطاعات في رسمها ونقلها، ووردت إطلاقات الشرع بذلك وهو مجاز يرجع إلى الاعتقاد بتأويل لما قام عليه من الدليل، وهو ما قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه وهو الحق عندي والأوائل امتنعوا منه، انتهى.
وقال الشيخ أبو الحسن [عليٌّ*] المتيطي في أواخر تأليفه إذا شهد الشهادتين وقف على شرائع الإسلام وحدوده، فإن أجاب: تم إسلامه، وإن أبى لم يقبل إسلامه وترك على دينه، ولا يعد مرتدا، [**أو أن يوقف على شرائعه حين أسلم، ولا] [ ... ] ولا صلى حتى رجع عن الإسلام، فالمشهور أن يشدد عليه ويؤدب، فإن تمادى مرتدا ترك ولا يقتل؛ لأن الإسلام قول وعمل، وقاله مالك وابن القاضي وغيرهما، وبه أخذ ابن عبد الحكم وعليه العمل والقضاء.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب يقتل [ ... ] بتأكد سواء رجع عن قرب أو بعد، قال: وإن اغتسل بإسلامه ولم يصل إلا أنه حسن إسلامه، ثم رجع فإنه يؤمر بالصلاة فإن صلى وإلا قتل.
وقال ابن القاسم: لَا يقتل حتى يصلي ولو ركعة، فإذا صلى ثم تركها أدب، فإن لم يصل قتل، وإن ثبت أن إسلامه كان عن إكراه أو خوف، فله الرجوع إلا أن يثبت بقاؤه مسلما بعد زوال الخوف والإكراه، فصلى صلاة فما فوقها، وإن أسلم صغيرا ثم رجع قبل البلوغ وعنده توعد وأدب ولا يبلغ به القتل، انتهى.
ابن القطان أجمعوا على أنه إذا نطق بالشهادتين، قال: [أبرأ من*] كل دين خالف هذا الدين أنه يكون مسلما، وإذ ارتد عن ذلك [**متصل] بعد أن يدعى إلى الإيمان، انتهى. وهذا خلاف ما قال المتيطي، وفي التهذيب في كتاب النكاح الثالث ما نصه قال ربيعة في الكافر: ينكح مسلمة ويزعم مسلم فلما خشي الظهور عليه أسلم وقد بنى بها فلها الصداق ويفرق بينهما، وإن رضي أهل المرأة، إن رجع إلى الكفر قتل؛ لأنه بتزوجه يعد ملتزما لشرائع الإسلام، فإن قلت: يلزم على هذا إذا نطق بالشهادتين وصلى ثم ارتد، قلت: التزويج فيه حق للغير، فقد التزم شرائع الإسلام لذلك الغير بخلاف الصلاة.
قوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ).
стр. 1351
ليس بتكرار لأنه قوله: (لَمْ تُؤمِنُوا)، نفي لماض منقطع، وقوله (وَلَمَّا يَدْخُلِ) نفي لماض متصل بالحال فهو أبلغ.
وقال الفخر: الأول نفي للإيمان الكسبي، والثاني نفي للإيمان الإلهامي الذي يقع بقلب المؤمن من قبل أن يكفر، أي [كيف تقولون*] آمنا وما آمنتم إيمانا كسبيا، ولا يدخل الإيمان في قلوبكم إلهاما من غير فعلكم فلا إيمان لكم.
الزمخشري: ما في (لَمَّا) من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد.
فأبطله أبو حيان بأن (لَمَّا) لنفي قد فعل فهي تنفي التوقع، ويجاب: بأنها لنفي الفعل الذي كان متوقعا وقوعه لَا لنفي التوقع فلم يزل التوقع ثابتا متعلقا بالمستقبل.
قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ).
قيل: لم أتى بـ (إن) دون [إذا*] مع أن القاعدة أن الفعل إذا كان [محققا*] وقوعه فالمناسب له (إذا)، وإن كان [محققا*] عدمه أتى بـ إن؟ أجيب بوجهين:
الأول: أنه أشار إلى كمال استغناء الله تعالى عنهم.
الثاني: أنه يستحيل عليهم [جعل*] طاعتهم في حيز المحال، وإخراجها عن حيز الإمكان، فضلا عن أن تكون محققة الوقوع، ورد هذا بأن الزمخشري ذكر فيما تقدم أنهم آمنوا بعد ذلك.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ... (١٥)﴾
[ارتاب مطاوع رابه*] فارتاب فهو مرتاب عليه، فالارتياب أخص لأنه لَا يكون إلا مطاوعا، والريبة تكون ابتداء وتكون بعد تقدم سببها، فيرد السؤال وهو أن نفي الريبة أبلغ، ومثله وقع بين الشيخ ابن عبد السلام وابن الحباب، في قول ابن الحاجب ينقسم.
فقال ابن الحباب: انقسم المطاوع لَا يكون إلا فيما يقبل القسمة وما لَا فلا، والجواب: أنه قصد الرفق بالمؤمنين لأن كل واحد منهم لَا يخلوا من خطور ريبة بقلبه، فمنهم من يسأل حتى يهتدي إلى الصواب، ومنهم من يدوم على ذلك حتى توجب تلك الريبة عنده ارتيابا في الإيمان فيكفر، فنفى هذا الثاني دون الأول؛ لأن الأول حصلت عنده الريبة ثم زالت، ولم توجب عنده ارتيابا في الإيمان.
стр. 1352
وحكى عياض في الإكمال في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروا نصفه في
البر ونصفه في البحر، وقال: لئن قدر الله تعالى عليَّ ليعذبني عذابا شديدا، في تكفير
من شك في الصفات قولين، وكذلك حكى الأصوليون في تكفير من جحد الصفات
أصلا قولين متفقين على مسألة اختلف فيها القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين
وهي هل الإيمان بالله مشروعا مشروطا بالايمان بصفاته أم لَا؟ وقدم الأمر إلا على
الأنفس لأنه كذلك في الوجود الخارجي، ولأن الجهاد بالأموال هو الأعم الأغلب لأن
كثير يبدل ماله دون نفسه.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).
نظير قوله تعالى في الأعراب: (قُل لَمْ تُؤمِنُوا) أي قل لهم: (أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ) وأنتم الكافرون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ... (١٦)﴾
لما تضمن الكلام السابق تكذيبهم في قولهم: (آمَنَّا) [تبعه*] ببيان أنهم على
تقدير صدقهم في ذلك فإِخبارهم به لمن هو عالم بضمائر هم تحصيل الحاصل، وهل
هذا يشكل قول الإمام مالك ﵀ في كتاب الأيمان والنذور من المدونة من حلف
لرجل [إنْ عَلِمَ أَمْرَ كَذَا وَكَذَا لَيُخْبِرَنَّهُ أَوْ لَيُعْلِمَنَّهُ ذَلِكَ فَعَلِمَاهُ جَمِيعًا*] لم يبر حتى يعلمه أو يخبره، مع
أنه تحصيل الحاصل.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ).
تأسيس لتناوله الظرف والمظروف وشموله الموجود والمعدوم شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ... (١٧)﴾
إن كان [للإضراب*] عن قولهم فهو إبطال، وإن كان حق مقول [للنبي صلى الله عليه
وسلم وعلى آله وسلم*] فهو انتقال.
فإِن قلت: هلا قيل: بل أنت تمن عليهم؛ لأن مقاولتهم مع النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم؟ قلت: في إسناد المن إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
إيحاش. لأنه مستقبح بخلاف إسناده إلى الله تعالى لأنه خالق الأشياء وفاعلها حقيقة
فلا يصح [نسبة*] الشيء إليه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
стр. 1353
هذا أخص بما قبله لأن (بَصِيرٌ) أحق من يعلم، فإِن قلت: لم عبر عن صفة العلم بالفعل وعن صفة البصر بالاسم؟ قلت: لأن العلم في الشاهد معلوم دوامه وثبوته وأنه لَا يتبدل، فلم يحتج فيه إلى التعبير بالاسم الدال على الثبوت، لأنه معلوم أنه إذا لم يتبدل في الشاهد فأحرى الغائب، وغير في (بَصِيرٌ) بالاسم الدال على الثبوت إشارة إلى أنه في الغائب مخالف للشاهد؛ لأن من أبصر شيئا في الشاهد لَا يدوم نظره إليه بخلاف علمه إياه.
* * *
стр. 1354
سُورَةُ (ق)
قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ ... (١)﴾
قال: مكي (وَالْقُرْآنِ) قَسَمٌ جوابه قبله وهو ما دلت عليه (ق) والتقدير والقرآن المجيد لقضي الأمر، انتهى، تقديم جواب القسم عليه ممتنع لكنه جعله دليل عن الجواب لَا أنه نفس الجواب.
قوله تعالى: ﴿بَلْ ... (٢)﴾
إضراب انتقال قبل تمام المنتقل عنه إلا أن يكون الجواب مقدم.
قوله تعالى: (أَنْ جَاءَهُمْ).
مفعول من أجله، فإن قلت: قد تقرر في المنطق أن التعجب لازم الإنسان بغير وسط فلا يقال: تعجبت لأجل كذا، قلت: التعجب زيادة في وصف الفاعل خفى سببها فنفس التعجب بغير واسطة؛ لكنه لَا بد له من سبب ولا يسمى ذلك السبب واسطة.
قوله تعالى: (فَقَالَ الْكَافِرُونَ).
العطف بالفاء إشارة لمبادرتهم بالإنكار وتعجبهم الأول شك وارتياب، والثاني استهزاء وتصميم على كفرهم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ... (٤)﴾
رد على قولهم: (أَئِذَا كُنَّا) ولم يقرر المفسرون وجه الرد، وتقريره أن إعادة الشيء تنبيه من شرطها قدرة الصانع وعلمه وكونه قادرا معلوم له بالضرورة لَا ينازعون فيه فبين لهم اتصافه بالعلم، ولما كان العلم بما ينقص في المستقبل أبلغ من العلم بما انتقص في الماضي [قيل (تنقص) دون نقصت*].
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا ... (٦)﴾
لما تضمن الكلام السابق أنهم في أمر ملتبس مختلط قد يتوهم أن هذه الضلالة لعدم وضوح الدلائل التي تهديهم إلى طريق الحق، فأتى بهذه الآية شبه الاحتراس والتقدير [أغفلوا*] فلم ينظروا، وتقدير المعطوف عليه قبل الهمزة أولى من جهة المعنى لأن المقصود [إنكار*] عدم النظر وتوبيخهم عليه، وأما الغفلة فهي ثابتة مقدرة، ولكنه عند النحويين مقدر بعد الهمزة.
стр. 1355
قوله تعالى: (إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ).
قالوا: فوق إما حال أو ظرف، ويرد كونها حالا فإِن من شرطها الانتقال، فإِن قلت: هي هنا في حكم المنتقلة.
قالوا: في خلق الله تعالى الزرافة يديها أطول من رجليها إنها حال غير منتقلة لكنها في حكم المنتقلة؛ لأنها كانت قابلة لأن تخلق على غير تلك الصفة، قلت: لَا يمكن ذلك هنا؛ لأن السماء من حيث كونها سماء غير قابلة لأن تكون أسفل، ولا جواب عنه إلا بما قال ابن هشام، وغيره: من أن الأولى عدم اشتراط الانتقال في الحال، [ويرد*] أيضا على كونه شرطا أنهم شرطوا في الظرف كونه محلا للفاعل وفعله، فإِذا قلت: جلست فوق زيد، فالقول فيه محل لك ولجلوسك، والسماء هنا ليست محلا للناظر بل لنظره فقط، وجوابه: أن ذلك في الفعل الذي لَا يطلب مفعولا، وأما الفعل الذي يتعدى فقد يكون الظرف محلا لفاعله، وقد لَا يكون، فإن قلت: قد تقرر في مبادئ العربية أن قول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا غير مفيد، فما أفاد قوله تعالى: (فَوقَهُم)، قلت: هو إشارة إلى تمكن كل واحد منهم من النظر إليها، وهو أبلغ من قوله تعالى: (أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) لأنهم وبخوا هنا على [عدم النظر*] مع تمكنهم منه في محالهم دون تكلف وسير، وهذا هو الذي يقوله الأصوليون: إن المعقولات فرع المحسوسات.
قوله تعالى: (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).
الفخر. هنا احتج بها الحكماء القائلون: بأنها ليست قابلة للخرق، والجواب: أن الآية أفادت إمكان الخرق فيها، فلذلك احتيج إلى نفيه، انتهى. فصار أمره أنه بطل استدلالهم بها فقط، ونحن نقول الآية حجة عليهم لَا لهم، وأفادت أنها قابلة للخرق، ولولا ذلك لما احتيج إلى نفي الخرق؛ لأن المحال لَا يحتاج إلى نفيه.
فإِن قلت: قد ثبت أن للسماء أبوابا، قلت: لها أبواب تفتح وتغلق، وليس فيها خرق [بوجه*]، وجمع خروق فروج، إشارة إلى كثرة الأفلاك التي فوقها والكواكب بحيث [لو تصورت*]، فما يكفي في رؤيتها خرق [واحد*] في السماوات بل [انشقاقات*]، وخروق جملة ليكون تحت كل واحد خرق يظهر منه.
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ... (٧)﴾
стр. 1356
قيل: يؤخذ من الآية فيمن حلف أن لَا يستقر في أرض أنه يستقر على الجبال ولا يحنث؛ لدلالة الآية على أنها ليست من الأرض؛ اعتبارا بمجرد اللفظ دون اعتبار العرف العادي.
وصوب ابن عطية هنا مذهب من يقول: إنها بسيطة.
قال الشيخ: والصحيح أنها عندهم [كورية*]، وعليه تبنى مذاهب المنجمين.
قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى ... (٨)﴾
مفعول من أجله وهو بين على مذهبنا لاتحاد الفاعل، ولا يجري على مذهب المعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله.
وقال أبو العز: المقترح لما حكى القول بأن النظر بخروج أشعة من العين إلى المنظور، نرد هذا القول بأن الناظر [إذا قلب*] حدقته، فيرى نصف كثرة العالم وما عسى أن تبلغ من أشعة عينه من كثرة العالم، قال: وإنما النظر إدراك يخلقه الله تعالى للناظر عند تقليب الحدقة، انتهى. على تنازعه في رؤية الناظر نصف كثرة العالم بل يقول: يرى خلقا كثيرا خاصة لَا أنه نصف كثرة العالم بوجه.
فإِن قلت: لم قيل: إلى السماء فوقهم؟ ولم يقل: إلى الأرض تحتهم، كيف مددناها؟ قلت: لأن السماء بعيدة هنا لَا نشاهدها إلا بعد تقليب الحدقة إلى فوق، بخلاف الأرض فإنا لَا نحتاج في رؤيتها إلى تكلف تقليب الحدقة إلى فوق.
قوله تعالى: ﴿بَاسِقَاتٍ ... (١٠)﴾
حال مقدرة.
قوله تعالى: (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ).
إن كانت حالا متداخلة فهي [مجملة وإلا مقدرة*] كالأولى.
ابن عطية: [«الطلع» أول ظهور التمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نَضِيدٌ، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد*]، انتهى؛ [الكفرى*] [**مواظف] الذي فيه العرجون، ووصف في الآية اسم الجنس بالجمع وهو جائز، ونص [الآبذي*] في شرح الجزولية، وابن مالك في التسهيل على جواز وصف اسم الجمع واسم الجنس بالفرد، وهو جائز، ونص المبرد في المقتضب على جواز جمع التكسير بالمفرد.
قوله تعالى: ﴿بَلْدَةً ... (١١)﴾
стр. 1357
أفرد البلدة وجمع (جَنَّاتٍ) لما يقوله الزمخشري في غير ما [موضع*]: إن الأشياء الظاهرة المعلومة بالضرورة يكفي فيها التنبيه على واحد منها؛ بخلاف الأمور الخفية، ولما كان نبات الربيع من غير استنبات، ونبات الجنات بالاستنبات، فالأول ظاهر في كل موضع أنه من الماء خاصة؛ بخلاف ما كان بالاستنبات، فإن السبب في نباته الماء والاستنبات ووصف البلدة بـ (مَيْتًا) مع أنه معلوم من مادة الإحياء إشارة إلى ما سبقت الآية لأجله من الاستدلال على جواز إحياء الموتى وإعادتهم، وإخبار الشارع بوقوع ذلك يوجب التصديق به.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ... (١٢)﴾
الزمخشري: هو تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخويف كفار قريش، انتهى. ويحتمل كونه تسلية للمؤمنين وإزالة ما يوسوس به إليهم الشيطان من كفر غيرهم من قريش، فبينت الآية أن كل نبي آمن به قوم، وكفر به آخرون، وفي الآية رد على ابن قتيبة بأن القبيلة تقتضي الاشتراك في التكذيب، والأمم السالفة إنما كذبوا بالرسالة، وهذه الآية رد على من كذب بالمعاد، وهو أمر مستقبل فأطلق عليه لفظ التكذيب فهو كذب لَا خلف، وجوابه: أنهم كذبوا بالرسالة، ومن لوازم ذلك التكذيب بالمعاد فأطلق التكذيب وهو الرسالة ودخل المعاد في ضمنه.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ... (١٤)﴾
قرئ "ليكة" و"الأيكة"، ابن عطية: الألف واللام من "الأيكة" غير معرفتين لأن أيكة اسم علم كطلحة، يقال: أيكة وليكة فهي كالألف واللام في الشمس والقمر، وفي الصفات الغالبة قال: وفي هذا نظر، انتهى. أراد بالنظر أن ليكة عَلَم، فالألف واللام فيه زائدتان؛ كما هي في الزيد [والْعَمْرو*] [في قوله:*] [بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِو مِنْ أَسِيرِهَا*]، [بخلافهما في*] الشمس والقمر، فإن الألف واللام فيهما للتعريف لأنهما كانا نكرتين.
قوله تعالى: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ).
قول أبي حيان: إفراد الضمير على لفظ كل لأن مفرد الفخر إن كانت الألف واللام في الرسل للعهد، فيكون على التوزيع أي كل أمة كذبت رسولها ويكون تكذيبها رسولها واحدا، فقد كذب جميع الرسل لاتفاقهم على الأمر بتوحيد الله تعالى، وإن كان للجنس أن المراد جميع الرسل، فالتكذيب للجميع مطابقة لعجزنا عن الإعادة.
قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ ... (١٥)﴾
стр. 1358
إضراب انتقال، فإن قلت: يكون [إبطالا*] [**للآتي قولهم] وهي نفي الإعادة، قلت: أبطلته همزة الإنكار.
قوله تعالى: (مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).
الزمخشري: إن قلت: لم عرفوا (الْخَلْقِ الأَوَّل) دون الثاني؟ فأجاب: بأن التنكير لتعظيم الخلق الجديد إشارة إلى أنه خلق له بيان عظيم وحال شديد يجب أن يهتم ويخاف ويبحث عنه، انتهى. إن قلت: يلزم على هذا بطلان القياس في الآية، فإنه إذا كان الخلق الثاني أعظم من الأول [لما*] يلزم من القدرة على الأول القدرة على الثاني، قلت: إنما جعله أعظمها باعتبار ما يعرض له من العذاب والنعيم، وما يرى فيه من الأهوال؛ لَا باعتبار الجرم والكبر والصغر، وقد يجاب [بوجه آخر*] وهو ما قال عمر ﵁، في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) لن يغلب العسر يسرين، وفسره النَّاس بأن التعريف يقتضي الوحدة والتنكير يقتضي التعدد، فعرف الأول لأنه أول لم يسبقه مثله فهو واحد، ونكر الثاني لأنه مسبوق بخلق آخر قبله مثله.
فإن قلت: هذا المعنى مستفاد من وصفه بجديد، قلت: الوصف بجديد أتى ردا على من يقول بقدم العالم، فأفاد أن العالم جديد ليس بقديم؛ لَا أنه مسبوق بخلق آخر قبل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ ... (١٦)﴾
قلَّ ما تجد آية في القرآن ذكر فيها وصف القدرة إلا مع وصف العلم وبالعكس، وهو إشارة إلى إسناد كل [المعلومات*] إلى الله تعالى، ففيه إبطال الطبيعة لأن الذي يفعل بالطبيعة لَا يحتاج إلى العلم بل القدرة تكفيه، فإن قلت: لم أقسم على ذلك مع أنهم مقرون به، قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، قلت: من لوازم الإقرار بذلك الإقرار بالمعاد ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم.
أبو حيان: الواو في (ونعلم) للحال، وأبطله المختصر بأن المضارع لَا يقع حالا بالواو إلا قليلا، كقوله: قمت وأمك، ويبطل أيضا بلزوم المفهوم الباطل وهو معنى اشتراط الانتقال في الحال، وقال: (تُوَسْوِسُ) بلفظ المستقبل فليس إلا السوس فأين الموسوس؟ قلت: الجواب: من توسوس بلفظ المستقبل وجهين:
الأول: أن ابن يونس نقل عن ابن حبيب: أن الروح والنفس ما داما في الجسد هما شيئان فإذا خرجا منه صارا شيئا واحدا، فنقول: أن النفس توسوس الروح.
стр. 1359
الثاني: إن هذا السؤال إنما يرد على تفسير الزمخشري حيث جعل (ما) مصدرية فيعود الضمير في به على الإنسان، ولنا أن نجعلها موصولة بمعنى الذي والضمير في به عائد عليها، والتقدير ويعلم الشيء الذي توسوسه به [نفسه*] أي الذي تتحدث به نفسه، ويكون المراد الخواطر التي يخطر لنفس أو يراد بالنفس الشهوة، وإنها توسوس العقل عند المتكلمين علوم ضرورية فلا يقبل أن يخاطب النفس، وفي سورة طه: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) فالسر أظهر من الوسوسة؛ لأنه كلام النفس أو كلام اللسان سرا، والوسوسة ما في القلب فيحتمل أن تكون الوسوسة هي المرادة من السر، أو يكون الأول الجهر، والثاني: دونه وهو السر، والثالث أخفى منهما وهو الوسوسة.
قوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
تنبيه على كمال تعلق علم الله تعالى بجميع الكائنات وأنك كما تفهم علم الواحد منا بأحوال من هو في المسافة منه بمنزلة (حَبْلِ الْوَرِيدِ) الذي هو في عنقك، كذلك وينبغي أن يعتقد في علم الله تعالى.
فإِن قلت: القرب بالنسبة إلى الله تعالى مجاز وفي (حَبْلِ الْوَرِيدِ) حقيقة فيلزم عليه استعمال اللفظة الواحدة في حقيقتها [ومجازها*]، وهو ممتنع عند الأصوليين نص عليه الفخر، وابن التلمساني في المسألة الخامسة من الباب الأول، قلت: في الكلام حذف مضاف أي من قرب (حَبْلِ الْوَرِيدِ) فيكون القرب المضمر حقيقة والمظهر مجازا.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾
الزمخشري: العامل فيه أقرب؛ لأن معاني الأفعال قد تعمل، انتهى، وذكر ابن هشام في شرح الإيضاح خلافا عمل أفعل من ذكر ذلك، في قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
ابن عطية: ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمرا، أي ذكر (إِذْ يَتَلَقَّى)، قال: ويحسن هذا؛ لأنه أخبر خبرا مجرداً بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار أخبر [بتلك*] الأحوال التي تصدق هذا الخبر، فمنها (إِذْ يَتَلَقَّى) المتلقيان، ومنها مجيء سكرة الموت والنفخ في الصور، ومجيء (كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ)، انتهى. وهو حسن؛ لأنه إذا كان يعلم الوسوسة حين التلقي فيكون نفيا لما يتوهم من أنه إنما [يصل*] إلى علم ذلك من جهة الملائكة الحفظة فإذا
стр. 1360
أعلمه حين يلقى الحفظة له كان دليلا على أنه غني عنهم، فإِن قلت: ما أفاد: (يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) وهو كقولك: تضارب فيَّ المتضاربان؟ قلت: تفيد إما بتقييده باليمين والشمال، وإما بأن ذلك إنما يكون غير [مقيد*] إن لو كان المراد أن كل واحد يلقى صاحبه، وليس المراد الإخبار بلقاء كل واحد منهما صاحبه؛ بل بلقائهما معا المكلف.
قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ... (١٨)﴾
ذكر القول دون الفعل؛ لأنه أكثر، فإذا [أحصى*] القول فأحرى الفعل، فإِن قلت: هذا [لا يتناول*] حديث النفس، ولو قيل: ما يصدر من قول لتناوله، والعبد إذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، وإن هم بسيئة فلم يعملها ولم يوطن نفسه عليها لم تكتب، فإِن وطن نفسه عليها كتبت عليه سيئة، قلت: هذا راجع إلى العمل لَا إلى القول.
قوله تعالى: (رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
يحتمل أن يكون صفتين لموصفين، فيكون ملك الشمال رقيبا أي مراقبا عليه؛ لأنه يكتب السيئات، وملك اليمين عتيدا أي حافظا يحفظ له ما يصدر عنه من الحسنات فيكتبها ولا يضيعها، ويحتمل أن يكونا صفتين لموصوف واحد.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ... (١٩)﴾
حكى الفخر في [المحصول*]: الخلاف في الموت هل هو أمر وجودي أو أمر عدمي؟ واحتج لمن قال: إنه وجودي، بقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، وأجيب: بأن يكون خلق بمعنى قدَّر، والتحاكم في هذا إلى اللغة هل ورد خلق بمعنى قدَّر؟ وفي الآية رد على الفلاسفة [والطبائعيين*] القائلين بأن هذه الأجسام بطبعها فانية لَا تقبل البقاء لما فيها من العفونات، إذ لو كانت كذلك لما احتيج إلى نفي نفع [المحيد*] من ذلك، ولما احتيج إلى زيادة (بالحق)، وجعل الموت سكرة تشبيها له بالسكر من الخمر؛ لأنه يغيب العقل والحواس.
قال الإمام الغزالي ﵀: ولا يذوق من شدة مرارة الموت إلا لمن سوى الأنبياء والأولياء، قال: وأما الأنبياء والأولياء فتألمهم بمفارقة النفوس لأبدانهم كما يتألم المحب بمفارقة محبوبه؛ لأن نفوسهم كانت [زكية*] شريفة وخالطت [ ... ] شرف بها، فعند انفصالها يتألم من الانفصال والمفارقة لَا بسبب الوجع الذي يجده من الانفصال والمفارقة، انتهى. ويرد هذا ما ورد في حديث مسلم: أن رجلا رأى النبي صلى الله
стр. 1361
عليه وعلى آله وسلم يوعك، فسأله، فقال: [أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ"*].
قوله تعالى: [(مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) *]
الزمخشري: [ومحل (مَعَها سائِقٌ) النصب على الحال*] من (كل) لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة، انتهى، أراد أنه تخصص فصارت إضافية محضة؛ لأنه كما يجوز الابتداء به إذ هو في معنى العموم، كذلك صح إتيان الحال من المضاف إليه.
وتعقبه أبو حيان غير صحيح. ابن عطية: وقرأ طلحة بن مصرف بالحاء مثقلة، أبو حيان: وقرئ [مَعَهَا*] بإدغام العين في الهاء، انتهى.
وقال ابن عصفور في شرحه الصغير: لَا تدغم العين في الهاء إلا بعد تحويل الحرفين بقول في [ ... ] لأنك لو قلبت العين هاء لكنت قلبت [ ... ] في الفم إلى جنس [ ... ] في الحلق وذلك لَا يجوز ولو قلبت الحاء عينا لاجتمع لك عينان، وذلك ثقيل لأن العين قريبة من الهمزة، فكما أن اجتماع الهمزتين ثقيل فكذلك العينان، فلذلك لم تدغم الهاء في العين، قال: وإذا أريد إدغامها قلبا معا حائين وأدغمت الحاء في الحاء.
قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ... (٢٤)﴾
ابن عطية: هو كقول [الزجاج: يا حارسي اضربا عنقه*]، ابن هشام في [**شرح الشذور] ابن دريد. يستدل بكلام الحجاج في اللسان لَا في الأديان.
قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ... (٢٩)﴾
ظاهر الآية وجوب إبقاء الوعيد، كما [يقوله المعتزلة*]؛ لأنها عامة في الكفار والعصاة، والسبب خاص، والعام إذا أورد على سبب فالمشهور بقاؤه على عمومه ولا يقصر على سببه، فإِما أن نقول: عمومه مخصوص، بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
стр. 1362
يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، وإما أن نقول هذه الآية في الكفَار وليست في العصاة.
قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
الزمخشري: ما معناه أن ذلك كيف قال: (بِظَلَّامٍ)، ولم يقل: بظالم مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم؟ ثم أجاب بوجهين:
الأول: أن الظلم باعتبار التعلق، فيقال: ما زيد بظالم لغيره لأنه عبد واحد، وما زيد بظلام لعبيده، فتبالغ في النفي لأنهم عبيد كثيرون، فالمبالغة باعتبار المتعلق، انتهى، يلزم عليه سبب النفي المفهوم وهو أن لَا يكون ظالما لمجموع عبيده فيكون ظالما لبعضهم.
قال: الجواب الثاني: أن الكبير العظيم من النَّاس إذا اتصف بقليل الذم فهو في حقه عظيم، فلو تصور الظاهر من الله تعالى لما كان عظيما، قال الشاعر:
[الْعَيْب فِي الخامل المغمور مغمور ... وعيب ذِي الشّرف الْمَذْكُور مَذْكُور*]
كفوفة الظّفر تخفى من مهانتها ... ومثلها في سواد العين مشهور
انتهى.
وقال امرئ القيس:
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتَّال
معناه: لَا يقدر على قتلي إلا من هو قتال لَا من هو قاتل، فلا يقتلني إلا من اتصف بأبلغ القتل وأعلى درجاته، وهذا الذي يطمع نفسه بقتلي لم يبلغ إلى أن يوصف بقتال.
وقال [الآبذي*] في شرح الجزولية: فإن قيل: يظهر من قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أن فعالا ليس للمبالغة إذ لو كان كذلك لاقتضى مفهومه إثبات قليل الظلم، فالجواب: أن التكثير في الفعل على وجهين:
أحدهما: أن يكون المفعول جماعة، تقول: جرحت الزيدين ولم يتكرر الفعل في كل واحد، والآية من هذا، والمراد من أن تكون كررته في المفعول، تقول: جرحت زيدا، ولما خفي هذا على الحريري.
قال في درة الفؤاد: له الصفة المذمومة قليلها في حق العظيم كثير، كقوله: العيب في العالم المحقور محقور، والصحيح ما تقدم، انتهى، بل الصحيح ما قال الحريري
стр. 1363
بدليل ما خرجه مسلم: ["ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ"*] والظلم فسره بعض المتكلمين بأنه وضع الشيء في غير محله.
وقال آخرون: هو التصرف في ملك الغير، قال بعضهم: وإنما يضع الشيء في غير محله جاهل، فالظلم لَا يقع إلا من جاهل.
وقال الأكثرون: يصدر من العالم والجاهل، [واحتج*] الأولون بأن وضع الشيء في غير محله يقتضي ترجيح المرجوح وجعل الراجح مرجوحا، وهذا جهل لَا علم، وأما على الوجه الآخر فيتوجه مطلقا؛ لأن جميع الخلق ملك لله تعالى، فإِن قلت: كون الظلم وضع الشيء في غير محله مع منع اتصاف الله تعالى بذلك إنما يجري على مذهب المعتزلة في قاعدة التحسين والتقبيح، لأن وضع الشيء في غير محله قبيح، قلت: إذا وضع الله تعالى شيئا في أي محل كان، فهو محله [**إجزاء] [إذ لَا يوجد شيء في غير محله*]، [ووجوده*] أشد عشقا.
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾
ابن عطية، عن الرماني، تقوله: (خَزَنَتُهَا) ابن عطية: وكونها هي القائلة أظهر، انتهى، حقه أن يبين أن قول الرماني مخالف لمذهب أهل السنة؛ لأن مذهبهم عدم اشتراط الحياء والهيبة في الكلام، ومذهب المعتزلة اشتراط ذلك.
قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ... (٣٣)﴾
الزمخشري: (بِالْغَيْبِ) حال من المفعول أي خشيه وهو غائب [لم يعرفه،*] لم يعرفه، وكونه معاقبا إلا بطريق الاستدلال.
فتعقبه أبو علي عمر بن خليل السُّكُوني بأن فيه سوء أدب من جهة إطلاقه على الله تعالى لفظ الغيبة، وإطلاقه عليه لفظ مفعول، وتعقبه غير لازم إذ لم يزل إمام الحرمين، وغيره يقولون: قياس الغائب على الشاهد بالجوامع الأربعة فهو إطلاق معهود عند الأصوليين، ويحتمل أن يكون المراد أنه يخشاه حالة كونه غائبا عن النَّاس وهي حالة الانفراد والانقطاع.
والزمخشري: (مَنْ خَشِيَ) بدل بعد بدل تابع لكل فألزمه أبو حيان تعدد الأبدال، قال: وهو غير جائز عندهم، انتهى، ووجه المنع أن البدل على نية الطرح عن جهة المعنى، فلا تتعدد المبدلات، واختاره [ابن بابشاذ*] في مقدمته، والإبدال أنه ليس على نية الطرح فعلى هذا يصح [تعدد*] الإبدال، وقد يجري ذلك على الخلاف في تعدد الحال وخبر المبتدأ بغير حرف عطف، فمنع الفارسي، وابن عصفور، والمحققون [تعدد*]
стр. 1364
الحالات إلا أن بدل الغلط والبداء والنسيان، قال: وينضاف إليها رابع، وهو أن يقصد الإخبار عن رؤية زيد وعمرو على أن يبتدئ بذكر رؤية زيد ثم تضرب [عنه*]، وتذكر رؤية عمرو من غير بدء يلحقك في ذلك، وهو كالعطف في المعنى، وقد حكي عن العرب: أكلت خبزا لحما تمرا، فحمله بعض النحويين على حذف حرف العطف، والأولى [عطفه على هذا النوع*]، وحذف حرف العطف ضعيف ولو جاز حذفه لجاز، اختصم زيد وعمرو ولا [يقوله أحد*]، وقد حمل عليه ابن خروف، قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ)، فقال: (النَّارِ) بدل إضراب من الأخدود، وجعله الفارسي بدل اشتمال، انتهى، وهذا نص في صحة تعدد الأبدال.
الزمخشري: ويجوز أن يكون بدلا من موصوف: (أَوَّابٍ حَفِيظٍ) ولَا يجوز أن يكون في حكم (أَوَّابٍ) و (حَفِيظٍ) لأن من لَا يوصف به ولَا يوصف من بين سائر الموصلات إلا بالذي [وحده*]، انتهى. يريد بقوله في حكم (أَوَّابٍ) أي صفة لأواب، ونقل ابن حيان في شرح تسهيل الفوائد لابن مالك، عن الزجاج: أنه أجاز وقوع (مَن) صفة.
قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾
ابن عطية: وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [بل ما أطلعتهم عليه*]، وروي عن جابر، أن المزيد النظر إلى وجه الله ، انتهى، (بل) من ألفاظ الاستثناء بمعنى دع.
قال الترمذي: معنى الحديث سوى ما أطلعتم عليه، وقيل: دع ما أطلعتم.
قوله تعالى: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ... (٣٦)﴾
لم يقل: أبطش منهم مع أنه ثلاثي يصح [بناء*] أفعل منه، فما الحكمة في ذلك؟ وجوابه: أنه قصد التنبيه على اتصاف المفعول بشدة البطش؛ لأن أفعل من تقتضي الشركة في مادة الفعل، وتقدم نحو هذا للزمخشري في سورة البقرة في: (أَو أَشَدُّ قَسْوَةً).
قوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... (٣٨)﴾
стр. 1365
[عود*] الضمير على (السَّمَاوَاتِ) بمعنى الكلية والنوع، فيدخل ما بين كل سماء وسماء، ويكون ذكر [ما عدا*] الأولى والأخيرة من السماوات مرتين بالمطابقة وبالتضمين أو الفرد.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾
مقابل لقولهم: ذلك [رَجْعٌ بَعِيدٌ*] وهو جارٍ على الأمثل في استعمال الأخص في الثبوت، والأعم في النفي؛ لأن كلامهم يجري مجرى النفي، وقد استعمل فيه الرجع المطلق الذي هم من كونهم مجتمعين أو مفترقين، وقيل في الجواب ذلك حشر؛ لأن الحشر عبارة عن إعادتهم بقيد الاجتماع فهو أخص من الأول، فأفاد الإعادة وزيادة، فإن قلت: المطابق لقولهم ذلك حشر علينا قريب، فالجواب من وجهين:
الأول: أن القريب أعم من كونه سهلا أو صعبا، ويسير يفيد القرب، وزيادة.
الثاني: أن المراد بالبعد في كلامهم الاستحالة لَا بعد المسافة، وضد الاستحالة الإمكان.
* * *
стр. 1366
سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ... (١)﴾
قال ابن عرفة: أكد (وَالذَّارِيَاتِ) بالمصدر ولم يذكر مفعولها، وذكر مفعول الحاملات ولم يؤكدها بالمصدر، فما السر في ذلك؟ قال: والجواب: أن الحمل لما كان حامله محسوسا مشاهدا حصل العلم بمحمول ما بالإطلاق، ولما كانت القرابة في شدة المحمول وقوته، صرح بمفعول يناسبه، وهو العظيم الثقل، فيستلزم قوة حامله، ولما كان لقاء الذاريات صالحا للقوة، والفعل أكده بالمصدر ليفيد أنها بالقوة والفعل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ)
أخذ من هنا بعضهم [أن*] اللازم في قول القائل: أنت طالق فأنت طالق فأنت طالق واحدة، وتقريره أن هذه الألفاظ مقتضيات للطلاق، وألفاظ القسم مقتضيات للجواب، والأصل تعدد المقتضي لتعدد المقتضى، فلما اكتفى [بهذا*] القسم هنا بجواب واحد؛ لزم كذلك في الطلاق، قال: والجواب: عن هذا بأن اقتضاء القسم للجواب أمر لغوي لفظي، لأن عند قوله تعالى: (فَالْحَامِلاتِ) [لو لم يأت*] الجواب لما أفاد شيئا.
قال ابن عرفة: [فائدة اقتضاء الطلاق*] لزوال العصمة أمر شرعي، بدليل أنه لو سكت عند قوله أولا أنت طالق لترتب الحكم عليه بالطلاق، ولو سكت عند قوله: (وَالذَّارِيَاتِ) (فَالْحَامِلاتِ) ولم يأت الجواب لما أفاد شيئا.
قال ابن عرفة: وفي هذه الآية رد على من يقول لَا يلزم المجتهد أن يحفظ من القرآن إلا [آيات*] الأحكام لاحتمال استنباط هذه الحكم، أعني لزوم واحدة الطلاق، فهذا الوجه وهو حكم شرعي وعدم حرمة اليمين بغير الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾
لا شك في وقوع الموعود به للزومية صدق الوعد سمعا، فما السر في التصريح به.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ .. ولم يقل: إنكم لذو قول مختلف مع أن ذو تدل على اتصاف القائل باختلاف القول حقيقة، فإنما عدل إلى اللفظ في الدال على ظرفية القول للقائل لأنه يلتزم اختلاف القائلين في القول، ويلزم التناقض بقوله: مختلف فهو أبلغ في القرابة، ولذلك أكده باللام [ولو*] أريد مجرد الاختلاف لما كان فيه قرابة؛ لأن مطلق اختلاف القول معلوم عندهم.
стр. 1367
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾
ابن عرفة: السؤال على قسمين: سؤال استرشاد، وسؤال لفت واستهزاء، فالأول: يستدعي الجواب، والثاني: لَا يستدعيه وهذه الآية من الثاني، فلذلك عدل عن الجواب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾
وجمع الجنات وأفردها في سورة التوبة، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فالجواب: عن الأول أن آية الطور تقدمها: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)، فناسب تعقيبه بنقيضه وهو النعيم، وعن الثاني أنهم باعوا أنفسهم في مرضاة الله تعالى، فأقل ما يصدق عليه جنة، وكان أبلغ في مدحهم فناسب إفرادها، وأما هنا فلما كانوا في غاية [الإتيان*] بالتكاليف ناسب الجمع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾
هذا تعليل [آخر*]؛ أي المتقون في جنات ذات عيون لتقواهم وإحسانهم، قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا سؤالا وهو ما السر في ذكر القبلية مع أن لفظة (كانوا) يدل عليها.
قال: والجواب: إن كان يدل على اقتران الفعل بالجملة في الماضي، وهي ظاهرة في الدوام فيحتمل عدمه، [فلما لم يقبل ذلك*] أفاد أن يكون في كون قبلية سابقة، وإنَّمَا قال: (وَبِالأَسْحَارِ ... (١٨) .. ولم يقل: وفي الأسحار؛ لأن الفاء تفيد أن الأسحار من وقت تحققها ظرفا للاستغفار، ولا تدل على أن الاستغفار يكون منهم قبلها بيسير، والباء تفيد الإلصاق وأفادتها [للاستغفار*] أبلغ.
قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾
وقال تعالى في سأل سائل (حَقٌّ مَعْلُومٌ)، قال: والجواب أنه لما صدر في سأل سائل بذم الإنسان في كونه (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا)، وأخرج منهم المسلمين بمدحهم فناسب ذلك الإطناب بذكر المعلومية أو ما تبرئه الذمة، وهنا لم يصدر بمدحهم في كل الأحوال وارتفاع درجتهم حتى كان أموالهم كلها للسائل لم يخص معلوما فكان عدم ذكره أبلغ، فقال: كذا كان يمشي لنا.
قوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾
стр. 1368
ابن عرفة: كان يمشي لنا ما السر في تخصيص جواب القسم بنطقهم، ولم يقل: مثل ما أنكم تسمعون أو تبصرون أو تعقلون؟ فالجواب: بها ذكر في اللوامع أن النطق الذي هو مشتق من المنطق خلق في الداخل ونطق في الخارج، والداخل كان المراد به الذات وذات كل أحد الشعور بها وإدراكها ضروري بديهي، فصار التشبيه بها في غاية إفادة التحقيق للقسم له بالمقسم عليه، أي هو حق مثل: (مَا أَنَّكُمْ) أنتم بخلاف غيره فإِنه لَا يفيد هذا المعنى.
قوله تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ... (٢٤)﴾
فيه سؤالان:
الأول: لم قال هنا: (حَدِيثُ)، وفي سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ)؟ وجوابه: أن تلك فيها غرابة فناسب التعبير بالنبأ.
الثاني: لم أتى بهذه الجملة غير معطوفة وعطف تلك؟ وجوابه: أن تلك تقدم ذكر بعضها بخلاف هذه.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ... (٢٥)﴾
قال السكاكي وغيره من البيانيين: سلام إبراهيم أبلغ لأنه عبر بالاسم المقتضي للثبوت، وسلام الملائكة بالنقل فجرى على أسلوب قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)، انتهى، ويعترض هذا التأكيد فإن سلام الملائكة مؤكد بالمصدر المفيد إزالة الشك من الحديث، [فناب*] التأكيد مناب الثبوت الذي زاد به سلام إبراهيم فاستويا فليس أحدها أبلغ من الآخر، وجوابه: أن التأكيد بالمصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث في الخبر لأنه غير مشاهد، فإذا قلت: قام زيد، احتمل الحقيقة والمجاز، فأتى بالمصدر لرفع المجاز وتعيين إرادة الحقيقة، وأما الإنشاء فلا يزيد المصدر فيه، وذلك أن الإنسان إذا [قال:*] بعت لزمه البيع، وليس فيه مجاز، وهذه الآية السلام فيها من قبيل الإنشاء لَا من قبيل الخبر، فلم يزد فيها المصدر زيادة؛ فبقى الأمر على ما كان عليه من اقتضاء الفعل التجدد والاسم الثبوت، فسلام إبراهيم ﵊ أبلغ من سلام الملائكة، فإن قلت: المصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث فهو يفيد تحقيق وقوع السلام منهم على ما هو عليه، وهو مدلول عليه بلفظ الفعل المقتضي للتجدد، فكان قبل المصدر
стр. 1369
محتملا؛ لأن يكونوا أرادوا السلام حقيقة، أو معنى آخر يقاربه، وعلى تقدير أن يريدوه فهو سلام لمجرد [ ... ] فأزال المصدر الاحتمال الأول وبقي الثاني، قلت: التأكيد بالمصدر يزيل الشك عن الحديث فقط، والأمر أن يصيره كلام إبراهيم ويقوم مقام الثبوت فيه، فلما كان أبلغ فلا جواب عنه إلا ما قلنا، وتقدم في سورة هود تمام الكلام في هذا. الفخر في سورة براءة عند قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) في قول الرجل لغيره: (سلام عليك) لطائف، قال: ذكرتها وإن كان لا يناسب ذكرنا هذا الموضع خشية أن تضيع.
قال: قوله: (سَلامٌ) نكرة فيها معنى التعظيم الابتداء به؛ لأن في الكلام حذف صفتها، أي سلام تام كامل والخبر عليكم، أو هو صفة لسلام والخبر مقدر أي [كأئن*]، وقد يترجح حذف الخبر لقصد التهويل والتعظيم، وجوابه وعليكم السلام على عكس الترتيب الأول، وسببه قول سيبويه: إنهم يقدمون الاسم وأيضا فلدلالة على الحصر فيكون الجواب أبلغ، لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا)، وأما [مقول الرجل لغيره السلام عَليك معرفا*]، فالسلام لفظ مفرد يحلى بالألف واللام لَا يفيد إلا أصل الماهية ولا إشارة له بالأحوال العارضة لها، فإذًا كان التنكير أبلغ، وكذلك حيث ما جاء لفظ السلام من الله تعالى ورد منكرا، وإنما ورد معرفا من قول [عيسى*] صلى الله على نبينا محمد وعليه وسلم: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ)، وكذا اختار الشافعي في التشهد تنكير السلام، قال: وسبب مشروعية السلام بين المتلاقيين ليحصل به لكل واحد منهما اعتقاد سلامته من الآخر؛ لأن الأصل في طبع الجيران الشر على الصحيح، ودفع الشر أهم وآكد من جلب الخير، قلت: ومنه قول المتنبي:
الظُلْمُ من شيَمِ النّفوسِ فإن تجِدْ ... ذا عِفَّةٍ [فلِعلَّةٍ*] لا يظْلِمُ
قال: وقوله: (عليكم) تقتضي مخاطبة جماعة، وذلك أن الإنسان لَا يخلو عن الحفظة من الملائكة وأرواح مجانسة له.
قوله تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾
يدل على أن هذا العجل كان مشويا [ ... ] منه أهله، وأنه كان من عادته تهيئة الطعام [**برسم] من يرد عليه، أو أتاهم بما كان معدا لأهله.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ... (٢٨)﴾
стр. 1370
ذكر هنا الخوف منه، وقال في موسى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) فلم يذكر صفة الخوف فيه؛ لأن قائلا لَا تخف هنا الملائكة، وهناك الله تعالى فناسب عدم ذكر المخوف منه وعدم الامتثال به.
قوله تعالى: (بِغُلَامٍ عَلِيمٍ).
دليل على شرف العلم، ونقل ابن العربي في سراج المريدين، عن ابن فورك: أنه رأى الملائكة، ونقل أبو نعيم في الحلية، عن سفيان الثوري، أن الملك خاطبه في حكاية الحية، قال كاتبه، وخبر ابن عم والدي وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد أبو فارس عبد العزيز البسيلي: أنه [كان*] حين يقوم إلى صلاته بالليل يرى أن الملائكة تدخل عليه بيته وتسلم عليه في صفة طيور ذوي أجنحة.
قلت: ولما توفي ﵀ صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان عام أربعة وثمانين وسبع مائة رأيت كأني بين السماء والأرض وإذا برقعة هابطة من السماء، فيها مكتوب بخط بين: عبد العزيز البسيلي من أهل الجنة ودفن ﵀ بمقبرة خالد أبو إسحاق إبراهيم البسيلي.
قال لي شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني: لم أر أحدا في زماننا على طريق السلف الصالح غيره.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ ... (٣١)﴾
قدم المقول للمخاطب على ندائه؛ لأنه المقصود بالذات، ولما فهم من القرائن أنهم نزلوا للعذاب عبر بالخطب، وقال: (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) فعبر بالوصف الأعم فيهم وفي بني آدم، ولم يقل: أيها الملائكة فعبر بالوصف الأخص؛ لأن وصف الرسالة عند الله تعالى فيه تشريف وتعظيم، ولأن فيه إيماء إلى المرسل إليهم.
قوله تعالى: ﴿إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾
تنكير (قَوْمٍ) إما تعظيما لوصف الإجرام، أو ليفيد عموم تعلق العذاب بكل من اتصف بصفاتهم، لأن تعليق الحكم على الوصف المناسب في النكرة يفيد قوة الشعور بما به ذلك الوصف للحكم أكثر من إفادته له في المعرفة.
قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ... (٣٣)﴾