الظاهر عندي أنهن يقصرن أطراف أزواجهن عليهن بكمال حسنهن، لَا ما ذكره المفسرون من كونهن مقصورات على الأزواج، ولا يلزم من قصرهن عليهم كمال حسنهن، فإِن المرأة الشوهاء قاصرة على زوجها مع انتفاء الحسن عنها، [بل*] المعنى أنهن يقصرن طرف أزواجهن عليهن بحسنهن، بحيث لَا يبقى للزوج تشوق إلى غيرهن.
قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ).
قيل لابن عرفة: النفي الماضي تحقيقا أو تقديرا، فما فائدة قولهم [قَبْلَهُمْ) *]: فائدته تشريف الأزواج والاعتناء بهم أولا فوقع الإطناب بتشريفهم ثانيا.
قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾
قال ابن عرفة: قدرها بعضهم على أنها تأكيد وزيادة تنصيص في النعم، لأنه قد تقدم (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، موصوفان بأنهما ذواتا أفنان، فإِن فيهما عينان وزيادة تنصيص في النعم، لَأنه قد تقدم بأن ذلك كله إحسان من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾
قال بعضهم: لَا نسلم أنه من عطف خاص على عام، بل من باب عطف مخالفان، فإن الفاكهة ما يتفكه به، والنخل المعطوف المراد به الشجر لَا ثمرها.
* * *
стр. 1437
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
[قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)
الزمخشري: وَقَعَتِ الْواقِعَةُ كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد القيامة: وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت التي لا بدّ من وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله*]
[ ... ] ليس هذا من قولك: إذا كان هذا إنسانا فهو إنسان، حتى يكون من تحصيل الحاصل، بل هو من نحو قولك: إن كان هذا إنسانا فلا امتراء في إنسانيته.
قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾
قد يؤخذ منه أن أقل الجمع ثلاثة.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾
[أفرد*] هؤلاء مع أنهم من أصحاب اليمين، إما تشريفا لهم فالمراد أن أصحاب الميمنة منهم قوم جاوزوا السبقية، فانفردوا بها عن سائرهم، وإما إشارة إلى السابقين منهم الأولون لَا تقسيم فيهم، ومن عاداهم من الخلق يقسمون إلى أصحاب ميمنة، وأصحاب مشأمة، وتقديم أصحاب الميمنة على القسم السابقين باعتبار الكثرة، إما في نفس الأمر، أو في الخطاب، لأن المخاطبين بالآية أصحاب الميمنة منهم أكثر من السابقين، وتقديمهم على أصحاب المشأمة بالشرف، وتقديم أصحاب المشأمة على السابقين بالكثرة، كما قدموا في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، وقال صاحب [ ... ] الأعمال: السابقون الأنبياء، [وأصحاب*] الميمنة من دونهم من الأولياء والمقربين، قال شيخنا: بل الظاهر أن السابقين أعم من ذلك وهم متقاربون فيما بينهم، بدليل قوله (وَكُنْتُمْ)، فالخطاب للجميع.
وقوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) .. ، قلة من الآخرين، قيل: الثلة مطلق الجماعة، وقيل: يشترط الكثرة، فإِن قلت: ما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وقليل ما هم؟ قلت: هم قليلون في أنهم بالنسبة إلى العصاة، وإما آحادهم في أنفسهم فأولهم كثيرون بالنسبة إلى آخرهم.
قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾
إما آخرها أو آحادها، فهل أخبر أن [واحدة*] منها منظومة، وكل واحد من السرر منظوم مع السرر الأخر.
قوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾
لكيلا [يرى*] كل واحد منهم من الآخر إلا إلى وجهه الذي هو أحسن ما ينظر إليه.
قوله تعالى: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾
стр. 1438
إن قلت: ما أفاد مخلدون؟ قلت: لأن صفة ولدان عارضة يسرع زوالها بصيرورتهم رجالا وشيوخا، فأفاد ذلك وصفهم في الخلود في هذا الوصف.
قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ ... (١٨)﴾
هو أحسن الأواني، وهو في المشرق كثير يسمونه [القدح*]، والترتيب في هذه المذكورات تدلي، لأن الأكواب فسروها الجرار، فهي أكبر [من*] الأباريق، والأباريق. أكبر من الكؤوس، قال الغزالي في آخر كتابه الإحياء: من يشتهي الولادة في الجنة يولد له، وقال عبد الحق: في العاقبة: يمكن أن تحمل وتلد ويشتد الولد في ساعة واحدة، ولكنهم لَا يشتهون ذلك، انتهى، وهذا أمر توقيفي لَا يصح الخوض فيه إلا بنقل صحيح.
قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾
إن قلت: هلا قيل: مما يختارون، لأن تفعل يقتضي تكلف الفعل، واختار يقتضي مجرد وقوع الفعل دون تكلف، قلت: المراد لازم التكلف، وهو كون الشيء المختار في أعلى درجات الحسن، فهي دلالة التزام لَا دلالة مطابقة، وعكس الفخر، وليس بصواب، فإِن قلت: لم خص التخيير بالفاكهة، والشهوة بلحم الطير، قلت: لأن ما يتفكه به يكون متنوعا متعددا، فتناسب التخير بخلاف لحم الطير، وأيضا فإن الفواكه قربته منهم، فإنها في الأشجار بين أيديهم، والطير بعيد عنهم، والعادة أن الشيء إذا كان قريبا فإِن الإنسان يسأم منه، وعمل فيتخير فيه بخلاف ما هم بعيد، فإِنه لا يخير فيه بل يشتهيه.
قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾
قرئ (وَحُورٍ عِينٍ) فلعله مراعاة لعين، وإلا فحور جمع [حوراء على وزن حمراء*]، وهو جمع [**على حمى].
قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ ... (٢٣)﴾
إن قلت: لم أتى هذا على الوجه الأضعف في التشبيه، لأن الأبلغ فيه قولك: أسد، ثم قولك: زيد كالأسد، فالجواب: أنهن لَا يشبهن اللؤلؤ إلا في وجه واحد، وهو صفاؤه وإشراقه، لَا في جميع صفاته، لأن منها كونه دقيق الحلقة، جمادا لا يعقل، وجمع أمثال لجمع الحور.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ... (٢٥)﴾
стр. 1439
هذا يعبر عنه البيانيون، لأنه من باب نفي الشيء بإيجابه، مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ، وإن شئت قلت في العبارة: أنه من باب نفي الشيء نفي لازمه، والمعنى واحد لأن قوله لَا يهتدى بمناره، يوهم في الظاهر أن له منارا، أو كذلك قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا)، يوهم أن فيها لغوا وتأثيما غير مسموع لهم، والمقصود أنه ليس هو فيها بالأصالة، وفي سورة الطور (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)، فلا يقال: لَا يلزم من نفي السماع نفي الوقوعِ، وذكر عدم السماع، لأن ما بعده وهو سماع السلام، وهذا كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)، فيقال: ما أفاد ذكر السيارة مع دخولهم في مدلول (لكم)؟ فيجاب: بأنه ذكر لأجل ما بعده من ذكر، ولما كان السيارة بفرضيته الترخص والتخفيف عليهم نص عليها مع دخولهم في قوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ)، واللغو أعم من التأثيم، لأنه قد لا يكون فيه إثم، فقدم عليه كما قدم في قوله تعالى: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)، وقوله تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، [لإفادة*] المساواة بين اللغو والتأثيم، أو ليدل الكلام مرتين بالمطابقة والالتزام.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾
كررها في أول السورة وهنا، فهو إما أجمل أولا وفصَّل هذا، وذكره أولا من حيث الإجمال، وهنا من حيث [الجزاء*] المرتب عليه، والمراد [أن*] من يأخذ كتابه بيمينه، أو أصحاب اليمين محلهم عن يمين العرش، والأول أظهر، وقال عياض في الإكمال في كتاب الإمارة في حديث: " [إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ *] "، قال المفسرون: أصحاب اليمين أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل: يسلك بهم يمينا إلى الجنة، وقيل: لأن الجنة عن يمين النَّاس، وقيل: سموا بذلك، لأنهم [ميامين*] (١) على أنفسهم، وبعده أصحاب الشمال، وقيل: لأن أودعهم أول الخلق جانب آدم [الأيمن*]، وبعده أصحاب الشمال، انتهى، والمناسب حمله على مطلق الصحة ليتناول الملازم من باب أحرى، وذكر السدر [(٢٨)] إما لما قالوه: إن بعض النَّاس يتمنى أن
стр. 1440
يكون له في الجنة السدر، وإمَّا لأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان مثل ذلك في الجنة محصلا للنعيم، ونوعا من أنواعه، فأحرى ما هو أعلى منه. ومخضود، قيل: لَا شوك فيه، وقيل: لَا ثمر فيه، فعلى الأول: يكون الوصف بـ (مخضود) [حاجيًّا*] وعلى الثاني: يكون [تكميليا*]، واختلف الزمخشري وابن عطية في مسمى الطلح، فقال الزمخشري: شجر أم غيلان، وقال ابن عطية: شجر السدر، والصحيح الأول، وجعل السدر [ظرفا لهم*]، لأنه أشجار متعددة، وهم بينها، [وفي حديقتها*] وهي محتفة بهم.
قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾
أي لأنه تقلص فيه إذ لا شمس هنالك فكلها ظل.
قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾
وقال قبلها (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ)، والتخيير على الكثرة، إذ لَا يتخير الإنسان إلا في الكثير، وتلك للسابقين، ففاكهتها كلها متخيرة، وهذه لمن دونهم ففاكهتها كثيرة يتخيرون فيها، والترتيب في هذه على سبيل الترتيب الوجودي، لأنه أول ما يدخل الإنسان [جنته*] في الدنيا، ينظر إلى أشجارها ثم يجلس في ظلها، [فينظر*] إلى الماء الجاري تحتها، ثم يطلب الفاكهة ليأكل منها، ثم إذا أكل يستريح، فيطلب الفرش لينام عليه (وَأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ)، وهذا [وأمثاله*] (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ)، (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)، سؤال وهو أن المعلوم في أحد جزئي الجملة الابتدائية، يكون مبتدأ، والمجهول خبرا، لأن الخبر هو الجزء المستفاد من الجملة الابتدائية، وقد أتى أصحاب اليمين في الجملة الأولى مبتدأ، وفي الثانية خبرا، فإِما أن يكون معلوما أو مجهولا، وعلى كلا الأمرين فالسؤال وارد، وأجيب: [بأنه*] معلوم من حيث التصور، فصح كونه مبتدأ، ثم أخبر به بضمنه دلالته على التهويل والتعظيم، فإن قلت: إن ذلك إنما أتى مجموع العلة الدالة عليه وعلى إرادة الاستفهام، وكلامنا في الإخبار به وحده عن أداة الاستفهام، فالجواب: أن مجرد الإخبار به تعظيم؛ [كقوله*]: أنا أبو النجم وشعري شعري.
قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾
ابن عطية: المخضود هو قطع شوكه، الزمخشري: هو الذي لَا شوك له، كأنه خضد شوكه أي قطع، انتهى، وهذا أحسن لإفادته أنه [لم يخلق*] فيه شوك أصلا، وبدأ
стр. 1441
بالمحل، فإن لذة الإنسان به أشد من لذته بالمأكل والمشرب، لملازمته للمحل دون المأكل.
قوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾
بدأ بالمقطوعة؛ لأنها أعم من الممنوعة، لأن الممنوعة قد تكون موجودة ويمنعون منها، والمقطوعة ليست موجودة ألبتة، ونفي الأعم عندهم أخص من نفي الأخص، والقاعدة عند البيانيين في الترتيب البداية بالأخص، ثم بالأعم، فمقطوع أعم من ممنوع، فنقيضه لا مقطوع أخص من نقيض لا ممنوع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾
التأكيد بـ (إِنَّ) إما لأن على المخاطب تحايل الإنكار، أو لأنه جواب عن سؤال، وقد ذكر ابن مالك: في وجوه التأكيد كون الكلام جوابا عن سؤال مقدر، وأنشد عليه:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ... إِنَّ ذاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ
وهو من قول بشار.
وعبر بالإنشاء لأنه خلق مبتدأ لم يسبق بشيء؛ كما [يقول*] الأصوليون، إن الإنشاء هو اللفظ الذي لَا يثبت معناه [لثبوت متعلقه*] بخلاف الخبر، فإن معناه ثابت قبل ذلك، وكذلك أيضا الإنشاء هنا مخالف للإنشاء المتقدم، لأنه تركيب غير قابل للعدم، [**والجزم بخلق الله تعالى]، لأن العقل اقتضى ذلك كما تقول المعتزلة.
وقوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) .. ، إن أريد الحور العين فجعل بمعنى خلق، وإن أريد الآدميات، فهي بمعنى [صيَّر*]، لأن البكارة فيهن مسبوقة بالثيوبة، والآدميات أفضل لامتيازهن عن الحور العين، بالطاعة في الدنيا، [ويحتمل*] كون الحور العين أفضل، كما يجوز أن ينعم الله العاصي، ويعذب الطائع، فقد يكون [المفضول*] عندنا أفضل عند الله تعالى، الزمخشري: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) [نضدت حتى ارتفعت*]، ومرفوعة على [الأسِرَّة*]، وقيل: هي إلينا لأن المرأة يكني عنها بالفراش، وعلى التفسير الأول اضمر لهن، لأن ذكر الفراش، وهي المضاجع دل عليهن، الطيبي: يحتمل أن يريد إضمار لفظة (لهن)، أي أنشأنا لهن، ويحتمل أن يكون الضمير في (أنشأناهن) عائدا على النشأ لدلالة الفراش عليهن، لملازمتهن للفراش، انتهى، هذا أنسب لما قاله المفسرون.
قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾
стр. 1442
إما موضع الحال أي أترابا حالة كونهن لأصحاب اليمين، وإما متعلق بـ (أترابا)، أي هن من تراب أصحاب اليمين الرجال، أي النشأ أتراب الرجال في السن والقد، فإن قلت: تقييده بأصحاب اليمين على كل تقدير [ينفي*] ذلك على السابقين، وقد قال في تنعيمهم (وَحُورٌ عِينٌ)؟ قلت: أصحاب اليمين أخفض رتبة من السابقين، فإذا ثبت لهم هذا فأحرى [للسابقين*].
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾
أي جماعة من الأولين في الجنة، وجماعة من هذه الأمة فيها، قيل: في الجمع بينها على هذا، وبين قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)، أجيب: احتمال أن يريد أهل الجنة بالنوع لَا بالشخص، أي منكم الثلثان، [ومنهم*] الثلث، فأنتم أكثر من كل أمة على حدتها، قيل: بل [ظاهره*] أنهم أكثر من مجموع الأمم، أجيب: بأن الثلة مقولة بالتشكيك تطلق على الجماعة الكثيرة والقليلة، ولا تنافي بين الاثنين.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾
هذه الآية وأمثالها حجة لمن جعل الصحبة حقيقة في معناها الأخص لَا الأعم، فإن قلت: نقلها عندهم من التواطؤ أو التشكيك، فهي في الأخص أولى، قلت: إذا تعارض حمل اللفظ على معناه حقيقة أو بطريق التواطؤ أو التشكيك، فحمله على الحقيقة أولى، فإن قلت: لعله مشترك، أو منقول اصطلاحا من المعنى الأخص إلى الأعم، قلت: من شرط النقل اتفاق أهل الاصطلاح على الشيء الذي نقل إليه، كما في الصلاة والنكاح والغائط، والمحدثون مختلفون في مسمى الصاحب، وسماهم أصحاب الشمال، لما في حديث الإسراء في آدم ﵇: "أنه [عَلَى*] يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ"، أو لغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿فِي سَمُومٍ ... (٤٢)﴾
стр. 1443
ابن عطية: هو الريح الحارة، الزمخشري: أي في حر نار تنفذ في المسام، انتهى، هذا أقرب إلى اللفظ، وهذا مقابل لنعيم أصحاب اليمين، [مقابل*] بثلاثة أوصاف: لأن السدر المخضود، والطلح المنضود، كالشيء الواحد، فإِن قلت: لم قدم الظل الممدود هنا على الماء المسكوب، وأخره هنا على الحميم المقابل للماء المسكوب؟ فالجواب: أن السموم وهي الريح الحارة تحدث وهجا ولهبا في الجسم فيلجئون إلى تبريدها بشرب الماء، فيجدونه حميما، فحينئذٍ يلجئون إلى الظل فالاحتياج إلى الماء أشد منه إلى الظل، بخلاف حالة النعم، فإِن المأكل فيها رطب لَا يلجأ إلى شرب الماء، فالحاجة إلى الماء تكميلية، والظل ملازم للجنة والشجر، فلذلك قدم.
قوله تعالى: [(وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) *]
فإِن قلت: هلا قيل (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ)، [حارٌّ ضارٌّ*]، فلم أتى به منفيا؟ فأجاب الزمخشري عليه [باستعماله في معناه الأخص*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾
علل عذاب هؤلاء ولم يعلل نعيم هؤلاء، لأن الثواب عندنا محض تفضل من الله تعالى، لَا جزاءً عن العمل، والعقاب محض عدل، وجزاء عن السيئات، وهذه أجزاء علة واحدة، وليست عللا متعددة، والآية حجة لمن يقول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وحجة لمن يقول: إن عذاب أهل النار، ونعيم أهل الجنة حسي، ورد على من زعم أنه معنوي، وهو قول حكاه الفخر في المعالم بأن [ ... ]، فإِن قلت: لم قال مترفين [(٤٥) *] فعبر بالاسم؟ [وعادتهم*]: يعبرون بالفعل، قلت: إنه إشارة إلى تزايدهم في الأمر، أو أنهم مهما أتاهم النبي ﷺ بمعجزة أظهروا لها [**إنكارا يخصها] وزاد في تعنتهم، وأما الإتراف فهو ملازم لهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا ... (٤٧)﴾
هذا فرق، لأن الوصف الأول تضمن تنعمهم بالحرام، والثاني: [الكفر بالإسلام*]، لإضافة الشريك إليه، وهو أشد، والثالث: نسبته إلى العجز عن إعادة المعدوم، وهو أشد من الأولين، فإِن قلت: لم قدم التراب على الطعام مع أن صيرورتهم ترابا في الوجود الخارجي متأخر عن صيرورتهم عظاما؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أن التراب بالنسبة إلى لحومهم فقط، وهو مقارن للعظام.
الثاني: أن الإنكار تعلق بإعادتهم بعدما صاروا ترابا وعظاما، فيدل من باب أحرى على إنكار الإعادة من الجسم الذي كله تراب، فإِن قلت: هؤلاء قالوا: أينا نبعث بلفظ
стр. 1444
الفعل، فيكون [إنكارًا لمطلق البعث*]، فيستلزم إنكار البعث المؤكد، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فالجواب: أن هذا من الإنكار الأخص لَا من إنكار الأخص، وتقريره أنه إنكار لَا يستلزم الأخص، [لأن إنكار الأخص، كمن أنكر قيام زيد*] المدلول عليه بقول القائل: إن زيدا قائم فأحرى أن ينكر قيامه المدلول عليه بقولك: قام زيد، فإِن قلت: ما الفائدة؟ فلو قدموا إنكار بعث آبائهم لكان أعم فائدة؛ لأن إنكارهم بعث آبائهم لَا يستلزم إنكارهم بعث أنفسهم، لأن آبائهم صاروا رميما، وطالت مدتهم، فلا يلزم من [استبعادهم*] بعثهم استبعادهم بعث أنفسهم بخلاف العكس؟ فالجواب: أن المستحيلات كلها متساوية لَا يقال في بعضها: إنه أولى، كاستحالة اجتماع النقيضين، فإِنه متساو في الجميع، فإِن قلت: إنما ذلك في المستحيلات العقلية التي تكلم فيها الحكماء، ومن له بصيرة، وهؤلاء لم يكن لهم معرفة بالعلوم [فلذلك نفوا البعث والإعادة*]، ولا شك أن المستحيلات بالإعادة متفاوتة فاستحالة بعث آبائهم أولى وأشد من استحالة بعثهم هم، فالجواب: أن ما نفوا ذلك إلا [عقلا*]، ولهم إدراك في ذلك، وأما الوجود فهو بالنسبة إلى الممكن متفاوت فإِطلاقه على الأب أولى من إطلاقه على الابن، وبالنسبة إلى الواجب شيء واحد لَا تفاوت فيه، وكذلك المستحيل عقلا واجب لَا تفاوت فيه من تعلقاته، لكن يجاب عن هذا كله بأن تعليل الحكم [بوصف*] حاصل أقوى من تعليله بوصف مقدر، فاستحالة بعث المعدوم الحصول أقوى من استحالة بعث ما قدر انعدامه، وهذا ذكره المنطقيون فقالوا: القضية المحصلة تنعكس كنفيها، وعكس النقيض [ ... ]. أخبار العذاب النازل بهم فناسب مفاجأتهم بالخطاب، لأنه أقوى، أو نقول هذا خطاب لمن [قاد*] المبطلين، كما أن عقوبة أبو الحسين البصري من المعتزلة أشد من عقوبة سائرهم، لأنه أول من [أقر*] حجج المبطلين، وكذلك هنا الخطاب لقريش [وأهل*] مكة، فإِنهم الذين [كفروا*]، وكانوا يأتون بالعظم الرميم، فيقولون هذا يبعث ويرجع حيا، والمهلة إما زمانية أو معنوية، أو هما معا، فيجيء فيه تعميم المشترك، إن كانت مشتركة، أو استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، إن كانت حقيقة في أحدهما مجازا للأخر، أو للقدر المشترك بينهما، والضال أعم من المكذب، لأن كل مكذب ضال، ولا ينعكس، فالمعتزلة ضالون مطلقا، وليسوا مكذبين إلا عند من يكفرهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾
стр. 1445
الفاء للتعقيب، وهذا احتراس، فإن الأكل من الشيء القبيح لَا يستقبح منه ما قل، باعتبار العادة، إذ قد يكون في الدنيا للتداوى والاستكثار من ذلك غير معهود، فإِن قلت: لم قال: البطون، ولم يقل بطونكم؟ قلت: إشارة إلى أنهم لَا يأكلون في بطونهم المعهودة، بل في بطون أخر، لحديث "يعظم خلق الكافر في جهنم"، وجواب الفخر بحديث: "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد"، يرد بأن الحالة في هذه الدنيا والآخرة، ويجاب أيضا: بجواب آخر، وهو إشارة إلى أنهم لَا يراعون أنها بطونهم، فيتحفظون عليها من كثرة الأكل؛ بل يرضونها ويحثونها، ولا يتحفظون عليها، [ولا يتركون فيها فراغا للنَّفَس*]، حتى [كأنها*] بطون غيرهم، وفي سورة الصافات نظير هذه الآية وتقدم الكلام فيها.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾
يحتمل أن يراد التصديق الأصلي، أو المنطقي، فالأصلي من أقسام الخبر، لأنه هو الخبر المطابق، والمنطقي هو الحكم على الماهية بنفي أو إثبات، وهو ضد التصور، فإِن أريد تصديقهم بمقتضى هذا الخبر، وهو نحن خلقناكم فهو الأصلي كما تصدق زيدا في قوله: قام عمرو فإن أريد اعتقادهم أن لَا فاعل إلا الله فهو المنطقي، وهو أمر عقلي، والأول سمعي، ولولا للتخصيص، وذكر ابن بابشاذ وفي مقدمته أنها مع العاصي للتوبيخ، وجعلها ابن عطية: للتفريع والتقرير.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾
قيل: المراد به آدم ﵇، لأنه خلق من تراب، فالاستدلال به على جواز الإعادة أقوى بالاستدلال من خلقنا نحن من النطفة، رد بأن خلق غير آدم عن عدم صرف فهو أقوى في الاستدلال مما خلق عن وجود.
قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾
стр. 1446
وقع الإنكار هذا [ترديد*] بين خلقهم، وخلق الله تعالى، وفي سورة الطور (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، بالترديد بين خلقهم من غير شيء، وخلق أنفسهم، والجواب: إن هذه مانعة الجمع، فإن قلت: لم عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني بالاسم؟ قلت: كان المقصود بالأول نفي الخلق عنهم، فناسب الفعل، لأنه مطلق يصدق بصورة، فإذا انتفى [عم*]، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والمقصود بالثاني: ثبوت الخلق لله تعالى، فناسب الاسم للثبوت والدوام، الزمخشري: ومنها دليل لمن يقول بالقياس، انتهى، يريد بالقياس المنطقي المضاد للتصور، وليس مراده الأصلي؛ لأن هذا ليس بقياس تمثيلي، وإنما هو استدلال.
قوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ... (٦٠)﴾
دليل على أن الموت أمر وجودي بناء على أن العدم الإضافي لَا يكون [أثرا*] للقدرة.
قوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾
فيه رد على [الطبائعيين*] القائلين: بأن النفوس البشرية ألفت أجسادها بالطبيعة، ولو تركبت في غيرها لما أمكن ذلك عندهم، ونحن نقول: الأجساد كلها متساوية في الحد والحقيقة.
قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾
جاء على الأصل في كون الجملة الأولى: فعلية، لأن المراد نفيها، والثانية: اسمية؛ لأن المراد ثبوتها.
قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ... (٦٥)﴾
(لَوْ) حرف امتناع، قال النحويون: امتنع الثاني لامتناع الأول، ونص عليه ابن السراج، وابن مالك، وغيرهما، وأبو حيان في أول البقرة، وقيل: بل المراد أن الأول امتنع لامتناع الثاني، نص عليه ابن التلمساني، وابن الحاجب في شرح مفصل الزمخشري، وفي تأليف له خاص [**لوجد أن عن النحويين ما تقدم]، واختار هو أن الأول تمنع لامتناع الثاني، فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، معناه [أن امتناع*] عمرو من القيام دلني على امتناع زيد منه، فهو باعتبار العلم والاعتقاد ينتفي فيها الأول لانتفاء الثاني، وباعتبار السببية، والوجود الخارجي ينفي الثاني لانتفاء الأول، وقرره ابن الحاجب بأن انتفاء السبب لَا يدل على انتفاء المسبب، لجواز أن يكون ثَمَّ أسباب
стр. 1447
أخر، وانتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب، فإِنما يمتنع الأول لامتناع الثاني، لأن امتناع الثاني هو السبب، فيدل انتفاؤه على انتفاء السبب الأول.
قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).
دل امتناع الفساد على امتناع الإلهية، وبدليل جواز، قولنا: لكان حيوانا فيقتضي كونه إنسانا لانتفاء الحيوانية، ولو كان كما قاله النحويون: لما [جاز*] أن يتكلم بذلك، انتهى، ويلزمه أيضا انتفاء اللازم لانتفاء الملزوم، لأن كونه حيوانا لازم لكونه إنسانا والحال الكلام عليها في الكتابين لما يرجع إلى هذا، والمقصود إنما هو العلم لا الوجود الخارجي، فعلمنا بأن النبات لم يجعل حطاما، دليل على أن الله تعالى لم يشأ حطاما، ولو شاءه لوقع كذلك.
قوله تعالى: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ).
أي تعجبون وتقدمون، وتقولون (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) .. ، أي لملزومون [غرامة ما أنفقنا*]، وقيل: أي لمهلكون، والأول أصوب، لأن الإضراب يكون فيه الثاني أشد وأقوى من المضروب عنه، ولا أشد من الهلاك.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ .. (٦٨)﴾
عين هنا المشروب، وقال: فيما سبق (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ)، ولم يقل: أفرأيتم الحب الذي تحرثون؛ لأن المحروث شيء واحد، وهو الحب، والمشروب متعدد فاللبن مشروب، وكذلك العسل، قال تعالى (يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ)، فإِن قلت: لم قال (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ) بلفظ الماضي، وقال: قبله (أَأنتُمْ تَزْرَعُونَهُ) بلفظ المستقبل؟ فالجواب: أن المراد أفرأيتم ما الذي أنتم متمكنون من شربه، والتمكن من شرب الماء متأخر عن [البذر حتى تحرث]، فإن قلت: يعارض هذا التقدير بأن الزراعة أيضا [متقدمة*] على الحرث، لأن الحب المحروث كان قبل ذلك زرعا، ثم صار حبًّا، قلت: يلزم على هذا الدور التسلسل، وذلك محال، لأن الحب المحروث متأخر عن كونه زرعا، وكونه زرعا متأخر عن كونه حبا، وكونه حبا متأخر عن كونه زرعا، إلى [ما لا*] نهاية [ ... ].؛ عمله فلذلك أكد جعله الزرع حطاما باللام، ولم يؤكد جعل الماء أجاجا؛ تأكيدا لكمال قدرة الله تعالى، وأنه لَا يعجزه شيء، وأجاب الزمخشري: بوجهين آخرين:
стр. 1448
أحدهما: أن اللام أدخلت في الأولى جوابا، ثم حذفت في الثانية، وهو مرادة في المعنى اكتفى بذكرها أولا، وأنشد عليه:
حتى إذا الكلَّاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طلبا
أراد لم أر كاليوم، والكلاب [صاحب الكلاب*]، والمطلوب الصيد، والطالب الكلب يمدح كلابه، أي لم أر في القوة كالطالب، وفي الضعف كالمطلوب، الثاني: أن اللام في المطعوم للتأكيد، لأن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى المشروب، ألا ترى أنك إنما تسقي [ضيفك*] بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت نحو قول أبي العلاء، أي دخلت تحت قوله:
[إذا سقيت ضيوف النّاس محضا ... سقوا أضيافهم شبما زلالا*] (١)
أي إذا سقيت الضياف اللبن المحض، وهو غير المخلوط بالماء سقوهم أضيافهم الماء الخالص، فهو يذمهم على فعلهم ذلك، فإِن قلت: لم عقب نعمة المشروب بالشكر، ولم [يعقب*] نعمة المأكول مع [أن*] الإنسان مأمور في الشرع بالشكر، عقيب الأكل وعقيب المشروب؟ فالجواب: إن الأكل والشرب متلازمان، إذ لَا يكون الشرب غالبا إلا عقيب الأكل، فالأمر بالشكر إليه أمر بالشكر على الجميع، أي أفلا تشكرون على الأمرين معا، وخص هذا بالشكر، وقال قبله (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ)، ذلك محل اعتبار وتذكر، وهذا محل شكر وحمد.
قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا ... (٧٢)﴾
عبر هنا بالإنشاء، وقال: قيل (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ)، لأن ذلك الخلق مسبوق بنوعٍ ومثالٍ تقدَّمَه، وهذا ابتدائي إنشائي لم يسبق بشيء، فلذلك عبر عنه بالإنشاء، وقال هنا: (أَنْشَأْتُمْ) بلفظ الماضي، كما قال تعالى (أَنْزَلْتُمُوهُ)، فيرد السؤال المتقدم، والجواب كالجواب، والنار هل هي الجمرة، أو عرض قام بها، أو أي شيء هو الصواب، إنما هي جواهر لطيفة تحللت بين أجزاء الفحمة، بدليل أن الجمرة تستقر في الأرض، والنار من قواعدهم ترتفع إلى فوق كنار السراج، وبدليل عدم كونها في الحجر، لأن أجزاءه متراصة لَا خلل فيها، فالنار تحلل أجزاءها، وتحل فيها كما حلت الروح في الجسم، مع أنها جوهر لطيف [مسكنه العلو*]، وأما النار التي تخرج من الزناد، فلم تكن فيه؛ بل خلقها الله تعالى فيه عند القدح؛ لئلا يلزم عليه مذهب القائلين بالكون والظهور، ويحتمل أن تكون انفصلت من الزناد أجزاء تبدلت أعراضها عند القدح بإعراض النار، وقول ابن عطية في قوله (شَجَرَتَهَا) قيل: الشجرة، هي النار نفسها لا [يقال*] يلزم عليه إضافة الشيء إلى نفسه، لأنه من إضافة الأعم إلى الأخص، وهو جائز عندهم.
стр. 1449
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ... (٧٣)﴾
الزمخشري: أي تذكركم بنار الآخرة لتعتبروا، انتهى، إنما المراد أنها تذكركم بوجود الصانع لها ووحدانيته، واتصافه بصفات الكمال، [وكونها*] أخرجها من الشجر الأخضر، وأنها لَا تحرق [بالطبع*]، ولو كانت كذلك لما فارقها الإحراق، ويبعد لما قال الزمخشري: ومثله لابن عطية، لأن الدار الآخرة إنما علمناها، وعلمنا نارها، وعذابها سمعا لَا عقلا، فعبر بالاسم لملازمتهم للمداهنة، ثم قال (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ... (٨٢) .. ، فعبر بالفعل [لتجدد الرزق*]، وتكرره واختلاف أنواعه.
قوله تعالى: ﴿الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾
ابن عطية: الحلقوم مجرى الطعام، وعند الفقهاء: مجرى النفس فقط، وهي الكرجومة، ومجرى الطعام هو [البلعوم، وهو [**أبو حشيشة]، ويسمونه المريء.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾
قيل: أي لَا تبصروننا، وقيل: لَا تبصرون ملائكتنا، قال السلمي في التذكرة: هذه الآية تبطل مذهب المجسمة [لأنا نرى*] أشخاصا متعددين يموتون في مواضع شتى متباعدة في زمن واحد، فلو كان الله تعالى جسما، للزم عليه حلول الواحد في الزمن الواحد في أماكن متعددة، انتهى، ويجاب بلزوم مثله في ملك الموت، لأنه جسم، وهو الذي يتولى قبض الأرواح كلها، والدنيا بين يديه كالطبق بين يدي من يأكل منه.
قوله تعالى: [(غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) *]
أي غير مملوكين، ولا مقهورين.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢)﴾
عبر عنهم بوصفهم، وقال قبلها (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)، فعبر عن الفريقين بحكمهم، فهلا قيل هنا: وأما إن كان من أصحاب الشمال، أو نحوه، والجواب: أنه عبر عن الأولين بحكمهم، لأنه لو عبر عنهم بوصفهم [لأوهم أن*] ما رتب على ذلك من الثواب جزاء عما اتصفوا به من الطاعة، ومذهبنا أن الثواب على الأعمال محض [تفضل*] من الله تعالى، وعبر عن هؤلاء بوصفهم إشارة إلى أن تعذيب العاصي عدل، وجزاء عن عمله، فإن قلت: لم قدم التكذيب على الضلال، وقال في أول السورة (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ)، فقدم الضلال؟ فالجواب: أن الضلال أعم من التكذيب، فيصدق على الضلال عن نفس الحق، [وعلى*] الضلال عن طرقه ودلائله، فبدأ هناك بالأعم
стр. 1450
على الأصل، وبدأ هنا بالأخص، ووصفه بالضلال معرفا بالألف واللام التي للعهد مرادا به أخصه فهم عالمون مباهتون كافرون عنادا، ضالون عن الحق لَا عن دلائله وطرقه، أجاب الفخر: بجوابين آخرين:
أحدهما: أن المراد هناك بالضلال إصرارهم [على*] الحنث العظيم، وهو الشرك بالله تعالى، والمراد بالتكذيب تكذيبهم الرسول في الحشر، والبعث بقولهم (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، فجزاء على ترتيبه فيما قبلها جعل المتقدم [مقدما*]، وأما هنا فالمراد بها المكذبون بالحشر الضالون عن طريق الخلاص والنجاة، ويرد بأن ذلك كذب لَا تكذيب، ويجاب: بأنه مستلزم للتكذيب.
الجواب الثاني: أن الخطاب في الأول للكفار، أي (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ) بالشرك المكذبون الرسالة، والخطاب في هذه مع النبي ﷺ ، أي وأما إن كان من الذين كذبوك فضلوا لسبب ذلك، فقدم تكذيبهم تكرمه له ﷺ حيث بين أقوى سبب في عقابهم [تَكْذِيبُهُمْ*]، ويدل على أن الخطاب له ﷺ .
قوله تعالى: فيها (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ).
وهذا ينتج له بالعكس، لأنه يكون [ترقيا*] في وصف الذم، فهو أحسن من التدلي، [وإنما*] الجواب: ما تقدم.
قوله تعالى: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)﴾
فيه سؤال، وهو أن النزل أول ما تقدم للضيف عند قدومه، وقد أخبر عنهم أولا أنهم [إنما*] يشربون الحميم بعد أكلهم من شجرة الزقوم، فهو [ثانٍ لا أول*]، وجوابه: إما بأنهم يشربون الحميم أولا ثم يأكلون الزقوم، ثم [يعاودون*] شرب الحميم، وإما بأن هذا [ ... ]، فجعل أول متناولهم الحميم، كما نجد بعض النَّاس [يفطر*] على بعض الأشربة، ثم يأكل الطعام بعد ذلك.
قوله تعالى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾
أبو حيان: هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، فيجوز عند الكوفيين، والبصريون يقدرون مضافا، أي حق الخبر اليقين، ابن عطية، قيل: إنه من باب دار الآخرة، ومسجد الجامع، وقيل: مبالغة وتأكيد؛ كقولك هذا يقين اليقين، وصواب الصواب، أي نهايته، وهو أحسن لأن دار الآخرة يقدر فيها مضافا، أي دار النشأة الآخرة أو [الرجعة*] الآخرة، وهذا لَا يتجه هنا، بل المعنى أن الخبر هو يقين اليقين، [وحقيقته*]، انتهى، تقرير الفرق بينهما أن الحق إما أعم من اليقين، أو مساو له، ولا يصح أن
стр. 1451
يكون أخص منه، فإن كان أعم منه فهو ما قلناه: ولا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن كان مساويا لزم أحد الأمرين، إما كون الأحكام الشرعية كلها يقينية، وهو باطل، وإما كونها ليست حقا، فهو باطل، فهو أعم من اليقين بلا شك.
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ ... (٩٦)﴾
هذا الخطاب عام في كل من قرأ هذه الآية، لأن الآيات العامة التعلق، إنما يخاطب بها العموم عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا"، انتهى، هذا الحديث خرجه عبد الحق في الأحكام، وصححه وضعفه ابن القطان.
* * *
стр. 1452
سُورَةُ الْحَدِيدِ
قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ... (١)﴾
الزمخشري، والطيبي: ورد التسبيح في القرآن بلفظ الماضي، والمضارع والأمر [والمصدر*]، وقال (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)، انتهى، والتسبيح إما حقيقة [ويقع*] على أنواع، لأنهم متنوعون إلى ملائكة وإنس وجن، وإما مجازا، وقرره بوجهين:
أحدهما: أن هذه الجمادات والأشجار إذا نظر إليها الناظر المعتبر، وفكر في إبقائها لأحكامها يعتقد أن لها خالقا متصفا بصفات الكمال، منزها عن النقائص، فهي سبب في التسبيح، ولا يصح أن تكون هي مسبحة حقيقة، لئلا يلزم عليه أحد أمرين، [إما*] وقوع التسبيح من الجماد، وإما قيام الحياة بالجماد، وكلاهما باطل، لأنه حالة التسبيح حي ليس [بجماد*].
والثاني: أنها مسبحة بلسان الحال؛ [لافتقارها*] في كل زمان إلى الاستمداد بالعرض من الطعم، واللون، والرائحة، وهذا هو الذي حكى المازري في الجوز في قضيته مع الشيخ أبي الحسن اللخمي، لما قال المازري: إن الموجودات كلها تسبح فألزمه اللخمي أن الحصى يسبح، وقال: نعم، ويدخل تحت عموم قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، نفسها [والأرضون*] إلا الفلك الأعلى المحيط بها، فإِنه ليس مما فيها، وعطف الأرض على السماوات تأسيس، وقلنا: والسماء بسيطة لأنها ليست مما في السماوات، وتأكيد إن قلنا: إنها [كورية*]، وتنوع التأكيد [لأن دخولها في السماوات لا يدركه كل النَّاس*]، بل الأفراد منهم والعلماء، وهل التسبيح معنوي بلسان الحال، أو بلسان المقال؟ وكما تقرر أن الوجود على أربعة أقسام: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، فإِن قلت: التسبيح إنما هو معنوي علمي، ولو كان بلسان المقال للزم عليه قدم العالم، لأن العالم [ ... ] قلت: هذا لَا يصح، لأنا نقول: إنه تعالى سبح نفسه بنفسه واللام في (لله) للعلة، والمعلول هو الله [تقديره*] سبح لله لأجل الله، أي نزه ذاته لذاته، وإن حمل التسبيح على لسان الحال، فلا تخصيص، وإن حمل على [لسان المقال*]، فيخصص بمن [يتأتى*] منه التسبيح، ولهذا أسند التسبيح للمظروف دون الظرف، في قوله تعالى: [(مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) *].
стр. 1453
قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
العزة الامتناع، وهو قسمان: إما يكون الشيء قليلا في ذاته لَا يمكن أن يكبر كثيرا، أو إما بكونه لَا يقدر أحد على الوصول إليه، والتسبيح يقتضي اتصاف الله تعالى بصفات الكمال لَا بعده عن النقائص، فهو ممتنع عن النقائص مرتفع عن درجتها فناسب العزة، ثم إن الصفات قسمان: ثبوتية وسلبية، والصفات السلبية أسهل من الصفات الثبوتية، ولأجل هذا لم يخالف أحد في السلبية، واختلفوا في الثبوتية، فأنكرها المعتزلة، وأثبتها أهل السنة، والحال أيضا اختلفوا فيها، فمنهم من أنكرها، ومنهم من أثبتها، ومنهم من وقف فيها، والتسبيح من الصفات السلبية، فإذا عقبت معناه السلبية بالعزة، وهو امتناعها من أن تعلم، ويدرك كنهها مع سهولتها، فأحرى الثبوتية [المخالفة لها*]، فإن قلت: المشاكلة بين المعطوفين، فإن المعطوف عليه جملة فعلية، والمعطوف جملة اسمية، قلت: المشاكلة معنوية ولفظية، فاللفظية الإعرابية، وهي مفقودة هنا، وأما المشاكلة المعنوية فموجودة، وتقديرها أن التسبيح معلل بمضمون جملة (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، أي سبح لكونه ذا العزة والحكمة، وهو دليل مدلول وبينهما تناسب في المعنى، فلذلك حسن العطف دون المشاكلة اللفظية.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٢)﴾
المراد بالملك إما المصدر، أو المملوك.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ ... (٣)﴾
تقرر في المعقول أن الأولية على ثلاثة أقسام: إما بالزمان، أو بالوجود، أو بالذات، فبالزمان كالأب مع الابن، وبالوجود كالصانع بالنسبة إلى [مصنوعه*]، وبالذات كحركة الإصبع والخاتم في زمان واحد، إذ لو كان أحدهما قبل الآخر، للزم عليه تداخل الأجسام، وهو دخول الإصبع في جسم الخاتم، فدل على أن أولية الإصبع على الخاتم بالذات، والأولية هنا في الآية إما بالذات، أو بالموجود فقط.
قوله تعالى: (وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ).
الظاهر بما نصب من الأدلة الدالة على وجوده، وكمال صفاته، الباطن: فلا يدرك أحد كنه صفاته، ابن عطية: الباطن بلطفه وغوامض حكمته، وباهر صفاته التي لا تدركها الأوهام، الزمخشري: الباطن لكونه غير مدرك بالحواس، ورد بها على أهل السنة الذين جوزوا رؤية الله تعالى في الدار الآخرة بحاسة البصر، الطيبي: عن صاحب الانتصاف جوابه: أن هذه أدلة سمعية لَا تنتج إلا الظن، فما يصح الاستدلال بها في
стр. 1454
الأمور القطعية، الاعتقادية انتهى، يرد بلزومه في [غير هذا*]، لأن كثيرا من قواعد أصول الدين استدلوا فيها بالأدلة السمعية، ويجب الإيمان بها، وقبولها إلا أن يقال: إن الأدلة السمعية كثرت وانضاف إلى هذا الدليل السمعي دليل آخر حتى صار قريبا من القطعي، فحينئذٍ يتم ذلك، وإنما جاء هذا من تفسير الباطن لما قال الزمخشري، وأما على تفسير ابن عطية: فيسقط احتجاجه بالآية، ويجاب نصا: بأن هذه الصفة عامة في الأشخاص مطلقا في الأزمنة والأحوال، فيصدق وصفه بالباطن على نفي الرؤية في الدنيا فقط، وله أن [يجيب*] بأن هذه الصفات المعنوية التي لَا تقارن الذات فيستحيل عليها التبدل والزوال، وقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، احتج بها المعتزلة على نفي الرؤية، وأجاب أصحابنا: بأنه إنما نفى الإدراك، وهو أخص من [مطلق الرؤية*]، وإنما يلزم نفي الرؤية، لو قال: [لَا تناله الأبصار*]، فإن قلت: [ما*] الحكمة إدخال الواو فهلا قيل: [(الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ) *]، فالجواب: أن الصفات عندهم إذا كانت متقاربة المعنى كانت بغير واو، وإن كانت متضادة المعنى فصل [بينها بالواو*] في الآية، قلت: معناها الجمعية، انتهى، أراد أنك إذا قلت: رأيت زيدا الخياط الحسن الفَارِه، أفاد الجمعية في الذات بمعنى أنه جمع هذه الأوصاف، وإن قلت: الخياط والنجار والحسن، أفاد الجمعية في الذات، بمعنى أنه في كل زمن له حسن، وخياطه، وفراهة، والله سبحان وتعالى موصوف بالأزلية حين اتصافه بالآخرية، وموصوف بالظهور حين اتصافه بالخفاء، قالوا: والأولى والثانية للجمع بين الصفتين، والواو الثانية للجمع بين مجموع الصفتين الأوليين، وبين مجموع الصفتين الآخرتين، وهذا احتراز من أن تكون الثانية للجمع بين الصفات الثلاث، والواو الثالثة للجمع بين الصفات الأربع، فقوله تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ)، جملة أصل في نفسها مستقلة، وقوله (وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)، جملة أخرى مستقلة، فعطف الباطن فيها على الظاهر من عطف صفة مفردة على صفة مفردة، ثم جمعت الواو بين الجملتين، فتقول: جاء زيد الخياط، والنجار، والنساج، والجزار، لأنه لَا يمكنه الجمع بينها في زمن واحد، وتقول: جاء زيد المصلي، الصالح، [الداعي*]، الخاشع، لاجتماعها فيه في زمن واحد، وانظر ما قال الزمخشري في قوله تعالى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ)، وما ذكروا في قول الشاعر:
[النازلين بكلّ مُعْتَركٍ ... والطيِّبُون مَعَاقِدَ الأُزْرِ*]
وتكلم عليها السماكي.
قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ).
стр. 1455
ابن عطية: هذا من العام الباقي على عمومه، انتهى، قال شيخنا: وكانوا يحكون عن الفقيه أبي فارس الزروالي عن الإمام أبي عمرو بن الحاجب، أنه قال: الأحسن يمتثل ذلك بآية يؤخذ منها حكم شرعي، قال: ومثاله قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، قال: وأخبرت به شيخنا أبا عبد الله محمد السبطي، فقال: الآية مخصوصة بمسلم له اختار ابنة نصرانية، فالمشهور أنه لا يزوجها من نصراني، لقوله تعالى: (مَا لَكُم مِنْ وَلَايَتِهِم مِن شَيْءٍ)، وقيل: إن له ذلك، فعلى هذا القول تكون الآية مخصوصة بهذا، قيل للسبطي: إنما معنى الآية ولا تنكحوا المشركات المسلمات، فأجاب: بأنهم ذكروا في صورة التخصيص كونه بالبدل أو بالاستثناء، أو بالصفة، والمسلمات هنا صفة لأن تقريره ولا تنكحوا النساء المسلمات، قيل: وهي أيضا مخصوصة بإنكاح المسلم [لبنت*] الكتابية من مشرك، على أن هذا قد اتفق عليه، وكذا قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)، [بأنه*] على عمومه إلا أن يقال: إنه مخصوص [بقوله*] (من النساء)، فيجاب: بأن ذلك ليس استثناء بل هو من أصل اللفظ، وكذا قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزَنَى)، عام، ومثله بعضهم بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، ورد عليه [بالمكرَه على الزنا، لأنه لَا يجلد*]، قال شيخنا: ومثاله الحقيقي عندي قوله تعالى: (مَنْ يُضلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... (٤)﴾
إسناد الفعل بطريق الخبر يتضمن الدعوى في أمرين:
أحدهما: مجرد إسناد كمن قام به، والثاني: برهان كون هذا المسند إليه أهل للإسناد الحقيقي كقولك: صنع فلان قوسا يرى، أو تقول: صنع فلان قوسا، فالأول: يقتضي الإسناد، والبرهان، وهو كونه محكما في صنعته غاية بحيث لَا يصدر عن غيره، والثاني: ليس إلا مجرد الإسناد، فهل الآية من الأول، والثاني؟ فإن قال المجيب من الأول أخطأ، وإن قال من الثاني أخطأ، ولا بد من التفصيل، فيقال: إن نظرنا إلى أول الآية فمن الثاني، وإن نظرنا إلى آخرها، لقوله تعالى: (فِي سِتةِ أَيَّامٍ)، فمن الأول، وخص الستة.
قال القرافي: لأنها أول الأعداد التامة، لأن لها نصف وثلث وسدس، وذلك يساوي جملتها، إذا جمعت تلك الأجزاء، والعدد على ثلاثة أقسام: تام الأجزاء كالستة، وناقص الأجزاء [كثمانية*]؛ لأن ثمنها ونصفها وربعها سبعة، وزائد الأجزاء كاثني
стр. 1456
عشر نصفها وربعها وسدسها، وحذف سدسها خمسة عشر حسبما ذكره العدديون، وذكر القرافي في قواعده: والخلق في مقدار هذه الأيام لَا فيها؛ إذ لَا أيام حينئذ، ولا شمس ولا قمر، وتحديد الخلق بهذا المقدار مع قدرته تعالى على أن يخلقها كلها في زمن واحد، [منهم من وقف فيه*]، وقال: لَا يدرك حكمته إلا الله ، وفيه تنبيه للإنسان على [التأني*] في أموره، والاهتداء والطمأنينة، كما ورد في الشرع ذم العجلة، قال تعالى (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)، وقال: (وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولًا).
قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ... (٦)﴾
أي يولج الليل في زمن النهار، أي أن الزمان الذي كان نهارا يصير بعضه ليلا، والزمان الذي كان ليلا يصير بعضه نهارا، وهذا إن قلنا: إن الأرض بسيطة، فهو متحد في كل البلاد، وإن قلنا: إنها [كورية*] فهو بحسب الأقطار، فإِيلاج كل قطر بحسبه، ونظير هذه الآية في سورة لقمان، وسيأتي الكلام فيها.
[قوله تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ .. (٧) .. ، قيل: ما أفاد المجرور وهو (مِنْكُمْ)؟
أُجيب بأن ذكره يتضمن إزالة الوحشة عن المخاطب، إذ كان سبق منه كثرة الرد والطعن في الإسلام، فصرح به ليقضي شوق المخاطب*]، [لما كان صدر منه فاستعار له الإسلام*].
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ ... (٨)﴾
إما خطاب للمشركين أو للمؤمنين، أي ما لكم [لَا تدومون*] على إيمانكم، ويحتمل أن يكون خطابا للمنافقين الذين آمنوا في الظاهر، وكفروا في الباطن، الفخر: فيها دليل [للمعتزلة*] على أن العبد له قدرة واختيار، إذ لَا يقال ذلك إلا لمن يتمكن من [الفعل*] كما لَا يقال ما لك [لَا تَطُولُ وَلَا تَبِيضُ*] نقله عن القاضي عن الجبار، ويجاب: بأن ذلك إنما يقتضي أن للعبد في الفعل الكسب، وهو العلم بما في الفعل من مصلحة، أو مفسدة، وهو مذهبنا وحقه أن يقول فيها رد على المجبرة القائلين: بأن الإنسان حركته كحركة العرضي، الفخر: وفيها دليل على أن معرفة الله تعالى، والإيمان به لَا [يجبان*] إلا بالسمع، انتهى، أما ما يرجع إلى ذات الله تعالى وصفاته فمستفاد من العقل، وما يرجع إلى المعاد والدار الآخرة [فمستفاد*] من السمع.
قوله تعالى: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ).
стр. 1457
أعربوه حالا، ولا يرد عليه أن الشيخ في دلائل الإعجاز صرح بأن الموصوف [بوصف*] إذا توجه نحو الإنكار، لَا يلزم ثبوت الإنكار عليه مع عدم ذلك الوصف، مثاله قولنا: مالك يضرب زيدا، وعمرو حاضر، فلا يلزم منه إنكار ضربه مع غيبة عمرو عنه، وهنا في الآية أنكر عليهم عدم الإيمان مع الرسول داعيا لهم، ولا يلزم منه ذلك مع عدم الدعوة، فالجواب: أن الرسالة لما كانت لازمة الإيمان لَا ينفك عنه لم يتصور حصول إيمان بدونها، الزمخشري: الرسول يدعوكم إليه [وينبهكم عليه*]، انتهى، اعتزل في لفظ [وينبهكم*]، لأنه يقول: إن العقل وحده لَا يستقل بالدلائل على معرفة الله تعالى مع السمع، ونحن نقول: واحد منهما دليل على ذلك مستقل، فجعل هنا السمع منبها على ما فات العقل، ومذكرا لما نقصه.
قوله تعالى: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ).
الزمخشري: حيث ركبت فيكم العقول [ونصب*] لكم الأدلة، ومكنكم [من*] النظر، وأزاح عللكم، فما لكم لَا تؤمنون، ابن عطية: أخذ عليكم العهد حين الإخراج من ظهر آدم يوم قال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُم)، انتهى، هذا ظاهر من لفظ الميثاق بعيد من المعنى، والأول ظاهر في المعنى بعيد من لفظ الميثاق، ونقل الفخر هذا التفسير عن عطاء، ومجاهد، والكلبي، وضعفه بأنه تعالى ذكر أخذ الميثاق عليهم إبطالا لما قد يعتذرون به عن عدم الإيمان، وأخذ الميثاق حين الإخراج من ظهر آدم لَا تعلم إلا بقول الرسول، فقيل: معرفة صدق الرسول لَا يكون ذلك سببا في وجوب تصديق الرسول، أما نصب الدلائل فمعلوم لكل أحد، فإن قلت: ما قاله ابن عطية يلزم عليه الدور، فإن [ما*] أخذ عليهم في ظهر آدم إنما علموه من السمع لَا من العقل، وهم [مكذبون*] للسمع مخالفون فيه؟ فالجواب: بأن ذلك إنما يلزم [لو قيل لهم*] وما لكم لَا تؤمنون بالله ورسوله، وهم إنما وبخوا على ترك الإيمان بالله حالة دعاء الرسول لهم، وإعلامه إياهم بتقدم وأخذ العهد عليهم يوم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، الطيبي: ويحتمل أن يريد أخذ ميثاقكم جميعكم إياه على السمع والطاعة، والخطاب للمؤمنين، انتهى، وقرأ الجمهور (أَخَذَ) مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو مبنيا للمفعول، ابن عطية: والمخاطبة بالبناء للمفعول أشد غلظة على المخاطب، ونحوه قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)، وكما تقول [ألا تفعل ما قيل لك*]، فهو أبلغ من قولك افعل ما قلت لك، انتهى، بل الصواب [العكس*] بدليل أن ابن الحاجب: إذا [استبعد*] من قول يقول: قالوا: كذا وكذا، وإذا ارتضاه يقول قولنا: كذا.
стр. 1458
قوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِهِ ... (٩)﴾
في لفظ العبد رد على الحكماء القائلين: بأن للأنبياء اختصاصا زيادة في ذاتهم بالطبع، ونحن نقول النبوة، إنما هي فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا خصوصية لهم في ذواتهم، فعبر بلفظ العبد تنبيها على أنه من جنس العبيد.
قوله تعالى: (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ).
ويحتمل أن يريد القرآن والمعجزات، فإن قلت: كيف يفهم هذا مع قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، [هو*] تنبيه على الجملة من حيث فصاحتها ورصافتها ودلالتها على حكمة منزلها.
قوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ).
أفعال الله الراجعة لذاته، غير معللة، وأما ما يتعلق بالمكلفين فهي معللة عند المعتزلة عقلا، وعندنا نحن يجوز تعليلها شرعا، فأتى هذا على أحد الجائزين فهو من باب ربط شيء بشيء، لَا على معنى التعليل، الفخر: قال القاضي: فيها حجة للمعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يرد الكفر، بقوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ)، فظاهرها أنه أنزل الآيات ليؤمن الجميع، فآمن البعض، ودام الآخرون على كفرهم، انتهى، يجاب: بأن المراد آيات بينات صالحة لأن يخرجكم بها من الظلمات إلى النور، أو هي سبب لإخراجكم من الظلمات إلى النور.
قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ).
تقدم في سورة براءة تقديم الرءوف على الرحيم في الذكر من كلام الفخر ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... (١٠)﴾
إن قلت: لم قال [قبل*]: (وَمَا لَكُم لَا تُؤْمِنُونَ) بلفظ المضارع المحتمل للحال، والانتقال، وقال هنا: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا) بلفظ المستقبل، لأن (أنْ) تخلص الفعل للاستقبال بلا خلاف، وأما (لَا) فمختلف فيها، هل تلخصه للاستقبال أو لَا؟ وعلى تقدير تسليم أن (لَا) تخلص الفعل للاستقبال اكتفائها في الآيتين، فلم زيدت معها هنا (أنْ)، فالجواب: أن الإيمان يمكن حصوله من المكلف في الحال، لأنه من أفعال القلوب، فناسب لفظ الحال، والنفقة في سبيل الله لَا يقدر المكلف على فعلها حين الأمر بها، بل في الاستقبال، ولا سيما مع قولهم إن المراد النفقة في الجهاد، وهذا معلوم بالضرورة لأنا الآن في زمن جلوسنا إذا أمرنا أحدنا باعتقاد رجل أو تصديقه [أو تكذيبه*]، يمكننا
стр. 1459
تحصيل ذلك فأجزأ في الحال، وإذا قال لنا: أنفقوا كذا في كذا لَا يمكننا إيقاعه، إلا بعد تراخ، فناسب دخول (أنْ) هنا مخلصة للاستقبال، ومؤكدة له.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
إشارة إلى أن المال الذي عندهم إنما هو عارية فعليهم بإنفاقه في سبيل الخيرات، لأنه زائل عنهم.
قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي).
الآية إن كانت نزلت قبل الفتح، فواضح كونها تحريضا على الإنفاق، والقتال في تحصيل ثوابها، وإن كانت بعد الفتح فَفَهْمُ كونها تحريضا فيه صعوبة، بل المتبادر للمفهوم أنها تحرض على تلافي ما مضى، فالجواب: أن الآية لما تضمنت تشريف القسم المقابل كان تحريضا، إذ [هو*] عام في البعدية إلى يوم القيامة أو مقابل قوله (مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، وهذه البعدية صادقة في سائر الأزمان فينبغي للمكلف تحصيل صادقيتها ليكون أحد المقابلين للأفضل، ونص في الآية على نفي مساواة من جمع الوصفين، قبل الفتح لفعل مثله بعده، فمن أنفق قبله، ولم يقاتل، هل يساوي من قاتل بعده ولم ينفق؛ لأن بذل النفس أعظم ثوابا من بذل المال، فهل يعدل فضيلة ذلك فضل السبقية [أو لا؟] فيه نظر، فإن قلت: من في قوله (مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ)، وقوله (مِنْ بَعْدُ) لابتداء الغاية، فهي لأول أزمنة القبلية والبعدية، وتضمنت الآية نفي مساواة من أنفق في أول الأزمنة المتقدمة على الفتح، لمن أنفق في أول الأزمنة المتأخرة عنه، مع أن المساواة منتفية بين من أنفق قبله مطلقا، وبين من أنفق بعده مطلقا، فالجواب: أن كل ما ثبت لأحد المتساوين ثبت للآخر، و (مَن) إنما دخلت لتأكيد معنى السبقية، وهذا يقع في القرآن على وجهين، فتارة تنفي المساواة ويعين وجه المفاضلة بينهما كهذه الآية، وكقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)، وتارة لَا يعين وجه التفاوت بينهما، كقوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ)، وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ)، الفخر في المحصول: قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لفظ المساواة بينهم في الآية مطلق، فهو أعم من عدم استوائهم في الأحكام الأخروية من النعم والعذاب، أو في الأحكام الدنيوية من القصاص، والإجرام وغيره، والأعم لَا شعار له بالأخص، وبنى عليه مساواة الكافر للمؤمن في
стр. 1460
القصاص، وأورد عليه السراج تنكيتا بأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص، فالنفي عام في جميع صور المساواة كقولك: لَا حيوان في الدار انتهى، ويرد أيضا على الفخر بهذه الآية لإجماعنا على مساواة من أنفق من قبل الفتح، لمن أنفق بعده في حكم القصاص، فترى نفس المساواة بينهما لم يعم جميع الوجوه، قلنا: يستدل بهذا على عدم تلك الآية، فينتج مساواة الكافر للمؤمن في القصاص.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً).
فإن قلت: قاعدة البيانيين في حسن الإيلاف مراعاة المشاكلة في الألفاظ، والمناسب للدرجات العلو، فيقال: درجة فلان، ومنزلته أعلى من درجة فلان، ويقال: قدر فلان أعظم من قدر فلان، فهلا قيل: هنا أولئك أعلى درجة، فالجواب: أن قوله أعظم اقتضى التفاوت بينهما في القدر وعلو الدرجات، فهو أعم فائدة.
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ ... (١١)﴾
إثباته بلفظ الاستفهام دليل على عظم هذه الفضيلة، لأن الغني بذاته إذا طلب شيئا بلفظ السؤال فهو تنبيه على عظم الثواب المعد عليه، وأنه محبوب له مرغب فيه، بحيث يسأل عمن يفعله مع علمه به، (حَسَنًا) أي لوقوعه بنية مخلصة، وذكر الفخر فيه وجوها كلها راجع إلى حسن النية، وهو مناسب لما تقدم، لأن أولئك إنما علت منزلتهم بالسبقية في الإيمان لبذلهم نفوسهم وأموالهم في نصرة دين الله، [حيثما يأمر*]؛ فدل على قوة إخلاصهم، وحسن نيتهم، وهذه الآية تذييل وتبيان لما أشعرت به الآية السابقة.
قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ... (١٢)﴾
قيل: أخر النور هنا، وقدمه في سورة التحريم؟ أجيب: بأن المقصود هناك الذوات بخلاف هذه، فإن المقصود فيها بيان شرف المؤمنين، فناسب الاعتناء بذكر الصفة وغلب الإيمان على الشمائل، والمراد أن نورهم يعم جميع جهاتهم يمينا وشمالا، أو يقال: إن بين أيديهم يعم اليمين والشمال، وعطف عليه (بإيمانهم) تشريفا لجهة اليمين بالذكر، قيل: وفي الآية رد على ابن حزم القائل: إن العاصي يأخذ كتابه بشماله، لأنه تعالى جعل مجرد [الوصف*] سببا لأخذ الكتاب باليمين. قوله تعالى: (بُشرَاكُمُ الْيَومَ جَنَّات) أي دخول جنات.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ ... (١٣)﴾
فيها سؤالان:
стр. 1461
الأول: لم عبر عن المنافقين بالاسم، وعن المؤمنين بالفعل؟ وهلا قال: الذين نافقوا كما قال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا).
السؤال الثاني: لم أسند الفعل في المنافقين للمذكر والمؤنث؟ وأسنده في المؤمنين للمذكر خاصة؟ وهلا قال (لِلَّذِينَ آمَنُوا) واللاتي آمنَّ؟ والجواب: عن الأول من ثلاثة أوجه:
الأول: مراعاة المشاكلة بقوله فيما تقدم (يَومَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ).
الثاني: أنهم طلبوا ذلك ممن اتصف بمطلق الإيمان، فيتناول [أعلى المؤمنين*]، وأدناهم، ولو قال (يَومَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ)، للمؤمنين، لما تناول الأول من اتصف بأعلى مراتب الإيمان، واعترض هذا بأنه يلزم عليه في [الطرف*] الآخر ألا يكون طلب هذا إلا من اتصف [بمطلق الإنفاق*]، [فاحتاج*] إلى طلب ذلك، أو [يطلب*] ذلك، فيستعف به، مع أن الكل لَا ينفعهم ذلك،
الجواب الثالث: أن المؤمنين على مراتب، والمنافقون لَا يستطيعون الوصول إلى أعلاهم لبعدهم عنه، وإنَّمَا يصلون إلى أدناهم لقربهم منهم، فذلك قال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) فعلقه بمطلق الإيمان لكن يبقى فيه إن كان يقول يوم يقول الذين نافقوا، والجواب عن السؤال الثاني: إما بأن المذكور أعلى منزلة، والنساء لسن من جنس من يطلب منهن ذلك، وإما بأنهن محجوبات عنهن، فلا يصلون إليهن.
قوله تعالى: (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ).
ليس المراد الحقيقة، بل المجاز أي نستضيء بنوركم، لأن الاقتباس من السراج هو أن [ ... ] سراجك، وهم ليس عندهم سراج [يوقدونه*]، فإِنما هو [تهكم بهم*]، أو أمر بالرجوع ورائهم حقيقة.
قوله تعالى: (فَالْتَمِسُوا نُورًا).
صيغة افعل هنا إما للإهانة أو للتعجيز، وهو الظاهر، والتنكير في (نُورًا) للتعليل أو تحقيرا لهم، وأنهم في التماسهم له غير صائبين، فإن قلت: عدل عن المطابقة، ولم يقل اقتبسوا نورا، وهو المطابقة لقولهم (نَقْتَبِسْ)، قلت: لأن الاقتباس يقتضي وجود المقتبس منه، وهو ثابت في حق المؤمنين موجود، ولما كان معدوما في جانب المنافقين خاطبهم بقوله (فَالْتَمِسُوا) لأن الالتماس لَا يقتضي الوجود.
قوله تعالى: (نُورًا).
стр. 1462
ابن عطية: قيل: هو الحائط الشرقي من بيت المقدس، وهو بعيد انتهى، إنما استبعده لوقوفه مع الأمور العادية، والمحل محل خرق العادة، فلا مانع من أن يمد الله تعالى ذلك النور حتى يعظم في جرمه فيسترهم كلهم.
قوله تعالى: (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ).
إن قلنا: إنه الحائط الشرقي من بيت المقدس فظاهر، لأن باطنه هو الذي على مسجد الصلاة وعلى العبادة، فناسب أن تكون الرحمة، وإن قلنا: إنه سور خلقه الله تعالى حينئذٍ، فهو كما يقول في سور المدينة، إن باطنه [هو*] الذي على داخل البلد، لأنها هي الجهة المصونة بالسور المحفوظة به، كما أن باطن الحائط هو الذي نحوه [ ... ]، [وخص*] الرحمة بالباطن، لأنه هو الخفي المستور، ولما كان طرفه أقل من الظاهر قرن الأول بصريح البطن فيه دون الثاني.
قوله تعالى: (مِن قِبَلِهِ).
إشارة إلى أن العذاب بعيد عن السور لكونه للمؤمنين، حتى [لَا يفزعهم*] شيء من ذلك العذاب.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى ... (١٤)﴾
قيل: هذا التصديق إما أن يكون حقا، أو باطلا، لَا جائز أن يكون باطلا، لأن المؤمنين في دار الحق فلا يقرون إلا بالحق، ولا جائز أن يكون حقا؛ لأنهم ما سألوهم عن كونهم الكون الموجب [للنجاة*]، وهو الكون ظاهرا وباطنا، فصدقوهم على ذلك، قيل: التصديق مرتبط بالاستدراك الذي بعده، قيل: انتهى الكلام عندنا، قيل: مرادهم بالتصديق أنهم كانوا معهم في الظاهر فقط، قيل: فلم يصدقوهم إذًا في سؤالهم.
قوله تعالى: (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ).
لم يقل: أمانيكم تهويلا عليهم وتعظيما لما صدر منهم، حتى [كأنها*] أماني أخر غير أمانيهم، مضافة لأمانيهم، وانظر [لم يقل: وأغررتم بالأماني*]؛ لأنه المطابق لما قبله.
قوله تعالى: (حَتى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ)
إن أريد به الموت فالغاية راجعة للمغرور، والتربص.
قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ ... (١٥)﴾
الفاء للتسبيب ويبعد كونها للتعقيب، لأن عدم الأخذ ليس متأخرا عن الغرور؛ بل متقدما، لأنه عدم قبل الحكم، [فعدم*] الأخذ متأخر عن الغرور، قيل: بل تقدم أيضا
стр. 1463
أولا، ويجاب: بأن الأخذ هنا تقيد باليوم، ولا شك أن ذلك اليوم متأخر عن الغرور، فصح أنها للتعقيب أو أعم منه، بدليل أن من وهب لرجل [جُبَّة*] فقبلها منه، ولم يأخذها حتى مات، أن [الهبة*] باطلة، فترى القبول لَا يستلزم الأخذ، ولو كان أخص لاستلزمه، لأن وجود الأخص يستلزم وجود الأعم، فالجواب بينهما [عموم وخصوص*] من وجه دون وجه، فتارة استعمل أحدهما، وتارة استعمل الآخر.
قوله تعالى: (وَلَا مِنَ الَّذِين كَفَرُوا).
من عطف الأعم على الأخص، لأن المنافقين من الكافرين، لكن لما كان جانب المنافقين أعظم لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، وكان عطف الكفار تأسيسا، ولَا يلزم من عدم أخذ الفدية من المنافقين عدم أخذها من الكافرين، قال الفخر (١): والفدية ما يفتدى به، فيتناول التوبة والإيمان، والمال، [وفيها*] حجة للمعتزلة في قولهم: إن قبول التوبة غير واجب عقلا، لأنا أجمعنا على أن التوبة من الذنوب تنفع في الدنيا، فلو كانت [عقلية*] لاستوي حالها في الدنيا والآخرة (١)، انتهى، يقول: إنها عقلية في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فهي شرعية، لأن المكلف في الدنيا تمكن من المعاصي، ومن الكفر فيحتاج حين التوبة للتكليف الامتناع من المخالفات، وحبس نفسه عن شهواتها بخلاف الآخرة، فإنه غير متمكن من ذلك فيها.
قوله تعالى: (مَأوَاكُمُ النارُ).
إن قلت: هذا التركيب يقتضي الخلود، لأن مأواكم مبتدأ والنار خبره، والقاعدة: أن المبتدأ إما مساو للخبر، أو أخص منه فإن كان [مساويا*]، فالمأوى هو النار، وإن كان أخص [فإن*] وجد المأوى، وجدت النار، لأنه مهما وجد الأخص وجد الأعم، قلت: الخلود [يقضي بانعدامهم*]، لجواز أن يعذبهم الله تعالى فينعدم المأوى.
قوله تعالى: (مَوْلاكُم).
الزمخشري: أي هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد:
فَعَدَتْ كِلا الفَرجَينِ تَحْسِبُ أَنّه ... مَوْلى المَخَافَةِ خَلْفُها وَأَمَامُهَا
стр. 1464
الطيبي: [يصف بقرة وحشية*] هربت من الصائد، فرأت فرجين: أي طريقين، حسبت أنهما منجاة لها منه.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾
ابن عطية: سمع الفضل بن موسى، وهو في معصية هذه [الآية*] فتاب، انتهى، ونحوه نقل القشيري في رسالته عن الفضيل بن عياض، ابن عطية، وحكى الطيبي عن ابن المبارك، انتهى، ونقله أيضا عياض في المدارك، وعبر في الآية بلفظ الفعل في قوله تعالى: [(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) *]، لأن ذلك لم يتصف به أعلاهم قبل أوسطهم وأدناهم.
قوله تعالى: (لِذِكرِ اللَّهِ).
الزمخشري: يجوز أن يراد بالذكر، وما نزل من الحق [القرآن*]، لأنه جامع للذكر والموعظة، وأنه حق من السماء، ويجوز أن يراد خشوع القلب، إذا ذكر الله، انتهى، فعلى الأول: هو من عطف الصفات، والمصدر مضاف للفاعل، وعلى الثاني: المصدر مضاف للمفعول، ويحتمل أن يريد [بالذكر*] التوحيد، وعدم الشرك وبما [نزل*] من الحق البراهين والدلائل الدالة على ذلك.
قوله تعالى: (فَقَسَت قُلُوبُهُمْ).
أوَذهلوا عن التأمل والنظر، فقست قلوبهم، لكن بعضهم لم يزل على دينه، وبعضهم [أوصلته الغفلة والذهول، إلى الفسق والفجور*].
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... (١٧)﴾
الزمخشري: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأن يحييها كما يحيي الغيث الأرض ونحوه، لابن عطية قال: أي لَا يبعد عليكم أيها التاركون للخشوع رجوعكم إليه، فإن الله يحيي الأرض بعد موتها، وكذلك يفعل بالقلوب، انتهى، فهذا أمر فرعي، ويحتمل بأن يكون المراد التنبيه على صحة الإعادة، بكمال قدرة الله تعالى على إحياء الأرض بعد موتها، فلذلك [ ... ] الخلائق فهذا أمر أصلي، وفي الآية رد على إمام الحرمين القائل: إن العلوم كلها ضرورية، لأن صيغة الطلب هنا إما للوجوب أو الندب، وليست للإنشاء، ولكون متعلقها أمرا دينيا، فهذا من أمور التكليف، واتفقنا على أن الأمور الضرورية لَا يجوز التكليف بها، فدل ذلك على أنه أمر نظري ولا معنى لكون العلوم بعضها ضروري، وبعضها نظري، إلا هذا.
قوله تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ).
стр. 1465
فيه رد على من يقول: بجواز أن يرد في القرآن ما لَا يفهم.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ)، فإن قلت: فيه دليل على أن العقل ليس معلوم ضرورة، فمن يجهل ذلك فإنه غير عاقل خلاف قول أبي المعالي: قلت: ليس مراد أبي المعالي العقل الذي يقع به التمييز، وهو شرط في التكليف، لأنه محصل للعلم ضرورة، وإنَّمَا مراده العقل الشرعي الجعلي النافع.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ... (١٩)﴾
وجه مناسبتها لما قبلها، أنه لما قدم ذكر [الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ*]، وما أعد الله لهم من الأجر، دلت هذه الآية على أن من دونهم ينال أجرا عظيما قريبا من أجرهم، ففيها إرجاء وإطماع لسائر المؤمنين، إن أريد إيمان خاص فيكون هؤلاء أعلى منهم منزلة، والصدِّيق في اللغة يقتضي أن المراد الذين صدقوا بالله تصديقا بعد تصديق، وليس المراد هنا بالصدِّيق ما يقوله المتصوفة من أنه أدنى رتبة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن ذلك اصطلاح وليس بلغة، وهذا موافق لما يقول المنطقيون: من أن التصديق راجع للجمع، والتصور للمفردات، فإذا قال الإنسان في نفسه العالم حادث فهو عندهم تصديق [لَا تصور*]، وإن لم ينطق به؛ ولذلك اعتقدوا الإيمان بالله ورسوله، وعبدوه تصديقا؛ لكن هذا راجع لما يخبر به الرسول، وهو أمر مسموع، فهو تصديق للخبر، لأنه راجع [لحديث النفس*]، ابن عطية: والصديقون باب لغة الصدق، أو التصديق وفعيل لَا يكون إلا من فعل ثلاثي، وأشار بعضهم إلى [مجيئه*] من غير الثلاثي، وقال: مسك من أمسك، وأقول أنه يقال: مسك، وفي هذا نظر، انتهى، النظر الذي هو فيه أنه يقال: مسك ولم [يذكره*] الجوهري في الصحاح وإنَّمَا ذكر أمسك، وانتقد ابن مكي: في تثقيف اللسان على الأطباء قولهم: القوة الماسكة، قال: إنما القوة الممسكة من أمسك فدل على أنه لَا يقال: أمسك عند ربهم أن رجع إلى المبتدأ، فالمراد في حكم ربهم، وإن رجع لما بعد، فالمراد لهم أجرهم عند ربهم حقيقة، وإضافة الأجر إليهم تعظيم لهم، وقال قيل: (وَلَهُم أَجْرٌ كَرِيمٌ)، فاكتفى هنا بوصفه هناك، فسر الزمخشري الآية بقوله (أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ)، فسوى بينهما في الأجر ولأنه من الالتفات، فأجاب: بأن أجر المؤمنين مضاعف مساو لأجر أولئك غير [مضاعف*]، انتهى، ولا يحتاج إلى هذا لأن المماثلة تكون في النوع، وفي
стр. 1466
النصف أنهم مساوون لهم في نوع من الأجر، لَا في قدره، ويلزمه هذا في الشهداء، فإنا أجمعنا على تماثلهم في الأجر، وأن منازلتهم متفاوتة.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).
ولم يقل: أولئك هم أصحاب، فيدخل في ذلك المبتدعة المختلف في تكفيرهم، ومن كفر بالتأويل، [والصحبة هنا دوام الإقامة وليست من الصحبة في*] اصطلاح المحدثين، لأنهم يشترطون رؤية النبي ﷺ ، ولو مرة واحدة على الخلاف عندهم في ذلك.
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... (٢٠)﴾
يحتمل أن يراد الأمر بلازم ذلك، وهو الاتعاظ، والإنابة، والتذكر، واللعب يشغل النفس بما يلهي على سبيل الفرح، [والفرح*] واللهو شغل النفس بما يلهي عن أمر يؤلم، الفخر: اللعب من فعل الصبيان، وهو الشغل المتعب لغير فائدة، واللهو من فعل الشباب، وهو لفائدة دنيوية فقط، انتهى، وحاصله أن اللعب هو إتعاب النفس لا لقصد تحصيل أمر ملائم، حاصل الآية أن الأمور المباحة إذا كانت لَا تحصل فائدة أخروية، فهي لعب ولهو؛ فينبغي للإنسان أن ينوي التقوِّي على الطاعة، وحكي عن سيدي الحسن بن علي المنتصر ﵀ ونفع به، أنه كان يوما في الثانية عند سيدي حسن المريدي نفع الله به، فجلس يشرح التين، فمر به سيدي حسن فسأله عن سبب ذلك، فقال له: قعدت بطالا فأخذت [أشغل*] نفسي بهذا، فقال له: اقصد بفعلك ذلك أنك تشرحه ليأكل منه متعلم، أو مضطر لأكله، فيستعين به على عبادة الله تعالى، فكذلك ينبغي لكل أحد أن لَا يخلي فعله من نية الطاعة، ليخرج فعله المباح عن اللعب واللهو، قال كاتبه [عفا*] الله عنه، وهذه سيرة مولانا السلطان سلطان السلاطين، وسلطان الصالحين أبي فارس عبد العزيز ابن مولانا أمير المؤمنين أبي العباس أحمد في أفعاله كلها سفرا وحضرا، وقد ضمنت هذا المعنى في قصيدة نظمتها له، قلت فيها:
وأفعاله ينوي بها البر كلها ... في قصده صار المباح تعبُّدا
فإما رباطا إن أقام بساحل ... وإما جهاداً إن توجَّه للْعِدا
وعادته أمتع الله المسلمين ببقائه إذا قدم من سفره قاصدا به جهاد المفسدين في الأرض الإقامة بساحل لقصد الرباط، إن قلت: هذا يوهم تحصيل الحاصل [كقولهم*]: قام القائم، فالجواب: أن ابن التلمساني قال: تعليق الحكم على موصوف
стр. 1467
يصفه، لَا يلزم منه دوام اتصافه بتلك الصفة، وإلا كان يمتنع أن يقال: [تحرك الساكن*] مع أنه جائز.
قوله تعالى: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ... (٢٥)﴾
هذا عند المعتزلة [قيل: ظاهره يعني الإرادة*]، وعندنا إن كان لفظ النَّاس عاما في الجميع، فهو إما بمعنى الحكم أي ليؤمن النَّاس بالقسط وليس بمعنى الإرادة، لئلا يلزم عليه الخلف في الخبر، إن لو أراد من الجميع القسط لما وقع إلا كذلك، وقد وجدنا كثيرا لَا يعدلون، وإن كان المراد بالنَّاس أهل الخير والصلاح، فقد يكون قوله تعالى: (لِيَقُومَ النَّاسُ)، بمعنى [الإرادة*] على حقيقته.
قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ).
الزمخشري قيل: نزل آدم ﵇ من الجنة، ومعه خمسة أشياء من حديد، وهي السدان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة، ولم يفسر الطيبي سوى الميقعة قال: هي المطرقة، قال شيخنا: وأخبرني السلطان أبو الحسن المريني بمحضر جماعة: أن صواعق نزلت عندهم بالحديد، فأمر من أتاه بذلك الحديد، وصنع فيه سيوفا، فلم تكن في القطع بذاك.
قوله تعالى: (بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ).
المراد بالبأس جهاد العدو، فهو من دفع المضار، فجاز تقديمه على الأصل.
قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ).
معطوف على مقدر، أي لينتفعوا به وليعلم، ولم يقل: وليجاهدوا مع أنه [المقصد*]، لأن في لفظ الآية إغراء وتحريض على الجهاد، لأن العبد إذا استحضر أن سيده ينظر إليه، ويعلم ما هو يفعل، فإنه يجتهد في العمل.
قوله تعالى: (وَرُسُلَهُ).
تأكيد كقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، أو هو كقولك أعجبني زيد وحسنه.
قوله تعالى: (بِالْغَيْبِ).
الزمخشري: حالة كونه غائبا عنهم. انتهى، ويحتمل أن يريد بسبب الغيب، لأن الحاصل على الاقتحام في القتال، إنما هو رجاء نيل درجة المجاهد، [والثواب*] المعد له
стр. 1468
في الدار الآخرة، وذلك أمر مغيب لَا نعلمه إلا من الرسول، فمن صدقه وآمن به ينال ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
لا يمانع فيما أراده.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ ... (٢٦)﴾
[خصصهما أشبه باحتراس*]، لأنه لما أخبر أن الجهاد لنصرة الله ورسوله نبه على أنه قوي بذاته غير محتاج للنصرة، عزيز لَا يمانع [فيما أراده*]. قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ)، خصصهما بالذكر دون غيرهما، لأن نوحا ﵇ أبو البشر بعد آدم ﵇ عموما، فهو أب أو عم لغيره، وإبراهيم له أب أخص، فإن قلت: وإسماعيل أبوه، قلت: اختص إبراهيم بالذكر لاتفاق الملل كلها، وأهل كل ملة يؤمنون به، وكذا تسمية الأب الصالح بخلاف إسماعيل، ولأن شريعتنا موافقة لشريعة إبراهيم.
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).
قالوا: (جعل) بمعنى صيَّر أو بمعنى خلق، وهذا بيِّنٌ على مذهب المعتزلة، وأما على مذهب أهل السنة، فلا يصح كونها بمعنى خلق، لأن الكتاب قديم ليس بمخلوق إلا أن يراد به الألفاظ المكتوبة، [فيصح لأنها*] حادثة، وبها يقع الإعجاز، لكن الأول أولى لما في هذا من [الإيهام*]، وأنت تعلم فيمن حلف بالقرآن.
قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ).
هذا يعم صالح المؤمنين، وعصاتهم، لأن [العاصي*] مهتد بالإيمان، فيصدق عليه وصف الهداية مقيدة، وإذا صدق مقيدا صدق مطلقا، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن آبائه الأنبياء قد جرى لهم مثل ما جرى له.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا ... (٢٧)﴾
الزمخشري، وابن عطية: التقفية مجيء الشيء، كأنه قفاه، انتهى، هذا إن كان ينقلانه لغة [مسلَّم*]، وإلا فيمكن أن تكون التقفية مجيء بعد الشيء من غير فاصل بينهما، سواء جاء بقرب مجيئه، أو بعد طول، وهو المناسب للفظ (ثم) المقتضية للمهلة، لكن يترجح ما قالوه بقوله تعالى: (عَلَى آثَارِهِم)، وفيه دليل على أن أقل الجمع اثنان، لأن الضمير في [(آثَارِهِم) *] عائد على نوح وإبراهيم، فإن قلت: لعله عائد
стр. 1469
[عليهما*] وعلى ذريتهما؟ قلت: ذريتهما داخلون في لفظ الرسول من قوله تعالى: (بِرُسُلِنَا)، فهم متبعون لَا تابعون، ويجاب [بأن لفظ الذرية*] [عام*] يشمل الأنبياء والرسل، لقوله (فِي ذُرِّيَّتِهِمَا)، فهو محصول فيه، ليكون هذا الضمير عائدا على بعضه، وهم ذووا النبوة فقط، أي ثم قفينا على آثار نوح وإبراهيم، ومن نشأ من ذريتهما بالرسل، وإعادة لفظ (قفينا) [في المعطوف تأكيدا*]، ولأجل ذلك عطف بالواو دون ثم.
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً).
جعل عند أهل السنة بمعنى خلق، وعند المعتزلة بمعنى صير، ابن سلامة: الرأفة والرحمة يشتركان في رقة القلب، واختلف فيما يمتازان به فقيل: الرأفة أخص من الرحمة، وقيل: الرحمة أخص، وقيل: إنهما متغايران، فالرأفة الامتناع من المكروه، كامتناعك من ضرب زيد رأفة عليه، والرحمة إيصال الأمر الملائم كتصدقك على زيد رحمة له، وقال شيخنا: الرأفة هي أن تزيل عن الشخص ما يكرهه، مع بقاء تألمك منه، والرحمة أن تزيل عنه ذلك من غير تألم في نفسك، وهذا كحنانك على ولدك المسجون، وعلى أجنبي مسجون، وهو موافق لما ذكروا في الآية، من أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين فبعضهم قاتلهم، وبعضهم جلس بين أظهرهم مؤمنا، ولم يقاتل، وبعضهم خرج عنهم وانقطع للرهبانية، فالمقاتلون اتصفوا بالرأفة لدين الله، والجالسون اتصفوا بالرحمة، والمنقطعون ترهبوا، وجعل الفارسي (رَهْبَانِيَّةً) منصوبا بفعل مضمر، أي وابتدعوا رهبانية، ولم يعطفه على (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) اعتزالا منه، لئلا يكون مجعولا لله، لأن الرأفة والرحمة من الصفات [**الكلية]، فهي داخلة تحت القدرة القديمة يصح كونها مجعولة لله، والرهبانية من الصفات [**الكتبية] التي هي عندهم من متعلق الحادثة، فكانت من فعل العبد، فلذلك لم يعطفها على معمول (جعل)، وتكلم عليها ابن هشام في شرح الإيضاح في باب الاستقبال، وابن عصفور في شرحه أيضا بطويل من الكلام، وعلل الفارسي ما ذكره في الإيضاح بقوله: لأن الرهبانية لَا يستقيم حملها على (جعلنا) مع وصفها بقوله: ابتدعوها، لأن ما يجعله هو تعالى لَا يبتدعونه هم، ابن عصفور: جعل مفسروا هذا الكتاب هذا التعليل منه مبينا على أصول المعتزلة، إن ما يفعل العبد مقدور له فلا يفعله الله؛ لاستحالة مقدر بين قادرين، وما ذكروه ليس كذلك، بل إذا [ذهبوا إلى*] أن ما يجعله الله تعالى في القلوب [فلَا*] يوصف العبد بأنه اخترعه في عرف لغة العرب لَا حقيقة [ولا مجازا*]، [ولو أراد ما يتوهمونه لقال: إن*] ما يجعله هو تعالى حقيقة لَا يوصفون بابتداعه على طريق الحقيقة، ولا
стр. 1470
يمتنع في الآية وصفهم بابتداعها مجازا؛ إذ وصف الله تعالى بابتداعها حقيقة ولا يستحيل ذلك عند المعتزلة، والرهبانية لغة تعبد الراهب فهي من أفعال القلوب، وما ذكره المفسرون: أن معناها ما كان يفعله الرهبان من التزام الصوامع واعتزال النساء، وغير ذلك، إنما هي أشياء أحدثها الرهبان من عند أنفسهم، فسر بعضهم الرهبانية بالمعنى الذي ذكره المفسرون، وقدر حذف مضاف، وحب رهبانية، ولا يلزم على هذا أن يكون ما جعله الله في القلب موصوفا بأنهم ابتدعوه، وما ذكره أبو علي من حمل الآية على الاشتغال أولى، لأن حذف الفعل أولى من حذف المضاف، [إذ للفعل مفسر*]، ولا مفسر للمضاف في اللفظ، وأورد على أبي علي [أنه لا يفسر في الاشتغال إلا بما يعمل*]، والصفة لَا تعمل في الموصوف، وأجاب الشلوبين: بأن مراده الصفة المعنوية، لا الصناعية، وهذا [المراد عنه*] غير لازم لأبي علي، لأنه لم يجعل ابتداعها صفة في حال نصب (رهبانية)، بفعل مضمر، بل على تقدير جعل (رهبانية) معطوفة على (رأفة)، ابن سلامة: البدعة إحداث على لم يكن ثابتا والتزام ما لم يلزم بدعة انتهى، إن قلت: هل يؤخذ أن من ابتداء النافلة قائما أنه لَا يكون له إتمامها جالسا اختيارا لأن الله تعالى ذم هؤلاء على عدم الوفاء بالأمر الملتزم، قلت: لم يذمهم على ذلك، بل رتبه على أنهم مقصرون بفعلهم المرجوح دون الأرجح.
قوله تعالى: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ).
إن أريد به الحكم الشرعي بالإيتاء فهو حقيقة، وإن أريد به نيلهم ذلك [بالعمل*]، فيكون في معنى المستقبل مثل أتى الله، فإن قلت: إيتاء الأجر يشمل الدنيا والآخرة، قلت: أوتوا في الدنيا بعض الأجر لَا كله، وقد أخبر عنهم أنهم أتوا أجرهم كله، فلا بد من جعله في معنى المستقبل، فإن قلت: لم يؤتوا كل أجرهم؛ بل بعضه، [لأن ما*] في الآية إخبار عن قوم مضوا وانقطعوا، فقد [أوتوا*] أجرهم فيما مضى، قلت: لم يؤتوا كل أجرهم بل بعضه، لأنهم لم يدخلوا الجنة، بل نالوا أوائل النعيم، فلم يستكملوا أجرهم، وقول الزمخشري: إن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى ﵇، فقاتلوهم ثلاث مرات، قد يقال: إنه غلط في قوله بعد موت عيسى، لكن وقع في أواخره في جامع العتبية في ترجمة ابن عيسى، قال مالك: كان عيسى ﵇ يقول: يا ابن الثلاثين [مضت*] الثلاثون فما تنتظر، قال: فمات وهو ابن ثلاث وثلاثون سنة، ابن رشد: هذا مشكل مع قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)، وقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)، قال: لكن يحتمل أن يكون لم يمت، [عندما رفع إلى السماء*]، ونسب إليه الموت باعتبار رفعه من الأرض، ويحتمل أنه مات حقيقة، ورفعت روحه،
стр. 1471
انتهى، قال شيخنا: ولا يخالف ما ورد في الحديث: من نزوله الأرض في آخر الزمان لاحتمال أنه يجيء حينئذ بعد موته (١)، وينزل إلى الأرض، وانظر كلام ابن عطية في سورة آل عمران في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ... (٢٨)﴾
ابن عطية: قيل: المخاطب بها أهل الكتاب، أي يا أيها الذين آمنوا بعيسى آمنوا بمحمد، وقيل: الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي دوموا على إيمانكم، انتهى، فالأمر على هذا بالإيمان مجاز، بمعنى الدوام، هذا إن قلنا: إن الإيمان لَا يزيد ولا ينقص، وإن قلنا: إنه يزيد وينقص، فيكون الأمر بالإيمان حقيقة، والآية دليل على أن الأمر للتكرار، إذ لو لم يكن [للتكرار*] لكان للمرة الواحدة، ولو كان للمرة الواحدة للزم عليه لحوق الرحمة، والثواب للمزيد، وهو باطل بالإجماع، فدل ذلك على أن الأمر بالتقوى والإيمان للتكرار والدوام عليه إلى الموت، ورد هذا بوجهين:
الأول: أنه معارض بأن تقول ما ذكرته من الدليل، وإن دل على ثبوت الحكم في صورة النزاع [فثَمَّ ما ينفيه*]، وهو من مات إثر إسلامه فإنه تناله الرحمة والثواب إجماعا، ولو كان الأمر للتكرار للزم عليه ألا ينال ذلك إلا من تكرر منه الإيمان، وأجيب: بوجهين:
الأول: أن ذلك إنما أتى من مفهوم الآية، وهو أن المعنى آمِنوا إيمانا دائما متكررا، ودليلنا نحن مستفاد من منطوق الآية، والمنطوق مقدم على المفهوم.
الثاني: أن دوام كل شيء [**يُحس] فهذا دوام حكمي لَا وجودي، فيدخل في ضمن الآية.
الوجه الثاني من الردين أن الخلاف إنما هو حيث يرد لفظ الأمر غريبا عن القرائن، وهذا السياق يدل على أنه للتكرار، أجيب: بأنه في اللفظ ما يدل عليه، وإنما القرينة من خارج تخصصه أو تقيده، وذلك لَا يمنع من جواز حمل اللفظ على التكرار، وقد قال الجدليون: جواز الإرادة موجب للإرادة، فجواز إرادة التكرار موجب لإرادة التكرار، بل التكرار مستفاد هنا من لفظ الأمر، لأن المراد بقوله (آمنُوا)، حصلوا الإيمان الشرعي، [وإلا فالشرعي*] هو الدوام عليه، أجيب: [بأنه ليس كذلك*]، بل المرتد قد حصل الإيمان الشرعي.
стр. 1472
قوله تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ).
وفي سورة النساء (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) فجعل النصيب جزاء عن الحسنة، والكفل جزاء عن السيئة، وهنا جعله في جزاء السيئة، والجواب: أن الجمع بين الآيتين ينتج أن الكفل أعم، يصدق على جزاء السيئة، وجزاء الحسنة، والنصيب خاص بجزاء الحسنة، و (مِن) في (رحمته) إن كانت للسبب فالرحمة بمعنى الإرادة، أي [يثبكم*] عليه، بسبب [إرادته*] ذلك، وإن كانت للتبعيض فالرحمة راجعة لصفة الفعل.
قوله تعالى: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا).
إن قلت: دفع المؤلم آكد من جلب الملائم، وإيتاء الرحمة وجعل النور أمر ملائم، والمغفرة من باب دفع المؤلم، فهلا قدمت؟ فالجواب: أنه من عطف الترقي.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
إن قلت: الرحمة سبب، فهلا قدمت عليها؟ قلت: المغفرة راجعة لدفع المؤلم، والرحمة لجلب الملائم؛ فلذلك أخرت، وقال السماكي: لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ثم قال: فإن قلت: لم ذكر في سبإ في قوله تعالى: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)، فأجاب: بأن ذلك منتظما في تعداد الخلق من المكلفين، وغيرهم، فالرحمة [تشملهم جميعا*]، والمغفرة تخص بعضا دون بعض، والعموم قبل الخصوص.
قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ ... (٢٩)﴾
إن قلت: فيها حجة على المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله، قلت: لا دليل فيها لوجهين:
الأول: اتفاقا على أن قدرة العبد قاصرة عليه، ولا [تَصَرُّفَ*] له في قدرة غيره، والقدرة هنا منسوبة لله تعالى، أي هم عاجزون عن كل ما تفضل الله به.
الثاني: أن المراد من قوله (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، الحكم بالشيء من ثواب [وعقاب ونصرة*]، وغير ذلك، فيكون أمرا [حُكْمِيًّا*]؛ لَا أنه فعل وجودي، فإن قلت: فيها دليل على أن أهل الكتاب عناد؛ لاقتضاء أنهم سيعلمون بنصرة المؤمنين عليهم عجز به عن
стр. 1473
الأسباب المتحصلة، قيل: فضل الله ورحمته، وإذا علموا ذلك كان كفرهم عنادا، قلت: فرق بين عنادهم في الإيمان وبين عنادهم في حقيقة ما دل عليه القرآن الذي أخبرهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم إن علموا ذلك بعد هذا تحققوا صدق ما أخبروا به في هذه الآية.
قوله تعالى: (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ).
من خواص الإرادة الترجيح من غير مرجح.
* * *
стр. 1474
سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ
تكرر فيها اسم الجلالة أربعين مرة.
قوله تعالى: ﴿قَدْ ... (١)﴾
الزمخشري: (قَدْ) معناها التوقع، قال هو والفخر، لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمرأة المجادلة كانا يتوقعان أن قد سمع الله بمجادلتهما وشكواهما، وينزل في ذلك ما يفرج عنهما، انتهى، هذا لَا يتم على قواعدنا، ولا على قواعد المعتزلة؛ لأنه إن أريد به السماع في نفس الأمر، فلا يصح فيه التوقع بل هو ثابت، وإن أريد به النسبة إلى المخاطب، فالنبي ﷺ وعلى آله والمسلمون، ما كانوا يتوقعون السماع، بل يحققونه، وأما على قواعد المعتزلة، فلأن الله تعالى عالم بذلك في نفس الأمر، وكذلك في اعتقاد النبي ﷺ من غير توقع، فلا بد من التجوز في الآية إما بأن يراد بـ (سَمِعَ) استمع إشارة إلى أنه سماع إجابته، أو يضمر في الآية فعل، أي سمع هو قولها وأجابها، والتوقع في هذا ممكن لكن يلزم على الأول المجاز، وعلى الثاني الإضمار فيتعارضان، وإن قلت: القول أعم من الكلام لصدقه على المفرد، وعلى المركب الغير مقيد، وسماع المركب مستلزم سماع المفرد، بخلاف العكس فهلا [عبَّر*] بالأخص؟ فالجواب: أنه عبر باللفظ الأعم، ليفيد عموم السماع في [المقيد*] وغيره، وذكر الخونجي أن الطلب من خصائص المركب، لأنه قسم المركب إلى الطلب، ونص الإبياري على كونه في المفرد.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
الزمخشري: يصح أن يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر، انتهى، هذه العبارة لا تجوز عندنا ولا عندهم، بل سماعه وإبصاره عندنا واجب غير ممكن، وعندهم راجع لصفة العلم، وعلمه بالأشياء واجب غير ممكن؛ إلا أن يجيبوا لهم عن مذهبهم، بأن بعض المعتزلة زعم أن العلم بالشيء مقارن لوجود ذلك النفي، فتعلق العلم بالحوادث مقارن لوجودها، وهي ممكنة، فيكون العلم بها ممكنا فتصح عبادته.
قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ... (٢)﴾
هذه الجملة خبر عن الأولى، وهي موجبة [معْدولة*]، وليست سالبة؛ لأن الموضوع ليس هو الموضوع في الأولى فهي كقولك: زيد بصير، أي هن غير أمهاتهم، وهي من معنى قولك: زيد ما ضربته، ونفي الولادة والأمومة حكم شرعي لَا سلبي، لأنهم معلوم أنهم ليسوا بأولادهم، أي لَا يحكم لهم في الشرع بحكم الأمهات.
стр. 1475
قوله تعالى: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ).
إن قلت: هذا الحصر تخرج عنه الأم من الرضاعة، وزوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهن أمهات المؤمنين شرعا، لأنكم قلتم: المراد بالأمهات في الآية حكما لَا نسبا، فالجواب: أن تقول أن هذا الحصر عام مخصوص بما ذكروا أكثر عمومات القرآن مخصوصة، أو تقول إنه عام خرج على سبب، فيقصر عليه؛ لكن المشهور أن العلم الدال على سبب لَا يجب قصره عليه، وأجيب أيضا: بأن يكون هذا قبل نزول آية الرضاع، وقيل: نزول قوله (وَأزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، ورد بأن آية الرضاع مكية، وأيضا فهذا خبر، والخبر لَا ينسخ، وأجيب: بأنه خبر تضمن حكما شرعيا فيصح نسخه، ورد بأنه لَا ينسخ الخبر مطلقا، فإن قلت: الظاهر شبه الزوجة بالأم، ولم يجعلها أمًّا حقيقة، فهلا قيل: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، قلت: التشبيه في اللفظ، والمقصود في المعنى؛ لتسوية الزوجة بالأم في التحريم وتنزيلها منزلتها، فأتت الآية ردا على اعتقادهم.
قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا).
الزمخشري: (وَزُورًا)، أي كذبا باطلا منحرفا عن الحق، الفخر: الظاهر شبه زوجته بأمه، ولم يجعلها هي، فكيف قيل: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، وكذب في قوله، ثم أجاب: بأن لفظة إن كان خبرا فالكذب في تشبيه المتحللة بالمحرمة في الخطيئة والحرمة، وإن كان إنشاء، فمعناه أن الشرع جعل الظهار سببا في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم كذبا، انتهى، الظهار إنشاء لأنه لَا يثبت معناه إلا به، والتكذيب من عارض الخبر، لَا من عوارض الإنشاء، فحينئذٍ تقول: الظهار إنشاء ولا شيء من الإنشاء بكذب، فلا شيء من الكذب بظهار، ثم يضم له مقدمة أخرى، فتقول: الظهار زور بمقتضى هذه الآية، ولا شيء من الزور بظهار بمقتضى المقدمة الأولى، فينتج لَا شيء من الظهار، والجواب: بأن الظهار له اعتباران فهو باعتبار التشبيه، خبر يعرض له التصديق، والتكذيب باعتبار التزام مقتضى التشبيه هو إنشاء لَا يقبل تصديقا ولا تكذيبا، يرد بأنه يلزم عليه الجمع بين الضدين، فإما أن يجعله إنشاء مجردا أو خبرا، والجواب: بأن الظهار كان في الجاهلية قبل نزول هذه الآية موجبا للتحريم، فتركت الآية ردا على اعتقاد ذلك، وإن وضع الظهار أو التحريم ليس بحكم شرعي، فلا يلزمه الشرع فيه ما التزمه من التحريم، وإذا لم يلزمه ذلك فيه خرج عما وصفه له، فبطل فيه حكم الإنشاء فيصح تعلق التكذيب به، وإما تعهد نزولها فالظهار لازم لمن التزمه فهو إنشاء لَا خبر يرد بأنه يلزم ذلك في هذه القصة