← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ... (١)﴾ قال ابن عرفة: أكد (وَالذَّارِيَاتِ) بالمصدر ولم يذكر مفعولها، وذكر مفعول الحاملات ولم يؤكدها بالمصدر، فما السر في ذلك؟ قال: والجواب: أن الحمل لما كان حامله محسوسا مشاهدا حصل العلم بمحمول ما بالإطلاق، ولما كانت القرابة في شدة المحمول وقوته، صرح بمفعول يناسبه، وهو العظيم الثقل، فيستلزم قوة حامله، ولما كان لقاء الذاريات صالحا للقوة، والفعل أكده بالمصدر ليفيد أنها بالقوة والفعل. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) أخذ من هنا بعضهم [أن*] اللازم في قول القائل: أنت طالق فأنت طالق فأنت طالق واحدة، وتقريره أن هذه الألفاظ مقتضيات للطلاق، وألفاظ القسم مقتضيات للجواب، والأصل تعدد المقتضي لتعدد المقتضى، فلما اكتفى [بهذا*] القسم هنا بجواب واحد؛ لزم كذلك في الطلاق، قال: والجواب: عن هذا بأن اقتضاء القسم للجواب أمر لغوي لفظي، لأن عند قوله تعالى: (فَالْحَامِلاتِ) [لو لم يأت*] الجواب لما أفاد شيئا. قال ابن عرفة: [فائدة اقتضاء الطلاق*] لزوال العصمة أمر شرعي، بدليل أنه لو سكت عند قوله أولا أنت طالق لترتب الحكم عليه بالطلاق، ولو سكت عند قوله: (وَالذَّارِيَاتِ) (فَالْحَامِلاتِ) ولم يأت الجواب لما أفاد شيئا. قال ابن عرفة: وفي هذه الآية رد على من يقول لَا يلزم المجتهد أن يحفظ من القرآن إلا [آيات*] الأحكام لاحتمال استنباط هذه الحكم، أعني لزوم واحدة الطلاق، فهذا الوجه وهو حكم شرعي وعدم حرمة اليمين بغير الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ لا شك في وقوع الموعود به للزومية صدق الوعد سمعا، فما السر في التصريح به. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ .. ولم يقل: إنكم لذو قول مختلف مع أن ذو تدل على اتصاف القائل باختلاف القول حقيقة، فإنما عدل إلى اللفظ في الدال على ظرفية القول للقائل لأنه يلتزم اختلاف القائلين في القول، ويلزم التناقض بقوله: مختلف فهو أبلغ في القرابة، ولذلك أكده باللام [ولو*] أريد مجرد الاختلاف لما كان فيه قرابة؛ لأن مطلق اختلاف القول معلوم عندهم.

стр. 1367

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ ابن عرفة: السؤال على قسمين: سؤال استرشاد، وسؤال لفت واستهزاء، فالأول: يستدعي الجواب، والثاني: لَا يستدعيه وهذه الآية من الثاني، فلذلك عدل عن الجواب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ وجمع الجنات وأفردها في سورة التوبة، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فالجواب: عن الأول أن آية الطور تقدمها: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)، فناسب تعقيبه بنقيضه وهو النعيم، وعن الثاني أنهم باعوا أنفسهم في مرضاة الله تعالى، فأقل ما يصدق عليه جنة، وكان أبلغ في مدحهم فناسب إفرادها، وأما هنا فلما كانوا في غاية [الإتيان*] بالتكاليف ناسب الجمع. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾ هذا تعليل [آخر*]؛ أي المتقون في جنات ذات عيون لتقواهم وإحسانهم، قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا سؤالا وهو ما السر في ذكر القبلية مع أن لفظة (كانوا) يدل عليها. قال: والجواب: إن كان يدل على اقتران الفعل بالجملة في الماضي، وهي ظاهرة في الدوام فيحتمل عدمه، [فلما لم يقبل ذلك*] أفاد أن يكون في كون قبلية سابقة، وإنَّمَا قال: (وَبِالأَسْحَارِ ... (١٨) .. ولم يقل: وفي الأسحار؛ لأن الفاء تفيد أن الأسحار من وقت تحققها ظرفا للاستغفار، ولا تدل على أن الاستغفار يكون منهم قبلها بيسير، والباء تفيد الإلصاق وأفادتها [للاستغفار*] أبلغ. قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ وقال تعالى في سأل سائل (حَقٌّ مَعْلُومٌ)، قال: والجواب أنه لما صدر في سأل سائل بذم الإنسان في كونه (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا)، وأخرج منهم المسلمين بمدحهم فناسب ذلك الإطناب بذكر المعلومية أو ما تبرئه الذمة، وهنا لم يصدر بمدحهم في كل الأحوال وارتفاع درجتهم حتى كان أموالهم كلها للسائل لم يخص معلوما فكان عدم ذكره أبلغ، فقال: كذا كان يمشي لنا. قوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾

стр. 1368

ابن عرفة: كان يمشي لنا ما السر في تخصيص جواب القسم بنطقهم، ولم يقل: مثل ما أنكم تسمعون أو تبصرون أو تعقلون؟ فالجواب: بها ذكر في اللوامع أن النطق الذي هو مشتق من المنطق خلق في الداخل ونطق في الخارج، والداخل كان المراد به الذات وذات كل أحد الشعور بها وإدراكها ضروري بديهي، فصار التشبيه بها في غاية إفادة التحقيق للقسم له بالمقسم عليه، أي هو حق مثل: (مَا أَنَّكُمْ) أنتم بخلاف غيره فإِنه لَا يفيد هذا المعنى. قوله تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ... (٢٤)﴾ فيه سؤالان: الأول: لم قال هنا: (حَدِيثُ)، وفي سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ)؟ وجوابه: أن تلك فيها غرابة فناسب التعبير بالنبأ. الثاني: لم أتى بهذه الجملة غير معطوفة وعطف تلك؟ وجوابه: أن تلك تقدم ذكر بعضها بخلاف هذه. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ... (٢٥)﴾ قال السكاكي وغيره من البيانيين: سلام إبراهيم أبلغ لأنه عبر بالاسم المقتضي للثبوت، وسلام الملائكة بالنقل فجرى على أسلوب قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)، انتهى، ويعترض هذا التأكيد فإن سلام الملائكة مؤكد بالمصدر المفيد إزالة الشك من الحديث، [فناب*] التأكيد مناب الثبوت الذي زاد به سلام إبراهيم فاستويا فليس أحدها أبلغ من الآخر، وجوابه: أن التأكيد بالمصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث في الخبر لأنه غير مشاهد، فإذا قلت: قام زيد، احتمل الحقيقة والمجاز، فأتى بالمصدر لرفع المجاز وتعيين إرادة الحقيقة، وأما الإنشاء فلا يزيد المصدر فيه، وذلك أن الإنسان إذا [قال:*] بعت لزمه البيع، وليس فيه مجاز، وهذه الآية السلام فيها من قبيل الإنشاء لَا من قبيل الخبر، فلم يزد فيها المصدر زيادة؛ فبقى الأمر على ما كان عليه من اقتضاء الفعل التجدد والاسم الثبوت، فسلام إبراهيم ﵊ أبلغ من سلام الملائكة، فإن قلت: المصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث فهو يفيد تحقيق وقوع السلام منهم على ما هو عليه، وهو مدلول عليه بلفظ الفعل المقتضي للتجدد، فكان قبل المصدر

стр. 1369

محتملا؛ لأن يكونوا أرادوا السلام حقيقة، أو معنى آخر يقاربه، وعلى تقدير أن يريدوه فهو سلام لمجرد [ ... ] فأزال المصدر الاحتمال الأول وبقي الثاني، قلت: التأكيد بالمصدر يزيل الشك عن الحديث فقط، والأمر أن يصيره كلام إبراهيم ويقوم مقام الثبوت فيه، فلما كان أبلغ فلا جواب عنه إلا ما قلنا، وتقدم في سورة هود تمام الكلام في هذا. الفخر في سورة براءة عند قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) في قول الرجل لغيره: (سلام عليك) لطائف، قال: ذكرتها وإن كان لا يناسب ذكرنا هذا الموضع خشية أن تضيع. قال: قوله: (سَلامٌ) نكرة فيها معنى التعظيم الابتداء به؛ لأن في الكلام حذف صفتها، أي سلام تام كامل والخبر عليكم، أو هو صفة لسلام والخبر مقدر أي [كأئن*]، وقد يترجح حذف الخبر لقصد التهويل والتعظيم، وجوابه وعليكم السلام على عكس الترتيب الأول، وسببه قول سيبويه: إنهم يقدمون الاسم وأيضا فلدلالة على الحصر فيكون الجواب أبلغ، لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا)، وأما [مقول الرجل لغيره السلام عَليك معرفا*]، فالسلام لفظ مفرد يحلى بالألف واللام لَا يفيد إلا أصل الماهية ولا إشارة له بالأحوال العارضة لها، فإذًا كان التنكير أبلغ، وكذلك حيث ما جاء لفظ السلام من الله تعالى ورد منكرا، وإنما ورد معرفا من قول [عيسى*] صلى الله على نبينا محمد وعليه وسلم: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ)، وكذا اختار الشافعي في التشهد تنكير السلام، قال: وسبب مشروعية السلام بين المتلاقيين ليحصل به لكل واحد منهما اعتقاد سلامته من الآخر؛ لأن الأصل في طبع الجيران الشر على الصحيح، ودفع الشر أهم وآكد من جلب الخير، قلت: ومنه قول المتنبي: الظُلْمُ من شيَمِ النّفوسِ فإن تجِدْ ... ذا عِفَّةٍ [فلِعلَّةٍ*] لا يظْلِمُ قال: وقوله: (عليكم) تقتضي مخاطبة جماعة، وذلك أن الإنسان لَا يخلو عن الحفظة من الملائكة وأرواح مجانسة له. قوله تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ يدل على أن هذا العجل كان مشويا [ ... ] منه أهله، وأنه كان من عادته تهيئة الطعام [**برسم] من يرد عليه، أو أتاهم بما كان معدا لأهله. قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ... (٢٨)﴾

стр. 1370

ذكر هنا الخوف منه، وقال في موسى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) فلم يذكر صفة الخوف فيه؛ لأن قائلا لَا تخف هنا الملائكة، وهناك الله تعالى فناسب عدم ذكر المخوف منه وعدم الامتثال به. قوله تعالى: (بِغُلَامٍ عَلِيمٍ). دليل على شرف العلم، ونقل ابن العربي في سراج المريدين، عن ابن فورك: أنه رأى الملائكة، ونقل أبو نعيم في الحلية، عن سفيان الثوري، أن الملك خاطبه في حكاية الحية، قال كاتبه، وخبر ابن عم والدي وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد أبو فارس عبد العزيز البسيلي: أنه [كان*] حين يقوم إلى صلاته بالليل يرى أن الملائكة تدخل عليه بيته وتسلم عليه في صفة طيور ذوي أجنحة. قلت: ولما توفي ﵀ صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان عام أربعة وثمانين وسبع مائة رأيت كأني بين السماء والأرض وإذا برقعة هابطة من السماء، فيها مكتوب بخط بين: عبد العزيز البسيلي من أهل الجنة ودفن ﵀ بمقبرة خالد أبو إسحاق إبراهيم البسيلي. قال لي شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني: لم أر أحدا في زماننا على طريق السلف الصالح غيره. قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ ... (٣١)﴾ قدم المقول للمخاطب على ندائه؛ لأنه المقصود بالذات، ولما فهم من القرائن أنهم نزلوا للعذاب عبر بالخطب، وقال: (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) فعبر بالوصف الأعم فيهم وفي بني آدم، ولم يقل: أيها الملائكة فعبر بالوصف الأخص؛ لأن وصف الرسالة عند الله تعالى فيه تشريف وتعظيم، ولأن فيه إيماء إلى المرسل إليهم. قوله تعالى: ﴿إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ تنكير (قَوْمٍ) إما تعظيما لوصف الإجرام، أو ليفيد عموم تعلق العذاب بكل من اتصف بصفاتهم، لأن تعليق الحكم على الوصف المناسب في النكرة يفيد قوة الشعور بما به ذلك الوصف للحكم أكثر من إفادته له في المعرفة. قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ... (٣٣)﴾

стр. 1371

لم يقل: لنرمي عليهم حجارة؛ لاقتضاء مادة الرمي كونه بقصد، وقوة الإرسال تقتضي أن يكون عن غير قصد، فهو إشارة إلى أنهم قوم لَا [يُؤْبَهُ بهم*]، يشهد لهذا التفريق ما ذكره الفقهاء في رمي [الجمار*] وإرسالها. وفي المدونة قال ابن القاسم: إن وضع الحصاة وضعا أو طرحها لم يجزه. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ ... (٣٦)﴾ أتى بدلالة الاقتضاء، ولم يقل: غير أهل بيت تشريفا للبيت، قيل على مذهب أهل السنة: أن الإيمان والإسلام متغايران يلزم أن يكون المخرج غير المخرج منه واللازم باطل فالملزوم مثله، إذ لَا يجوز أن يقول: أخرجنا من فيها من النَّاس فما وجدنا فيها غير البقر، وأجيب: بأنهما متغايران تغاير الأعم والأخص، كقولك: زيد عالم وزيد عليم، فتقول: أخرجت العلماء فما وجدت فيها إلا العليم أو العلامة، قيل: هذا في المثال يصح حيث يخرج شيء ويبقى شيء، وأما هنا فالمخرج منه إذ لم يبق فيها أحد من المؤمنين، أجيب: باحتمال أن يكون فيها بيوت جملة مؤمنين، لكنهم متفاوتون، بعضهم مؤمنون مسلمون، وبعضهم مؤمنون فقط، فأخرجوا في جماعة الأيك، فإِن قلت: لعل المراد أنهم كانوا منقسمين إلى مؤمن وكافر ولم يكن فيهم منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بل إنكارهم الكل كانوا متظاهرين بالمخالفة، قلت: هذا بعيد لأن العبرة بالباطن لَا بالظاهر. قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى ... (٣٨)﴾ كررت قصة موسى ﵇ في القرآن [لتكرار سؤال اليهود*] إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ). [قدم*] ذكر فرعون على السلطان المبين؛ لأنه المقصود بالتخويف به. أبو حيان: وهذا مثل: علفتها تبناً وماء باردا أي وسقيتها ماء، انتهى، يريد لأن مدينة قوم لوط تركت بحيرة مالحة يراه النَّاس اليوم على طريق الشام إلى الحجاز فتركت فيها آية، ولم يترك موسى ﵇ آية بل جعل آية، فجاء التقدير: وجعلنا في موسى آية، مثل وسقيتها ماء. قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾

стр. 1372

سلك في أول الآية مسلك التسلية بذكر اسم النبي، وإنما ذكر قومه الذي نزلت بهم العقوبة، وظاهر هذه الآية أن عاد أهلكت، خلاف ما يقتضيه قوله تعالى: في فصلت (صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ). قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ... (٤٢)﴾ إما على حذف الصفة، أي من شيء منهم ومن أنعامهم، أو عام مخصوص بالمخالفة؛ لأنهم مسلمون. قوله تعالى: (إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ). إن قلت: هلا قيل: جعلته رميما فهو أبلغ؟ قلت: الرميم هو الحالة التي يؤول إليها العظم والنبات، والمقصود هنا أن الريح أهلكتهم في الحال، لَا أنها صيرتهم إلى [الحال التي تؤول*] بهم إلى الرميم، ولم يقل: جعلته رميما [لاحتمال*] أمرين: أحدهما حقيقة، وهو أنهم صاروا في الحال رميما. والثاني: مجاز، وهو أنها أماتتهم فصاروا إلى حالة يؤول أمرهم فيها إلى الرميم، فلما قال: (كَالرَّمِيمِ) أفاد نفي احتمال ذلك المجاز، وأنهم في الحال شبهوا الرميم الذي تفتت من عظم وإنبات بطول القدم والمكث. قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ ما بعد حتى داخل فيما قبلها، فالحين جواز زمنه التمتع. قوله تعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ... (٤٤)﴾ دليل على أن النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأنهم كلفوا تكليفا عاما في الأمر والنهي، أو يقال: إن جميع ما كلفوا به نهي وسمي أمرا. قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ... (٤٦)﴾ إن قلت: لما أخرت قصة نوح ﵇ مع تقدم زمانه على أزمان أهل القصص المتقدمة؟ قلت: لأن رسالته لما كانت عامة لأهل الأرض حقت به تلك القصص كما حقت النبوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن قلت: لم علل هلاك قومه بنسفهم ولم يعلل إهلاك غيرهم؟ قلت: لتطاول زمانه وشدة مقاساته قومه. فإِن قلت على قراءة حفص: إن كانت الواو للترتيب بطل قول الأصوليين، إن قولك: جاء زيد وعمرو قبله تناقض، وإن لم تكن للترتيب فما أفاد من قبل، قلت: إما أن يقول هي للترتيب في الذكر وإنَّمَا يلزم التناقض، وإن لم تكن للترتيب فما أفاد

стр. 1373

(مِنْ قَبْلُ)، قلت: أما إذا كانت ظاهرة فيصح التصريح، بخلاف الظاهر فلا تناقض أو تقول: إنها ليست للترتيب، وذكر القبلية ليعلم إذ لَا يعلم ذلك عقلا والتاريخ فما اشتمل عليه القرآن العظيم. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ... (٤٧)﴾ برهان ودليل بعد الوعظ والتخويف، فإن قلت: لم أفرد السماء والمناسب باعتبار الفهم الجمع؛ لأنه إذا كان خلق السماوات بقوة فأحرى السماء الواحدة، قلت: الآية إنما سيقت لبيان أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، وأن ذلك دليل على كمال اتصافه بالقدرة والقوة الشديدة، فإذا كان خلق السماء الواحدة دليل على اتصافه بالقوة الشديدة، فأحرى أن يدل على ذلك خلق السماوات كلها، وقرئ برفعِ السماء والواو على ذلك [واو*] الحال لَا عاطفة، كما قال سيبويه في قوله تعالى: (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) والمعنى أن قوم نوح أهلكوا حالة وجود الدليل الدال على كمال قدرة الله تعالى وشدة بطشه. ووقع في كلام القاضي الباقلاني ما يدل على أن السماء [كورية*]، لأنه لما دخل بلاد الروم رسولا عن الملك ناظره بعض النصارى، فقال له: كيف تزعمون أن القمر انشَّق لنبيكم ودخل نصفه تحت الأرض وبقي نصفه في السماء لو كان كذلك لرآه كل أفق؟ فقال له القاضي: يلزمكم هذا في المائدة التي نزلت على نبيكم هل انفردتم برؤيتها أو رآها جميع أهل الأرض، فانقطع الرومي، فقال له القاضي أبو بكر: الجواب: ما قلته أنك كما تشاهد كسوف الشمس والقمر في قطر دون قطر، وفي موضع صلاة الظهر وفي آخر وقت صلاة العصر، وكذلك يتصور اختصاص رؤية انشقاق بقطر دون قطر، انتهى. وهذا إنما يتم له على أن السماء [كورية*] وكذا الأرض، وأقوى أدلة المنجمين على أنها [كورية*] اختلاف أزمان الكسوف في الأقطار، [فتكسف*] الشمس عند باب تونس مثلا في أول النهار وفي أقصى المغرب بعد مضي ساعتين أو ثلاثا، ولو كانت بسيطة لزم استواء الجميع في وقت رؤية الكسوف، والأرض أصلها [كورية*] لكن [تتحدب*] بأشياء وضعت على أجنابها كما تؤخذ الكرة فتصير مثمنة أو مربعة فتتحدب. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ... (٤٩)﴾ المراد بذلك النقيضان كالحركة والسكون، والاجتماع والاقتران، والحياة والموت، والإسلام والكفر، والغَناء والفقر.

стр. 1374

فإن قلت: فيه دليل لأهل السنة في أن الكفر مخلوق لله ومراد له في كل شيء، قلت: إنما يتم ذلك لو قيل: وكل شيء مخلوق منه زوجان فنحن خلقناه، أو يقال: وكل شيء خلقنا زوجين مخلوقان لله تعالى، والآية إنما دل عمومها على أنه لم يقل شيئا منفردا؛ بل مع زوج مناظر له، فإن قلت: فلم يخلق الإسلام منفردا بل مع الكفر [المناقض*] له؟ قلت: المعتزلي يقول: إن العبد مستقل بفعله فلم يخلق له الإسلام ولا الكفر. قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). الزمخشري: [إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه*]، انتهى، هذا اعتزال، فإنهم يقولون: إن الله تعالى أراد من جميع الخلق الإسلام، ونحن نقول: لو أراد ذلك لما وقع منهم كفر، ومعنى التذكر إما لأن التعدد مظنة الافتقار والحاجة في الشاهد فيتذكر أن الله تعالى غني بذاته؛ إذ هو واحد لَا ثاني له، أو لأن التعدد من لوازم الحادث والقديم واحد لَا يتعدد. قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ... (٥٠)﴾ راجع إلى الإقرار بوجوده (وَلَا تَجْعَلُوا) راجع إلى الإقرار بوحدانيته وهو من باب الإتيان بالنتيجة عقب الدليل. فإن قلت: يؤخذ منه أن ارتباط الدليل بالمدلول غير عقلي وإلا لما احتيج إلى ذكر ذلك؟ قلت: بل نقول إنه عقلي لكن من النَّاس [من يمعن*] النظر ويستجد القريحة فيصل إلى الوجه الذي منه يدل الدليل، وآخر لَا يفعل ذلك. وفسر الزمخشري هنا الآية على صريح مذهبه، والآية تدل أن لفظ الإله كلي كما يقوله المنطقيون. قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ). ليس مدلول ذلك في الموضعين واحدا كما قال بعض المعبرين؛ لأن الأول: إنذار من المعاصي وعذابها غير دائم، والثاني: إنذار من الإشراك وعذابه دائم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ ... (٥٢)﴾ في هذه الآية دليل لمن يقول: إن اتحاد المعلول يوجب اتحاد العلة؛ لأنه جعل إليهم على الكفر معلولا باستوائهم الكل في الطغيان لَا بوصية بعضهم لبعض. قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ ... (٥٥)﴾

стр. 1375

احتراس بعد قوله: (فَتَوَلَّ) بمعنى أن توليه إنما هو بمعنى عدم [**التمالك عليهم] لا محض المشاركة بين أن التذكر ينفع لمن حصل له الإيمان بمعنى إقامة حدوده، وطاعاته، وفروع تكاليفه، ويحتمل المراد من سيحصل له الإيمان، والأول أظهر، ... (٥٦) .. ثم أكد الأمر بالتذكير بكون الجن والإنس خلقوا للعبادة لَا غير، وظاهر الآية مشكل لأنهم خلقوا لغير ذلك عقلا إذ فيهم كثير من العصاة، والدليل الظني السمعي إذا خالف الدليل العقلي يجب تأويله عند المحققين، فاضطر المفسرين إلى تأويل الآية فذكروا [وجوها*]. فإِن قلت: في الآية دليل المعتزلة في تعليل أفعال الله تعالى، قلت: التعليل قسمان، تعليل بمعنى أن الفعل مقصود به الفرض، ولو لم يكن لما حصل ذلك الفرض، فهذا عندنا لَا يجوز في حق الله تعالى لاستلزامه النقص والافتقار، وتعليل بمعنى ربط الأسباب بمسبباتها، ولو شاء أن يقع دونها لوقعت؛ [فهذا*] جائز في حق الله تعالى وهو المراد في الآية. الزمخشري: فإن قلت: لو أراد العبادة منهم لكانوا كلهم عبادا، قلت: إنما أراد منهم أن [يعبدوه*] مختارين للعبادة لَا مضطرين إليها؛ لأنه خلقهم [ممكنين*] فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أراد على [القسر*] والإلجاء لوجدت من جميعهم عبادة، انتهى. هذا السؤال مشكل، وجوابه مشكل والعجب من الطيبي كيف لم يتعرض لذلك، لأن هذا السؤال إنما يتوجه على مذهب أهل السنة إذ هو باطل عند المعتزلة والمورد للسؤال إنما يأتي فيه بما هو باطل عنده فيورده على معنى الشبهة على مذهبه. والزمخشري: لَا يقول أنه لو أراد العبادة لكانوا كلهم عبادا، وإنما يقوله أهل السنة فكيف نورد عين مذهبه بسؤال على مذهبه، وإنما كان نورده أن لو كان مخالفا لمذهبه فيورده شبهة على مذهبه، ثم أجاب الزمخشري: بجواب غير مطابق للسؤال لأن الإرادة عندهم إنما تتعلق بفعل المريد، والعبد عندهم [يخلق*] أفعاله وفعله الاختياري مخلوق له، فهو غير مراد الله؛ بخلاف فعله القسري الإلجائي. فإِن قلت: لم عدل في الآية عن صريح الحقيقة إلى المجاز، ولم يقل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا) لأكلفهم العبادة؟ قلت: تهييجا على العبادة وعلى الاتصاف بها بالفعل. ابن العربي في سراج المريدين في اسم العابد خفيت هذه الآية على المبتدعة وأهل السنة، فقال بعض المبتدعة: أراد منهم العبادة ففعلوا ما أرادوا.

стр. 1376

وقال أهل السنة: إن كان خلقهم ليعبدوه فقد وجد من لَا يعبده ولا يصح أن يكون في خبره خلف، وأيضا فإِنه غني عن عبادتهم، وظاهر الآية أنه خلقهم لما هو غني عنهم، قال: والمعنى الصحيح في الآية: (لِيَعْبُدُونِ) أي لتجري أفعالهم على مقتضى قضائي فيكون فعل العبد على مقتضى حكم المولى، وقد فهم بعض الصالحين هذا، فقيل له: ما أراد الله من الخلق؟ فقال: ما هم عليه، قال: والغافلون ظنوا أن العبادة في الآية بمعنى الطاعة، ورأوا بعض الخلق عصاة فطلبوا [للآية معنى غير معناها*]، فخلطوا، ولو فهموا معنى السجود، في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا). قال: كافر يكفر بلسانه وجوارحه كلها مؤمنة، نعم ولسانه الكاذب شاهد لله عليه ما بدله، وقال تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، فأضافهم إلى نفسه مما وهبهم من الحفظة، وأطال الكلام في ذلك بما هذا حاصله، فإن قلت: هلا قيل: وما أريد منهم إطعاما، كما قال: (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِزْقٍ)، قلت: قصد التمثيل بحال الخلق في الشاهد لأن الرزق في الشاهد دائم، والإطعام إنما يكون شيئا بعد شيء ووقتا دون وقت، فهو متجدد والرزق دائم. قوله تعالى: ﴿ذَنُوبًا ... (٥٩)﴾ أي [حظًّا*]، وظاهر استعمال الأدباء له أنه خاص بالشر، ويصح أن يكون مشتركا بينه وبين الخير، ومنه حديث الموطأ: " [أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى بول الأعرابي*]، وفي البخاري ومسلم في فضائل عمر: "فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ"، ويؤخذ من الآية أن الصحبة تصدق بمطلق المشاركة في الوصف، والمتحدثون مطبقون على منع ذلك وإنما اختلفوا، فمنهم من يطلقها على المشاركة في الزمان ويجعل الصحابي من عاصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن لم يره، ومنهم من يقيد ذلك بالرؤية فإن هذه لغة وذلك اصطلاح، قلت: بل هذا عرف فيصح فيمن اتصف بالكفر والعصيان يقال: هذا صاحب فرعون. قوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ ... (٦٠)﴾ هو واحد بالنوع، فصدق على كل ما فسره به المفسرون، وعبر بالكفر الذي هو أخص ومنعهم؛ لأنه رتب عليه الوعيد الأخص. * * *

стр. 1377

سُورَةُ الطُّورِ قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ ابن عطية: قال بعض اللغويين: الطور اسم لكل جبل أجرد لَا ينبت [شجرا*]. وقال مجاهد: الطور الجبل [بالسريانية*]، انتهى. إن [أرادها عُرِّبت*] فحق، وإن [أرادها*] لم تزل سريانية فباطل، والظاهر أن المراد بالكتاب القرآن؛ لأن القسم بالشيء تعظيم له، وإذا تعلق التعظيم بواحد من أمور متعددة قد احتملها اللفظ فالأولى [الحمل*] على أعظمها وأشرفها، ولا شك أن القرآن له من التعظيم والشرف بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبالإعجاز ما ليس لغيره. قال الزمخشري: وقيل: إنه القرآن ونكر؛ لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، وقال في تلك الآية: نكرت (نَفْسٍ) لأحد وجهين: أحدهما: أن يريد نفس خاصة وهي نفس آدم ﵊ كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس والتنكير لإرادة الخصوص؛ لأن ما به التعظيم نظير ما قال تعالى في سورة الفجر (وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، ويرد بأن التنكير فيها إنما هو [للإبهام*] والشيوع لَا للخصوص. ويجاب: بأن التعظيم يقتضي الخصوص؛ لأن ما به التعظيم خاص بالمعظم، وكذا التنكير لإرادة التعظيم، ثم وصف ما سوى الطور؛ لأن الطور علم لَا اشتراك فيه. فإن قلت: وكذا الكتاب علم، قلت: لَا يلزم من الوصف هو الاشتراك للموصوف بدليل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ ابن عطية: هو السماء والسقف طول في انحناء، ومنه أسقف النصارى، وهو عالمهم، انتهى، ظاهره أنها عنده [كورية*]، وفي وصفه بالمرفوع إشارة إلى أنه العرش لأنه فوق كل مخلوق، وما تحته من السماوات بالنسبة إليه [مخوضة*] لَا مرفوعة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾

стр. 1378

إشارة إلى تغليظ العذاب وشدته، وأنه إذا كان بتحقق وقوعه مع استحضار مقام التربية والحنان والشفقة، فأحرى مع استحضار مقام الجبروت والعزة والقوة والانتقام. وقال الفخر: ذكر الرب إشارة إلى أن المكلف لَا يزال طامعا في رحمة الله راجيا عفوه. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ ... (٩)﴾ قال مكي: العامل فيه (واقع) ولا يصح أن يعمل فيه (ما له من دافع). قال أبو حيان: ولم يبين له وجها، انتهى. توجيهه أن القضية السالبة عند المنطقيين لَا تقتضي وجود الموضوع ولا إمكان وجوده. فإذا قلت: ليس زيد بقائم أمكن أن يكون جالسا وأن يكون معدوما، فأثبت أولا وقوع العذاب بالإطلاق أعم من أن يكون في ذلك أو غيره، ثم أخبر أنه ليس له [دافع*] في ذلك اليوم، ونفي [الدافع أعم من وجود المدفوع*] في ذلك اليوم وهو العذاب أو عدم وجوده، وإذا كان العامل فيه أن عذاب ربك لواقع اقتضت الآية إثبات وقوع العذاب في ذلك اليوم، وفي الآية رد على [الطبائعيين*] القائلين بأن هذه السماوات لَا تقبل الانفطار ولا الزوال، بدليل [تأكيد*] تمور بالمصدر فدل على أنه حقيقة لَا مجاز. فإن قلت: قدم هنا السماء على الجبل، وعكس في أول السورة فقدم الجبل على السماء؛ لأنه قدم الطور على السقف؟ فالجواب: بما أجاب به ابن مالك، في قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)، قال: العادة أن الإنسان إذا [أحسَّ] بأمر مهول مخوف فأول ما ينظر إلى جهة فوق ثم ينظر إلى أسفل، وهذه الآية جرت مجرى التخويف فابتدأ فيها بما [ينظر*] إليه الإنسان أولا، واليوم يحتمل أن يراد به اليوم المعهود والذي هو دورة أو نصف دورة، والمقدار الحالي من الزمان كما أراد زهير في قوله: وأعلم علم اليوم، فيكون المراد مقدار زمن المور والسير، والظاهر الأول ليكون اليوم أوسع من ذلك يسعه ويسع غيره. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ ... (١٣)﴾ بدل من اليوم الأول، إما بدل شيء من شيء إن كان الأول بمعنى الدورة أو نصف الدورة، وإما بدل بعض من كل إن كان الأول بمعنى المقدار من الزمان، ويكون الأول أوسع زمنا من الثاني. قوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا ... (١٥)﴾

стр. 1379

أي يقال لهم: (أَفَسِحْرٌ)، والمعطوف عليه مضموم، والتقدير أنتم مقيمون على إنكار [أفهذا*] سحر أم أنتم مقرون أنكم كنتم لَا تبصرون. قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا ... (١٦)﴾ صيغة أفعل هنا للإهانة، قال ابن التلمساني: وفي (فَاصْبِرُوا) التسوية. الزمخشري: فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه، بقوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قلت: لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فاما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة فلا فائدة فيه، انتهى، تقرير السؤال أن المشاهد في الدنيا أن الصابر على البلاء أحسن حالا من الذي لم يصبر، فمساواة الصبر لعدمه سبب في مدح الصابر لَا في التخفيف عليه في العذاب ولا في تشديده عليه، فأجاب: بأنه قد يتوهم أن الصبر سبب في المكافأة عليه بتخفيف العذاب، فقال: إنما تجزون عملكم موجب، ويحتمل أيضا أن يجاب بأن قوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تعليل للحكم بمساواة الصابر لغير الصابر في العذاب، والسؤال إنما يرد إذا جعلناه تعليلا للمساواة، وتعليل الحكم بالمساواة لأنا نجد بعض النَّاس يصيبه الألم فيعظم قلقه ولا يصبر، وآخر يصبر على الشدائد العظام فيكون ذلك سببا لحقة الألم عنه وهو أحسن حالا من الأول، فأخبر الله ﵎ أن هؤلاء عوقبوا بأمرين بالعذاب، ويجعل صبرهم مساويا لعدم صبرهم في أنه لَا فائدة تنشأ عنه، ومعنى (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي جزاء عملكم، وفيه من الترك فعلي، وهي مسألة اختلف فيها في الأصول والفروع. قال الفخر في المعالم: مذهب المعتزلة أن الترك فعل، ويلزم منهم عليه الكفر، وهو أن البارئ [بكون*] الأزل فاعلا فيلزم عليه قدم العالم، [وعدم حدوثه*] [وحرر*] في كتاب القيد من ذلك مسائل كثيرة، وعبر في تعملون بلفظ للتصوير. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ الزمخشري: أي في (جَنَّاتٍ)، (و) أي (نَعِيمٍ) بمعنى الكمال في الصفة، أو في جنات ونعيم مخصوص بالمتقين، انتهى، أراد أنه إذا صدق مقيدا صدق مطلقا، كما قال المنطقيون في سفينة من حجراتها يصدق عليها سفينة، وقوله (فِي جَنَّاتٍ)

стр. 1380

مجاز لأنهم الآن ليسوا فيها إذ الخطاب للكفار أو للمتقين في الدنيا، وعطف (نَعِيمٍ) من عطف الصفات، كقولك: أعجبني زيد وحسنه. فإِن قلت: لم قال هنا: (وَنَعِيمٍ)، وفي الذاريات (وَعُيُونٍ)، فالجواب: أنه تقدم هنا ذكر العذاب فناسب تعقيبه بذكر النعيم بخلاف تلك. قوله تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ ... (١٨)﴾ الأرجح كون الواو للحال؛ لأن كونها للحال سلم من تقديم جلب الملائم على دفع المؤلم، وإن كان المعنى إنهم لَا يدخلون النار بوجه فيكون المراد بالمتقين المعنى الأخص [والأعم*] المراد به الأعم، أو المراد بالجحيم طبقات من طبقات جهنم. قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا ... (١٩)﴾ [ظاهره حقيقته*]، وحمله الفخر على التنعيم المعنوي وهو نزعة فلسفية، وفي الآية سؤال وهو أن الأمر الخارجي مقدم على الأمر [التكميلي*]، وجاءت الآية على العكس فقدم فيها التفكه الجاري مجرى الأمر التكميلي على الأكل والشرب الجاري مجرى الضروري، وجوابه أن المعنى كما تقدم أنهم يخالطون بأن يقال: (كُلُوا) زيادة في تفكههم والأكل حاصل لهم قبل التفكه وهو أعم من أكل التفكه والأكل ضروري. قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). نص في صدق العمل على القول والفعل، كقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، وجعل ابن عطية الزيادة في الدرجات باعتبار العمل ونفس دخول الجنة فضلا من الله تعالى، وهو [تحكم*]، وهلا كان الأمر بالعكس، فإِن قلت الحديث: "لن يدخل الجنة

стр. 1381

بعمله" هنا معناه نفي استقلال العمل بإيجابه دخول الجنة بل به مع كونه فضلا من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ ... (٢٠)﴾ جاء على هذا الترتيب الوجودي في الدين؛ لأن أهم الأمور على الإنسان الأكل والشرب، ونص الأطباء على أن الوطء عقب ذلك في غاية [القوة*]. للبدن فهم يأكلون ثم يستريحون باتكاء ثم ينالون من أزواجهم، وقوله تعالى: (عَلَى سُرُرٍ) إما على التوزيع أو على كل واحد سرر. قوله تعالى: (بِحُورٍ عِينٍ). ابن عطية: قرئ بالإضافة، والحور هي البيضاء الشديدة [بياض العين والشديدة سوادها*]، انتهى. فهو من إضافة الأعم إلى الأخص ومن إضافة الموصوف لصفته، وفي سورة الأحزاب (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) [فعداه*] بنفسه، وعدَّ أبو حيان: هذا الفعل من أخوات اختار واستغفر، ذكر ذلك في سورة الأعراف، وفي آخر سورة يونس. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... (٢١)﴾ قال بعضهم: المراد (الَّذِينَ آمَنُوا): المتقون المتقدم ذكرهم المتصفون بأخص الإيمان لَا بأعمه، ولو كان المراد الأعم لزم الترجيح من غير مرجح، والثاني باطل فالمقدم مثله بيان لملازمة أن المعنى المجهول عليه للإلحاق وهو الإيمان، فإذا فرض مساواته للتقوى فليس إلحاق الذرية بالآباء بأولى من العكس. فإذا قلنا: الإيمان أعم من التقوى لم يلزم الترجيح من غير مرجح لأن الأخص أقوى، وجوابه: لَا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجح بل المرجح سبقية إيمان الآباء لأن زمن إسلام الجميع غير متحد وأيضا للآباء شرف التقدم في الوجود وفي جامع التنبيه في سماع أصبغ، وعن ابن القاسم في ولد المسلمين يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل، قال: ما سمعت فيه شيئا إلا قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا

стр. 1382

وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ) وأرجو أن يجعله الله منهم، فأما من أسلم وجرى عليه القلم ثم أصيب بعد ذلك، فقال بعض أهل العلم والفضل: يطبع على عمله بمنزلة من قد مات. ابن رشد ما رجاه ابن القاسم من إلحاقهم بآبائهم، يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وروي عن ابن عباس ﵁، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في جنته وإن لم يبلغها في العمل ليقر بهم عينه"، ثم قرأ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ) الآية. ابن العربي في أحكام القرآن: فأما اتباع الصغير لأبيه في أحكام الإسلام فلا خلاف فيه، وأما تبعيته لأمه فاختلف فيه العلماء أو [اضطرب فيه قولهم*]، والصحيح أنه في الدين تبيع من أسلم من أبويه، للحديث الصحيح عن ابن عباس، أنه قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين من المؤمنين" [وذلك أن أمَّه أسلمتْ قبل أبيه العباس، فتبِع أمَّه في الدِّين"*]. ["هذا خلافُ ما في كتاب الديات من "المدونة"، قال فيه: "مَن أسلمتْ تحت نصراني ففي جنينِها ما في جنينِ النصرانية، وذلك نصفُ عُشُرِ ديةِ أبيه"*] انتهى. وظاهر الآية إلحاقُ جميع الذرية [وإنْ بَعُدُوا، لقوله (ذُرِّياتِهِمْ) بالجمع،*]، وأفرد في قوله: (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) وهذا في الدار الآخرة، وليس في الآية دليل على أن المرء يلحق الأكرم [والأرفع*] من جهة جدِّه لأمه في الدنيا. وقال بعضهم: الآية تدل على عدم الولد بالأب في الدين لأنها اقتضت أن الولد لا يلحق بالأب بمجرد الإيمان بل [بإيمان*] عظيم؛ لأن التنكير في الإيمان للتعظيم. قوله تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). احتراس من مثل مذهب المرجئة؛ لأنه لما ألحقت الذرية بالآباء في الثواب فقد يتوهم المتوهم أنه لَا يضر مع ذلك من المعاصي فأتى بهذا الكلام احتراسا، وكان المناسب أن يقول: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) فعدل عنه لما ذكرنا، ويحتمل كونه من [المرسل التمثيلي*] لقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، وفي سورة المدثر (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) فإن كان الزمان واحداً فهذا عام مخصوص بتلك، وإن كان مختلفا فيكون زمان هذه متقدما فيكون في الحشر وعند الحساب ومرتهنين بأعمالهم، ثم بعد ذلك يدخل بعضهم الجنة، وبعضهم النار.

стр. 1383

وقال بعضهم: إن هذه الآية تدل على أن الذرية [الملْحَقين بالآباء*] هم الذين آمنوا وماتوا على الإيمان وهم غير عاصين أو عاصين تائبين، وأما غير التائبين فإنهم لا يلحقون بآبائهم بل (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). فإِن قلت: هل تدل الآية على الكسب الذي ينسبه أهل السنة للعبد؟ قلت: لَا لأن الكسب هنا مما يذكرونه، فإِن قلت: لم عدل عن صريح المطابقة فلم يقل بما عمل رهين، كما قال تعالى (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) فالجواب: أن العمل أعم والكسب أخص، [ولَا يطلق إلا على عمل المكلف*]، ولما كان الأول اتصافا [وتقريرا لنعم الله*] وفضله على العبد ذكر العمل الذي هو أعم، إذ هو أبلغ في مقام الامتنان ولما كان الثاني في معرض التهديد علقه بالأخص. قوله تعالى: ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ جاء هذا مطلقا، وفي سورة الواقعة (وَلَحْمِ طَيْرٍ)، فيحتمل هذا الإطلاق [أن*] يقيد بتلك، وفي ذكر الفاكهة، واللحم أنه جاء بأن طعام الجنة إنما هو للتفكه، لأنه لَا يطلب اللحم والفاكهة، إلا من شبع وأراد التفكه. فإِن قلت: هلا قيل: ممن يشتهى، فهو أعم وأبلغ، قلت: المراد حصول مرادهم في كل شيء. قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا ... (٢٣)﴾ إن قلت: ذكر التنازع في شرب الخمر دون الأكل، قلت: لأن عادة [العرب بيسارة*] الأكل دون شرب الخمر، فذكر التنازع في الخمر المقتضي للاستنكار منها دون الطعام والماء جريا على المألوف، والتنازع أن يطلب كل واحد من صاحبه الكأس ليشرب منها، ثم لما كان التنازع قد يؤدي التشاجر بين النداء ما في الدنيا احترز منه، بقوله تعالى: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)، ولذا قيده إلى التنازع، بقوله: فيها دون ما قبله، فلم يقل: وأمددناهم فيها، إشارة إلى مخالفة حال الآخرة، لحال الدنيا، وأن التنازع السالم عن اللغو والقائم إنما هو في الجنة، وتنازعهم إنما هو في الخمر، لَا في الكأس، فهو من باب تسمية المحل باسم الحال فيه. قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ ... (٢٥)﴾

стр. 1384

حمله ابن عطية على الإقبال الحسي، والصواب حمله على الإقبال المعنوي، لأن الأول فيه كلفة عليهم باعتبار القيام والمشي. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا ... (٢٦)﴾ (إِنَّا) تفسير لـ يتساءلون، فيكون السؤال [إما*] مجازا لأنه طلب، وهذا خبر، وإما تفسير للازم السؤال وهو الجواب، ويؤخذ من الآية جواز التحدث على الطعام. قال ابن عبد البر في جامع "الاستذكار": إنه مستحب، قال: [وتركه من فعل [المجوس*]، وكذا قال المحقق النووي: ﵀ في الأذكار وحجة الإسلام الغزالي ﵀: أنه مستحب انتهى، ويتحدث بما يناسب لَا بما [لا يُكَدِّرُ الأكلَ مما يُستَقْذر"*]، وإذا رأى لَا يذكر له حديث "المؤمن يأكل في معيٍّ واحد". قوله تعالى: (فِي أَهْلِنَا). إن قلت: ما أفاد؟ قلت: لأن الكون في الأهل مظنة الغفلة والذهول، ولفظة (كان). ذكر ابن الصفار: أنها تقتضي الدوام لذاتها. وذكر ابن خروف: أنها لَا يلازمها الدوام. وكذا قال الباجي: إنها قد ترد للدوام. قال [الباجي*] في كشف الحقائق: إنها قد ترد لله للدوام وتأكيدهم ذلك، بأن مع أنه لَا منكر حينئذٍ [ ... ]، إما لأن ترتب ذلك التعبير جزاء عن السبب الذي قدموه في الدنيا مستبعدا؛ لكثرة النعيم بالنسبة إليه، وإما للبون بين حالتي الدنيا والآخرة، وأنهم لكثرة أموال الآخرة يذهلون عن جميع ما [كانوا*] عملوه في الدنيا. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ ... (٢٩)﴾ قيل: فما فائدة الإتيان بالفاءين مع أن مدلول فعل الأمر بدونهما يرد [مدلولهما*]؟ وأجيب: بأنه لما تيسرت أحوال الفعل بالنسبة إلى المادة، وحال الفاعل كان الفاءان مسببين عن هاتين الحالتين، أما كون المادة ميسرة، فهو أن أسباب الهداية كانت [للنبي*] صلى الله عليه وعلى آله وسلم سهلة، كأنه طبع على ذلك، وأما حال الفاعل فهو كمال العلم، والعقل، ولذا نفى [عنه الكهانة والجنون*]، لَا على الخبر، والنعم قسمان: نعم

стр. 1385

رفع المفاسد، ونعم جلب المصالح، ونعم الدفع [أعظم*] وآكد من نعم الجلب، وهي المذكورة في الآية فعدم الجنون [راجع*] إلى الدنيا، وعدم الكهانة راجع إلى الدين. قوله تعالى: ﴿أَمْ ... (٣٠)﴾ أبو حيان: منفصلة، وحكى فيها ابن الصائغ ثلاثة أقوال: المشهور فيها تقدر بـ بل والهمزة، وذهب الكسائي إلى أنها تقدر بـ بل خاصة، وذهب فيه غيره إلى أنها [تقدر*] بالهمزة خاصة. قوله تعالى: (نَتَرَبَّصُ بِهِ). خصص التربص هنا بوصف الشعر، وفي آية أخرى بقي على وصف الجنون في قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)، وهذا كلام من [خبر علم المناظرة*]. قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ ... (٣١)﴾ لم يقل: فإني بكم؛ كما قالوا به إشارة لعدم المبالاة بهم، أتى (مع) المقتضية للمشاركة لهم في تربصهم به، ويكون من باب القول بالموجب، والمعنى أقول موجبه [**ولكن] تربصكم بانتظاركم ما يسوؤكم. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾ الفخر: (أَمْ) هنا متصلة بعطف المتصلة عليها، إذ لَا يصح تقديرها بـ بل انتهى، راعى المعنى، وغفل عن قواعد النحو، فإن المتصلة لَا يليها إلا المفرد، وهذان بعدهما الجملة فهما منفصلتان، تقدر أن بـ بل والهمزة، وإنما يلزم ما قاله عند من يقدره بـ بل فقط، لأنه يفسد المعنى حين إذ وأما على تقدير بل والهمزة فيهما، فالمعنى صحيح لأنا لم نثبت لهم بل الاستفهام في معنى النفي، ومعنى الأول: أنهم جاهلون جهلا مركبا، أو جهلا بسببها، ثم قال (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)، أي كافرون طغيانا وعنادا. فقول الزمخشري المنقول أشد من الكذب انتهى، بيان قوله أشد أن الكذب [الخلف*] فيه من جهة واحدة، [والخلف*] في المنقول من وجهين يتناوله أن القائل: حدثني زيد بكذا الحديث يرويه زيد، ولكنه لم يحدث به هو كاذب، فإن قاله في حديث لم يروه زيد، بل إنما رواه عمرو فهو منقول على زيد، لأنه كذب في أمرين: هما نسبته إليه ما لم يروه، وفي تقوله عليه أنه حدثه به، ولم يحدثه به.

стр. 1386

قوله تعالى: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ عام مخصوص، لأن منهم من آمن، وإن أريد به من حضر في دار الندوة، فهو باق على عمومه. قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ... (٣٤)﴾ في فصاحته وإعجازه، قال شيخنا رأيت للمعري تواليفا وأشعارا في غاية الفصاحة، ورأيت له تأليفا في معارضة القرآن في غاية السقوط والغثاثة، ويكاد ألا يكون من قوله، عارض فيه السور التي في المفصل ومن نظر [معارضة*] سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، يستهزئ، وهذه ضحلة، وذكر إمام الحرمين في الإرشاد معارضة القرآن، وعد منها سورا، ونقل في المعارضة كلاما يكاد أن لَا يقوله ناقل. وقال المازري في كتاب الفضائل من العلم: في حديث أنس، جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أربعة كلهم من الأنصار، معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، لَا يتوهم من لفظ الحديث شبهة للملاحدة المنكرين لتواتر القرآن، وقد اعتمد عليه بعض المتنصرة، وصنف تصنيفا في كثير من الآيات والأحاديث زعم تناقضها. وحكي أن المازري: كان يوما بمجلس تدريس وبه طاقة يدخل شعاع الشمس، فإذ شيء في تلك منع منها دخول الشعاع، فرفع المازري رأسه فإذا هو سفر فنظره، فوجده الكتاب المسمى بالواضح، الذي أشار إليه في المعلم، فسأل عنه، فقيل: إنه كان ينصر بعض من كان يقرأ العلم، ووضع هذا الكتاب، فشوش على النَّاس، فأراد المازري أن يضع عليه رداء وتوقف عن ذلك لأن نصرانيا كان يتقرب من أمير بلده، وهو المعري، فخاف على نفسه منه، لأنه لم يرد ذلك ثم بعد ذلك أمره الأمير يحيى بن المعز، أن يضع عليه تأليفا، وقال: أنا أضمن لك ردك الأمير ففعل، وسماه زجر النابح في الرد على الكتاب المترجم بالواضح، وإنَّمَا قال المترجم: تبرأ من الإخبار بوضوحه، كذا نص عليه، وللشيخ أبي إسحاق بن عبد الرفيع رد على كتاب المنتصر المذكور فإنه لما رأى المازري أحال عليه في شرح التلقين في المعلم، وصرح به في شرح الجوزقي تشوفت نفسه إلى الوقوف عليه قال: فما وجدت إليه سبيلا بإفريقية، فأرسل إلى بلاد المشرق، فبعث له بأصل المنتصر دون رد المازري، [فنهض*] الشيخ إلى الجواب بأن يذكر الآيات المشكلة في الظاهر، وتفسيره تفسيرا يدفع الاعتراض، ولا يذكر لفظ المعترض تنزها منه، وهذه طريقة شيخنا ابن

стр. 1387

عرفة: في تفسيره للقرآن، وذكر لنا هذه الحكاية في تفسير قتل موسى للقبطي في سورة القصص. وحكى ابن عطية: عياض في الشفاء القول بالصرفة وعد أنهم قادرون على معارضته، ثم صرفوا من ذلك، ولكنه شاذ وصرفهم عنه ببعثه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن نظر خطب الفصحاء الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لَا يجد فيها ما يبلغ إلى نظم القرآن وإعجازه وفصاحته بوجه، وظاهر هذه الآية أنهم أمروا أن يأتوا بآية أو بعض آية [لقول مثله*]؛ خلافا للأصوليين القائلين بأنهم لم يؤمروا ببعض آية. وقول بعضهم: إن أقل ما أمروا به سورة، يرد بأن السورة مطلقة في جميع السور، فيصدق على البقرة، وكذا قولهم أن أقل ما أمروا به آية، لأن الآية مطلقة تصدق على [آية الدَّين*]، وهي كثيرة؛ بل أقل ما أمروا به بفعل آية، وقوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ). قال القاضي عياض: الإنسان كثيرا ما يستطيع العبارة عن ما يريده ولا يقدر على العبارة عما يطلب منه إلا القليل من النَّاس، فعجز الكفار عن الإتيان بمثله مفترى على أي معنى يريدونه لَا على معنى تقدم وسبق، مع أنه أهون، فدل على اتصالهم بغاية العجز انتهى، ولهذا لما قدم الحريري صاحب المقامات على بغداد ذكر له أمرها وقائع وأخبارا وأمورا، وطلب أن يدخلها في ترسلات يكتب فيها إلى البلاد فعسر عليه ذلك، ثم إنه أنشأ ذلك، فلما استكمله وعرضه على الأمير، بمحضر الكتاب وأهل الإنشاء، سقط من أعينهم واحتقروه لقبح ما جاء به عندهم، لأنه لما أنشأ المقامات إنشاء على معان نقلها من عند نفسه، وهذه إنشاءات على معان طلبت منه، فلا يقدر عليها إلا الإمام النحرير. وقول الفخر في الآية دليل على من يقول أن القرآن مخلوق، لأنهم دعوا إلى الإتيان بمثله، يرد بأن المعجزة من شرطها عندنا الحدوث، والإعجاز لَا يقع إلا بالحادث، فلا دليل في الآية، وتحقيق ذلك أن القراءة مخلوقة، والقرآن قديم، ومنهم من [**أطلق الخلق على القرآن بمحضر القوم سدا للذريعة]، وهو مذهب عبد الله بن محمد الذهلي، شيخ البخاري، ومنهم من لم ير بذلك بأسا، وهو مذهب مسلم والبخاري، ومن أجله [**لما مع الذهلي القضية المشهورة]، ذكرها الخطيب في تاريخ بغداد. قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ... (٣٥)﴾

стр. 1388

ابن عطية: قيل: [أم خلقوا خلق الجماد من غير حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كما هي الجمادات عليه*]، أي هم أحياء وبلا أرواح لتصميمهم على الكفر، وعدم إنابتهم واعتبارهم، وقيل: [أم خلقوا لغير علة*] انتهى، هذا اعتزال أغفله ابن عطية، فإِن الله لَا يفعل شيئا لعلة ولا لغرض. فإِن قلت: أطلق العلة على البارئ جل وعلا، والمراد (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ) موجد أي من غير خالق، قلت: لَا يصح تسمية البارئ سبحانه علة، والصحيح أن المعنى من غير خالق، لأنهم لما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن وأداموا على تكذبيهم لم يكن تكذيبهم راجعا إلى الرسالة، بل إلى ما تتوقف عليه، وهو وجود المرسل، فرد عليهم ذلك بأنه يلزمهم أن يكونوا خلقوا من غير خالق لذاته، ولا خالق استقلالا، ولا خالق لَا لغيره، فنفي الخالق لذاته بقوله (مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ)، واستقلالا بقوله (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، أي مستقلون بخلقهم أنفسهم، والخالق لغيره بقوله (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، أي ألم يخلقهم أحد؛ بل أخلقوا أنفسهم، قيل: أخلقوا غيرهم، وقد تقرر أن المتقدمين يجعلون صحة الرسالة متوقفة على وجود المرسل ووحدانيته، والمتأخرون يجعلونها متوقفة على وجوده فقط، وهو اختيار الفخر، والمقترح فيثبتون الوحدانية بالسمع. وقوله تعالى: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). وقال الشيخ ابن عبد السلام: إضراب إبطال وأبطل الملزوم بثبوت اللازم، لأن لازم قولهم أنهم هم الخالقون. وقال الشيخ ابن عبد السلام: المعنى أم خلقوا لغير شيء، ولا تكون من لابتداء الغاية، لأنهم خلقوا من غير شيء، لإيجادهم عن العدم. قوله تعالى: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ إن قلت: اليقين أخص من العلم، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، [قال*] لا قيل: لَا يفعلون، فالجواب: [إنما*] اليقين المراد به: العلم الضروري، ومعناه من العلم النظري ينبني على [مقدمات ضرورية*] وهو لَا يسلب عنهم العلم الضروري، فأحرى أن ينتفي عنهم العلم النظري بعدم اهتدائهم، لكونهم في مقام من لَا يميز ولا يفعل، ولو نظروا في أنفسهم، وفي خلق السماوات والأرض التي إدراكها وحدوثها وتغيرها ضروري لحصل لهم العلم بأن لها خالقا ومحدثا، وأنه موجود، فلما تركوا ذلك صاروا كالجاحدين لوجود الصانع، فجحدوا ما هو معلوم بالضرورة؛ لأن دعواهم أنهم هم الخالقون لأنفسهم، أشنع من دعوى خلقهم أنفسهم نفي الخالق لهم

стр. 1389

بالأصالة، وادعوا أنهم خلقوا السماوات والأرض، أشنع من دعوى خلقهم أنفسهم، لأن خلقهم أنفسهم أمر نظري؛ بدليل مخالفة المعتزلة في بعض ذلك، لقولهم: إن العبد يخلق أفعاله، ودعوى أنهم خلقوا السماوات والأرض يعلم كل عاقل بطلانها للضرورة، إذ لم يخالف في ذلك أحد. فإن قلت: لم يقل أحد بنفي الخلائق أصلا؟ قلت: ذكر ابن الخليل في مناظرته أن الباقلاني رأى بعض الدهرية وناظرهم. قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ... (٣٨)﴾ أسند الاستماع أولا إلى جميع الكفار، [وأخرى*] إلى بعضهم؛ لأن جميعهم يطلب الاستماع، فلا يصل إليه [إلا*] بعضهم، وإنَّمَا الحاصل لهم إنما هو استماع إن حصل لا علم. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ ... (٣٩)﴾ أتى بضمير الغيبة [لخسة*] المعادل له، وإلا فالأصل التكلم، وظاهر الآية تشريف مقام الجلالة عليهم. وقال ابن عطية: الآية تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتفضيل [له*] عليهم. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ عبر أولا بلفظ المغرم بالنسبة إلى مقامهم واعتقادهم بطلان ما أتاهم به، ويؤخذ عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن فيه إهلاك بالمغرم، لأن بعض النَّاس يتعذر عليه ما يعطي للمعلم. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾ عبر بالاسم الظاهر، ولم يقل [فهم المكيدون*] ليفيد العموم في كل من اتصف بصفاتهم؛ وليخرج بذلك من أسلم منهم، [فلا يكون مكيدا*]. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ... (٤٣)﴾ هم [مقرون*] بوجود الله [المقر بوجود*] نعمته، فلما ادعوا الشريك كان من لوازم ذلك نفي الآلهة، ويؤخذ منه أن لازم المذهب مذهب. قوله تعالى: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

стр. 1390

تأكيد نفي الشريك، والظاهر في ترتيبه هذه المعطوفات، أنه على حسب الواقع منهم في التقديم والتأخير، وكرر (أم) هنا في خمسة عشر موضعا، وهي إما أن كلها جمل مستقلة، وإمَّا معطوفة، وقول من قال فيها وفيها بعيد. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا ... (٤٤)﴾ هو إشارة إلى قوله في سورة الإسراء (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا)، فأخبر قوله تعالى: أنهم لَا يصدقون، ولو فعل لهم ذلك ولقالوا فيه (سَحَابٌ مَرْكُومٌ). ونقل السفاقسي هنا عن أبي البقاء: (إن) بمعنى (لو) وتعقبه فإنها لم ترد بمعناها بوجه، ونقل شهاب الدين الحلبي في شرح ألفية ابن مالك: أنها ترد بمعناها، واحتج بحديث البخاري في الإحسان، قال: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قال: وذلك لأن (إن) هنا ملغاة لم تنصب، نقله عن قول ابن مالك: أن لو حمل على أن في الشرطية، وأن تحمل على لو في الإلغاء، ولم يذكر هذا ابن هشام المصري في كتابه [مغني اللبيب*]. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا ... (٤٥)﴾ ابن عطية: [هذه مشاركة منسوخة بآية السيف*] انتهى، قيل: هذا [في*] سياق الثبوت، وهو مطلق يصدق بأدنى الأزمنة، وأجيب بأن أبا حنيفة، وغيره يقولون: إنه عام، وأيضا فالغاية تدل على عمومه. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ... (٤٦)﴾

стр. 1391

قيل: إنما توهموا أن كيدهم يغني عنهم في الدنيا، وأما الآخرة فلم تخطر ببال لأنهم يجحدونها، ولا ينتفي إلا ما يدعيه الخصم، فكيف نفى عنهم الانتفاع بكيدهم في الآخرة؟ أجيب: بأن النفي على قسمين: تارة يتعلق بما هو ثابت باعتبار دعوى الخصم، وتارة يتعلق بما يقتضي الحال ثبوته، والنفي هنا تعلق [بالثاني*] لَا بالأول، لأنهم [لا*] ينتفعون به إلا في الآخرة. قوله تعالى: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ ... (٤٧)﴾ أي قريب الوقوع لَا أخف، كما قال الفخر: إذ لَا يناسب مقام الوعيد والإنذار. قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). (الأكثر) إما على بابه أو بمعنى الجميع، وعاقبهم على الجهل لتمكنهم من العلم. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ... (٤٨)﴾ الحكم قسمان: أحدهما: الإرادة القديمة الأزلية. والثاني: متعلقها وآثارها. قوله تعالى: (بِأَعْيُنِنَا). جمع هنا الأعين، وفي سورة طه (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، والجواب: أن الخطاب [هناك*] لموسى صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم، والخطاب هنا لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والجمع زيادة في حفظه وتعليمه. وقال الزمخشري: جمع الأعين هنا لإضافتهما إلى ضمير الجمع، وأفردها في طه، لأن الإضافة إلى مفرد. * * *

стр. 1392

سُورَةُ النَّجْمِ قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ ذكر ابن عطية: نزولها، وأجاد الطيبي نفي بعضهم. الزمخشري: فسأله عن العامل في إذا، فقال له: مقدر أي أقسم بالنجم إذا هوى، فقال له: فعل القسم حال، وإذا ظرف لما يستقبل فيتناقضان، فأجاب الزمخشري: بثلاثة أوجه: الأول: أن العامل مضاف مقدر، أي وهوى النجم إذا هوى. والثاني: أن تكون إذا مجرورة عن الزمان [كقولهم*]: أينك إذا احمر البسر، أي وقت احمراره. والثالث: أن المستقبلات باعتبار علم الله تعالى كلها ماضية انتهى، الجواب الأول: يرد بعدم الفائدة والصواب، أن يقدروا حركة النجم إذا هوى، لأن الحركة أعم من الهوى، فحينئذ يكون، قوله تعالى: (إِذَا هَوَى)، مفيدا، وأما جوابه الثاني: يرد بأن الاستقبال في المثال يتصور بخلافه في الآية. ولما ذكر [الآبذي*] في شرح الجزولية: أن إذا لَا يستعمل إلا في المقطوع بوقوع المعلوم وقت وقوعه، مثله في المثال المذكور، وأما الثالث: فيرد بالفرق بين علم الله تعالى بالشيء وبين وجود الشيء كما قالوا: في (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) جعله ماضيا لتحققه، ثم قال: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وإنما الجواب بما قاله ابن مالك: في قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُم)، أن إذا ظرف زمان لما مضى، لأن نزول الآية كان بعد وقوع ذلك في الوجود، فرد عليه: بأنه يلزمه التناقض فإن إذا ظرف لما مضى وانقطع، وفعل الحال مناقض للماضي المنقطع، فيجعل هنا إذا للحال كما جعلها ابن مالك للمعنى، وليس من القياس في اللغة. قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ الزمخشري: الضلال ضد الهدى، والغي ضد الرشاد، انتهى، فيؤول الأمر إلى أنهما بمعنى واحد، وليس كذلك، فالصحيح ما فسره ابن عطية، فالضلال [نسيانه*] وغلطه، أي ما خبركم به عن الله فهو خبر صحيح، وليس بخبر غير منوي ولا مقصود بوجه، إذ لَا يفعل ذلك إلا مجنون، والغي أن يقصد الإخبار بشيء لَا مصلحة فيه ولا

стр. 1393

منفعة، بل فيه المفسدة، أي ما أخبركم عن الله لقصد مفسدة بل لقصد المنفعة والهداية، وفرق السهيلي بين صاحب وذو بأن صاحب، إنما يضاف إلى ما هو أشرف منه فتقول: أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحب أبو هريرة وذو إنما تضاف إلى ما هو أشرف منه، قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)، وقال (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)، وهذه الآية ترد عليه في ذكر صاحبكم، [أنها*] للعلة أي هو بين أظهركم ورُبِّيَ ببلدكم وفي صحبتكم فإنكم عالمون به، وما جربتم عليه [كذبا قط*]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ غير بلفظ المستقبل وما قبله بالمعنى، فالجواب: أنه إن كان المراد لزوم الشيء أو جعله كالثابت اللازم، أو المحقق الوقوع أتى به ماضيا، [أو بلفظ (أو) وما يراد به التصوير، والتحديد*] يؤتي به مضارعا إشارة إلى ثبوت الضلال وتحققه وتجدد النطق به مرة بعد مرة، لأن نفي الضلال ضده ثبوت الهداية، وهي لازمة مطلقا بخلاف النطق، فإنه تارة ينطق، وتارة [يسكت*]. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ قيل: يدل على أنه ﵊، غير مجتهد، أجيب: بوجهين: الأول: الضمير عائد على القرآن، وهو منحصر في الوحي لَا اجتهاد فيه. والثاني: سلمنا عوده على جميع ما يأتي به من قرآن وغيره، [لكن عمله باجتهاده مستند*] إلى الوحي، لأنه أوحي إليه الإذن في العمل باجتهاد. قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ إن قلت: هلا قيل: علمه العليم فهو أنسب من شديد القوى، لأن الكلام في العلم لَا في القوة، قلت: هو إشارة إلى أنه كلام معجز. قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ ... (٦)﴾ تأسيس لأن الوصف به [يفيد*] المبالغة والكثرة، حسبما ذكر عياض في الإكمال في حديث الوصية في قول سعد بن أبي وقاص: "وأَنَا [ذُو*] مَالٍ " فأفاد شديد القوى المبالغة في ذوات القوة، وأفاد ذو مرة المبالغة في عددها وكثرة آحادها. قوله تعالى: (فَاسْتَوَى).

стр. 1394

قيل: جبريل، وقيل: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: الله تعالى، وهو مشكل لاقتضائه المكان فمنهم من تأوله، ومنهم من وقف فسأل ابن التلمساني في مثل هذا من وقف أنها أمور علمية اعتقادية، والأمور العلمية لَا يكتفى بغلبة الظن والتأويل، إنما ينتج الظن لكنا نقطع بنفي ما يوجب النقص. قوله تعالى: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ الزمخشري: هو أفق الشمس فملأ الأفق انتهى، يريد سمت الرأس، لكن عبارته قلقة. قوله تعالى: ﴿دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ تدلى أخص من دنا لوجهين: الأول: أن تدلى خاصة بالتحرك من فوق إلى أسفل، والدنو يكون بالهبوط وبالصعود، وفي سائر الجهات. الثاني؛ أن التدلي في العرف إنما يكون لما هو قريب، [فلذا قدم الدنو*] على التدلي، أو أدنى قيل: بمعنى بل وأورد أنها للإضراب فهو إما إبطال أو انتقال، وكلاهما مشكل، فإن كلامه تعالى حق وصدق لَا إبطال فيه ولا انتقال، أجيب: بأن كلا الأمرين المنتقل عنه وإليه حق الإبطال بناء على ما يليق بالمقام على ما جرت به عادة العرب في تعاليها في نهاية الأوصاف. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ... (١٠)﴾ في قوله (إِلَى عَبْدِهِ) إشارة إلى أن النبوة والرسالة محض تفضيل، وقوله تعالى: (مَا أَوْحَى)، مبالغة في الوحي فلذلك [أبهم*]. قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ ... (١٢)﴾ لما تضمن الكلام السابق تحقيق وقوع الرؤية، أي هذا إنكار [لإنكار*] قريش ذلك. فإن قلت: تمارونه من المماراة، والمفاعلة ما تكون إلا من الجانبين، فكيف تسلط الإنكار على الجانبين مع أنه ﵇ محق؟ فالجواب: من وجهين: الأول: أن الماضي منه مارى على وزن فاعل، وهذا الوزن البادئ فيه بالفعل هو الفاعل فتسلط الإنكار على ضمير الفاعل البادئ [بالمماراة*]. الثاني: الإنكار تسلط على مماراتهم فقط لأنها في الباطل، الفخر: أي ليس يزول يقينه، ويشكك بتشكيكم، ومن تيقن شيئا فقد يكون، بحيث لَا يزول يقينه بتشكيك

стр. 1395

المشكك، وقد يكون بحيث يزول، أي كيف يجادلونه فيما رآه على وجه لَا شك فيه انتهى، الشك من صفة الناظر والتشكيك من صفة المناظر، فإِن قلت: هلا قيل: على ما أرى، فهو أبلغ لأنهم إذا وبخوا على المماراة فيما [مضى*] وانقطع فأحرى أن يوبخوا على إنكار ما هو حاضر حالي مشاهد له بخلاف العكس، ومع أن القضية ماضية، فالجواب: إنه قصد في الآية الإيماء إلى القياس الخفي على الجلي، وهو أن جعلت رؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لذلك، وهو ماضي كرؤيته شيء مشاهد محقق فيه، فمماراتهم فيه كالمماراة فيما هو مشاهد في الحال، فأنكر عليهم المماراة في رؤيته الحاضرة، إشارة إلى ذلك، وكأنه قيل: رؤيته الخفي الماضي كرؤيته الجلي الحاضر، فالمماراة فيه تستلزم المماراة فيما حاضر، واللازم باطل فالملزوم مثله. فإِن قلت: أو يجاب بأنه إشارة إلى ما ذكروا في القصة من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كشف بصره، فرأى بيت المقدس، فكان يخبرهم بصفاته، وأحواله فيخبرهم حالة الرؤية، قيل ذلك: احتجاج منه وترجيح لصحة ما أخبرهم به من رؤية جبريل أو عمره لَا أنه هو عين ما أخبرهم به، أو يجاب بأنه للتصوير. قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ إن كان المرئي جبريل فواضح، وإن كان الله تعالى فالعندية راجعة للرائي لا للمرئي، وانتقد القرافي على الفخر ابن الخطيب في تسمية كتابه [المحصول*]، لأن فعله لا يتعدى إلا بحرف جر، ومثله [لا يتأتى*] منه اسم المفعول إلا مصحوبا بالمجرور، فكان يقول المحصول فيه، وجوابه أن ذلك في نظر الكلام، وأما في التسمية فيجوز لأنه يصح تسمية الإنسان ببعض الاسم، فأحرى أن يسمى باسم المفعول غير مصحوب بحرف الجر، كما سميت هذه الشجرة سدرة المنتهى، ولم يقل المنتهى إليها. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ... (١٦)﴾ ولم يقل: إذ يغشاها لئلا يتوهم عود الضمير إلى الجنة، ولأن البناء الظاهر لفخامته. قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾

стр. 1396

لم يقل: ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إشارة أن ذلك المرئي [ ... ]. نفسه، بحيث أن لو كشف عن بصر كل أحد من النَّاس، قال شيخنا: نقلت أيضا من خطه ما طغى ليس بتكرار، لأن الزيغ إدراك بعض المرئي، وميل البصر عن إدراك باقيه، والطغيان إدراك الشيء أكثر مما هو عليه، أو أكثر مما هو في عدده انتهى، وتكرير [لفطة*] (ما) لوجهين: الأول: أن عدم ذكرها يوهم ثبوت المعطوف. الثاني: إفادة [نفيهما*] مجتمعين ومفترقين، كما قال السهيلي. قوله (أَفَرَأَيْتُمُ ... (١٩) .. ، ابن عطية: هي من رؤية العين، أي أفأبصرتم، أبو حيان: أي أفعلتم، ومفعولها الأول (اللَّاتَ)، والثاني: (أَلَكُمُ الذكَرُ وَلَهُ الأنْثَى)، الطيبي: قال الزجاج: إن المعنى أخبروني عن اللات والعزى ومناة أهن كسائر المخلوقات، أو لهن [خصوصية*] انتهى، والمعطوف عليه بالفاء مقدر تقديره على قول الزجاج: أنظرتم وتأملتم فرأيتم اللات والعزى ومناة، أي فأخبروني عن هذه الجمادات، وعلى قول ابن عطية: أعرفتم ما دلت عليه هذه المخلوقات فأبصرتم اللات، الطيبي: والأخرى ليست تأنيث آخر، لأنه لَا يوصف بآخر إلا ما كان من جنس الأول في اللفظ، تقول: رأيت رجلا ورجلا آخر، وعالما وعالما آخر، ولا تقول: رأيت رجلا وثورا آخر، قال: هو مجازا لَا حقيقة. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ أي اختصاصكم بالذكور، وإن كان قسمة فهي أفادت قسمة [جائرة*]، فإن قلت: ما أفادت إذا قلت الدلالة على الجزاء، فإن قلت: الجزاء من فعل المخاطب، كقولك لمن قال: [آتيك غدا*]: إذا أكرمك، فالجواب: من فعل المتكلم كقولك: لمن قال: آتيك إذا تجدني، قلت: وقد يكون الجزاء من فعل المتكلم، كقولك لمن قال: آتيك غدا [تصب*] خيرا، وكذلك هنا جوزوا على فعلهم بالتهديد [ ... ] بأنها قسمة ضيزى. فإِن قلت: هذا كما يقول ابن الحاجب: مسلكان على [الشرك*] فقبح عليهم [نسبتهم*] الأولاد إلى الله، ثم على [فرض*] تسليم ذلك جدلا، فإنما حقهم كان أن ينسبوا إليه الأشرف لَا الأدنى. قوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ ... (٢٣) .. ، قالوا: يحتمل أن يعود الضمير على مجرد الأسماء المتقدمة، أو عليها من حيث مدلولاتها، فالمعنى أن هذه

стр. 1397

الأسماء اخترعتموها، وليست لها مسميات حقيقية، أو المعنى إلا [أسماء*] اخترعتموها من غير إسناد منكم إلى برهان، ولا دليل شرعي ولا عقلي، وعلى الثاني يكون على حذف مضاف، أي إن هي إلا ذوات أسماء، الأول أشنع عليهم، وفائدة التأكيد بـ أنتم زيادة في القبيح عليهم، وإلا فالفصل بالمفعول قائم مقام التأكيد، وفي الآية حجة لمن يقول إن الاسم غير المسمى، وقال ابن الخطيب: لو كان الاسم غير المسمى للزم عليه حدوث أسماء الله تعالى؛ لأنها لم تكن في الأزل، لأن المراد بالاسم على هذا اللفظ. انتهى، الاسم يطلق ويراد به المعنى المدول عليه، أعني الصفة، كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، أي الصفات الحسنى، وقوله (سَمَّيْتُمُوهَا)، يدل على [أن*] الأسماء اصطلاحية. قوله تعالى: (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ). لم يقل: [وما تهوى أنفسهم*]، إشارة إلى اتباعهم هوى نفوسهم ونفوس آبائهم، كما قال تعالى (سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)، وهذا أشد عليهم وأشنع. قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى). ذمنهم على اتباعهم هواهم مع وجود الهادي لهم، وهو أقبح من اتباع الهوى حالة عدم المرشد إلى الحق. قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ ابن عطية: معطوف على (وما تهوى الأنفس)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ)، اعتراض. انتهى، بل هو معطوف على (ولقد جاءهم)، والمعنى بل يتبع الإنسان أمنيته مع وجود الوازع والهادي له إلى الحق. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ... (٢٦)﴾ وجه مناسبتها أنها رد على الكفار في اتخاذهم الأصنام، وقولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فقيل: إن الملائكة من أشرف المخلوقات، ومع هذا فلا تغني شفاعتهم شيئا، إلا بإذن الله، فمفهومها إذن بعضهم يشفعون، وتغني شفاعتهم، والثابت في نفس الأمر أنه لَا يغني شفاعة أحد من الملائكة بوجه فهلا قيل: وكل الملائكة لَا تغني شفاعتهم، فهو أبلغ، وأجاب: بأن المقصود الرد عليهم في قولهم: هذه الأصنام تشفع، وذلك يحصل ببيان أن ملكا من الملائكة لَا تقبل شفاعته، فاكتفى بذلك، ولم يقل ما منهم أحد، لأنه أقرب إلى المنازعة فيه، من قوله كثير، مع أن المقصود حاصل به. انتهى هذا السؤال، إنما يرد إذا جعلنا الإذن في قوله (إِلَّا مِنْ

стр. 1398

بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ)، راجعا إلى الإغناء، فليزم عليه أن يكون بمعنى الملائكة يعني غير إذن، ولنا أن نقول: الإذن إنما هو راجح إلى الشفاعة فكثير من الملائكة لَا يشفعون إلا بإذن، وباقيهم، وهم أيضا بأنه إذا سلب إغناء الشفاعة عن الكثير من العالم العلوي، مع كونه مظنة للقبول، فأحرى عن معبودهم الأرضي. قوله تعالى: (لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). راجح للشافع والمشفوع فيه، [ويرجع*] لمعنى الكلام والإرادة، فالإذن الكلام والرضى للإرادة، وقال ابن العربي: المشيئة مرادفة للرضى والإرادة، وأفاد من بعد أول أزمنة العبودية فيقتضي شدة [امتثالهم*] وسرعة مبادرتهم بنفس الإذن، لأنك إذا قلت: جاء زيد بعد عمرو يحتمل أن يكون بينهما مهلة طويلة أو قصيرة، فإذا قلت: جاء زيد من بعد عمرو فالمعنى جاء عقبه في أول أزمنة البعدية، الزمخشري: يعني أن الملائكة لو شفعوا بأجمعهم لأحد لن تغني شفاعتهم عنه شيئا، إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن لهم في الشفاعة لمن يشاء ويرضاه أهلا لمن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم؟ انتهى، هذا الاعتزال فيه؛ بل هو موجبه [حمل*] السني على مذهبه، فالشفاعة عند المعتزلي في تعجيل الحساب وعلو الدرجات في الجنة به، وعندنا يجيء فيهما وفي خروج طائفة من النار. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ... (٢٧)﴾ أكد بـ (إِنَّ) مع أنهم لَا يخالفون في صدور ذلك منهم، لأنهم لما وردت الآية للإنكار عليهم والتقبيح لفعلهم، فهم معرض الإنكار لذلك، وقال: (لَا يُؤْمِنُونَ)، ولم يقل: يؤمنوا إشارة إلى أن هذا الوعيد إنما يتناول من ختم عليه بالكفر منهم. قوله تعالى: (تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى). لم يقل: يسمون الملائكة إناثا؛ لأنهم ما سموهم إناثا، وإنما سموهم بأسماء الإناث، فقالو هم بنات الله. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ... (٢٨)﴾ .. أي الظن الباطل، (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). أي لَا يكفي الظن في الأمور الاعتقادية العلمية، ابن التلمساني: النظر والاستدلال في الأمور الاعتقادية فرض [كفاية*] ونحوه، ونقل المسيلي في التذكرة عن الغزالي: وفي كلام الغزالي في الاقتصاد ما يدل عليه، وقال الإسفراييني، وابن العربي، والباجي: إن النظر فرض عين على كل، واختلف هؤلاء فالأكثرون على أنه ليس [يشترط*] في الصحة

стр. 1399

الإيمان، فالمقلد عندكم عاص عندهم بعدم النظر، وهو من حقيقة، وقيل: [إنه*] شرط في صحة الإيمان، والآية حجة لمن يقف على تأويل الآيات والأحاديث الموهمة فنقول: يعتقد أن الوجه المحال غير مراد، لأن التأويل لَا [يحصل*] علما، وإنما ينتج النظر عن ذكرنا هذه الإضافة إما للفعل أو للمفعول. قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا ... (٣١)﴾ إن قلت: لم عدل عن المطابقة، فلم يقل: ليجزي الذي أساءوا بإساءتهم. كما قال تعالى (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، قلت: لأن العمل أعم من الإساءة، وتعليق الحكم بالعقوبة على الأعم أبلغ من تعليقه على الأخص، بخلاف الثواب؛ لأن الإساءة المطلوب نفيها، فكان ذلك من باب النفي، والإحسان المطلوب ثبوته، فصار ذلك من باب الثبوت، وإلا بلغ استعمال الأعم في النفي، والأخص في الثبوت، ويجاب أيضا: بأن السيئات مذمومة شرعا، فكره إعادتها بلفظ الخاص بها، وأعيدت باللفظ الأعم، والحسنات مندوب إليها، فاستعملت بأخص لفظها، ابن عطية: راجح لقوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ)، الآية، وما بينهما اعتراض. انتهى، ووجه إفادة تحقيق [المجازاة*] إنما هي ممن هو مالك لجميع الأشياء، فينتصف من الظالم للمظلوم، ولا يعجزه شيء، والذين أساءوا مخصوص بالصغائر، لأنها مغفورة باجتناب الكبائر، ومخصوص بالتوبة من الكبائر، ومخصوص بالكافر يسلم، أو نقول إنه غير مخصوص، بل يتناول هذه الأشياء عموم قوله تعالى: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، ومن مجازاتهم بالحسنى مغفرة الكفر وذنوب الكبائر بالتوبة والصغائر باجتناب الكبائر، فإن قلت: عبر عن إحسان الذين أحسنوا بالفعل الماضي، وحين فسر بقوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) عبر بالمضارع، قلت: المراد بالدوام على الإحسان وتجدده وعدم انقطاعه، والإحسان من قبل المشكك أعلاه في الحديث "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" وأوسطه ما في الآية. قوله تعالى: ﴿وَالْفَوَاحِشَ ... (٣٢)﴾

стр. 1400

يحتمل أن يراد بها السبع الموبقات، فيكون من عطف الخاص على العام، ووقف الشيخ عز الدين عن التفريق بين الصغيرة والكبيرة، وفرق غيره بينهما بأن الكبيرة ما رتب الشارع على فعله حد شرعيا من ضرب أو سجن أو نحوه، أو ما لُعِن فاعله، أو ما توعدهم عليه، والصغيرة ما عدا ذلك، قال الشيخ عز الدين: وإذا وجدت غير هذا فانظر عقوبته، فإن كانت مساوية [لهذه*] الثلاثة فهي كبيرة، [وإلا*] فهي صغيرة، انظر ابن عطية في سورة النساء في قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ). قوله تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ). وجه مناسبتها لما قبلها أن الواحد منا في الشاهد إذا عفى عن ظالمه، فإِنما يعفوا عنه عالما بجهله بحقيقة ما فعل، ولو تحقق ذلك لما عفى عنه، فأشار إلى أنه تعالى واسع المغفرة، مع كمال علمه بحقائق الأمور، وتفاصيلها، وأعلم هي على بابها من المشاركة، أو هما متباينان، فإِن قلت: [إذ أنشأكم*] معمول (أعلم) ولا مشاركة حينئذ، قلت: الملائكة يتشاركون، فإن قلت: كيف والملائكة تقول: أي رب مضغة، أي رب علقة، أما الرزق ما الأجل وشقي، أو سعيد، وذكر أو أنثى، قلت: كل علم إنما هو [بخلق الله تعالى*]، فالملك يسأله ويعلمه حينئذ. قوله تعالى: (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ). إفادة الإشارة إلى تطور الخلق بعد آدم في الأرحام، وفيه مبالغة في تعلق علم الله بالخفي، فإن قلت: هلا علق علمه تعالى في الظهور فهو أخفى، وقال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)، وهي حالة لم [يدَّعِ أحدٌ*] مشاركة في العلم؛ بخلاف حالة كون الإنسان في بطن أمه، فإن بعض أهل [العلم*] يزعم أنه يعلم كونه ذكرا أو أنثى، ويعلم هيئته التي هو عليها، والجنين [**ما يصير] في البطن حتى يكون في الظهر، قلت: أخبر عن تعليق علم الله تعالى بحالة ابتداء الإنسان، ولتلك الحالة ثلاثة أمور: حالة الإنشاء، وحالة كون النطفة، وحالة انتقالها إلى البطن، فأخبر بتعليق علمه بأول ابتداء وآخره، ليفيد عموم التعلق بما بينهما [كقولهم*]: مطرنا السهل والجبل، لَا فائدة إلى الإحاطة. قوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ). استثنوا منها التعديل، قالوا: وينبغي للإنسان أن يخبر نفسه، وذكروا الخلاف في التزكية، هل تكون في السر والعلانية؟ أو في السر فقط؟ أو في العلانية فقط؟ قال: في كتاب الأقضية من المدونة ولا [يقضي*] بشهادة الشهود حتى يسئل عنهم في السر أو

стр. 1401

في العلانية، قال [ابن رشد*] في [الشهادات*] إذا رفع الشهود شهادتهم بالتزكية فمذهب المدونة أنه يقتصر على التزكية الظاهرة، وقال مطرف وابن الماجشون: لَا يقضي حتى يسأل في السر، واختاره أبو الحسن اللخمي، قال: لأن النَّاس [لا يبغون*] أن [يزكوا في العلانية، خشية العداوة*]. قوله تعالى: (بِمَنِ اتَّقَى). لم يقل: بالأتقى؛ ليفيد عموم التعلق بحصول [من*] حصل مطلق التقوى، وفي الآية إيماء إلى الإنسان لَا ينبغي له أن يظهر نفسه بين يدي [من هو أعلم منه*]. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)﴾ بمعنى أخبرني، وتقدير المعطوف أعلمت الذي تولى، فأخبرني عن حاله، والهمزة للتنبيه أو للاستفهام حقيقة، لأنه في حق الله تعالى محال، وقيل: نعت لمصدر محذوف، المفعول محذوف ويترجح الأول [ ... ]، لأن المصدر كونه نعتا للمفعول، بأنه يلزم من كون المعطي قليلا كون الإعطاء قليلا ولا ينعكس، لأنه قد يعطي الشيء الكثير في مرة واحدة، قلت: هذا مقابل بعكسه، لأنه يعطي الشيء القليل في مرات متعددة، وعبر بالأكثر تشبيها بحال البهيمة التي منعتها كدا الأرض من المشي، وأضرت بحافرها. قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ... (٣٥)﴾ أي أعند المحتمل عليه؟ وهو الذي أعطى القليل وأكد في المحتمل، وهو الذي أخذ القليل، أي أعلم الغيب فتيقن أن ذلك محمل عنه إثم كفره وردته، يغني عنه وينفعه تحمله، قال ابن فورك: والغيب هو العلم النظري الذي لم ينصب عليه دليل، وأما العلم الضروري، أو النظري الذي ينصب عليه دليل فليس بغيب. قوله تعالى: (فَهُوَ يَرَى). [الرؤية*] تحتمل أن يكون علمية، أو بصرية، فمعنى العلمية عنده طرف الغيب وأسبابه؛ فهو يعلم الغيب، كما علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الوحي وغيره، ومعنى البصرية فهو تيقن الغيب وتبصره وشاهده، فإن قلت: هذا أمر أخروي مستقبل ليس بحاصل في الحال، قيل: المراد التنبيه على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله

стр. 1402

وسلم على ذلك، يقينا علما مشابها لعلم من يبصره، وينظر إليه، أو أقوى، لأن البصر يعرض له التخيلات والشكوك، أبو حيان: (فهو يرى) جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، فلو عطف الفعل على الفعل لصح رفعه ونصبه على جواب الاستفهام، السفاقسي: لا حاجة إلى ارتكاب وضع الجملة الاسمية موضع الفعلية، بل هي معطوف على قوله (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ)، فهي داخلة في خبر الإنكار، وليس المراد هنا إثبات الرؤية له. انتهى، يرد بأن الرفع على إضمار المبتدأ، أو التقدير، فهو يرى، فلا فرق بين الضمير، وعدم ذكره؛ لأنه مراد، وإنَّمَا قالوا: إن الفعل، إن عطف على الجملة الاستفهامية كان ثبوتا، وإن عطف الفعل على الفعل كان دخلا تحت الإنكار، مثل: ما تأتينا فتحدثنا. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾ قال الحريري: أم هنا مظنة؛ لأنها لأحد الشيئين، لأنه ليس عنده علم الغيب، لكنه أُخبر بما في صحف موسى، إما على لسان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة أو تصريحا، أو لما أمره نبينا لزمه حكم ما في شريعة موسى وغيره، لأن من لوازم الإنكار أن يكون ذلك تبييناً لما في صحف موسى، انتهى، هو قولك: إذ [ ... ] ذو خصومة، في أنها واقعة في غير محلها. قوله تعالى: ﴿مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ ... (٣٧)﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ ابن عطية: [وأنث الوازرة؛ إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها*].انتهى. فإن قلت: على أن الثناء للمبالغة، يرد السؤال لأنه لَا يلزم من عدم حمل النفس الثقيلة وزر غيرها، عدم حمل النفس [الخفيفة*] وزر غيرها، قلت: هذا مشترك الإلزام في عدم المبالغة أيضا، لأنه لَا يلزم من كون النفس المتصفة بمطلق وزر عين الغير، عدم حمل النفس التي لَا وزر لها، الوزر عن الغير، وجوابك عنه جوابنا نحن، والجواب عن السؤالين، أن تقول: المفهوم في الآية مفهوم موافقة، وهو أن حمل الوزر على قسمين: حمل تكليفي، وحمل اختياري، [فلا يلزم السؤال*] إلا لو كان الحمل في الآية تكليفيا، وإنما هو في الآية اختياري، ولا شك أنه إذا كانت النفس المذمومة ذات الأوزار غير متمكنة من فعل ما تريد من حمل الوزر عن الغير، مع حقارتها وذمها، وكونها أهلا لذلك، فأحرى أن لَا تتمكن منه النفس الشريفة التي لَا وزر لها بوجه، ابن عطية: قال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه

стр. 1403

الأمة فلها سعي غيرها. انتهى، يرد بأن الأول [خبر*]، والخبر لَا ينسخ، كما رد ابن عطية قول ابن عباس: أنها منسوخة، بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ)، الآية وهذا عام باق على عمومه، فإن قلت: هو مخصوص بالعاقلة، لَا تحمل الدية وهي ناشئة عن الوزر، قلت: لَا وزر فيها، لأنها إنما تجب على قتل الخطأ، وقد جاء في الحديث "رفع عن أمتي خطأها ونسيانها"، فإن قلت: على القول بأن الآية نزلت في عثمان مع عبد الله ابن أبي سرح ﵁ قبل إسلام عبد الله، كيف صح الاستدلال بها مع وجود الخلاف في شرع من قبلنا، هو شرع لنا أم لَا؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنه أنكر على عثمان اتباعه لعبد الله بن أبي سرح في أمر هو باطل في شريعتهم. الثاني: أن الأصل عدم النسخ، وأن شرع من قبلنا شرع لنا، حتى يرد ما ينسخه. ووزر وأخرى مفعول لَا مصدر لئلا يلزم عليه تحصيل الحاصل، إذ لَا يصح أن يقال: لا تقوم قيام زيدا، ولا يقوم أحد قيام أحد، ولا يفعل أحد فعل أحد، فالمعنى أن ذنب كل واحد لَا يحمله عنه غيره، وأن لَا تزر جعلوه مبتدأ [مضمرا*]، أي هو أن لَا تزر، والظاهر أنه مبتدأ [وخبره مجرور*]، وتقديره منه أن لَا تزر؛ لأن ذلك ليس هو كل ما في صحف موسى بل بعضه، فيحتاج أن يكون عاما مخصوصا، أو عموما على جهة المجاز، وعلى ما قلناه لَا يحتاج إلى ذلك، الزمخشري: فإن قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت، والحج عنه وله ثوابه؟ قلت: فيه جوابان: أحدهما: أن يسعى غيره لما لَا ينفعه إلا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنا صالحا، ولذلك الثواب كان سعي غيره كأنه سعي نفسه، لكونه تسبب في ذلك بالإيمان. الثاني: أن سعي غيره لَا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو [بحكم الشرع*] كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه انتهى، الأول: حسن، والثاني: غير صحيح، لأنه إذا تصدق نوى به الغير. قوله تعالى: ﴿سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ الفاعل المحذوف، إما ضمير عائد إلى الله تعالى، أو على الإنسان، فإن قلت: على أنه الإنسان يحتاج إلى إضمار مضاف إلى سوف يرى، هو آخر سعيه، قلت: لا يحتاج لهذا إلا على مذهب المعتزلة، وأما على مذهب أهل السنة، فهو يرى سعيه

стр. 1404

وجزاء سعيه، لأن كل موجود عندنا يصح أن يرى، فيرى ذاته وصفاتها وعملها الذي كانت تعمل في الدنيا، وجزاؤه. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [الأوفي عام*] في الثواب والعقاب، فيجب تخصيصه عندنا [بالمشيئة، أي إن شاء، لأن العاصي عندنا في المشيئة*]؛ خلافا لمن يقول: بوجوب إنفاذ الوعيد. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ تقديم المجرور للاهتمام وللحصر لحصوله مع عدم تقديمه، لأن ابن هشام في شرح الإيضاح وغيره: نصوا على أن المبتدأ لَا يكون إلا أخص من الخبر، أو مساويا له، ويكون أعم منه بوجه، ولذلك قالوا في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، أن التكبير مبتدأ وتحليلها خبره، لأنه أعم منه، والمنتهى هنا ليس إلا [لله*] ولا يتوهم أنه لغيره، وهو أخص أو مساو فهو المبتدأ أو المبتدأ انحصر في الخبر، وذكروا الخلاف في المضمرات، هل هي كلية أو جزئية، واختاروا أن ضمير المتكلم والمخاطب جزئيان، قال ابن مالك: فإن أريد بالمضمر الشيوع، أو كان الكلام يدل عليه، فهو كلي. انتهى، وبهذا [فإنه*] يصلح أن يقال: الكل مخاطب (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، واستعمال لفظ الرب هنا تغليبا لجانب الرحمة والإحسان. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ هذا وما بعده تفسير، لقوله (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، لأن ذلك لما تضمن افتقار الجميع إليه بيَّن أحوال المفتقرين العارضة لهم، وهي إما خاصة كالضحك والبكاء، وعرض عام كالموت والإحياء، أو لازم للماهية كالخلق المخلوق، ما دام مخلوقا، وقدم الضحك تغليبا لجانب الرحمة، ويحتمل أن يريد بالضحك والبكاء حقيقتهما، ومطلق [الحزن*] من باب حالة الالتزام أو هو مجاز على سبيل الاستعارة، الزمخشري: أي خلق القوة على الضحك والبكاء انتهى، إن قلت: هذا اعتزال بناء على مذهبه، في أن العبد يخلق أفعاله، وهو يوافقنا في الداعي أنه خلق الله، قلت: عادة الشيوخ أنهم [لا*] يحملون على الاعتزال، إلا ما منع فيه، وأما المحتمل الذي يوجهه السني على مذهبه والمعتزل على مذهبه، فلا، وهذا منه، بل فسر الزمخشري أولى، لأن الآية حينئذ تكون عامة تتناول ما إذا كان الإنسان غير ضاحك ولا باك، ووجود الضحك عند التعجب، والبكاء عند الحزن، [فنقول نحن*]: إنه أمر عادي خلقه الله تعالى عند ذلك لَا به، وتقول المعتزلة: إنه أمر عادي من قبل العبد وطبعه.

стр. 1405

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾ يدل على الموت أمر وجودي، وهو مذهبنا خلافا للمعتزلة، وهذا بناء على أن العدم الإضافي لَا يصح كونه أثراً للقدرة، وأما على القول بصحة [كونه*] أثرا لها، فلا يتم الاحتجاج بالآية، وإنما يتم الاحتجاج بقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ)، لأن خلق لَا يتعلق إلا بالوجود. وقال الفخر: في الكلام تقديم وتأخير، أي أحيا وأمات، ولا يحتاج إليه، لأن الواو لَا ترتب، وقدم الموت مع أنه هو لم [يخالف*] ما سبق من تقديم الملائم، إما لرءوس الآي، وإما لأن الدنيا سجن للمؤمن، والخطاب للمؤمنين، فهو ملائم. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ... (٤٥)﴾ السهيلي: لم يؤت في هذه بضمير الفصل كما أتى به فيما قبلها، لأن بعض الجهال قد نسب تلك الأفعال لغير الله تعالى، كقول النمرود (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، وأما هذا فلم يدعه أحد. انتهى، تقريره أنه سلك في الآية المتقدمة طريق الحصر بالبناء على المضمر، فقال: وأنه هو كذا، ولم يفعل ذلك هنا، والجواب: أنه لما وقع الخلاف بين النَّاس في مدلول تلك الآيات، فالمعتزلة يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، فيخلق الضحك والبكاء، وفرقة أخرى ينكرون الآخرة والبعث، وفرقة أخرى قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر، وأنكروا أن الموت والحياة مخلوقان لله تعالى، [احتيج*] في ذلك لأداة الحصر، بخلاف خلق الذكر والأنثى، فإنه لم يخالف فيه أحد، والحاصل أن الآيات المتقدمة مجرد دعوى مقرونة بدليلها، وهو خلق الضدين الذكر والأنثى، إذ لم يخالف أحد في الجمع بين الضدين، أنه ليس من فعل العبد بوجه، حسبما قال الضرير في نظمه: "ورد قول الطبعي الجاحد" بقوله [(تُمْنَى) *]، واحد؛ ولذلك خلق الله تغير الضدين الذكر والأنثى من نطفة واحدة، إذا تمنى، فإن قلت: وله كذا الضحك والبكاء ضدان، وقد جمع بينهما في آن واحد، قلت: فرق بين الجمع بين الصفات، وبين الجمع بينهما في الذوات، فالأول: أخف يمكن أن يدعى بخلاف الثاني، فإنه أضعف فما يلزم من دعوى ذلك في الصفات، ودعواه في الذوات، وخلق هنا ماضٍ بمعنى المستقبل، لأن إذا لما يستقبل. الآية عامة مخصوصة بآدم، وحواء، وعيسى ﵈. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾
следующие страницы →