في العلانية، قال [ابن رشد*] في [الشهادات*] إذا رفع الشهود شهادتهم بالتزكية فمذهب المدونة أنه يقتصر على التزكية الظاهرة، وقال مطرف وابن الماجشون: لَا يقضي حتى يسأل في السر، واختاره أبو الحسن اللخمي، قال: لأن النَّاس [لا يبغون*] أن [يزكوا في العلانية، خشية العداوة*].
قوله تعالى: (بِمَنِ اتَّقَى).
لم يقل: بالأتقى؛ ليفيد عموم التعلق بحصول [من*] حصل مطلق التقوى، وفي الآية إيماء إلى الإنسان لَا ينبغي له أن يظهر نفسه بين يدي [من هو أعلم منه*].
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)﴾
بمعنى أخبرني، وتقدير المعطوف أعلمت الذي تولى، فأخبرني عن حاله، والهمزة للتنبيه أو للاستفهام حقيقة، لأنه في حق الله تعالى محال، وقيل: نعت لمصدر محذوف، المفعول محذوف ويترجح الأول [ ... ]، لأن المصدر كونه نعتا للمفعول، بأنه يلزم من كون المعطي قليلا كون الإعطاء قليلا ولا ينعكس، لأنه قد يعطي الشيء الكثير في مرة واحدة، قلت: هذا مقابل بعكسه، لأنه يعطي الشيء القليل في مرات متعددة، وعبر بالأكثر تشبيها بحال البهيمة التي منعتها كدا الأرض من المشي، وأضرت بحافرها.
قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ... (٣٥)﴾
أي أعند المحتمل عليه؟ وهو الذي أعطى القليل وأكد في المحتمل، وهو الذي أخذ القليل، أي أعلم الغيب فتيقن أن ذلك محمل عنه إثم كفره وردته، يغني عنه وينفعه تحمله، قال ابن فورك: والغيب هو العلم النظري الذي لم ينصب عليه دليل، وأما العلم الضروري، أو النظري الذي ينصب عليه دليل فليس بغيب.
قوله تعالى: (فَهُوَ يَرَى).
[الرؤية*] تحتمل أن يكون علمية، أو بصرية، فمعنى العلمية عنده طرف الغيب وأسبابه؛ فهو يعلم الغيب، كما علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الوحي وغيره، ومعنى البصرية فهو تيقن الغيب وتبصره وشاهده، فإن قلت: هذا أمر أخروي مستقبل ليس بحاصل في الحال، قيل: المراد التنبيه على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله
стр. 1402
وسلم على ذلك، يقينا علما مشابها لعلم من يبصره، وينظر إليه، أو أقوى، لأن البصر يعرض له التخيلات والشكوك، أبو حيان: (فهو يرى) جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، فلو عطف الفعل على الفعل لصح رفعه ونصبه على جواب الاستفهام، السفاقسي: لا حاجة إلى ارتكاب وضع الجملة الاسمية موضع الفعلية، بل هي معطوف على قوله (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ)، فهي داخلة في خبر الإنكار، وليس المراد هنا إثبات الرؤية له. انتهى، يرد بأن الرفع على إضمار المبتدأ، أو التقدير، فهو يرى، فلا فرق بين الضمير، وعدم ذكره؛ لأنه مراد، وإنَّمَا قالوا: إن الفعل، إن عطف على الجملة الاستفهامية كان ثبوتا، وإن عطف الفعل على الفعل كان دخلا تحت الإنكار، مثل: ما تأتينا فتحدثنا.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾
قال الحريري: أم هنا مظنة؛ لأنها لأحد الشيئين، لأنه ليس عنده علم الغيب، لكنه أُخبر بما في صحف موسى، إما على لسان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة أو تصريحا، أو لما أمره نبينا لزمه حكم ما في شريعة موسى وغيره، لأن من لوازم الإنكار أن يكون ذلك تبييناً لما في صحف موسى، انتهى، هو قولك: إذ [ ... ] ذو خصومة، في أنها واقعة في غير محلها.
قوله تعالى: ﴿مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ ... (٣٧)﴾
قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾
ابن عطية: [وأنث الوازرة؛ إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها*].انتهى.
فإن قلت: على أن الثناء للمبالغة، يرد السؤال لأنه لَا يلزم من عدم حمل النفس الثقيلة وزر غيرها، عدم حمل النفس [الخفيفة*] وزر غيرها، قلت: هذا مشترك الإلزام في عدم المبالغة أيضا، لأنه لَا يلزم من كون النفس المتصفة بمطلق وزر عين الغير، عدم حمل النفس التي لَا وزر لها، الوزر عن الغير، وجوابك عنه جوابنا نحن، والجواب عن السؤالين، أن تقول: المفهوم في الآية مفهوم موافقة، وهو أن حمل الوزر على قسمين: حمل تكليفي، وحمل اختياري، [فلا يلزم السؤال*] إلا لو كان الحمل في الآية تكليفيا، وإنما هو في الآية اختياري، ولا شك أنه إذا كانت النفس المذمومة ذات الأوزار غير متمكنة من فعل ما تريد من حمل الوزر عن الغير، مع حقارتها وذمها، وكونها أهلا لذلك، فأحرى أن لَا تتمكن منه النفس الشريفة التي لَا وزر لها بوجه، ابن عطية: قال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه
стр. 1403
الأمة فلها سعي غيرها. انتهى، يرد بأن الأول [خبر*]، والخبر لَا ينسخ، كما رد ابن عطية قول ابن عباس: أنها منسوخة، بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ)، الآية وهذا عام باق على عمومه، فإن قلت: هو مخصوص بالعاقلة، لَا تحمل الدية وهي ناشئة عن الوزر، قلت: لَا وزر فيها، لأنها إنما تجب على قتل الخطأ، وقد جاء في الحديث "رفع عن أمتي خطأها ونسيانها"، فإن قلت: على القول بأن الآية نزلت في عثمان مع عبد الله ابن أبي سرح ﵁ قبل إسلام عبد الله، كيف صح الاستدلال بها مع وجود الخلاف في شرع من قبلنا، هو شرع لنا أم لَا؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أنه أنكر على عثمان اتباعه لعبد الله بن أبي سرح في أمر هو باطل في شريعتهم. الثاني: أن الأصل عدم النسخ، وأن شرع من قبلنا شرع لنا، حتى يرد ما ينسخه. ووزر وأخرى مفعول لَا مصدر لئلا يلزم عليه تحصيل الحاصل، إذ لَا يصح أن يقال: لا تقوم قيام زيدا، ولا يقوم أحد قيام أحد، ولا يفعل أحد فعل أحد، فالمعنى أن ذنب كل واحد لَا يحمله عنه غيره، وأن لَا تزر جعلوه مبتدأ [مضمرا*]، أي هو أن لَا تزر، والظاهر أنه مبتدأ [وخبره مجرور*]، وتقديره منه أن لَا تزر؛ لأن ذلك ليس هو كل ما في صحف موسى بل بعضه، فيحتاج أن يكون عاما مخصوصا، أو عموما على جهة المجاز، وعلى ما قلناه لَا يحتاج إلى ذلك، الزمخشري: فإن قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت، والحج عنه وله ثوابه؟ قلت: فيه جوابان:
أحدهما: أن يسعى غيره لما لَا ينفعه إلا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنا صالحا، ولذلك الثواب كان سعي غيره كأنه سعي نفسه، لكونه تسبب في ذلك بالإيمان.
الثاني: أن سعي غيره لَا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو [بحكم الشرع*] كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه انتهى، الأول: حسن، والثاني: غير صحيح، لأنه إذا تصدق نوى به الغير.
قوله تعالى: ﴿سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾
الفاعل المحذوف، إما ضمير عائد إلى الله تعالى، أو على الإنسان، فإن قلت: على أنه الإنسان يحتاج إلى إضمار مضاف إلى سوف يرى، هو آخر سعيه، قلت: لا يحتاج لهذا إلا على مذهب المعتزلة، وأما على مذهب أهل السنة، فهو يرى سعيه
стр. 1404
وجزاء سعيه، لأن كل موجود عندنا يصح أن يرى، فيرى ذاته وصفاتها وعملها الذي كانت تعمل في الدنيا، وجزاؤه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾
[الأوفي عام*] في الثواب والعقاب، فيجب تخصيصه عندنا [بالمشيئة، أي إن شاء، لأن العاصي عندنا في المشيئة*]؛ خلافا لمن يقول: بوجوب إنفاذ الوعيد.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾
تقديم المجرور للاهتمام وللحصر لحصوله مع عدم تقديمه، لأن ابن هشام في شرح الإيضاح وغيره: نصوا على أن المبتدأ لَا يكون إلا أخص من الخبر، أو مساويا له، ويكون أعم منه بوجه، ولذلك قالوا في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، أن التكبير مبتدأ وتحليلها خبره، لأنه أعم منه، والمنتهى هنا ليس إلا [لله*] ولا يتوهم أنه لغيره، وهو أخص أو مساو فهو المبتدأ أو المبتدأ انحصر في الخبر، وذكروا الخلاف في المضمرات، هل هي كلية أو جزئية، واختاروا أن ضمير المتكلم والمخاطب جزئيان، قال ابن مالك: فإن أريد بالمضمر الشيوع، أو كان الكلام يدل عليه، فهو كلي. انتهى، وبهذا [فإنه*] يصلح أن يقال: الكل مخاطب (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، واستعمال لفظ الرب هنا تغليبا لجانب الرحمة والإحسان.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾
هذا وما بعده تفسير، لقوله (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، لأن ذلك لما تضمن افتقار الجميع إليه بيَّن أحوال المفتقرين العارضة لهم، وهي إما خاصة كالضحك والبكاء، وعرض عام كالموت والإحياء، أو لازم للماهية كالخلق المخلوق، ما دام مخلوقا، وقدم الضحك تغليبا لجانب الرحمة، ويحتمل أن يريد بالضحك والبكاء حقيقتهما، ومطلق [الحزن*] من باب حالة الالتزام أو هو مجاز على سبيل الاستعارة، الزمخشري: أي خلق القوة على الضحك والبكاء انتهى، إن قلت: هذا اعتزال بناء على مذهبه، في أن العبد يخلق أفعاله، وهو يوافقنا في الداعي أنه خلق الله، قلت: عادة الشيوخ أنهم [لا*] يحملون على الاعتزال، إلا ما منع فيه، وأما المحتمل الذي يوجهه السني على مذهبه والمعتزل على مذهبه، فلا، وهذا منه، بل فسر الزمخشري أولى، لأن الآية حينئذ تكون عامة تتناول ما إذا كان الإنسان غير ضاحك ولا باك، ووجود الضحك عند التعجب، والبكاء عند الحزن، [فنقول نحن*]: إنه أمر عادي خلقه الله تعالى عند ذلك لَا به، وتقول المعتزلة: إنه أمر عادي من قبل العبد وطبعه.
стр. 1405
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾
يدل على الموت أمر وجودي، وهو مذهبنا خلافا للمعتزلة، وهذا بناء على أن العدم الإضافي لَا يصح كونه أثراً للقدرة، وأما على القول بصحة [كونه*] أثرا لها، فلا يتم الاحتجاج بالآية، وإنما يتم الاحتجاج بقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ)، لأن خلق لَا يتعلق إلا بالوجود.
وقال الفخر: في الكلام تقديم وتأخير، أي أحيا وأمات، ولا يحتاج إليه، لأن الواو لَا ترتب، وقدم الموت مع أنه هو لم [يخالف*] ما سبق من تقديم الملائم، إما لرءوس الآي، وإما لأن الدنيا سجن للمؤمن، والخطاب للمؤمنين، فهو ملائم.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ... (٤٥)﴾
السهيلي: لم يؤت في هذه بضمير الفصل كما أتى به فيما قبلها، لأن بعض الجهال قد نسب تلك الأفعال لغير الله تعالى، كقول النمرود (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، وأما هذا فلم يدعه أحد. انتهى، تقريره أنه سلك في الآية المتقدمة طريق الحصر بالبناء على المضمر، فقال: وأنه هو كذا، ولم يفعل ذلك هنا، والجواب: أنه لما وقع الخلاف بين النَّاس في مدلول تلك الآيات، فالمعتزلة يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، فيخلق الضحك والبكاء، وفرقة أخرى ينكرون الآخرة والبعث، وفرقة أخرى قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر، وأنكروا أن الموت والحياة مخلوقان لله تعالى، [احتيج*] في ذلك لأداة الحصر، بخلاف خلق الذكر والأنثى، فإنه لم يخالف فيه أحد، والحاصل أن الآيات المتقدمة مجرد دعوى مقرونة بدليلها، وهو خلق الضدين الذكر والأنثى، إذ لم يخالف أحد في الجمع بين الضدين، أنه ليس من فعل العبد بوجه، حسبما قال الضرير في نظمه: "ورد قول الطبعي الجاحد" بقوله [(تُمْنَى) *]، واحد؛ ولذلك خلق الله تغير الضدين الذكر والأنثى من نطفة واحدة، إذا تمنى، فإن قلت: وله كذا الضحك والبكاء ضدان، وقد جمع بينهما في آن واحد، قلت: فرق بين الجمع بين الصفات، وبين الجمع بينهما في الذوات، فالأول: أخف يمكن أن يدعى بخلاف الثاني، فإنه أضعف فما يلزم من دعوى ذلك في الصفات، ودعواه في الذوات، وخلق هنا ماضٍ بمعنى المستقبل، لأن إذا لما يستقبل. الآية عامة مخصوصة بآدم، وحواء، وعيسى ﵈.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾
стр. 1406
إما أن يكون المراد إيجاب ذلك شرعا بإيجاب إياه على نفسه لَا عقلاً كما فسره به الزمخشري على مذهبه، أو إشارة إلى كمال القدرة.
قوله تعالى: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾
قيل: الغنى وجود والفقر عدم، والعدم سابق على الوجود، فلم أخر في اللفظ؟
أجيب: بأن الغنى هي الحالة التي يدعي فيها الفعل، وأما الفقر فلم يدع أحد أنه من فعله.
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾
أي فما أبقى لهم باقية، [إن*] كان من عطف المفردات فيعود إلى الكل، وإن كان من الجمل فيدخله الخلاف في القيود والصفات، إذا تعقبت جملا، هل يرجع إلى الكل، أو إلى الأخيرة، [وحكوا*] عن الحجاج أنه عبر بكونه [ثقفيا*]، وثقيف من ثمود، فاحتج بهذه الآية الدالة على أن ثمودا استؤصلوا ولم يبق منهم باقية، ووجه الدليل أنه إن كان ثمود كلهم كفارا، فكلهم مهلكون بمقتضى هذه الآية، فلا عقب لهم، وإن كان بعضهم مسلمين، وقد أهلك الكفار [وفثقيف من [ ... ] المسلمين، فلا معرة عليه في كونه ثقفيًّا، فان قلت: لم قدم [عادًا*] على ثمود على قوم نوح مع تأخرهم عليهم في الزمان؟ قلت: إنهم أقرب باعتبار بقاء آثارهم، قال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بمَا ظَلَمُوا).
قوله تعالى: ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾
قيل: المناسب في باب العقوبة تعليق الحكم بالوصف الأعم [فلم*] علقه هنا بالأخص، وهو [**مسلما أظلم] ولا يلزم من كون الاتصاف بالأخص سببا في العقوبة؛ كون الاتصاف بالأعم لذلك لعدم المساواة، وهل عطف الطغيان على الظلم من عطف الأخص على الأعم؟ أو العكس، وهل الظلم تجاوز الحد إلى الغير؟ والطغيان مطلق التجاوز، أو الظلم يصدق على تعدي الحدود [ولزوم*] الطغيان إنما يصدق فيما كثر من ذلك، وكون قوم نوح أظلم باعتبار ابتدائهم الظلم، لأنهم أول من كفر برسوله.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾
الائتفاك قلب الإناء أعم من أن يكون من فوق إلى أسفل، أو مع بقائه على سطح الأرض، [فقوله*]: (أَهْوَى)، إشارة إلى أن [مدائن*] لوط من فوق إلى أسفل، وهو لازم لارتفاعها عن سطح الأرض بين القلب.
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾
стр. 1407
جعل الزمخشري: الآلاء للقدر [المشترك*] بين النعم والنقم، قال: وسماها كلها آلاء لما في النعم من المواعظ في الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو في قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، انتهى، ذلك مرتب على شرط محال؛ بخلاف هذا.
قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾
سماه قوم كالسكاكي، وغيره [جناسًا للمشابهة*]، فإِن قلت: [ظاهره*] تحصيل الحاصل، لأن المعنى قريب القريبة فالجواب: أن الألف واللام في الآزفة للعهد، أي قريب الحالة الموسود المعبر عنها في هذا الكتاب، وفي غيره بالقريبة، وهي الساعة.
قوله تعالى: ﴿كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾
أي نفس كاشفة أو قدرة كاشفة، وهذا الكشف بوجهين:
إما المبين لوقتها، وهو [راجع لباب المعلم والمزيل لها، وهو راجع لباب القدرة*].
قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ... (٥٩)﴾
ولم يقل: أفمن هذا القرآن؟ [لأن*] نفس القرآن يلزم الإعجاز، ولفظ الحديث لا يلزمه، فإذا وبخوا على تعجبهم منه لَا مع استحضار كونه قرآنا فأحرى أن يوبخوا في تعجبهم منه مع استحضار ذلك، أي لو قدرنا أنه كسائر الحديث الذي يتكلمون به فمنكم عدم التعجب منه، فأحرى أن لَا يتعجبون منه، وهو مباين [لجنس كلامهم*]، ولذلك أورد الفخر في المحصول في شبهاته سؤالا فقال: القرآن حديث، وكل حديث هو كذا، فالقرآن كذا، ... (٦٠) .. وقدم التعجب على الضحك، لأن التعجب أعم، قد يكون معه ضحك وقد لَا، وفي الآية سؤلان:
الأول: الضحك سبب عن التعجب، فكان الأصل أن يقرن [بالفاء*]، وجوابه: أن السببية إذا كانت عليه لم يحتج لذلك.
الثاني: توبيخهم إما أن يكون على المجموع، أو على كل فرد فرد، فإِن كان المراد الثاني لزم عليه تناول التوبيخ لمن قرأ القرآن، ولم يبك ولا تباكى وليس كذلك، قال (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا)، ولم يقل: وابكوا، [وإن*] كان الأول لزم التكرار، وجوابه: أن يكون [وَلَا تَبْكُونَ*] حالا من قوله (وَتَضْحَكُونَ)، فإِن قلت: يلزمك [تحصيل الحاصل*]، لأن الضحك مناف للبكاء، فالجواب من وجهين:
стр. 1408
الأول: أنه تأكيد مثل (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا).
الثاني: أنه تنبيه على البكاء، مطلوب منكم أنكم [إذا سمعتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا*].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾
ليس بتكرار؛ بل هو استئناف، أي: وأنتم من شأنكم ودينكم أنكم سامدون
* * *
стр. 1409
سُورَةُ الْقَمَرِ
قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ ... (١)﴾
أخص من قرب، فيدل على المبالغة في القرب، وذكر ابن عطية، عن أنس قال:
خطب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد مالت الشمس، فقال: " [ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم*] "، فقال ﵇: إني [لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم*] "، وذكر هذا السهيلي: وبينه، وذكر المسعودي: حديثا أن عمر الدنيا ستة آلاف ونيف، ولكنه لم يصح.
قوله تعالى: (وَانْشَقَ الْقَمَرُ).
ذكر ابن خليل في مناظرته إن صحت أن القاضي أبا بكر الباقلاني، بعثه أمير زمانه رسولا لبعض بلاد الروم، فجرى في بعض مناظرته معهم، أن قالوا له: انفرادكم برؤية انشقاق القمر، بحيث لم يره معكم غيركم، ما موجبه؟ ثم قال: في المحراب إنا نجد القمر حين الانكساف يراه أهل قطر دون غيرهم، فيكون الليل عند قوم، والنهار عند آخرين، وهو بناء على [أن*] السماء [كورية*] فكذا حين انشقاق القمر، كان ذلك عند الروم [نهارا لبعد بلادهم*]، عن بلاد قريش، انتهى، وأجاب ابن فورك: باحتمال أن يكون ستره الغيم في بلاد الروم حينئذ، وهذا شاهد، فإنا نجد الغيم يستر عين الشمس عن بعض المواضع دون بعض.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ... (٢)﴾
إن قلت: رؤيتهم ذلك، وإعراضهم محقق، فلم أتى بـ (إِنْ) دون إذا؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أن هذه الآية خارقة للعادة، ومن لوازم ذلك [عزيتها وندرتها*]، وكلمة إذا دالة على محقق الوقوع، ومن لوازم التحقق كون التحقق أمرا عاديا مألوفا ثابتا محققا، فلذلك أتى بـ (إِنْ) الدلالة على عدم التحقق [ليبقي القرابة أو النذور*] على ظاهرها مفهومين من اللازم.
والوجه الثاني: أن القصد النهي عن الاعتراض، وذم الاتصاف به، وجعله بعيدا في حيز المحال، وعدم الإمكان، لأن سياق الآية استبعاد وقوع الإعراض معهم مع رؤيتهم الآية، وتنكير (آية) في سياق الشرط للعموم، كما ذكر ابن يونس في كتاب السلم الأول عن [**ابن عباس]: في قوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ)، هذا
стр. 1410
مجمع الدين كله، وهذه الجملة وما بعدها من الجملة في غاية النعي عليهم وتقبيح أحوالهم، فالجملة الأولى: دالة على عدم كمال عدم انقيادهم، والثانية: دالة على دوامهم وملازمتهم، والثانية سؤاله على أنهم لَا شبهة لهم إلا محض التكذيب، والعناد، واتباع الهوى.
قوله تعالى: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ).
تقدم الكلام في السحر في سورة البقرة، وحذف المبتدأ لما يقول ابن مالك: أن الخبر لَا يصلح إلا له، فهولاء جعلوا اسم السحر لَا يصلح إلا لتلك الآية.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا ... (٣)﴾
إن قلت: لم عبر عن تكذيبهم بالماضي، وعن إعراضهم بالمضارع، قلت:
لتجدد إعراضهم بتجدد الآيات، وأما تكذيبهم واتباعهم أهواءهم، فاللازم منهم ثابت لا ينفك عنهم، وهو حال من الضمير في [يعرضوا*] لَا معطوف لئلا يلزم التكرار، وعطف الشيء على نفسه، وعطف الماضي على المضارع.
قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).
إن أريد التوزيع، [وأن كل*] واحد تبع هوى نفسه فظاهر، وإن أريد كل واحد اتبع هوى غيره، فلا بد أن يكون على البدلية لَا على المعية، وإلا لزم الجمع بين [النقيضين*]، لأن لهم أهواء مختلفة، ويكون فيه إشارة إلى كثرة تقلباتهم وعدم استقرارهم على شيء واحد، ويؤخذ من الآية مع ما تقرر من القواعد، أن من اتبع هوى نفسه فيما دون ذلك، يتناوله بعض هذا الوعيد.
قوله تعالى: (مُسْتَقِرٌّ).
أي ثابت، فإن أريد الثبوت في نفس الأمر باعتبار ذات الشيء ومادته، فاسم الفاعل للحال، وإن أريد الثبوت في العلم والاعتقاد فهو الاستقبال، باعتبار ظهوره جاز ذلك في الدار الآخرة، وتبين المحق من المبطل، وللأمر ثلاثة استقرارات، استقرار في النفس خاصة، واستقرار في الاعتقاد والعلم خاصة، واستقرار باعتبارهما معا، كقولنا الله عالم يعلم، فهذا أمر ثابت في نفس الأمر في الحال، وأما اعتبار الاعتقاد فهو ثابت عندنا خلافا للمعتزلة، فليس بمستقر عندهم، وقول المعتزلة: الله عالم، لَا يعلم أمر ثابت في الاعتقاد عندهم لَا عندنا، فليس [بمستقر*] في الاعتقاد في الحال، بل في المستقبل باعتبار تبين ذلك ظهور حقيقة إبطاله.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ ... (٤)﴾
стр. 1411
نظرهم في هذه الموجودات يفيدهم ثلاثة أمور، [ ... ] واتصافه بصفات الكمال، ومن جملة ذلك كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وفي ضمن هذه جواز بعثة الرسل.
قوله تعالى: (مُزْدَجَرٌ).
الظاهر والأرجح كونه اسم مكان لَا اسم مصدر، لأن قولك هذا الموضع محل الياقوت، أبلغ من قولك: في هذا موضع ياقوت، كذلك قولك هذا البناء محل للازدجار أبلغ من قولك: هذا البناء للازدجار.
قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ... (٥)﴾
كونه خبر مبتدأ أحسن من كونه بدلا من مزدجر، لأن مزدجرا أخص منه، وبدل الأعم من الأخص ممنوع عندهم، حسبما ذكره في قول امرئ القيس:
كأنِّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلُوا ... لدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ
قوله تعالى: (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، الأولى: أنها جمع نذر لَا جمع نذير، ليكون آخر الآية موافقا لأولها، لأن أولها في الإيتاء، وهي معنى من المعاني، فيكون آخرها كذلك، واعلم أن حصول الشبع عند الأكل عندنا أمر عادي، واستلزم العلم للعالمية أمر عقلي، وأما استلزام الدليل للمدلول فمذهب الجمهور أنه عقلي، ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري: أنه عادي، والآية حجة للأشعري لقوله (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، والفاء [للتعقيب، واقتضت*] نفي كون ألا يناسبها في الازدجار.
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ... (٦)﴾
التول قسمان: حسي، وليس هو أمرا وهنا الآية [ ... ]. ضد الألف واللام، لأنهما لَا يجتمعان أيضا، فإِذا كانت الألف واللام لَا تجتمع مع ضد الياء، وهو التنوين [**فهذا الألف واللام؛ لأنهما يلزم أن يكون مجتمع مع الياء، لأن ضد الضد ليس بضد].
قوله تعالى: (شَيْءٍ نُكُرٍ).
أنكر النكرات، فأتى به هنا قصدا للعموم والتعظيم، وكذا أنكر شيء تنكره العقول، والموجودات قسمان: فمنها ما ينكر، ومنها ما لَا ينكر، كالنار فإِنا نجد
стр. 1412
[**السمندل] يدخل فيها فلا تضره، وغيره إذا دخل تحرقه، فأشار هنا أن ذلك أمر مهول تنكره العقول كلها.
قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا ... (٧)﴾
ابن عطية: ذكر أن رجلا من [المتطوعة*]، قال قبل أن يستشهد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النوم فسألته عن خشعا، وخاشعا، فقال: خاشعا بالألف. انتهى، [المرائي*] النومية لَا يثبت بها حكم، لأن [التحمل من شروطه العقل والرأى غير عاقل*]، وقد ذكر ابن سهل في أحكامه منها كثيرا، وأنه سأل عن مسائل، وأجيب عنها، وحكى جابر لاستفتاء في المرأى حكايات، وحكى أن رجلا أتى سيدنا الشيخ الصالح أبا عبد الله محمد المغربي، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النوم، وقال: ارض لفلان، وقل له: يعطيك دينارا فأعطاه إياه، ثم إن بعض الفقهاء قال له مثل ذلك، فقال له: ذلك الفقيه، قال لي: أنا في اليقظة، لا تعطه شيئا [فأخبر*] بذلك الشيخ الصالح المغربي، فقال: إنما أعطيه الدنيا لكلامه، ولو صح عندي ما قال لبالغت في الإعطاء، وحكى النحويون: أن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له: أنت قلت: الحياء خير كله بالقصر، فقال: لا ثم رآه ثاني مرة، فسأله مثل ذلك، فأجابه بمثل ذلك، فأخبر بذلك بعض العلماء، فقال له: الحياء بالقصر، هو فرج الناقة، وإنما في الحديث: الحياء بالمد، فرآه الثالثة وسأله، أنت قلت: الحياء خير كله، قال: نعم، وقال ابن [رشد*]: ما ورد من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من رآني فقد رآني حقا"، إنما معناه من رآني على الصفة التي أنا عليها، الموصوفة في الكتب.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ ... (٨)﴾
نسب القول إليهم دون غيرهم، لأنه عليهم أشد.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... (٩)﴾
هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخويف وإنذار لقريش، واحتج بنظائرها على إثبات القياس، لأن قوم نوح أهلكوا لأجل تكذيبهم، فلذلك هؤلاء. في الآية ثلاثة أسئلة، الأول: ما أفاد قوله تعالى: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، مع أن الأول يغني عنه، وأجابه من ثلاثة أوجه:
стр. 1413
الأول: أفاد الأول التكذيب المطلق لكل ما جاءت به الرسل، والثاني تكذيبهم لنوح ﵇.
والثاني: قال الفخر: التكذيب، والثاني كالعلة والبرهان على الأول، كما تقول كذبت زيدا فكذبت صادقا لصدق علمه في التوبيخ والوعيد، وكذلك قوله تعالى: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا).
الثالث: أفاد الأول تكذيبهم للأمر بالدليل العقلي، وأفاد الثاني تكذيبهم لما ثبت بالدليل السمعي، لأن المحدثات كلها دالة على وجود الصانع، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ومن جملة ذلك، بعثة الرسل فنوح ﵇ إنما أتى بمقتضى الدليل العقلي، وهو أول من بعث لأهل الأرض، فقال (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)، أي كذبوا بما أثبته العقل، ثم فقال (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، إشارة إلى تكذيبهم بالمعجزات الدالة على صدقه، فكذبوا بالدليل السمعي.
السؤال الثاني: ما أفاد قوله تعالى: (قَبْلَهُم) مع أنه معلوم أن قوم نوح قبلهم، وأجابه أنه أفاد التنبيه على مشاركتهم لهم في التكذيب والكفر.
السؤال الثالث: لما قدم الظرف على الفاعل، والأصل (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح) وأجاب: أنه قصد الاهتمام بما أضيف إليه الظرف، وهو ضمير قريش، فهو أبلغ في التخويف والإنذار.
قوله تعالى: [فَالْتَقَى الْمَاءُ (١٢) *] . المانع أنه امتزج بعضه ببعض، لأن الأجسام عندنا لا تتداخل بوجه فهي ملاقاة.
قوله تعالى: (عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ).
الأمر هنا بمعنى [الشأن*]، ويحتمل أن يكون ضد النهي، لأن المحدثات إنما تتوقف على القدرة، والإرادة والعلم خاصة بلا خلاف، وأما توقفها على الكلام سمعا، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنها تتوقف مع ذلك على الكلام، لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، [**وأنكر بذلك قوله]، فعلى قول القاضي يكون الأمر في الآية ضد النهي.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً ... (١٥)﴾
стр. 1414
إن قلت: كيف هي آية لقريش، مع أنها لم تشاهد؟ قلت: نقلت إليها [تواترا*]، أو أن نقلها الكفار، لأن التواتر يصح في خبر الكافر، وخبر المسلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ... (١٧)﴾
قال الأصفهاني في شرح ابن الحاجب الإعجاز في القرآن في كل آية آية منه، وفي غيره من الكتب الإعجاز في المجموع من حيث كونه منزلا من عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ... (١٨)﴾
إن قلت: كيف أتى به هنا قبل تمام القصة؟ وأتى به فيما سبق، وفيما بعد تمام القصة، فالجواب: أن الإهلاك بالغرق أمر معهود أكثري، والإهلاك بالريح نادر الوقوع.
وقوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، أولا قوم نوح، وأعيدت هذه ليفيد أن عادا أنذرو إهلاك قوم نوح، فلم يعقلوا فأهلكوا، ولذلك قريش ينذرون بهلاك هؤلاء فإن لم يفعلوا يهلكوا.
قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾
ذكر ابن عطية: أن أبا بشر الدولابي قال: روى أبو جعفر المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر*]، قال شيخنا: وبعض الفقهاء إلى اليوم يتوخاه ويجتنب العمل فيه، وروي أن القمر كان منحوسا بزحل، فإن قلت: التاريخ بالشهر العربي حادث، لم يكن في زمن عاد، فكيف قال: أهلكوا في [آخر أربعاء*] من الشهر العربي؟ قلت: [صادف أنه*] آخر الشهر العربي باعتبار نقص القمر وزيادته، لأنهم إذ ذاك علموا أنها آخر الشهر العربي، قوله تعالى: (مُسْتَمِرٌّ)، لأن العمل في [**المظروف المجرور في بعضه].
قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ ... (٢٠)﴾
لم يقل: تنزعهم إشارة إلى أنها من شأنها أنها تنزع كل النَّاس، ولو [قيل*] تنزعهم لتوهم خصوصا، فهؤلاء لكونهم قليلين، ولو كانوا كثيرين لم تنزعهم، وكذلك لو كان
стр. 1415
أقوى منهم لم تستطع أن تنزعه، وأتت هذه القصص [معطوف بعضها على بعض*]، لأن كل واحد منها لم تقترن مع الأخرى في زمان.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾
أكدت قصة نوح بتكرار الفعل، وهو (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، وقصة عاد يذكر قوله (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، في أولها وآخرها، وأكدت هذه بقوله تعالى: (بِالنُّذُرِ)، وتلك لم يذكر فيها متعلق [التكذيب*]، بل جاءت مطلقة، لأن التكذيب بالمعجزات أخف من التكذيب بالمواعظ، والإنذارات.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ ... (٢٤)﴾
هذا بما للعلة بالأمور العادية، وقوله تعالى: (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا ... (٢٥) [** خاطبه عامية]، لأن الأول دعوى، وهذه دليل عليها، وهو أنهم استدلوا بأمرين:
أحدهما: اختصاصه بالرسالة من [بينهم*]، [ولم يُرسَل هو إليهم*].
والثاني: نسبتهم إليه الكذب [والأشر*]، مع أنه تقرر أن من صفات الله الإرادة، وأنه من حقيقتها الترجيح من غير مرجح، فمن يعتقد هذا فلا يقول: إن الموجب لتخصيص هذا بصفة دون هذا الشخص الآخر، والإضراب بـ بل انتقال، وقولهم كذاب دعوى، ودليل مرتب على الأول أي بل هو كذاب في دعواه الرسالة، وأسر كونه وضع نفسه في غير تهيئة عندهم ومن نزل نفسه غير منزلها فهو أسر مخاصم وسجل عليهم بذكر ثلاثة أمور قبيحة، وهي: هلا كان من غير [جنسنا، ولئن كان فلم اختص دوننا*]، ونحن أفضل منه، فهو ترجيح بلا مرجح، ولكن سلمنا بشريته فأكثره معتبر، ويقع بها الترجيح، لأن البينة ترجح بالكثرة، ونحن أولى بهذا الترجيح، ولأن [إخبار*] الأكثر يحصل العلم ويضعف احتمال الكذب؛ بخلاف خبر الواحد، فإِن قلت: لم قدم الذكر هنا، وأخَّره في سورة (ص)؟ قلت: المقصود بالإنكار في هذه كون الموحي إليه [**ليس يزعم لَا في نفسه] وفي سورة (ص)، لما تضمن ما نص الله تعالى عنهم في قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ)، مقصود إنكارهم وتكذيبه وطعنهم في نفسه أولا قد قدم الذكر.
قوله تعالى: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾
لم لم يذكر المسند إليه هنا كما ذكره في قوله تعالى: (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ)، لا سيما إن جعلنا من موصولة لَا استفهامية.
[ ... ]
قوله تعالى: ﴿فَعَقَرَ (٢٩)﴾
стр. 1416
ظاهره أن العاقر واحد، وفي سورة الشعراء (فَعَقَرُوهَا)، فأسند الفعل للجميع، والجواب: أن المباشر واحد، وسائرهم معين له، وفاعل السبب فكأن جميعهم فاعل لذلك.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾
الأصل تعدي كذب إلى المكذب بنفسه، فيقال: كذبت زيدا. (بِالنُّذُرِ) [بمعنى الإنذار*]، الذي هو المصدر [وهو*] جمع [نذير*]، ويكون من باب [**انحناء للكل].
قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ... (٣٤)﴾
وفي الذاريات (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً)، والجمع بينهما بما أجاب الزمخشري: في قوله تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، وفي آية أخرى (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، قال: شبهها بالحية لسرعة حركتها، وبالثعبان في كبر جرمها، وكذا هنا عبر بالحجارة لكبر جرمها، والحصباء لتزامنها وتداخلها، لأن الحجارة الكبيرة لَا تهبط متزامنة، كما تهبط الحصباء.
قوله تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ).
استثناهم من المرسل عليهم، ولم يستثنهم من قوم لوط، الجواب: أن ذلك متلازم، فإن تكذيبهم في سبب إرسال الحاصب عليهم، ولما أخرجوا من المرسل عليهم الحاصل بسبب وصف التكذيب تضمن إخراجهم معا، أي من المكذبين والمعذبين، وذكر أبو أحيان وجهين في اتصال الاستثناء وانفصاله، فإن جعلناه مخرجا من قوم من ضمير عليهم جاء الاتصال، وقال بعضهم: هو منفصل، وإن كان على تقدير اتصاله، الزمخشري: لأن هؤلاء ليسوا مشاركين لهم في الوصف، فكأنهم جنس آخر، فهو منفصل، وإن كان على تقدير اتصاله، الزمخشري: يحتمل الاستثناء الاتصال، والمراد أنه أرسل على جميعهم العذاب فأهلك الكافرون، وبقي آل لوط، ويحتمل الانفصال، والمراد أنه أرسل على هؤلاء حالة انفصال المؤمنين عنهم انتهى، جعل الاتصال والانفصال راجعين إلى الدخول في معنى العامل، وعندهم راجح إلى
стр. 1417
الدخول فيما تعلق به العامل، كقولك: جاء القوم إلا زيدا، فهو داخل في القوم، وجاء القوم إلا حمارا، فهو خارج من القوم.
قوله تعالى: (نَجَّيْنَاهُمْ).
يدل على الاستثناء من الإثبات ليس بنفي كقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)، وإلا لم يفد إلا أن يجاب بأنه ذكر امتنانا أو تبيينا، لو كان الإنجاء.
قوله تعالى: (بِسَحَرٍ).
هل المراد به أول الليل، أو آخره بعد الصبح بناء على الأخذ بأوائل الليل الأسماء أو آخرها لكن قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً)، يدل على أن الإنجاء آخر الليل، وانظر سر تنكير (سَحَرٍ) وتعريفه، ويحتمل كونه للتعظيم، كما قاله الزمخشري في (وَلَيَالٍ عَشْرٍ).
قوله تعالى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ... (٣٥)﴾
مصدر لَا مفعول من أجله، لأن أفعال الله غير معللة، وهو دليل لأهل السنة في أن إنجاء آل لوط ليس واجبا، بل [محض نعمة وتفضل من الله*]، ولو شاء [عذاب الطائع، ومنع العاصي لفعل*] [فإن*] [ ... ]. إما بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو يكون [لاعتبار*] الأزمان، وتكرار إنذارهم، وكأنه متعدد.
قوله تعالى: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ ... (٤٢)﴾
ليس هو [كقولك*] ضربته ضرب الأمير؛ لاستحالة المعنى لتعدد الضربين في المثال، لأن المعنى ضربا مماثلا لضرب الأمير، والأخذ هنا متحد.
قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ... (٤٣)﴾
هذا كما قال الفخر في القياس التمثيلي أن الدليل على [صحته*] قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، وتقريره في الآية أن يقال لقريش: أنتم تشاركون أولئك القوم في الكفر والتعنت، ومن شارك أحدا في ذنب فهو بصدد أن ينزل به ما نزل [بمماثله*] يلائم القياس التمثيلي، فلا محيد لكم عن ذلك إلا أن يظهر الفارق بين الفرع والأصل، أو نص على وجود الحكم في صورته، كما قالوا: في
стр. 1418
[الغرر*] أنها مستثناة من أصل ممنوع لأجل النص على جوازها مع أن القياس يقتضي منعها، لأنها من بيع الثمر قبل [بدو*] صلاحه، فقيل: لهؤلاء أنتم خير من أولئك، أعني أشد منهم قوة بحيث تقدرون على مدافعة العذاب النازل بكم، وممانعته إن ثبتت في الصحف المنزلة برائتكم من النار وخلوصكم من العقوبات فأنتم مطمئنون من العذاب، فلا يمنع القياس التمثيلي إلا أحد هذين الأمرين، ولا شيء منهما بموجود عندكم [ ... ]. من أولئك، وجوابه: أن خير يستلزم أشد دون عكس الثاني، أن المضاف غير المضاف إليه، وهو منه متحد، لأن جميعهم كفار، وجوابه: أن المخاطب وهو المضاف إليه الرؤساء والمضاف الأتباع، أي لَا أبايعكم أيها الكفرة خص من الأتباع السالفة الكفرة الذين نزل بهم العذاب.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾
الذين حكوا في السير أنه إنما قال: ذلك أبو جهل [ولن يكون*] قاله جميعهم، وخص أبو جهل بالذكر لشهرته أو لعظم [قدره*] عندهم، أو ذكر أبو جهل لابتكاره لهذه المقالة، وابتدائه بها، وأخبر عن الجميع لاتباعهم إياه فيها، فإن قلت: هلا قيل: جميعا منتصر فلم بني على الضمير؟ فالجواب: من وجهين:
إما أنه لمجرد الربط مثل: [**هم يعرشون الليل كالمرة]، وإما ليفيد الاجتماع والانتصار، ولو قيل: جميعا منتصر لأفاد الانتصار، ولو في [حال*] التباعد والاقتران، [فقولهم*]: (نحن) أفاد إتيانهم واجتماعهم حالة النصرة.
قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾
الزمخشري: هذا من موضع واحد، موضع الجمع كبيت سيبويه:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص
ورد أبو حيان: فالبيت حسن ذلك فيها الفصل، وهنا لَا معطي فصل للنهي، بل الرد عليه من ذلك أن ذلك إنما جعله سيبويه من القليل، لأن إضافة الواحد إلى مزيج الجمع فيه قبح لفظي معنوي لاستحالة اشتراك المضاف إليه الذي هو مجموع في مصدره المضاف، بخلاف الآية ليست فيها إضافة، فانتفى فيها القبح اللفظي، وبقي المعنوي، فالمعنى مراد به الجمع كما قالوا في غير هذا إنه [ ... ]، والواحد بالنوع لا بالشخص، كقول الحوفي: وأقل ميراث الابن سدسان، ونصف سدس، [يوجه*] إفراد
стр. 1419
الدبر هنا، وجمعه في قوله تعالى: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)، أنهم تولوا هنا منزلة رجل واحد في النزل فيكون أبلغ، والمراد في تلك توجيه النهي لكل فرد، وأيضا استعمل هنا الأخص في الثبوت، واستعمل هناك الأعم في باب النهي، وهو معنى النفي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾
هذا من تسمية الشيء بما يدل إليه، لأنهم ليسوا الآن في سعر، بل صائرون إليه، فإِن قلت: هو في استعمال اللفظ الواحد في حقيقته، [ومجازه، وهو في السعر*] حقيقة وفي الضلال مجاز، ولأن كونهم في الضلال باعتبار الحصول الحالي.
حدثني ابن أبي الموالي: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ["سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ, لَعَنَهُمُ اللهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللهِ , وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ , وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ يُذِلُّ بِهِ مَنْ أَعَزَّ اللهُ وَيُعِزُّ بِهِ مَنْ أَذَلَّ اللهُ ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحُرُمِ اللهِ ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللهُ "*]، ابن رشد: اللعن هو الطرد والإبعاد من الرحمة، ومن لعنه فقد استوجب النار لبعده من الرحمة، والفيء. [إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ ... (٤٩) *] من قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر، يفسره الظاهر، والآية على هذا حجة على المعتزلة، فإِن أفعالنا شيء فهي مخلوقة لله تعالى لدخولها في عموم كل شيء، قال: ومحتمل أن يكون العامل فيه قدرنا، ويكون خلقناه صفة بشيء، فلا يكون حينئذ دليلا على بطلان قول المعتزلة، قال: ومن قرأ بالرفع فذكر ابن عطية: فيه وجهان:
أحدهما: أن كل شيء مبتدأ وخلقنا وخبره، وعلى هذا يكون حجة على المعتزلة.
والثاني: أن كل شيء مبتدأ وخلقناه صفة بشيء، وبقدر خبر أي كل شيء مخلوق لنا فهو يقدر، وعلى هذا يكون حجة للمعتزلة، وأورد الفخر سؤالا: كيف صح جعل كل شيء مبتدأ وهو نكرة؟ وأجاب: بأن فيه معنى العموم، وقالوا: والنصب في الآية أرجح لأن الرفع يوهم أن يكون خلقناه صفة فيتوهم أن مفهومه أن بعض الأشياء غير مخلوق، ولا مقدر، ابن عطية: قال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قوما (يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم)، لأنهم كانوا يكذِّبون بالقدر، ويقولون: المرء يخلق أفعاله، وإني لأراهم، فلا أدري لشيء مضى قبلنا، أو شيء بقي، وقال أبو
стр. 1420
هريرة: خاصمت قريش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القدر فنزلت الآية، انتهى، القدرية ليسوا مذكورين في السير، إذ لم يحدث أمرهم إلا بعد ذلك، وعليه قالوا إن بعض القدرية أنكر عليه أبو حنيفة مذهبه، وقال: إنه حادث لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو بدعة، فقال له القدري: إن لم تسكت أسألك عن حديث كذا، فسكت لأن أبا حنيفة لم يكن في حفظ الحديث بتلك المنزلة، وكان بعضهم سأل القاضي أبا بكر الباقلاني عن القدرية، أكانوا في الزمن الأول أو لا، فقال: لم يكونوا فيه، فقال: فإِذًا كل واحد منهم مخالف للإبداع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ... (٥٠)﴾
يحتمل أن يريد الثاني أو الكلام، وهو قوله (كُنْ فَيَكُونُ)، والخلق موقوف على الحياة والقدرة والإرادة عقلا، وأما الكلام فمتوقف عليه عندنا سمعا لقوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وواحدة إشارة لعدم الفصل بين الكلام والأمثال لسرعة التكوين.
قوله تعالى: (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ).
تمثيل بأقرب ما يمكن في الأمور الجليات، وإلا فالعقل يهدي إلى أنه أسرع من ذلك وأقرب، وفي آية أخرى (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ)، [فأضافه*] وهنا فصله عن الإضافة، فالجواب: بما قال الزمخشري: في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، أن فيه التفسير بعد الإبهام، واستدل على إثبات القدرة بالاتحاد في قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وبالإعدام في قوله (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)، واتعاظ الإنسان بهلاك صاحبه، أو قريبه أقرب من اتعاظه بهلاك الأجنبي، وأكد هذا لأن المخاطب عليه مخايل الإنكار كما قال تعالى (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ ... (٥٢)﴾
стр. 1421
جعله المفسرون التفاتا، أي لكل شيء فعلتموه، ويكون هذا عاما في قريش، ومَن قبلهم، وغلب فيه المخاطب على الغائب، ويحتمل أن يكون المراد كل شيء فعله هؤلاء [يكون محصى*] عليهم [فعوقبوا*] بالإهلاك، [**وإحصاء]، أي الغير ليعذبوا عليها في الآخرة، والعدم الإضافي داخل في هذا على القول بصحة كونه [أثرا للقدرة*]، ونصوا على أن الترك فعل [**الضرر، فمن منع إنما فعل ما يكن به عن نفسه موته إعطائه] فهو داخل في الآية على هذا.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾
ليفيد التساوي بينهما، وأن تعلق علمه كتعلق علمه بالكبير، وجعلوا هذه تأكيدا لما قبلها، ويحتمل التأسيس بأن يكون هذه راجعة لإحصاء الأقوال، وما قبلها [لإحصاء الأفعال*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾
مقابل لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ)، قوله تعالى: (وَنَهَرٍ) قرئ بضم الهاء على أنه جمع، وبفتحها على أنه اسم جنس، ويكون واحد بالنوع، كقول الفراء ولا يرث عند مالك إلا جدتان، ليس المراد الجدتين بالشخص بل النوع.
قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ... (٥٥)﴾
موصوف إما باعتبار أنه لَا قبيح فيه ولا منكر، وإما باعتبار أنه حق في نفسه لا كذب.
* * *
стр. 1422
سُورَةُ الرَّحْمَنِ ﷻ
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾
قال ابن عطية: [هي مكية فيما قال الجمهور من الصحابة والتابعين. وقال نافع بن أبي نعيم وعطاء وقتادة وكريب وعطاء الخراساني عن ابن عباس: هي مدنية، نزلت عند إباية سهيل بن عمرو وغيره أن يكتب في الصلح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*]، قال ابن عطية: الأول أصح، وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة (وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)، قلت: وأظن ابن عرفة، قال عن بعضهم: أن سؤال سهيل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولعلي بن أبي طالب ﵁، [يدل على*]: أنه أعجمي وليس عربي، قال ابن عرفة: وهذا تردد ويقابل بضرره، لأن سهيلا إنما ذكر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي هو أفصح [الناس فكلمه به هو وعلي بن أبي طالب*] دليل على أنه عربي، فإنكار سهل له إما محض تعنت، وإما لأنه فهم عنهما أنهما ذكراه، وتقدمه [ ... ] عليه، فلذلك أنكر ما قالا، قال ابن عرفة: وذكروا أن الرحمن من المجاز الذي ليست له حقيقة، حسبما ذكره ابن الحاجب، [وقال*]: وفي استلزام المجاز حقيقة خلاف العكس المستلزم لو لم يستلزم [**العربي الوضع عن الفائدة]، الثاني: لو استلزم لكان نحو قامت الحرب على ساق وشابت له الليل حقيقة، وهو شريك الإلزام للزوم الوضع، والحق أن المجاز للمفرد، ولا مجاز في التركيب، ولو قيل: لو استلزم لكان نحو الرحمن حقيقة، [**ونحو عيسى كان قريبا]، ونص إمام الحرمين والأصوليون: على أنه مختص بالله تعالى لَا يوصف به غيره، ونص أبو [ ... ] في أجوبته، والفارسى في شرح الشاطيبة أن المختص بالله تعالى إنما هو مجموع (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال ابن عرفة: وما شبه ذكر هذه الأشياء بغير صفة الرحمن، وما يقولونه: من أن الوجود خير كله، والعدم شر كله، على أنه قد يرد عليه أن النار شر صورة، وهي شر لَا خير فيجاب عنه: بأنه إنما تضر لانعدام ضررها المعادل لها، وهو الماء والبرد، فالشر في انعدام ضدها لَا في نفس وجودها، فمن رحمة الله تعالى بالإنسان وإرادة الخير له أنه أوجده وعلمه القرآن، وأتت هذه مفصولة بغير حرف عطف، لأن كل جملة منها مستقلة بالدلالة على كمال قدرة الله تعالى وعظمته وجلاله بخلاف ما بعدها.
قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾
стр. 1423
قدمت الشمس على القمر لأنها أعظم جرما، وضوء القمر مستمد من ضوء الشمس باعتبار العادة، والأمر التجريبي من الكسوفات، وغيرها لَا بالطبيعة كما يقول أولئك، وعلم الكسوفات ليس من الغيب في شيء، قال ابن عطية: قال ابن زيد: لولا الليل والنهار لم يدرك أحد كيف يحسب شيئا، قال ابن عطية: يريد من مقادير الزمان، قال ابن عرفة: فإِن قلت: أهل الجنة لَا ليل عندهم ولا نهار، فكيف [صحت النسبة إلينا في الدنيا*]، فقال: الليل عندنا نحن لأنا مكلفون بالأعمال، وأهل الجنة ليسوا مكلفين بشيء، ونجد [الإنسان*] في الدنيا إذا كان منهمكا في شهواته ولذاته، يذهل عن الأوقات ولا يعرف ليلا ولا نهارا، فأهل الجنة مشغولون بلذاتهم وتنعماتهم، لأن الدار ليست دار تكليف بوجه، قيل لابن عرفة: هلا كانت الشمس إذا وصلت حد المغيب ترجع حين ترجع إلى حد المغيب، فيعلم بذلك الأوقات، فقال: هذا ممكن ومعرفة ذلك بالليل والنهار، أمكن وأجل، وقال الغزالي: ما في الإمكان أبدع مما كان، يعني أن خلق هذا العالم لَا يمكن أن يكون أحسن من هذه الصفة التي هي مخلوق عليها، وسبقه لذلك عبد العزيز بن مكي في الحياة وألزموه النَّاس على هذا الكفر، وأنكره ابن العربي عليه وغلطه في ذلك، ذكره في سراج المريدين، وأنكره عليه أيضا أهل الأندلس، وكان ابن حمد نص على حرق الإحياء لأجل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾
[إن قلت: الآية المتقدمة قدم العلم على الإنسان لما يرجع لذاته*]، ولما هو خارج عنه، وهذه ليس [فيها*] إنعام ولا امتنان، وإنما هي إخبار عن كمال افتقار كل الحوادث إليه، فأجاب ابن عرفة: بأن [فيه*] إيماء وتذكيرا بدلالة أخرى، لأن من جملة النعم التي أنعم بها على الإنسان [العلم*]، وهو مسلوب عن النبات والجمادات، فإذا كانت تسجد وتضع له فأحرى الإنسان.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ... (٧)﴾
قال ابن عرفة: قلت: ما الحكمة في رفعها مع أنه معلوم إذ لَا فائدة في قول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، فالجواب: من وجهين:
الأول: أن في الآية وعظا وتكليفا، والوعظ رفعه السماء إذ هو دليل على اتصافه بالقدرة وشدة البطش والتكليف، فوضع الميزان وهو العدل في الأرض.
الثاني: أنه دليل على رفعها بغير عمد، كما قال تعالى (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَهَا)، بخلاف ما قيل، والسماء يحتمل أن يكون الرفع لها
стр. 1424
أعمدتها كما هي الكرة لذلك، وكان بعضهم يقول: تضمنت الآية أمرين: اعتقادي عقلي، وشرعي تكليفي، قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا)، إيماء وإشارة إلى التذكير بالآيات السماوية الدالة على الوحدانية، والإيمان بها.
قوله تعالى: (وَوَضَعَ).
راجع إلى التذكير إلى الأمور الشرعية التكليفية، قال ابن عطية: قيل: هو الميزان حقيقة، وقيل: المراد الأخص منه، وهو الكيل إما بالميزان، أو بالكيل، وقيل: المراد الأعم، وهو مطلق [العدل*].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾
تأكيد المقام الوعظ والتكليف، وتخسروا من خسر، قال أبو حيان: وقرأ [الجمهور*] بضم التاء من أخسر، أي نقص، وقرأ زيد بن علي بفتح التاء من خسر يعني أخسر [كجبر وأجبر*]، وحكى ابن جني عن بلا فتح التاء والسين مضارع خسِر بكسر السين، وخرجها الزمخشري: على أن التقدير في الميزان محذوف الجار ونصب، ورد بأنه قدح متعدٍّ بنفسه، كقوله تعالى: (خَسِرُوا أَنْفُسَهُم)، (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)، فلا حاجة إلى تقدير حذف الجر.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾
وقال ابن عطية: الفخار [الطين الطيب إذا مسه الماء فخر أي ربا وعظم*]، وقال الزمخشري: [الفخار*] الطين المطبوخ بالنار، وهو [الخزف*]، قال ابن عرفة: تفسير الزمخشري أحسن، وأما تفسير ابن عطية، فيجيء فيه [تشبيه*] الشيء بنفسه، أو يلزم عليه أن تكون الطينة التي خلق منها آدم ﵇ ليست طيبة الرائحة؛ بل منتنة، قال الفخر ابن الخطيب: إن كل إنسان مخلوق من التراب، لأن أصله من النطفة، والنطفة [مكونة*] عن الغذاء، والغذاء من النبات، والنبات من التراب، ورده ابن عرفة: بأن المراد أصل الخلق، وهذه فروع عنه، قال ابن عرفة: وسيقت الآية لبيان والاستدلال على وجود الصانع وقدرته، وأن الإنسان يستحضر أول مرة [تكونه وانتقاله من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى وجود*].
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾
قال ابن عرفة: جمع الآلاء مع أنها نعمة واحدة، وهي نعمة الإيجاد والإبراز من العدم، قال: وأجيب بوجهين:
стр. 1425
الأول: السؤال ما يرد إلا على قول من يقول: إن الموجود مشترك بين الجميع، وليس هو غير الموجود، وأما على القول بأن الوجود عين الموجود، فيكون لكل واحد وجود مفرد يخصه، فتعددت الموجودات فهي حينئذ [ ... ] متعددة، وهو الصحيح.
الجواب الثاني: أنه من عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة كيفية الإيجاد، قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم)، إذا كان قائلا على أن يخلق على صورة حمار، قال ابن عرفة: وكرر هذا اللفظ في هذه السورة لأمرين: إما لأن كل واحدة نعمة راجعة لما قبلها، فهي تأسيس لَا تأكيد، وإمَّا بأنها تأكيد كذا قال ابن عطية، وقال القرافي في شرح المحصول في اللغات، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أجمع الأدباء على أن التأكيد، لَا يكون أكثر من ثلاث مرات، وقال في شرح [ ... ] اتفقوا على كذا، ولم يقيده بالأدباء.
وقال ابن عرفة: إنما ذلك في المتواليات، وأما حيث يقع الفصل فيحسن تكرار التأكيد خشية نسيان المخاطب، وذهوله بالفاصل عن استحضار مدلوله التأكيد، قال: فما ورد في سورة الرحمن، إنما هو تأسيس لَا تأكيد، قلت: وقال ابن السيد: في [سؤالاته*]، وأما قوله في آخر كل آية من هذه السورة (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، فاعترضه الملحدون بأن الآلاء النعم، فكان يجب أن لَا يذكر إلا بعد ما فيه نعمة مع أنها ذكرت بعد قوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ)، قال: والجواب عنه: أن من أنذرك وخوفك من عاقبة ما تصير إليه فقد أنعم عليك ألا تراه، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وقد علمنا أنه [ ... ] لمن آمن، وقدم لمن كفر فحصل الإنذار رحمة كما جعل البشير، وكذلك قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)
وقوله تعالى: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)، فيه إنعام على الخلق، حين علمهم ما كانوا يجهلونه، وحذرهم ما يمرون إليه، وقد جعل الله التحذير مرادفة، بقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ ... (٢٤)﴾
قال ابن عطية: قال مجاهد: ما له شراع فهو من المنشآت، وما ليس له شراع فليس من المنشآت، قال ابن عرفة: الشراع القلع، وما يشبه الأعلام، إلا إذا كانت بالقلاع، فيظهر من بعيد كالجبل، وحينئذ فيكون فيها كمال الاتعاظ، وأفاد أن هذا
стр. 1426
الخلق ملك الله تعالى ففيها رد على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله وبالتولد، وأن صنعة النجارة متولدة عن فعل العبد، وفعل العبد مخلوق للعبد.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾
الضمير عائد على الأرض، واستثنى بعضهم من هذه الأرواح بأنها باقية بقاء الله ، وعجْب الذَّنَب لما ورد في الحديث: "إنه يفنى من ابن آدم كل جسده إلا عجْب ذَنَبه"، والذَّنَب وهو قدر مغرس الإبرة، ولهذا يقف بعض الفراعنة، قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ)، ومنها ما يبقى، فإن قلت: لم عبر بـ (مَنْ) وهلا عبر بما فإنها أعم لوقوعها على ما لَا يعقل، فالجواب: أنهم ما خالفوا إلا في بقاء من يعقل، لأن الفلاسفة يقولون: إن علم الإنسان لَا يفنى، وأنه لَا يزال باقيا، فإن قلت: لم عبر بالاسم في قوله تعالى: (فَانٍ)، وبالفعل في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، والعكس أولى، فإن البقاء وصف ثابت، والفناء متجدد، فالجواب: أنهم لما خالفوا في الفناء أتى بلفظ الاسم المقتضي للثبوت، والبقاء الثابت لَا يحتاج إلى التغيير فيه بالاسم، وفيه إشارة إلى تصحيح مذهب من يقول إن العرض ما يبقى زمنين، وأنه في كل وقت ينعدم، ويأتي غيره، قال ابن عرفة: المراد البقاء العقلي الذاتي، وهو من خواص القديم، وأما البقاء الشرعي السمعي فيكون من الحوادث كنعيم الجنة، وعذاب أهل النار، فإنه دائم غير منقطع، واعتزال الزمخشري في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، فقال: ومعناه الذي محله الموجودون عن التشبيه بخلقه، وعن أفعالهم، والذي يقال له: ما أجلك وما أكرمك. أو من عنده الجلال والإكرام [للمخلصين*] من عباده، قال ابن عرفة: ونحن نقول مسنده إلى الله تعالى قبحها وحسنها، والجميع حسن عقلا، ولذلك قوله في الصفات.
قوله تعالى: (ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).
فسره الزمخشري: بثلاثة أوجه:
الأولان: لأن فيه شبه الإضافة إلى الفاعل، والأخير فيه شبه الإضافة إلى المفعول، وعقبه بقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، لأن التشبيه على استحضار بقاء الله تعالى واتصافه بالجَلال والإكرام نعمة وتفضيلا، قيل له: وكذلك الفناء لحديث: "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، [وَجَنَّةُ*] الْكَافِرِ"، فقال: لَا يحتاج إلى هذا ومناسبتها مع آخر الآية يكفي ويكون في أول الآية وعظ وتخويف، وفي آخرها نعمة وامتنان.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ ... (٢٩)﴾
стр. 1427
وقال أبو حيان: هو استئناف، وقيل: حال من الوجه، والعامل فيه (يبقي) وهو بعيد، قال ابن عرفة: لأن السؤال في الدنيا، وحينئذ لم يكن ثم مخلوق، بل يكونوا فنوا وماتوا كلهم، قلت: وأجاب الفخر: بأن السؤال من الملائكة بعد فناء أهل الأرض يقولون: ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يشاء، ثم يموتون بعد ذلك، فإن قلت: إن السؤال في الدار الآخرة، قلنا: الآية إنما جاءت لبيان كمال الخضوع والافتقار، والسؤال النافع إنما هو في الدنيا لَا في الآخرة، قال ابن عرفة: وجاهدا على الاصطلاح الذي قال الحوفي في الجمل: إن الطلب إن كان من الأدنى إلى الأعلى فهو سؤال ويسميه الآخرون دعاء.
قوله تعالى: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ).
إن كان المراد بالسؤال بلسان الحال، وهو الخضوع والافتقار، فتكون من عامة في العاقل وغيره، والجمادات وغلب من يعقل ولاسيما على القول، بأن الأعراض لَا تبقي زمنين، وكل جوهر في كل زمن مفتقر الإمداد بالعرض، وإن كان المراد السؤال بلسان المقال، فيكون المراد العاقل حقيقة وتبادل غير العاقل باللزوم، لأن السؤال يستلزم الافتقار والحاجة، وإذا كان العاقل مفتقرا محتاجا مع إمكان توهم قدرته على الضر والنفع، [فأحرى*] غير العاقل.
قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
قال الزمخشري: يسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم، قال ابن عرفة: هذا اعتزال، لأن الملائكة معصومون فهم محتاجون إلى السؤال في الأمر الدنيوي، قال ابن عرفة: ولم يزل الشيوخ يخطئون من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، قال قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) كانا عاملين بالسحر، ولم يعملا به لأن الملائكة معصومون.
قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ).
قال ابن عرفة: هذا تقرر في أصول الدين أن الزمان تارة يضاف إلى [خاص]، لأن الله تعالى يستحيل عليه الزمان، قال ابن عطية: قال النقاش: إن سبب [هذه*] الآية قول اليهود إن الله استراح يوم السبت، فلا ينفذ فيه شيئا، قال ابن عرفة: اليهود هم [ ... ]، لأن الرحمة من عوارض الأجسام، وهذه الآية ترد على اليهود، فإِن المراد باليوم الوقت، وإذا كان في كل وقت، وإن دق في شأن، فأحرى أن يكون في يوم السبت في
стр. 1428
شأن، قيل لابن عرفة: [فقبل أن يخلق الزمان*]، فقال: الشؤون هي الحوادث، فقيل: خلق الزمان ثم [الشؤون*]، قال: وهذه المسألة غلط فيها الإمام فخر الدين في [المحصول*]، لأنه قال في الركن الثاني في تقسيم الموجودات ما نصه: قال المتكلمون: معنى كون الله قد [ ... ] قدر لنا أزمنة لَا نهاية لها لكان الله موجودا معها بأسرها، [ومما يعزز*] ذلك أنه لو اعتبر الزمان في ماهية الحديث وانعدم لكان ذلك الزمان إما قديما، أو حادثا، فإن كان قديما مع أنه ليس في زمان، فقد صار القدم معقولا من غير اعتبار الزمان، وإذا عقل تلك في موضع فلم يعقل في كل موضع، فإِن كان حادثا لم يعتبر في حدوثه زمان آخر لاستحالة أن يكون للزمان زمان آخر، وإذا عقل الحدوث في نفس الزمان من غير اعتبار زمان قليل معه في سائر المواضع، انتهى، قال ابن عرفة: قوله لكان الله موجودا معها غلط فاحش، ولم يقل أحد من المتكلمين، بل قالوا: إن الله موجود قبلها، ولو قدر قبلها زمان فالله تعالى موجود قبله، وتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية له، ونعوذ بالله من زلة العالم، وقوله: إذا عقل إذ [ ... ] في كل موضع لَا نسأله، ومن أين نأخذه، قال ابن عرفة: والصواب أنه لَا يقارن الزمان لَا في الوجود، ولا في التقدير بوجه، وما أحسن قول الإمام المهدي في عقيدته حيث قال: لَا يقال: متى كان، ولا أين كان، ولا كيف كان، ولا مكان دبر الزمان، ولا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، قال: ولذلك غلطه الفخر في المعالم في المسألة الخامسة من الباب الأول التي أولها حكم [صريح العقل*]، بأن كل موجود، إما واجب لذاته، أو ممكن لذاته [ ... ]، ابن التلمساني: هنالك في شرحه، فقال: على أثناء كلامه، ولما اعتقد الفخر صحة الجملة التي ذكرها، أو استعمل نظرة المتقدمات في الاستدلال على إمكان كل ما سوى الله تعالى استشعر النقص بصفات الله تعالى، فقال: مرة هذا مما نستخير الله فيه، [وجزم أخرى*]، وصرح بكلمة لم يسبق إليها، فقال: هي ممكنة باعتبار ذاتها واجبة بوجوب ذاته، وهو ظاهر قول الفلاسفة: فالسر أن العالم ممكن باعتبار ذاته واجب بوجوب مقتضية، ونعوذ بالله من زلة العالم، انتهى. قال ابن عرفة: وقرر في علم المنطق أن الأسرار ثلاثة كل [كقولك*] كل أعضاء الإنسان بدون، وكلي كذلك إنسان نوع من أنواع الحيوان، وكلية كقولك: كل إنسان شخص موجود في زمان ما، وهذا في الآية كلية، ولما حكى الشاشي قضية امرأة عثمان، وأن عبد الرحمن استوثق من علي، ومن عثمان ثم بايع عثمان، فمد عليٌّ يده، وهو يقول (كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ).
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾
стр. 1429
هذا الوعظ والتخويف كما يقول أحدنا لصاحبه سنترك [ ... ]، ونتفرغ إليك، فهو داخل في باب الوعظ والتخويف، [والإله*] قيل: لَا يشغله شأن عن شأن [**قبله]، إشارة إلى أنه لَا يخفي عنه خافية ولا يعجزه شيء، قيل لابن عرفة: فهو دليل على القاضي أبي بكر الباقلاني القائل: [**بأن بلغ مطلقا لَا يبعث] فقال: المشهور أنه يبعث، فقال: المشهور أنه يبعث، أو نقول: بأن [ ... ] مخصوصة به وبمن ليس له ذنب، قيل له: ما حكمه تعقبه بالآلاء، أو النعمة فيه، فقال: هذه غاية النعمة، لأنك إذا زجرت مخاطبك عن فعل، وخوفته بالعقاب عليه، ثم قلت له: سنفرغ إليك بنفس الانتقام منك، يكون أقمع وادعى إلى الانزجار عما هو بصدده.
قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا ... (٣٣)﴾
قال ابن عرفة: جعله ابن عطية نفوذاً معنويا ذهنيا، باستعمال [الفكر*] في السماوات والأرض ليتوصل بذلك إن تحصيل المعلوم، فتكون الآية إلى الأمر الدنيوي، وجعله الزمخشري نفوذا حسيا باعتبار الهروب والسير والشيء فيها، فيكون أمرا آخر، وبإحالة إنذار من عذاب الآخرة، قال ابن عرفة: ويكون جملة على الأمرين إن كان النفوذ للقدر المشترك بينهما، فهو الذهاب الحسي والمعنوي، ويصح هنا لأنه في سياق النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، لأن الآية في معنى نفي الاستطاعة عنهم، وإن كان المراد بالنفوذ الأمر الأخص بكل [واحد من ذينك تحسين*]، فيكون لفظا مشتركا فيجيء فيه تعميم اللفظ المشترك، لكنه في سياق النفي فهو أخف من الإثبات، قال ابن عرفة: قيده بالاستطاعة، ولم يقل إن قدرتم، مع أن القدرة أعم لقوله ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ففاعل الشيء بمشقة قادر غير مستطيع، فأما أن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، قيل له: يبقي القدرة مع مشقة، فقال. يقول: أنهما متساويان، والقدرة أخص.
قوله تعالى: (مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
قال: من لابتداء الغاية وانتهائها، قيل: إن كان النفوذ الحسي فظاهر، وإن أريد النفوذ المعنوي فلا مبدأ له ولا منتهى له، لأن مبدأه من النظر في السماوات والأرض الحسية، ومنتهاه الأمور المعنوية، وهي من غير كرة، فقال ابن عرفة: هي منفية من باب أحرى، لأنهم إذا عجزوا بعدم القدرة عن النظر في الأمر الحسي فقط، فهو شيء واحد، فأحرى أن يعجزوا عن النظر الحسي والمعنوي (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)، فقدم الإنس على الجن،
стр. 1430
فأجاب ابن عرفة: بتعجيز الفصاحة في الكلام والبلاغة، وأكثر ما عهدت من الإنس وهذه تعجيز فالقدرة والقوة وأكثر ما عهد ذلك من الجن.
قوله تعالى: (لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).
إن أريد الأمر المعنوي فالسلطان حجة، والدليل المعنوي، وإن أريد الحسي والسلطان الملك، والدليل الحسي.
قوله تعالى: (لَا تَنْفُذُونَ).
في موضع الحال، قيل لابن عرفة: يلزم عليه المفهوم، فيكون مفهومه أنهم لا يعجزون عنه حالة نفوذهم، فقال: السالبة الجزئية عندهم دائمة بالإطلاق، يقول: لا شيء من الإنسان حمار، قال: ووجه تعقيبها بالآلاء، لأن العاجز عن القيام إذا بطل لنفسه، وكونه قادرا على القعود يستحضر أنه لو كانت قدرته على القعود مستندة لنفسه أقدر على القيام، فدل على أنه لَا حكم، وأن الله تعالى هو الذي أقدره على القعود فحمد الله تعالى على تلك النعمة، وكذلك استحضارهم العجز والقصور عن ذلك سبب في حصول الاتعاظ لهم، والانزجار، وهذه فائدة عظيمة، قيل لابن عرفة: فعلم المنجمين هل هو من هذا؟ فقال: إنما مستندهم فيه لأمور عادية [**تجر بعينه، أو يقول إنه عيب فهو منفي بالآية].
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ... (٣٥)﴾
قيل لابن عرفة: الضمير جمعه أولا، فقال: (إن استطعتم أن تنفذوا ... فانفذوا) وثناه ثانيا، فقال: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا)، فأجاب: بأنه أراد أولا الأشخاص، وهي كثيرة، وثانيا نوعي الجن والإنس، ووجهه أن التعجيز لأشخاصهم، وكل واحد لَا يستطيع النفوذ وإرسال النار على مجموعهم لَا على فرد، لأن فيهم الصالحون والأنبياء فيكون الأول كلية، والثاني كل، قيل لابن عرفة: يلزمك على هذا المفهوم في الأول، إذ لا يلزم من عجز كل فرد عن النفوذ، فقال ابن عرفة: الكلية تستلزم الكل، قيل له: الكلية لا تستلزم الكل، فقال: هذا يستلزم أليس عندنا أن السالبة الكلية ناقضها الموجبة الجزئية، فإذا قلت: [أي شيء من الإنسان حجر*] لزم أن لَا يكون مجموع الإنسان حجرا، قيل له: [**هذا في ذلك يقال]، وقد يقول لَا شيء من بني تميم يرفع الصخرة العظيمة، فلا يلزم الكلية [للكل*]، لأن مجموعهم رفعها، قال ابن عرفة: كون الآية من المقال الأول الذي يستلزم فيه الكلية [للكل*]، وأجاب بعض الطلبة: بأن القضية [هكذا*] في الآية كانت كلا فدخل السلب عليها فنفاها باعتبار الكلية، والكل بخلاف قولك: الإنسان يرفع الصخرة العظيمة، فإنه كل يدخل السلب عليه فنفى
стр. 1431
الكلية، قيل لابن عرفة: إن كان المرسل إليه لزم الإرسال المقصود به الجميع، فكيف يكون المقصود به الجمع، ويقع البعض قرب البعض، فقال: إما كون من الله تعالى ومن يقصد منه إلا البعض، أو يكون أمر الله مَلكا بإرسال العذاب عليهم وقصد الملك بإرسال الجميع، ووقع العذاب بالبعض دون البعض.
قوله تعالى: (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ).
قيل: لونه أخضر، قال ابن عرفة: ولذلك نجده [في لونه*]: إذا عمله في [**النار يظهر تارة لوقته]، وتارة لخضره.
قوله تعالى: (وَنُحَاسٌ).
قيل: هو الدخان، قال ابن عرفة: كانوا في العهود القديمة في تونس يسمون سوق الغلالين الذي بخارج باب قرطبة سوق النحاس، لكثرة الدخان فيه.
قوله تعالى: (فَلا تَنْتَصِرَانِ).
قيل لابن عرفة: انتصر مطاوع انتصره، فانتصر فيستلزم الطلب بنفي استلزام الطلب من الجانبين، وهو حصول النصرة عن طلب من الجانبين فتبقى النصرة على غير طلب غير منفية، فقال ابن عرفة: تنفى من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ ... (٣٧)﴾
الفاء للتعقيب، فإن قلت: لم أفرد السماء، وعرف القرآن جمعها، فأجاب ابن عرفة: بأن السماوات مختلف فيها، فمذهب أهل السنة أنها مفترقة بعضها من بعض، وبينها [**نصا، وخللا كثيرا]، ومذهب المعتزلة أنها متلاصقة مختلطة، فلو قال: إذ شقت السماوات لتوهم انشقاقها بانفصال بعضها من بعض، وأجاب بعض الطلبة: بأن المراد السماء المعهودة التي نحن نشاهدها، وهي سماء الدنيا، ورده ابن عرفة: بأن هذا إخبار عن حال الآخرة لَا عن حال الدنيا، وأجاب غيره: بأن إفرادها إشارة إلى أنه إذا كان انشقاق الواحدة منها أمرا [مهولًا مفزعًا*]، فأحرى المجموع وشبهها بالوردة في الإنسان، لأنه مناسب للون النار التي يقع بها العذاب حينئذ، قال ابن عرفة: وانظر هل التشبيه راجع [إلى الوردة*]، فهل المراد أنها مشبهة بالوردة ولونها، [أو أنها*] مشبهة بالوردة المشابهة للدهان، يحتمل الأمرين، فإِن قلت: هذا قياس على الفروع، وهو ممنوع عندهم، قلت: إنما ممنوع في القصة، وأما في الأصول فهو جائز، ويكون القياس على الفرع حتى [**نشر الفرع]، قيل له: هلا شبهه بالدهان من غير قياس، ولا فائدة،
стр. 1432
إذن في تشبهها بالوردة، فقال: شبهه بالوردة المشابهة للدهان، ولو اقتصر على تشبهها بالوردة، لأفاد الاحمرار فقط، وذكر الدهان يفيد الاحمرار والرطوبة.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ ... (٣٩)﴾
التنوين عوض لها من انشقت، أو من كونها وردة، قيل لابن عرفة: هما متلازمان فقال: بل بينهما مختلف، بدليل عطفهما بالفاء، قال: ويحتمل أن يريد المجموع، أي فيومئذ يرجع ذلك كله، قال: وهذا نظير مسألة وردت من بجاية في مفقود، أخذ القاضي فيه بمذهب ابن القاسم، أنه معمر سبعين سنة، وأثبتوا أن عمره يزيد على السبعين، وحكم القاضي بموته فورثه ابن عم له موجود حينئذٍ، ثم وجد له ابن عم آخر أقرب من الأول، وادعى أن أباه حيا عند بلوغ المفقود سبعين، وأنه يحجب هذا ابن العم الموجود الآن، وأثبت ذلك بالبينة، وطلب الاختصاص بميراث ابن عم أبيه، فهل يرث المفقود ابن عم الموجود حين بلوغه السبعين؟ أو ابن عم الموجود حين الحكم [بموته*]، والمسألة وقعت نظيرتها في كتاب العتق الأول من المدونة فيما إذا أعتق نصف عبده، ثم فُقِدَ السيد، لم يعتق باقيه في ماله، [وأوقف ما رق منه؛ كأنها في ماله إلى أمد لَا يجيء بمثله، فإذا بلغ تلك المدة جعلنا ماله لورثته حينئذٍ، فتكون لوارثه يومئذ إلا أن تثبت وفاته قبل ذلك، فيكون لوارثه يوم صحة ثبوته*]، وظاهرها أن ماله لابن عمه الأول (١)، لكن أجاب ابن عرفة: بأن ثبوته حينئذ يحتمل أن يكون عوضا من جملة [جعلنا يوم الحكم لَا من جملة بلوغ تلك المدة*].
قوله تعالى: (إِنْسٌ).
قال الزمخشري: أي بعض الإنس، أو بعض الجن، قال: وهذا يحتمل أن يكون البعض الآخر، يسأل ولا يسأل، لأنه قد تفرد في علم المنطق، أن ليس بعض قد تكون مبالغة كلية، فيقتضي السلب الكلي، قيل: لو أراد هذا لأخرج الآية عن ظاهرها، ولم يقل: معناه بعض النَّاس، فقال: فسره بذلك ليفيد الجواب: عن سبب نسبه الضمير في قوله تعالى: (رَبِّكُمَا)، قيل له: يفيد هنا أن يقول المراد لَا نسأل [أحدا*] من الإنس عن ذنبه، فقال: كلامه محتمل للتعبيرين، قال: وما لَا ذنب له [تتناوله الآية، ويكون كقوله*]: "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ" قال الزمخشري في قوله (كَالدِّهَانِ)، فقال: هو من الكلام الذي يسمى التجريد كقوله:
فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الْغَنائِمَ أَوْ يَمُوتُ كَرِيمُ
قال ابن عرفة: أراد أنه جزء من الوردة يعني الدهان فقط، ومثله ابن مالك بقوله:
стр. 1433
[ ... ]
ومثلوه أيضا بقوله تعالى: (جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ).
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ... (٤١)﴾
قال الفخر [**في مقاربة المعقول]: المعرفة من باب التصورات، والعلم من باب التصديقات، وكذلك قال ابن الأنباري في شرح البرهان، والقرافي في شرح المحصول، ورد ابن عرفة: بأن القائل: عرفت زيدا حسن، أن يقال له: صدقت أو كذبت وقد فرق المنطقيون بين التصور والتصديق، فجعلوا الصدق والكذب من عوارض التصديق لَا من عوارض التصور، قيل لابن عرفة: إن ابن العربي جعل العلم والمعرفة شيئا واحدا، ذكر ذلك في شرح الأسماء الحسنى فأنكر ابن عرفة، وقال: خالفت فيه النَّاس النحويون والأصوليون، فإنهم قالوا: لَا يصح خلق المعرفة على الله تعالى؛ لأنها توهم تقدم الجهل، وأنه كان العلم أولا ثم عرض عنه [سهوا ونسيانا*]، ثم في المعرفة بعد ذلك، وعليه قال صاحب الجمل في قوله تعالى: (لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم)، لَا تعرفونهم الله يعلمهم، وهذا من حيث الإطلاق فقط، قال ابن عرفة: ففي الآية مأخذان فرعي وأصولي، أما الفرعي فالاكتفاء في أداء الشهادة بالصفة، وهو أن الشاهد إذا رأى شهادته وخطه وعاين صفات المشهود عليه، وقابلها مع ما في الوثيقة، فعلم أنه هو الذي شهد عليه، وأنه يؤدي شهادته، ويقوم بها، ووجه الدليل من الآية أنها اقتضت كون المعرفة بالسيماء سببا في الأخذ بالنواصي والأقدام، قيل لابن عرفة: السيماء هنالك لَا [تتشابه*] على الملائكة، وفي الدنيا تجد الصفات متشابهة، وكثير من النَّاس تتفق صفاتهم، فقال: بين إدراك المشابهة صفة المشهود عليه، وبين حصول العلم له بعد إدراكها أنه هو الذي كان شهد عليه فما كلامه فيه إلا بعد حصول العلم بذلك، وأما قبله فلا خلاف، أنه لَا يحل له، أو لشهادته، قال: وإنما الجواب: أن الدار ليست دار تكليف دار الدنيا، وأما الأصولي فهو التعريف بالخاصة، وقد ذكروا ذلك في المعرفات، والصحيح عندهم جوازه، ونقل ابن الحاجب وغيره عن تفسير السمرقندي منع التعريف بالمفرد، أما الجنس وحده أو خاصة وحدها، قال: والمتقدمون لم يكونوا يعرفون بذلك، وإنَّمَا يعرفون بالمركب من الجنس والخاصة، واختاره ابن الشيرازي شارح ابن الحاجب، والكل على خلافه، لأنهم ذكروا في المعرفات الرسم الناقص.
قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ ... (٤٣)﴾
стр. 1434
أي يقال لهم: هذه جهنم، فالمشار إليه حسي حاضر في الوجود، ويحتمل أن يكون حاضرا في الذهن، ولا يحتاج تقدير القول.
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا ... (٤٤)﴾
أي بين [نارها*] وبين حميم.
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾
يحتمل أن يكون كلية، أو [كلًّا*]، أي لكل الخائفين جنتان، أو لكل واحد جنتان، وهذا [وجه*] ووجه الأول أن يكون كليا، [وتثْنيةُ (جَنَّتَان) باعتبار*] النوع، وإلا فالجنات أكثر من ذلك، وعلى الثاني تكون جنتان [للشخص*]، فيكون لكل واحد جنتان لا يشاركه فيهما غيره، قال ابن عطية: فإضافة القرب فيهما معنوية، أي تهويل ومهابة، كقولك: عبد الخليفة وعبد الحجاج، فالإضافة تكسب المضاف إليه، مهابة أو [تحقيرا*]، قال ابن عرفة: واسم الرب دليل على أنه إذا خاف مع استحضاره وصف الحال، فأحرى مع استحضاره غيره، قال ابن عرفة: وعندي في الآية حذف تقديره، ولمن خاف هول مقام ربه، قال: فإن قلت: لما عبر بالفعل؟ فهلا قال: وللخائف مقام ربه؟ قال قلت: هذا إدخال في باب الرجاء والطمع، إشارة إلى حصول ذلك، لمن اتصف بمطلق الخوف لَا مبالغة.
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾
مع أن سمى العين لَا تصدق [إلا على الجارية*]، والماء الراكد ليس بعين، إشارة إلى أن المراد تجريان حيث يريدون، فذكر الفعل دليل على هذا القدر.
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ ... (٥٢)﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يراد أن طعام أهل الجنة كله فاكهة، ويحتمل أن يكون اكتفى يذكر الفاكهة عن ذكر الطعام والشراب المحصل للقوت، قيل له: إن أهل الجنة ليس فيها ألم حيث يحتاج فيها إلى الطعام المحصل للقوت، فقال: يحتمل أن يكون نفي الألم لملازمة الطعام والشراب، كما نجد بعض النَّاس في الدنيا لَا يذوق في عمره ألم الجوع.
قوله تعالى: (زَوْجَانِ).
قال الزمخشري: ثناهما باعتبار القرابة والكثرة، فأحدهما أكثر معهود في الدنيا، والآخر غريب لم يكن بمعهود في الدنيا، وإلا فقد نجد في الدنيا من كل فاكهة
стр. 1435
أزواجا، قال ابن عرفة: ويكون التنبيه للكثرة مثل (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ)، قيل لابن عرفة: هذه الآية تدل على أن الأفنان في قوله تعالى: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)، جمع فن، فتكون تلك أخبرت عن الأغصان، وهذه عن الفاكهة التي في الأغصان، ولو كانت جمع فن للزم عليه التكرار من هذه.
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ ... (٥٤)﴾
قال ابن عرفة: الاتكاء في الفراش على المرفقة لَا على الفراش، لكن لما كانت المرفقة موضوعة على الفراش استلزمتها، وهذه من لذات الآخرة، وهي في الشرع في الدنيا مكروه حالة الأكل، وقال الغزالي في الإحياء: يجوز الاتكاء في حالة التفكه، ولا يجوز في حالة أكل كل الطعام القوت، واحتج برواية نقلها عن علي وغيره، وإن كانت أدلة الإحياء ورواياته فيها الصحيح، وغيره.
قوله تعالى: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ).
قال أبو حيان: قرئ (وجنى) بالإمالة، قال ابن عرفة: وهذا الذي ذكروا أنها إمالة، ابن عرفة: [**لا تسمع الإمالة إلا في الراء والنون].
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ... (٥٦)﴾
قاصرات أطرافهن على أزواجهن، أو قاصرات أطراف أزواجهن عليهم.
قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ).
قيل لابن عرفة: ما أفاد (قبلهم)، فقال: لاحتمال أن يكون صاحب المنزلة العليا اقتضها، أعني الحور العين، وعرض الأعلى منها، ودفعت هي لمن دونه في المنزلة، فأفاد هذا الاحتمال لكونه.
قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).
قال ابن عرفة: انظر قول الله ، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، فإن المحكوم له هناك أخص وهي كونه من المأوى، وأجاب بعضهم: بأن في تلك الآية تكرمة، فحاصله أنه هناك يرجع إلى الكمية، وهنا إلى الكيفية، لكنه يرد هنا سؤال، وهو لم حكم له هناك بالكمية، وهو هنا بالكيفية؟
قوله تعالى: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ).
стр. 1436
الظاهر عندي أنهن يقصرن أطراف أزواجهن عليهن بكمال حسنهن، لَا ما ذكره المفسرون من كونهن مقصورات على الأزواج، ولا يلزم من قصرهن عليهم كمال حسنهن، فإِن المرأة الشوهاء قاصرة على زوجها مع انتفاء الحسن عنها، [بل*] المعنى أنهن يقصرن طرف أزواجهن عليهن بحسنهن، بحيث لَا يبقى للزوج تشوق إلى غيرهن.
قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ).
قيل لابن عرفة: النفي الماضي تحقيقا أو تقديرا، فما فائدة قولهم [قَبْلَهُمْ) *]: فائدته تشريف الأزواج والاعتناء بهم أولا فوقع الإطناب بتشريفهم ثانيا.
قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾
قال ابن عرفة: قدرها بعضهم على أنها تأكيد وزيادة تنصيص في النعم، لأنه قد تقدم (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، موصوفان بأنهما ذواتا أفنان، فإِن فيهما عينان وزيادة تنصيص في النعم، لَأنه قد تقدم بأن ذلك كله إحسان من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾
قال بعضهم: لَا نسلم أنه من عطف خاص على عام، بل من باب عطف مخالفان، فإن الفاكهة ما يتفكه به، والنخل المعطوف المراد به الشجر لَا ثمرها.
* * *
стр. 1437
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
[قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)
الزمخشري: وَقَعَتِ الْواقِعَةُ كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد القيامة: وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت التي لا بدّ من وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله*]
[ ... ] ليس هذا من قولك: إذا كان هذا إنسانا فهو إنسان، حتى يكون من تحصيل الحاصل، بل هو من نحو قولك: إن كان هذا إنسانا فلا امتراء في إنسانيته.
قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾
قد يؤخذ منه أن أقل الجمع ثلاثة.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾
[أفرد*] هؤلاء مع أنهم من أصحاب اليمين، إما تشريفا لهم فالمراد أن أصحاب الميمنة منهم قوم جاوزوا السبقية، فانفردوا بها عن سائرهم، وإما إشارة إلى السابقين منهم الأولون لَا تقسيم فيهم، ومن عاداهم من الخلق يقسمون إلى أصحاب ميمنة، وأصحاب مشأمة، وتقديم أصحاب الميمنة على القسم السابقين باعتبار الكثرة، إما في نفس الأمر، أو في الخطاب، لأن المخاطبين بالآية أصحاب الميمنة منهم أكثر من السابقين، وتقديمهم على أصحاب المشأمة بالشرف، وتقديم أصحاب المشأمة على السابقين بالكثرة، كما قدموا في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، وقال صاحب [ ... ] الأعمال: السابقون الأنبياء، [وأصحاب*] الميمنة من دونهم من الأولياء والمقربين، قال شيخنا: بل الظاهر أن السابقين أعم من ذلك وهم متقاربون فيما بينهم، بدليل قوله (وَكُنْتُمْ)، فالخطاب للجميع.
وقوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) .. ، قلة من الآخرين، قيل: الثلة مطلق الجماعة، وقيل: يشترط الكثرة، فإِن قلت: ما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وقليل ما هم؟ قلت: هم قليلون في أنهم بالنسبة إلى العصاة، وإما آحادهم في أنفسهم فأولهم كثيرون بالنسبة إلى آخرهم.
قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾
إما آخرها أو آحادها، فهل أخبر أن [واحدة*] منها منظومة، وكل واحد من السرر منظوم مع السرر الأخر.
قوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾
لكيلا [يرى*] كل واحد منهم من الآخر إلا إلى وجهه الذي هو أحسن ما ينظر إليه.
قوله تعالى: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾
стр. 1438
إن قلت: ما أفاد مخلدون؟ قلت: لأن صفة ولدان عارضة يسرع زوالها بصيرورتهم رجالا وشيوخا، فأفاد ذلك وصفهم في الخلود في هذا الوصف.
قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ ... (١٨)﴾
هو أحسن الأواني، وهو في المشرق كثير يسمونه [القدح*]، والترتيب في هذه المذكورات تدلي، لأن الأكواب فسروها الجرار، فهي أكبر [من*] الأباريق، والأباريق. أكبر من الكؤوس، قال الغزالي في آخر كتابه الإحياء: من يشتهي الولادة في الجنة يولد له، وقال عبد الحق: في العاقبة: يمكن أن تحمل وتلد ويشتد الولد في ساعة واحدة، ولكنهم لَا يشتهون ذلك، انتهى، وهذا أمر توقيفي لَا يصح الخوض فيه إلا بنقل صحيح.
قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾
إن قلت: هلا قيل: مما يختارون، لأن تفعل يقتضي تكلف الفعل، واختار يقتضي مجرد وقوع الفعل دون تكلف، قلت: المراد لازم التكلف، وهو كون الشيء المختار في أعلى درجات الحسن، فهي دلالة التزام لَا دلالة مطابقة، وعكس الفخر، وليس بصواب، فإِن قلت: لم خص التخيير بالفاكهة، والشهوة بلحم الطير، قلت: لأن ما يتفكه به يكون متنوعا متعددا، فتناسب التخير بخلاف لحم الطير، وأيضا فإن الفواكه قربته منهم، فإنها في الأشجار بين أيديهم، والطير بعيد عنهم، والعادة أن الشيء إذا كان قريبا فإِن الإنسان يسأم منه، وعمل فيتخير فيه بخلاف ما هم بعيد، فإِنه لا يخير فيه بل يشتهيه.
قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾
قرئ (وَحُورٍ عِينٍ) فلعله مراعاة لعين، وإلا فحور جمع [حوراء على وزن حمراء*]، وهو جمع [**على حمى].
قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ ... (٢٣)﴾
إن قلت: لم أتى هذا على الوجه الأضعف في التشبيه، لأن الأبلغ فيه قولك: أسد، ثم قولك: زيد كالأسد، فالجواب: أنهن لَا يشبهن اللؤلؤ إلا في وجه واحد، وهو صفاؤه وإشراقه، لَا في جميع صفاته، لأن منها كونه دقيق الحلقة، جمادا لا يعقل، وجمع أمثال لجمع الحور.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ... (٢٥)﴾
стр. 1439
هذا يعبر عنه البيانيون، لأنه من باب نفي الشيء بإيجابه، مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ، وإن شئت قلت في العبارة: أنه من باب نفي الشيء نفي لازمه، والمعنى واحد لأن قوله لَا يهتدى بمناره، يوهم في الظاهر أن له منارا، أو كذلك قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا)، يوهم أن فيها لغوا وتأثيما غير مسموع لهم، والمقصود أنه ليس هو فيها بالأصالة، وفي سورة الطور (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)، فلا يقال: لَا يلزم من نفي السماع نفي الوقوعِ، وذكر عدم السماع، لأن ما بعده وهو سماع السلام، وهذا كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)، فيقال: ما أفاد ذكر السيارة مع دخولهم في مدلول (لكم)؟ فيجاب: بأنه ذكر لأجل ما بعده من ذكر، ولما كان السيارة بفرضيته الترخص والتخفيف عليهم نص عليها مع دخولهم في قوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ)، واللغو أعم من التأثيم، لأنه قد لا يكون فيه إثم، فقدم عليه كما قدم في قوله تعالى: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)، وقوله تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، [لإفادة*] المساواة بين اللغو والتأثيم، أو ليدل الكلام مرتين بالمطابقة والالتزام.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾
كررها في أول السورة وهنا، فهو إما أجمل أولا وفصَّل هذا، وذكره أولا من حيث الإجمال، وهنا من حيث [الجزاء*] المرتب عليه، والمراد [أن*] من يأخذ كتابه بيمينه، أو أصحاب اليمين محلهم عن يمين العرش، والأول أظهر، وقال عياض في الإكمال في كتاب الإمارة في حديث: " [إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ *] "، قال المفسرون: أصحاب اليمين أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل: يسلك بهم يمينا إلى الجنة، وقيل: لأن الجنة عن يمين النَّاس، وقيل: سموا بذلك، لأنهم [ميامين*] (١) على أنفسهم، وبعده أصحاب الشمال، وقيل: لأن أودعهم أول الخلق جانب آدم [الأيمن*]، وبعده أصحاب الشمال، انتهى، والمناسب حمله على مطلق الصحة ليتناول الملازم من باب أحرى، وذكر السدر [(٢٨)] إما لما قالوه: إن بعض النَّاس يتمنى أن
стр. 1440
يكون له في الجنة السدر، وإمَّا لأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان مثل ذلك في الجنة محصلا للنعيم، ونوعا من أنواعه، فأحرى ما هو أعلى منه. ومخضود، قيل: لَا شوك فيه، وقيل: لَا ثمر فيه، فعلى الأول: يكون الوصف بـ (مخضود) [حاجيًّا*] وعلى الثاني: يكون [تكميليا*]، واختلف الزمخشري وابن عطية في مسمى الطلح، فقال الزمخشري: شجر أم غيلان، وقال ابن عطية: شجر السدر، والصحيح الأول، وجعل السدر [ظرفا لهم*]، لأنه أشجار متعددة، وهم بينها، [وفي حديقتها*] وهي محتفة بهم.
قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾
أي لأنه تقلص فيه إذ لا شمس هنالك فكلها ظل.
قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾
وقال قبلها (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ)، والتخيير على الكثرة، إذ لَا يتخير الإنسان إلا في الكثير، وتلك للسابقين، ففاكهتها كلها متخيرة، وهذه لمن دونهم ففاكهتها كثيرة يتخيرون فيها، والترتيب في هذه على سبيل الترتيب الوجودي، لأنه أول ما يدخل الإنسان [جنته*] في الدنيا، ينظر إلى أشجارها ثم يجلس في ظلها، [فينظر*] إلى الماء الجاري تحتها، ثم يطلب الفاكهة ليأكل منها، ثم إذا أكل يستريح، فيطلب الفرش لينام عليه (وَأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ)، وهذا [وأمثاله*] (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ)، (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)، سؤال وهو أن المعلوم في أحد جزئي الجملة الابتدائية، يكون مبتدأ، والمجهول خبرا، لأن الخبر هو الجزء المستفاد من الجملة الابتدائية، وقد أتى أصحاب اليمين في الجملة الأولى مبتدأ، وفي الثانية خبرا، فإِما أن يكون معلوما أو مجهولا، وعلى كلا الأمرين فالسؤال وارد، وأجيب: [بأنه*] معلوم من حيث التصور، فصح كونه مبتدأ، ثم أخبر به بضمنه دلالته على التهويل والتعظيم، فإن قلت: إن ذلك إنما أتى مجموع العلة الدالة عليه وعلى إرادة الاستفهام، وكلامنا في الإخبار به وحده عن أداة الاستفهام، فالجواب: أن مجرد الإخبار به تعظيم؛ [كقوله*]: أنا أبو النجم وشعري شعري.
قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾
ابن عطية: المخضود هو قطع شوكه، الزمخشري: هو الذي لَا شوك له، كأنه خضد شوكه أي قطع، انتهى، وهذا أحسن لإفادته أنه [لم يخلق*] فيه شوك أصلا، وبدأ