← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

انتهى، قال شيخنا: ولا يخالف ما ورد في الحديث: من نزوله الأرض في آخر الزمان لاحتمال أنه يجيء حينئذ بعد موته (١)، وينزل إلى الأرض، وانظر كلام ابن عطية في سورة آل عمران في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ... (٢٨)﴾ ابن عطية: قيل: المخاطب بها أهل الكتاب، أي يا أيها الذين آمنوا بعيسى آمنوا بمحمد، وقيل: الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي دوموا على إيمانكم، انتهى، فالأمر على هذا بالإيمان مجاز، بمعنى الدوام، هذا إن قلنا: إن الإيمان لَا يزيد ولا ينقص، وإن قلنا: إنه يزيد وينقص، فيكون الأمر بالإيمان حقيقة، والآية دليل على أن الأمر للتكرار، إذ لو لم يكن [للتكرار*] لكان للمرة الواحدة، ولو كان للمرة الواحدة للزم عليه لحوق الرحمة، والثواب للمزيد، وهو باطل بالإجماع، فدل ذلك على أن الأمر بالتقوى والإيمان للتكرار والدوام عليه إلى الموت، ورد هذا بوجهين: الأول: أنه معارض بأن تقول ما ذكرته من الدليل، وإن دل على ثبوت الحكم في صورة النزاع [فثَمَّ ما ينفيه*]، وهو من مات إثر إسلامه فإنه تناله الرحمة والثواب إجماعا، ولو كان الأمر للتكرار للزم عليه ألا ينال ذلك إلا من تكرر منه الإيمان، وأجيب: بوجهين: الأول: أن ذلك إنما أتى من مفهوم الآية، وهو أن المعنى آمِنوا إيمانا دائما متكررا، ودليلنا نحن مستفاد من منطوق الآية، والمنطوق مقدم على المفهوم. الثاني: أن دوام كل شيء [**يُحس] فهذا دوام حكمي لَا وجودي، فيدخل في ضمن الآية. الوجه الثاني من الردين أن الخلاف إنما هو حيث يرد لفظ الأمر غريبا عن القرائن، وهذا السياق يدل على أنه للتكرار، أجيب: بأنه في اللفظ ما يدل عليه، وإنما القرينة من خارج تخصصه أو تقيده، وذلك لَا يمنع من جواز حمل اللفظ على التكرار، وقد قال الجدليون: جواز الإرادة موجب للإرادة، فجواز إرادة التكرار موجب لإرادة التكرار، بل التكرار مستفاد هنا من لفظ الأمر، لأن المراد بقوله (آمنُوا)، حصلوا الإيمان الشرعي، [وإلا فالشرعي*] هو الدوام عليه، أجيب: [بأنه ليس كذلك*]، بل المرتد قد حصل الإيمان الشرعي.

стр. 1472

قوله تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ). وفي سورة النساء (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) فجعل النصيب جزاء عن الحسنة، والكفل جزاء عن السيئة، وهنا جعله في جزاء السيئة، والجواب: أن الجمع بين الآيتين ينتج أن الكفل أعم، يصدق على جزاء السيئة، وجزاء الحسنة، والنصيب خاص بجزاء الحسنة، و (مِن) في (رحمته) إن كانت للسبب فالرحمة بمعنى الإرادة، أي [يثبكم*] عليه، بسبب [إرادته*] ذلك، وإن كانت للتبعيض فالرحمة راجعة لصفة الفعل. قوله تعالى: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا). إن قلت: دفع المؤلم آكد من جلب الملائم، وإيتاء الرحمة وجعل النور أمر ملائم، والمغفرة من باب دفع المؤلم، فهلا قدمت؟ فالجواب: أنه من عطف الترقي. قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). إن قلت: الرحمة سبب، فهلا قدمت عليها؟ قلت: المغفرة راجعة لدفع المؤلم، والرحمة لجلب الملائم؛ فلذلك أخرت، وقال السماكي: لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ثم قال: فإن قلت: لم ذكر في سبإ في قوله تعالى: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)، فأجاب: بأن ذلك منتظما في تعداد الخلق من المكلفين، وغيرهم، فالرحمة [تشملهم جميعا*]، والمغفرة تخص بعضا دون بعض، والعموم قبل الخصوص. قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ ... (٢٩)﴾ إن قلت: فيها حجة على المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله، قلت: لا دليل فيها لوجهين: الأول: اتفاقا على أن قدرة العبد قاصرة عليه، ولا [تَصَرُّفَ*] له في قدرة غيره، والقدرة هنا منسوبة لله تعالى، أي هم عاجزون عن كل ما تفضل الله به. الثاني: أن المراد من قوله (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، الحكم بالشيء من ثواب [وعقاب ونصرة*]، وغير ذلك، فيكون أمرا [حُكْمِيًّا*]؛ لَا أنه فعل وجودي، فإن قلت: فيها دليل على أن أهل الكتاب عناد؛ لاقتضاء أنهم سيعلمون بنصرة المؤمنين عليهم عجز به عن

стр. 1473

الأسباب المتحصلة، قيل: فضل الله ورحمته، وإذا علموا ذلك كان كفرهم عنادا، قلت: فرق بين عنادهم في الإيمان وبين عنادهم في حقيقة ما دل عليه القرآن الذي أخبرهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم إن علموا ذلك بعد هذا تحققوا صدق ما أخبروا به في هذه الآية. قوله تعالى: (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ). من خواص الإرادة الترجيح من غير مرجح. * * *

стр. 1474

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ تكرر فيها اسم الجلالة أربعين مرة. قوله تعالى: ﴿قَدْ ... (١)﴾ الزمخشري: (قَدْ) معناها التوقع، قال هو والفخر، لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمرأة المجادلة كانا يتوقعان أن قد سمع الله بمجادلتهما وشكواهما، وينزل في ذلك ما يفرج عنهما، انتهى، هذا لَا يتم على قواعدنا، ولا على قواعد المعتزلة؛ لأنه إن أريد به السماع في نفس الأمر، فلا يصح فيه التوقع بل هو ثابت، وإن أريد به النسبة إلى المخاطب، فالنبي ﷺ وعلى آله والمسلمون، ما كانوا يتوقعون السماع، بل يحققونه، وأما على قواعد المعتزلة، فلأن الله تعالى عالم بذلك في نفس الأمر، وكذلك في اعتقاد النبي ﷺ من غير توقع، فلا بد من التجوز في الآية إما بأن يراد بـ (سَمِعَ) استمع إشارة إلى أنه سماع إجابته، أو يضمر في الآية فعل، أي سمع هو قولها وأجابها، والتوقع في هذا ممكن لكن يلزم على الأول المجاز، وعلى الثاني الإضمار فيتعارضان، وإن قلت: القول أعم من الكلام لصدقه على المفرد، وعلى المركب الغير مقيد، وسماع المركب مستلزم سماع المفرد، بخلاف العكس فهلا [عبَّر*] بالأخص؟ فالجواب: أنه عبر باللفظ الأعم، ليفيد عموم السماع في [المقيد*] وغيره، وذكر الخونجي أن الطلب من خصائص المركب، لأنه قسم المركب إلى الطلب، ونص الإبياري على كونه في المفرد. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). الزمخشري: يصح أن يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر، انتهى، هذه العبارة لا تجوز عندنا ولا عندهم، بل سماعه وإبصاره عندنا واجب غير ممكن، وعندهم راجع لصفة العلم، وعلمه بالأشياء واجب غير ممكن؛ إلا أن يجيبوا لهم عن مذهبهم، بأن بعض المعتزلة زعم أن العلم بالشيء مقارن لوجود ذلك النفي، فتعلق العلم بالحوادث مقارن لوجودها، وهي ممكنة، فيكون العلم بها ممكنا فتصح عبادته. قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ... (٢)﴾ هذه الجملة خبر عن الأولى، وهي موجبة [معْدولة*]، وليست سالبة؛ لأن الموضوع ليس هو الموضوع في الأولى فهي كقولك: زيد بصير، أي هن غير أمهاتهم، وهي من معنى قولك: زيد ما ضربته، ونفي الولادة والأمومة حكم شرعي لَا سلبي، لأنهم معلوم أنهم ليسوا بأولادهم، أي لَا يحكم لهم في الشرع بحكم الأمهات.

стр. 1475

قوله تعالى: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ). إن قلت: هذا الحصر تخرج عنه الأم من الرضاعة، وزوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهن أمهات المؤمنين شرعا، لأنكم قلتم: المراد بالأمهات في الآية حكما لَا نسبا، فالجواب: أن تقول أن هذا الحصر عام مخصوص بما ذكروا أكثر عمومات القرآن مخصوصة، أو تقول إنه عام خرج على سبب، فيقصر عليه؛ لكن المشهور أن العلم الدال على سبب لَا يجب قصره عليه، وأجيب أيضا: بأن يكون هذا قبل نزول آية الرضاع، وقيل: نزول قوله (وَأزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، ورد بأن آية الرضاع مكية، وأيضا فهذا خبر، والخبر لَا ينسخ، وأجيب: بأنه خبر تضمن حكما شرعيا فيصح نسخه، ورد بأنه لَا ينسخ الخبر مطلقا، فإن قلت: الظاهر شبه الزوجة بالأم، ولم يجعلها أمًّا حقيقة، فهلا قيل: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، قلت: التشبيه في اللفظ، والمقصود في المعنى؛ لتسوية الزوجة بالأم في التحريم وتنزيلها منزلتها، فأتت الآية ردا على اعتقادهم. قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا). الزمخشري: (وَزُورًا)، أي كذبا باطلا منحرفا عن الحق، الفخر: الظاهر شبه زوجته بأمه، ولم يجعلها هي، فكيف قيل: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، وكذب في قوله، ثم أجاب: بأن لفظة إن كان خبرا فالكذب في تشبيه المتحللة بالمحرمة في الخطيئة والحرمة، وإن كان إنشاء، فمعناه أن الشرع جعل الظهار سببا في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم كذبا، انتهى، الظهار إنشاء لأنه لَا يثبت معناه إلا به، والتكذيب من عارض الخبر، لَا من عوارض الإنشاء، فحينئذٍ تقول: الظهار إنشاء ولا شيء من الإنشاء بكذب، فلا شيء من الكذب بظهار، ثم يضم له مقدمة أخرى، فتقول: الظهار زور بمقتضى هذه الآية، ولا شيء من الزور بظهار بمقتضى المقدمة الأولى، فينتج لَا شيء من الظهار، والجواب: بأن الظهار له اعتباران فهو باعتبار التشبيه، خبر يعرض له التصديق، والتكذيب باعتبار التزام مقتضى التشبيه هو إنشاء لَا يقبل تصديقا ولا تكذيبا، يرد بأنه يلزم عليه الجمع بين الضدين، فإما أن يجعله إنشاء مجردا أو خبرا، والجواب: بأن الظهار كان في الجاهلية قبل نزول هذه الآية موجبا للتحريم، فتركت الآية ردا على اعتقاد ذلك، وإن وضع الظهار أو التحريم ليس بحكم شرعي، فلا يلزمه الشرع فيه ما التزمه من التحريم، وإذا لم يلزمه ذلك فيه خرج عما وصفه له، فبطل فيه حكم الإنشاء فيصح تعلق التكذيب به، وإما تعهد نزولها فالظهار لازم لمن التزمه فهو إنشاء لَا خبر يرد بأنه يلزم ذلك في هذه القصة

стр. 1476

التي نزلت الآية لأجلها، فإن كان إنشاء فقد سماه في القرآن زورا مع أنه ظهار على مقتضى فعل الجاهلية، ويجاب: بأنه يفهم تعلق التكذيب به بوجهين واعتبارين، فالمراد بالظهار في اللغة التحريم المؤبد، وهذا ما يطلقه الأمر بداية التحريم، وفي الشرع التحريم المعلق على إخراج الكفارة، فإِذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، فقصد به التحريم المؤبد، وهو كاذب شرعا، كمن قال في ثوب غيره: بعتك يا فلان هذا الثوب فهو صادق باعتبار اللفظ، والقصد كاذب من جهة المعنى مع إنشاء بلا خلاف، وهذا [محرم*]، قال ابن التلمساني في شرح المعالم: لما قال الفخر: [الأكثرون*] عرفوا الخبر بأنه ما احتمل الصدق والكذب، وأبطله الفخر بأن التصديق والتكذيب هو الإخبار عن كونه صدقا وكذبا فيلزم [الدور*]، وأجاب ابن التلمساني: بأنا لَا نسلم أن الصدق هو الخبر المطابق، بل مطلق المطابقة، وكذلك الكذب فلا يتوقف فيهما عليه، وقال القرافي في [فروقه*]: مما يتوهم أنه إنشاء، وهو خبر قول القائل: أنت عليَّ كظهر أمي، يعتقد الفقهاء أَنَّهُ إنْشَاءٌ لِلظِّهَارِ، [كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ*] إنْشَاءٌ لِلطَّلَاقِ [فَإِنَّ الْبَابَيْنِ فِي الْإِنْشَاءِ سَوَاءٌ*] وليسا سواء، والفرق بينهما [مِنْ وُجُوهٍ*] أحدهما: أن الخبر محتمل للصدق والكذب، والظهار موصوف بالكذب بالقرآن، بقوله تعالى: (وَزُورًا)، وبقوله تعالى: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، [فَكَذَّبَهُمْ اللَّهُ*]، وبقوله تعالى: (مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ)، والإنشاء للتحريم لَا يكون منكرا بدليل الطلاق. الثاني: أجمعنا أن الظهار يحرم، وليس للتحريم مُدْرَكٌ إلَّا أَنَّهُ كَذِبٌ، ورد عليه مختصره بأن مدركه تشبيه من يحل وطئه، بمن يحرم، فأتى بحكم يخالف حكم الله تعالى. الثالث: أن فيه الكفارة التي هي زاجرة ماحية للذنوب، [فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إذَا كَانَ كَذِبًا، ورده مختصره بما تقدم. الرابع: قوله تعالى: (ذَلِكُم تُوعَظُونَ بِهِ)، وَالْوَعْظُ إنَّمَا يَكُونُ [عَنْ*] الْمُحَرَّمَاتِ، وما ذاك إلا [لِكَوْنِهِ كَذِبًا*]، ورده أيضا المختصر بما سبق، وقال القرافي في الذخيرة: صيغ العقود، والطلاق والعتاق نحو بعت، وأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، أصلها إخبارات ثم نقلت للإنشاء، انتهى، وقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ)، في [لفظه*] رد على ما قال الزمخشري: إن في التصريح بلفظ (منكم) [توبيخ*] لما عدل عنه في الآية إلى لفظ الغيبة، وإيجاب على البعد من ذكره، وعدم الاتصاف به إذ لو كان في الخطاب [توبيخ*] لما عدل عنه في الآية إلى لفظ الغيبة

стр. 1477

وله أن يجيب: بأن هنا يغني عنه، وهو التصريح بكونه منكرا، أو زورا فهو إغناء عن التعبير عن ذلك بلفظ الخطاب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ ... (٣)﴾ عطف هذا بالواو دون الأول، لأن الأول: جواب عن سؤال، لأن خولة سألت عن ذلك، وشكت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الثاني: معطوف عليه وهو كالمبتدأ، لأن الأولى اقتضت تحليل المظاهر، وأن الظهار لَا يوجب تحريمها، فالتحليل سبب في الكفارة فعطف بالواو، والآية حجة لمن يقول: إن الظهار لَا يكون في الأَمَة، لأن الإضافة في قوله تعالى: (مِنْ نِسَائِهِم)، ليست للملك، وإنما هي للتشريف [فيقتضي*] الحرائر دون الإماء، والاستحقاق كذلك، لأن الحر إنما يستحق [النكاح*]، وبدليل قول مالك: إن الحرة تكون فراشا بنفس العقد عليها، بخلاف الأمة فإنها فراش للسيد بعد عقد الزوج عليها حتى يطأها الزوح، فقال ابن العربي: أجمعنا على أن العبد ليس من رجالنا، في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)، فكذلك الأمة لَا تكون من نسائنا، ولذا قال: من النساء لضم الحرائر والإماء. قوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا). قال ابن رشد في المقدمات: اختلفوا في العود الموجب للكفارة على ستة أقسام أقوال أحدهما: إذا أراد الوطء واجتمع عليه لزمته الكفارة، وإن مات أو طلقها، قاله مالك في الموطأ. الثاني: إرادته الوطء وإجماعه عليه مع استدامة العصمة، فمتى انفرد أحدهما لم تجب الكفارة إن اجتمع على الوطء ثم قطع العصمة بطلاق، أو موت سقطت الكفارة، وإن كان قد عمل بعضها سقط سائرها، وكذلك إن استدامة العصمة، ولم يرد الوطء ولا اجتمع عليه لم تجب عليه الكفارة بل لَا تجز به إن فعلها وهو غير عازم على الوطء وغير مجمع عليه، قاله مالك في المدونة، وعليه جماعة أصحابه، قال ابن رشد: وهو أصح الأقاويل، وأجراها على القياس وأبينها لظاهرِ القرآن، لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَمَاسَّا)، ما لم تنقطع العصمة ويرجع بنيته عن إرادة الوطء.

стр. 1478

والثالث: [أنه*] عودة الوطء نفسه روى عن مالك حكى الثلاثة أقاويل عنه عبد الوهاب، فقيل: هذا القول [لَا تجزئ*] به الكفارة قبل الوطء، وإن أراد الوطء وأجمع عليه واستدام العصمة، وله أن يطأ قبل الكفارة مرة، فإذا وطء وجبت عليه الكفارة إن أراد الوطء ثانية، فاستدام العصمة، فإن رجعت نيته عن الوطء وانقطعت العصمة بموت أو فراق، سقطت الكفارة ما لم يطأ ثانية، وحكى هذا القول أصبغ في العتبية عن أهل المشرق، ومن يرتضي من أهل المذهب. والرابع: استدامة العصمة، وترك الفراق قاله الشافعي ﵀ قال: وأما من ظاهر ثم لم يطلق زوجته طلاقا متصلا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة. قال الخامس: [أنه*] العود فيعود فيتكلم بالظهار مرة أخرى، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر وبكير بن الأشج. السادس: قول ابن قتيبة: أنها العودة في الإسلام، أي نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية، ويعدونه طلاقا، ولما ذكر ابن رشد القول الرابع عن الشافعي ﵀ قال: وهو فاسد يدل على فساده القرآن واللغة، على أن [أصحابه*] يدعون له علم اللغة، لأن الله تعالى قال (ثُمَّ يَعُودُونَ)، ثم للتراخي بلا خلاف، والعصمة لم تنقض بالظهار فمحال أن يقال: ثم يكون كذا لم يزل كائنا، وهو خطأ من وجه آخر؛ لأنه إنما أوجب عليه الكفارة لتركه الطلاق، فيكون معنى (ثُمَّ يَعُودُونَ) عنده، ثم لم يطلقوا، وقوله (ثُمَّ يَعُودُونَ)، إيجاب ولم يطلقوا نفي، ولو صح ذلك لكان الإيجاب نفيا، والنفي إيجابا، وهو محال، انتهى، قوله: إن أصحاب الشافعي ﵀ يدعون له علم اللغة نحو ما قال ابن التلمساني في باب الأوامر في المسألة السابعة اعتمد بعض الأئمة في إثبات دلالة المفهوم على أنه قال به كثير من أئمة العربية، كأبي عبيدة، قال: رحمة منهم، وقد احتج الأصمعي، وصحح ديوان الهذليين، انتهى، وهذا خلاف في تقييده في باب العطف، لما حكى أن الواو للترتيب، وقول ابن رشد، أن ثم للتراخي، بلا خلاف غير صحيح، قال ابن عاصم وغيره: وقيل: إنها بمعنى الواو ولا مهلة فيها، وقوله: لَا يكون الإيجاب نفيا، إن أراد حقيقة النفي والإثبات فمسلم، وإن أراد باعتبار المعنى فممنوع إذ لَا يكون الإيجاب نفيا؛ إن أراد حقيقة النفي والإثبات فمسلم لَا يجوز أن يقال: هذا متحرك لأنه لم يسكن، هذا ساكن لأنه لم يتحرك، فيصح تفسير الإثبات بالنفي، وإنما الممنوع توارد النفي والإثبات على شيء واحد، لأنه تناقض، فإِن قلت: قد قال الفخر: في الآيات البينات أن الفصل لَا يكون عدميا، لأنه لَا يفسر الإثبات بالنفي، قلت: ما قاله غير

стр. 1479

صحيح، لأن الفصل أمر ذاتي للماهية، مقدم لها والماهية لَا تتقدم بالعدم، بخلاف الخاصة، فإِنها يصح أن تكون عربية لأنها خارجة عن الماهية لَا تتقدم بها، فحقه إن كان يقول الفصل لَا يكون عدميا، لأن الماهية لَا تتقدم بالعدم، ولا نتعلل بالإثبات والنفي، لأنه في الخاصة يفسر الإثبات بالنفي، وهذا ليس من ذلك القبيل. لأن ذلك في التصورات، وهذا من الرسم لَا من الحد. لأن معرفات الفقه كلها رسوم بالجنس، وخاصة [ ... ] بحدود. قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). العطف بالفاء دليل على أنها للترتيب؛ لأن الكفارة إنما تجب بالعودة، وإذا فعلت قبل العود، وكانت [نفلا*] يسد مسد الفرض، وقال في كفارة القتل (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فهل يرد المطلق على المقيد أو لَا؟ فيه خلاف في أصول الفقه في المطلق والمقيد إذا اختلفا في السبب واتحدا في الموجب، هل يرد المطلق إلى المقيد أو لَا؟، قالوا: والصحيح أنه لَا يرد إليه، لأن المطلق أعم فيتناول صورة المقيد وغيرها، والأعم لَا إشعار له بالأخص، ومالك اشترط فيها الإيمان، وحجته إما [برد*] المطلق للمقيد، وإما بقاعدة الاحتياط في الخروج من العهدة. قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا). فائدة إدخال (مِنْ) لتدل على ابتداء أزمنة الصلة، فيكون الأمر بالكفارة على الفور، أي بنفس الفرد تجب الكفارة، ولذلك دخلت الفاء لتفيد أيضا التعقيب، وفي الآية سؤالان: الأول: لم قيل: (يَتَمَاسَّا)، ولم يقل: يتماسوا كما قال: يظاهرون؟ وجوابه: أن التماس صفة لَا تعقل إلا من اثنين [ماس وممسوس*]، والظهار من فعل الرجال فقط، وفعل الجماعة لَا يدل على [المشاركة*] بين اثنين، وإنما يدل على وقوع ذلك عن كل واحد على حدته، ولأن المظاهر منها يجب عليها أن تمنع زوجها من نفسها حتى يكفِّر، والمماسة من [فعلهما*] معا بخلاف الظهار. السؤال الثاني: قال ابن رشد في مقدماته في كتاب الطهارة في قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)، الملامسة لَا تكون إلا عن قصد، والمماسة أعم، تكون عن قصد وغير قصد، فيقال: تماس الحجران، وكفارة الظهارة إنما تجب بالملامسة لَا بالمماسة، فهلا عبر باللفظ الأخص فهو أخص في بيان ما يقع به الوجوب، لأنهم قالوا: إذا مسها ناسيا فلا كفارة عليه، وجوابه من وجهين:

стр. 1480

الأول: مادة التماس تقتضي أنه من اثنين لأنها مفاعلة، والغالب في فعل الاثنين أن يكون مقصودا. الثاني: أنه إشارة إلى أن الكفارة على الفور، وأنها تجب قبل القرب من المرأة بقصد، أو غيره، ويجاب أيضا: أنه من باب النفي، وهو المنع من الوطء حتى يكفِّر، والقاعدة استعمال الأعم في النفي، والأخص في الثبوت، قال شيخنا ابن عرفة: ولو قالت المرأة لزوجها أنت عليَّ كظهر أمي، فلا خلاف أنها لَا يلزمها شيء إلا أن ابن السيد حكى في شرح الموطأ عن الحسن: أنه يلزمها الكفارة. قوله تعالى: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ). الزمخشري: لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب [الجناية*] يعني الإثم، والكفارة راجعة للإثم، ويرد بالكفارة اليمين بالله تعالى، وبأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حلف وكفَّر، وكذلك أبو بكر، ولا إثم هناك، وإنما الإثم الذي ترفعه الكفارة في الظهار فقط فحقه أن لَا يقول ذلك مطلقا بل مقيدا بهذا. قول (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، أطلق هذا القول لأن العمل أعم يصدق على القول، والعمل. قوله (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ... (٤) .. ، المراد بنفي الوجدان نفي الملك، فإِذا أعتق عنه الغير لا يجزئه، [لأنه لَا يكون له ولاء*]، بل للمعتق، والولاء تابع للملك ومستلزم له، لقوله: إذا اعتق أجنبي عن امرأة زوجها في كفارة عليها أن النكاح لَا ينفسخ على المشهور، بخلاف ما لو أعتقه عنها على مال دفعته فإنه ينفسخ النكاح، لأن الولاء لها حينئذ. قوله (مُتَتَابِعَيْنِ)، اللفظ يقتضي تتابع الشهرين أنفسهما فيما بينهما، وتابع أيامهما وتقييد الشهرين بالتتابع دليل على أن كل ما اختلف فيه من الصوم المطلق فإنه غير متتابع، كقوله لله عليَّ صوم شهر، إذ لو كان التتابع مفهوما من لفظ الشهر، لما احتيج إلى تقييده بالتتابع، ولكان وصفه بذلك تأكيد مع أن الأصل التأسيس، و (لم) هنا لنفي الماضي المتصل بالحال، لأنه إذا كان عديما حين اليمين ثم أيسر بعد ذلك، فعليه العتق، وإنما يعتبر يسره وعسره حين الحكم عليه، واختلفوا في الإطعام، وفيه طريقان فمن الشيوخ من يقول: يطعم مُدًّا بمد هشام، ثم يحكي الخلاف في قدر مُدِّ هشام، فقيل: هو مدان إلا ثلث بمده ﷺ ، وقيل: مد وثلث بمد هشام، ثم يقول: وفي قدر مد هشام قولان: قيل: مدان إلا ثلث، وقيل: مد وثلث، وأكثر الكفارات متفقة، وكفارة فدية الأذى مدان بمده ﷺ ، وجزاء صيد مد واحد بمده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبمعنى ذلك أن

стр. 1481

الحكمين يحكمان عليه بمثل ما قتل من النَّعَم أو قيمته طعاما فيطعم مدا واحدا لكل مسكين. قوله تعالى: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا). أي أنزل حكم الظهار [لتعملوا*] به فتؤمنوا بالله ورسوله، إذ لَا يعمل به إلا من صدق الرسول فيما أخبر به عن الله، [**ولا يصدقه الأمر من الفخر، أي ترتيب الكفارة أول، ثم ثان، ثم ثالث، لتؤمنوا]. قوله (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ)، ذكر هذا دليل على أن حدود الله لَا يتعداها إلا من قارب الدخول في الكفر، والرجوع عن الإيمان، ولهذا قال ﷺ : "المعاصي تزيد الكفر". قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ... (٥)﴾ احتجوا بها على أنه لَا يجوز أن يرد في القرآن ما لَا يفهم، وأجيب: بأن قوله تعالى: (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، مطلق يتناول بعض الآيات لَا كلها، ولا شك أن بعضها بين بلا خلاف. قوله تعالى: (مُهِينٌ). وقال تعالى قبله (عَذَابٌ أَلِيمٌ)، والجواب: [أما*] الأول فعلى الأصل، لأن كل عذاب أليم، وأما هذه فوجه مناسبتها أن المجادلة هي المشاقة، ومن لوازمها الظهور والارتفاع، والإهانة من لوازمها الذل والانخضاع. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ... (٧)﴾ الخطاب إما للنبي ﷺ ، أو لخواص المؤمنين أو لعمومهم، ونزل الجاهل منزلة العالم؛ لظهور الدلائل الدالة على ذلك، بحيث لَا يخفى على أحد. قوله (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، الزمخشري: لأن من علم بعض الأسباب بغير سبب فقد علمها كلها، ابن سلامة: هذا اعتزال لأنه ينفي الصفة، فيقول: إن الله عالم بلا علم، قال شيخنا: ليس باعتزال إذ لَا يصح أن يقول الحق إنه عالم بسبب، وإنَّمَا ذلك في العلم الحادث، وأما العلم القديم، فهو عالم لذاته، لَا بسبب، وقولنا عالم بعلم ليس بسبب بل الباء للمصاحبة. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ... (٨)﴾

стр. 1482

المعنى [ألم تنظر*]، فلذلك عدى بإلى، والنظر سبب في الرؤية، وقد ينظر فيرى وقد لا يرى، والآية دليل على أن النهي للتكرار، وهو المشهور، ولذلك ذموا على عدم الانتهاء. قوله تعالى: (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ). قال شيخنا: الذي يظهر أن الإثم هو تناجيهم في حالة نصرة المؤمنين وأمنهم، والعدوان هو تناجيهم حالة خوف المؤمنين وقتالهم؛ لكن في غيبة النبي ﷺ ، ومعصيته تناجيهم بحضرة النبي ﷺ في حالة خوف المؤمنين وقتالهم. قوله (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ)، دليل على أن ما في النفس يسمى قولا، إما بطريق الحقيقة، أو بطريق الاعتزال. قوله (لَولا)، تخصيص على معنى التهكم والاستهزاء. قوله (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، إذا علق الذم على الوصف الأعم، فأحرى الأخص، لأن المصير أعم من قوله: مصيرهم. قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... (٩) .. ، يحتمل أن يريد المؤمنين حقيقة، أو المنافقين، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر؛ لأن وصف الإيمان صادق عليهم مقيدا، وإذا صدق مقيدا صدق مطلقا، فإن قلت: لو أريد المنافقون للزم عليه التكرار، لتقدم نهيهم في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى)، قلت: ذلك نهي عن النجوى المستلزمة للوقوع في الإثم والقبح، وهذا أمر بالنجوى المستلزمة للبر والتقوى. قوله تعالى: (إِذَا تَنَاجَيْتُمْ). أي إذا أردتم التناجي. قوله تعالى: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى). إن قلت: يدل على أن النهي عن الشيء ليس بضده، والإيمان تأكيد، والأصل التأسيس، قلت: إنما ذلك حيث يكون له ضد واحد، وهنا له أضداد منها الإباحة فأفاد الأمر تعيين المراد من تلك الأضداد، ووقع النهي عن ثلاثة أشياء والأمر بشيئين، والواو في [وَتَنَاجَوْا*] بمعنى (أو) إذ لو كانت للجمع على حقيقتها للزم عليه أن يكونوا نهوا عن الجمع في التناجي بين الأمر، فيبقي التناجي الملزوم لأحدهما فقط، غير منهي عنه، لأنها قبل النهي كانت للجمع بينهما، فدخل النهي عليها فأفاد [التحذير*] منهما

стр. 1483

عن أحدهما، فإن قلت: وقع في الحديث النهي عن التناجي مطلقا، بقوله: "لا يتناجى اثنان دون واحد"، وظاهر الآية خصوص النهي [بالتناجي بالإثم*] والعدوان، وجواز التناجي بغير ذلك؟ قلت: معنى الحديث النهي عن التناجي الملزوم للإثم، فإِن قلت: كيف يفهم هذا الترتيب بين المعطوفات على ما فسرته في الآية لأنك جعلت معصية الرسول أخصها، ثم العدوان ثم الإثم، والقاعدة في النهي والنفي البداية [بالأخص*]، والجواب: أن قصد المبالغة في الآية بذكر العدوان والمعصية مدلولا عليها بأمرين: بالمطابقة واللزوم، والشرط ما قلناه راجع للإثم، والتقوى راجعة للعدوان، لأنه إذا اتقى الله لم يعتد. قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (١٠)﴾ قال الإمام: إلا بخلقه وقدرته، (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، راجع لمعصية الرسول؛ لأن اعتقاد الحشر والنشر لَا يستفاد إلا من جهة الرسول، وليس للعقل مدخل فمن صدق الرسول، فقد اتقى، ومن كذبه فقد عصى الله ورسوله. قوله تعالى: (إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ). قال الإمام: إلا بخلقه وقدرته، الزمخشري: إلا بمشيئته وإرادته، السكوني: اعتزل هنا، لأنه ينفي الكلام، فالمراد بالإذن، قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، قال شيخنا: عندنا أن الحوادث إنما هي متوقفة على العلم والقدرة والإرادة لَا على الكلام، هذا من جهة العقل، وأما

стр. 1484

من جهة الشرع فيتوقف على الكلام لقوله تعالى: (نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فإنما اعتزل الزمخشري من جهة ناحية أنه يقول إن العبد يخلق أفعاله فلذلك قال: إلا بإرادته، ولم يقل: إلا بقدرته. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا ... (١١)﴾ الخطاب للمؤمنين أو للمنافقين، فإِن قلت: قوله تعالى: (يَفْسَحِ)، يدل على أن الخطاب للمؤمنين، قلت: [هو*] وعد على تقدير امتثالهم ذلك، ومن المنافقين من أسلم وحسن إسلامه، وامتثل ذلك وفعله حقيقة، فإِن قلت: يبقى من يفسح في المجلس ظاهرا، وهو في الباطن منافق، قلت: لَا يفعله إلا المؤمن حقيقة. قوله تعالى: (فِي الْمَجَالِسِ). صرح بالمجرور في هذا ولم يصرح به في قوله (انْشُزُوا)، والقول يتناول لسان الحال، فيجب على من أمكنه التفسح من الجالسين، أن يفسح للداخل عليه، ولم يصرح بطلب ذلك، [لكن الحال يقتضي طلبه*]. قوله تعالى: (فَافْسَحُوا). يؤخذ منه أن الأمر للفور، لأن الفاء للتعقيب، فإِن قلت: جواب الشرط في الآية يقتضي أنه غير مطابق لفعل الشرط، [لأن*] [(تَفَعَّل) يقتضي [تكلف*] الفعل، و [(افْعَلْ)] يقتضي الإتيان به من غير كلفة، فالجواب من وجهين: الأول: أن تعليق الثواب على الأعم أبلغ من تعليقه على الأخص، لأنه إذا رتب الثواب على الفعل الذي لَا كلفة فيه، أفاد ترتيب الثواب على ما فيه كلفة من باب أحرى. الثاني: أن (تفسحوا) يقتضي اتساعهم فيما بينهم، فيكون الداخل طلبوا أن يتسعوا فيما بينهم، ولم يطلب أن يوسعوا له، فيكون الأمر اقتضى أنهم إذا طلب منهم الاتساع في ما بينهم فليستحضروا في توسعهم اتساعهم لغيرهم، لأن [ ... ] غير متعدد فصح وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن التناجي مظنة [للاجتماع*] في المجلس، والازدحام، فيناسب الأمر بالإفساح في المجلس. قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا). ابن العربي: الإيمان في الدنيا نظري، لأن الدلائل الدالة عليه نظرية، [إذ لو*] أظهرها الله تعالى الظهورَ البَيِّنَ لصارت ضرورية، فكان يكون الإيمان [إلجَائِيّاً*] ضروريا،

стр. 1485

انتهى، هذا هو مذهب المعتزلة، بل [لو*] أظهر الدلائل كلها؛ لجاز ألا يؤمنوا، ويدوموا على كفرهم، وإنما الأشياء [عندها لَا بها*]. قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ... (١٢)﴾ الإضافة للتشريف، أي نجواكم الشرعية اللائقة بكم، وأخر الصدقة عن النجوى، وإن كانت هي المقصود، لأن المعلول متأخر عن علته، والصدقة معللة بالنجوى، وتنكير الصدقة تيسير رحمة، ولذا قال ﵇ لعليٍّ ﵁ ما قال، والأمر بتقديم الصدقة دليل على المراد تقليل المناجاة، لأن فعل ما ليس متوقفا على سبب للبشر من فعل ما هو متوقف على سبب، كما أن البسيط أجلى من المركب وأقرب، والمناجاة دون صدقة أهون على النفوس منها مع الصدقة، وعبر القاضي هنا: بأن عدم الصدقة [للشح*]، وهذا لَا يليق بالصحابة، بل عدم صدقتهم، إنما هو لكونهم رأوا أن إبقاء المال ليستعينوا به في الجهاد أولى من الصدقة، فيتركون المناجاة لأجل ذلك، وإن قلت: إذا كان الأمر بالصدقة إشارة إلى أن المطلوب تقليل المناجاة كما تقدم، فهلا عبر بـ (إن) دون (إذا) لدلالتها على أن ما دخلت عليه مطلوب عدمه، فالجواب من وجهين: الأول: أن المناجاة محققة لأن الصحابة ﵃ لمحبتهم في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لابد لهم من مناجاته. الثاني: الجزاء مطلوب وجوده، وهو الصدقة، فإذا كان الجزاء مطلوبا كان الشرط كذلك. قوله تعالى: (فَإِنْ لَم تَجِدُوا). والمراد وجدان المطلق كما قال علي ﵁ فيمن وجد حبة من شعير: أنه واجد بخلاف من يستحق الزكاة، لأن المطلوب فيها وصف التفرقة، فإذا وجد من يبلغه فهو واجد. قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فهل معناه: إن تركتم المناجاة لفقركم؟ أو معناه إن ناجيتم بغير صدقة لفقركم، وهو الظاهر. قوله تعالى: ﴿صَدَقَاتٍ ... (١٣)﴾ فإن قلت: لم أفردت الصدقة، أولا وجمعت ثانيا؟ قلت: الأول تكليف فأفردت فيه الصدقة، إذ لو جمعت لتوهم أن المراد تقديم صدقات، لَا صدقة واحدة. قوله تعالى: (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ).

стр. 1486

دليل على أن هذه الآية ناسخة للأمر بالصدقة، [وليس نسخًا إلى بدل*]، وهي الصلاة لأنهم كانوا مكلفين بها والمراد دوموا إقامة الصلاة. قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ الآية رد على الجاحظ القائل: بأن الكذب إنما هو في العمد لقوله (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فإن أجاب بأنه تأكيد، قلت: الأصل التأسيس، وقال الشريف الحسني في شرح الآيات البينات، [بأن*] الخطيب لما ذكر تعريفه للخبر بأنه ما احتمل الصدق أو الكذب، وحكى ما أورد عليه من أنه يلزم عليه الدور، لأن الصدق والكذب لَا يعرفان إلا بعد معرفة الخبر، أجاب: بأنهما معلومان بالضرورة، فلا دور فيه، انتهى، ويرد بأن الصدق والكذب أخص من الخبر، فإذا كان الأخص معلوما بالضرورة، كان الأعم معلوما بالضرورة، فما يحتاج إلى تعريف الخبر بوجه. قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... (١٦)﴾ يحتج بها من يقول: إن الفاء كالواو، [لا تفيد ترتيبا*]؛ لتقدم صدهم على حلفهم، وهذا إن أريد أنهم صدوا في أنفسهم، ويجيب الآخرون: بأن المراد صدهم غيرهم، وهذا أحد التأويلين الذَين ذكر ابن عطية: أي حلفهم صدوا المسلمين عن قتالهم، والانتصاف منهم. قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ ... (١٧)﴾ حجة الزمخشري: في أن لن أبلغ في النفي من لا؛ لأن [الصدَّ سابق على*] الإغناء مطلقا نفيا عاما، فإن قلت: العموم مستفاد من [قولهم]: الأصل [الدلالة*] بالوضع لَا بالقرينة، فإن قلت: لو كانت أبلغ احتيج (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قلت: الخلود مثبت والإغناء منفي، فإن قلت: نفي الإغناء يستلزم الخلود، قلت: دلالة المطابقة أولى من دلالة الالتزام، فإن قلت: في سورة الكهف (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فجاء المال في الإثبات، وجاء هنا في النفي مجموعا، وتقرر أن الجمع أخص من الإفراد فكان المناسب العكس، وهو استعمال الأعم في النفي، والأخص في الثبوت، فالجواب: أنه نفي لاستلزام الأخص [لَا نفيا*] للأخص، أي إذا ما أغنت عنهم أموالهم فأحرى [أولادهم*]. قوله تعالى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

стр. 1487

الضمير هنا لمطلق الربط، كقول الزمخشري: في سورة البقرة في (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، لأن الخلود في النار ليس خاصا بالمنافقين. قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا ... (١٨)﴾ احتراس، لأنه تقرر أن الكذب فيما يبعد تواطؤ الجماعة عليه، وكذا أكد الإخبار عن كذبهم بـ (إنَّ) والبناء على المضمر، وتعريف الخبر واللام في (له) إما للتعدية، وإما للتعليل، وهو أصوب لأن لام التعدية تقتضي مباشرتهم إياه للحلف، وهو أحقر من ذلك، فإِن قلت: [الكاف*] في قوله (كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، [والتسوية*]، وهو مشبه به، قلت: التشبيه لَا يلزم أن يكون من كل الوجوه. قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ... (١٩)﴾ الزمخشري: استولى عليهم، وهو مِنْ حَاذَ الْحِمَارُ الْعَانَةَ، إذا جمعها [وسَاقَهَا غالبا*] لها، وهو حمار الوحش، والعانة جماعة [الحمر*]، أبو حيان: قياسه استحاذ مثل استقام، وهي قراءة أبي عمرو، واستحوذ [شاذ*] في القياس فصح الاستعمال، انتهى، هذا مما روعي فيه أصله وفرعه، لأن [حروف العلة إذا تحركت*] وانفتح ما قبلها تقلب ألفا، وهذا أصله استحوذ، فنقلت حركة حرف العلة إلى الحاء، وروعي في الحاء حركتها الآن المنقولة إليها، وفي الواو حركتها المنقولة عنها، الطيبي: روعي فيه ما روعي [في*] استفعل بمعنى فعل، [وجود*] حرف العلة فيها متحرك، الفخر: احتج بها القاضي عبد الجبار من المعتزلة، على أن أعمال الخلق مخلوقة، من وجهين: أحدهما: أن ذلك النيسان لو حصل بخلق الله لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا. والثاني: أنه لو حصل بخلق لكان هؤلاء المذكورون كالمؤمنين في أنهم حزب الله، انتهى، وجه الاحتجاج أن المعتزلة اتفقوا على أن العبد يخلق أفعاله الراجعة إلى نفسه، واختلفوا فيما يتعلق منها بغيره، فمنهم من قال: بالتولد وأنه من فعل الفاعل الأول [فما*] يتم له الاستدلال بها إلا على القول بالتولد، وفي الآية دليل على الترك [في الفعل*]، لأن النسيان ترك، وقد قال قبلها (إِنهُم سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فسمى الصادر [عنهم*] عملا؛ إلا أن يجاب بأنهم ذموا بأمرين سواء فعلهم وبتركهم ذكر الله، والمصدر في ذكر الله تعالى مضاف للمفعول، ويحتمل أن يكون مضافا للفاعل، والمعنى [فإنساؤهم أنساهم*] أن الله يذكرهم، وأنه ليس بغافل عنهم، ويعلم سرائرهم وخفيات أمورهم.

стр. 1488

قوله تعالى: ﴿فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ أخص من قولك أولئك أذلاء، ووصف الذلة مقابل لوصف محادتهم، فإن قلت: ظاهرها يوهم كون الشيء ظرفا لنفسه، لأن الأذلين هم المحادون لله، قلت: المعنى على التجوز في جملة الأذلين في العذاب. قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ ... (٢١)﴾ ابن عطية: أي قدر ذلك وأراده في الأزل، الزمخشري: كتبه في اللوح المحفوظ، انتهى، هذا جار على مذهبه، لأنه ينفي الإرادة في الأزل لكنه أقرب إلى ظاهر اللفظ، وعلى تفسير ابن عطية يكون الكتب مجازا، ودخلت اللام في (لأَغْلِبَنَّ) لتضمن الفعل معنى الإرادة، وهي لَا تقع جوابا إلا بعد أفعال القلوب، فإن قلت: لم أتى هذا الفعل بهمزة المتكلم وحده؟ وهلا كان بالنون لأنها للمتكلم، ومعه [غيره*]، أو للمعظم نفسه، ولا أعظم من الله ؟ فالجواب: أنه عدل عنها خشية إيهام الاشتراك في الغلبة؛ لقصد التنبيه عليه باستقلال الله تعالى واختصاصه بالغلبة دون وزير ولا معين. قوله تعالى: (قَوِيٌّ عَزِيزٌ). القوة راجعة للقدرة، [والعزة*] بمعنى أنه مستغن بإرادته وعلمه وممتنع عن [الاحتياج*] إلى غيره. قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا ... (٢٢)﴾ قيل: إنها نزلت في المنافقين، وقيل: في حاطب بن أبي بلتعة من المؤمنين ومخاطبته أهل مكة، وحديثه في مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، وذكره الزمخشري في أول سورة الممتحنة، وجعله هنا من التخيل، وقال ابن عطية: المراد يؤمنون الإيمان الكامل، انتهى، وتحقيقه [أنَّا*] إن قلنا: أنها نزلت في المنافقين فينفي وجدان الموادة حقيقة، معناه لَا تجد مؤمنا يواد من حاد الله ورسوله من حيث كونه يحادد إليها مكافأة عن يد سلفت، أو نحو ذلك، فحينئذ لَا يكون المراد نفي الوجدان حقيقة؛ لأن ذلك قد وجد في المؤمنين، كحاطب ونحوه، فيحتاج إلى أحد أمرين: إما أن يجعله تخيلا، فالمراد نفي المراد الإيمان الكامل، ويؤخذ من الآية عدم تزويج الكتابية، لأن التزويج ملزوم للمودة، لقوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وتقديره أن الكتابية محادة لله ورسوله، وكل من حاد الله ورسوله لَا يواد، فالكتابية لَا تواد، ثم تقول الزوجة تواد، وكل من يواد لَا يكون كافرا [فالزوجة*] لَا تكون

стр. 1489

كافرة، وقال مالك في [العتبية*] في كتاب النكاح الثاني: سماع أشهب، وابن نافع رسم الطلاق، وسئل عن النصراني يصنع صنيعا، فيختن ابنا له فيدعوا في دعوته مسلمين أو مسلما، أترى له أن يجيبه، فقال: إن ما جاء ليس عليه في ذلك ضيق، إن جاء فلا بأس به، قال ابن رشد: معناه لَا إثم عليه في ذلك ولا حرج إن فعله، وذلك إن كان له وجه من جوار أو قرابة، أو ما أشبه ذلك، والأحسن أن لَا يفعل لاسيما إذا كان ممن يقتدى به؛ لما في ذلك من التودد إلى الكفار، وقد قال تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا)، الآية وفي العتبية أيضا في النكاح الأول، قال ابن القاسم: كره مالك الوصية إلى اليهودي والنصراني، وكان قد أجازها قبل ذلك، قال ابن القاسم: إذا كان على صلة رحم يكون أبوه وأخوه، أو أخواله نصارى فيصل بذلك رحمهم وهو أحسن، وأما لغير هذا فلا. قاله عنه عيسى: وأما الأباعد، فلا يعجبني، نقله ابن يونس في الوصايا، وفي النكاح الثالث من العتبية في رسم باع شاة من سماع عيسى ابن دينار، قال ابن القاسم: لَا أرى أن تجوز وصية المسلم إلى النصراني، إلا أن يرى السلطان لذلك وجها، فإن أجازها استخلف النصراني مسلما يزوج بنات الموصي بالمسلمات، ابن رشد، قوله: يرى لذلك وجها، مثل أن يكون قريبه أو مولاه، أو زوجته، فيزوجوا [حسب*] نظرهم لما في الحيلة من المودة والإشفاق على ذوي الرحم، وهو خلاف ظاهر المدونة إنه لَا تجوز الوصية إلى الْمَسْخُوطِ، ولا إلى الذمي، وقال أصبغ: إذا كان قريبا فلا ينزل، ويجعل معه من عدول المسلمين من ينظر معه، ويكون المال بيده وهو أحسن الأقوال وأولاها بالإتباع، وإليه ذهب ابن حبيب وحكاه عن مطرف وابن الماجشون [وابن شاش*]، وتصح الوصية بالمال للذمي، قال القاضي أبو الحسن القصار: ويكون للحربي عندي انتهى، وجوز وصية المسلم للكافر بالمال عللوه بأنه مكافأة عن يد [سلفت*]، فإن قلت: يعارضه قوله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) الآية، قلت: إنما المراد بذلك المسالمة وترك القتال لا المواصلة والمودة، وفي جامع العتبية في رسم القضاء من سماع أشهب وابن نافع، قيل لمالك: أترى بأسا أن يهدي المسلم لجاره النصراني مكافأة؟ فقال: ما يعجبني ذلك، قال: قال تعالى (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) الآية، ابن رشد: أي مكافأة على ما يجب عليه أن يكافئه لَا مكافأة على هدية أهداها إليه، أو لا ينبغي قبول هديته، لأن المقصود [من*] الهدايا التودد بها لحديث: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" فإن أخطأ، وقبل هديته، وكانت عنده، فالأحسن أن [ينبه عليها*]، ولما عرف القاضي في مداركه بأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن علي المعروف بابن الحصار القرطبي، وكان من حفاظ الفقه ورواة الحديث، قال: كان له جار من النصارى [يقضي*] حوائجه، ومتى مر بدار

стр. 1490

الشيخ وقف به فيهش إليه الشيخ ويدعوا له، بأن يقول له: أبقاك الله وتولاك، أقر الله عينك، سرني ما يسرك، جعل الله يومي قبل يومك، والنصراني يفرح لذلك، فعوتب الشيخ في ذلك، فقال: إنما هي [معاريض*] علم الله [نبأني بها*]، فأما قولي أبقاك الله وتولاك، فأريد بقاؤه لعدم الجزية، وأن يتولاه بعذابه، وقولي أقر الله عينك، فإني أريد [قرار*] حركتها بشيء [يعرض*] لها، فلا تتحرك جفونها، وقولي يسرني ما يسرك، فالقافية تسرني وتسره، وأتى لي الله يومي قبل يومك، فيوم دخول الجنة قبل يوم دخوله النار، وقول الزمخشري: نزلت فيمن يصحب السلطان، غير صحيح؛ لأن مالكا [كان*] يصحب الملوك ويجلس معهم، وذكروا في سبب نزولها أمرين: أحدهما: يقتضي أنه ذم من واصل الكفار، وأظهر توددهم وعليه يدل أول الآية. والآخر: يقتضي أنها في مدح من عاداهم وعليه يدل آخر الآية، ونزلت الآية على منع المودة بلفظ المفاعلة فتتمتع مودة المسلم لمن لم يقدر له شبه. قوله تعالى: [(وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) *] هذا من باب نفي ما يتوهم ثبوته أو من باب نفي المانع، كقولك: أكرم السائل ولو جاءك على فرس، والعطف [تدلي*] لا ترقي باعتبار رقة القلب على الأب أقوى منها على الابن، أو هو ترق باعتبار أن التعاضد بالآباء أقوى منه بالأبناء، لكثرة الأبناء وتعددهم؛ بخلاف الأب فإنه واحد، وكان القاضي أبو علي عمر بن عبد [الرفيع*] رحمه الله تعالى يقول: في الآية سؤال، كان الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى ابن الفؤاد اللخمي يرده، وهو أن من حكم بحكم نفي أو إثبات ثم أخذ يذكر الموانع التي يستعيد معها وجود ذلك الحكم، فإنه يبتدئ بالأضعف منها ثم يترقى إلى ما هو أعلى منه وأبعد، أن يوجد معه الحكم ثم إلى ما هو أقوى في المنع من وجود ذلك الحكم، كقولك: أكرم السائل وإن أتاك على حمار، وإن أتاك على فرس، وإن علمت أن له دارا، ولَا شك أن رتبة الآباء أعلى من رتبة الأخوة وأشرف، بدليل الميراث ولأن ميل النفس إلى الابن أكثر، بدليل جواز شهادة الأخ لأخيه، ولا يجوز شهادة الأب لابنه، وجاءت هذه الآية على عكس هذا؛ لأنه سلك فيها مسلك التدلي، وقال: كنت أنا أجبته عن هذا السؤال، بأن الأب مفرد لا [يمكن*] فيه التعداد، والإنسان يركن إليه فبدئ به، والبنون يمكن أن يتعددوا ويكثروا

стр. 1491

فيحصل همٌّ لأبيهم كحال [التعاون*] والنصرة على هذا فيكون [ميل*] النفس إليهم أشد بهذا المعنى، وأما الآخرة فيتناولون آخرة النسب وآخرة الإسلام، أعني الأصحاب؛ لأن البنين يتفرعون منه وحده، والآخرة يتفرعون من أبيه وابنه ومن أبيه خاصة ومن أمه خاصة وما يتفرع من أصل [ ... ] أقل مما يتفرع من ذلك، والعشيرة أكثر من ذلك كله، فسلك في الآية على هذا مسلك الترقي، وانظر ما يأتي بعد هذا في سورة الممتحنة ويقرر كون العطف ترقيا من وجه آخر أيضا، وهو أنه إذا كان الإيمان مانعا من موادة الأب الذي لَا يمكن خلقه عقلا، [فأحرى*] أن يمنع مِن موادة من يمكن خلقه وهو الابن، وفي سورة عبس (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) فقدم الأخ على الأب. قوله (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ). قول النقاش: كتبه في [اللوح المحفوظ*]، اعتزال مع كونه سببا، وكذلك قول الطبري: قضى لقولهم الإيمان وكله بمعنى اللام، وكتب مشرب معنى قضى اعتزال أيضا، بل المراد خلق في قلوبهم الإيمان، وعبر عنه بالكتب؛ [ليفيد*] تحقيق ذلك وثبِوته، وكلام الزمخشري هنا أوله يوهم الصواب، وآخره اعتزال، في قوله في تفسير (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)، أي بلطف من عنده، والمراد بالروح الهداية وسماها روحا؛ لأنها بها تحصل حياة النفوس حقيقة. قوله تعالى: (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ). عطف المضارع على الماضي، إما لأن هذه جملة أخرى ابتدائية، فالمراد وهو يدخلهم، أي والله يدخلهم أو أن يدخلهم في معنى أدخلهم بإدخالهم لَا أنه أدخلهم بالفعل، لأن بعضهم [ ... ] حكى شيخنا أبو الحسن محمد ابن الشيخ أبي العباس أحمد البوني عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن منتصر الصدفي: أنه حكى عن الشيخ الواعظ [أبي*] الحسن علي البوني كان ساكنا بحارة اليهود من تونس، وكان يقضي حوائجهم ويملأ لهم الماء من عنده ويسعفهم بمرادهم [ولا يكلهم إلى*] ما ينوبهم في رمي الزبل الذي هنالك، فلما مات تركوا ذلك كله، فطلبهم أهله بالرجوع إلى عادتهم، وقالوا لهم: إنه أوصانا عليكم فسألوهم عن موجب ذلك، فقالوا: موجبه من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوصى على الجار، وأكد حقه فأسلموا كلهم ببركة الشيخ رحمة الله عليه. * * *

стр. 1492

سُورَةُ الْحَشْرِ الزمخشري: [صالح بنو النضير رسول الله ﷺ على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر ﵇ محمد بن مسلمة الأنصارى فقتل كعبا غيلة*]، انتهى، أي قتله على غرة ولا يريد الغيلة الاصطلاحية، لأنها القتل خفية لأخذ المال. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ... (١)﴾ ابن عطية: التسبيح إما بلسان الحال بمعنى أن الناظر لهذه الجمادات يسبح الله تعالى، أو بمعنى أنها مفتقرة إلى الاستمدادات [بالأعراض*]، وهو حقيقة بلسان المقال انتهى، فعلى هذا لَا يدخل فيه المشركون ولا الدهرية، لأنهم لَا يسبحون الله، وعلى الأول يدخلون، وإن كانوا متصفين بضد التسبيح، لأن حالهم يقتضي الافتقار إلى موجد أوجدهم، وقوله حقيقة نحوه، قال اللخمي للمازري: وهو مشكل، لأن الموجودات إما جسم أو حيوان أو إنسان، فالجماد مؤلف من الجسم والعرض فقط، والحيوان يزيد عليه بالحياة، والإنسان يزيد عليهما بالعلم، فإذا جعل التسبيح من الجماد حقيقة يلزمه إما قيام الحياة بالجماد، أو صدور الكلام من غير الحي [وهو*] باطل، لأن الكلام شرطه الحياة، وما ورد في الحديث من تسبيح الحصى وكلام الجذع، وغير ذلك، فمعجزة خارقة للعادة، و (سبح) متعد بنفسه، وتعديه هنا بحرف الجر شاذ، كقوله: فلمَّا أنْ تَواقَفْنَا قَليلاً ... أنَخْنَا [للكَلاكِلِ*] فارْتَمَيْنَا ويحتمل أن يكون تقديره المفعول محذوفا سبح الله لله أي سبحوه لأجله ولذاته لا لشيء، وهذا هو غاية التوحيد، وانظر أبا حيان في أول سورة الحديد. قوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ... (٢)﴾ الزمخشري: هذا أول حشرهم إلى الشام، السهيلي في كتاب التعريف والإعلام بما وقع في القرآن مبهما من [أعلام*] هو إنما الإعلام سبب دخول بني إسرائيل لأرض الحجاز أنهم كانوا بالشام، وكانت العمالقة تغير عليهم المرة بعد المرة، فبعث إليهم موسى ﵇ جيشا من بني إسرائيل، وأمرهم أن يقتلوهم ويستأصلوهم ولا يتركوا منهم صغيرا ولا كبيرا، فخرجوا إليهم، وقاتلوهم وقتلوا جميعهم إلا طفلا صغيرا [ابن*] ملكهم حَسَنَ الصورةِ، فإنهم [استحيوا*] ورجعوا إلى الشام فوجدوا

стр. 1493

موسى ﵇ قد مات، فمنعهم أهل الشام من المقام معهم مخافة أن تلحقهم عقوبتهم بعصيانهم أمر موسى ﵇، لأنهم على يقين من نزول العذاب بهم، فأخرجوهم من أرضهم فرجعوا إلى أرض الحجاز فاستوطنوها انتهى، وذكر ابن عطية هذا في سبب إجلاء اليهود من أرض الحجاز، في قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلاءَ). قوله تعالى: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا). المناسب أن يكون هذا خطابا خاصا بالمؤمنين، ولا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن ظنه صادق، وإن كان لَا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله تعالى، فظنه وفراسته صادقة. قوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ). الزمخشري: هلا قيل: وظنوا أن حصونهم مانعتهم، فهو أخص من قوله (أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ)، وأجاب: بأن في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط [وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم*] انتهى، أراد أن التقديم للاهتمام بوصف المنع، وهذا نص في أن حصونهم مبتدأ ومانعتهم خبره، واختار أبو حيان أن مانعتهم خبر أن وحصونهم فاعل به، فإن قلت: هلا كان مانعتهم مبتدأ وحصونهم خبر، فيجاب عنه بوجهين: الأول: أن المبتدأ يكون أخص من الخبر، ومانعتهم هنا أعم من الحصون؛ لأنهم لم يحصروا المنع في الحصون، بل ظنوا أنهم يتمتعون بها وبكثرة عُددهم وعَددهم وقوتهم، كما أشار إليه الزمخشري. الثاني: أن مانعتهم اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، فإضافته [محضة*] على سبيل التنزل، والمراد [منه*] رسول الله ﷺ . قوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ). الزمخشري: [وقرئ: فآتاهم الله*] أي [أعطاهم الهلاك*] انتهى، وهذا تهكم [بهم*] لَا يوافق مذهب الزمخشري. قوله تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ). عبر بلفظ القذف لحكمة متعلقة، ولأنه يدل على شدة الرمي والإلقاء، وهو في مقابلة قوله تعالى: في سورة الفتح (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)، فإن قلت: قد قال تعالى (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي

стр. 1494

الْيَمِّ)، قلت: القذف في التابوت من حيث هو مستقبح تكرهه النفوس البشرية، وكذا قال: [(فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) *] لما كان الإلقاء في الساحل من اليم محبوبا [للنفوس*]، وكذلك القذف في اصطلاح الفقهاء ورمي الإنسان بما يكرهه على وجه خاص، فقوله: [ ... ]. قوله (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ)، هذا من باب الاستدلال بالمسبب على السبب، لأن حصول الرعب في قلوبهم سبب في تخريبهم بيوتهم، وينبغي أن يكون التقدير ويخربونها بأيدي المؤمنين، وإلا لزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لأن تخريبهم بيوتهم بأيديهم حقيقة، وأيدي المؤمنين مجازا، على ما قلناه يلزم الإضمار، وقد قالوا: إذا تعارض المجاز والإضمار، فالإضمار أولى وأحرى، [وإن*] كان المجاز مختلفا فيه، فإن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه مختلف فيه، وذكر ابن عطية هنا سبب الجلاء قال: [أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب على بني إسرائيل جلاء، وكانت بنو النضير ممن حل بالحجاز بعد موت موسى ﵇ بيسير، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع وقد عصوا في أن لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق لجماله وعقله، وقد كان موسى ﵇ قال لهم لا تستحيوا أحدا، فلما رجع ذلك الجيش إلى بني إسرائيل بالشام وجدوا موسى ميتا، وقال لهم بنو إسرائيل أنتم عصاة والله لا دخلتم علينا بلادنا، فقال أهل ذلك الجيش عند ذلك ليس لنا أحب من البلاد التي غلبنا أهلها، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجراه بختنصر على أهل الشام، وقد كان الله تعالى كتب في الأزل على بني إسرائيل جلاء فنالهم هذا الْجَلاءَ على يدي محمد ﷺ ، ولولا ذلك لَعَذَّبَهُمْ الله فِي الدُّنْيا بالسيف والقتل كأهل بدر وغيرهم*]. انتهى، هذا الخبر في نفسه يتفق، ولكنه لَا ينزل على لفظ الآية لاقتضاء الآية أن بني قريظة والنضير لم يعذبوا بالسيف بل أخرجوا من بلادهم، والخبر يقتضي أنهم قوتلوا واستؤصلوا ولم يبق منهم أحد، فإن قلت: هؤلاء ذريتهم، قلت: اقتضى الخبر استئصال جميعهم، ويجاب بما ذكر ابن عطية بعد هذا من أن [ ... ] أهل قريظة ونفاهم إلى الشام، ثم رجع بعضهم، فيحتمل أن يكون هؤلاء هم الذين أخرجوا ولم يعذبوا بالسيف من بني النضير، وبقايا بني النضير قريظة، والصواب الوقف على قوله (فِي الدُنْيَا)، خشية أن يتوهم دخول ما بعده في جواب (لولا)، فيكونوا في الآخرة غير معذبين، واستدل الأصوليون بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، على صحة العمل بالقياس اعتبارا وكل اعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به، [أما أنه اعتبار فلأن الحكم*] الذي في الأصل معتبر في الفرع ومنقول إليه، ولكن ينازع الخصم في الكبرى، وهو كل اعتبار مأمور به فيمنع كليتها.

стр. 1495

قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ... (٥)﴾ الزمخشري: [وروى أن رجلين كانا يقطعان: أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله ﷺ فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار*]، قال: واستدلوا بها على جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن كل مجتهد مصيب انتهى، لَا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو حيث الاجتهاد [إن كان*] في شيء واحد على طرفي النقيض، وهنا تعدد متعلق الاجتهاد [وأحدهما*] قطع الجيِّد، والآخر قطع الرديء، فمتعلق الاجتهادين مختلف، ويحتمل أن يكون قطع الجميع جائز في نفس الأمر، وإنما يقال: كل مجتهد مصيب [أو لا]، كما قال ابن التلمساني في الاجتهاد في القبلة: أنه يجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر، لأنها واحدة فأحدهما مخطئ، وأبطله ابن العربي: بأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان معهم [ولا اجتهاد*] مع حضوره، وأنه يدل على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجتهد فيما ينزل عليه فيه وحي، أخذا بعموم الإذاية للكفار، ودخولا في الإذن الكلي بما يقضي عليهم ويهلكهم لقوله تعالى: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)، فإِن قلت: ما أفاد قوله [عَلَى أُصُولِهَا*] مع أن (قائمة) تغني عنه؟ قلت: أفاد أنها باقية على حالها لم ينقص منها شيء، أو قد تكون قائمة ناقصة. قوله تعالى: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ). الزمخشري: أي يقطعها بإذن الله وأمره، انتهى، المراد بالإذن الإباحة، وليس المراد به الوجوب ولا الندب ولا الإرادة، أما الوجوب والندب فلأن الإذن هنا دائر بين أمرين متناقضين، أما القطع أو الترك، فترجيح فعل أحدهما يبطل فعل الآخر من أصل فرعه عن أرجحيته، وأما الإرادة فلأن الآية نزلت ردا على اليهود، واليهود موافقون على المعاصي [محادة*] لله تعالى، فيقولون هم: نعم أراد الله تعالى عصيانكم بذلك، فعصيتموه بإذنه وإرادته، فيتعين أن يراد بالإذن الإباحة، وفي الكلام حذف أي لينصركم [ويخزي*] الفاسقين. قوله تعالى: ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ... (٦)﴾ قدم الخيل لأنها أخص؛ إذ لَا خلاف أنها نسبتهم لها، والخلاف في الإبل هل نسبتهم لها] [أو لا*]؟ [فعلى*] الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فمعناه لم توجفوا عليه بالخيل، ثم قال: ولم توجفوا عليه بالركاب، وهو من باب نفي الشيء لنفي موجبه، أي لَا حظ لكم في الفيء؛ لأنكم لم توجفوا عليه بخيل ولا ركاب.

стр. 1496

قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ). هو استدراك بين الشيء [ونقيضه*]، أي يسلط رسله وينصرهم من غير حاجة إلى معونتكم، فإِن قلت: لم قال (يُسَلِّطُ) بلفظ المضارع، وجمع الرسل مع أنهم قد [مضوا*] [والباقي*] إنما هو رسول واحد، قلت: هي حكاية حال ماضية، فإن قلت: فلا يدخل في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أن المراد الحالة، قلت: المراد ولكن العادة الجارية في رسله، أنه يسلطهم على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكون الجمع تعظيما له ﷺ ، والمراد بالرسل الملائكة، قوله (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... (٧) .. ، ذكر اسم الله [في*] الفيء، وفي الصدقات لم يذكره، فدل على أن [مستحق*] الفيء أفضل، لكونه لَا يختص [**بالتبيين] بخلاف الصدقة، وفاءَ بمعنى رجع، وأفاء أرجع، وتقرير معنى الرجوع فيهما أن أموال الكفار مستحقة للمسلمين في الفيء فهي بأيديهم [**كالمتعدي فيه]، فإذا حصلت بأيدي المؤمنين فقد رجعت. قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ... (٨)﴾ الزمخشري: لَا يصح أن يكون بدلا من مجموع قوله (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) انتهى، لأنه يستحيل صدق صفة الفقر عليه ، ولا يوصف بها النبي ﷺ إعظاما له، ولأن في آخر الآية (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، فإِن قلت: لم قدم صفة الفقر على الهجرة، مع أنهم إنما اتصفوا بالفقر بعد الهجرة، وأما قبلها فكانوا أغنياء، فالهجرة سبب في الفقر، فهلا قدمت؟ فالجواب: أن استحقاقهم الأخذ من الغنيمة إنما هو [بوصف*] الفقر لَا بالهجرة، أو بمجموع الأمرين، ووصف الفقر [أولى بههم*]، ولا يقال: إن وصف الفقر يشاركهم فيه الأنصار، وأنهم إنما اختصوا عن الأنصار بالهجرة، لأن المفسرين ذكروا أن الأنصار كلهم كانوا أغنياء إلا ما قلَّ منهم، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الغنيمة لفقرهم، وعبر في المهاجرين بالاسم وفي الذين أخرجوا بالفعل، لدوام الهجرة وانقطاع الإخراج، ووصفهم بنصرة الله ورسوله احتراسا، خشية أن يتوهم أن ذلك خاص بالأنصار. قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا). [ذكرهما تعظيما لهما*]، والعطف ترق؛ لأن الرضوان صفة معنى، والفضل صفة فعل. قوله تعالى: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

стр. 1497

المقصود بالإسناد هنا المعطوف، فهو من باب [أعجبتني*] الجارية حسنها، لأن الله تعالى غني عن نصرتهم، وصرح باسم الجلالة تشريفا للطاعة، وصرح باسم الجلالة تهييجا عليها. قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). ابن عطية: في أقوالهم وأفعالهم، انتهى، هذا موافق لقول ابن التلمساني: أن الصدق هو مطلق المطابقة، لأنه مطابقة الخبر للمخبر عنه، ووقع التأكيد في هذه الجملة بأمور: الحصر، وكون الموضوع اسم إشارة، والفصل بالضمير، وكون الخبر اسما [وعلى الثبوت*]. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ... (٩)﴾ فسره الزمخشري بثلاثة أوجه: إما أن المراد تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطنا لهم لتمكنهم منه [واستقامتهم عليه*]، كما جعلوا المدينة كذلك، فيكون التبوء على هذا مجازا، فهو في الدار على أصله، [وفي*] الإيمان معنوي، فيضعف هذا من وجهين: أحدهما: أن فيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أعني لفظ التبوء. الثاني: أنه حصل ملازمتهم للإيمان كملازمة المكان لهم، فلو أراد المكان المطلق لحسن التشبيه هنا، إنما وقع التشبيه على مكان معين، فلا يحسن التشبيه، لأنه لا يلازمهم عقلا، إذ لو أريد التبوء في مطلق مكان، لقلنا: إنه يلزمه الإيمان عقلا، وقيل: هو من عطف الصفات أي تبوء الدار، ودار الإيمان لأنها دار واحدة، [وصفها*] أولا بكونها الدار المعهودة، وثانيا: بأنها دار الإيمان. قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِهِمْ). قال الزمخشري: من قبل المهاجرين، واستشعر أن يورد عليه أن إيمان المهاجرين سابق، فأجاب: بأن المجموع، وهو التبوء، والإيمان سابق على إيمان المهاجرين وتبوؤهم، فالمجموع سابق على المجموع، وهو نحو ما أجاب به ابن التلمساني عن قول القاضي عبد الوهاب في تعريفه للقياس: هو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، فأورد عليه لزوم كون حكم الأصل مثبتا بالقياس، [فيرد*] بأن المراد ثبوت المجموع، ويرد على هذا الجواب هنا أن المجموع المركب إنما يتم بآخر جزء منه، فما حصل لهم وصفا [ليس*] بأول التبوء بل بآخره، وهو بعد إيمان من آمن، وذلك متأخر عن إيمان المهاجرين، وجوابه: أن على كل تقدير متقدم على

стр. 1498

هجرة المهاجرين وإيمانهم، وأجاب الزمخشري والفخر بجواب آخر: وهو أن الضمير عائد على المهاجرين باعتبار وصفهم أي من هجرتهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا ... (١٠)﴾ فيه دليل من آية السبقية، كما قال الفقهاء في الإمامة: أنه يقدم الأقدم سناً في الإسلام، فإن كان الأكبر أحدث إسلاما قدم الأصغر. قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا). لما كان من طبع الإنسان الغل والحسد، وكان أولئك حازوا مزية السبقية، والمهاجرين مظنة أن يحسدوهم في ذلك، فتحرزوا من ذلك بعد الدعاء، والغل: هو تألم النفس على عدم المشاركة فيما اختص به ذو رئاسة وسوية، والغبطة: تألم النفس على ذلك، مع عدم تمني زوال [ذلك*] عن المختص به، والحسد: تألمها على ذلك، مع تمني زوال ذلك [عن*] المختص، والحقد: هو طلب [**الفرصة في المكروهات للمحقود]، فإن قلت: لم خبر هنا بالقلب دون [الصدر*]، وقال تعالى قبل هذا (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً)، فعبر بالصدر؟ فالجواب: أن الآية المتقدمة الثناء فيها عليهم من الله تعالى، فناسب المبالغة فيها لمحو اقتضاء الحاجة عن القلب وعن [وعائه*]، وهذا دعاء منهم فاقتصروا فيه على القلوب، لأنها هي بمحل الغل، فإذا انتفى منها انتفى عما سواها. قوله تعالى: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ). هاتان الصفتان منهما ترتبا في الذكر، كانت الرأفة راجعة لصفة الإرادة، والرحمة لصفة الفعل، فالرأفة سبب في الرحمة، وإن ذكرت الرحمة وحدها صح تأويلها، إما برجوعها للإرادة أو للفعل. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ... (١١)﴾ الاستفهام هنا للتقرير، دليل على وقوع ذلك، فلا يصح كون الرؤية علمية، لأنه لم يكن عالما بأعيان المنافقين إلا أن يقال: إنه علم بهم من حيث الجملة، وإلا ظهر أن الرؤية بصرية لتعديها بإلى، أي ألم تنظر إلى الذين نافقوا، وعبر عن نفاقهم بالفعل الماضي؛ لبعد تحقيق ذلك، فإن قلت: [هلا*] عبر بالاسم المقتضي [للثبوت والدوام، لأن الماضي منقطع*]؟ فالجواب: أن الماضي أفاد التحقيق وقوله تعالى: (يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِم)، أفادوا الدوام على ذلك في الحال والاستقبال، فأغنى عن التعبير بالاسم. قوله تعالى: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ).

стр. 1499

لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ حذف الفاعل لبعضهم له استعمالا لذكره، ولا يناسب هنا التحقيق، لأنهم أحقر من ينسب إليهم ذلك. قوله تعالى: (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا). أي في عدم نصرتكم، وإذا لم يطيعون في [عدم*] نصرتهم، فأحرى أن لَا يطيعوا في قتالهم أبدا. قوله تعالى: (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ). النصرة أخص من مقاتلتهم معهم، فأفاد المقاتلة من باب أحرى. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ). الشهادة أخص من [العلم*]، لأن علم الإنسان شيئا يسمعه ويشهد عليه أقوى من علمه شيئا يسمعه ولا يشهد عليه، فإِن قلت: فيها رد على ابن قتيبة في أن عدم المطابقة في الخبر المستقبل خلف لَا كذب لهؤلاء، [وعدوهم*] بالنصرة في المستقبل، فلم ينصروهم، فالجواب: أن المراد بكذبهم عدم مطابقة قولهم لما يقع منهم في المستقبل، فإِن قلت: نحن جعلنا الحكم بكذبهم راجعا لمدلول لفظهم، وأنتم جعلتوه للازم لفظهم، فما قلناه أولى، لأن اللفظ دال عليه بالمطابقة، فالجواب: أنه إذا جعلتم الكذب راجعا للمدلول يلزمكم أن قوله (لَئِنْ أُخْرِجُوا)، وما بعده تأكيد؛ لأنه أفاد عين ما أفاد الأول، وإن جعلتموه راجعا [بلازم اللفظ*]، كان جملة (لَئِنْ أُخْرِجُوا)، تأسيسا، والتأسيس أولى، [بأن يقال*]: إنه لَا يضرنا كونه تأكيدا، وتكون مفسرة لمتعلق التكذيب، بدليل إتيانها غير معطوفة لو كانت تأسيسية؛ لعطفت بالواو التي تقتضي المغايرة (لَئِنْ أُخْرِجُوا ... (١٢) .. ، عبر بأن هذا محقق الوقوع، لأنه رد على كلامهم بأن (وَلَئِن نَصَرُوهُم لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ)، الزمخشري: إن قلت: كيف (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ)، بعد الإخبار؛ لأنهم لَا ينصرونهم، وخبر الله تعالى حق لَا شك فيه، فصار وقوع النصرة محالا، قلت: معناه (وَلَئِنْ نَصَرُوهُم)، على الفرض والتقدير كقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، وأورد ابن عطية هنا سؤالا، وأجاب عنه: بأن المراد ولئن حاولوا نصرتهم وعلى هذا لَا يرد سؤال، الزمخشري: لأن محاولة النصرة أمر ممكن، وإنما المحال وقوع النصرة، وفي الآية سؤال آخر، وهو أن القاعدة أن جواب الشرط لَا يصح أن يكون مناقضا للشرط، فلا يقال: إن قام زيد لم يقم، فإِنه محال [للزوم*] اجتماع النقيضين، وتولي الأدبار نقيض النصرة، والجواب: أن الشرط يصح تركيب المحال عليه؛ لَا فرض المحال جائز، كما

стр. 1500

قال الجزري: ملزومية الشرط للجزاء لَا تدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، ويجاب أيضا: بأن النصرة تكون في أول الأمر والتولي في آخره. قوله تعالى: ﴿لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾ عبر أولا: بالفقه، وثانيا: بالعقل، لأنهم لما أخطاوأ أولا في كيفية الاستدلال [عبر عنهم*] بعدم الفهم، وثانيا: لما ظنوا بقتالهم في [القرى*] أو من وراء الجدار أنهم لَا يغلبون، وأن ذلك العقل يهدي [عبر عنهم*] بعدم العقل، " فأحرى أن لَا يوصف بذلك كل واحد على انفراده. قوله تعالى: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ... (١٥)﴾ عبر بالذوق إشارة إلى أن ما نالوه من العذاب بالنسبة إلى ما بعده ذوق، فلم ينالوا عذابا في الدنيا، بل ذاقوا وسينالوه الآخرة لقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ ... (١٦)﴾ إن قلت: لم حذف المسند إليه [هنا*] فلم يقل: مثلهم كمثل الشيطان، وصرح به في سورة البقرة في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) قلت: تقدم ما يدل عليه في قوله تعالى: [(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) *]. قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ). قال: هو عند يأسه من رجوعه وثبوته، وذلك عند الاحتضار، وأما في الدنيا فلا يقول له ذلك خوف أن يتوب فينتفع بذلك. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ... (١٨)﴾ دليل على أن التقوى أخص من الإيمان، وإلا لم يفد قوله (اتَّقُوا)، لَا يقال: المراد داوموا على التقوى؛ [لأنه*] مجاز، والأصل حقيقة، فإن قلت: إنما الخلاف بين المؤمن والمتقي، لأن لفظ الاسم المقتضي بالثبوت إذا نظر بين مطلق الإيمان، ومطلق التقوى، لأن الإيمان هنا بلفظ الفعل، فلا يفيد [أعلى*] مراتبه، قلنا: المختلفان إذا زيد عليهما مساو فإنهما [لَا يزالان*] مختلفين.

стр. 1501

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قوله تعالى: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ). الزمخشري: تنكيرها [للتعظيم، أي تعليل الموصوف بذلك*] (١)، انتهى، يرد بأن [التعظيم*] إنما [يصح لو كانت في الخبر*]، وهو هنا بسياق الاسم التكليفي، فالمراد التكثير لعموم التكليف، [وإما لجواز*] أن النفس هنا أفردت، والمراد بها العموم؛ كما في قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره". قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ... (١٩)﴾ المشبه بالشيء لَا يقوى قوة المشبه به، فهي هنا من [التشبيه*] بمن نسي الله، فيفيد النهي عن نسيان الله من باب أحرى، فهو من النهي عن القرب حول الحمى خشية الوقوع فيه، ومعنى (نَسُوا اللَّهَ)، أي غفلوا عن ذكره، والنسيان الثاني إما أن يراد به العقوبة، أي على الأول أي فعاقبهم على ذلك، فيكون من مجاز تسمية المسبب باسم السبب، أو يراد به النسيان حقيقة فزادهم [نسيانا*] إلى نسيانهم، فيكون من العقوبة على الذنب بالذنب، وهو أشد من الأول، لأنه يستلزم عقوبتين: العقوبة على الذنب بذنب آخر يعاقب عليه عقوبة أخرى، ابن عطية: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ اعرف نفسك تعرف ربك، ومن لم يعرف نفسه لم يعرف ربه انتهى، يعيدك إلى علم المنطق كان مذكورا في طباعهم، لأن مقتضى الآية أن من نسي الله نسي نفسه، فتنعكس جزئية بعض من نسي نفسه نسي الله، قالوا: وقد تنعكس كنفسها في بعض المراد، رد هذه الآية، وعكسها المستوى أي من نسي نفسه نسي الله، فهو منه كل من عرف نفسه عرف الله، والعكس نقيضها كل من لم ينس نفسه لم ينس الله فمن لم يعرف ربه مستفاد من منطوق كل من نسي الله نسي نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه مستفاد من مفهوم ذلك، وقال (بِمَا تَعْمَلُونَ)، ولم يقل: بما علمه، لأن العلم الحادث يتعلق بالحال والماضي، ولا يتعلق بالمستقبل، فإذا أفاد أنه عليم بالمستقبل، فأحرى الحال والماضي. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ... (٢٠)﴾ هذا تكميل للوعظ المتقدم أو لف ونشر، فأصحاب النار راجع للذين نسوا الله، وأصحاب الجنة للمأمورين بالتقوى، فإن قلت: نفي التسوية لَا يقتضي نفي الشركة، فلا يلزم عنه نفي اشتراكهم في الثواب والعقاب، قلت: الشركة في العبودية وفي التكليف لَا في الثواب والعقاب، فإِن قلت: إنما المراد الشركة فيما ثبت فيه للمساواة، قلت: السياق ينفيه [وأخذ*] الشافعي ﵁ من هذه الآية أن المسلم لَا يقتل بالكافر، الفخر: بأنه عام، والأعم لَا إشعار له بالأخص، وأجاب عنه الأرموي: بأن

стр. 1502

نفي العام في باب النفي يشعر بدخول الأخص، لأنه يستعمل العام في النفي والآخر في الثبوت، ويرد بأن المحكوم عليه إنما هو في الآية بصفة كونهم من أهل الجنة أو من أهل النار، والصفة هنا معتبرة، [ويحتمل*] أن يعتبروا إذا كان لذلك بطل الأخذ من الآية، إما باعتبارها، أو باحتمال اعتبارها، أو لقول المحكوم عليه إذا كان مفيدا بطل الأخذ من الآية بصفة، فإِنما يتناوله الحكم باعتبار تلك الصفة لزوما أو احتمالا فهؤلاء إنما انتفت عنهم التسوية من حيث كونهم أصحاب الجنة، وكون الآخرين أصحاب النار، والقصاص راجع للدنيا وهم في الدنيا لم يتعدوا تلك الصفة، بدليل قول الفقهاء: فمن حلف بالطلاق أنه من أهل الجنة حنث، لأنه لَا يدري بماذا يختم له. فإن قلت: إن الحكم لَا يتناولهم من هذه الحيثية، قلنا: يحتمل أن يتناولهم باعتبارها، أو إذا احتمل ما احتمل سقط الاستدلال، قيل: أخذ الشافعي ﵁ من الآية إن كان [المراد*] عدم المساواة لزم [ألَّا يقتل*] الكافر بالمسلم، وإن كان بزيادة كون المساواة المنفية ملزومة لفضيلة المسلم، وعدمها في الكافر فيقتل الأدنى بالأعلى لَا العكس [**فيمن ذكر من الاستدلال]، الفخر: واحتج بها المعتزلة على أن العاصي لَا يدخل الجنة، لأن الآية دلت على أن أصحاب النار، وأصحاب الجنة لَا يستويان، وهو غير جائز وجوابه معلوم، انتهى، يريد لو دخل العاصي الجنة لساوى المؤمن الكافر، [في الاشتراك في النار*]، فدل على أن العاصي كافر لَا مؤمن، ويرد بأن العاصي حال حلوله في النار غير مساو للمؤمن، وحال حلوله في الجنة مساو، وقد ذكر المنطقيون المطلقة والدائمة والحقيقية، أو تقول المراد أن مجموع أصحاب النار لَا يساوي مجموع أصحاب الجنة، ويقولون: إن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال، فإن قلت: لعل المراد نفي المساواة بين أصحاب النار فيما بينهم بدليل قراءة من قرأ (ولا أصحاب الجنة)، فكرر (لَا)، وقد قال السهيلي: إذا قلت: ما قام إلا زيد ولا عمرو، فالمراد نفي قيام كل واحد منهما مجتمعين ومفترقين بخلاف قولك: ما قام زيد وعمرو، فالجواب: أن السياق هنا ينفي هذا ويعين الأول، وقدم أصحاب النار، لأن الآية [وعظ*] وتذكير، فإن قلت: لم قال: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)، ولم يقل: أصحاب النار هم الخاسرون، قلت: التصريح بفوز أصحاب الجنة يتضمن أمرين: جلب الملائم، وهي الأعمال الصالحة التي هي سبب في الجنة، ودفع المؤلم، وهو عمل نقيض، والتصريح بخسران أهل النار لَا يتضمن الأول المؤلم الذي دخلوا به النار، وما تضمن أمرين أوفى. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ... (٢١)﴾

стр. 1503

جعله الزمخشري (جبلا) على مذهبه، لأن التمثيل يكون في الأمور المستحيلة الوجود، كالتشبيه بالصفاء والقول، والتمثيل يكون في الأمور الجائزة الممكنة الوجود، والزمخشري يشترط في الجمادات النية، فيستحيل فيها الخشوع عنده، ونحن لا نشترط ذلك؛ بل نشترط العلم والحياة فيصح عندنا وقوع الخشوع من الجمادات، خلق الله فيه العلم والحياة، ويمكن على مذهبه أن يكون تخيلا؛ بل هو من تعليق المحال على المحال، مثل (إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)، ويجاب عنه؛ بأن الآية في سياق الوعظ والتخويف، ولا يقع ذلك إلا بالممكن لا بالمحال، وهذا نحو جواب شمس الدين الجزري لما احتج الفخر على جواز الشيخ في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)، ورد عليه السراج الأرموي: بأن لزوم الشيء بالشيء لَا يلزم منه وجوب وقوعه ولا إمكان وقوعه، فأجاب عنه الجزري: بأن الآية خرجت مخرج التمدح، والتمدح إنما يكون ممكن الوقوع، السماكي: التمثيل تصوير لحقيقة الشيء حتى يتوهم أنه [ذو*] صورة تشاهد، وأنه مما يظهر في العيان كقوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية، وقوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)، ولا يكاد [يخلو منه باب في علم البيان*]، ولا أدق ولا أهون على تعاطي المتشابهات، وهذا نحو من كلام الزمخشري، وخلاف ما قال ابن أصبغ فإِن قلت: الآية دليل على أن القرآن اسم جنس، يصدق على الكثير والقليل، لأن اسم الإشارة يقتضي الحضور، ولم ينزل حينئذ إلا بعضه، فالجواب: أن المراد ما نزل وما ينزل، لكن يلزم عليه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، فيجاب: بأن الإشارة لجميعه لوجوده حينئذ وإنزاله إلى السماء الدنيا، فإن قلت: الإشارة إليه إنما هي من حيث إنزاله الإنزال المحصل للخشوع، وذلك في إنزاله لتكليف به، قيل: لو أنزلنا على جبل هذا القرآن الموصوف بالإرسال إلى السماء الدنيا، فإِن قلت: في الآية رد على من عرف القرآن من الأصوليين، بأنه ما بين دفتي المصحف، لأنه يسمى قرآنا قبل وجود المصحف، قلت. سمي قرآنا قبل ذلك، ثم ثبت له هذه [الخاصية*] بعد ذلك عندنا معرفا بها، فإن قلت: في الآية حجة لمن ينفي الكفر عنادا لاقتضائها أن نفس نزول القرآن على تقدير كونه ذا فهم يحصل له الخشوع، ذلك هو نفس الإيمان ففسر نزوله غير مخص به للإيمان، فليس كل كفر عنادا، قلت: فرق بين حصول الخشوع في القلب وبين النطق بالشهادتين باللسان، فحصول العلم في القلب بنفس نزول الآيات، والإيمان اللفظي بسببه تكليف الرسول وطلبه ذلك وأمره به، فقد يمنع منه من حصل له العلم في القلب كأبي طالب.

стр. 1504

قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ). جمع الأمثال مع أنه مثل واحد، كما قال [الآبذي*] في شرح الجزولية: أن الواحد قد يجمع باعتبار تعدد أوصافه كقوله: فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها ... يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، لعل من الله تعالى واجبا مع أنهم لن يتذكروا وكلهم، فيكون عاما مخصوصا. قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ ... (٢٢)﴾ الضمير العائد على ذكره في قوله تعالى: (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، ولا يقال: أنه يلزم عليه الإخبار في الشيء عن نفسه، لأن الجزء هو موصوف بصفة، فيقيد بتلك الصفة، أو يعود الضمير على المخشي المفهوم من خشية الله، أو على أن المنزل المفهوم من أن لو أنزلنا، أو على الذي يضرب المثل. قوله تعالى: (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). إن قلت: ما سر دلالة الموصوف، وهو الذي دون صلته، وهو جملة لَا إله إلا هو لو أتى بها إثر اسم، فقيل: (هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، فالجواب: أن الرسول دلالته الإفراد آية جاءت من حيث هي في الاسم من حيث كونها دلالة بالنوع، أو بالشخص، وجملة الصلة أفادت وحدة الشخص، فكانت تأسيسا، ولو كان المفهوم من الموصول والصلة واحد، كان تأكيدا لكن يلزم على هذا بطلان قول النحاة: الموصول مع صلته كالزاي مع زيد، فكما أن الزاي وحدها دلالة لها فكذلك الموصول وحده، وكون الموصول دالا على الوحدة الأعمية ممنوع؛ بل الصلة تابعة للموصول إن نوعا فنوعا، وإن شخصا فشخصا، فاستدل بها الأصوليون على أن الاستثناء من النفي إثبات. قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). نعت، وهو معرفة، لأنه مجرد عن الزمان فإِضافته محضة، والغيب ما لم ينصب عليه دليل فمن أجاد خط الرمل، والنظر في النجوم وعلم التعديل وحساب زيادة [الشهور*] ونقصانها، فليس ذلك من الغيب لنصب الأدلة على معرفة ذلك. قوله تعالى: (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ).

стр. 1505

فصل هنا بالضمير ولم يفصل به بين (عَالِمُ الْغَيبِ)، وما قبله ولا بين (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، للتباين بين مجموع الصفتين إذا القرينتين الأولتين معنوية، وهاتين يرجعان لصفات الأفعال. قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ ... (٢٣)﴾ تأكيد وفيه ضرب من التأنيث، لأنه لما وصفه ب (الرَّحْمَن الرَّحِيمُ)، وهما صفتان يتوهم فيهما الشركة، قال تعالى (رُحَمَاءُ بَينَهُم)، وفي الحديث: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، [ارْحَمُوا*] أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ"، أتى بهذا ليفيد أن الرحمة بين العباد كلها مخلوقة لله تعالى، وهو الفاعل المختار لَا شريك له. قوله تعالى: (الْقُدُوسُ). الزمخشري: هو البليغ في النزاهة عما يستقبح و (السَّلامُ) مبالغة في وصف كونه [سليما*] من النقائص، انتهى. قوله تعالى: (السَّلامُ). راجع إلى سلامة ذاته الكريمة من النقائص، (الْقُدُوسُ)، راجع إلى تنزيهه الخارج له عن النقائص، أو إلى تنزيهه نفسه كما يقال: حمد نفسه بنفسه، قال شيخنا: وعندي نظر فيما يتجاوز النَّاس فيه من [التعظيم*] لبعضهم، فيقولون: المقدس المرحوم، فإنه راجع إلى كمال التنزيه الذي لَا يليق إلا بالله، قيل له: قد ورد روح القدس، وقال تعالى (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)، وفي الحديث في وفاة موسى ﵇ أنه قال: يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية حجر، وما معناه إلا كمال الطهارة. قوله تعالى: (الْجَبَّارُ). الزمخشري: القاهر الذي جبر خلقه على ما [أراد*]، وهذا ترقيق على مذهبه كأنه يقول: إن العبد مستقل بفعله فتجيء هنا أن أفعاله الاختيارية من خلقه وقدرته، وأفعاله الجبرية خلق الله تعالى، كما يتصور دخول الإنسان بيتا اختياريا، ودخوله بيتا مكرها. قوله تعالى: (الْمُتَكَبِّرُ). أي البليغ الكبرياء والعظمة، فهما تصور في حقه صفة علية، فيعتقد أنه متصف بأكبر منها، وأعلى فهم إذا تصورت ما هو أعلى منها، تعتقد أنه متصف بأكبر من ذلك

стр. 1506

أيضا، ولا تزال تترقى في صفات العلو والكبرياء حتى تنتهي ما يعجز عنك إدراكه فتقف، فصل في شرح الأسماء، قال ابن العربي في كتاب [الأمد*] الأقصى في شرح الأسماء الحسنى: (عَالِمِ الْغَيب)، العلم هو إطلاع المرئي على ما لم يطلع عليه، وانكشاف ما غاب عند الله تعالى، وله أسماء كثيرة، منها الفضل والفطنة والدراية والخبرة، وعلم الله تعالى واحد، لتعلقه بكل شيء، قال علماؤنا: ويجوز أن يكون له علوم [لَا نهاية لها*] بعدد المعلومات، وإنما علمنا اتحاده شرعا لقوله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وحكمته تعالى ليس ضروريا لما في الضرر من النقص الذي يقال هذا لَا نظريا لما في النظر من الحاجة إلى المقدمات المحصلة للعلم، قال علماؤنا: ولا نصف البارئ بأنه عارف لعدم وروده، والمعرفة والعلم مختلفان فالمعرفة علم واحد، والعلم معرفتان، فهو أكمل ولذا سمي به، ويجوز عقلا أن يقال: فيه عارف لعلمه بالأوائل وعالم لعلمه بالأوائل والأواخر، انتهى، قلنا: (الرَّحْمَن الرَّحِيمِ)، فتقدم على ما في الكلام على البسملة وأما (الْمَلِكُ)، فقال ابن العربي: الملك والمالك مشتقان من الملك، والملك قبل التصرف، فهو صفة فعلية، وقال: أكثر علمائنا أنه القدرة على التصرف، الفخر: [هو*] صفة ذات، [وتعقب*] قبل التصرف فهو صفة فعلية، الأول: بأن الصبي والمجنون والراهن والمؤاجر ما [ ... ] ولا تصرف لهم، وعلى الثاني: قال الفخر: والأمر ملك الأشياء قبل وجودها، لأنه قادر على وجودها، وبعد وجودها لقدرته على إثباتها، إما بخلقه البقاء فيها عند من يقول باقية ببقاء أو بخلق الأمر من التي لَا يتم بقاء الجواهر إلا بها، وعبر ابن الخطيب عن هذا بقوله: وإما بأن لَا يعد بها عند من يقول أن القدرة لَا تتعلق بالعدم، وقال: قيل: (المَلِكُ) من ملك نفوس العارفين فأطلقها، وملك قلوب العارفين فأحزنها، وقيل: الملك من لَا يمازجه معارض ولا يمنعه مناقض، فهو تقديره منفرد وتدبيره متوحد ليس لأمره مرد ولا حكمه رد، وقيل: الملك من دار بحكمه الفلك وسبح بتقديسه الملك، وقال هو وابن العربي: قيل: المالك أعم من الملك لوجوده منها أنه يفيد حقيقة الملك، والملك لَا يقيده ويضاف إلى الخاص والعام، كمالك الدار، ومالك الأرض، والملك إنما يضاف إلى العام، وأنه ينطلق إلى تملك القليل والكثير، والملك خاص بالكثير تقول: مالك الأرض، ومالك الملوك، ولا تقول: مالك المليك، وقيل: الملك أعم وأبلغ ملك الطيور لجوارحها، كما تقول: ملك الآدميين، ولا تقول ملك الطيور، ولأن الملك يشعر بتعدد المملوكات، وأيضا مالك الأرض يطيع ملكها وهؤلاء يطيعه انتهى، وأما (الْقُدُّوسُ) فقال الفخر ابن الخطيب: القدوس [الطاهر*]، وقيل: للجنة [حظيرة*] القدس لطهارتها، [وجبريل*] روح القدس، وقول

стр. 1507

الملائكة: (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، أي نطهر أنفسنا لك، والقدس: السطل الكبير، لأنه يتطهر به، ابن العربي: فظنه أولا وهو بمعنى المطهر لَا الطاهر، لأنه بمعنى من فعل متعد، والطاهر من فعل غير متعد، فهو مقدس نفسه أزلا [وأبدا*]، قيل: معناه البريء من المعائب، فيكون صفة نفي، وهو الذي له الكمال في وصف اختص به، وقيل: هو الذي لَا تحدده الأوهام ولا تصوره الأبصار، الغزالي: هو المنزه عن كل وصف يدركه حس، أو يصوره خيال أو يظنه الخلق كمالا، لأنهم نظروا إلى علمهم وقدرتهم وسمعهم وصفات كمالهم، فوصفوه بها وقدموه عن ضدها، مع أنه منزه عن صفات كمالهم، إذ هو أعلى من ذلك وأكمل، قال قلت: أقول أنه منزه عن العيوب والنقائص، إذ لَا يحسن أن يقال: ملك البلد ليس بحائك ولا حجام، فإن نفي الوجود يكاد يوهم الوجود، ابن العربي: مرتبة هذا القائل عظيمة ووهمه أعظم، بل نقدس الله عن كل عيب ونقص نسبه الكفار إليه، وقد نفى الله عن نفسه الشريك والولد والصاحبة، وكان ذلك غاية في التوحيد، وإنما ذاته دقيقة إنا لا ندري نحن بنفي وصفه عنه من الباطل، لم يقل به قائل ولا نسبه إليه مبطل انتهى، قلت: وفي البخاري في حديث الدجال وإن الله ليس بأعور، وأما كلام فقال ابن العربي: اتفقوا على أن معناه بالنسبة إلى ذو السلام، كامرأة فاسق وامرأة ضامر، واختلفوا في توجيهها، فقيل: السلام من العيب في ذاته، والنقص في صفاته، والظلم في أفعاله فهو بمعنى القدوس، وفرق ابن الخطيب بينهما باحتمال كون القدوس إشارة إلى تنزيهه من العيوب في المستقبل، وإلى تنزيهه عن صفات النفس، والسلام لتنزيهه عن أفعال النقص، وقيل: [ذو السلام*]، أي المسلم على عباده، قال تعالى (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)، فهو صفة معنى كالعلم والقدرة، وهي صفات كمال، وقيل: سلم الخلق من ظلمه، الآمدي: أي أن السلامة به ومنه [فهو صفة فعل*]، وأما (المؤمن) قال الآمدي في إبكار الأفكار: قيل: الصدق لنفسه ورسله، إما بالقول فهو صفة كلامية، أو بخلق المعجزة فهو صفة فعلية، وقيل: معناه أنه يؤمن عباده من الفزع الأكبر، إما بأن يخلق لهم الطمأنينة من ذلك، فيرجع إلى صفة الفعل، وإما أن يخبرهم بالأمن من ذلك، ويرجع إلى صفة الكلام، وقيل: بمعناه أن الحقائق منكشفة له فيرجع إلى صفة العلم، وقيل: معناه أن القول قوله لَا خلاف عليه، فيرجع إلى صفة كلامية وسلبية، وقيل: معناه استحالة الزوال عليه فهو صفة سلبية، قال الغزالي: وإزالة الخوف لَا تعقل إلا إذا حصل الخوف، ولا خوف إلا عند إمكان العدم ولا مزيل [للعدم*] إلا الله تعالى، بيانه إنما يخاف [الأعمى] الهلاك من حيث إنه لم ير بعينيه ما يؤمنه من ذلك، [والأقطع*] يخاف [آفَةً لَا تنْدَفع*] إِلَّا بِالْيَدِ [فخالق*] الأعضاء

стр. 1508

كلها، [هو*] الذي أزال الخوف عن الإنسان بواسطة أعضائه، وأزال عنه ألم الجوع والعطش بخلقه الأغذية اللذيذة والأدوية النافعة والأعضاء والآلات الدافعة [عنه الآلام*] الدنيوية، كالفرق والخوف، ونصب له الدلائل، وقوى الفعل وهدى الخاطر إلى توحيده، وجعل ذلك حصنا من عذاب الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخبرا عن الله تعالى: "لَا إله إلا الله حصني من دخل حصني أمن عذابي"، فثبت أنه لَا أمن في العالم إلا من الله تعالى، قال ابن الخطيب: وهذا حسن جيد، فإِن قيل: ولا خوف إلا من الله، قلنا: لَا منافاة بينهما كما أنه معز مذل انتهى، وأما (الْمُهَيمِنُ)، قال ابن الخطيب: قال أبو زيد البلخي: هذه لفظة غريبة لم تكن في ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، وهي في اللغة السريانية مع مده في آخرها على عادتهم في الأسماء، يقال: [**لم يعمنا]، ويفسرونه بأنه المؤمن الصادق الإيمان، وقيل: إنها غريبة واختلفوا، معناها الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول وفعل، قال: وما تكون في إشارة الآية فالمهيمن العالم بكل شيء، وقيل: هو المؤيمن، قلبت: الهمزة ياء لأنها أخف من الهمزة، كقولهم: هيهات وأيهات، فالمهيمن والمؤيمن، وقال الخليل: هو الترتيب الحافظ، وقال المبرد: الحذر المشفق تقول العرب للطائر إذا بسط جناحه يدب عن فرحة هيمن، وقال الحسن البصري: المهيمن المصدق، فالله تعالى مصدق لأنبيائه بكلامه أو بإظهار المعجزات على أيديهم، القول السادس، قال الغزالي: المهيمن اسم لموصوف بثلاثة أمور: العلم، والقدرة الثابتة على تحصيل مصالح الشيء، والمواطئة على تحصيل تلك المصالح، فالجامع هنه الصفات اسم المهيمن، وأما اسم (الْعَزِيزُ)، ففي اشتقاقه وجوه: الأول: أنه الذي لَا مثل له، الفخر: [**فيرجع إلى التنزيه]. الثاني: الغالب الذي لَا يغلب ومنه (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ). الثالث: الشديد يقال: [ ... ] فيرجعان إلى صفات الذات، وهي القدرة. الرابع: أنه بمعنى المعز كالأليم بمعنى المؤلم، فهو [صفة فعل*]. الخامس: أنه عزيز عند [أوفيائه*]، أي لَا يؤثرون على طاعته شيئا، فهو فعيل بمعنى مفعول [كـ كف خضيب، ورجل فضيل*]. السادس: أنه بمعنى الإضافة أي عزيز عليه أولياءه، كما قال تعالى (أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ).

стр. 1509

السابع: العزيز الممتنع الذي لَا يدرك ولا ينال الأمدين، وقيل: هو الذي لا يخوف بالتهديد، وقيل: الذي لَا يحمد بحمد، الغزالي: العزيز الذي يقل وجوده وتشتد الحاجة ويضعف الوصول إليه، فكم من شيء يقل وجوده ولا يحتاج إليه فليس بعزيز، فمجموعها خاص بالله تعالى فلذلك سمي عزيزاً وتعقب عليه ابن العربي في كتاب الآمدي الأقصى تفسيره بشدة الحاجة، وقال: إنما يدل عليه لفظه باللزوم لا بالمطابقة في بعض الوجوه، وليس معنى الشيء كلما كان من لوازمه كلفظ البيت يفيد السقف والجدار، والسقف مطابقة، والبناء والنجار لزوما، وليس كل ممتنع يشتد إليه إنما يشتد للمعدوم نظره، ابن العربي: فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)، فجعل العزة مربوبة، وهي من صفات الله تعالى، قال: أجاب عنه ابن فورك، فقال: ليس معناه تلك العزة التي هي صفته، وإنما معناه أنه عز عما يصفونه إنكارا على من وصفه من المشركين بالولد، أي سبحان ربك الذي عز عما يصفونه، ابن العربي: هذا لَا يتجه من السؤال، وإنما الجواب أن سائر الصفات قديمها ومحدثها كلها تضاف إلى الله تعالى والقديمة تضاف إليه تحقيقا ووصفا، والمحدثة تضاف تقديراً وخلقا وملكا، فالعلم له صفة وله خلق، والعزة كذلك أعطى منها العبد المحدث، فأما المتصف بالعزة القديمة الخالق المالك للمحدثة، قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، أي القديمة والمخلوقة المملوكة وأما (الجبار)، فقيل: العالي الذي لَا ينال، وقيل: المصلح للأمور، وقيل: من جبره على كذا، أي أكرم عليه، زاد ابن العربي: وقيل: إنه بمعنى المتكبر، قال: فإن قيل: فإِذا فسرتموه بأنه يجبر الخلق على مراده فأنتم تجبروه وأنتم قد نفيتم ذلك عن أنفسكم، فأجاب بوجهين: الأول: أنه يخلق في العباد ما يكرهون، وهم لَا يقدرون على دفعه كالحركات الضرورية ولا خلاف. الثاني: أنه إذا أراد شيئا كان، وإذا أراد العبد شيئا لَا يرده هو تعالى لم يكن يجبرهم على مراده، كما نهى آدم ﵇ عن أكل الشجرة، وأراده فوافقه، قال ابن الخطيب: وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان حاضرا في دار الصاحب إسماعيل بن عباد، فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، وكان رئيس المعتزلة، فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ: سبحان من لَا يجري في ملكه إلا ما يريد، فقال ابن الخطيب: فإن قيل: الجبروت في الخلق مذموم فلم يمدح الله به؟ فأجاب: بأن الخلق ناقصون مقهورون محجوبون تؤذيهم البقة، [وتشوشهم

стр. 1510

البعوضة، فلذلك كان مذموما في حقهم، وأما المتكبر، فقال ابن الخطيب: أحسن النَّاس فيه كلاما الشيخ الغزالي ﵀، قال: المتكبر هو الذي يرى الكل حقيرا، بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة ولا الكبرياء إلا إلى نفسه، وينظر إلى غيره نظر المملوك إلى العبيد، فإن كانت صادقة كان المتكبر حقا، وإن كان صاحبها محقا في ذلك التكبر، فلا يتصور ذلك مطلقا إلا في حق الله تعالى، وإن كانت الرؤيا باطلة، ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة؛ كما يراه كان المتكبر باطلا مذموما لحديث " [الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي جَهَنَّمَ*] "، فظهر أن المتكبر في حقه مدح وكمال، وفي حق غيره نقص، وقال مجاهد: التكبر من الكبرياء، بمعنى الملك، قال تعالى (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ)، وقيل: هو بمعنى الكبير، قال تعالى (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ)، أي عظمنه، قال الزجاج: هو الذي يكبر عن ظلم عباده، قال الفخر: فإن قيل: المتكبر منفصل، وهو يفيد تكلف الفعل، يقال: فلان يتعظم وليس بعظيم يسخى وليس بسخي، فأجاب: بأن الأزهري، قال: التفعل قد يجيء لغير التكليف يقال: فلان يتظلم أي يظلم، ويتظلم أي يشكوا من الظلم، وهذه الكلمة من الأضداد، فقد يعني الظالم، وقد يعني الشديد من الظلم، وعبر عنه ابن العربي: بأن الفعل عبارة عن كونه على تلك الصفة، وهي في المخلوق حادث فكتب في الخالق النافية الاختصاص، فتكبر أي انفرد بالصفات العلى، وتكبر إذا اكتسب الكبرياء وتعاطاه، زاد الفخر جوابا آخر وهو أن المتفعل هو الذي يحاول إظهار الشيء ويبالغ فيه، فإن صدق كان ذلك الإظهار مدحا، وإن كذب فهو صفة ذم، وأما الخالق، فقال الفخر: هو على معنيين: إما المقدر وإما [الموجد*]، زاد ابن العربي: المعنى قال: وله معنى يستحيل هنا، وهو الكذب، الفخر: والتقدير تقدير الشيء على مقدار [معين*]، ولا بد فيه من صورة مؤثرة على [أن تتوقف*] على آلة مخصصة لذلك المقدار، وعلم بذلك القدر، فإن توقفت على آلة كتصوير أحدنا للخصم، فإِنه لَا يمكن بتحريك الأصابع، فتسمى تلك الحركة تقديرا أو تصويرا، قال: والعلم في حق القديم لَا يحتاج إلى فكرة ولا إلى نظر، قال: فإن فسرنا الخالق بالمقدِّر حسن الترتيب في الآية، لأن التقدير يرجع إلى العلم، فتقول: من قدر [من*] الفلاسفة من ظن أنه تعالى لَا يعلم الأشياء، وقصدوا علمه على ماهية معينة فلفظة الخالق يدل على علمه بحقائق الأشياء، ومنهم من سلم علوم علمه، لكنه يقول: الخيول قديمة والبارئ متصرف فيها، فقال البادي: زاد عليهم ليدل على إيجاده لها من عدم [محض*] لَا عن المادة، ومنهم من علمه وإيجاده لهذه الذوات، إلا أنه يقول صورة النبات والحيوان عن الطبيعة، والطبيعة هي التي تصور كل شيء على صورته الخاصة،
следующие страницы →