قوله تعالى: (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ).
هذان معلقان على مجموع الإيمان والعمل، ولا يصح أن يكون كل واحد من فعلي الشرط يترتب عليه كل من جوزي، الجواب: لأن الشرطية لَا تتعدد بتعدد المقدم، والتكفير مخصوص بحقوق الغير إذ لَا [تنفع*] التوبة إن [ ... ] العمل الصالح، أبو عبد الله محمد بن محمد: فأما وظاهره أن التكفير متوقف على الأمرين، فيكون تكفيرا خاصا، قال شيخنا: وفسره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن سلامه الأنصاري: العمل الصالح بفعل المسنونات، وهو غفلة منه، لأن هذا هو مذهب المعتزلة لأنهم يشترطون في الإيمان فعل المفروضات من الطاعة. فمن لم يفعلها ليس بمؤمن عندهم فيكون عطْف، (ويعمل صالحا) عليه عندهم تأكيدا، فيحتاجوا أن يفسروا العمل الصالح بفعل المسنونات، ونحن نقول: إن الإيمان حاصل بمجرد النطق بالشهادتين والعمل الصالح [مترتب عليه*]، والأول ترهيب، وهذا ترغيب.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... (١٠)﴾
التكذيب بالآيات من لوازم الكفر؛ بخلاف العمل الصالح، فإنه ليس من لوازم الإيمان، فيرد السؤال لأي شيء رتب دخول الجنة وتكفير السيئات على الإيمان والعمل الصالح، ودخول النار على مجرد الكفر فقط، فيجاب: بأن الأول ترغيب في الطاعة، فناسب تكثير أسباب دخول الجنة تحريضا على فعلها، والثاني: ترهيب وتخويف، فناسب تقليل السبب على سبيل [التخويف والتفير عنه*]، والمعنى أن مجرد الكفر موجب لدخول النار، وإن لم يكن معه فسوق ولا فساد في الأرض ولا ظلم، فيقال للمؤمن: لَا [تكتف*] بإيمانك، وللكافر لَا [تعتقد*] أن مجرد كفرك لَا يضرك، فإن قلت: لم عبر في (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) بالمضارع، وفي (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالماضي؟ فالجواب: أنه إشارة إلى أن ذلكَ خاص لمن سيحصل منه الإيمان إلى قيام الساعة، والإيمان وصف طرأ على الكفر، والكفر هو الأصل فيهم، لأنه أمر واقع منهم حاصل لهم، والإيمان طرأ عليه، وعبر في الأول: بـ (مَنْ) الشرطية، وفي الثاني: بالموصول، لأن الموصول أقرب للحصول من الشرطية، فإن قلت: لم قيد دخول المؤمنين بالأبدية ولم يقيد خلود الكافرين بها، مع أنه مؤبد، وكذلك قال في سورة هود (فَأما الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)، الآية وزاد في [آخرها*] (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، أي دائما غير منقطع عنهم؟ فالجواب: أنه زاد هنا (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فناب مناب الأبدية، لأنه لَا يقال: بئس المصير، بالإطلاق إلا فيما هو [أسوأ*] المصير [وأدومه*]، وأسند تكفير السيئات، وإدخال الجنات إليه، ولم يسند إليه إدخال الكافرين النار، فلم
стр. 1542
يقل: والذين كفروا يدخلهم النار تشريفا للمؤمنين وتحقيرا للكافرين وأدبا لهم، وإن كان الكل من فعله وخلقه.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ... (١١)﴾
يحتمل أن يعم اللفظ الخير والشر، وهو خاص بالشر، وهو الظاهر، ويتقرر وجه مناسبتها لما قبلها بأحد أمرين: إما بأنها تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله سلم، أي لا [تحزن*] على عدم إيمانهم، فإن ذلك بإرادة الله تعالى وإذنه.
وإما بأنه احتراس؛ لأنه لما تقدم أن من يؤمن بالله ويعمل صالحا، يجازى بتكفير السيئات، ومن يكفر بالله يجازى بدخول النار، أوهَم ترتب ذلك الجزاء على ما ذكر أن الإيمان والكفر من فعل المكلف وكسبه واختياره، فاحترس عن هذا التوهم بأن جميع الحوادث من خير وشر من الله تعالى، فمن أصابه هم وحزن من موت حبيب أو ذهاب مال، فلا يهتم لذلك؛ وليعتقد أن الله تعالى قدره وأراده وعلم وقوعه، لأن الإذن يشمل العلم والإرادة المخصصة له والقدرة المبرزة من العدم إلى الوجود، والآية دليل على أن الاستثناء من النفي إثبات، لأنه ليس المقصود نفي المصيبة، وإنَّمَا المقصود حصرها بالإذن.
قوله تعالى: [(وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) *].
إن قلت: الهداية متقدمة على الإيمان، وسبب فيه، فكيف رتبت عليه؟ فالجواب: إما أنه مثل (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)، وإما بأن المراد بالإيمان مجرد التصديق، أي ومن يصدق بوجوده الله، يهده إلى التصديق بوحدانيته، لأنهما بابان في علم الكلام، [فالتصديق*] بالوجود غير التصديق بالوحدانية، ولا يقال: إنه يلزم عليه الخلف في الخبر من جهة أن المشركين بالله يصدقون بوجوده؛ لأنا نقول: المراد من يصدق بوجود الله في التصديق وحصول ذلك موجب للتصديق بالوحدانية.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
إن قلنا: إن المعدوم لَا يطلق عليه شيء، فيكون تأكيدا؛ لأنه مستفاد من قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، لما تقدم من الإذن يشمل العلم والقدرة والإرادة، فكل حادث الله علمه بالحوادث بين الموجودات.
قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ ... (١٤)﴾
стр. 1543
الضمير المفعول، إما عائد على (عدوا)، فيكون الأمر بالحذر فيمن ثبت عداوته، أو عائد على الأزواج والأولاد، فالأمر بالمحاذرة عام في جميعهم، خشية أن يكون الذي وقع الركون إليه عدوا، والآية خطاب بالذات للرجال بالتحذير من زوجاتهم وأولادهم، ويحتمل أن يعم الخطاب الرجال والنساء، [فيكون مخصصا من ذلك بالتحذير من أزواجهم وأولادهم*].
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا).
العفو ترك الحق بعد ثبوته عند الحاكم، والصفح تركه بعد المطالبة به قبل ثبوته عند الحاكم، والمغفرة ترك المطالبة به من أصل، فالعطف ترق ولذلك خصص الأخير بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) وفي آية أخرى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فينعقد من الآيتين الشكل الثالث، وذكر الأولاد في العداوة وفي الفتنة، دليل على شكيمتهم أشد من الزوجات، وذكر ابن عطية هنا والزمخشري من بعده؛ لأنه متأخر عنه حديث الله أعلم بصحته (١) عن النبي ﷺ : "أنه كان يخطب إذ دخل الحسن والحسين ﵄ عليهما الحمرة، فهبط ورفعهما" إلى آخره.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾
دليل على عظم الشغل بهما، وخرج البخاري في كتاب الأنبياء عن أبي وائل عن حذيفة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: [أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الفِتْنَةِ، قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ: قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ»، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ.*].
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... (١٦)﴾
стр. 1544
عارضها ابن عطية بقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَق تُقَاتِهِ)، وظاهرها عموم التقوى في المستطيع وغيره، فمنهم من قال: هذه ناسخة لتلك، ومنهم من [لم*] يجعلها ناسخة؛ لأن النسخ إنما هو حيث التعارض ولا تعارض إلا لو كانت تلك أمرا، وهذه نهيا عن شيء واحد، أو تلك إثباتا وهذه نفيا لشيء واحد، وأما هنا فلا تعارض بين اللفظين، وإنما التعارض بين مفهوم هذه الآية ونص تلك؛ لأن مفهوم هذه أن غير المستطاع من التقوى غير مأمور به، فيرجع إلى نسخ النص المتواتر بالمفهوم، وفيه خلاف بين الأصوليين.
* * *
стр. 1545
سُورَةُ الطَّلَاقِ
أكثر ما وقع في القرآن أن مخاطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفاته، فقال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وكذلك (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ)، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، وغير ذلك من الآيات، وما وقع التعبير عنه باسم العلَم، إلا في نحو خمس آيات، وهي قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وقوله تعالى: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، وسبب ذلك أن هذه الصفات ذكرت على سبيل المدح والتشريف، فلذلك كرر هنا ذكرها، والتصريح باسمه العلم إنما هو لتميزه عن غيره فقط، وعبر هنا بالنبي الذي هو أعم من الرسول ليعم الخطاب بحكم الطلاق له ولأمته، وعبر بـ إذا دون إن مع أن الطلاق مبغوض شرعا، لكن روعي فيه كثرة وقوعه في الوجود الخارجي، والمراد أردتم الطلاق، وليس في الآية ما يدل على إباحة الطلاق ولا عدم إباحيته.
قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... (١)﴾
أي لاستقبال عدتهن، والمطلقة في الحيض لَا تستقبل العدة؛ لأنها تمكث حتى تطهر، فحينئذ تبدأ بحسب العدة؛ بخلاف المطلقة في الطهر، فإنها تحسب بذلك الطهر فهي مطلقة في الزمن التي تستقبل فيه عدتها إثر الطلاق، وفيه دليل على منع الطلاق في الحيض، وهو مذهب مالك في جميع مسائل الفقه إلا في مسألة واحدة، وهي طلاق المولي إذا انقضى أمد الإيلاء وهي حائض، فاختلف قوله، فقال مرة: يطلق عليه الحاكم حينئذ، وقال مرة: يتربص حتى تطهر، فحينئذ يطلقها عليه، وهو مذهب ابن القاسم، وأما طلاق الحامل فعلى الاختلاف في دمها هل دم حيض أم لَا، قال مكي: ومعنى قوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ)، واعتيادهن، أي للأقراء التي اعتدتها ويرد باختلاف المادة، وإنما المعنى العدة أي للأقراء التي [يعدونها*] ويحسبونها، فإن قلت: يلزمك أن يكون عطف (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)، تكرار؟ قلت: المراد بالأول: العدة، وبالثاني: إحصاؤها، ويكون تأكيدا، أو أسند الطلاق إلى الرجال، والعدة إلى النساء؛ لأن طلاق العبد طلقتان، ولو كانت زوجته حرة، وعدة الأمة حيضتان ولو كان زوجها حرا.
стр. 1546
قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ).
اختلفوا هل الحد جزء من المحدود أو غيره؟ ذكر ابن سهل في أحكامه: أن ابن عتاب أفتى فيمن اشترى [أرضا*] موقعها حده القبلي أو الشرقي الشجرة الفلانية، بأن الشجرة داخلة في المبيع انتهى، وهذه الآية معضدة لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ)، فلو كان الحد غير المحدود؛ لكان الذي يصل إلى حدود الله ولا يتجاوزها إلى غيرها متعديا؛ لأنه تعد الشيء الذي هي حد له، فلما قال (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ)، دل على أنها جزء من المحدود.
قوله تعالى: (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
لحديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] "، وهو صحيح، إلى غير ذلك من الأحاديث.
قوله تعالى: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
فسره بالمراجعة أو الندم وانقلاب البغض محبة، والآية خرجت على سبب، وهو إرادة الرجعة، وهي قضية [في معين*]، والصحيح أن العام الخارج لَا يقصر على سبب بل يعم.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ... (٢)﴾
أي قاربن انقضاء عدتهن، فراجعوهن إن شئتم، أو دوموا على فرقتكم لهن، وجعله هنا فراقا مع أن الفراق واقع فيما سبق، إشارة إلى أنه الزمن الذي ينتهي إليه [ما بيد الأزواج*] من الرجعة الجبرية، فإذا مر ذلك الزمن فلم يرتجعوهن فقد خرجن من عصمتهم.
قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ).
فيها دليل على منع أخذ الأجرة على الشهادة، إلا أن يقال: معنى إقامة الشهادة لله، أي في الإتيان بها على وجهها من غير اتباع هؤلاء [عَرضا دنيويا*]، [فذكرها*] لَا ينافى أخذ الأجرة عليها.
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
إن قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فيكون المراد: يوعظون الوعظ النافع، فإِن قلنا: إنهم ليسوا مخاطبين بالفروع، فيكون المراد مطلق الوعظ. في المدونة مسائل تدل على أنهم مخاطبون، منها قوله في كتاب السلم الثالث: وإذا ابتاع ذمي
стр. 1547
طعاما من ذمي، فأراد بيعه قبل قبضه، لم أحب لمسلم أن يبتاعه، وفي التجارة بأن من الحرب، إذا فرق أهل الكتاب بين الأم وولدها وباعوا لنا الأم، قال: يكره لنا شراؤها، والكراهة للتحريم بخلاف التي في المسلم، وفي كتاب القيام منها ما يدل على أنهم غير مخاطبين بالفروع، وتكلم الباجي على ذلك في الصيام في المسافر: يقدم في رمضان فيريد أن يطأ زوجته الكافرة في النهار.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا).
في صدق بعض ما يلزم هذه الشرطية من المنفصلتين المانعتين الجمع والخلو نظر.
قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ ... (٤)﴾
إن قلت: ما أفاد مع أنه معلوم، لأنه لَا حيض إلا لهن؟ فالجواب: أنه يتضمن كون الخطاب للموجودين؛ لأن الإضافة في (مِن نِسَائِكُم)، للمخاطب والمخاطب لا يكون إلا موجود فقائدته إخراج المتوفى عنها؛ لأن عدتها أربعة أشهر وعشرا، إذ هي زوجة الميت والميت غير موجود.
قوله تعالى: (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ).
وفي سورة البقرة (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والجواب: أنه لو [قال*] هناك يتربصن ثلاثة أشهر [أوهَم*] أنها تجلس ثلاثة أشهر فقط، مع أنها إذا ارتابت تجلس سنة، لكن الثلاثة أشهر هنا عدة، ولذلك قال مالك: العدة في الطلاق قبل الريبة، وفي الوفاة بعد الريبة.
قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ).
ابن عطية: المتوفى عنها إذا كانت حاملا فالمذهب أن عدتها [بوضعها*]، وقال علي وابن عباس: عدتها أقصى الأجلين، وحكاه بعضهم عن سحنون، قال: وسبب الخلاف تعارض الآيتين (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ)، مع هذه الآية عموم وخصوص من وجه دون وجه، واختلف الأصوليون في النصين إذا كان كل واحد أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه، [قيل*]: بالوقف، وقيل: [الآخر*] ينسخ الأول: فآية البقرة أعم في الزمان حاملا كانت أو غير حامل، وآية الطلاق أعم في الحوامل مطلقات أو متوفى عنهن، وأخص في الزمان فمن يجمع بينهما ولا ينسخ أحدهما بالأخرى فظاهر، ومن ينسخ أحدهما بالآخر يجعل هذه ناسخة لتلك، ومن لَا يقول بالنسخ يجعلها مخصصة لتلك، فيتعارض النسخ
стр. 1548
والتخصيص، فالتخصيص أولى، والمشهور أنها إذا وضعت ولدا وبقي في بطنها آخر أن عدتها لَا تنقضي إلا [بوضع*] الولد الثاني انتهى، وعبر في الحوامل بالأجل دون العدة، فلم يقل: وأولات الأحمال عدتهن أن يضعن حملهن، وعبر في غير الحوامل بالعدة مع أن الجميع عدة.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).
التقوى الأولى: في الأمر الدنيوي، والثانية: في الأخروي، أو هو إشارة إلى حالتي [المعتدة*] من الحوامل، فمنهن من اتقت الله تعالى فليس عليها مشقة في الولادة فلها الأجر العظيم، أي يتق الله فجزاؤه أحد أمرين: إما دنيوي بتسهيل الولادة وتيسيرها، وإما أخروي بتكفير السيئات وكثرة الأجر إذا عسرت عليها الولادة.
قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ... (٦)﴾
إن قلت: ما أفاد هذا مع قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ)، قلت: فائدته إدخال صورة، وهي من يسكن بزوجته في دار بالكراء، ثم يطلقها في آخر مدة الكراء، فهذه الصورة غير داخلة في الآية الأولى، لأن ذلك المسكن ليس من بيوتهن، وهذه الآية تتناول الصورة المذكورة.
قوله تعالى: (مِنْ وُجْدِكُمْ).
أعربه الزمخشري: عطف بيان، واعترضه أبو حيان بتكرار العامل، ونص عليه ابن السيد في إصلاح الخلل، ويعترض أيضا بأنه يجب في عطف البيان عطف توافقهما في المعرفة والتنكير، فعلى هذا جرى قوله (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ)، عطف بيان، ورده ابن مالك بأنه خلاف إجماع الفريقين، وهنا الجملة التي أضيفت إليها حيث نكرة بدليل وصف النكرة بها، تقول: جاء رجل يضحك انتهى، ولا يحتاج إلى هذا بل يتعلق ب (سَكَنْتُمْ)، فيكون إشارة إلى أنه لَا يجب استواء المعتدة والزوج في السكنى في كل حالة من حالات السكنى، بل في حال الوجد، فإن كان مثلا يسكن في بيت بالكراء بدينار، فانقضت المدة قبل تمام العدة، ولم يجد إلا بأقل من دينار، فإِنه لَا يكلف أزيد منه.
قوله (تُضَارُّوهُنَّ)، هذا [مفاعلة ينهي فيها عن مضارة من ضره*]، فأحرى [عدم*] مضارة من لم يضره، وهل المضارة سبب في التضييق في المضارة، فيه نظر.
قوله تعالى: (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).
стр. 1549
إن قلت: لم أفرد الضمير، وقد وقع الخطاب أولا بالجمع في قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ)؟ فالجواب: أنه لما كانت حالة العسر أقل من حالة اليسر، أفرد الضمير إشعارا بالوحدة الدالة على القلة.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ... (٨)﴾
كان بعضهم يقول: الظاهر أن الجواب: (أعد الله لهم) وقرره بأن الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمناسب في التسلية تكرير الأشياء والمتسلي بها وإعداد العقاب أخص من العتو عن أمر الله، فتعليق التسلية على الأخص أبلغ، لأن كل ما لزم الأخص لزم الأعم، دون رده عليه بأن التسلية إنما تكون بأمر نزل جنسه لغير المخاطب، وإما ذكر ما يحل من العذاب بقومه في [الدنيا*] فيزيده غما وتأسفا وحزنا عليهم، وإنما يتسلى بعتو [أمثالهم*] على كثير من الأنبياء، فإن قلت: لم قرن الشدة [بالحساب*]، [والنكر*] بالعذاب، فهلا قال: [(فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا نُكْرًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا شَدِيدًا) *]، قلت: الحساب ليس فيه ما ينكر، والعذاب غير المعهود منكر.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾
لأن الإنسان قد يذوق العذاب ثم يعقبه الخير والسلامة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ... (١٢)﴾
ابن عطية: لَا خلاف بين العلماء أن السماوات سبع، لقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا)، فسر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمرهن في حديث الإسراء حتى قال: "ثم صعدنا إلى السماء السابعة"، وقال لسعد: "حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقُعَةٍ" انتهى، هذا ما يتم إلا على أصول الحكماء الفاسدة التي [نخالف*] نحن فيها، لأن كونها كذلك [حجة*]، إما للعقل أو للسمع، فالعقل لَا مدخل له في عددها، وإن ادعوا إسناد ذلك إلى العادة، فهي دعوى باطلة إذ لَا يعلم ذلك بالعادة بوجه فلم يبق إلا السمع، وهو مخالف لهم ومبني على أنها لَا تقبل الخرق، وأما عندنا فيصح قبولها للخرق، كما نشاهده في جرم السمع وجرم الميناء [تخرقه*] السفينة، ويرجع كما كان ففي الممكن أن تلك الكواكب والشمس والقمر [تخرقها*] كلها، وتنتقل من سماء إلى سماء، وإذا كان كذلك فيبطل استدلالهم على الطول، وغير ذلك بالرصد، ومذهب الحكماء أن السماوات كربطة البصلة، واحدة فوق أخرى متلاصقة، ومذهب أهل السنة أن بينها فضاء حاجزا، [وَرَدَ*] أن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين خمسمائة عام، لكنه لم يصح، وأشار له الزمخشري في سورة النازعات، وذكر الحكماء: أن الأفلاك تسعة منها
стр. 1550
السبعة المشهورة، [والفلك الأطلس، وفلك البروج [وذلك المسمى*] بفلك البروج هو الثامن، والأطلس فوقه ليس فيه كواكب بوجه، [**وفلك الوهم] محيط بالجميع حركته أسرع من طرفة العين، فإن قلت: هلا كانت الملائكة مخلوقين قبل السماوات [أو لا*]؟ فالجواب إن قلنا: بإثبات الجوهر الفارق، وهو موجود لَا يتحيز ولا قائم بالمتحيز، وهو مذهب الحكماء، فنقول: يصح أن يكونوا مخلوقين قبل ذلك، وإن منعنا ذلك فيمنع صحة خلقهم، قيل: لأن الموجود إما متحيز أو قائم بالمتحيز، فهو إما في مكان أو في حيز أو نقول: كانوا في الفضاء وهو حيزهم كما هي السماوات الآن في الحيز لا في المكان.
قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)،
ابن عطية: روي عن قوم من العلماء أنهم قالوا: الأرض واحدة، وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جرمها، وفي أن فيها عالما يعبد، كما أن في الأرض عالما يعبد، انتهى، لَا يصح أن تكون المماثلة في الذات والصفات، لأنهم قرروا في علم الهيئة، أن الشمس أكبر من الأرض، وهي أصغر من السماء، فكيف يكون جرم الأرض قدر جرم [السماء*]؟ المماثلة ليست من جميع الوجود، وهذا كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن، مع أنه لا يحاكيه في الحيعلة والحوقلة، وذكر ذلك ابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب الصرف في مسألة سعيد بن المسيب، وحكى ابن سينا الخلاف في الأرضين أنها سبع أو لَا؟ واختار أنها سبع، وقال المازري في المعلم: سألني عن ذلك شيخنا عبد الحميد الصائغ، وكتب لي بعد فراقي له، هل وقع في الشرع ما يدل على أن الأرضين سبع؟ فأجبته بقول الله تعالى (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، وبحديث " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] " خرجه مسلم، قال [فأتم*] كتابه إلي، وقال: إن الآية محتملة هل مثلهن في الشكل والهيئة [أو*] في العدد، والحديث أخبار [آحاد، والقرآن*] إذا احتمل، والحديث إذا لم يتواتر، لم يصح القطع بذلك، والمسألة علمية ليست من العمليات، فلا يتمسك فيها بالظواهر، وبأخبار الآحاد، قال: فأعدت إليه المجاوبة [فاحتج*] ببعد الاحتمال من القرآن، وبسط القول في ذلك، وترددت له في آخر كتابي في احتمال ما قال: فقطع المجاوبة، قال في شرح الجوزقي: لأنه كان انقطع في آخر عمره للعبادة، ذكره لما تكلم في الأذان، انتهى، [إلا أن*] ظاهر كلامهما أن المسائل العلمية لَا تثبت إلا بالدلائل القطعية [مطلقا*]، ولذلك منعت فرقة التفضيل بين الصحابة، لأن ذلك أمر علمي عندهم [صرف*]، ودلائل التفضيل لَا تنهض للقطع، وإلا ظهر أن المسائل العلمية على قسمين فما يرجع منهما لأحكام العقائد، كالأحكام المتعلقة بالذات [العَليَّة*]، كالحكم بجواز [رؤيته*] مع تنزيهه وتقديسه عن الجهة والمكان، والحكم بكونه سميعا بصيرا مع تنزيهه عن الجارحة وأعضاء السمع
стр. 1551
(يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)
والبصر [وأحكام النبوة وختمها*]، وانقطاعها؛ [وهذا*] لَا يصح إلا بما يفيد القطع اتفاقا، وأما ما يرجع إلى ما ليس من أحكام العقائد [كـ كون*] الأرضين سبعا، وكأفضلية بعض الصحابة على بعض، والحكم بأن الكفار مخاطبون بالفروع [أم لا؟ *] على رأي القاضي أبي بكر الباقلاني، وأكثر الأصوليين من أن ثمرة ذلك إنما هي حاصلة في الدار الآخرة، وكالحكم بجواز كرامات الأولياء، وهو مذهب جمهور أهل السنة، وكون الذبيح إسماعيل أو إسحاق فهذا يصح إثباته بالدلائل الظنية [ولَا يلزم*] من تحصيله بها إخلال بواجب، ومعنى كونها علمية أنها اعتقادية فقط لَا عمل فيها بوجه.
(الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)
قرره الغزالي في [**المضنون به] بكلام جار على قواعد الحكماء.
قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ابن عطية: عام مخصوص بالواجب والمستحيل، ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية: أجمعوا على أن المعدوم المستحيل في نفيه كقلب الأجناس واللون في محلين في زمن واحد، لَا يتعلق به قدرة لَا قديمة ولا حادثة، وقال السراج في الموجز: قولك: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، دال بالمطابقة على عموم العلم [لا [حادثه*]، [فقولك*] الله قادر عَلى كل شيء، دال بالتضمن، لأنه إنما يدل على بعض مسماه، لأن القدرة لَا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل، وقال القرافي: دلالة العالم على بعض أفراده، لَا يصح أن [تكون*] مطابقة ولا التزاما، لأنه داخل في المسمى، ولا تضمنا، لأنه كلية لَا كل. انتهى، ويرد بأنه إن أريد دلالته عليه من حيث كونه جزءا من كل فهي تضمن، وإن أريد دلالته عليه من حيث كونه [ ... ] فهي مطابقة فهل هو من قسم الجزئي والكلي، أو من قسم الجزء أو الكل، ابن التلمساني في فروع المسألة الرابعة من الباب الثالث: المخاطب يندرج في العموم على الأصح، قال تعالى (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وهو عليم بذاته وصفاته، واحتج المانع بقوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ)، ويقول القائل: من دخل داري فأعطه درهما، فإنه يتناوله واجب بأن الأول: مخصوص بدليل العقل، والثاني: العرف، والحكم في ذلك كله للقرائن، انتهى، والقدرة مختصة بالله ، والعلم يشاركه فيه الغير، فكذلك عبر فيه بالإحاطة الخاصة بالله، والصفات على ثلاثة أقسام: صفة قاصرة على ذات الله تعالى، كالحياة والبقاء، وصفة متعلقة مؤثرة، كالقدرة، وصفة متعلقة غير مؤثرة، كالعلم، وأما الإرادة فاختلفوا هل هي من الصفات المؤثرة أو لَا؟ وسبب الخلاف النظر في [التأثير*] أعم من ذلك، ومن التخصيص فالإرادة مؤثرة.
* * *
стр. 1552
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
[(١)]
السؤال بـ (لم) عن صلة الحكم والعادة في خطاب الأشراف تقديم لفظ المخاطب أو زوال ما [يتوقَّاه*] ويخافه، كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ) [التوبة: ٤ ٣]، وكذلك تصدير الخطاب هنا ب (أَيُّهَا النبِيِّ)، دال على الاعتناء بشأنه عظيم [تُحَرِّمُ*] وعبر هنا عن ما وقع العتب عليه بالمضارع، وفي قوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُم)، بالماضي لدوام متعلق التحريم، وانقطاع [تعلق*] الإذن والتحريم قسمان حكمي والتزامي، [فقولك*] حرم أبو حنيفة هندا، أي أفتى أو حكم بتحريمها لا على بعلها، وحرم زيد هندا، أي التزم تحريمها، وهذه الآية من القسم الثاني، فإِن قلت: الاستمتاع بها جائز له فعله وتركه، فإذا حرمه فقد أخذ الجائزين فلم عوتب؟ قلنا: لَا تسلم أنه يجوز تركه بالتحريم، بل الفعل والترك من غير إضافة تحريم إليه هو المباح.
قوله تعالى: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).
مفهومه منع التحريم لغير مرضاتهن من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ... (٢)﴾
الأصل [استعمال*] اللفظ في مفهومه الحقيقي، وتقرر أن الكلام لَا يتركب مع أجزاء متنافية، ومفهوم فرض الحقيقة [ ... ] مفهوم الحلية إما للإباحة أو ما هو أخص منها، فلو كان المراد [بالفرض*] والحلية مفهوميهما [الحقيقيين*]، للزم منه تنافي الكلام لتنافي أجزائه، فيكون واجبا مباحا، هذا [**خلف فلأجل دليلته] ما أريد بهما [مفهومهما الحقيقيان*]، بل أريد [بالفرض*] البيان، وبالحلية حلية العقد، أي قد بين الله لكم حل عقد أيمانكم، ويصح أن يقال للمباح واجب، لأنه قد يلحقه الوجوب لعارض، وإنما يمتنع ذلك في الواجب لذاته لَا لعارض، كما تقول أكل الجراد مباح، والمباح واجب على أنه محصل للواجب، وهو مدخلة الجوع، وفي الآية التفات لقوله تعالى: (لَكُمْ)، ولم يقل ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا ... (٤)﴾
الأكثر في الخطاب التكليفي، أن يؤتى فيه بصيغة الأمر، كقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا)، فأجيب: بأن الخطاب إن كان لمن يتأثر [به*] أتى به في سياق الشرط تشريفا له وتلطفا في الخطاب، وإن كان بحيث لَا يتأثر، أتى أمرا صريحا [نقض*] عليه بقوله تعالى في براءة (فَإِنْ تُبْتُم فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ)
стр. 1553
وفي التنبيه في سماع ابن القاسم من كتاب الغائب، قال مالك: [فيمن*]، قال: إن فعلت كذا زوجتك ابنتي أو بعتك سلعتي، هذه فإِنه لَا يلزمه شيء، وكأنه قال: إن فعلت كذا، زوجتك، فهو وعد بالتزويج لَا [التزاما*]، وهذا عند النحويين أعني قوله: (قُلُوبُكُمَا) ما ورد في التشبيه بلفظ الجمع، قاله سيبوبه وغيره، وجعله الفخر جمعا حقيقة باختلاف حالات القلب وتبدلها وتقلبها فكأنها قلوب.
قوله تعالى: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).
قيل: المراد به علي بن أبي طالب ﵁، وهذا عكس ما يقولون في الخبر والشهادة من أن متعلق الشهادة قاصر على المشهود، فلا يقبل فيه شهادة الرجل لنفسه، ومتعلق الخبر عام وجاء هذا الخبر بجر النفع للمخبر فقط، وقيل: المراد بصالحهم الأنبياء المتقدمون ونصرتهم النبي ﷺ ، بدعائهم له كما دعا له إبراهيم.
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ... (٥)﴾
ابن عصفور: كل ما في القرآن من عسى [فهي*] واجبة، لأن وعد الله تعالى حق لا بد من وقوعه، إلا هذه، فإنها على بابها من الترجي، انتهى، يرد بأنها هنا واجبة، وجوبا متوقفا على حصول ذلك الأمر المقدر وقوعه بإرادة الشرط، فلم يقع الطلاق فلم يقع التبديل، وانظر ما تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، وقوله تعالى: (إِنْ طَلَّقَكُنَّ)، ولم يقل: حرمكن، فيه ترجية لأزواجه، والمراد أنه مستغني عنكن، فلا تعودن لمثل ما فعلتن من إفشاء سره، فهو عتب لأزواجه.
قوله تعالى: (مُسْلِمَاتٍ).
قدم الإسلام على الإيمان، لأن القصد الترقي، والإيمان أعم؛ لأنه من أفعال القلوب، والإسلام من أفعال الجوارح، فقد يظهر من الشخص أنه مسلم وهو منافق، والعبادة أخص مما قبلها، [وهي*] بمادتها تدل على الكثرة والملازمة، وجواب الزمخشري عن إدخال الواو في (وَأَبْكَارًا)، دون ما قبلها [منقوض*] بقوله تعالى: (الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، الأمر والنهي صفتان لَا يستحيل احتمالهما في موصوف واحد.
قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾
стр. 1554
يحتمل أن يراد بالأول: طاعتهم له في اجتناب ما نهاهم عنه، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وبالثاني: طاعتهم في فعل يأمرهم به، وقال الفخر في المحصول: إن قال قائل: إن قوله (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، تكرار؟ فالجواب: أن الأول: ماض، والثاني: مستقبل أي لَا يعصونه فيما أمرهم في الماضي، وهو في الحال (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ)، ورده عليه القرافي: بأن (لَا) إنما تنفي المستقبل، فالأول مستقبل، والثاني كذلك، ويجاب: بأن الأول إخبار عن عدم عصيانهم فيما سيؤمرون به في المستقبل، ولم يقع منهم عصيان لما أمروا به، وهم من شأنهم أن لَا يعصون فيما سيأمرهم به.
قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾
إن قلت: ما وجه المناسبة بين هاتين الجملتين مع أن [المتبادر*] للفهم أن يقال: لا يظلمون اليوم؟ فالجواب: أن العفو هو ترك المؤاخذة [بالذنب*] [ ... ] موجبا، والمعذرة هي إلقاء كلمة تمهيدا لرجاء عدم المؤاخذة بالذنب لعدم [**مزجها]، فالمراد أنا لم [نجركم*] إلا بما كسبتم وجنيتم، وجواب [آخر*]: وهو أن المعذرة تارة تكون لإسقاط المؤاخذة، [وتارة*] تكون لتخفيف العقوبة، فالآية كأنها أتت على قسم ثالث، وهو ليس بتخفيف، حتى [**ما جاز على بعض الذنب ولا الإسقاط؛ بل على العمل فقط]، ويصح أن [يكون*] الوقف على (لَا تعتذروا) ويتعلق (اليوم) بما بعده.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ... (٨)﴾
جعله المفسرون (يَوْمَ) متعلقا بـ (يُدْخِلَكُمْ)، والأولى أن يكون العامل فيه (اذكر) [مقدرا*]، فإن قلت: الإضمار على خلاف الأصل؟ قلت: فيه سلامة الآية من التكرار المعنوي، لأن قوله (عَسَى رَبُّكُمْ)، إلى آخره ملزوم لنفي الخزي، وقد [شرع*] به ثانية فيؤول إلى قولنا (عَسَى رَبُّكُمْ)، أن لَا [يخزيكم*] واحتج بها المعتزلة على أن [العاصي*] مخلد في نار جهنم بعد الجمع [بينها*]، وبين قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، حسبما قرره ابن الحاجب، ووجه الدليل أن يقال: كل من دخل النار مخزي بآية آل عمران، ولا شيء من المؤمنين مخزي؛ عملا بهذه الآية فلا شيء ممن يدخل النار بمؤمن، ثم تنعكس [ ... ] فتقول لا شيء من المؤمن بداخل النار، وأجاب الشيرازي وغيره بوجهين:
أحدهما: أن المراد بالذين آمنوا معه الصحابة فقط.
والثاني: أن [(الذين آمنوا معه) *] مستأنف، وليس معطوفا على ما قبله بوجه، ويجاب أيضا بوجه ثالث: وهو أن الخزي مقيد بذلك اليوم، فيكون ذلك اليوم هو وقت دخولهم الجنة، فإنهم غير [مخزيين*] حينئذ، وأما قبل ذلك حين دخولهم النار فهو يوم آخر.
стр. 1555
قوله تعالى: (وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
إن قلت: المناسب إنك غفور رحيم؟ قلت: هو مرتب على [محذوف*] وهو قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُم)، إلى آخره. في الآية معنى القلب أي يسعون بنورهم، فإِن سعي النور [إنما هو بقتال*] الكفار بالسيف والمنافقين بالاحتجاج. انتهى، فجيء فيه استعمال اللفظ الواحد يتبع انتقالهم إذ هو صفة لهم.
قوله تعالى: [(جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ... (٩) *]
الزمخشري: [جاهد*] الكفار بالسيف، والمنافقين بالاحتجاج انتهى، [جيء*] فيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، [ ... ] بأن يكون من باب علفتها تبنا وماء باردا، أي جاهد الكفار وعارض المنافقين بالاحتجاج، وهو من عطف الخاص على العام، والجهاد أربعة أنواع: أحدها: قتال الكفار، والثاني: حضور معركة القتال للقتال، وإن لم يقاتل كما فعل كثير من أكابر الصحابة، والثالث: الدخول لأرض العدو للمقاتلة، كما قال مالك: فيمن دخل أرض العدو للإغارة عليهم، [وإضعافهم*] أنه مجاهد، فهذا كله جهاد، [**وغائر تلك بينه وبين الرباط بأرض الإسلام لحراسة الإسلام من العدو]، الرابع: الخروج برسم الجهاد، فقد قال مالك: فيمن خرجوا للجهاد [فتفرقوا*] فحضر بعضهم الغنيمة إن الجميع يشتركون فيها، وكذلك قال في السفن [إذا غمرتهم الريح*]، أن الغائبين عن الغنيمة يشاركون من [حضر*] فيها، فإن قلت: أعيان المنافقين من أين نعلمهم، فإن كانوا معلومين عنده، فليسوا بمنافقين، لأن المنافق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن لم يكونوا معلومين عنده فيلزمه تكليف ما لَا يطاق؟ فالجواب: إنما ذلك في التكليف التأثيري، كما لو أمر بقتالهم، فيقول: لَا يقاتلهم خشية أن [يقع*] في المؤمنين منهم [وهن*]، إنما أمر بإقامة الحجة [فيلقيها*] على الجميع يسمعها المنافق وغيره، لعلها تنفع المنافقين من باب ما لَا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.
قوله تعالى: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ).
إن قلت: ما فائدة التغليظ عليهم، مع [عدم*] الامتثال؟ قلت: هو قطع لحجتهم وتعذرهم.
قوله تعالى: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
стр. 1556
إن قلت: ما السر في العدول عن المشاكلة اللفظية إلى المنصوب، ولم يقل: وبئس المأوى؟ فالجواب: أنه علقه على الأعم، فيلزم ثبوته للأخص على [أن*] المصير أعم من المأوى.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... (١٠)﴾
المثل مضروب للجميع، لكن خص بالأول الكافر؛ ولكونه مثلا لمن هو كافر من جنسهم، وخصص الآخر بالمؤمنين؛ لكونه مثلا لمن هو من جنسهم.
قوله تعالى: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ).
أفاد ذكر هذا [التشريف بوصفي العبودية والصلاح*].
قوله تعالى: (فَخَانَتَاهُمَا).
ابن عطية: اختلفوا في خيانة هاتين المرأتين، فقال ابن عباس: ما بغت زوجة نبي قط، ولا ابتلى الأنبياء في نسائهم لهذا، وإنما خانتاهما في الكفر، وكانت زوجة نوح تقول إنه مجنون، وامرأة لوط كانت تنم إلى قومه متى أتاه ضيف، وقال الحسن: خانتاهما في الكفر والزنا وغيره. انتهى، وهذا خلاف في حال، فابن عباس رأى أن الزنا منهن [نقص*] في أزواجهن، فمنع من ذلك، وأما الحسن فلم ير ذلك موجبا للنقص في الأزواج.
وقوله تعالى: (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا)، يدل على ما قال ابن عباس: لأن تلك الفاحشة ليست [مشروعة*]، [فلا يغني فيها*] أحدٌ عن أحدٍ.
قوله تعالى: (مَعَ الدَّاخِلِينَ).
إشارة إلى كونهما في منزلتهم، وإن قرابتهما لَا تخفف عنهما شيئا.
* * *
стр. 1557
سُورَةُ الْمُلْكِ
منها ابتدأت القراءة على شيخنا يوم السبت الثاني عشر شهر ربيع الآخر عام خمسة وسبعين وسبعمائة، الزمخشري: مكية، زاد ابن عطية: بإجماع. الزمخشري، وتسمى الواقية والمنجية، لأنها تقي قارئها من عذاب القبر، وذكر ابن عطية في ذلك أربعة أحاديث، وقد تقرر [أن*] أحاديث الفضائل كلها لم يصح [منها*] إلا أحاديث قليلة ليس هذا منها، ابن عطية: ويروى أن في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أجاد [وطيب*]. انتهى، الذي في التوراة الإخبار عنها لَا أنها كانت موجودة في التوراة، فهي [كوصفه*] ﷺ في التوراة.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ... (١)﴾
ابن عطية: من البركة، وهي التزيد في الخيرات، الزمخشري: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين، قالوا: وهو خاص بأنه لَا يسند إلا إليه، انتهى، وهو من [الكلام*] المناسب لفظه معناه [ ... ] [**الباري وجرى للندب]، و (تبارك) غير منصرف، ولفظه بالله فمعناه، وهو البركة والنمو، ولا يعقل فيهما تغير ولا تبدل بوجه مناسب للفظه.
قوله تعالى: (بِيَدِهِ).
ابن عطية: عبارة عن تحقيق الملك، لأن اليد في عرف الآدميين هي آلة التملك فهي [اسْتِعَارَةٌ*]، وقال الزمخشري: [مجاز عن*] الإحاطة بالملك والاستيلاء [عليه*]. انتهى، ويحتمل على مذهب أهل السنة أن يراد باليد القدرة، ووقع التعبير عن اليد في القرآن تارة بالإفراد وتارة [بالتثبية*] وتارة بالجمع، ووجهه أنه إن كثرت متعلقات القدرة جمعت، وإن قلت: أفردت، وإن توسطت ثنيت، والمُلْك أعم من المِلْك؛ لأنه مهما وجد الأخص وجد الأعم، فمنهما وجد الملك ولا ينعكس، لأن سائر النَّاس يملكون العبيد والأرض والثياب [ولا مُلك لهم*]، فإن قلت: هل بينهما عموم [وخصوص*] من وجه دون وجه، لأنا قد نجد بعض السلاطين لَا تملك شيئا، مع [**أدلة] الملك؟ قلت: هذا محال وجوده أو قليل، وفي الآية المذهب الكلامي، وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله، واختلف هل هو موجود في القرآن أو لَا؟ فمنع الجاحظ وجوده فيه وأثبته غيره، وتقدم القول فيه في سورة يس، وهو على قسمين: برهاني نظري، كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ)، وبرهاني ضروري،
стр. 1558
كقولك: ساد من اتصف بالصلاح والكرم والشجاعة، وهذه الآية البرهان فيها ضروري، وهو اقتران البركة والتنزيه بالملك بالقدرة، وهما معلولان بالضرورة.
قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
الزمخشري: على كل ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة انتهى، مذهب أهل السنة: أن المعدوم الممكن يطلق عليه شيء، ومذهب المعتزلة: أنه لَا يطلق عليه شيء، فإن أراد الزمخشري بقوله: مما لم يدخل تحت القدرة، [أنه بعض تخصيص*] فكلامه خطأ؛ للإجماع على أن [المعدوم*] المستحيل لَا يطلق عليه شيء، وإن كان ذلك الكلام منه تحقيقا لبيان لفظة (شيء)، فهو صواب، ابن عطية: وهو على كل موجود قدير، انتهى، إن قلنا: إن الأعراض [لا*] تبقى زمنين فظاهر، وإن قلنا: ببقائها، فيكون المراد، وهو على إعدام كل موجود قدير؛ لكن يرد عليه أن المشهور عندهم أن العدم الإضافي لَا تتعلق به القدرة، فينحصر الأمر إلى لفظة موجودة من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو على كل ما سيوجد قدير باعتبار إيجاده واختراعه، والآية حجة لأهل السنة في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ إلا أن يجيب الآخرون بأنها تنسب إليه، بأن خالق فاعلها فهو خالقها بواسطة، فهو قادر على كل شيء؛ إما مباشرة أو بواسطة، وإذا قلنا: إن المخاطب داخل تحت الخطاب، [فيكون*] دليلا على صحة إطلاق لفظة شيء على [القديم*] إلا أن يكون مخصوصا، وكذلك إن قلنا: يمنع إطلاق لفظة شيء على القديم، فإن الصفات عندنا كلها قديمة فيكون اللفظ مخصوصا بها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ... (٢)﴾
الفخر في المحصول: مذهب أهل السنة: أن الموت أمر وجودي، ومذهب المعتزلة: أنه أمر عدمي، والآية حجة لأن الخلق هو الإبراز [من*] العدم إلى الوجود، الآخرون بأن خلق يكون بمعنى قدر، قال الله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، انتهى، [نقول إن العدم الإضافي تتعلق به القدرة*]، ابن عطية: وما في الحديث من قوله الرسول ﷺ : " [" يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ -زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ- فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ*] "، فقال أهل العلم ذلك تمثال كبش يوقع الله العلم الضروري لأهل الدارين، إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملا للموت انتهى، وهو صحيح خرَّجه مسلمٌ، ووجه ما قال: إن الموت صفة معنوية وظاهر الحديث أنه مخصوص فتناول على أن الكبش حامل له في معناه أنه حامل لجوهر متصف بتلك الصفة المعنوية التي هي عرض من الأعراض وهي الموت، لأنه لو كان حاملا للموت لكان ميتا، ابن عطية: والموت والحياة
стр. 1559
نقيضان مهما عدم أحدهما وجد الآخر، فالحمل قبل نفخ الروح فيه ميت، لأنه ليس بحي انتهى، إن قلت: وكذلك الجمادات كلها؟ قلت: لَا يقال ميت إلا فيما [هو قابل*] للحياة إلا أن يكون مثل [قولك*]: الحائط لَا يبصر، ويكون من السلب [والإيجاب*] لَا من باب العدم والملكة بخلاف قولك: زيد لَا يبصر، وقال الفخر: هنا في بعض النسخ ما حاصله، أن الحياة أمر عدمي وهو إعدام الموت، والموت أمر وجودي انتهى، وهو هوس باطل، لأن الله تعالى موصوف بالحياة لَا بالموت بإجماع [ ... ].، أنها وجودية لاستحالة اتصافه بالعدم، ومن بدع التفاسير، قول القرطبي: إن الموت هنا فرس، والحياة رجل راكب عليه، ولقد أجاد الزمخشري في قوله تعالى: (خَلَقَ) موتكم وحياتكم، وفي الآية من أنواع البيان المطابقة، قال ابن مالك في المصباح: المطابقة أن يجمع في كلام بين متضادين، وهي على ثلاثة أضرب:
الأول: ما لفظاه [حقيقيان*]، وهي مطابقة بين محسوسين مثاله في الإيجاب، قوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)، وقول الشاعر:
[أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِي ... أماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ*]
وفي السلب قوله تعالى: [(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) *].
الثاني: ما لفظه مجاز كقوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)، أي ضالا فهديناه ومثله:
حلوُ الشمائِل وهوَ مرٌّ باسلٌ ... يحمِي الذمارَ صبيحةَ الإرهاقِ
الثالث: ما [أحد*] لفظيه حقيقة، والآخر مجاز؛ كقول أبي تمام:
له منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصعٌ ... ولكنّه في القلبِ أسودُ أسفَعُ
والطباق في الآية بين معنيين، وذكر هذين الطرفين لأنهما أصلا كل شيء، فيدل على اتصافه بخلق ما [وكذلك*] من الألوان والطعوم والروائح من باب آخر، أو اللام في [(لِيَبْلُوَكُمْ) *] للتعليل، وهو على مذهب المعتزلة، واجب ظاهر، وأما على مذهبنا أفعال الله غير معللة، والمتكلم تارة يذكر [الفعل معللا*] بأمر واجب لَا بد منه، وتارة يذكره بأمر جائز فتقول لمن [حصره*] الأسد [ولا نجاة له منه إلا بسُلَّمٍ يصعد به على السطح، اصعد السلم لتنجو من الأسد*]، وتقول لولدك: افعل لي كذا لأعطيك درهما، وأنت قادر
стр. 1560
على إعطائه وإن لم يفعل، وكذلك هذا قد يفعل [الفعل*] لسبب، ولو شاء أن يفعله لغير ذلك السبب [لفعله*]، وهو من باب ربط الأسباب بمسبباتها؛ لَا من باب التعليل الواجب، وقول ابن عطية: و (لِيَبْلُوَكُمْ)، فينظر، أو يعلم أيكم أحسن عملا، يرد بأن النظر إن أراد به العلم فهو تكرار، وإن أراد به الإبصار الحقيقي أو القلبي [فهما*] مستحيلان في [حق*] الله تعالى، الزمخشري: ألا يسمى هذا في النحو [تعليقا*]؟ (١) وإنما [التعليق*] عن المفعولين معا بخلاف المفعول الثاني وحده، ولو كان [تعليقا*] لافترقت الحالتان؛ كما [افترقتا*] في قولك: علمت [أَزَيدٌ*] منطلق، [وعلمت*] زيدًا منطلقا؛ ووافقه الطيبي، وخالفهما أبو حيان، ويحتمل أن يكون مراد الزمخشري أن [التعليق*] في قولك: علمت [أزيدًا*] قائم، لَا يقع التفريق فيه بين اللفظين، [لأن ما قبل*] أداة الاستفهام [منصوب*]، وبعد دخولها مرفوع، [والتعليق*] في قولك: علمت أزيدا وهو قائم، لَا يقع التفريق فيه إلا بالمعنى، خاصة لأن اللفظ متحد قبل الاستفهام، وإذا لم يزل مرفوعا أو يفرق بينهما بأن قولك: علمت زيدا قائما إخبار من علمك بمعنى منصوص عليه، وقولك: علمت أزيد قائم، إخبار عن علمك بمعين [ ... ] عن المخاطب.
قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ... (٣)﴾
حديث الإسراء دال على [وجود*] الخرق بين السماوات.
قوله تعالى: (مِنْ تَفَاوُتٍ).
أي من [عدم*] الإتقان والإحكام.
قوله تعالى: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ).
[جاء*] بأداة الاستفهام، تنبيها على سؤال المخاطب، وأنه يجيب بالموافقة وكفى رؤية الفطور، لكنه من باب نفي الشيء بنفي الشيء، أو نفي الشيء بإثباته مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ"، أي ليس فطور [فتُرى*].
قوله تعالى: ﴿كَرَّتَيْنِ ... (٤)﴾
الزمخشري: التثنية هنا [للتكثير*]، أي كرة بعد كرة، مثل لبيك وسعديك، يريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض، ومن ذلك قولهم في المثل دهدرّين سعد القين أي باطلا بعد باطل. انتهى (٢)، القين هو الحذار، قال الأستاذ أبو محمد عبد الله ابن السيد البطليوسي في جوابه عن المسألة السادسة عشر من أسئلته: اختلف الرواة في حقيقة لفظ هذا المثل ومعناه وإعرابه فرده الأصمعي إلى دهدزين سعد القين ووجهه أنه كلمة واحدة، لأن أبا عبيدة صرح بأنه تثنية، وأهل اللغة ذكروا أنه يقال للباطل: دهدر
стр. 1561
ودهدن بالراء أو النون، وإعرابه اسم فعل بمنزلة هيهات، فمعناه بطل سعد القين، فنرد فاعل بدهدزين، وهو مضاف إلى القين، والمراد تبعد السعادة، ومعناه أن اليقين كان من عادته أن ينزل في الخفي، فيشيع أنه منحدر غير مقيم، ليبادر إليه العمل، فكانت له في كذبه سعادة، فلما علم بكذبه بطل سعده، ولم ينتفع بكذبه ولذلك قالوا: إذا سمعت بسعد القين فاعلم أنه مصبح، وروى عن الأصمعي برفع سعد، والقين، فيكون القين صفة لسعد وسعد اسم رجل قين، وفي الكلام مضاف مقدر، أي بطل كذب سعد القين، وهذا [التنوين تخفيفا*]؛ لالتقاء الساكنين كقراءة بعضهم، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدْ * اللَّهُ الصَّمَدُ)، وكتب سيبويه ولا ذاكر الله إلا قليلا، ويجوز في هذا أن يكون سعد منادى مفرد والقين صفة ودهدر اسما وقع موقع المصدر كما وقعت الحافرة في قوله:
أحافِرَةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ ... مَعاذَ الله منْ سَفَهٍ وعارِ
موقع الرجوع الذي هو مصدر صحيح، أي ارجع إلى الصبا رجوعا بعد ما شبت وصلعت، والمعنى أكذب كذبتين يا سعد القين، وروي برفع مقدر إضافة القين إليه ودهدزين في هذا كله متصل، ورواه قوم (ده) منفصلا من دزين، وكان أبو زيد الكلابي يقول: ده دريه كذا رواه أبو عبيد عنه، ورواه ابن الأعرابي دهدرين سعد، ورواه معمر ابن المسني في كتاب المثال: دهدين وسعد القين، ورواه بعضهم دهدري سعد القين، بحذف النون وخفض سعد، وترك تنوينه، وروى يعقوب في الأمثال له دهدرين ساعد القين، قال: يريد سعد القين ذكر ذلك عن الأصمعي عن خلف الأسمر: أنه سمع أعرابيا يرويه كذلك، وقال أبو يزيد الأنصاري، يقال: للرجل يا هذا منه دهدرين وطرطبين ودهدري ودهدري، فأما من رواه (ده) منفصلا، فمعناه بالغ في الدهاء والكذب، ودرين من در الشيء [يدر*] إذا تتابع [**فتنوه] ومبالغة في [ ... ] كـ لبيك وسعديك ودواليك عده [**أمر ودرين] مصدره محمول على المعنى، وسعد اسم رجل منادى مفرد، والقين صفة أي بالغ مبالغتين في الكذب يا سعد القين، ومن رواه دهدريه فما لها فائدة على الكذب، لأن ده دليل عليه كقولهم من كذب: كان شرا له، ومن رواه دهدري بحذف النون وخفض سعد والقين، فليس اسم فعل، لأن أسماء الأفعال لَا تضاف كما لا تضاف الأفعال، بل هو مصدر هنا والعامل فيه فعل مضمر، أي كذب كذبتي سعد اسم رجل والقين صفته، وحذف التنوين من سعد لالتقاء الساكنين، وأما [ ... ] دهدرين سعد القين، فدهدر اسم رجل معروف بالكذب، فإذا كذب رجل شبه به أي هو مثله، وأطال الكلام فيه بما يرجع أكثره إلى هذا.
стр. 1562
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ... (٥)﴾
تأكيد هذه الجملة باعتبار المعطوف، لأن المعطوف عليه معلوم بالضرورة.
قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا ... لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾
اقتضت هذه الآية سماعهم ذلك بعد الإلقاء في [النار*]، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا، وهذا يقتضي سماعهم ذلك قبل الإلقاء، فيجعل سماعهم ذلك قبل وبعد.
قوله تعالى: [وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ... (١٠)] ، وعلقه على [نَسْمَعُ*] دون سمعنا؛ لأن [نَسْمَعُ*] أبلغ لإفادته التجرد، والماضي إنما يفيد مطلق الوقوع منه، ويؤخذ من الآية أن السمع أفضل من البصر، لأنهم حصروا ما يكونون به كما عبر في السمع والعقل، فلو كان البصر أفضل أو مساويا لذكروه، وما قيل: [أيهما*] أبلغ، هل قولك: زيد في أصحاب العلم، أو من أصحاب العلم.
قوله تعالى: ﴿بِذَنْبِهِمْ ... (١١)﴾
لم يقل: [بكفرهم*] بالوصف الأعم، لأنهم إذا [اعترفوا*] على الأعم، فأحرى الأخص، وأفرده تنبيها على أن المراد من ذلك الأعم أخصه، وهو شيء واحد، وهو الكفر، ويكون ذلك الذنب تنبيها على دخول العصاة.
قوله تعالى: ﴿قَوْلَكُمْ ... (١٣)﴾
[حقيقة القول*] الذي هو أعم؛ لإطلاقه على المفردات والمركبات، فيتناول ما دونه من باب أحرى، باعتبار الصدق، والعطف وصيغة أفعل للتسوية.
قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ... (١٤)﴾
الزمخشري: (مَنْ) لَا يصح أن [تكون فاعلا*]، والمفعول محذوف؛ لأنه يكون المراد ألا يعلم الخالق، أي لَا يتصف الخالق بالعلم، فلا يكون لقوله (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فائدة (١)؛ فرده صاحب التقريب: بأنه من باب تقييد المطلق، أي لَا يتصف بمطَلق العلم من هو موصوف بعلم كل شيء، وأجاب الطيبي: بأن العلم هنا ليس مطلقا، بل المراد به أخصه، وهو علم السر، [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا (١٥) *] (٢) الامتنان بكون الأرض ذلولا لَا يتبادر منه للفهم الأمر [بالمشي*] فيها، ووقع الامتنان بنعمة الجلب والنفع.
стр. 1563
قوله تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)، ثم بنعمة النفع بالتأمين من الخسف، ثم من إرسال الحاصب فهو ترقٍّ، لأن دفع المؤلم أكد من جلب الملائم.
قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ ... (١٦)﴾
فيه وجهين:
إما أنه من مجاز الأسماء، والتقدير من [في*] السماء أمره، لكن يلزم عليه حذف بعض الصلة.
وإما من مجاز التمثيل، فيكون لفظ السماء كناية عن العلو، أي [أأمنتم*] من اتصف بالعلو والرفعة، أن يخسف بكم الأرض، وتأوله الزمخشري بوجهين:
أحدهما: هذا، والثاني: أنه خطاب للكفار على دعواهم واعتقادهم أنه في السماء، ورد بأنه تفريع على دعوى باطلة، ولا يصح التفريع على الدعوى الباطلة، إلا بعد بيان الدليل على بطلانها، والمذهب الحق عند الأصوليين: أن الله منزه عن الجهة والمكان، إذ لو كان متصفا بالمكان للزم عليه إما عدم حدوث العالم، أو حدوث الذات الكريمة، لأن المكان من جملة مخلوقاته، فلو كان [في*] مكان للزم قدمه، أو حدوث من حل فيه، وغلط عياض في الإكمال في حديث سودة لما قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال له النبي ﷺ : اعتقها فإِنها مؤمنة، فذكر عياض فيه كلاما حاصله عدم تكفير من أثبت [الجهة*]، وهو باطل، وذكر مسلم حديث سودة في كتاب الصلاة، ولابن عبد البر فيه كلام باطل، وحكى القرطبي هنا قولا: أن المراد في الآية ملك العذاب، وهو جبريل، قال: قيل: إنه على حذف مضاف أي [أأمنتم*] خالق من في السماوات، وإفراد [السماء*] لأن المشاهد لنا سماء واحدة، ولأنه إذا حصل التخويف بمن في السماء، فأحرى أن يحصل بمن في الجميع، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، والمراد بالخسف، إما مكانهم، أو جميع الأرض، والمراد بالحاصب إنزال الحجر عليهم؛ [اهتماما لجهة الفوق*]، لأنها المقصود بالنظر، فإن قلت: في سورة ص (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً)، بالإفراد، وقال: هنا (صَافَّاتٍ ... (١٩) .. ، بالجمع، قلت: لأن انعطاف الطير لازم لها دائما، بخلاف الحشر؛ فإنه خاص بزمن داود ﵇ لبعض الطير، وهو طير وطنه الذي كان فيه، فناسب الإفراد. [وفي*] سورة النحل (مُسَخرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ)، والفرق [**أعم الجو].
قوله تعالى: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ).
стр. 1564
وفي سورة النحل (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)، والجواب: أن هذه الآية سيقت للتذكير بالنعمة، فناسب وصف الرحمة، وآية النحل سيقت لبيان الألوهية وكمال القدرة والاختراع، فناسب لفظ الله الدال على الذات المعظمة، لأنه تقدمها (أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاِتكُم)، تعقبها بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، وهذه الآية تدل على وحدانية للصانع من جهة حصر الإمساك فيه، [وجمع الآيات*] المراد به الكثرة [فقال (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)، لكنه إشارة، فكان الأصل أن يعاد عليه ضمير الكثرة فقال (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)، لكنه إشارة إلى أن أقل شيء منه يرشد الناظر إليه إلى الاهتداء، أو أن الناظر لَا ينظر إلا إلى بعضه، لَا إلى كله، واستدلال الفخر لأهل السنة في أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ضعيف؛ لأن الإمساك ليس من قدرة الطير، [ولا من فعله، ولا يخالف فيه أحد*]، وإنما من فعله قبض جناحيه وبسطها، فلو قيل: ما يبسطهن ويقبضهن إلا الرحمن لصح له الاستدلال بها.
قوله تعالى: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ).
تفسير الفخر بعليم خطأ، لأن أهل السنة يفرقرن بين صفة العلم وصفة البصر، فإِن قلت: المناسب هنا العلم والقدرة لَا البصر، قلت: وجه المناسبة أن الإنسان لَا يبصر كل الطير، وإنما بعضها، فأشار إلى أن الله تعالى بصير بجميعها، والمراد بلفظة شيء هنا الموجود، لأن المعدوم [لَا يبصر*].
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ ... (٢٠)﴾
[أَمْ مَنْ يُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَجْمُوعِ*]
المشار إليه هنا مقدار الوجود، والمعنى أن تكذيبهم بالآيات وعدم الالتفات إليها إما لضلالهم واغترارهم، وإما لاعتقادهم أن لهم ناصرا ينصرهم ويحميهم من عذاب الله، [فلما*] انتفى الناصر؛ تعين أن ذلك مجرد مثلا لهم واغترارهم.
ترله تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ... (٢١)
لم يقل: هو يرزقكم بالبناء على المضمر، كما في التي قبلها، لأن هذا لم يدعه أحد، ولا يخالف فيه؛ خلاف الأول ونحوه، قال ابن هشام في قوله تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى)، فإن قلت: لم قرن هذا بأداة الشرط فقال (إِنَّ أَمْسَكَ رِزقَهُ)، ولم يقرن الأول بها، فلم يقل: أم من هذا الذي ينصركم إن لم ينصركم الرحمن، [أوْ لا*] يذكر الشرط فيهما معا؟ فالجواب: أن الرزق لازم لهم لابد لهم منه، إذ لَا قوام لهم دونه، فإِمساكه عنهم مستبعد أو ممتنع، إذ لَا حياة لهم
стр. 1565
إلا معه، فأتى فيه بأن الداخلة على المحال أو القريب منه، وأما النصرة على الأعداء فليست لازمة، بل قد [تكون وقد لَا تكون*]، فلذلك لم يقرن إمساكها بـ (إنْ) للدلالة على الحال، فإِن قلت: ما مناسبة تعقب الأول بقوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)، وتعقب هذا بقوله (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)، هلا كان الأمر بالعكس؟ فالجواب: أن النصرة دالة على العتو والقوة، وهم [ادعوهمها*] لأنفسهم وزعموا أنهم ينصرون فلو عقب بقوله (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)، لتوهم أن لهم قوة واستنفارا لأنفسهم، فتحرز من ذلك بقوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)، إشارة إلى أنهم اغتروا، فتوهموا أن لهم قوة [وتجلدا، وأنهم*] لَا يغلبون، بل ينصرون، ولما كان الرزق محققا نسبة إلى الله تعالى وهم مقرون بذلك وما ادعوا نسبته إليهم أصلا، عقبوا ببيان أنهم تعنتوا أو كذبوا ونفروا، ويقال في البهائم: نفرت نفورا، وفي بني آدم: نفرت نفيرا ونفارا وقوله تعالى: (وَنُفُورٍ)، إشارة إلى شدة جهلهم وغباوتهم أنهم فعلوا فعل البهائم في القول.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ ... (٢٢)﴾
إن قلت: هل هذا التركيب مضاد وتعكسه، وهو أفمن [يَمْشِي سَوِيًّا*] أهدى، أم من يمشي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ؟ فالجواب: أنه غير متناوله، لأنه يقرب التهكم بهم في كون حالتهم مساوية بحالة غيرهم، ولا يحصل ذلك إلا بالتصدير لهم، الزمخشري: يكب من أكب، وليس هو مطاوع كب انتهى، ولم يبين وجه كونه غير مطاوع، وبيانه أن فعل المطاوع هو الذي يقع سببه من غير فاعله، كقولك: كسرته فانكسر، وغير المطاوع منه مقصور على فعل فاعله، مثل قام وقعد، وأكب هذا، يقول: أكب لمن اتصف [بالانكباب*] ابتداء من غير أن يكبه أحد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ ... (٢٣)﴾
إنما أعاد لفظة (قُلْ)، هذه خاصة، لأن عرف القرآن أن لَا يعاد لفظ (قُلْ) إلا حيث يراد التشريف والتعظيم والتشديد في الحكم، ولما كان جميع الآيات المتقدمة الاتعاظ فيها بآي خارج عن ذات الإنسان، والوعظ في هذه في أمر راجع لذاته [فأفهم*]، وأبلغ في الاتعاظ، والحصر بالضمير، والموصول يقتضي ألا مصور إلا الله تعالى، فمن نظر وتأمل وتحقق أن ذلك لَا بد له من فاعل، والفاعل لَا يصح أن يكون له فاعل آخر، [لئلا*] يلزم عليه التسلسل، ودلالة التمانع تحقق أن لَا موجد له إلا الله .
قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ).
стр. 1566
أفرد السمع وجمع الأبصار، إما لأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه فلا يثنى ولا يجمع، وإما لعمومه في جميع الجهات من غير حاجة إلى زيادة معه، لأن الإنسان يسمع كلام من خلفه وفوقه وتحته ويمينه وشماله من غير أن يقبل إلى تلك الجهة، بخلاف البصر لَا يبصر إلا من هو أمامه، ويحتاج في إبصاره من خلفه إلى حالة أخرى، وهي تكلف الانتقال إلى تلك الجهة، أو لأن الغالب [تساويهم*] في السمع وعدم تساويهم في الإبصار، وتكرر ذكر السمع والبصر في القرآن في مواضع في سورة الأنعام، وفي النحل، وفي الإسراء، وفي السجدة في موضعين، وفي الجاثية في غير موضع، فإن قلت: تقديم الأبصار على الأفئدة دليل على أنه سلك في الآية مسلك الترقي، قلت: إنما قدم السمع والبصر عليهما؛ لأنهما مقدمان في الوجود، لأن الأفئدة إنما ذكرت من حيث التعقل بها والتفكر [والتأمل*]، فيسمع ويبصر ولا يعقل شيئا، فإِن قلت: قد ذكر الفخر، والأصوليون أن المحسوسات فرع المعقولات، فلا يبصر الإنسان الشيء أو يسمعه حتى يتعقله، والأصل [تقدمه*] فلم أخره عنه؟ فالجواب: [أن*] المعقولات على قسمين: فالأمر الضروري منها البديهي متقدم على المحسوسات، والنظري منها المحتاج إلى الفكر والتأمل متأخر عن المحسوسات.
قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ).
إن أريد العموم في المسلمين والكافرين، فالتقليل على حقيقته، وإن أريد الخصوص بالكفار؛ فالتقليل بمعنى العدم، مثل مررت بأرض قل ما تنبت [البقل*].
قوله تعالى: ﴿ذَرَأَكُمْ ... (٢٤)﴾
الذرأ ثاني رتبة عن الخلق.
قوله تعالى: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾
سماه [وعدًا*] مع أنه وعيد، إما لأنهم يسألون المؤمنين عن الثواب الذي يناله المؤمنون متى يكون، وإما وعد للمؤمنين وتبشير لهم بنصرهم عليهم، أي هذا الذي بشرتم به من نصركم علينا متى هو.
قوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٢٧)﴾
المراد بالوجوه إما الحقيقة، والمراد أنهم نالهم عذاب حقيقي تغيرت منه وجوههم فقط لمعاينته دون الحلول فيه، وإما مجاز عن [عذابهم كليا*] فيكون العذاب حسيا في جميع أبدانهم، أي لما عاينوه نالهم دخانه [وشرره*]، وغالب
стр. 1567
الاستعمال أن الوجه إنما يعبر عن الذات عند إرادة التشريف، فيعبر عنها بأشرف الأشياء، قال تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، وفي حديث مسلم [سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ*] وأوقع الظاهر موقع المضمر، فلم يقل وجوههم إنما تعظيما لهول ما اتصفوا به، وتنبيها على السبب الذي استحقوا به ذلك العذاب.
قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ ... (٢٩)﴾
هذا ماض متصل بالحال، فهو بمعنى اسم الفاعل، وفيه دليل على جواز أن يقال: أنا مؤمن دون زيادة إن شاء الله تعالى، وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأنفال، وأورد الزمخشري سؤالان: وهو لو قال (آمَنَّا بِهِ)، فأخر المجرور، ثم قال (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)، فقدمه، وأجاب: بأنه تعريض لهم لاتصافهم بعدم الإيمان انتهى، ويرد بأنه لو أريد التعريض بهم، لقيل به آمنا فيفيد الحصر والاختصاص، وإنما الجواب: أنه لما عهد في الشرع خصوصية التوكل بالله تعالى أتى به محصورا، وأتى به في الشرع عدم اختصاص الإيمان بالله تعالى، قال تعالى (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ)، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) الآية، وفي حديث القدر "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ" الحديث فلذلك [لم يأت*] به محصورا.
قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
استغنى بهذا عن ذكر [من لم يذمه*] أي ومن هو مهتدٍ.
قوله تعالى: [(إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا ... (٣٠) *]
إن قلت: هلا قيل: إن أصبح ماؤكم عدما، فهو أعجب وأغرب، ولأن الزمخشري حكى عن بعض الشطار أنه قال: [تجيء به الفئوس*] والمعاول، فلو قيل: إن أعدم ماؤكم لما اغتر هذا الضال، وقال ما قال، لأن العدم لَا تخرجه [فئوس*]، بخلاف الغائر فإِنه يتوهم أن [الفئوس*] تكشف عنه؟ فالجواب: أن هذا أبلغ في باب التخويف، لأنهم إذا عجزوا وخوفوا بعدم إدراكهم الماء إذا غار في الأرض، فأحرى أن لَا يقدروا عليه إذا عدم من أصل.
قوله تعالى: (مَعِينٍ).
ابن عطية: فعيل من مَعَنَ الْمَاءَ، إذا [كَثُرَ*]، أو مفعول من العين أي جار على العين أصله معيون انتهى، اشتقاقه من العين الجارية صحيح، لكن كونه بمعنى مفعول باطل،
стр. 1568
لأن فعل العين غير متعد، [فيقال*] عان يعين، أي جرى يجري، والفعل القاصر لَا ينبني منه مفعول، [من*] فعل العين، فإن قلت: إنه متعد بحرف الجر؟ قلت: كان يجب ذكره معه، فيقال: معين فيه كما يقول: [ممرور به*] ولا يجوز [ممرور*]، وكان الشيخ عبد السلام القاضي يحكي عن سيدي أبي محمد المرجاني نفع الله به أنه كان يقول جواب هذا الاستفهام، وهو (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
* * *
стр. 1569
سُورَةُ (ن وَالْقَلَمِ)
[(ن وَالْقَلَمِ ... (١) *] النون والقلم إن فسرناه بالمعهودين، ليس منحصرا صدوره من القلم، بل بإيجاد الله تعالى أو بواسطة أداة غير القلم لم يقدم القلم على النون.
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾
انظر الزمخشري: ما اعترضه به أبو حيان وما أجاب به المختصر السفاقسي، وحاصله أن أبا حيان منع تسلط النفي على الشيء دون ما قيد به، والسفاقسي أجازه، والصواب أن يقال: إما أن يقدر ذلك القيد داخلا قبل النفي وبعده، فإن كان قبله لزم من نفي ما هو قيد فيه نفيه هو، وإن كان بعده فالقيد مثبت، والجنون [منفي*] أي ما أنت بسبب وجود نعمة ربك مجنون، فيكون قيدا في النفي، لَا في الجنون المنفي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾
الإتيان بلفظ (على) إشارة إلى حصول ذلك له دون [تكلف*]، وهذا إشارة إلى شدة جهلهم وغباوتهم؛ لأن الحق العظيم في غاية الجلاء والوضوح، فمن يكذب به في غاية الجهل والغباوة، قال عياض في الشفاء الخلق العظيم: قيل: هو القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: الطبع الكريم، وقيل: ليس لك همة إلا الله، قال الواسطي: أثنى عليه بحسن قبوله لما ابتدأه إليه من نعمه وفضله [بذلك*] على غيره، لأنه [جبله*] على [ذلك*] الخلق ثم أثنى على فاعله وجازاه عليه، ثم تلاه على قولهم بما وعده من عقباه وعقابهم بقوله تعالى: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ)، ثم عطف بذم عدوه فقال تعالى (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)، إلى قوله تعالى: (أسَاطِيرُ الأَوَّلينَ)، فذكر بضع عشرة خصلة من الذم [ختمت*] بتمام شقائه فقال تعالى (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)، فكانت نصرة الله [له*] أتم من نصرته لنفسه.
قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ ... (٥)﴾
عبر بالمسقبل مع أنه ﷺ عالم بذلك في الحال، لأن الخطاب بذلك عام في جميع النَّاس، وكل واحد لَا يدري بماذا يختم له من ضلال أو هداية.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ ... (٧)﴾
عبر بالماضي لما كان الضلال راسخا فيهم ذاتيا لهم، وكذلك أبقى الجملة مؤكدة بـ (إِنَّ) والباء.
قوله تعالى: (بِالْمُهْتَدِينَ).
стр. 1570
عبر بالاسم هنا، وقال في سورة النجم (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى)، فعبر بالفعل؟ والجواب: أن المراد بتلك الآية عموم تعلق علمه بمن اتصف بمطلق الضلال، ومن اتصف بمطلق الهداية، والمراد بهذا المدح والثناء على النبي ﷺ ، فعبر فيها بالاسم الدال على ثبوته على الهداية واتصافه بأكمل صفاتها وأبلغها.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾
الموافقة والمساعدة والطاعة مترادفة، فخصص الطاعة منها لاستلزامها سلب المشاركة في فعلهم ومعبودهم، فالنهي عنها أبلغ، وهذا الخطاب إن كان للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو لشدة [تأسفه*] على عدم إيمانهم، فهي من ذلك كما قيل له في الآية الأخرى (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)، وإن كان الخطاب لغيره، فنهي عن الطاعة مطلقا، والطاعة عند الأصوليين موافقة الأمر، فيكون فيه دليل لقول ابن عرفة: [لا*] يشترط في الأمر العلو؛ بل الاستعلاء فقط، لأن هؤلاء ليس فيهم علو شرعا، وإنما فيهم الاستعلاء.
قوله تعالى: (الْمُكَذِّبِينَ).
دليل لصحة قول من قال: إن الحكم إذا علق بمشتق من صفة، فإنه غير معلل بتلك الصفة للإجماع لابن التلمساني، فإن قلت: هنا قرينة أفادت أن النهي عام؟ قلت: الأصل عدم القرينة.
قوله تعالى: ﴿فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾
إن قلت: لَا يصح أن يكون معطوفا على (تُدْهِنُ)، لأن التمني لَا يكون إلا فيما يمكن وقوعه، فيلزم أن يتمنى الإنسان فعل غيره، [والتمني*] لَا يتعلق بفعل غيره، قلت: هو مسبب ناشئ عن دهنه، فليس هو بفعل الغير صرفا، وفيه نظر لأنهم خلطوا بين التمني والترجي؛ بأن التمني يكون في الممكن وفي المستحيل؛ بخلاف الترجي، واحتجوا بقول الشاعر:
يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رَوَاجعَا
وليت للتمني.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ ... (١٠)﴾
стр. 1571
قيل: هو نهي عن الأخص، فلا يستلزم النهي عن الأعم، وفيه رد على من قال: إن (كل) إن كانت بعد نهي أو [نفي*] عمت، لأنها نزلت في شخص، وذكر ابن الصفار في شرح سيبويه أن الشلوبين نقل عن ابن أبي العافية: أن (كلًّا إذا كانت منصوبة لَا تفيد العموم، وإذا كانت مرفوعة تفيده [كقوله*]:
قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ
وفيه [ ... ] وتعقبه عليه الشلوبين، وقال: لم [يحكه*] سيبويه بوجه، قال ابن الصفار: بل حكاه سيبويه في باب المنصوب انتهى، والذي حكى الأصوليون أنها تفيد العموم مطلقا، وهي هنا كلية، فمن اتصف بإحدى هذه الصفات يكون منهيا عن طاعته، فإِن قلت: فما وقع منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلح الحديبية من طاعتهم؟ قلت: إنما ذلك موافقة، [والموافقة لا تقتضي*] طاعة؛ كما هو موافق لهم في [الاعتراف*] بوجود الله تعالى، أو يكون ذلك بوحي، وقد وافقهم على أن [من يأتيه منهم*]، [يرده*] عليهم، وعلى ذلك وقع صلح الحديبية.
قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾
إن قلت: يؤخذ منه ترجيح الفقر على الغَناء، لأن الغَناء سبب طغيان هذا؟ فالجواب: إن هذا إنما طغى بمجموع المال والبنين، وقدم هنا وفي سورة الكهف المال على البنين؛ بخلاف ما في آل عمران؟ والجواب: أن مناط الشهوة في الأعم النساء، ومناط الزينة في الغالب المال، وأما البنون فمحبتهم أشد من محبة المال، لأن الإنسان يفدي ولده بماله كله، وقدم هنا المال؛ لأنه أقوى الأسباب في الطغيان، قال السهيلي: [ ... ] الاتصاف إلا إلى ما هو أشرف منه وعكسه صاحب، فتقول أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تقول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحب [أبي*] هريرة، قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)، وقال تعالى (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)، انتهى، وانظر ما قال عياض في الشفا: فإِن صَاحبكم (١)، وانظر قوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ).
قوله تعالى: ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾
إن قلت: لم عدل الإضافة فلم يقل على خرطومه؟ قلت: لأن الإضافة فيها نوع استحقاق واختصاص، فعدل عنها لسلب هذا المعنى حتى كأنه لَا يستحق أن [يُجعَل*] له خرطوم، لعدم المبالاة به، فيصير الأنف منه أجنبيا عنه.
стр. 1572
قوله تعالى: ﴿كَمَا بَلَوْنَا ... (١٧)﴾
التشبيه إما معنى بمعنى أو محسوس بمحسوس، لأن (ما) إما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي، ويقع [بمن تعلق سببه، وبمن لم يتعلق*]، قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) وقال تعالى (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا)، والعقوبة لَا تقع إلا بمن فعل [شبهها*]، وهم [لم يفعلوا*]، لكن عزموا على الفعل، قال القرطبي: [يؤخذ منه*] أن العزم على الفعل يؤاخذ به.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾
يحتمل أن يكون مقسما عليه [أو لَا*]، الزمخشري: فإن قلت: لم سمي استثناء، وإنما هو شرط؟ قلت: لأنه يؤدي [مؤدى*] الاستثناء من حيث إن [معنى قولك*] لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله. واحد انتهى، موجب هذا السؤال أن الاستثناء بالمشبه إن كان حقيقة لغوية فما وجهه، لأنه شرط الاستثناء، وإن كان في الشرع [مجازا*] فأين العلاقة.
قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ... (١٩)﴾
إن قلت: هلا قيل: من الله من العزيز الجبار، فإِن لفظ الرب يشعر بالرحمة والرأفة، والمحل محل العزة والانتقام؟ فالجواب: من وجوه:
الأول: أنه تخويف لقريش، أي إذا نالهم هذا مع استشعار الرحمة، فأحرى مع استشعار العزة والانتقام.
الثاني: أن السؤال إنما [يَرِدُ*] لو قال: طائف من ربهم، وإنما قيل: من ربك.
الثالث: أن [مآلهم*] عاقبته الرأفة والرحمة، لَا العقوبة؛ لأنهم تابوا أو حسنت توبتهم.
قوله تعالى: (وَهُمْ نَائِمُونَ).
إن قلت: ما أفاد مع أنه مفهوم؟ فالجواب: من وجوه:
الأول: أنه إشارة إلى أنهم أخذوا حالة أمنهم وطمأنينتهم.
الثاني: [لما*] قصدوا صرامها في خفية عن المساكين، فعوقبوا بخسفها في خفية عنهم.
الثالث: هو إشارة إلى أن السبب في عقوبتهم بذلك مجرد عزمهم على صرامها خفية عن المساكين، أي عوقبوا به وهم في حالة لم يشتغلوا فيها بمعصية ولا مخالفة،
стр. 1573
بل كانوا نائمين فما الموجب لعقوبتهم إلا مجرد عزمهم وقسمهم، وعادة الله في إهلاك أكثر الأمم كونه على غرة وغفلة.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ ... (٢٢)﴾
عداه بـ على، لأن الذي يقطع ثمر النخل يستعلي عليها.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ).
صرام النخل بالفعل متأخر عن الغدو عليها، فلا يكون عليها شرطا في الغدو، ولأن الشرط متقدم على المشروط، فيتعين أن المراد إن كنتم عازمين على صرامها.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾
وقال تعالى بعده (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) لأن الظلم معصية قاصرة على نفس الإنسان، والطغيان معصية متعدية لغيره، [وهم*] ظلموا أنفسهم بقسمهم وعدم استثنائهم، وطغوا على المساكين بعزمهم على منعهم من عادتهم.
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا ... (٣٢)﴾
قال ابن عصفور: [كل ما*] وقع في القرآن من عسى [فهي*] واجبة، إلا قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ)، وتقدم الرد عليه، واستثناء هذه [لو كان*] صوابا، لأن التبديل هنا لم يقع إلا أن يجيب: بأن ذلك في عسى، إذا كانت من الله تعالى، وهذه من كلام أصحاب الجنة.
قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ... (٣٣)﴾
وقف بعضهم على أكبر، وجواب لو محذوف أي لاهتدوا، وهو حسن.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... (٣٤)﴾
تقديم المجرور هنا واجب، لأن الضمير في (رَبِّهِمْ) يعود عليه، فلو أخر عليه لأدى إلى عود الضمير على ما بعده لفظا ورتبة.
قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾
ابن عطية: لما نزلت (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، قالت قريش: إن كانت جنات، [فلنا*] فيها [أكبر الحظ*]، فنزلت (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) انتهى، لو كان كما قال: لقيل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين، لأنهم أثبتوا للمسلمين فيها حظا، وادعوا أن لهم مثله [وأكبر منه*]، فلو روعي في الآية مقتضى السبب لقيل: أفنجعل
стр. 1574
المجرمين كالمسلمين، وإنما رِوعي فيها مناسبتها لما قبلها، لأنه لما قال في آية المجرمين (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ)، فأتى فيه مطلقاً غير محصور فيهم، وعقبه بقوله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، أتى بهذا التشبيه نفيا لما قد يتوهمه أحد من أن ذلك العذاب قد ينال المتقين بعضه، وإن قلَّ؛ أي [أفنجعل*] المسلمين في العذاب كالمجرمين، أي ليسوا مثلهم في لحوق العذاب، فلا [يلحقهم*] منه شيء ألبتَّة، قيل: [أفنجعل*] المتقين، وقال الزمخشري: معناه [أنحيف في الحكم*] فنجعل المسلمين كالمجرمين، فإن قلت: هلا قيل: أفنجعل المتقين كالمجرمين؟ قلت: كلما ناقض الأعم شيئا ناقضه الآخر.
قوله تعالى: [(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ ... (٣٧) *]
هذا الترتيب على ما يقوله الأصوليون من أن المنقولات السمعيات فرع للمعقولات، أي هل لكم على دعواكم دليل عقلي نظري؟ أم لكم دليل سمعي نقلي وجدتموه في كتبكم الذي تدرسونها؟
قوله تعالى: (فِيهِ تَدْرُسُونَ).
لم يقل: [فيه تحفظون*]، فأجاب بعضهم: بأن الغزالي في المستصفي في باب الاجتهاد، وإمام الحرمين في البرهان: [أجابا*] بأن المجتهد لَا يجب عليه حفظ القرآن، وإنما [يطالب*] بحفظ آيات الأحكام فقط، قال الغزالي: وهي خمس مائة آية، ولا يلزمه حفظ آيات القصص والأخبار، وعبر بالدرس دون الحفظ أو القراءة إشارة إلى [قولهم:*] إن العلم لَا يحصل إلا بالتكرار والممارسة والدراسة، وكذا حكى ابن سهل في أحكامه: أن اللؤلؤي سئل [عمن*] يوصي بعبده لبعض ورثته، إن أجاز باقيهم، فإن لم يجيزوه له فقد أوصى بعتقه من ثلثه، فأفتى بأن الوصية ماضية، وخطأه فيها ابن زرب وغيره، والمسألة منصوصة في المدونة في آواخر العتق، الثاني: قال ابن سهل وما سبب ذلك إلا أنه كان في آخر عمره، ترك دراسة العلم ومطالعة الكتب لكبر سنه [فنسي*] كثيرا من مسائله، وحكى المازري في العلم في حديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] "، أن شيخه عبد الحميد الصائغ انقطع في آخر عمره للعبادة، حتى كان إذا سئل عن بعض المسائل، يتوقف فيها ويحيلنا على غيره.
стр. 1575
قوله تعالى: ﴿فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾
ظاهره حجة لمن يقول: بأن [في كل*] نازلة للمجتهد أن يحكم بما شاء على القول بأن ليس لله في كل نازلة حكما معينا، وأما على القول بأن له في [كل*] نازلة حكما معينا، فلا يحكم إلا بما أداه إليه اجتهاده.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ ... (٣٩)﴾
أي عهود ومواثيق، والمراد بالكتاب الذي فيه يدرسون ما اشتمل عليه الكتاب من الألفاظ الظاهرة الدلالة، والمراد بالأيمان [البالغة*] الألفاظ الدالة قضاء، أو المراد بالأول النص، وبالثاني [**تركيب الخصوص]، أو المراد بالأول: الدليل السمعي المعجزي، وبالثاني: الدليل السمعي غير المعجزي، فإِن الوحي قسمان، فالقرآن معجز، والسنة غير معجزة.
قوله تعالى: (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ).
يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أي لكم لحكما إذا كان ذلك، والغرض أنه لم يكن فلا حكم لكم، وجعل الزمخشري الأول قسما وهذا جوابه، أي [أم ضمنا منكم*] وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة [متناهية*] في التوكيد (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ).
قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾
لو قيل: أفيهم أو هل فيهم زعيم بذلك، لكان المعنى السؤال عن وجوه الزعيم فيهم بالأصالة، وإنما قيل: سلهم أيهم بذلك زعيم، فإِما أن يكون المعنى أنهم ادعوا أن فيهم زعيما بذلك، أي ضامنا متكفلا بتصحيح ما قالوه، فيسألوا عن تعيين ذلك الشخص الزعيم فالسؤال حقيقة، وإما أن لَا يكونوا ادعوا أن فيهم زعيما بذلك، فيكون السؤال مجازا من باب نفي الشيء بإيجابه، كقوله: عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ، أي ليس له منار فيهتدي به، والمعنى ليس لهم زعيم فيسألون عن تعيينه، فالسؤال تعجيز لهم، أو من باب انتفاء الشيء لانتفاء ملزومه، لأنه [تعالى*] أمره ﵊ أن يسألهم عن تعيين، وكذلك الكلام في (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ)، وتفسير القرطبي الزعيم [بالرسول*] ضعيف، لأنهم ما ادعوا قط أن فيهم رسولا، وليس القرطبي من أهل التفسير (١)؛ لأنه يجلب الغث والسمين، وما زال الشيوخ لَا يعتبرون كلامه في التفسير.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ ... (٤١)﴾
стр. 1576
حمله ابن عطية على أصنامهم وآلهتهم التي ادعوا أن لها نصيبا في العبادة، كما قال تعالى (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، وحمله الزمخشري على الشركاء الموافقين لهم في العبادة، والظاهر الأول، إذ ليس ثم [كفارٌ ولا لهم*] نظائر في شركهم، وأيضا فيعكسون هم ويقبلون النكتة، فيقولون: هل لكم أنتم من يوافقكم في توحيدكم وعبادتكم، والسؤال هنا على حقيقته اللغوية، فالمراد به مطلق الطلب في اصطلاح الأصوليين، لأن السائل هنا أعلى من المسئول.
قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾
الاستطاعة في اصطلاح المتكلمين هي القدرة على الفعل، ومن شرط القدرة عندهم مقارنتها لمقدورها، لأن الغرض عندهم لَا يبقى زمنين، فلا يقال في الجالس المتمكن من القيام، [لا يستطيع*] القيام حتى يقوم بالفعل، وأما في اللغة فهو التمكن من الفعل، فإذا فسرناه بالمعنى اللغوي فيصدق عليهم كانوا قبل ذلك مستطيعين، كما قال الزمخشري، ثم يعود ظهرهم طبقا، كما في البخاري في آخر كتاب منه.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾
كان بعضهم عند قراءة هذا المحل [يصيح*] ويقول: والله ما سلموا، وهذه [قَلقَةٌ*] لكن مراده صحيح، لأن معنى سالمون متمكنون من الإتيان بالتكليف حتى لَا عذر لهم، ومعنى قول القائل: ما سلموا، أي أن اللَّه علم أنهم لَا يؤمنون ولا [يهتدون*]، فهو من باب التكليف بما علم الله أنه لَا يقع، ولو لم يكن هذا مراده، [لكان*] كفرا لمخالفته صريح الآية، فحاصله عدم [اتحاد*] المثبت في (سالمون) والمنفي في ["ما سلموا"*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾
قيل: يؤخذ منه جواز إطلاق مثل هذا من غير توقف - على مقابله؛ كـ[(مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) *]
أجيب: بأن القرينة السياقية كاللفظية.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ... (٤٨)﴾
الحكم هنا القضاء الذي هو صفة [فعل*] الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين.
قوله تعالى: (وَهُوَ مَكظُومٌ).
كون الحال جملة، وهو أبلغ من كونها مفردا، لأن في الجملة إسنادين:
стр. 1577
أحدهما: المحمول، والثاني: ضميره العائد على الموضوع، والموضوع مسند أيضا إلى صاحب الحال، ففيه التقوية، وزيادة الاعتناء ثلاث مرات، وذلك مفقود فيما إذا كانت مفردة.
قوله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ... (٥٠)﴾
إن قلت: القصد بذكر المشبه به الذي [هو*] حال صاحب الحوت للمشبه، وهو النبي ﷺ التنفير عن الاتصاف بحالته التي هو فيها [مملوء غيظا*]، وهذه الأوصاف لَا مدخل لها في التنفير، بل ربما يفهم منه نقيضه، فما وجه إردافها لحالة التنفير؟ فالجواب: أنه نفي لما يتوهم من [جعْلِ*] قدرٍ مناسبٍ للأنبياء من هذه الحالة من الغضب [يوجب*] نقصًا فيهم.
* * *
стр. 1578
سُورَةُ الْحَاقَّةِ
فسر الزمخشري (الْحَاقَّةُ (١) .. بثلاثة تفاسير: الأولان: حقيقة، والثالث: مجاز.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾
القارعة من أسماء القيامة، ويرد في الآية [ما*] يذكره البيانيون في حسن الائتلاف، وهو أن الذي يقتضيه حسن الائتلاف، كذبت ثمود وعاد بالحاقة، والجواب من وجهين:
الأول: أتى أولا بلفظ الحاقة دليلا على ثبوتها، [وتقرير*] حقيقتها في النفوس ثم عقب ذلك بلفظ القارعة الدالة على ما اشتملت عليه من الأهوال والقوارع والزواجر.
الثاني: وصفها أولا فيما يرجع إلى حالها في نفسها، وهو كونها حقا ثابتا، وذكر ثالثا: حالها باعتبار صفتها، ولا شك أن حكم الذات متقدم [على*] حكم صفتها، فذكر أولا حكمها في ذاتها، ثم حكمها في صفتها.
قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ ... (٧)﴾
لم يقل: سلطها عليهم لما يقتضي لفظ التسخير من سيرها على حكم الله تعالى.
قوله تعالى: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ).
اختلفوا في مسمى [اليوم*]، هل هو النهار أو مجموع الدورة، ووقع في كتاب العتق الثاني من المدونة ما يدل على أنه النهار، فيمن قال لعبده: إن أديت اليوم مائة دينار فأنت حر، [فمضى*] اليوم، ولم يؤد إليه شيئا فلابد من التَّلَوُّمِ له، وهذه الآية تدل على أنه النهار؛ لذكره في مقابلة الليل، فلو كان في اللغة [مجموع*] الدورة للزم هنا في إطلاقه على النهار، إما الاشتراك أو المجاز، وكلاهما مرجوح، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وروى ابن عطية عن ابن عباس: لم ينزل من السماء [قطرة ماء إلا*] بمكيال [على يد ملك*]، ولا هبت ريح إلا كذلك، إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإِن الله أذن لهما في الخروج من غير إذن الخزان، وقال الزمخشري: روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر مثل ما تقدم، قال: فإن الريح [عتت*] على الخزان، فلم يكن لهم عليها سبيل، وكذلك الماء يوم نوح انتهى، فإن قلت: ابن رشد ذكر في جامع البيان أن الله تعالى ما أرسل على قوم عاد من الريح إلا مقدار الخاتم، فتراه أرسل عليهم بمقدار، فكيف يفهم ذلك مع قال المفسرون هنا؟ فالجواب: أنه فتح لها مقدار الخاتم ولا يدري مقدار ما يخرج، إلا الله فهي تخرج بلا كيل، وفي العتبية سئل: هل
стр. 1579
تكره الحجامة والاطلاء يوم الأربعاء ويوم السبت، لأن [الحسوم*] على هؤلاء دخلت بالأربعاء، فقال: لَا أرى بذلك بأسا.
قوله تعالى: (حُسُومًا).
أعربوه حالا مع أنه من المضاف إليه، لما تنزل المضاف منزلته صح وقوعه منه نحو (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، إذ مثل [الحمار حمار*].
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾
استفهام في معنى النفي، أي أهلك جميعهم، فلم يبق لهم شيء، فإِن قلت: قد قيل: إن هذه [ ... ] العادية التي عند قرطاجنة من بنائهم، وقد أخبر بذلك سيدي محمد نفع الله به في كتاب كراماته، أنه التقى عند المعلقة بالخضر ﵇، فأخبره بذلك وبأشياء من أمورها غير واحدة، قلت: المعنى أنهم لم تهلك منهم إلا الكفار، [فاستؤصلوا*] ولم يبق منهم، قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ ... (٩)﴾
هذا العطف يدل على أن الواو ليست للترتيب، لأن مجيء فرعون متأخر عن مجيء (مَنْ قَبْلَهُ)، إلا أن يقال: أنه ترتيب في اللفظ، [قال الفخر: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ*]، (وَمَنْ قِبَلِهِ) والباقون (وَمَنْ قَبْلَهُ)، ولم يحك أبو عمر المدائني هذه القراءة عن عاصم، وسئل شيخنا ابن عرفة: هل السبع متواتر أو لَا، فقال: أما مصحف عثمان فلا خلاف أنه متواتر، وعثمان لم يضع غير الأحرف فقط، وأما الشكل والنقط فلم يضعه، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقرأ النَّاس بقراءات كثيرة، أنزل بها القرآن، فبعضهم نقل عنه قراءة، وبعضهم نقل عنه أخرى؛ كما في حديث حكيم بن حزام، أنه قرأ سورة الفرقان على غير ما كان عمر يقرأها، فاختلفا حتى قال لهما النبي ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه"، فنسخ منه عثمان ﵁ سبع نسخ، وقيل: ست، وقيل: أربع، وبعث لكل قطر نسخة، وحرَّق ما خالفها لَا لكونه باطلا، بل لكونه غير مجمع عليه، ففي الشواذ ما هو صحيح لكنه غير مجمع عليه، كما أن في الأحاديث الصحاح ما ليس في كتاب مسلم والبخاري، فلما مر كل مصحف لقطر قرأها أهل ذلك القطر بتلك الأحرف، وقرءوا فيما يرجع إلى [التزام الضبط*]، كالمد [والقصر*] والإمالة والترقيق والتفخيم بما رواه بعضهم عن [بعضٍ*] بالسند الصحيح إلى النبي ﷺ ، وأما ما وقع في السبع من
стр. 1580
زيادة الأحرف كقراءة [من سوى*] نافع وابن عامر (وَسَارِعُوا) بالواو، وقراءة ابن كثير (مِنْ تَحْتِهَا) في براءة، بزيادة (مِنْ)، وقراءة نافع وابن عامر في سورة الحديد (وَاللَّهُ الغنِي) بحذف [هو*]، [والباقون بزيادتها*]، فهو من اختلاف نسخ عثمان فثبتت من في المصحف المنفي دون ما عداه، [وأثبتها*] هو فيما عدا المصحف الثامن [ووجه الجمع*] أن عثمان أسقطها [قصدا*]؛ لكونه صح عنده إثباتها [وإسقاطها*]، واختلف النَّاس في القراءات السبعة بعد اتفاقهم على ما في مصحف عثمان على أربعة أقوال:
الأول: أن الضبط والأداء بنية النطق من إعراب وإمالة ووقف وما يرجع [لإفادة*] الكلام في [ذاته*] [كـ (مَلِكِ)، [و (مَالِكِ)، (يَخْدَعُونَ) *] و (يُخَادِعُونَ) ظاهر نقل الإبياري في شرح البرهان عن الداوودي، أنها غير متواترة باعتبار الأمرين معا، وحكاه مكي في الكشف، وظاهر كلام ابن الحاجب: أنه لَا خلاف في تواتر مثل قراءة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، و (مَلِكِ). الثاني: إنها متواترة باعتبار الأمرين مطلقا، نقله الإبياري عن إمام الحرمين أبي المعالي [القول*] الثالث: إنها متواترة عند القراء فقط، المازري في شرح البرهان الرابع [إن ما*] يرجع [ ... ] متواترة، وما يرجع [لكيفية*] النطق غير متواترة، قاله ابن العربي في القواصم والعواصم، والإبياري ومن قرأ في الصلاة بقراءة يعقوب فصلاته صحيحة، قاله مكي في الكشف، وكذلك من يقرأ بالشاذ فصلاته صحيحة، وهذا في الشاذ الذي لم يقرأ بواحد القراء السبعة باعتبار إعراب أو إمالة أو نحو ذلك مما يرجع [لكيفية*] النطق بالكلمة مع ثبوتها في مصحف عثمان، وأما الشاذ الذي هو بلفظ غير ثابت في المصحف كقراءة عمر (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله)، فلا تجوز القراءة [به*] في الصلاة، قال المازري في شرح البرهان اتفاقا، وقال في شرح التلقين تخريج اللخمي عدم إعادة المصلي بها خطأ وزلة، وأما القراءة به في غير الصلاة فالأكثر على منعها، قاله مكي وعياض، اتفق فقهاء بغداد على [استتابة*] [**المبرد] أحد [المقرئين*] بها مع ابن مجاهد بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وقال ابن عبد البر في التمهيد: روى ابن وهب عن مالك جواز القراءة في غير الصلاة، وكذا قال الإبياري: المشهور من مذهب مالك أنه لَا يقرأ بها، وحكى ابن العربي في القواصم والعواصم ومكي في الكشف: أن يعقوب كان في [السبع*] وأخرج وأدخل [**الكناني]، قيل: برشوة، وقيل: بالإنصاف.
قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا ... (١٠)﴾
يدل على أن الفاء للجمع بين الشيئين من غير ترتيب، لأن العصيان واقع مع المجيء لَا بعده، ولا يتوهم في الآية التكرار، لأن [مجيئهم*] بالخاطئة وهو معصيتهم بعدم