أيضا، ولا تزال تترقى في صفات العلو والكبرياء حتى تنتهي ما يعجز عنك إدراكه فتقف، فصل في شرح الأسماء، قال ابن العربي في كتاب [الأمد*] الأقصى في شرح الأسماء الحسنى: (عَالِمِ الْغَيب)، العلم هو إطلاع المرئي على ما لم يطلع عليه، وانكشاف ما غاب عند الله تعالى، وله أسماء كثيرة، منها الفضل والفطنة والدراية والخبرة، وعلم الله تعالى واحد، لتعلقه بكل شيء، قال علماؤنا: ويجوز أن يكون له علوم [لَا نهاية لها*] بعدد المعلومات، وإنما علمنا اتحاده شرعا لقوله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وحكمته تعالى ليس ضروريا لما في الضرر من النقص الذي يقال هذا لَا نظريا لما في النظر من الحاجة إلى المقدمات المحصلة للعلم، قال علماؤنا: ولا نصف البارئ بأنه عارف لعدم وروده، والمعرفة والعلم مختلفان فالمعرفة علم واحد، والعلم معرفتان، فهو أكمل ولذا سمي به، ويجوز عقلا أن يقال: فيه عارف لعلمه بالأوائل وعالم لعلمه بالأوائل والأواخر، انتهى، قلنا: (الرَّحْمَن الرَّحِيمِ)، فتقدم على ما في الكلام على البسملة وأما (الْمَلِكُ)، فقال ابن العربي: الملك والمالك مشتقان من الملك، والملك قبل التصرف، فهو صفة فعلية، وقال: أكثر علمائنا أنه القدرة على التصرف، الفخر: [هو*] صفة ذات، [وتعقب*] قبل التصرف فهو صفة فعلية، الأول: بأن الصبي والمجنون والراهن والمؤاجر ما [ ... ] ولا تصرف لهم، وعلى الثاني: قال الفخر: والأمر ملك الأشياء قبل وجودها، لأنه قادر على وجودها، وبعد وجودها لقدرته على إثباتها، إما بخلقه البقاء فيها عند من يقول باقية ببقاء أو بخلق الأمر من التي لَا يتم بقاء الجواهر إلا بها، وعبر ابن الخطيب عن هذا بقوله: وإما بأن لَا يعد بها عند من يقول أن القدرة لَا تتعلق بالعدم، وقال: قيل: (المَلِكُ) من ملك نفوس العارفين فأطلقها، وملك قلوب العارفين فأحزنها، وقيل: الملك من لَا يمازجه معارض ولا يمنعه مناقض، فهو تقديره منفرد وتدبيره متوحد ليس لأمره مرد ولا حكمه رد، وقيل: الملك من دار بحكمه الفلك وسبح بتقديسه الملك، وقال هو وابن العربي: قيل: المالك أعم من الملك لوجوده منها أنه يفيد حقيقة الملك، والملك لَا يقيده ويضاف إلى الخاص والعام، كمالك الدار، ومالك الأرض، والملك إنما يضاف إلى العام، وأنه ينطلق إلى تملك القليل والكثير، والملك خاص بالكثير تقول: مالك الأرض، ومالك الملوك، ولا تقول: مالك المليك، وقيل: الملك أعم وأبلغ ملك الطيور لجوارحها، كما تقول: ملك الآدميين، ولا تقول ملك الطيور، ولأن الملك يشعر بتعدد المملوكات، وأيضا مالك الأرض يطيع ملكها وهؤلاء يطيعه انتهى، وأما (الْقُدُّوسُ) فقال الفخر ابن الخطيب: القدوس [الطاهر*]، وقيل: للجنة [حظيرة*] القدس لطهارتها، [وجبريل*] روح القدس، وقول
стр. 1507
الملائكة: (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، أي نطهر أنفسنا لك، والقدس: السطل الكبير، لأنه يتطهر به، ابن العربي: فظنه أولا وهو بمعنى المطهر لَا الطاهر، لأنه بمعنى من فعل متعد، والطاهر من فعل غير متعد، فهو مقدس نفسه أزلا [وأبدا*]، قيل: معناه البريء من المعائب، فيكون صفة نفي، وهو الذي له الكمال في وصف اختص به، وقيل: هو الذي لَا تحدده الأوهام ولا تصوره الأبصار، الغزالي: هو المنزه عن كل وصف يدركه حس، أو يصوره خيال أو يظنه الخلق كمالا، لأنهم نظروا إلى علمهم وقدرتهم وسمعهم وصفات كمالهم، فوصفوه بها وقدموه عن ضدها، مع أنه منزه عن صفات كمالهم، إذ هو أعلى من ذلك وأكمل، قال قلت: أقول أنه منزه عن العيوب والنقائص، إذ لَا يحسن أن يقال: ملك البلد ليس بحائك ولا حجام، فإن نفي الوجود يكاد يوهم الوجود، ابن العربي: مرتبة هذا القائل عظيمة ووهمه أعظم، بل نقدس الله عن كل عيب ونقص نسبه الكفار إليه، وقد نفى الله عن نفسه الشريك والولد والصاحبة، وكان ذلك غاية في التوحيد، وإنما ذاته دقيقة إنا لا ندري نحن بنفي وصفه عنه من الباطل، لم يقل به قائل ولا نسبه إليه مبطل انتهى، قلت: وفي البخاري في حديث الدجال وإن الله ليس بأعور، وأما كلام فقال ابن العربي: اتفقوا على أن معناه بالنسبة إلى ذو السلام، كامرأة فاسق وامرأة ضامر، واختلفوا في توجيهها، فقيل: السلام من العيب في ذاته، والنقص في صفاته، والظلم في أفعاله فهو بمعنى القدوس، وفرق ابن الخطيب بينهما باحتمال كون القدوس إشارة إلى تنزيهه من العيوب في المستقبل، وإلى تنزيهه عن صفات النفس، والسلام لتنزيهه عن أفعال النقص، وقيل: [ذو السلام*]، أي المسلم على عباده، قال تعالى (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)، فهو صفة معنى كالعلم والقدرة، وهي صفات كمال، وقيل: سلم الخلق من ظلمه، الآمدي: أي أن السلامة به ومنه [فهو صفة فعل*]، وأما (المؤمن) قال الآمدي في إبكار الأفكار: قيل: الصدق لنفسه ورسله، إما بالقول فهو صفة كلامية، أو بخلق المعجزة فهو صفة فعلية، وقيل: معناه أنه يؤمن عباده من الفزع الأكبر، إما بأن يخلق لهم الطمأنينة من ذلك، فيرجع إلى صفة الفعل، وإما أن يخبرهم بالأمن من ذلك، ويرجع إلى صفة الكلام، وقيل: بمعناه أن الحقائق منكشفة له فيرجع إلى صفة العلم، وقيل: معناه أن القول قوله لَا خلاف عليه، فيرجع إلى صفة كلامية وسلبية، وقيل: معناه استحالة الزوال عليه فهو صفة سلبية، قال الغزالي: وإزالة الخوف لَا تعقل إلا إذا حصل الخوف، ولا خوف إلا عند إمكان العدم ولا مزيل [للعدم*] إلا الله تعالى، بيانه إنما يخاف [الأعمى] الهلاك من حيث إنه لم ير بعينيه ما يؤمنه من ذلك، [والأقطع*] يخاف [آفَةً لَا تنْدَفع*] إِلَّا بِالْيَدِ [فخالق*] الأعضاء
стр. 1508
كلها، [هو*] الذي أزال الخوف عن الإنسان بواسطة أعضائه، وأزال عنه ألم الجوع والعطش بخلقه الأغذية اللذيذة والأدوية النافعة والأعضاء والآلات الدافعة [عنه الآلام*] الدنيوية، كالفرق والخوف، ونصب له الدلائل، وقوى الفعل وهدى الخاطر إلى توحيده، وجعل ذلك حصنا من عذاب الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخبرا عن الله تعالى: "لَا إله إلا الله حصني من دخل حصني أمن عذابي"، فثبت أنه لَا أمن في العالم إلا من الله تعالى، قال ابن الخطيب: وهذا حسن جيد، فإِن قيل: ولا خوف إلا من الله، قلنا: لَا منافاة بينهما كما أنه معز مذل انتهى، وأما (الْمُهَيمِنُ)، قال ابن الخطيب: قال أبو زيد البلخي: هذه لفظة غريبة لم تكن في ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، وهي في اللغة السريانية مع مده في آخرها على عادتهم في الأسماء، يقال: [**لم يعمنا]، ويفسرونه بأنه المؤمن الصادق الإيمان، وقيل: إنها غريبة واختلفوا، معناها الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول وفعل، قال: وما تكون في إشارة الآية فالمهيمن العالم بكل شيء، وقيل: هو المؤيمن، قلبت: الهمزة ياء لأنها أخف من الهمزة، كقولهم: هيهات وأيهات، فالمهيمن والمؤيمن، وقال الخليل: هو الترتيب الحافظ، وقال المبرد: الحذر المشفق تقول العرب للطائر إذا بسط جناحه يدب عن فرحة هيمن، وقال الحسن البصري: المهيمن المصدق، فالله تعالى مصدق لأنبيائه بكلامه أو بإظهار المعجزات على أيديهم، القول السادس، قال الغزالي: المهيمن اسم لموصوف بثلاثة أمور: العلم، والقدرة الثابتة على تحصيل مصالح الشيء، والمواطئة على تحصيل تلك المصالح، فالجامع هنه الصفات اسم المهيمن، وأما اسم (الْعَزِيزُ)، ففي اشتقاقه وجوه:
الأول: أنه الذي لَا مثل له، الفخر: [**فيرجع إلى التنزيه].
الثاني: الغالب الذي لَا يغلب ومنه (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ).
الثالث: الشديد يقال: [ ... ] فيرجعان إلى صفات الذات، وهي القدرة.
الرابع: أنه بمعنى المعز كالأليم بمعنى المؤلم، فهو [صفة فعل*].
الخامس: أنه عزيز عند [أوفيائه*]، أي لَا يؤثرون على طاعته شيئا، فهو فعيل بمعنى مفعول [كـ كف خضيب، ورجل فضيل*].
السادس: أنه بمعنى الإضافة أي عزيز عليه أولياءه، كما قال تعالى (أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ).
стр. 1509
السابع: العزيز الممتنع الذي لَا يدرك ولا ينال الأمدين، وقيل: هو الذي لا يخوف بالتهديد، وقيل: الذي لَا يحمد بحمد، الغزالي: العزيز الذي يقل وجوده وتشتد الحاجة ويضعف الوصول إليه، فكم من شيء يقل وجوده ولا يحتاج إليه فليس بعزيز، فمجموعها خاص بالله تعالى فلذلك سمي عزيزاً وتعقب عليه ابن العربي في كتاب الآمدي الأقصى تفسيره بشدة الحاجة، وقال: إنما يدل عليه لفظه باللزوم لا بالمطابقة في بعض الوجوه، وليس معنى الشيء كلما كان من لوازمه كلفظ البيت يفيد السقف والجدار، والسقف مطابقة، والبناء والنجار لزوما، وليس كل ممتنع يشتد إليه إنما يشتد للمعدوم نظره، ابن العربي: فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)، فجعل العزة مربوبة، وهي من صفات الله تعالى، قال: أجاب عنه ابن فورك، فقال: ليس معناه تلك العزة التي هي صفته، وإنما معناه أنه عز عما يصفونه إنكارا على من وصفه من المشركين بالولد، أي سبحان ربك الذي عز عما يصفونه، ابن العربي: هذا لَا يتجه من السؤال، وإنما الجواب أن سائر الصفات قديمها ومحدثها كلها تضاف إلى الله تعالى والقديمة تضاف إليه تحقيقا ووصفا، والمحدثة تضاف تقديراً وخلقا وملكا، فالعلم له صفة وله خلق، والعزة كذلك أعطى منها العبد المحدث، فأما المتصف بالعزة القديمة الخالق المالك للمحدثة، قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، أي القديمة والمخلوقة المملوكة وأما (الجبار)، فقيل: العالي الذي لَا ينال، وقيل: المصلح للأمور، وقيل: من جبره على كذا، أي أكرم عليه، زاد ابن العربي: وقيل: إنه بمعنى المتكبر، قال: فإن قيل: فإِذا فسرتموه بأنه يجبر الخلق على مراده فأنتم تجبروه وأنتم قد نفيتم ذلك عن أنفسكم، فأجاب بوجهين:
الأول: أنه يخلق في العباد ما يكرهون، وهم لَا يقدرون على دفعه كالحركات الضرورية ولا خلاف.
الثاني: أنه إذا أراد شيئا كان، وإذا أراد العبد شيئا لَا يرده هو تعالى لم يكن يجبرهم على مراده، كما نهى آدم ﵇ عن أكل الشجرة، وأراده فوافقه، قال ابن الخطيب: وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان حاضرا في دار الصاحب إسماعيل بن عباد، فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، وكان رئيس المعتزلة، فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ: سبحان من لَا يجري في ملكه إلا ما يريد، فقال ابن الخطيب: فإن قيل: الجبروت في الخلق مذموم فلم يمدح الله به؟ فأجاب: بأن الخلق ناقصون مقهورون محجوبون تؤذيهم البقة، [وتشوشهم
стр. 1510
البعوضة، فلذلك كان مذموما في حقهم، وأما المتكبر، فقال ابن الخطيب: أحسن النَّاس فيه كلاما الشيخ الغزالي ﵀، قال: المتكبر هو الذي يرى الكل حقيرا، بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة ولا الكبرياء إلا إلى نفسه، وينظر إلى غيره نظر المملوك إلى العبيد، فإن كانت صادقة كان المتكبر حقا، وإن كان صاحبها محقا في ذلك التكبر، فلا يتصور ذلك مطلقا إلا في حق الله تعالى، وإن كانت الرؤيا باطلة، ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة؛ كما يراه كان المتكبر باطلا مذموما لحديث " [الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي جَهَنَّمَ*] "، فظهر أن المتكبر في حقه مدح وكمال، وفي حق غيره نقص، وقال مجاهد: التكبر من الكبرياء، بمعنى الملك، قال تعالى (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ)، وقيل: هو بمعنى الكبير، قال تعالى (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ)، أي عظمنه، قال الزجاج: هو الذي يكبر عن ظلم عباده، قال الفخر: فإن قيل: المتكبر منفصل، وهو يفيد تكلف الفعل، يقال: فلان يتعظم وليس بعظيم يسخى وليس بسخي، فأجاب: بأن الأزهري، قال: التفعل قد يجيء لغير التكليف يقال: فلان يتظلم أي يظلم، ويتظلم أي يشكوا من الظلم، وهذه الكلمة من الأضداد، فقد يعني الظالم، وقد يعني الشديد من الظلم، وعبر عنه ابن العربي: بأن الفعل عبارة عن كونه على تلك الصفة، وهي في المخلوق حادث فكتب في الخالق النافية الاختصاص، فتكبر أي انفرد بالصفات العلى، وتكبر إذا اكتسب الكبرياء وتعاطاه، زاد الفخر جوابا آخر وهو أن المتفعل هو الذي يحاول إظهار الشيء ويبالغ فيه، فإن صدق كان ذلك الإظهار مدحا، وإن كذب فهو صفة ذم، وأما الخالق، فقال الفخر: هو على معنيين: إما المقدر وإما [الموجد*]، زاد ابن العربي: المعنى قال: وله معنى يستحيل هنا، وهو الكذب، الفخر: والتقدير تقدير الشيء على مقدار [معين*]، ولا بد فيه من صورة مؤثرة على [أن تتوقف*] على آلة مخصصة لذلك المقدار، وعلم بذلك القدر، فإن توقفت على آلة كتصوير أحدنا للخصم، فإِنه لَا يمكن بتحريك الأصابع، فتسمى تلك الحركة تقديرا أو تصويرا، قال: والعلم في حق القديم لَا يحتاج إلى فكرة ولا إلى نظر، قال: فإن فسرنا الخالق بالمقدِّر حسن الترتيب في الآية، لأن التقدير يرجع إلى العلم، فتقول: من قدر [من*] الفلاسفة من ظن أنه تعالى لَا يعلم الأشياء، وقصدوا علمه على ماهية معينة فلفظة الخالق يدل على علمه بحقائق الأشياء، ومنهم من سلم علوم علمه، لكنه يقول: الخيول قديمة والبارئ متصرف فيها، فقال البادي: زاد عليهم ليدل على إيجاده لها من عدم [محض*] لَا عن المادة، ومنهم من علمه وإيجاده لهذه الذوات، إلا أنه يقول صورة النبات والحيوان عن الطبيعة، والطبيعة هي التي تصور كل شيء على صورته الخاصة،
стр. 1511
[**فقر له] المصور [ردًّا*] على هؤلاء، فإِن فسره الخالق بالموجود المبدع، فيرجع إلى البارئ، فقيل: هو الموجد فيكونان مترادفين، وقال الأخفش: أصله القطع من بريت القلم إذا [فصلته*] فيرى الخلق أي فصل بعضهم من بعض، وصور كل واحدة على صورة خاصة، وقيل: مشتق من البرأ وهو التراب أي مبدعنا وموجدنا من تراب ومصورنا على صورة مخصوصة، قال الخطابي: واللفظ البرأ اختصاص بالحيوان، أن تقول برأ الله القسمة ولا تقول برأ الله السماء والأرض انتهى، قلت: ولبعضهم في عرض التجنيس إذا الترغيب، الزمخشري: الخالق المقدر لما يوجده، والبارئ ليميز بعضهم من بعض بالأشكال المختلفة والمصور الممثل، انتهى، أي عليها مماثلة الصور، بحيث إن الناظر إليها يظن أنها متماثلة وهي مختلفة.
قوله تعالى: [(لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ... (٢٤) *]
تقدم الكلام على الجملة، ذكر الخلاف في لفظة ذكر هل هي عبارة عن المسمى أو عن التسمية، ونقل الطيبي هنا حديثا عن مسند أحمد بن حنبل، والترمذي، قال: ""مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، إِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا،" انتهى. الظاهر أن أولها (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) إلى آخر السورة.
* * *
стр. 1512
سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ... (١)﴾
ابن عطية: نزلت في غزوة الحديبية، وقال الزمخشري: يروى أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [بالمدينة وهو يتجهز للفتح*] (١)، وهذا هو الصواب، لأن غزوة الحديبية لم ينقل أنها كانت فيها الكثرة من النَّاس، بحيث يحذر منهم حاطب بن أبي بلتعة بخلاف الفتح، وهنا ثلاثة أسئلة:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: " [وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ*] "، فقبل عذره، ولم يقبل عذر الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك، مع أن فيهم من حضر بدرا؟ وجوابه: [أنه*] خاطبهم بالمفسدة وعافاه الله منها بإعلامه نبيه وإظهاره الكتاب قبل [وصوله*] إلى الكفار، والثلاثة المتخلفون وقع منهم التخلف [بالفعل*]، فالمراد بقوله: اعملوا ما شئتم، [الهمُّ*] بالمفسدة، [لا بقاؤها بالفعل*]، لأن قضية حاطب قضية [**في عين]، وليس فيها إلا الهم بالمفسدة، والمشهور عند الأصوليين في العام إذا ورد على سبب أنه [يقتصر*] على سببه.
السؤال الثاني: كيف طلب عمر ﵁، أن يضرب عنقه بعد تصديق النبي ﷺ وعلى آله، لسارة: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. والخطاب بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، تصديق له أيضا في أنه مؤمن، وجوابه: أنه توهم أن قتله حد وأدب لا أنه مرتد.
الثالث: ذكر الزمخشري، قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسارة: أمسلمة جئت، قالت: لَا، قال: أمهاجرة جئت قالت: لَا، فيرد في هذا السؤال تقريره أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، والإسلام شرط في المعجزة، وقد سألها عنه أولا فنفته، فلم سألها ثانيا عن الهجرة؟ مع علمه بأنها غير مسلمة، فإِن أجيب: بأنه ليس المراد الهجرة الشرعية، بل لتحصيل حاجة، فإنها إنما خرجت لإلحاقها الفاقة، رد بأنه لو كان كذلك لما [أجابت*] بقولها: لَا، وهنا أيضا.
سؤال رابع: وهو أن لفظ الآية منافٍ لسبب نزولها، وتقريره أن السبب يقتضي العتب، والخطاب في الآية بوصف الإيمان وعدم إفراد المنادى [ينافيه*].
قوله تعالى: (تُلْقُونَ).
стр. 1513
الإلقاء أعم من الإيصال والحصول، فلا يلزم منه حصول المودة، كما وقع في هذه القصة.
قوله تعالى: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ).
ابن عطية: بدل من (تُلْقُونَ)، ويجوز أن [تكون*] في موضع خبر ابتداء، كأنه قال: أنتم تُسِرُّونَ، ويصح أن يكون فعلا مرسلا [ابتدئ*] به القول، والإلقاء بالمودة [معنى ما*] والإسرار بها معنى زائد على الإلقاء، فيترجح بهذا أن (تُسِرُّونَ) فعل [ابتدئ*] به القول، أي تفعلون ذلك وأنا أعلم، انتهى، أراد أنه أخص من الأول، لأن الإسرار إلقاء وزيادة، وجعله أبو حيان بدل اشتمال، وتقديره أن الإلقاء متناوله ومشتمل عليه باعتبار الصادقية، والثاني يشتمل على الأول باعتبار اللزوم ولا ضعف فيه، لأن بدل [الأخص من الأعم، إنما يراد به*] بدل بعض من كل. الزمخشري: [والباء في*] بالمودة إما زائدة مؤكدة [للتعدي*]، وإما ثابتة على أن مفعول (تلقون) محذوف، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسبب المودة، ابن عطية: ألقيت يتعدى بحرف الجر، فدخول الباء وزوالها سواء ونظيره، قوله تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)، انتهى، هذا كله إنما جاء من جعل المودة راجعة لموادتهم الكفار، ولنا أن نفهمه على أن المراد تسرون إليهم الحديث بسبب المودة بينكم وبين قرابتكم الذين معهم، لأن إسرارهم بسبب [مودتهم*] لم تقع؛ لأن حاطبا لم تحصل منه مودة.
قوله تعالى: (سَوَاءَ السَّبِيلِ).
أبو حيان: مفعول به أو ظرف انتهى، يرد كونه ظرفا بأن لَا يحسن أن يقال: [ضل*] في سواء السبيل، لأنه ظرف للرشاد لَا للضلال [ففيه*] تناقض، فإن قلت: سواء السبيل مشتمل على [طرف*] ضل في بعضها، واهتدى في البعض، لأنه مؤمن، قلت: طريق الحق واحدة، والضلال في بعضها مرتد إذا تعمد ذلك بعد هذه الآية، أو يقال: سواء السبيل هو وسط السبيل، فقد يضل عن الوسط، ويبقى في [طرفها*] فهو بهذا المعنى [طرف*].
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ... (٢)﴾
فيه سؤال، وهو المرتب جوابا للشرط متأخر عنه، [وكونه*] أخذلهم ثابت سواء قاتلوهم وثقفوهم أم لَا، فكيف يصح ترتيبه عليه؟ والجواب من وجهين: متأخر عنه الأول أن المتقدم على الشرط كونهم أعداء فقط، والمتأخر عنه لمجموع عداوتهم
стр. 1514
وبسطهم ألسنتهم بالسوء، والشيء في نفسه ليس كموقع غيره، فإن قلت: قد تقرر في علم المنطق أن الشرطية المتصلة تتحد بعد تاليها بالسؤال، [فإن قلت*]: ذلك باعتبار [**الأمثل]، وأما هنا فالمعتبر المجموع الثاني أن المتأخر استصحاب عداوتهم أو شدتها وبسط الأيدي في بعض النَّاس أشد من بسط الألسن، وفي بعضهم على العكس.
قوله تعالى: (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).
إن كان استئنافا [فظاهر*]، وإن كان معطوفا، فكيف جاء ماضيا والأول مستقبل؟ والجواب: أنه ماضٍ لفظا ومعنى، وقد ذكره، لكن إنما يصح حيث يكون فعل الشرط لفظا ومعنى، وأجاب الزمخشري: بأن تلك المودة ثابتة قبل.
قوله تعالى: ﴿أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ... (٣)﴾
إن قلت: لم قدم الأرحام وهي أعم، وقد تقرر أن نفي الأعم أحسن من نفي الأخص، فهلا اكتفى بذكر الأرحام عن ذكر الأولاد؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص؟ فالجواب: أنه ذكر الأولاد خشية احتمال صورة التخصيص، لأنه قد يخصص ذلك العام بالأولاد، فإِن قلت: هلا ذكرت الأولاد قبل الأرحام؟ فيكون العطف تأسيسا، وأما هنا فنفي الأعم [أخص*] من نفي الأخص، قلت: قد تقرر في [علم*] المنطق في [العُكُوسات أن هذا] من باب استلزام الأعم [أمرا*] لعدم استلزام الأخص له، ورد الحديث: " ["إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ*] "، فإن كان (لن [تنفعكم) *] جواب (لو)، فظاهر لأنهم إذا كفروا لَا ينفعهم شيء من ذلك، وإن كان استئنافا؛ فيكون المراد نفي المنفعة عن الرحم، بما هو رحم، وعن الولد بما هو ولد، ومنفعة الولد الصالح لَا لمجرد كونه ولدا، بل بوصف الإيمان الخاص.
قوله تعالى: (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ).
قال أبو حيان: لَا يصح أن يكون الظرف مقاما لأنه منصوب، ونقل في سورة الأنعام في قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)، عن الأخفش: أنه أجاز إقامته، وعلى أنه مقام هنا يرفع لإضافته إلى المبنى، ونقل السهيلي صحة إقامته، وإن كان غيره منصرف.
قوله تعالى: ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ ... (٤)﴾
خصه بالذكر إما لأنه أول ما ابتدأ هذه المقالة، وإما لأن جميع الملل آمنوا ووافقوا عليه، ابن عطية: اختلفوا في الذين معه، فقيل: أراد من آمن به من النَّاس، وقال
стр. 1515
الطبري وغيره: أراد الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبا من عصره، وهذا القول أرجح التأويل، لأنه لم يروا أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحتهم نمرود، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا إلى بلاد النمرود: [لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ*]، قيل: لعل المراد من آمن به بعد ذلك، قيل: الأصل استصحاب الحال، وأنه لم يكن معه أحد قبل الأنبياء كانوا في زمانه مثل نوح ولوط، فصدق أنهم معه على دينه لأنهم قوم، ويحتمل أن المراد [بالمعية*] [المشاركة*] في الإيمان لَا في الزمان، قيل: من اتبعه وأتى بعده من الأنبياء [وقومهم معه*].
قوله تعالى: (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ).
كالتأكيد لما قبله، لأنهم إنما تبرءوا منهم لأجل عبادتهم غير الله، فإِذا تبرءوا منهم لأجل [شركهم*]؛ فأحرى أن يتبرءوا من معبودهم الذي أشركوه مع الله تعالى.
قوله تعالى: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ).
العداوة هي الانقطاع، وتكون بين المتحابين وبين المتباغضين، فقد تنقطع الوصلة بين المتحابين بالسفر ونحوه، وقد تنقطع وينشأ عنها [التباغض*] وقد لَا ينشأ، والبغضاء هي الكراهية القلبية [سواء كانت مع المواصلة*] أو مع الانقطاع، فقد تكره الشخص وأنت تواصله في الظاهر، فإِن قلت: إذا كانت البغضاء من الأمر القلبي، فكيف وصفها بالظهور؟ فقال: (وبدا بيننا وبينكم)، فالجواب: بما قال ابن التلمساني في الأمور القلبية: أنها قد تعرف بأمارات تظهر دليلا عليها كحمرة الخجل [وصفرته*].
قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ).
مستثنى العداوة والبغضاء.
قوله تعالى: (عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا).
تقديم المجرور للتشريف، والاعتناء للاختصاص، لأنه مستفاد من مادة التوكل، وقال صاحب لحن العوام: من لحنهم: قولهم: توكلت عليك وعلى الله، وإنما يقال: توكلت على الله ثم عليك، قال شيخنا: الصواب أنه لَا يطلق التوكل على المخلوق بوجه، والإنابة هي اعتقاد التوحيد والإيمان بالقلب والتوكل متأخر عن ذلك، لأنه إنما يكون بعد النظر في الحوادث، وفي الأمور الدنيوية بخلاف الإنابة، لأنها متقدمة و [الْمَصِيرُ*] المرجع متأخر عن الجميع، فهلا قدمت النيابة ووسط التوكل؟ والجواب: أن المراد [بالإنانة*] الانتقال من مقام إلى مقام، إن قلت: إنه من كلام إبراهيم ﵇، وإن قلنا: إنه من كلامنا بمعنى [نقول*] (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا)، فإِن قلت: المراد بالإنابة
стр. 1516
التوبة من [**الفروع]، قلت: التوبة مذكورة في علم أصول الدين، وليس لها في كتب الفقهاء ذكر، وإن تكلموا في متعلقها بأن التوبة أمر اعتقادي قلبي.
قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ... (٥)﴾
فسره ابن عطية: بمتعلقين إما بأن [تغلبهم علينا*]، [فتكون لهم فتنة وسبب ضلالة*]، لأنهم يتمسكون بكفرهم، ويقولون: إنما غلبناهم لأنا على الحق وهم على الباطل، أو [لا تسلطهم*] علينا فيفتنوننا فكأنه قال: لَا تجعلنا مفتونين، انتهى، على الأول: يكون الدعاء راجع للكفار بالذات ولنا باللزوم، وعلى الثاني: هو دعاء لنا بالذات، ويتناول الكفار باللزوم.
قوله تعالى: (وَاغْفِرْ لَنَا).
الأول: دعاء بأمر راجع للدارين، والثاني: خاص بالآخرة، وعقبه بـ (الْعَزِيزُ)، لأنه مناسب لذكر الفتنة.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ ... (٦)﴾
بدل اشتمال من (لكم)، وإلا لزم أن يكون [بدل*] كل من بعض، لأن الذين يرجون الله واليوم الآخر أعم من ضمير (لكم).
قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
وفي سورة الحديد (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، وقرئ بإسقاط (هو)، فإِن قلت: الصيغ متواترة، وقد ورد النهي عن الاختلاف في القرآن بالزيادة والنقص؟ قلت: إنما ذلك حيث لم يرد ذلك اللفظ في مثل ذلك في غير الحديد سقطا وفي مثله من غيرها زائد، فليس من ذلك المعنى، وانظر ما تقدم في سورة الحديد.
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ ... (٧)﴾
الحكم على موصوف لصفة على ثلاثة أقسام: فتارة يجب في ذلك الحكم مراعاة تلك الصفة، وتارة يستحب، وتارة يحرم، والآية من القسم الآخر، لأن جعل المودة بين المؤمنين والكافرين لأجل عداوتهم حرام، إنما المودة لأجل القرابة وكونها لأجل العداوة لَا تصدر إلا من منافق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ... (٩)﴾
قال عياض في المدارك لما عرف بإسماعيل القاضي، قال: حكى الدارقطني عنه أنه دخل عنده عبدون بن صاعد الوزير، وكان نصرانيا، فقام له ورحب به فرأى إنكار
стр. 1517
الشهود لذلك، قال: قد علمت إنكاركم، وقال تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) الآية، وهذا يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكت المعتضد عن ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ).
إن قلت: هلا قال: إن الله يحب البارين، فيكون راجعا للمعطوف عليه، وهو الأصل؟ فالجواب: أن تعليق الحكم على الأعم أبلغ، لأن المقسط أعم من البار، فإِن ثبت أنه محبوب فأحرى البار.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ).
يدل على نفي مفهوم المخالفة، لأن هذا مفهوم ما قبله.
قوله تعالى: (وَأَخْرَجُوكُم مِنْ).
عطف الصفات والواو بمعنى أو، لأنه إذا جعل من عطف الموضوعات، والواو على بابها يلزم عليه حذف الموصول والفاصلة، وهو غير جائز، واختلف الأصوليون في [لا تفعل*]، هل هي للتحريم أو للكراهة، وكذلك ذكر الفقهاء في لفظها، والآية حجة لمن يقول إن ذلك لَا يدل على التحريم، ولولا ذلك لما كان لقوله (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فائدة، والمراد بالظلم هنا الشرك، لأن موالاتهم للكفار من حيث اتفاقهم بقتالهم إياهم في الدين، دليل على ردتهم وشركهم، ويحتمل أن تكون الموالاة لَا من هذه الحقيقة، ويكون المراد بالظلم المعاصي والمخالفة في الفروع لَا في الاعتقاد، لاقتضاء الآية الحصر لاسم الإشارة والمضمر وتعريف الخبر، فالمراد أن ليس بظالم، فإِذا [حملناه*] على المعاصي بالإطلاق صدق اختصاصهم بالظلم، وإذا [حملناه*] على الشرك لم يصح الحصر والعطف ترق، لأن المقاتلة أشد من الإخراج من الدار، وعطف الأشد على الأخف في باب النهي والنفي ترق، لأن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم.
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ... (١٠)﴾
أي النساء المدعيات الإيمان فهن مؤمنات باعتبار الدعوى، فاختبروا صحة دعواهم بإحلافهم على ذلك.
قوله (مُهَاجِرَاتٍ)، حال، فإن قلت: الإيمان شرط في الهجرة، فيلزم مقارنة الشرط للمشروط، لأن الحال مقارنة لصاحبها، قلت: هي حال مقدرة.
стр. 1518
قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ).
احتراس وإشارة إلى أن التحليف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب منكم غاية الامتحان [لتصلوا*] إلى العلم بذلك، بل المراد مطلق الامتحان ليحصل لكم الظن القوي.
قوله تعالى: (بِإِيمَانِهِنَّ).
وأما العلم فخاص بالله ، وهو منا بمعنى الظن.
قوله (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، إن قلت: يلزم من عدم حليتهن لهم عكسه، فما [سر*] التصريح بالعكس؟ فالجواب: أنه لو لم يصرح بالعكس لفهم صدر الآية، أنه يجري مجرى الضرورة المثالية، [**وأنها لَا تعكس كيفها كما دلتها فتنعكس مثلا إلى الدائمة]، فتبين أنها تنعكس في الجهة ضرورة، وكان الشيخ أبو العباس ابن إدريس يقول: يؤخذ [من*] قوله (وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وإلا لم يكن لذكره بعد قوله (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ)، فائدة لأنه يغني عنه.
قوله تعالى: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ).
أي إذا ارتدت منكم امرأة، وهربت إلى الكفار، فاطلبوا من الكفار أن يدفعوا لزوجها مهرها.
قوله (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا)، إذا ارتدت من الكفار امرأة إليكم، فادفعوا أنتم لزوجها مهرها، والأمر بسؤال الكفار من المؤمنين نفقة إذ راجعهم ظاهر، لأنه جزاء لسببه، وتقدم ذكره في الآية لقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)، وأما أمرنا نحن بأن [نطلب*] الكفار صفة من هربت منا إليهم، فلم يجر له سبب، لكنه ذكر باللزوم فحقه أن [يكون*] مؤخراً، فيقال (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) أو (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ)، لكن إنما قدم لأنه أهم، إذ هو راجع للمؤمنين في أخذهم [مهر من جاءتهم*]، والأخذ راجع لانتفاء الكفار لاسيما، إن قلنا: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة، وهذا الأمر ليس للوجوب لأنه بلفظ السؤال، فدل على ضعفه، وهو للإباحة أو الندب، فإن قلت: يؤخذ من الإباحة عدم المتابعة في الذنوب، لأن غاية السؤالين قبض المسئول، قلت: لَا يلزم من السؤال حصول القبض هنا، الذي هو مناف للمقاصد، ولما عرف عياض في المدارك بأبي محمد عبد الله بن السماك قال: قال الداوودي: كان ابن السماك إذا سئل عن غيره، هل يقول هو مؤمن عند الله أو يسكت، فقال: يقول: هو مؤمن عند الله، ووافقه جماعة من القرويين، وخالفه ابن أبي زيد، وأكثر علماء القيروان، وقالوا: إنما يقال:
стр. 1519
إن كانت سريرتك مثل علانيتك فأنت مؤمن عند الله، ووقع بينهم بهذا مهاجر وتقاطع، فقلنا لابن التبان: كيف تقطع على غيبه فقال: فإِن كانت سريرته مثل علانيته كان كذلك يقال هو مؤمن من في حكم الله في مثل قوله (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، فقال لي أبو محمد: ليس هذا أراد [فقلت*] كذلك، يقول: [ولما*] عرف بأبي الحسن علي بن محمد الدباغ، قال: سئل عنها، فقال: إذا وقفنا بين يدي الله تعالى لم نسأل [هل*] نحن مؤمنون عنده ولا عندكم؛ فأعيد عليه [الكلام*]، هل تقطع كغيرك بالإيمان عند الله، فقال: لَا إلا أني أقول له: إن كان ظاهرك وباطنك واحد، وكان ينهي عن الكلام فيها، ويقول: ما لنا ولشيء إذا أصبنا فيه لم نؤجر، وإن أخطأنا أثمنا، ويقول لأبي حسن الزيات: ذهبنا إلى العراق وأتينا بهذه البدعة، وهو الذي جاء بها وألقاها بالقيروان، قوله (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ)، أتى به مستقبلا مع أن الحكم ماض، باعتبار ظهور متعلقين.
قوله (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ ... (١١) .. ، فإِن قلت: هذا تكرار؛ لأنه مستفاد من الأول؟ فالجواب: أن هذا أمر للمؤمنين بأن يدفعوا لبعضهم مهر زوجته الذاهبة، والأول أمر للمؤمنين بأن يدفعوا للكافرين مهر زوجته الذاهبة عنه، أو أمر للكفار أن يدفعوا للمؤمنين مهر زوجته الذاهبة، أي [وآتوا*] (الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ).
قوله (الَّذِينَ آمَنُوا)، أنتم مصدقون [بوعدكم*] ووعيدهم، والذي عليه المفسرون [في*] الآية، أنه يدفع من الغنيمة للزوجة الذاهبة، [وزوجته المشركة*] مثل ما أنفق، وهذا التفسير إن كان إجماعا أو تفسيرا من النبي ﷺ ، فلا كلام وإلا فظاهرها أن المراد أن الذي فاتته زوجته إلى الكفار [فعاقبتموهم*]، أي أخذتم نساءهم فأعطوهم ما أنفقوا، ولا تكونوا [ ... ] (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا)، فإِن ذلك قام للمعاقب وغيره، وبالجملة، فأحكام الآية منسوخة.
قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ ... (١٢) .. ، اختلف المحدثون إذا ورد في الحديث، قال رسول الله ﷺ : هل يصح للراوي أن يبدله؟ قال: الشيء أو العكس، على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، وجواز تبديل النبي بالرسول دون العكس، فإن قلت: هلا قيل: يا أيها الرسول [فهو*] أخص، وكل ما ثبت للأخص لا ينعكس، قلت: تعليق الحكم على الأعم أعم من تعليقه على الأخص، لأنه ينتج الحكم للأخص من باب أحرى، فإذا بايعوه على الإيمان وفروعه مع استحضار كونه نبيا، فأحرى أن يبايعوه عليه مع استحضارهم كونه رسولا من الله؛ خلاف العكس،
стр. 1520
وقوله (الْمُؤْمِنَاتُ)، إن أريد مطلق التصديق، فيكون حقيقة، وإن أريد التصديق لكل ما جاء به، فيكون من تشبيته الشيء بها يؤول إليه لَا ينفي أنه لَا يعلم إيمانهن بذلك إلا بعد [إقرارهن*] بعدم الإشراك والسرقة والزنا، وقدم الإشراك؛ لأن [حفظ*] الأديان آكد، ويبقى النظر بين الأموال والزنا، فقد يقال اجتناب الزنا آكد، بأن حفظ الأنساب آكد من حفظ [الأموال*]، لكن يجاب عنه بما أجابوا عن قوله في المدونة في الكتابي إذا سرق أنه يقطع، وإن زنى لم يحد مع أن العكس كان يكون أولى، فأجابوا: [بأن*] السرقة راجعة إلى التظالم بينهم والفساد، فيحكم بينهم فيها وفيما هو [حق آدمي*] وحق الله، والزنا مجرد حق الله فقط، فيحكم فيه [بشرعهم*] [ولا حق*] في الزنا للآدمي، لأن غالب الأمر في المزني بها أن تكون طائعة، وإن كانت مكرهة فلا نسميه زنا، وهو المراد هنا أعني الزنا طوعا، [وأخَّر*] قتل الأولاد عن الزنا مع أن حفظ النفوس آكد، لأن قتل الأولاد [قليل*] فيهم بالنسبة إلى الزنا، إذ غالب الأمر في الأمهات الرأفة والحنان على أولادهم، فالعطف في الآية [بيان*]، قوله (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ)، عبر فيه بالإثم، ولم يقل: ولا يأتين بسرقة ولا بزنا؛ إشارة إلى السبب الذي ذكر المفسرون في ذلك من [اختلاق*] الأولاد وجلبهم.
قوله (فِي مَعْرُوفٍ)، إن قلت: ما أفاد، مع أن [أمر*] النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معروف لَا منكر فيه؟ قلت: صدق التعميم الامتثال في أوامره كلها واجبها وندبها، [ولو لم*] يقل في معروف لأوهم أنهم لَا يعصونه في الأمر الواجب، لاسيما على ما قال الفخر، والأكثرون مع أن لفظ العصيان خاص بمخالفة الواجب، والقصد في الآية [مدحه*] في عدم مخالفته في الواجب والمندوب، وأجاب الزمخشري: على أنه تنبيه على أن [مطلق الطاعة منها معروف، ومنها منكر، وأوامر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دل الدليل على أنها كلها معروف*] (١).
قوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا ... (١٣)﴾
وقال في أول السورة (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ)؟
والجواب: أن هذا في عموم المؤمنين بالنسبة إلى المشركين، وتلك في قضية حاطب فيقيد في هذا النهي عن مطلق الموالاة، وفي تلك النهي عن اختصاصها، لأنا إن قلنا: إنها نزلت في اليهود من جهة أنهم كانوا يوالونهم بعض موالاة، فهو أتم حكما، فلم يقع [في*] أخص الموالاة، بل أعمها، وأما أخصها فمعلوم من المخاطب عدم الاتصاف به حيث ما شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحضوره بدرا، أو أنه مغفور له، فإن قلت: كيف ينهى عن مطلق الموالاة، وقال تعالى (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
стр. 1521
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)، أن تبروهم؟ قلت: المراد بذلك المسالمة والمشاركة لَا الموالاة، فإِن قلت: المراد بالإقساط الإعطاء، وقيل: المعروف [بالنفل*]، وقد ذكر عياض في المدارك أن القاضي إسماعيل قال لنصراني واحتج بالآية، قلت: لَا حجة في ذلك.
قوله تعالى: (غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِم).
إما راجع إلى صفة الإرادة، أي إرادة تعذيبهم، أو لصفة [**القتل]، أي عذبهم في الدنيا بالذل والرعب والقتل بأيديهم، لأن تعذيبهم بالآخرة [لم*] يكن واقعا حينئذ.
قوله تعالى: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ).
إن أريد المشركين، فهم يئسوا من [وقوعها*] حقيقة، وإن أريد اليهود فلم ييئسوا من [نعيمها*]، فإن قلت: كيف وهم يزعمون أن نعيمها خاص بهم؟ قلت؛ كفرهم عناد [وإسناد اليأس إليهم مجاز*]، فإذا أريد اليهود، فيكون التشبيه بالكفار حقيقة، وإن أريد العموم، فالتشبيه باعتبار اختلاف الصفة والحال، كقولك: هذا بُسْرا أطيب منه رطبا، أي يئسوا من أصحاب القبور أن يرجعوا إلى الدنيا أو ينعموا بالجنة.
* * *
стр. 1522
سُورَةُ الصَّفِّ
ابن عطية: مكية، وقيل: بعضها مكي وبعضها مدني، الزمخشري: مكية ولم يحكي خلافا، ثم لما ذكر سبب نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ)، قال: إن المؤمنين قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى [لعملناه*] ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله على الجهاد، [فولوا يوم أحد فعيرهم*]، [وقيل*] لما أخبر الله تعالى بثواب شهداء بدر، [قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا*] (١) ، بقولهم، فنزلت الآية فظاهر هذا أن بعضها مدني، لأن غزوة بدر وأُحد إنما كانت بعد الهجرة، فإن قلت: لَا يبعد أن تكون الآية نزلت عتابا لهم فيما سيقع منهم لَا ما وقع، قلت: قد قال الزمخشري: سبب نزولها عدم وفائهم بقولهم فهذا هو التناقض.
قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... (١)﴾
السبب القوي أدل على وجود السبب من السبب الذي لَا يساويه في تلك القوة، فإذا كان الناظر إلى السماوات والأرض يسبح الله، فأحرى الناظر لنفس السماوات والأرض، ويستفاد هذا أيضا من دلالة تركيب النصوص لقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبَحُ بِحَمْدِهِ).
قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
يجري مجرى العلة، ابن عطية: (الْعَزِيزُ) في سلطانه وقدرته (الحكيم) في أفعاله وتدبيره، المقترح في الأسرار العقلية، الحكمة راجعة للعلم بمعنى وضعه الأشياء في محلها، وإن قلت: المراد بها الانتقال يشتمل صفة العلم والإرادة، الآمدي في إبكار الأفكار: قيل: معناه الحاكم، وقيل: العليم فهو صفة علمية، وقيل: المتقن للأشياء فهي صفة فعلية، والحاكم الفاصل بالقول والأخبار أو بالقضاء والقدرة، وقيل: الحاكم المانع فالأول: صفة كلامية، والثاني: راجع للقدرة والإرادة.
قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾
حضهم على أمر مركب من القول وعدم الفعل، والمركب [ ... ] بأحد جزئيه، فهل المراد نفي القول أو نفي الفعل؟ فتوبيخهم على قولهم ما لَا يفعلونه، هل معناه قولوا لنا [لم لَا تفعلونه*]، أو أن الصواب أن لَا يقولوا [آمنا لما لَا يفعلونه*]، والظاهر الأول، لأن الثاني ينتفي فيه مصلحة القول، وكان بعضهم يورد في الآية سؤالا، تقريره أن ما لا [يلزمه*] فعل شيء فلم يفعله، إنما يعاقب على عدم الفعل لَا على التزام ما لَا يوف به،
стр. 1523
[وكأنَّ*] الجاري على هذا المعنى أن يقول: لم لم تفعلوا [ما تقولون*]؛ لأنهم قالوا نفعل ونفعل، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن العتب على القول يستلزم العتب على الفعل، لأن القول سبب في الفعل، فإِذا عتب على السبب استلزم العتب على المسبب، ومن هذا المعنى مسألة العريش في أكرية الرواحل من المدونة وهي من اكترى دابة ليحمل عليها، من مصر إلى فلسطين [فَانْكَسَرَ الدُّهْنُ*] منها فعثرت بالعريش [وَقِيمَتُهُ هُنَاكَ بِالْعَرِيشِ ضِعْفُ قِيمَتَهُ بِالْفُسْطَاطِ كَيْفَ يُضَمِّنُهُ؟ قَالَ: قِيمَتُهُ بِالْعَرِيشِ*]، وقال غيره: يغرم قيمته بمصر، لأنه منها تعدى.
الجواب الثاني: أن الخطاب فيه رفق بالمؤمنين، وذلك أن الفعل أخص من القول، ولازم الأخص غير لازم الأعم، فلا يلزم من العتب على [الفعل*] العتب على القول.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ... (٤)﴾
ابن عطية: المحبة هنا صفة فعل، ولا ترجع للإرادة؛ إذ لَا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيرا انتهى، العكس كان أولى، لأن صفة الفعل ظاهرة فلو كان المراد به أنه ينصر الذين يقاتلون في سبيله، للزم الخلف في الخبر، لأنا وجدنا بعض النَّاس يقاتل ولا ينصر بخلاف الإرادة، [فإنا*] لَا نطلع عليها ولا نعلمها، فيمكن أن يكون المقاتل مرادا أولا، فإن قلت: إنما مراد ابن عطية أن الإرادة يلزم وقوع متعلقها، فلو كان المعنى أنه إفراد القتال في سبيله للزم عليه الخلف في الجنة، لأن بعض النَّاس لم يقاتل في سبيله بل أكثرهم، قلت: فرق بين القتال وبين إرادته وبين الذين يقاتلون، فجاء معنى الآية إنما أراد من قاتل في سبيل الله فهو مراد الله ومحبوب له كقوله تعالى: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، أي أراد ثوابه، وفي كلام ابن عطية نظر من وجه آخر أيضا، لأنه قال: أكثر النَّاس يقاتل ولا ينتصر، ثم قال: المراد يقاتلون القتال بالجد والعزيمة، فكل النَّاس أو أكثرهم إذا قاتل بجد وعزيمة ينتصر، وأما قتال المنافقين فليس في سبيل الله.
قوله تعالى: (بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ).
التشبيه بالثبات وعدم الفرار؛ كثبوت البناء، وحمله المفسرين على أن معناه أن يكونوا متراصين كتراص البنيان، وهذا لَا يتصور في [**الحرمات].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ... (٦)﴾
فإن قلت: لم قال موسى: (يَا قَوْمِ)، وقال عيسى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)؟ فالجواب من وجهين:
стр. 1524
الأول: أن موسى عبر بالقوم تنبيها على قبح ما فعلوه، لأن قوم الإنسان من حزبه وأشياعه، فحقهم أن ينصروه ويوالوه، ففعلوا ضد ذلك فآذوه بخلاف قوم عيسى، فإِنهم لم يفعلوا به ذلك.
الثاني: أجاب الزمخشري: وهو أن عيسى لَا ولاء له في بني إسرائيل بخلاف موسى، فإِن قلت: قد تقرر أن الولاء يرجع لموالي الأم في أربع مسائل هذه منها؟ قلت: لم [ينسب*] هنا إلى الموالي بل إلى قومه، وقد يقال: إن عيسى إنما ينسب إلى أمه، كما في كثير من الآيات، وكانت أمه منهم أي من قومه.
قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).
الأقرب أنه خبر لَا إنشاء، بدليل التصديق والتكذيب، والتأكيد بـ (إِنّ). (مُصَدِّقًا) [حال*] مؤكدة، فإِن قلت: لعلها مبينة، لأن كونه رسولا أعم من أن يثبت التوراة، أو ينسخ حكمها، قلت: هذا لَا يقدح في التصديق، لأن النسخ ليس بتكذيب للمنسوخ، بل هو مصدق له، لكنه واقع لدوام حكمه؛ لأن من لوازم النسخ تصديق المنسوخ.
قوله تعالى: (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ).
المراد الماضي أو الحال بخلاف قوله تعالى: (مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا)، فإنه هنا للاستقبال.
قوله تعالى: (وَمُبَشِرًا).
البشارة هي الإخبار بالأمر الملائم، وهذا ملائم لقوله تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ).
قوله تعالى: (اسْمُهُ أَحْمَدُ).
السهيلي في كتاب الإخبار والإعلام: لما قال (اسْمُهُ أَحْمَدُ)؟ [مع أن*] الأشهر في أسمائه محمد، والقاعدة في التعبير مدح الشيء أو البشارة به أن يعبر عنه بأشهر أسمائه لا بالخفي منها؟ فأجاب بوجهين:
أحدهما: أن هذا الاسم خاص لم يسم به أحد قبله بخلاف محمد، [وغيره].
الثاني: أن أحمد مأخوذ من [اسم*] الفاعل من حمد يحمد فهو حامد، ومحمد مأخوذ من اسم المفعول، لأنه من حمد محمد فهو محمود، فحمد متأخر عن الحمد، لأنه إنما يحمد جزاء عن حمده انتهى، ويجاب أيضا: بأن محمدا هو اسمه في ثاني أزمنته وجوده حين سمي، وأحمد اسمه الشرعي، وهو المتقدم في الوجود، لأن الله تعالى
стр. 1525
سماه به، وأما محمد فأخبر الله تعالى عنه أنه سيولد ولد يسميه أبواه محمد، فهو مؤخر. وذكر عياض في الشفاء قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا محمد وأحمد وأنا الماحي وأنا الحاشر"، قال المازري: في التعليق الذي له على الجوزق: وإن اسمه في التوراة بحرف القاف والكاف، وتفسيره بالعبرانية محمد معلوم في التوراة، ابن عطية: والاسم هنا غير المسمى، [وليست على حد قولك جاءنا أحمد لأنك هاهنا أوقعت الاسم على مسماه، وفي الآية إنما أراد: اسمه هذه الكلمة*]؛ كما يفرق بين جاءني زيد، وبين هذا اسمه زيد.
قوله تعالى: (هَذَا سِحْرٌ).
الإشارة لما جاءهم به صلى الله عليه وآله في ذاته، أي هذا ساحر كقولك رجل عدل، ويؤيده من قرأها ذا ساحر مبين، أي لَا يحتاج إلى إقامة الدليل على كونه ساحر، وقال عياض في الشفاء في الباب الثالث من القسم الأول من فضل أسمائه، وما تضمنه في فضيلته صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ومن أسمائه في الكتب المتوكل والمختار ومقيم السنة، والمقدس، وروح الحق، وهو معنى الفارقليط في الإنجيل، وقال ثعلب: الفارقليط يفرق بين الحق والباطل.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى ... (٧)﴾
مذهب الأكثرية القائلين بعموم إطلاق الكذب على العمد والسهو، [ظاهر*] لأن الكذب المفترى هو العمد وغير المفترى هو السهو، وأما على مذهب الجاحظ القائل بأن لفظ الكذب الخاص بالعمد، فيكون افترى الكذب هو المشاهدة في وجه المكذوب عليه، أو الكذب في الأمر الواضح الجلي المعلوم بطلانه بالضرورة، ومعنى الآية ليس في النَّاس أظلم ممن كذب على الله، لأن الكاذب على الله هو أظلم النَّاس [ولا*] يعارض قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)، فالجمع بين الآيتين ينتج تساويهما في الظلم، فالنفي بإرادة الاستفهام راجع لكونه لَا أظلم منه لَا أنه أظلم النَّاس؛ بخلاف قوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، لأنه ليس المراد هنا أنه لَا أصدق منه، لئلا يلزم عليه احتمال كون غيره مساويا له في الصدق، بل المراد أنه أصدق من غيره حديثا، فليس في الوجود من يساويه في الصدق، بل الكل دونه، ويمكن الجمع أيضا بأن تلك يختص التفاوت فيها والشدة باعتبار نوعها، مثاله في هذه، الكذب في نوعه ظلم، وأشده الكذب على الله والرسول، وكذلك غيرها من الآيات التفاوت فيها نوع كل ما تضمنه.
стр. 1526
قوله تعالى: (وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ).
قال ابن التلمساني في شرح المعالم اللدنية: أجمعوا على تكفير من كذَّب الله تعالى، واختلفوا في تكفير من كذب على الله انتهى، إما أن كذب على الله مستحل للكذب فهو كافر إجماعا، وإن كذب عليه غير مستحل، فإِن خالف الإجماع القطعي فكافر، وإلا فقولان، وحكى ابن الحاجب الأصل فيه ثلاثة أقوال: ثالثها: إن خالف الإجماع القطعي، كفر، وإلا فهو فاسق.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
أي في حين ظلمهم، والهداية هي البيان والإرشاد، قال المقترح في شرح الإرشاد [والهادي*] يكون بمعنى الداعي، فيرجع إلى قول الله، ويكون معنى خالق الهدى، وانظر كلامه في الأسرار العقلية، وفسرها الشيخ أبو علي ناصر الدين في شرح الرسالة بكلام يدل على ضعفه في أصول الدين أن الهداية الإرشاد، وقيل: الدلالة الموصلة إلى [البغية*]، وقيل: خلق القدرة على الطاعة، وهذا مردود لأنه [قبل*] خلق القدرة لَا تكليف، فلا هداية ولا ضلال، وإذا خلق القدرة على الطاعة لم يلزم وجود الطاعة، إذ يلزم من وجود القدرة وجود المقدور، فالهداية والضلال مرتبان على خلق القدرة، فإذا وجدت القدرة والطاعة وبين له طريق الخير والشر، فمن سبقت له العناية اهتدى، ومن لَا فلا. انتهى قوله، وقيل: خلق القدرة على الطاعة هذا مذهب أهل السنة، وقوله في رده لأنه قبل خلق القدرة لَا تكليف باطل، لأنه إن كانت القدرة الصلاحية [فمسلم لَا يتناول محل النزاع*]، لأن الهداية إنما هي القدرة [التنجيزية*] وهذا كالعاجز عن القيام، لَا يكلف الصلاة قائما، فإن قدر على القيام كلف بذلك فالقدرة سابقة، وإن أراد القدرة [التنجيزية*] فالتكليف يعطيها من أهل الطاعة [حين*] عملوا بها والعصاة [ ... ]. قوله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ... (٨) الإرادة ليست على بابها من التخصيص، بل بمعنى التمني والشهوة، لأن الإرادة من شرطها التخصيص مقارنتها للفعل المريد، وهم لم يفعلوا الإطفاء، وإدخال اللام تهكم بهم وتأكيد للسببية، ولو اقتصر على الإرادة لاحتمل أن ذلك لم يخطر بعقولهم عند افتراء الكذب، فأدخلت اللام بيانا لأنهم أرادوا الكذب لأجل أن يطفئوا نور الله، تحقيقا لسخافة عقولهم، ونص النحويون على جواز دخول اللام على المفعول المؤخر على الفعل، إذا كان فعله مقدرا بأن المصدرية، كقوله: أريد لأنسى ذكرها، وأغفله أبو حيان هنا.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ).
стр. 1527
قرأ نافع وأبو عمرو، وابن عامر. وأبو بكر عن عاصم (مُتِمٌّ نُورَهُ)، بالنصب، وقرأ الباقون بالإضافة، وهي في معنى الانفصال، ابن عطية: في هذا نظر انتهى، وجه النظر أن اسم الفاعل هنا [مجرد*] عن الزمان، لأنه مسند إلى الله تعالى، فليس بمعنى الحال والاستقبال ولا [المضي*]، وهذا نظرٌ إلى أنه صفة معنوية، والنصبُ نظرٌ إلى ظاهر لفظ الصفة وهي في اللفظ بمعنى الماضي، لأنه مسند إلى الله تعالى.
قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
دليل على أن الظلم بمعنى الكفر، و (لو) هنا بمعنى (أن) لاستحالة كون نفيها إيجابا، وإيجابها نفيا؛ كما هو في قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، وهذا [تهكم بهم*]، لأن لو إنما تدخل على ما يتوهم كونه مانعا، فلا تقل أكرم السائل ولو كان عدوك، وكراهة الكافرين لإتمام النور ليست مانعة من إتمام النور، فلو دخلت تهكما بهم، فجعلها في صورة مانعة من إتمام النور، وقوله (وَدِينِ الْحَقِّ)، إن قلت: هذا يدل على تقدم الحق الذي إليه هذا الدين، فيدل على أن التحسين والتقبيح مشتقان من العقل، والحق نقيض الباطل، أي ذلك المتقرر في عقولكم الذي هذا الشرعي بمقتضاه مقدرا له ومصححا؟ فالجواب: أن التحسين والتقبيح قسمان، فمنه ما أجمعوا على إسناده للعقل، ومنهم اختلفوا فيه، فما يرجع إلى وجود الصانع ووحدانيته، وما يجب له وما يستحيل في حقه، أجمعوا على إسناد الحسن فيه والقبيح إلى العقل، لأن العقل اقتضى أن وجود الصانع ووحدانيته حسن، [وعدمه*] قبح، وما يرجع إلى غير ذلك من أمور الديانات، فليس [فيه*] للعقل مجال، [خلافا*] المعتزلة، والآية من القسم الأول.
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾
ابن هشام: معطوف على (تؤمنون)؛ لأنه في معنى آمنوا، ولا يقدح في ذلك أن المخاطبة بـ (تؤمنون)، [للمؤمنين وبـ (بشر) للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم*]، [ولا يقال*] في (تؤمنون): إنه تفسير للنجاة [لَا طلبا*]، وأن (يغفر لكم) جواب الاستفهام تنزيلا [للسبب منزلة المسبب*]، لأن تخالف الفاعل لَا يقدح، يقولون: قوموا واقعدوا يا زيد، ولأن [تؤمنون*] لَا يتعين [تفسيرا للنجاة*]، ولكن يحتمل أنه تفسير مع كونه أمرا، وذلك بأن يكون معنى الكلام السابق [ترجون*] (تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) كما قال (فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ)، في معنى انتهوا، وأنَ يكون تفسيرا في المعنى دون الصناعة، لأن الأمر قد يساق لإرادة المعنى الذي يحصل من [المفسر*]، تقول هل أدلك على سبب نجاتك؟ آمن بالله، كما تقول تؤمن بالله، وحينئذ فيمتنع العطف، لعدم
стр. 1528
دخول التبشير في معنى التفسير، وقد يكون معطوفا على أمر مقدر يدل عليه المعنى فافعل كذا أو كذا كما قيل (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)، قال السكاكي: الأمر معطوف على قل مقدر، [قبل*]: (يَا أَيُّهَا) وحذف القول كثير، وقيل: معطوف على أمر محذوف تقديره [بشر*]، كما قال الزمخشري: في (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) لدلالة [لَأَرْجُمَنَّكَ*] على التهديد.
قوله تعالى: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ... (١٤)﴾
تقدم في قوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ)، طلب الإيمان والجهاد بالأنفس والأموال، وهذا هنا آكد؛ لأن ذلك أمر بمطلق الجهاد، والمجاهد قسمان: تارة يجاهد [ليدفع*] العدو عنه، وتارة يجاهد ليطلب النصرة عليه، فهذا يكون قتاله وامتحانه في الحرب أشد من الأول، فأمروا في هذه الآية بالجهاد لطلب النصرة، وعبر بالفعل ليتناول الأمر كل من حصل مطلق الإيمان، و (كونوا) المراد به الدوام ويستفاد ذلك من صيغة الأمر، ومن لفظ كان، فإن الباجي والمنطقيين نصوا على أنها [ ... ] لما ذكروها في الروابط، فجاءت الآية على الوجه الأبلغ لاقتضائها الثبوت والدوام على النصرة، حتى كأنه وصف، وأتى بخلاف قولنا: انصروا فإنه لا يقتضي إلا مطلق إدخال الفعل في الوجود، ولا دلالة على اللزوم والدوام بوجه، وقرئ (أنصارُ الله) بالإضافة، وهو أبلغ من عدم الإضافة؛ لأن نصرة الله أقوى من نصرة غيره، وهذا مجاز واعتناء [بالنبي ﷺ وبالمؤمنين*]، فجعلت نصرتهم له كأنها لله، مع أن الله تعالى هو فاعلها أو [ ... ]. عليها، قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، فإن قلت: كيف [شبه*] نصرتهم بقول عيسى؟ قلت: هو تشبيه معنوي على حذف القول، والتقدير: قلنا لكم ذلك كما قال عيسى ابن مريم للحواريين، وأشار إليه أبو حيان، وقرر الزمخشري التشبيه، لأن معناه كونوا أنصار الله؛ كما قال الحواريون: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)، حين قال لهم عيسى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، في التشبيه، ولم يقل: انصروني فبادر الحواريون إلى امتثال ذلك، والمؤمنون طلب منهم النصرة بلفظ الأمر المقتضي للوجوب، فحقهم أن يبادروا إلى [الامتثال*]؛ بل هم أجدر [بالمبادرة*]، وقول الحواريون: (نَحْنُ أنْصَارُ اللَّهِ)، بالإضافة أبلغ من طلب عيسى منهم، ومعناه نحن أنصار الله لك أو مع خلانك، [ولو*] قالوا: نحن أنصارك إلى الله؛ لكان مفهومه أنهم لَا ينصرون غيره إلى الله.
стр. 1529
قوله (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ)، بعد أن نصره الحواريون افترق غيرهم، وهم [بنو*] إسرائيل على فرقتين، فطائفة آمنت بعيسى، وطائفة كفرت [به*]، قال شيخنا: كنت يوما جالسا عند الشيخ ابن سلامة، فجاءه رجلان قال له أحدهما: يا سيدي هذا قال لي [لَعَنَ اللَّه*] طائفتَك؟ فقال له: ارفعه للقاضي، وكان ابن عبد السلام حاضرا، فلما جلس بين يديه، قال له ما قاله، فأعرض عنه، وأخذ يبحث مع جلسائه [في مُسَمَّى الطائفة*]، [وكأنه*] لم ير [لمقالته*] مُوجباً، وتقدم الكلام على هذا في سورة براءة في قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ).
قوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا)، إن قلت: كيف يفهم هذا التأييد مع ما قاساه عيسى ﵇ منهم [حتى*] رفع، واتهموا بأنهم قتلوه، فيلزم فيه الخلف في الخبر؟ فالجواب من وجهين:
إما بأن التأييد معنوي باعتبار قوة الكلمة، والدليل عليه الحجة.
وإما أنه ظهور عيسى في زمنه وأنتم [ ... ] أو ظهور عيسى دائم بعد مدة عيسى زمن الفترة، وإن قلت: فالحواريون الذين قالوا هذا لعيسى هل نصروه؟ أو كيف يفهم؟ قلت: لعل المراد الحواريون بالنوع لَا بالشخص بأولادهم، أو من ينتمي لهم نصروا فانتصروا.
قوله (عَلَى عَدُوِّهِمْ)، لم يقل: على الكافرين إشارة إلى أن التأييد محبوب لهم دنيوي وأخروي، لأن [قهر*] الإنسان لعدوه، [يحصل له فوزا دنيويا، وفوزا أخرويا*]، لأنه عدو الدِّين.
* * *
стр. 1530
سُورَةُ الْجُمُعَةِ
قوله (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ... (٥) .. العطف بـ ثم تنبيه على أنهم كفروا بعد تأمل ونظر، وهو أشد من كفر بالكتاب قبل أن يتأمله.
قوله (كَمَثَلِ)، هو تشبيه أمرين حسي ومعنوي بأمرين حسيين.
قوله (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، أي حين ظلمهم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ ... (٦)﴾
يحتمل أن يكون هذا [وقوله*] (إِنْ زَعَمْتُمْ) شرطين، وقوله (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)، أو يكون الشرط الثاني شرطا في جواب الشرط الأول. قوله (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ... (٨) .. ، ابن البناء: الجملة خبر (إِنَّ)، ودخلت الفاء لما [للذي*] من معنى الشرط، وضعفه آخرون بوجهين:
الأول: أن الفاء إنما تدخل إذا كان الذي مبتدأ واسم (إِنَّ)، وهو هنا صفة لاسم (إِنَّ)، وأجيب: بأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد.
الثاني: إن الفرار من الموت ليس سببا في الموت، وإنما هو سبب في النجاة منه، فلا يصح أن يكون جوابا له. انتهى، قال شيخنا الفقيه عبد الله محمد بن محمد الخباب المعافري يقول: إن الفرار من الموت سبب في ملاقاة الموت، أي الموت الذي تفرون منه ويأتيكم من قدامكم وجهة وجوهكم، فإذا فررتم منه فإليه تفرون، ولذلك فإنه لم يقل فإنه مدرككم، لأن الذي يدرك الهارب يأتي فيه من خلفه.
قوله (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ... (٩) .. ، ابن رشد في رسم [سن*] من سماع ابن القاسم، كان النبي ﷺ إذا زالت الشمس أتى المنبر، فإذا رآه المؤذنون قاموا: فأذنوا في المئذنة واحد بعد واحد، وكانوا ثلاثة، فإذا فرغوا خطب ثم تلاه على ذلك أبو بكر وعمر، ثم زاد عثمان لما كثر النَّاس] [أذاناً بالزوراء عن زوال الشمس*]، [يؤذن*] النَّاس أن الصلاة قد حضرت، وترك الآذان في [المدينة*] بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان [هشام*] بن عبد الملك، فنقل الآذان الذي كان [بالزوراء*] إلى [المدينة*]، [ونقل*] الآذان الذي كان في [المدينة*] بين يديه وأمرهم أن يؤذنوا وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا، وهو بدعة. انتهى، وقال ابن العربي في الأحكام كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم [يؤذن مؤذن واحد*] إذا جلس على المنبر، ولذلك كان عمر وعلي بالكوفة ثم زاد عثمان أذانا ثانيا على الزوراء إذا سمعه النَّاس أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر، أذن مؤذن
стр. 1531
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي الحديث: كان الآذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واحد، ثم زاد عثمان النداء الثالث وسماه ثالثا؛ لأنه أضافه إلى الإقامة فجعله ثالث الإقامة فتوهم النَّاس أنه أذان [صلاة*]، فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم، ابن عطية: وقال أصحاب الرأي: يلزم أهل المدينة كلها السعي، [من سمع*] النداء ومن لم يسمع، وإن [كانت*] أقطارها فوق ثلاثة أميال، انتهى، هذا هو مذهبنا، وما [ ... ] أنه يعبر بأصحاب الرأي إلا عن الحنفية.
قوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا ... (١٠)﴾
الفاء بيان لكون المنهي في (وَذَرُوا الْبَيْعَ)، غير دائم [مغيًّا*] بانقضاء الصلاة، وأنه الانقضاء إلى الصلاة دون [الأشخاص*]، لأنه لو أسنده إليهم لكان [مغيًّا*] في كلهم لاحتمال كونه كلية، وإن من قضى صلاته دون الآخر يباح له الانتشار.، فلما أسنده إلى الصلاة لزمه أن المراد إكماله للجميع حتى دعاؤها وثوابها، المازري في الجوزقي، قال ابن شعبان: ذهب بعض العلماء إلى وجوب الانتشار.
قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا).
الصواب أن المراد به الثلث من باقي النهار، [ ... ] بالذكر لحديث [الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ*].
قوله تعالى: ﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا ... (١١)﴾
إن قلت: قدم التجارة على اللهو أولا، ثم أخرها ثانيا؟ فالجواب: أن التجارة أبلغ من اللهو، لأن تعلق الأغراض بها أشد من تعلقها باللهو، فالعطف في الوجهين تأسيس، لأنه لَا يلزم من الانفضاض من التجارة أن ينفضوا [للهو*]، ولا يلزم من كون ما عند الله خيرا من اللهو أن يكون خيرا من التجارة، مع أنه خير منهما معا في نفس الأمر.
* * *
стр. 1532
سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ
[ ... ] [لتحقق*] وقوع مدلولها.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾
أطلق على الاعتقاد عملا.
قوله تعالى: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... (٣)﴾
الزمخشري: يحتمل أن يريد أنهم آمنوا في الظاهر، ثم كفروا ظاهرا وباطنا، ثم كفروا [بالردة*] كذلك (١)، انتهى، الصواب الأول؛ لأن الأصوليين ذكروا في القياس أن العلة إذا كانت مركبة من أمرين، فلابد أن يكون كل واحد منهما صالحا لأن يعلل به الحكم استقلالا، أو يكون التعليل بالمجموع، ويكون كل واحد ينافي الحكم ولا يضاهيه، [وهنا*] لَا يصح أن [تكون*] الأعمال ظاهرا أو باطنا، علة [مستقلة*] في ذمهم، والطبع على قلوبهم، ولآخر علة، لأنه مناقض [للزوم الطبع*]، فإِن قلت: [الذم*] إنما هو على الانتقال منه إلى الكفر، قلت: [الانتقال*] أمر نسبي فصدق أنه تعليل مركب.
قوله تعالى: (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ).
إما أن يراد مطلق الفهم، وهو مطلق الشعور بالشيء، أو يراد فهم الأشياء الدقيقة، وهذا دليل على أن العقل في القلب، قال ابن رشد: وهو مذهب أكثر الفقهاء، وأقل الحكماء والفلاسفة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ... (٤)﴾
عبر بالقول إشارة إلى [أن*] كلامهم غير مفيد، فهو بمنزلة سماع الأجراس وغيرها وكذلك قال (تَسْمَعْ)، ولم يقل: تستمتع؛ لأنه إنما سمعه مجرد من غير قصد، ودخلت اللام للتعليل، أي سماعك إنما هو مجرد قولهم اللفظي الذي لَا معنى له؛ كسماع احتكاك الأجرام، وكان بعضهم يفرقه بين تعدي سمع بنفسه أو بالإنابة؛ [فالأول*] يقتضي الاعتناء بالمسموع بخلاف الثاني، وعبر في الأول: بـ[إِذَا*] والفعل الماضي، وفي الثاني: بـ (إِنْ) والفعل المستقبل؛ لأن إذا لتحقق الوقوع، والماضي محقق الوقوع بخلاف المستقبل، وخصص الأول بـ (إذا) والثاني بـ (إِنْ)؛ لأن أجسامهم [ليست*] من فعلهم، ولا صنع لهم فيها ولا [كسب*]، فهي أمر [جبري*]، فرؤيتها محققة لدوام وجودها مدة حياتها، وقولهم راجع إلى كسبهم واختيارهم، إن شاءوا نطقوا أو سكتوا، فليس بدوام لانقطاعه بسكوتهم، فتوجد أجسامهم وهم سكوت، فلذلك عبر بـ[(إِنْ) لأن*] سماع قولهم غير
стр. 1533
محقق، فإن قلت: وكذلك رؤية أجسامهم غير محققة؛ لأنهم قد تغيبوا [عن*] العيون، قلت: الغيبة قدر مشترك بين الرؤية وسماع الكلام، فإذا غابوا لم يسمع كلامهم [وتمتاز*] الأجسام بتحقق الرؤية حال الحضور، سواء تكلموا أو سكتوا.
قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ).
كان الفقيه القاضي أبو العباس ابنُ حَيْدَرَةَ ﵀ يقول: أفاد ذكر (مُسَنَّدَةٌ)، أنها غير منتفع بها في شيء، لأنها إذا كانت غير مسندة تكون سقفا أو عمدا أو غير ذلك مما فيه منفعة.
قوله تعالى: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
الصواب أن فيه تقديما وتأخيرا، أي أنى يؤفكون قاتلهم الله، لأن بعد الدعاء طلبهم بالمقاتلة لَا يحسن التعجب من صرفهم، لأن من صرفه الله فهو مصروف، وأما قبل الدعاء فيحسن ذلك.
قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا ... (٧)﴾
الظاهر أنه حكاية معنى قوله لَا لفظه؛ لأنهم إنما قالوه في الخلاء، ولم يقولوه في الملأ، وهم في الخلاء لَا يقولون إنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يقرون بذلك، وفي الآية رد على من يقول المفهوم الغاية، لأن قصدهم بالنهي عن [الإنفاق*]، [التأبيد*] لَا إلى غاية إلا أن يقال من شرط مفهوم المخالفة، أن لَا يمكن حمل الكلام وتأويله إلا عليه، وهنا يحتمل مفهوم الموافقة، أو نقول بموجبه، [ولا يتناول*] محل النزاع، وهم ينفقون عليهم بعد الانفضاض، لأنهم إذا علموا أنهم لَا ينفقون عليهم حتى ينفضوا عنه، فإنهم ينفضوا عنه إن كانوا على طرف من الإيمان.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا ... (٨)﴾
أتى به غير معطوف، لأنه جواب عن سؤال مقدر، وكأنَّ قائلا قال: لم كانوا لا يفقهون، فقال: لأنهم يقولون (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ)، فإِن قلت: لم أتت مقالتهم أولا بأداة الحصر وهي [هُمْ*]، أو البناء على المضمر، وأتت هنا بغير حصر مع أن الجميع خاص بهم لم يقله غيرهم؟ فالجواب: أن هذا خبر مبتدأ مضمر، أي هم يقولون لئن رجعنا، وصح حذفه هنا؛ لأن الخبر لَا يصلح إلا له وكون الموصول يقتضي الحصر بين، وقد قال مالك في الوصايا: إذا أوصى بعبده مرزوق لفلان، ثم أوصى به لفلان، فإِنه يكون بينهما معا، فإن قال: عبدي الذي أوصيت به لفلان، أعطوه لفلان فهو للثاني، ويعد رجوعا عن الأول، وما ذلك إلا لاقتضاء الموصول في الحصر.
стр. 1534
قوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).
قرئ بالنون ونصب الأعز على الاختصاص مثل "نحن معاشر الأنبياء لَا نورث"، ونصب (الْأَذَلَّ) على أنه حال، ومعنى هذه القراءة إن رجعنا إلى المدينة تحت طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتركنا [قتاله*] ومعاندته [صرنا أذلاء*] بعد كوننا أعزاء.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
هذا التشريف من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين، حيث ذكرهم مع اسمه وشركهم معه في العزة، وهي هنا إما صفة نقل، أو صفة معنى، إما مشتركة أو للقدر المشترك، وهذا بالنسبة إلى عزة الله وعزة النبوة والمؤمنين، وأما كونها نقلية أو معنوية فهو مشتركة لَا للقدر المشترك، وجعل البيانيون هذا من القول الموجب، وهو تسليم الدليل مع بقاء الخلاف بعده، كما كان قبله وهو من القسم الثالث فيه، والصواب أنه من قلب النكتة، وهو تعليق دعوى المعترض على عين دليل المستدل، لأنه لم يبق خلاف هنا، بل دعواهم أن الأعز يخرج الأذل صحيح، وهم الأذلاء ونحن الأعزة.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
خص هذا بـ (يعلمون)، والأول بـ (يفقهون)، لأن الفقه في اللغة فهم الأشياء الدقيقة، والعلم أعم منه؛ لأن كون العزة لله ولرسوله معلوم بالضرورة، فالمنازع فيه لَا علم له، فضلا عن أن يكون له فقه، فهو مسلوب عنهم العلم، فكأنهم مجانين لَا عقول لهم، وإن كانوا يعلمون بعض العلم، كقولك: أكلت شاة كل شاة، مع أنها ليست هي الكل ويجاب أيضا بأن قولهم (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ)، لَا يصدر إلا بعد تأويل وتدبر، فناسب الفقه؛ لأنه يعم الأشياء الدقيقة، وقولهم (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، حكم على الغيب الذي لَا يعلمه إلا الله، فناسب نفي العلم.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
ابن عطية: قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل فقرأ (ولله خزائن السماوات والأرض) وقال الحسن: خزائن السماوات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب انتهى، فعقب ابن الجوزي هذا في تلبيس إبليس فقال: قيل لعبد الله [بن الجلاء ما تقول في الرجال*] يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة، ويزعمون أنهم متوكلون فيموتون، قال: هذا فعل [رجال الله*] فأنكره ابن الجوزي (١) ["أجمع الفقهاء أن داخِلَ البادية بلا زَاد عاصٍ*] (٢)، وليس التوكل ترك الأسباب، وقد تزود رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما خرج إلى الغار، وتزود موسى
стр. 1535
عليه الصلاة والسلام الحوت لما خرج يطلب الخضر، وأطال الكلام في ذلك [وذكر*] حكايات وأنكرها، على أن هذا الكتاب قالوا: أضعف تواليف [ابن الجوزي*] ﵀.
قوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ... (٩)﴾
من باب [لَا أرينك ها هنا*] أي لَا تلهوا بأموالكم عن ذكر الله، فتلهكم عنه، قوله: لا تلتهوا، فهي عن الإلهاء حقيقة، وهذا نفي عنه باللزوم، فهو مجاز، ولا تبدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لنكتة تتوخى، وتقريرها هنا إن ترك الاكتساب شيئا هو من نقله وكسبه هو أهون عليه من تركه شيئا هو من نقل غيره، فناسب أن يكون النهي عن الثاني أبلغ وأقوى لما في البعد منه وممانعته ودفعه من المشقة والتكلف، فهذا نهي أبلغ وأخص، لأنه نهي عن الأبلغ وعن الأخص، فيستلزم النهي عما هو من كسب الأنساب وفعله من باب أحرى، ابن عطية: قال الحسن وجماعة من المفسرين: ذكر الله عام في الصلوات والتوحيد والدعاء وغير ذلك من فرض ومندوب، وقال الضحاك وعطاء: المراد به الصلوات المفروضة، ابن عطية: والأول أظهر انتهى، بل الثاني أظهر لقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، فالذم على الشيء من خصائص الوجوب، لأن تارك المندوب غير مذموم، فإِن قلت: الذم على ترك مجموع الواجب والمندوب؟ قلت: يلزم عليه أنه إذا ترك الواجب وحده أن يكون غير مذموم، والإجماع على ذمه، إلا أن يجاب بأنه يكون خاسرا خسرانا أخص، فإِن قلت: في الآية حجة لمن يقول إن متعلق النهي [فعل*] وفيه خلاف، والمشهور أن الترك غير فعل، قلت: الإشارة إلى الإلهاء وهو فعل، وليست الإشارة إلى الترك.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ ... (١٠)﴾
ذكر ابن عطية في غير هذا أن الإنفاق عام في المال والبدن [ ... ]، فينفق الإنسان جوارحه في الطاعة، وماله في الطاعة.
قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ).
يدل على أن الموت أمر وجودي، وهو مذهب أكثر أهل السنة، إلا أن يجاب: بأنه على حذف مضاف أي أسباب الموت.
قوله تعالى: (إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
وصفه بـ (قَرِيبٍ)، إما لأنه أيسر في الطلب وأرجى؛ لأن [يفز*] بنيل مطلوبه، وإما لسرعة المبادرة فيه إلى الطاعة بخلاف المتطاول، فإِن النفس تميل فيه إلى الراحة والتأخير، وإن قلنا: [إن ما بعدها*] داخل فيما قبلها، فيكون مطلوبهم أمرين: التأخير
стр. 1536
وكونه إلى أجل قريب، وإن لم نجعله داخلا فلا يكون القرب مطلوبا بل المطلوب التأخير إليه.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ... (١١)﴾
إشارة إلى عدم [الفوز*] بالمطلوب حينئذ.
قوله تعالى: (خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
تنبيه على الإخلاص في الأعمال، وإن جميع ما يظهر عليه فاللَّه تعالى مطلع على خفاياه.
* * *
стр. 1537
سُورَةُ التَّغَابُنِ
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ... (١)﴾
عبر هنا وفي الجمعة عن التسبيح بالمستقبل، وفي الحديد والحشر والصف بلفظ الماضي، والجواب: أن الماضي [حقيقته*] الانقطاع وعدم التزايد، وعدم التغير والتجدد، والمستقبل من شأنه الدوام والتجدد والتغير، وهو قابل للتزايد، والعزة وصف ثابت للموصوف، لأنها من صفة ذاته لَا تتعلق بالغير، [**والملك معروض الغير، والزيادة والنقص لتعلقه بالغير]، تقول: ملك فلان أعظم من ملك فلان، قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) الآية، فهو يتزايد بحسب متملكاته، والتسبيح في آية الماضي يعقب بوصف العزة، وفي آية المستقبل يعقب وصفه الملك، فإن قلت: في آخر سورة الحشر (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، قلت: تقدمها (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) إلى آخره، عبر بالمضارع اعتبارا بما قبله، فإِن قلت: ذكر هنا متعلق التسبيح دون [وقته*]، وقال في الأنبياء (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، فذكر وقته دون متعلقه؟ فالجواب: أن المسبح هناك الملائكة، وهم معصومون، فمعلوم أنهم إنما يسبحون الله، وإنما يتوهم ذهول الذهن عن دوام تسبيحهم وانقطاعه، فذكر ما يتوهم جهله، والغفلة عنه وعنا [ ... ]. في أن العبد يخلق أفعاله وهل [التسبيح*] إما في الحال، فيكون عاما في كل شيء، فهو [مجاز*]، أو بلسان المقال، فيكون خاصا بالعاقل، فيتعارض التخصيص والمجاز، فإِن قلت: كيف يصح المجاز مع أن الحقيقة موجودة في البعض، والمسبح بلسان المقال؟ قلت: يصح؛ ألا ترى أن الفخر قال: في دلالة المطابقة والتضمن من حيث هو جزاؤه وكذا في [دلالة الالتزام*]، فرآه من حيث هو في [الدلالات الثلاث*]، فإن قلت: لم أعاد لفظ (ما) هنا دون الحديد؟ فالجواب: أنه لما ذكر السماوات والأرض هناك في أربعة مواضع، كانت بمنزلة الشيء الواحد*]، فاستغنى عن إعادة الموصول.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ... (٢)﴾
فصل هذه الجملة عما قبلها؛ لجريانها مجرى الدليل عليهما، كأنه قيل: [لِمَ*] يسبحونه؟ فقال: لأنه خلقهم.
стр. 1538
قوله تعالى: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ).
وقال في سورة هود (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، فأعاد المجرور هنا ولم يعده هناك؟ والجواب: أن المؤمنين هنا مخاطبون لقوله تعالى: (فَمِنْكُمْ)، فقصد كمال الفصل، لأنه بينهم وبين الكفار، لأنه من تمام الاعتناء بهم وتعظيمهم وتشريفهم بإفراد حكمهم، وهم هناك غائبون غير مقبل عليهم، فلم يحتج إلى الفصل بل جاء على الأصل؛ لأن حرف العطف ناب مناب تكرار الجار، وذكر البيانيون: الجمع والتفريق، ومثلوه بقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) الآية، وهذه الآية منه، وهو تقسيم مستوف إذ لَا ثالث، وقول ابن عطية: إن هذه الجملة في موضع الحال، وهْم لقول ابن مالك في آخر باب الحال: والجملة الحال لَا تقترن بها الفاء، فإن قلت: معلوم أن منهم المؤمن والكافر، فما فائدة الإخبار بهذا؟، قلت: أفاد باعتبار لازمه، أي كما تفقهون بأن خلقكم إنما هو بفعل الله، فكذلك خلق صفاتكم من الكفر والإيمان، ففيه رد على المعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله، فإن قلت: كيف يفهم هذا من حديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" قلت: ليس المراد الإيمان الأصلي، بل المراد الإيمان التكليفي ضد الكفر.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... (٣)﴾
نجد اللفظ ورد في القرآن كثيرا مقرونا بقوله (بِالْحَقِّ)، فإن قلت: ما أفاد مع أنه ظاهر في مذهب المعتزلة القائلين: بقاعدة التحسين والتقبيح ومراعاة الأصلح، ووجه الدليل من الآية أن الحق يستحيل أن يراد به أمر راجع إلى إنكار خلق الله تعالى لهما لاستحالة النقص عليه، فلم يبق أن يراد به إلا الأمر المصلح والحسن، وهذا مذهب المعتزلة القائلين: بأن الله لَا يفعل إلا الخير، ولا يخلق الشر بوجه؟ والجواب بأحد وجهين:
إما بأن معناه أنه خلقها مصاحبة لتصديقه لتطابق فعله، وخلقه لها وإخباره تعالى في الأول بأنه سيخلقها بحكمة متقنة، وقال الزمخشري: (بِالحَقِّ)، أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو اعتزال على مذهبه الفاسد في التحسين والتقبيح، ليسلم من نسبة النقص إلى إضافة النقص إلى الله تعالى ونحن لَا نجعل الباء سبباً على المصاحبة، فإن قلت: قال (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)، فأتى فيه بالفاء على المضمر المفيد للتحقير، ولم يقل هنا (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ)، قلت: لمخالفة الحكماء في خلق الأنفس وفي الطبع والطبيعة دون هذا.
стр. 1539
قوله تعالى: (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ).
الزمخشري: جعلهم أحسن الحيوان [وأبهاه*]، ومن ذلك أنه خلق منتصبا قائما غير منكب، قال: فإِن قلت: كم من [دميم*] مشوَّه الصورة سمج الخلقة، قلت: لَا سماجة ثَمَّ، ولكن الحسن كغيره على مراتب فهم حسن وأحسن منه، والكل حسن بالنسبة إلى غيرهم من الحيوانات انتهى، يرد عليه هذا الجواب: بأن الدميم القبيح المنظر إن أطلق عليه أنه قبيح فالسؤال وارد، وإن قال: إنه حسن فباطل يصدق نقيضه عليه، وهو قبيح، وإنما الجواب: أن الحسن يطلق باعتبارين:
أحدهما: ضد القبيح، تقول: هو في ذاته حسن، أي ليس بقبيح.
الثاني: باعتبار وروده على وفق المراد، والخيال المتصور في الذهن، فتقول: أحسن فلان صورة أحدب أعرج أحسن، أي أنابها على نحو ما أريد منه فإِتيان الصورة هو أن [يتخيل*] شيئا في ذهنه فيأتي به على نحو ما تخيل وما بذلك عليه.
قوله تعالى: [(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) *]
[هذا*] هو المراد في الآية، أي صوركم على وفق ما أراد منكم، وهو حسن في نوعه، فصور الأعرج مثلا على أحسن صورته في نوعه، والأقطع والأشل كذلك، فإِن قلت: يفوت معنى التفضيل في مزية الإنسان وتفضيله على غيره، والآية خرجت مخرج الامتنان، وهذا المعنى يشترك فيه الإنسان مع غيره؟ قلت: إنما اختص الإنسان بالذكر، لأنه أقرب إلى الفهم، قال تعالى (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ).
قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
كالنتيجة لمن لَا يخالف في المقدمتين، أي كما وافقتم وتحققتم أنه الذي خلقكم فصوركم، فتحققوا أنه يعيدكم بعد الموت، لأن بعض النَّاس أنكروا الإعادة، وفسره الزمخشري وابن عطية: بأن المراد: إليه مرجعكم فيجازيكم بالثواب والعقاب، فعليكم بشكره على نعمه والإيمان به.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... (٤)﴾
لما تقدم أنه خلق السماوات فأتقنها، والإتقان دليل على العلم، فناسب تعقيبه به، وأتى أولا بعلم الذوات ثم بعلم الصفات، وهي القول سره وعلانيته، ثم [بعلم*] المعاني وهو ما في الصدور، وهو الكلام النفسي، وعبر عن الأولين بالفعل، [وفي*] الثالث بالاسم،
стр. 1540
لأنه أخفاها مبالغة في الإخبار بعلمه بالإخفاء، وهو خاص بالله تعالى لَا يشاركه غيره، أو يكون من عطف الخاص على العام.
قوله تعالى: ﴿أَبَشَرٌ ... (٦)﴾
إن كان استفهاما حقيقة فعطف (كفروا) عليه تأسيس، وإن كان بمعنى الإنكار فهو تأكيد؛ لإفادة الأول كفرهم، وعلى الأول يكون التولي حسيا، أي تولوا عن إتباعه ونصرته، وعلى الثاني: يكون معنويا، أي تولوا عن الإيمان به إلى الكفر.
قوله تعالى: (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ).
ابن عطية: السين في استفعل للطلب، وهو هنا للتحقيق، انتهى، وعلى هذا يكون (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، احتراسا خشية أن يتوهم أن السين هنا للطلب، وقول الزمخشري: الآية توهم وجود الاستغناء والتولي معا لَا وجه له، لقوله في مفصله مع سيبويه إن الواو لمطلق الجمع دون معية ولا ترتيب، إلا أن ابن مالك قال: ويترجح تأخير المؤخر بكثرة الاستعمال، فسؤال الزمخشري إنما هو على الأكثر.
قوله تعالى: ﴿يَسِيرٌ (٧)﴾
إما باعتبار قرب زمنه، أو أنه هين كما قال ابن عطية.
قوله تعالى: [(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (٨) *]
إن قلت: الأصل تقديم [القرآن*]؛ لأنه السبب فيما قبله، فالجواب: أن المعجزة ما تظهر إلا على [يد*] الرسول، [فوجود*] الرسول متقدم على وجود المعجزة، إلا أن يقال: فرق بين دعوى الرسالة وبين الإيمان بها، فدعوى الرسالة متقدم على المعجزة وما نحن نتكلم إلا في الإيمان بالرسول، فإِنه متأخر عن الإيمان بالمعجزة، فيجاب عن السؤال: أن الآية خرجت مخرج الرد عليهم في إنكار البعث والمعاد، فالقرآن إنما ذكر من حيث دلالته على صحة البعث والمعاد والإيمان بالبعث، والمعاد متأخر عن الإيمان بالرسول.
قوله (يَوْمُ التَّغَابُنِ ... (٩) .. ، جعله الزمخشري: [تهكمًا*] لأن الغبن في البيع، هو البخس في ثمن السلعة، فكأنَّ هؤلاء يبخسوا بمالهم تهكما بهم على أن الحاكم عادل فلا [يبخس*]، وجعله ابن عطية مجازا في [إفادة*] لفظ التغابن، لأن التفاعل يقتضي أن الغبن في الجهتين، ويصح معنى التغابن باعتبار تفاوت درجات المؤمنين، أو على [**العجز به] بمعنى أن الإنسان مع نفسه [**يتجرد بها] [نفسا أخرى*] يتغابن معها.
стр. 1541
قوله تعالى: (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ).
هذان معلقان على مجموع الإيمان والعمل، ولا يصح أن يكون كل واحد من فعلي الشرط يترتب عليه كل من جوزي، الجواب: لأن الشرطية لَا تتعدد بتعدد المقدم، والتكفير مخصوص بحقوق الغير إذ لَا [تنفع*] التوبة إن [ ... ] العمل الصالح، أبو عبد الله محمد بن محمد: فأما وظاهره أن التكفير متوقف على الأمرين، فيكون تكفيرا خاصا، قال شيخنا: وفسره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن سلامه الأنصاري: العمل الصالح بفعل المسنونات، وهو غفلة منه، لأن هذا هو مذهب المعتزلة لأنهم يشترطون في الإيمان فعل المفروضات من الطاعة. فمن لم يفعلها ليس بمؤمن عندهم فيكون عطْف، (ويعمل صالحا) عليه عندهم تأكيدا، فيحتاجوا أن يفسروا العمل الصالح بفعل المسنونات، ونحن نقول: إن الإيمان حاصل بمجرد النطق بالشهادتين والعمل الصالح [مترتب عليه*]، والأول ترهيب، وهذا ترغيب.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... (١٠)﴾
التكذيب بالآيات من لوازم الكفر؛ بخلاف العمل الصالح، فإنه ليس من لوازم الإيمان، فيرد السؤال لأي شيء رتب دخول الجنة وتكفير السيئات على الإيمان والعمل الصالح، ودخول النار على مجرد الكفر فقط، فيجاب: بأن الأول ترغيب في الطاعة، فناسب تكثير أسباب دخول الجنة تحريضا على فعلها، والثاني: ترهيب وتخويف، فناسب تقليل السبب على سبيل [التخويف والتفير عنه*]، والمعنى أن مجرد الكفر موجب لدخول النار، وإن لم يكن معه فسوق ولا فساد في الأرض ولا ظلم، فيقال للمؤمن: لَا [تكتف*] بإيمانك، وللكافر لَا [تعتقد*] أن مجرد كفرك لَا يضرك، فإن قلت: لم عبر في (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) بالمضارع، وفي (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالماضي؟ فالجواب: أنه إشارة إلى أن ذلكَ خاص لمن سيحصل منه الإيمان إلى قيام الساعة، والإيمان وصف طرأ على الكفر، والكفر هو الأصل فيهم، لأنه أمر واقع منهم حاصل لهم، والإيمان طرأ عليه، وعبر في الأول: بـ (مَنْ) الشرطية، وفي الثاني: بالموصول، لأن الموصول أقرب للحصول من الشرطية، فإن قلت: لم قيد دخول المؤمنين بالأبدية ولم يقيد خلود الكافرين بها، مع أنه مؤبد، وكذلك قال في سورة هود (فَأما الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)، الآية وزاد في [آخرها*] (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، أي دائما غير منقطع عنهم؟ فالجواب: أنه زاد هنا (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فناب مناب الأبدية، لأنه لَا يقال: بئس المصير، بالإطلاق إلا فيما هو [أسوأ*] المصير [وأدومه*]، وأسند تكفير السيئات، وإدخال الجنات إليه، ولم يسند إليه إدخال الكافرين النار، فلم
стр. 1542
يقل: والذين كفروا يدخلهم النار تشريفا للمؤمنين وتحقيرا للكافرين وأدبا لهم، وإن كان الكل من فعله وخلقه.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ... (١١)﴾
يحتمل أن يعم اللفظ الخير والشر، وهو خاص بالشر، وهو الظاهر، ويتقرر وجه مناسبتها لما قبلها بأحد أمرين: إما بأنها تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله سلم، أي لا [تحزن*] على عدم إيمانهم، فإن ذلك بإرادة الله تعالى وإذنه.
وإما بأنه احتراس؛ لأنه لما تقدم أن من يؤمن بالله ويعمل صالحا، يجازى بتكفير السيئات، ومن يكفر بالله يجازى بدخول النار، أوهَم ترتب ذلك الجزاء على ما ذكر أن الإيمان والكفر من فعل المكلف وكسبه واختياره، فاحترس عن هذا التوهم بأن جميع الحوادث من خير وشر من الله تعالى، فمن أصابه هم وحزن من موت حبيب أو ذهاب مال، فلا يهتم لذلك؛ وليعتقد أن الله تعالى قدره وأراده وعلم وقوعه، لأن الإذن يشمل العلم والإرادة المخصصة له والقدرة المبرزة من العدم إلى الوجود، والآية دليل على أن الاستثناء من النفي إثبات، لأنه ليس المقصود نفي المصيبة، وإنَّمَا المقصود حصرها بالإذن.
قوله تعالى: [(وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) *].
إن قلت: الهداية متقدمة على الإيمان، وسبب فيه، فكيف رتبت عليه؟ فالجواب: إما أنه مثل (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)، وإما بأن المراد بالإيمان مجرد التصديق، أي ومن يصدق بوجوده الله، يهده إلى التصديق بوحدانيته، لأنهما بابان في علم الكلام، [فالتصديق*] بالوجود غير التصديق بالوحدانية، ولا يقال: إنه يلزم عليه الخلف في الخبر من جهة أن المشركين بالله يصدقون بوجوده؛ لأنا نقول: المراد من يصدق بوجود الله في التصديق وحصول ذلك موجب للتصديق بالوحدانية.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
إن قلنا: إن المعدوم لَا يطلق عليه شيء، فيكون تأكيدا؛ لأنه مستفاد من قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، لما تقدم من الإذن يشمل العلم والقدرة والإرادة، فكل حادث الله علمه بالحوادث بين الموجودات.
قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ ... (١٤)﴾
стр. 1543
الضمير المفعول، إما عائد على (عدوا)، فيكون الأمر بالحذر فيمن ثبت عداوته، أو عائد على الأزواج والأولاد، فالأمر بالمحاذرة عام في جميعهم، خشية أن يكون الذي وقع الركون إليه عدوا، والآية خطاب بالذات للرجال بالتحذير من زوجاتهم وأولادهم، ويحتمل أن يعم الخطاب الرجال والنساء، [فيكون مخصصا من ذلك بالتحذير من أزواجهم وأولادهم*].
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا).
العفو ترك الحق بعد ثبوته عند الحاكم، والصفح تركه بعد المطالبة به قبل ثبوته عند الحاكم، والمغفرة ترك المطالبة به من أصل، فالعطف ترق ولذلك خصص الأخير بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) وفي آية أخرى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فينعقد من الآيتين الشكل الثالث، وذكر الأولاد في العداوة وفي الفتنة، دليل على شكيمتهم أشد من الزوجات، وذكر ابن عطية هنا والزمخشري من بعده؛ لأنه متأخر عنه حديث الله أعلم بصحته (١) عن النبي ﷺ : "أنه كان يخطب إذ دخل الحسن والحسين ﵄ عليهما الحمرة، فهبط ورفعهما" إلى آخره.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾
دليل على عظم الشغل بهما، وخرج البخاري في كتاب الأنبياء عن أبي وائل عن حذيفة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: [أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الفِتْنَةِ، قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ: قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ»، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ.*].
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... (١٦)﴾
стр. 1544
عارضها ابن عطية بقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَق تُقَاتِهِ)، وظاهرها عموم التقوى في المستطيع وغيره، فمنهم من قال: هذه ناسخة لتلك، ومنهم من [لم*] يجعلها ناسخة؛ لأن النسخ إنما هو حيث التعارض ولا تعارض إلا لو كانت تلك أمرا، وهذه نهيا عن شيء واحد، أو تلك إثباتا وهذه نفيا لشيء واحد، وأما هنا فلا تعارض بين اللفظين، وإنما التعارض بين مفهوم هذه الآية ونص تلك؛ لأن مفهوم هذه أن غير المستطاع من التقوى غير مأمور به، فيرجع إلى نسخ النص المتواتر بالمفهوم، وفيه خلاف بين الأصوليين.
* * *
стр. 1545
سُورَةُ الطَّلَاقِ
أكثر ما وقع في القرآن أن مخاطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفاته، فقال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وكذلك (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ)، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، وغير ذلك من الآيات، وما وقع التعبير عنه باسم العلَم، إلا في نحو خمس آيات، وهي قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وقوله تعالى: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، وسبب ذلك أن هذه الصفات ذكرت على سبيل المدح والتشريف، فلذلك كرر هنا ذكرها، والتصريح باسمه العلم إنما هو لتميزه عن غيره فقط، وعبر هنا بالنبي الذي هو أعم من الرسول ليعم الخطاب بحكم الطلاق له ولأمته، وعبر بـ إذا دون إن مع أن الطلاق مبغوض شرعا، لكن روعي فيه كثرة وقوعه في الوجود الخارجي، والمراد أردتم الطلاق، وليس في الآية ما يدل على إباحة الطلاق ولا عدم إباحيته.
قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... (١)﴾
أي لاستقبال عدتهن، والمطلقة في الحيض لَا تستقبل العدة؛ لأنها تمكث حتى تطهر، فحينئذ تبدأ بحسب العدة؛ بخلاف المطلقة في الطهر، فإنها تحسب بذلك الطهر فهي مطلقة في الزمن التي تستقبل فيه عدتها إثر الطلاق، وفيه دليل على منع الطلاق في الحيض، وهو مذهب مالك في جميع مسائل الفقه إلا في مسألة واحدة، وهي طلاق المولي إذا انقضى أمد الإيلاء وهي حائض، فاختلف قوله، فقال مرة: يطلق عليه الحاكم حينئذ، وقال مرة: يتربص حتى تطهر، فحينئذ يطلقها عليه، وهو مذهب ابن القاسم، وأما طلاق الحامل فعلى الاختلاف في دمها هل دم حيض أم لَا، قال مكي: ومعنى قوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ)، واعتيادهن، أي للأقراء التي اعتدتها ويرد باختلاف المادة، وإنما المعنى العدة أي للأقراء التي [يعدونها*] ويحسبونها، فإن قلت: يلزمك أن يكون عطف (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)، تكرار؟ قلت: المراد بالأول: العدة، وبالثاني: إحصاؤها، ويكون تأكيدا، أو أسند الطلاق إلى الرجال، والعدة إلى النساء؛ لأن طلاق العبد طلقتان، ولو كانت زوجته حرة، وعدة الأمة حيضتان ولو كان زوجها حرا.