← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إن قلت: هلا قيل: عضوا عليكم أناملهم، فالجواب: أنه إشارة إلى شدة غيظهم، وشغل بالهم بحيث يعضوا على أناملهم وأنامل غيرهم. قال ابن عطية: وواحدة الأنامل أنملة بضم الميم وفتحها والضم أشهر، ونقل بعض الطلبة، إن القاضي ابن حيدرة كان يقول: الفتح أشهر، وكذا قال ابن عرفة في كتاب الجنايات في المدونة. قال ابن عطية: عض الأنامل إشعار بغيظ النفس، كما أن قرع الأسنان إشعار بالندم. قال ابن عرفة: وقال الشهرستاني في أول كتابه نهاية الإقدام: لعمري لقد طفت المعاهد كلها، وقلبت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على لحية، أو قارعا من نادم. قال ابن عرفة: وكان الفقيه أبو علي عمر بن خليل، وغيره ينتقدون عليه قوله: واضعا كف حائر، قالوا: فإن هذا إبطال لمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأكثر أهل السنة لاقتضاء أنه حائر لم تقف على حقيقة أمر بوجه. قوله تعالى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ). قيل: إنه خبر كقوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ)، وكقوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) هو أمر المراد به الخبر، وقيل: إنه دعاء. ابن عرفة: والظاهر أنه خبر؛ لأنه مستقبل، أي يموتون بغيظكم، وليس الموت من فعلهم حتى يؤمرون. قوله تعالى: ﴿إِنَّ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ... (١٢٠)﴾ قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق الإخبار سالم المنافقين من المؤمنين في حال غيبتهم عنه عقبه بما يدله على فاعلهم منهم مطلقا في الغيبة، والحضور وكفى بالحسنة على الملائم بالسيئة على الشيء المؤلم، وأورد الزمخشري: أن لم ذكر السن في الحسنة والإصابة في السيئة؟ فأجاب بجواب لَا يقتضي، وأجاب ابن عطية: بأنه

стр. 387

تنبيه على شدة غيظهم، لأن العدو يتألم بحصول، أو في شيء ملائم لعدوه، ولا ينتفي من عدوه إلا بنزول عظيم البلاء به وأشده. قال ابن عرفة: وفي الآية حذف التقابل، قال: وذلك الأمر الملائم المعبر عنه بالحسنة سبب في الفرح، والأمر المؤلم المعبر عنه بالسيئة سبب في الحزن، فإذا مست المؤمنين حسنة جعل للمنافقين أمران ضرر في أبدانهم، وهو مشقة مشاهدتهم ذلك وسماعه وحزن في قلوبهم وإذا مست المؤمنين سيئة جعل للمنافقين بذلك تنعما في أبدانهم بشهادتهم لذلك، وسماعهم إياه، وفرح قلوبهم وابتهاج في نفوسهم، فكأنه يقول: (إِنَّ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) ويحزنون بها، وإن تصبكم سيئة تنفعهم ويفرحون بها؛ لأن السوء يهدي للتنعيم، والحزن ضد الفرح، أي إذا تنعمتم تضرروا هم وحزنوا فإذا أصابكم سوء في ضرر تنعموا وفرحوا. قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا). قال ابن عرفة: هذا من اللف والنشر للمخالفة، أي وإن تصبروا على مس السيئة وتتقوا ربكم إذا مستكم الحسنة. قيل لابن عرفة: كل إنسان لابد له من نيل الخير والشر، فهلا عبر بـ إذا الدالة على تحقيق الوقوع، فقال: إن أعم تدل على المحقق والممكن على فرض وقوع ذلك. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ). ذكر الزمخشري: قراءة الباء فقط وأنها راجعة للمنافقين ابن عرفة والقراءة بتاء الخطاب، فإما أن يراد بها: قل لهم يا محمد أن الله بما يعملون محيط، وهو إخبار عن إحاطة علم الله تعالى المؤمنين في سرهم وتقواهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ... (١٢١)﴾ قال ابن عطية: ذهب الطبري إلى أنها متصلة بما قبلها والظاهر عدمه؛ لأن تلك من منافي اليهود، وهذه ابتداء قصة المؤمنين في أمر آخر. ابن عرفة: والظاهر الاتصال، ويكون دليلا على أن عاقبة الصبر والتقوى حميدة؛ لأن هؤلاء لو ثبتوا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جمع المؤمنين واستشارهم، فقال عبد الله بن أبي وأكثر النَّاس: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم.

стр. 388

ابن عرفة: قال ابن عبد البر: إن الأكثر أشاروا عليه بالخروج لهم، الزمخشري: وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إني رأيت في منامي بقرة مذبوحة حولي، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلمة فأولتها هزيمة". قال ابن عرفة: الذي في السير، والحديث الصحيح، "فأولته رجلا من قرابتي"، فكانت وقعة أحد أصيب عمه حمزة، وابن عمته عبد الله بن جحش، وحامل رايته مصعب بن عمير ﵃، وكان من أبلى من المؤمنين في الكفار بلاء شديدا حمزة، وعلي بن أبي طالب، وأبو دجانة الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله ﵃، الذي في صحيح كتاب الرؤيا، ورأيت أني هززته سبعا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين يوم أحد، ثم هززته، ورأيت أيضا فيها بقر وأولته خيرا، فإذا هو النفر من المؤمنين يوم أحد. قوله تعالى: (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ). ولم يقل: أماكن إشارة إلى ما قالوا من أن الرماة كانوا خمسين، وأنه جعلهم خلفه من الخيل، وأمرهم أن يلبثوا هنالك فلذلك عبر بلفظ المقاعد إشارة إلى الثبوت والقعود فيها، وقوله: (تُبَوِّئُ) حالة مقدرة باعتبار أوائل الغد، ومحصلة باعتبار واسطة. قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ... (١٢٢)﴾ ثم قال: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إلى الذين هموا بالانصراف، خوف العجز والضعف على المبادرة، ثم ندموا على ذلك السر بل كان الله وليهم يصرف عزيمتهم على ذلك إلى نقيضه، وهو المقام والقوة توكلا على الله في الإعانة والنصرة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ... (١٢٣)﴾ ابن عرفة: التذكير بالنعمة على وجهين: تارة يقع مطلقا، وتارة يقع في كل الإياس منها، وهو أعظم وأشد في النفوس، وكذلك وقع هذا؛ لأن قبلها: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) قدروا النصرة في محل الإياس من النصرة.

стр. 389

قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ). لأنها في موضع الحال. ابن عرفة: لأن أن مفرد وما بعده، في حكمه؛ لأنها خفض بها، والمفرد لَا يبدل من الجملة، وكذا قال ابن القصار. قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ... (١٢٥)﴾ قيل لابن عرفة: كيف عبر بـ إن، وهلا عبر بـ إذا؟ لأن المراد أمرهم بالصبر الذي لا يقطع زمانه فأحرى مع إيقاع الصبر المحقق، وردهما ابن عرفة بأن الجواب إنما يترتب على فرض وقوع الشرط سوء أكان محققا أو غير محقق فلا يقع الإمداد إلا بعد ثبوت الصبر، قال: وإنما الجواب أنه عبر بإن تنبيها على كمال الملازمة ولا [تنافي*] بين الصبر والإمداد؛ لأن إن تدخل على [المحال*]، أي ولو كان الصبر منهم محالا، وفرض وقوعه فإن مددكم [بالملائكة*] يكثر نحو (إِنَّ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)، فإن قلت: أول الآية يقتضي الإمداد بثلاثة آلاف وآخرها بخمسة آلاف، فالجواب: أنه كما تقول للشخص: يكفيك أن ينصرك بعشرة من الخيل، فيقول لك: نعم، فتقول له: أنا أنصرك بخمسة عشر، أي أنصرك بما يكفيك وزيادة، فالأول اقتضى الإخبار عن نصرتهم بما يكفيهم، والثاني: اقتضى أنهم إن صبروا واتقوا ربهم ينصروا بأزيد مما أقروا به كافيهم، فإن الهمزة داخلة للتقرير عليهم، بأمرهم موافقون عليه، فقول: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) يقتضي أنهم موافقون على أن ذلك كافيهم، قلت: وتقدم لابن عرفة في الختمة الأولى: أن بعضهم قال: لم قال: (بِخَمْسَةِ آلافٍ) فاختص هذا العدد دون غيره قال: فأجيب بأن الألف هو نهاية العدد، وغايته، والجيش منقسم على خمسة ذكرها عياض في كتاب النكاح من إكماله، وهي الميمنة والميسرة، والمقدم والمؤخر، والقلب وسمي الساعة وهو الوسط، فجعل لكل قسم منها ألف يقابله فروعي غاية العدد لكل واحد منها. وقوله تعالى: (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا). ابن عرفة: نصرة الإنسان في هذه الحالة أقرب وأعجب؛ [لأنه عذاب مفاجئ*] فوري يأتي على غفلة، فلا طاقة لهم به. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ ... (١٢٦)﴾

стр. 390

ابن عطية: قيل: الضمير في جعله عائد على الإنزال والإمداد، الزمخشري: أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشرى لكم بأنكم منصورون، أبو حيان: وقيل: الضمير عائد على النصر، وقيل: على الوعد به. ابن عرفة: والظاهر أنه للوعد؛ لأن المباشرة مقدمة على المبشر به، فليس النصر مبشرا بل هو المبشر به. قوله تعالى: (العَزِيزِ الحَكِيمِ). ابن عرفة: الذي ينصركم إن شاء بسبب وإمداد، وإن شاء بغير سبب ولا إمداد. قوله تعالى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ الخيبة هو عدم الاتصال بالمطلوب والمراد هنا ما هو أخص من ذلك، وهو خسرانهم. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ (١٢٨)﴾ قال ابن عرفة: فيه عندي حذف التقابل؛ لأن التوبة لَا تقابل العذاب، وأنه تقابل المعصية، والتقدير، أو يتوب عليهم فيرحمهم، أو يدوموا على كفرهم فيعذبهم فحذف من الأول نقيض ما ذكر في الثاني، ومن الثاني نقيض ما ذكر من الأول. قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ). تأكيد لمقام الوعيد، واعتزل الزمخشري هنا وله فيها شبهة. لكن قوله تعالى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ (١٢٩) .. ظاهر في مذهب أهل السنة، وإذا تأوله الزمخشري على مذهبه فجعله لفا ونشرا، فيرد المغفرة، لقوله تعالى: (أَوْ يتُوبَ عَلَيْهِمْ)، والعذاب لقوله تعالى: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) ونحن نقول: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) من الكفار، أو العصاة، ويعذب من يشاء من الكفار أو العصاة بالإطلاق. وقال الزمخشري: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) توبته ونحن نقول: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) مغفرته سواء إن [ ... ] لابن عرفة: إن هذا مخصوص بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فقال: بل هو على عمومه، ويجعله مخصوصا بها لو كانت التلاوة يغفر لجميع الخلق، وإذا جعلته مخصوصا بها يلزم أن بعض من شاء الله المغفرة له لَا يغفر له بمعني أنه لَا يتوب وهو مذهب المعتزلة القائلين: بخلود العاصي في جهنم، وإن الله لم يرد عصيانه، بل هي

стр. 391

على عمومها، أي يغفر لمن يشاء المغفرة لهم، ويعذب من يشاء تعذيبه، وقولنا: العاصي في المشيئة بمعنى أنا لَا نعلم المشيئة به ما هو، وإلا فهو محكوم له في الأول بالشقاوة وبالسعادة، أو بالجنة أو بالنار. قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). ولم يقل: غفور شديد العقاب، إشارة لقوله سبحانه: "سبقت رحمتي غضبي". قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ... (١٣٠)﴾ قال ابن عطية: فهذا النهي في أنها أثناء قصة أُحد، ولم يذكر وجها لمناسبتها لما قبلها، وفرق ابن عرفة: وجه المناسبة بأنه لما تقدم الكلام في الكفار المخالفين في الاعتقاد عقبه ببيان أن ذلك الوعيد لَا يخص من خالف في الاعتقاد فقط، بل يتناول العصاة لإطلاق المخالفين في الفروع، [ومَن*] وافقوا في الاعتقاد فقط، فذكر أحد المخالفة وهي أكل الربا. قوله تعالى: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً). قال ابن عرفة: تضعيفه إما باعتبار تعدد الأشخاص المعاملين للرجل الواحد بالربا، أو باعتبار تعدده بين الشخصين المتعاملين في دين واحد، مثل الأول أن يكون للشخص الواحد دين لغرماء شيء، فيطلب كل واحد منهم أن يربي له في دينه ويؤخره به، ومثال الثاني: أن يكون على الشخص دين واحد فيحل غير يده فيه، ويؤخره به لأجل فإن تم محل فيربي به ويؤخره لأجل ثالث، وكذلك لرابع وخامس فهو أيضا (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) قيل لابن عرفة: يلزم في الآية المفهوم، وهو أن يكونوا إنما نهوا عن الربا المحصول على هذه الصفة، فإذا كانت فيه الزيادة مرة واحدة، لم يكن منهيا عنه؛ لأن النهي عن الأخص لَا يستلزم النهي عن الأعم، فقال: يقول: نهوا عن الربا المضاعفة مرة واحدة ويختار أنه يسمى تضعيفا، قلنا: وتقدم لابن عرفة في الختمة الثانية النهي عن الأكل منه يستلزم النهي عن استعماله في الإطلاق عن اللباس وغيره،

стр. 392

من وجوه التناول وعبر بالأكل؛ لأنه أحسن أوقاف الإنسان التي يشارك فيها البهيمة، وهما الأكل والجماع، وقوله تعالى: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) حمل النفس على التأكيد، وأن الربا ربا الجاهلية، ويحتمل أن يكون تأسيسا على ما قال اللخمي في كتاب الصرف: من أن الربا ثلاثة أقوال، قيل: هو فتح الدين بالدين، وهو ربا الجاهلية، وقيل: المراد به بيع حرم التعامل فيه؛ لأن الربا في اللسان هو الزيادة، وقيل المراد: كل بيع محرم كان تحريمه من جهة الزيادة أو غيرها، وهو قول عائشة وعمر. قال ابن عرفة: فعل القول الأول يكونوا نهوا من أكل مثل ربا الجاهلية، ومفهومه جواز أكل الربا غير المضاعف ببيع الطعام بالطعام إلى أجل، وبيع الذهب بالذهب متفاضلا. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ قال ابن عرفة: إن قلت: لم أتى في الرحمة بلفظ الرجاء مع أن طاعة الله والرسول لازمة للرحمة، فأجاب بوجهين: إما أنه على عادة الأمراء والسلاطين في وعدهم أنهم يعبرون على الأمر الثابت المحقق الذي يلتزمون فعله بلفظ الرجاء، وإما أنه باعتبار نية المكلف، وأنه يفعل العبادة غير معتقد ..... للثواب والرحمة بل بترجي ذلك، ويطمع فيه فقط، ولا ينبغي له أن يكتفي بعمله، ولا يقطع بذلك بوجه. قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... (١٣٣)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول المسارعة مفاعلة لَا يجعلها لتكلف بها إلا مع فعل الغير، وهي فرض على الأعيان لَا على الكفاية، فكل واحد من النَّاس مكلف بها أن يفعلها حالة فعل الآخر لها فيلزم عليه التكليف يفعل الغير، وهو تكليف ما لا يطاق، قال: فأجبناه نحن بأنه ليس المراد سارعوا بعضكم إلى مغفرة، وإنما المراد سارعوا الموت فكل واحد منا مكلف بل يسبق أجله بفعل الخيرات، والطاعة خوف أن يسبقه الأجل فيقطعه عن ذلك ويمنعه من دخول الجنة، فإن قلت: هلا قيل: إلى غفران من ربكم؛ لأنه جنس المغفرة مفرد، قال: فالجواب أنه لو قيل: إلى غفران لما تناول الأمن هو كثير النسيان فسارع إلى الغفران الكثير مع أن كل واحد لَا يخلو من ذنب يغض به، وإن قل فلما قال: (إِلَى مَغْفِرَةٍ) عم ذلك قليل السيئات وكثيرها، قال: هم محتاجون إلى مغفرة فهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنهم إذا أمروا

стр. 393

بالمسارعة لتحصيل قليل المغفرة فهو مأمور المسارعة إلى ما يجعل كثيرها من باب أحرى. قال ابن عرفة: فإِن قلت: أمروا بالمسارعة لتحصيل الأمر الملائم فهلا أمروا بالمسارعة إلى السلامة والنجاة من الأمر المؤلم المنجي من العذاب، فهو أولى؛ لأن دفع المؤلم آكد من جلب الملائم، قال: فالجواب أنه لو كان كذلك لما تناول إلا فعل الواجبات خاصة، وهي ما في فعله الثواب، وفي تركه العقاب، والقصد في الآية أمرهم بتحصيل الواجب المندوب، فلذلك عبر بالملائم دون الملام من المؤلم. ابن عرفة: وذكر المغفرة يستلزم السلامة من النار. ابن عرفة: والمسارعة تستلزم المسابقة؛ لأن من أسرع إلى الشيء فهو يسبق غيره إليه، ولا بد بخلاف المسابقة فإنه قد يسبق إليه من غير إسراع، وقال أبو جعفر الزبير: أنما قال هنا: (سَارِعُوا) وفي سورة الحديد: (سَابِقُوا) لتقدم المسارعة في التوبة على المسابقة فقدمت عليها في التلاوة؛ ولأن من سابق فقد سارع، ومن أسرع فقد سبق، وقد ... فعله سبق، وهو نص في حصول المقصود، وسارع من أسرع، وليس بنص في حصول المقصود؛ لأنه قد يسرع ولا يتصل بالغرض. قوله تعالى: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ). ابن عطية: كتب هرقل إلى النبي ﷺ كتبت إليَّ تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم " [فأين الليل إذا جاء النهار*] " ابن عرفة: والإشكال أيضا فيها نفسها؛ لأنها إذا كان عرضها السماوات والأرض فأين تكون هي مع أنهم قالوا: هي في السماء فكيف تحصيل الحرم الكبير والصغير لكن، أجيب بوجهين: الأول: قال ابن عرفة: هي كعرض السماء والأرض الآن، ثم يوم القيامة، ثم (تُبَدُّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) وتصير أكبر مما هي الآن عليه، فيمد في السماوات حتى تصير أكبر من الجنة فهل فيها.

стр. 394

الثاني: قال ابن عطية: إنها فوق السماوات، وأن السماوات بالنسبة إليها كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وكذلك كل [سماء*] أكبر من التي تحتها [ ... ] ثريا مقلوبة، ونحوه ذكر مكي: في سورتي الطلاق والحديد. وقال ابن عرفة: قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إذا جاء الليل أين يكون النهار"، قلنا: إن السماء [كورية*]، فيقول: يصير الليل عند قوم آخرين، وإنما يبقى الإشكال أنها كانت بسيطة، إساءة ظن حكم الفلاسفة بل هي السنة .... قال ابن عطية: والطول إذا ذكر لَا يدل على قدر العرض بل قد يكون الطويل يسير العرض، كالخيط. قال ابن عرفة: الصواب تمثيله بالخط عند من يثبت الجوهر الفرد فإنه طويل لا عرض له. قال ابن عطية: وقال قوم: معناه كعرض السماوات والأرض، كما هي طباق لا يأت بفرش كبسط الثياب. ابن عرفة: إنما يتم هذا على القول بأنها بسيطة، وإذا كانت كورية فلا عرض لها بوجه؛ لأن الكورة ليس لها عرض ولا طول، إلا كما يقول ابن عباس: إنها بسيطة ويقرن بعضها إلى بعض. قوله تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). قال ابن عطية: مذهب المنذر ابن سعيد، وغيره، أن الجنة والنار ليسا الآن مخلوقتين، وهو قول ضعيف، ومذهب جمهور العلماء لهما قد خلقتا، وهو ظاهر قوله تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ابن عرفة: ولا يلزم عليه كفر ولا إيمان، كما أنه لا يلزم أيضا على الاختلاف في السماء هل هي بسيطة، أو كورية كفر ولا إيمان. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ... (١٣٤)﴾ أي العسر واليسر.

стр. 395

ابن عرفة: يحتمل أن يكون جميع المؤمنين بالنسبة إلى المنفوق المتفق عليه، فهل المراد أنهم ينفقون في يسرهم وعسرهم، أو أنهم ينفقون على الموسر والمعسر، والأول أدخل في مقام المجد والثناء. قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). ابن عرفة: إذا عفى الإنسان عمن قتل ابنه فإنه يصح عفوه، ولا يجوز عفو عمن قطع الطريق عن ابنه. ابن عرفة: والمراد مجموع هؤلاء بحسب الإمكان فإن من النَّاس من لَا يعمل له أحد ما يوجب غضبه. قال الزمخشري: وعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم كلها إلا في الأمة التي مضت". قيل لابن عرفة: كيف وهذه الأمة أفضل من سائر الأمم، فأجاب بوجهين: إما أن يراد أن هذه الأوصاف فيهم أقل مما هي في مجموع سائر الأمم كلها لَا في أحد كل أمة على انفرادها، وإما أن يكون المراد أنهم لفضلهم وشرفهم الفساد فيهم، والعصيان بالنسبة قليل إليه في أحد كل أمة على حدتها، والعفو فيهم قليل بالنسبة إليه مع كل أمة على حدتها لعله لقلة سببها. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قال الزمخشري: يجوز أن يكون الاسم للجنس، فيتناول كل محسن، ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، ويجوز أن يكون للعهد والمراد به هؤلاء فقط. ابن عرفة: فإن كانت للعهد فيكون المحسن مرادفا للنفي، وإن كان للجنس فيكون المحسن أعم من المتقي، كما تقول: كل إنسان حيوان والحيوان أعم، وكذلك هنا كل متقٍ محسن. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ... (١٣٥)﴾ الزمخشري: أي فعلة زائدة القبح: (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم) معناه أذنبوا ذنبا أي ذنب كان.

стр. 396

ابن عرفة: جعل الزمخشري قسم الشيء قسما له؛ لأن الظلم أعم من الفاحشة والصواب أن يقال: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة، أو فيهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، فالفاحشة تطلق على ظلم النفس وغيره، وظلم النفس يطلق على الفاحشة وغيرها، فإذا ظلم نفسه بأدنى الظلم الذي ليس بزائد في القبح فليس بفاحشة، وإذا ظلم غيره بأقبح الظلم فهو فاحشة، وليس بظلم نفس، فإن قلت: الظلم قبيح منهي عن الاتصاف به، فهلا عبر بأن الدلالة على عدم الوقوع وعلى إرادة عدم الوقوع، فالجواب: أنه إذا كان جواب الشرط هو المقصود عبر بـ إذا كقولك: إذا ولي عمر بن عبد العزيز، فاسكن حيث شئت من البلاد وإذا ولي عبد مجدع الأطراف فاسمع له وأطع، فليس المراد ولاية العبد، وإنَّمَا المراد عموم الأمر بالسمع والطاعة، فالمقصود في الأول الشرط، وفي الثاني جوابه، وكذلك المراد هنا تأكيد الاتصاف بذكر الله تعالى والاستغفار، أي استغفروا الله لأجل ذنوبكم، وهذا هو التوبة، وفسر ابن عطية الإصرار بأمور وحاصلها فعل الذنب وعدم التوبة، فإن تاب منه فليس بمصر وهو خلاف ما قال ابن زيد، فإنه في الرسالة والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار، والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العودة إليه، فقال ابن عرفة: الإصرار أعم من ذلك لكن هذا أقبح صورة. قوله تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ). قيل لابن عرفة: يؤخذ من الآية أن من هم بالفاحشة ولم يفعلها أنه يغفر له، ولا يعاقب على ذلك، فقال: نعم، الحكم كذلك إلا أنه لَا يؤخذ من الآية، فإن قلت: فهلا قيل: من يغفر ذنوبهم إلا الله كما قيل: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)، فالجواب: أنه قصد عموم مغفرة الذنوب لهم ولغيرهم، ولاسيما على مذهب أهل السنة القائلين: بأن المعاصي في المشيئة فلا يلزم أن لَا يغفر الذنوب إلا التوبة بل يغفر بها وبغيرها، وذكر الزمخشري: هنا آثارا ظاهرها حسن يوافق عليه أهل السنة، لكن مقصده جاء غير حسن؛ لأنه إنما جلبها تقوية لمذهبه الفاسد وأنشد فيها لرابعة: ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لَا تجري على اليبس قال ابن عطية: وروى أبو بكر أن رسول الله ﷺ قال "ما من عبد يذنب [ذنبا*] ثم يقوم فيتطهر ويصلي ركعتين ويستغفر إلا [غُفر له*] " قال ابن عرفة:

стр. 397

الصلاة ليست بشرط في التوبة، وإنما ذكر من حيث كونها سببا في المغفرة فهي وصف لأنها شرط. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... (١٣٦)﴾ قال ابن عرفة: هذا من باب الاستعارة بالمطلوب وزيادة؛ لأنهم إنما طلبوا المغفرة فاسمعوا بها، وبزيادة النعم في الجنات. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... (١٣٧)﴾ قال ابن عرفة: الآية دالة على وجوب النظر والسير في الأرض إما حسي وإما معنوي بالنظر في كتب التواريخ المتعددة، بحيث يحصل للناظر فيها العلم، أو ما يقرب منه وهو أولى؛ لأن التواريخ المتقدمة يحصل بها من الكشف والاطلاع ما لا يحصل للناظر فيها العلم، أو ما يقرب منه وهو أولى؛ لأن التواريخ بالسير الحسي في الأرض لعجز الإنسان وقصوره، وماذا عسى أن يمشي من الأرض، وإذا نظر الإنسان شخصين يعرفهما أحدهما عالم عامل والآخر مسرف على نفسه ظالم لغيره متبع للضالة وقد ماتا فإنه يتحقق حرمان العاصي من النعيم، أو يظن ذلك، ويترجح عنده سلامة الطائع من العذاب، ويرجو ثوابه وتفقهه والأمور الشرعية إنما هي مبنية على غلبة الظن لا على اليقين، فهذا وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها. قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ قال ابن عرفة: وجه الترتيب أن البيان راجع للتصور، والهدى والموعظة راجعة للأول الراجحة فما وقع به التصديق فالمتكلف أولا يتصور الأشياء في ذهنه كلها ثم يهتدي إلى معرفة طريق الحق من تلك الأشياء المتصورة، وطريق الباطل فحكم بأن هذا حق، وهذا باطل وذلك تصديق، ثم بعد ذلك هو موعظة، أي مرجح لطريق الحق بالدليل والناظر فيه أولا يتصور به الأشياء، ثم يصدق فيحكم بأن هذا حق، وهذا باطل، ثم يستدل على حقيقة هذا وبطلان غيره، وترجيح اتباع الحق، ولذلك أسند البيان للناس؛ لأن التصور حاصل للجميع، والهداية والوعظ إنما حصلت للمتقين فقط.

стр. 398

ابن عرفة: والاتعاظ هو أن تقيس فعله بفعل غيره من العصاة، ويخاف أن ينزل به من العقوبة بمثل ما نزل بمن فعل ذلك وليهتدي فمن أطاع الله ويرجو أن يناله من الخير والثواب مثل ما نال ذلك الطائع. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ... (١٣٩)﴾ ابن عرفة: الوهن هو ذل وضعف في النفس بمؤلم مستقبل كسماعنا الآن ... عند النصارى وخوفنا منها أن تكون على ... فتحدث بذلك في نفوسنا روع وهلع، والحزن هو التفجع على أمر مؤلم وقع ومضى، وقدم الوهن؛ لأنه المقصود بالذات. قوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ). قالوا: إنه حال من الضمير (وَلَا تَهِنُوا). ابن عرفة: والصواب أنه مستأنف؛ لأنهم لم ينهوا عن الوهن في هذه الحالة بل مطلقا وهم الأعلون أيضا مطلقا سواء وهنوا أو لَا، فإن قلت: هلا قيل: أو كنتم مؤمنين؟، قلت: إنما عبر بأن تهييجا على الاتصاف بأن الإيمان ولاسيما أنها تعريض بالمنافقين فهم داخلون فيها فكذلك عبر بأن. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ... (١٤٠)﴾ قيل: جواب الشرط مقدر، أي: فلا ضعف ينالكم تأسيكم بهم وتسليكم بما لهم معكم، وما نالهم من أيديكم، وقيل: المذكور هو نفس الجواب. ابن عرفة: وكان بعضهم يجري هذا على الخلاف في لأن المذهب هل هو مذهب أو لَا؟، فإن قلت: إنه مذهب، فيكون المذهب هو الجواب، فإنه لازمة التسلي والتأسي بهم، فإِن قلنا: إنه ليس بمذهب، فالجواب: قوله ﵎: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) قال ابن عطية: سبب نزول الآيتين، أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كان بنوا إسرائيل أكرم على الله منَّا حين كان المذنب منهم يصبح، فعقوبته مكتوبة على باب داره، فأنزل الله هذه الآية توسعة ورحمة ومؤمنا من ذلك الفعل. قال ابن عرفة: وضم هذا السبب للآية نفيه أن المستغفر من الذنب مساو لمن يذنب، لكن إن من لم يذنب إن كان للعلم بفاعل الفاحشة، واجتنبها فليس مساويا له

стр. 399

بوجه، بل هو أعلى منه، وإن تركها حين عالم بفاعلها فهو مساو لمن فعلها واستغفر الله منها وقد جاء "التائب من الذنب كمن لَا ذنب له". قال ابن عطية: والذنب عطف على جملة ناس، وناس على جملة أخرى، وليس الذين تبعت كرر معه واو العطف؛ لأن تلك الطبقة الأولى منزه عن الوقوع في الفواحش. قال ابن عطية: أراد أنه من عطف الموصوفات لَا من عطف الصفات. ابن عرفة: وهذا [اعتزال*] خفي؛ ولذلك قال ابن عبد السلام: [**يحدنا منه]؛ لأنه إذا كان من عطف الصفات يكون داخلا تحت سنن المتقين، والزمخشري وأصحابه: لا يسمونه متقيا، ولذلك قال الزمخشري: أعدت للمتقين [وللتائبين*] فجعل المؤمنين ثلاث طبقات: متقين وتائبين عن الذنب، ومصرين عليه، [فسمي*] المذنب التائب متقيا. قيل لابن عرفة: لعل ابن عطية جعلها قضية حقيقية فسلم من الاعتزال، فقال: إنما تحتمل على أنها خارجية، وأما الحقيقية فبعيدة هنا، فإن قلت: هلا قيل: إذا عملوا؛ لأن العمل يصدق على الفعل الحسي والمعنوي بدليل حديث "إنما الأعمال بالنيات" وقال الفخر: أنه استثناء فيه النية والنظر، فجعلهما داخلين تحت مسمى العمل، فالجواب: أنه من باب استلزام الأخص أمر استلزمه الأعم من باب أحرى؛ لأنه إذا كان الفعل المسمى المعقب بالاستغفار مستلزما للمغفرة فأحرى أن يستلزمها المعنوي، فإن قلت: المراد نفي الفاحشة، والنهي عن فعلها حتى يصير كأنها من باب المحال، فلم عبر بـ إذا التي تشعر بتحقيق الوقوع، ولا تدخل إلا على الممكن أن التي يصح دخولها على الممكن، والمحال نحو: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) فالجواب: أنه يراد تارة ثبوث الشرط، وتارة يراد ثبوت الملازمة بينهما، فلو عبر بأن لاحتمل أن يكون ثبوت الملازمة بينهما محال؛ لأن (إِنَّ) قد تدخل على المحال فيستلزم محالات فعبر بـ إذا التي هي لا تدخل إلا على الممكن، والممكن إنما يستلزم ممكنا مثله، ولا يستلزم المحال أبدا.

стр. 400

قيل لابن عرفة: أو يجاب بأنه إذا الاستغفار يزيل الذنب أثر الذنب المحقق فعله فأحرى أن يزيل المشكوك في فعله، والذي يقطع فعله ولم يفعله، قال كاتب هذا سمعت من ابن عرفة في ميعاده، وكان أعطاني ليلة الجلوس براءة تجعله على هذه الدولة نصها، إن قيل: لم عدل عن أن التي لَا تدخل على محقق الوقوع، ولا إمكانه إلى ذا الدالة على ذلك، مع فعل الفاحشة المطلوب شرعا نفيه لَا أنواعه؟، قلت: لأن المقصود من هذه الشرطية إنما هو ثبوت الملازمة بين فعل الفاحشة والاستغفار منها، ولفظ إذا يدل على رجحان وقوع الفاحشة الملزوم لعدم امتناعها فثبوتها يدل على ثبوت ملازمها قطعا ضرورة امتناع وقوع استلزام وقوع الممكن للمحال، والمحال قد يستلزم محالات فلا يثبت نفس الملازمة بين فعلهم الفاحشة وبين استغفارهم، فإن قلت: فإذا كان فعل الفاحشة منهم محالا كان أبلغ في رفع درجاتهم، قلت: ليس المقصود من هذا القسم حصول هذه الدرجة، بل هذه حالة الطائفة الأولى، والمقصود الإخبار عن طائفة يمكن وقوع الفاحشة منهم إلا أنهم لَا يصرون عليها، بل مبادرون بالاستغفار منها عاجلا، انتهى نقله من خط ابن عرفة. قال ابن عطية: والفاحشة لفظ يعم جميع المعاصي، وفسرها السدي بالزنا. قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) دليل على أن ذلك إلا أن يقال هنالك: معرفة بالألف واللام العهدية. ابن عرفة: ويحتمل عندي أن الفاحشة هي المعاصي المتعدية للغير، والظلم هو المعاصي القاصرة على النفس، وهو أحد تفسيري الزمخشري: في قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ). قوله تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ). المكلف تارة بفعل الذنب ويستغفر منه وينوي أنه لَا يعود إليه، وتارة لَا يستحضر ذلك ونفي الإصرار يعم الوجهين. ابن عرفة: ما أفاد قوله (وَلَمْ يُصِرُّوا) بعد قوله تعالى: (ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) وهو يعني عنه لحديث ما أصرَّ من استغفر، فالجواب عنه مثل ما أجاب به الفخر في قوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) أي لم يصروا على ما فعلوه في المعاصي، وحالهم في المستقبل أنهم لو فعلوا فاحشة يستغفروا الله منها.

стр. 401

قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن الأول أفاد استغفارهم عن الفعل الواقع لهم ويبقي إليهم فعله، والعزم على العود، فأفاد قوله تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا) أو يجاب: بأنهم إذا فعلوا استغفروا لَا يعودون إلى الذنب مرة أخرى، فقال ابن عرفة: إذا عادوا إليه فهو ذنب آخر وفاحشة أخرى ليست منفية بعد الإصرار. قوله تعالى: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). قال الزمخشري: حال من فعل الإصرار وحرف النفي منتصبا عليهما معا وفسره بوجوه، ومنها قول بعضهم: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) إن باب التوبة مفتوح. ابن عرفة: والمعنى على هذا منصوب على الأول فقط دون الثاني. قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ). قال الفخر عن القاضي عبد الجبار من المعتزلة: إنها دليل على أن الثواب مربوط بالعمل، فقال ابن عرفة: نعم تدل على أن هذا الثواب الخاص العمل، وليس فيها حصر بأن لَا ثواب إلا على العمل، وأيضا فالعمل على الإيمان، ونحن نقول: إذا لم يحصل الإيمان فلا ثواب واعتزل الزمخشري ورقق عن مذهبه الفاسد بآثار ذكرها وخلط الصحيح منها بالسقيم، وما توافق عليه أهل السنة، وما يخالفون فيه جملة منه تحمله على الناظر وعمومه عليه، ومن جملتها قوله عن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب، وأرتجي الرحمة ممن لَا يطاق حمق وجهالة، أي ممن لَا يطيعه راجي منه الرحمة منه، وشهر بن حوشب: ضعيف عند المحدثين، وما حكاه عن الحسن صحيح، وقوله عن رابعة: ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لَا تجري على اليبس قال الطيبي قبله: ما بال نفسك تبغي أن تدنسها ... وثوب جسمك معسول من الدنس فإن قلت: قال هنا: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)، وقال تعالى في العنكبوت: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) فعطفه هنا بالواو، ولم يعطفه هناك، فأجاب أبو جعفر: بأن هنا وقع ذكر الجزاء منفصلا معطوفا فقال: جزاؤهم مغفرة وجنات، فناسب أن عطف عليها الجملة التي مدح بها ذلك الجزاء، ولما لم [يفصل*] جملة

стр. 402

الجزاء في العنكبوت، ولا وقع فيها عطف جاءت جملة للمدح غير معطوفة، فناسب النظم التعلم. قوله تعالى: (هَنَا بيَانٌ لِلنَّاسِ). ابن عرفة: الإشارة ولم يكن نزل كله بالإشارة لما نزل منه، قيل له: يلزمك استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، قال هو كقول سيبويه: هذا باب كذا فالإشارة لمن يأتي. ابن عرفة: وعادتهم يقولون: فيه دليل على امتناع ورود المجمل في القرآن، وأنه كله بين، قالوا: وأجيب بأنه ليس المراد أنه بين الإجمال، بل المراد ببيانه دلالته على وجود الله تعالى ووحدانيته، وما يجمع له، وما يستحيل عليه، قالوا: وهذا ترق، فالبيان راجع للتصوير، والهدى للتصديق بالحق والباطل والموعظة راجحة لاتباع الأوامر والنواهي والاتعاظ بالخوف من عذاب الله. قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ). هذا دليل على أن الأول خطاب المؤمنين فقط؛ لأن هذا خطاب لهم فتجري الآية على أسلوب واحد، ابن عطية: وهو من وهن، ومن كلامهم: المؤمن هين لين. ورده ابن عرفة بأن وهن معتل الفاء وهين معتل العين، فالمادة مختلفة والعجب من أبي حيان: كيف سكت عنه ولم يتعقبه، ابن عطية: وقول العرب إذا لم تغلب فاطلب وأطلابه الخديعة والمكر، ومنه فعل عمرو بن سعيد الأشدق، مع عبد الملك ابن مروان: فإنه عند قتله إياه خدعه. ابن عرفة: هنا وهم بأن عمرو بن سعيد مكر بعبد الملك، وليس كذلك بل المنقول هو أن عبد الملك مكر بعمرو بن سعيد، فالصواب أن يقول: ومنه فعل عبد الملك بعمرو بن سعيد فذلك أن عمرو بن سعيد طلب من عبد الملك أن يوليه الخلافة بعده، وقال له: قد صحبت أباك فامتنع عبد الملك فنفى عمرو إلى الشام واشتغل واستقل بنفسه فيه بالخلافة فجاء به عبد الملك وقاتله، ثم اصطلحوا على أن ولاه الخلافة من بعده وأعطاه أميرا في كل بلاد ثم أرسل إليه أن يأتيه أمر فحذره النَّاس منه، ولم يسمع منهم حتى آتى عبد الملك فدخل عليه، فقال: إني كنت جئت لك ظفرت بك لأكبلنك فكبله، ثم أخرجه إلى النَّاس وقتله.

стр. 403

قوله تعالى: (إِنَّ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ). ابن عرفة: فعل الشرط مستقبل، وهو هنا ماضي؛ لأن مس القرح لهم قد وقع ومضى، وحينئذ فترجع إلى السبب؛ لأن المس سبب في التألم، وهو دائم مستمر في المستقبل معناه: إن ينالكم تألم في المستقبل بسبب مس القرح، فقد مس القوم قرح مثله. ابن عرفة: وجواب الشرط إما المذكور بعينه أو لازمه ولكم في الكفار أسوة وسبيل، فقد نالكم مثل ذلك، قال وعادتهم يقولون: ما الفرق بين المس والإصابة قال تعالى: (إِنَّ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) والظاهر أن الإصابة أعم لصدقها على الحسي والنظري، ولذلك تكلم الأصوليون على اختلاف هل كل مجتهد مصيب، أم لَا؟ مع أنه حكم نظري، والمس في المحسوسات يقول مس كذا، ولذلك فرق ابن رشد في المقدمات بينه وبين اللمس فجعل اللمس لَا يكون إلا عن قصد، يقول تماس الحجران، والمس يكون مقصودا وغير مقصود، فلا يطلق إلا على الأمور الضرورية المحسوسة فعبر هنا بالأخص في باب التسلي؛ ليكون أبلغ، وأنشد ابن عطية قول لخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي ولا يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي قال والتأسي بالنَّاس هو النفع الذي يجره إلى نفسه الشاهد المحدود، فلذلك ردت شهادته فيما حد فيه، وإن تاب وحسنت حاله. ابن عرفة: يريد الذي زنا وحده في الزنا لَا يقبل شهادته على أحد بالزنا؛ لأنا نتهمه أنه رمى غيره بالزنا لكي [يتسلى به*]؛ لأن الزاني يود أن يكون النَّاس كلهم زناة. ابن عرفة: وحكي أن طفلا أحدب عيره النَّاس فاشتكى إلى أمه فقالت: إذا دخلت الجنة يعير كل من عيرك أحدب، وتكون أنت وحدك مستوي القامة، فقال لها: لقد زدتيني غما وهما، إذ جعلتيني في الجنة خارجا منها وأنا في الدنيا كذلك. ابن عرفة: وخلط ابن عطية: وحكم للمجاور حرف الخلق. لأن ما وسطه حرف حلق، يجوز فتحه وتسكينه، باتفاق وما أخره حرف حلق فيه خلاف بين البصرين والبغداديين فشبه هو القرح لقولهم: أنا محموم.

стр. 404

قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا). حمله الزمخشري على وجهين: أحدهما: ولتبين الثابت على الإيمان من غيرهم تمثيلا، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت منكم من غير الثابت. الثاني: وليعلمهم علما يتعلق به الجزاء. قال ابن عرفة: هذا يوهم أن تم علما لَا يتعلق به الجزاء، قال: والفرق بين العلم والمعرفة، أن المعرفة من المتصورات والعلم تصديق وهو باطل لقولك: عرفت زيد فإنه تصديق لَا تصور، ويجاب: بأن مراده وأن متعلق العلم تصديق ومطلق المعرفة تصور موت من مات من الكافرين محاق له مصيره إلى العذاب الأليم، وموت من مات من المؤمنين شهادة له لمصيره إلى الثواب والنعيم المقيم. قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٤١)﴾ ابن عطية: التمحص تمييز الشيء مما هو منفعل عنه، والمحص تميزه مما هو متصل به، تقول: محصت عن زيد في بني تميم فوحدته، ومحصت الذهب من الفضة، أي خلصته منها، ومنهم من قال: المحص في الأمور الحسيات، والمحص من العقوبات، فإن قلت: لم عبر عن المؤمنين بالفعل، عن الكافرين بالاسم، فأجيب بوجهين: الأول: لحديث "سبقت رحمتي غضبي فمن اتصف بأدنى الإيمان مغفور له، والمغضوب عليه إنما هو من كفر وداوم على كفره، وصمم عليه وثبت". قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن المراد من قرح الإيمان بالمعاصي فمحص الله حسناته من سيئاته، والكفر ليس معه حسنات فلذلك عبر عنه بالاسم، فإنه لَا يتناول إلا من أخص الإيمان، ولم يخلط بمعصيته، فرده ابن عرفة: بأن هذا عزيز لَا يعلم إلا لمن هو معصوم، قال: وعبر عنهم بالوصف دون الاسم تنبيها على الصفة التي لأجلها مدح هؤلاء، وذم هؤلاء، وهذان الوجهان مدح للمؤمنين، وحسرة للكافرين فهما معا في حق النبي ﷺ بشارة سرور.

стр. 405

قيل لابن عرفة: ابن إسحاق قال: هي خاصة بكفار بدر ففيها أمحق الكافرين، فرده ابن عرفة: بأن المحق قسمان: حسي، ومعنوي فمحق بعض الكافرين يوجب إذلال الباقين وحسرتهم، فهو محق لهم بالمعنى. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ... (١٤٢)﴾ أي: دخولا أولياء، وهو الدخول المسبب عن الجهاد. قوله تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ). ابن عرفة: عبر عن المجاهدين بالفعل، وعن الصابرين بالاسم؛ لأن الصبر عام فلا توجد عبادة من العبادات إلا مع الصبر، فلذلك عبر بما تقتضي الثبوت واللزوم لعمومه، وأيضا فالجهاد متلف للنفس، وكل عبادة مما سواه هي مشقة على النفس فقط، والصبر على المتلف للنفس ألزم، وأقوى من الصبر، فلذلك عبر عن الصبر بالاسم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ... (١٤٣)﴾ ابن عرفة: هذا تعارض قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "لَا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية"، فالجواب: أن ذلك كان في أول الإسلام حيث كان الكفر كثيرا، والإسلام قليلا فنهوا عن تمني لقاء العدو، ثم قعد وكسع عن قتاله حين اللقاء أشد عقاب ممن لَا يتمنون لقاء العدو، ولا خطر له ببال. قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ... (١٤٤)﴾ .. قال ابن عرفة: تضمنت الآية أمرين أحدهما: أنه من البشر، كقوله تعالى: (قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُمْ) فوصف الرسالة فيه ليس ذاتيا له بل هو اختصاص من الله تعالى. الثاني: العتب على من هم بالردة من المسلمين في غزوة أحد لما صرخ الصارخ بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قتل، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، فأخبر الله تعالى بأن الرسل من قبله قد ماتوا وثبتت أممهم على دينهم، ولم

стр. 406

يرتدوا عنه بوجه والحصر على بابه وحقيقته؛ لأن وصف الرسالة يستلزم جميع أوصاف الكمال؛ لأنه معصوم. قيل لابن عرفة: ليس الحصر على بابه؛ لأنه لم يكن رسولا قبل البعث، فالقضية حينيه، وليست دائمة، قال: وكل قضية لَا تقتضي الدوام. قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ). وقرئ (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُلٌ)، ابن عطية: قراءة التعريف تعظيم وتفخيم وتنويه بهم، وقراءة التنكير تسير الأمر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في معنى الحياة فكان تنوية بينه وبين النبيين عليه عليهم وعليهم وعلى آلهم السلام في ذلك. قال ابن عرفة: أراد أنه خلت من قبلكم رسل كثيرة وهلكوا بموت بعضها كاف في الرد عليكم في قولكم: لو كان نبيا ما قتل. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول هذه تسلية له؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتقديم آيات الرسالة وذكر موت من قبله عند ذكر موته؛ هذا وقيل مثل قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ). قوله تعالى: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ). قال أبو حيان: الشرط بأن دخل على (انْقَلَبْتُمْ) لَا على موته. ورده ابن عرفة بأنه دخل على مجموع القضية؛ لأن أصله إن مات انقلبتم على أعقابكم، وهذا شرط لازم فدخل على الاستفهام بمعنى الإنكار لملازمة الشرطية، وموته ممكن واقع، وقتله ممكن غير واقع، لقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). قوله تعالى: (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا). لن يضر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) والتأكيد بالمصدر، وهو شيء داخل على النفي، فهو نفي أخص لَا نفي أعم. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ ... (١٤٥)﴾ قال الزمخشري: إن أردت نفي ما ينتفي بذاته أتي بأداة النفي فقط، مثل ما تطير زيد ولا يحتاج إلى نفي القابلية؛ لأن العقل يصدق ذلك النفي، وإن أريد نفي ما هو

стр. 407

ممكن الوقوع أو قريب من الإمكان، أتاك بكان التي تقتضي بنفي القابلية مثل: ما كان لزيد أن يقوم، فهو قابل لذلك باعتبار جنسه غير قابل له بذاته، فدخلت كان هنا على النفي وأتى به في صورة الممكن ليكون أبلغ في النفي. قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا). ابن عرفة: تضمنت الآية أنهم على ثلاثة أقسام مؤمن مجاهد في سبيل الله ثابت على دينه، وآخرون ارتدوا على أعقابهم وهموا بالردة، وآخرون اشتغلوا بالغنائم ومتاع الدنيا، قال تعالى في سورة هود: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ)، وقال تعالى في الإسراء: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا)، وقال تعالى في سورة الشورى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)، وقال ابن عطية: هذه الآية مقيدة بآية الإسراء؛ لأن ذلك مشروط بالمشيئة إذ ليس كل من أراد الدنيا نالها بل كثير من النَّاس أرادها، ولم ينلها، لقوله تعالى: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) يقول الغيبة، ولم يقل ما يشاء بياء الغيبة، فقال ابن عرفة: هذا لَا يحتاج إليه إذا جعلنا من للتبعيض، ويمكن أن يجعلها للسبب، ويكون من الكلام الموجه المحتمل للشيء وصفه، مثل حديث "إذ لم تستحِ فاصنع ما شئت" أي: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) قوته بسببها إما مراده، وإما الخيبة من مراده، وإما العذاب والشقاوة، وعطف الثاني عليه يدل على الماضي هو الثواب ليس إلا قوله: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)، راجع لقوله : (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ) فهو دليل على أن من أراد ثواب الآخرة تنعم عليه في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن التكرار إنما يكون على النعمة فيعطف بمراده في الآخرة وينعم بسبب ذلك في الدنيا فيشكر الله على ذلك فيثاب أيضا عليه في الآخرة على شكره. قيل لابن عرفة: فمن طلب الدنيا بالآخرة يجوز، قال فيه قبح، ومثاله: رجل أنزل الجهاد وجلس للتجر، ورجل آخر خرج مع المجاهدين قاصدا للتجر والغنيمة فهذا أقبح من الأول. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... (١٤٦)﴾

стр. 408

أنشد ابن عطية هنا: [وكَائِنْ تَرَى مِنْ صامِتٍ لكَ مُعْجِبٍ ... زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ في التَّكَلُّمِ*] قال أبو عبيد في الأمثال: البيت للأحنف بن قيس، كان يجالسه رجل يطيل الصمت حتى عجب منه الأحنف، ثم إنه تكلم يوما، فقال للأحنف: يا أبهر تقدر أن تمشي على شرف المسجد فعنده تمثل البيت وبعده لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم قال شيخنا: أخبرا شيخنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحباب قال أخبرنا شيخنا الفقيه الأستاذ أبو العباس أحمد بن يوسف السلمي الكناني قال: قلت لشيخنا الأستاذ أبي الحسن علي بن عصفور: لم أكثرت من الشواهد في شرحك للإيضاح على (كَأَيِّنْ)، قال: لأني دخلت على السلطان الأمير أبي عبد الله المنتصر فألفته ابن هشام خارجا من عنده، فأخبرني أنه سأله عما يحفظ من الشواهد على قراءة (كَأَيِّنْ) فلن يستحضر غير بيت الإيضاح: [وكائنْ بالأباطحِ من صديقٍ ... يرانى لو أصبتُ هو المصابا*] قال ابن عصفور: فلما سألني أنا، قلت له: أحفظ خمسين بيتا، فلما أنشدته نحو العشرة، قال حسبك، ثم أعطاني خمسين دينارا فخرجت فوجدت ابن هشام جالسا بالباب، فأعطيته شطرها. قوله تعالى: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا). قال ابن عرفة: هذا ترتيب حسن؛ لأن الوهن أشدها وعليه الضعف، وعليه الاستكانة، فنفى أولا الأبلغ، ثم نفى ما دونه، ثم نفى ما دونه؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وفي الآية الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وما ضعفوا لما أصابهم. قال ابن عرفة: والضمير في (وَهَنُوا) إما على لفظ الربيين دون معناه، مثل عندي درهم ونصفه؛ لأن من قل لَا يوصف بعدم الوهن، وإما عائد على أن الربيون لفظا، ومعنى، ويكون المراد أنهم ماتوا على حالة التجلد والشدة من غير خوف في نفوسهم ولا ضعف في قلوبهم بوجه.

стр. 409

ابن عرفة: والآية دالة على أن من فعل شيئا من الطاعات من غير مشقة عليه فيها، فإنه يسمى صابرا، قال بعضهم: كمن يترك شرب الخمر والزنا من غير مشقة عليه في تركه، أو يصوم لكونه اعتاد ذلك وصار معتادًا؛ لأن هؤلاء لم ينالهم وهن ولا خوف، فسماهم صابرين، وقد حكى ابن الحباب: أنه حضر في محضرة بجاية وقت إنها هذه، قال: توقف رجل تحت الجبل فرميت عليه حجرا من أعلى الجبل شرخت رأسه، فرجع آخر في موضعه في الحين، فألقى بنفسه إلى الهلاك فالصبر إنما هو حبس النفس على لزوم الأمر المؤلم لها، وهذا عند هؤلاء غير مؤلم بل صار كأنه جبل يدل على أن صاحبه يسمى صابرا. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ... (١٤٧)﴾ قال ابن عرفة: الذنوب والإسراف بمعنى واحد، وعن ابن عباس الذنوب عام، والإسراف راجع للكبائر. ابن عرفة: وعندي أن الذنوب راجعة لعدم امتثال الأوامر والإسراف لعدم اجتناب النواهي، لأن الإسراف في اللغة هو الزيادة على الشيء، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ) وقرأ جماعة قولهم بالرفع، ابن عطية: والخبر فيما بعد [(إلَّا) *]. قال ابن عرفة: تقرر في الإيضاح وغيره أنه لَا يجوز أن [أن الذاهبة جاريته صاحبها*]، فالمعنى كان قولهم: [(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) وَانْصُرنَا .. وَإِسْرَافَنَا*] .. والجواب: أما على قراءته بالرفع، [وهي*] الشاذة يكون الخبر أعم من المبتدأ، [فيصح الإخبار به*]، لأنه أعم منه؛ لأن [قولهم*] مضاف لضميرهم، فإن قالوا: أعم منه، والتقدير: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا) [قول*] رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) [وقول*] أعم من قولهم، وأما على القراءة المشهورة فيكون من باب، [فأنكرت*] الوجوه، وقلت: هم هم، ومثل: جد جده، وشعر شعره، فهو تأكيد وإطناب، وقال ابن عطية: ينحوا إلى أنهم أن ما نزل بهم من مصائب الدنيا، إنما هو بذنوب مضت لهم؛ كما جرت قصة أُحدٍ بعصيان من عصى، فقال: كيف يعتقدون هذا مع أنهم ما وهنوا لما أصابهم وما ضعفوا وما استكانوا. قوله تعالى: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا). قال ابن عرفة: اتصفوا بالصبر في الحال والعزم على استدامته في الاستقبال فلذلك طلبوا تثبيت الأقدام، ابن عطية: قال ابن فورك في رده على القدرية

стр. 410

بقوله: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ... (١٤٨) .. ابن عطية: عن ابن جريح هو الظفر والغنيمة، وعن النقاش: هو العقل والغلبة فقط، لأن الغنيمة لم تحل إلا لهذه الأمة. ابن عرفة: كانت الغنيمة في الأمم المتقدمة، وكانوا يأخذوها ويتصدقون بها، ويجعلونها قربانا، وإنما أحل لنا نحن الاستمتاع بها، ولم يقل ابن جريج: بل قال الغنيمة مطلقا، وقد كانت حلالا لمن بلغنا على هذا الوجه. ابن عرفة: (وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) أخص من الجنة. قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ من باب ذكر المستلزم، ولازمه، لأن لازم ردهم على أعقابهم انقلابهم خاسرين. قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ... (١٥١)﴾ قال الزمخشري: هذا مثل: عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ؛ لأنه يوهم أن هناك سلطانا، وحجة مع أن الشرك بالله لَا سلطان له، كقولك: ما جاءني غلام زيد فيتوهم أن لزيد الغلام، قال الفخر: والآية حجة لمن يقول بذم التقليد بالإطلاق، فلا وإن أراد ذم تقليدها، فتكون مهلة، والمهلة في قوة الجن ومنه فنقول نحن: نعم، وهو التقليد في الباطل الذي ليس له أصل يستند إليه من حجة ولا دليل. قوله تعالى: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ). قال: (النَّارُ) مبتدأ، أو (مَأواهُمُ) خبر ليفيد الحصر. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ... (١٥٢)﴾ قال أبو حيان: العامل في إذ وعده. ورده ابن عرفة بأن الوعد قديم سابق على وقت، فإن قلت: المراد متعلقة الصدق؛ لأن الوعد إذا وقع الموعود به، كان صدقا وإلا كان كذبا، فالعامل فيه صدق مع الصدق قديم، لكن المراد ظهور الصدق الموجود. قوله تعالى: (بِإِذْنِهِ). أي بأمره، والمناسب أن يراد بقدرته ونصرته، (وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) إما أن يراد الأمر الحقيقي يقتضي النهي؛ لأنهم تنازعوا هل يبقون على أمر النبي صلى الله عليه

стр. 411

وعلى آله وسلم بالثبوت على الخيل، أو ينصرفون لأخذ الغنائم، أو المراد بالأمر الشاق. قوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا). ابن عرفة: المناسب أنه يريد الدنيا والآخرة؛ لأنهم مسلمون، ومنهم من يريد الآخرة فقط. قوله تعالى: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ). قلت: المناسب باعتبار الفهم، أن يقال: ثم صرفهم عنكم لما نالهم من الرعب، والذعر فانصرفوا عنهم، لكن ما يجعل الابتلاء إلا بصرف المؤمنين عن الكافرين، فحينئذ يزداد المنافقون كفر ويثبت المؤمن على إيمانه. قوله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). أي ليس أفضاله عليكم قاصرا على هذه النعمة، بل له على المؤمنين فضائل سابقه، ولاحقه. قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ ... (١٥٣)﴾ قالوا: العامل في أن ظاهر وهو: عفى عنكم، أو مقدر: أي اذكر (إِذْ تُصْعِدُونَ) وضعف أبو حيان بأن اذكر مستقبل، (إِذْ تُصْعِدُونَ) ماض. ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بوجهين: الأول: أنه عامل فيه، عمل الفعل في المفعول به لَا عمله في الظرف. الثاني: أنه عامل فيما هو متعلق به، أي اذكر حالكم (إِذْ تُصْعِدُونَ) قال ابن عرفة: فإما أن الله تعالى عفا عنهم، أو عاقبهم بأدنى ما يستحقون، وقوله تعالى: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) إما أن يريد به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو الظاهر، أو رسوله. قوله تعالى: (فِي أُخْرَاكُمْ). ولم يقل: أولاكم؛ لأنهم لما انهزموا ورجعوا ثبت هو في موضعه، فصار في أخراهم بعد إن كان في وسطهم، أو في مقدمتهم، وفروا هم عنه، فصار في أخراهم. قوله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ).

стр. 412

إما أن يراد الغم بالحسرة، أي حسرة بعد حسرة، ومصاحبة بحسرة وأثابكم فما بسبب ما تسببتم من غم الكفار يوم بدر، وهذا الأخير ضعيف إلا أن يتاول بأنه تسليه لهم، ولفظ الثواب على هذه حقيقة لَا تهكم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ... (١٥٤)﴾ أبو حيان: نعاسا يمتنع أن يكون مفعولا من أجله؛ لأنه ليس مفعولا لفاعل الفعل المعلل. ابن عرفة: إلا لو كان نعاسا؛ لأنه من أنعس الله فلانا، وأما هذا فإنما هو من قولك: نفس زيد ففاعله ليس هو الله بخلاف فاعل الإنزال. قيل لابن عرفة: مذهب الأشعرية، أن لَا فاعل في الحقيقة إلا الله ونسبة الفعل إلى العبد مجاز، فقال: المفعول من أجله إنما ينتصب الفعل لمن يصح وقوع الحدث منه كقوله: جئت إكراما لك؛ لأنك تقول: أكرمت المجيء والنعاس يستحيل وقوعه من الله، وإنما يقع من المخلوق، والواقع، من الله هو الإنعاس، وقال تعالى في الأنفال: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً) فقدم النعاس، فأجاب ابن عرفة: بأن فاعل الغشيان هناك، هو النعاس، فلذلك قدم الأمنة واختلف الزمخشري، وابن عطية، فقال الزمخشري عن أبي طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصالحنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، وما أحد إلا ويميل تحت [حجفته*]، يعني درقته، فعبر بلفظ النعاس في كتاب الظهار أنه أوائل النوم، ونص على أن ذلك كان في معركته القتال، لقوله في مضافا، وعبر ابن عطية ونص على أن ذلك إنما كان بعد ارتحال أبي سفيان من موضع الحرب، وانفصال القتال، وهو ظاهر الآية لقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ) فعطفه بـ (ثم) التي تهمله، ونص حديث أبي طلحة البخاري في كنت فيمن يغشاه النعاس حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه، وقرئ (يَغْشَى) بالياء والتاء، فالتذكير لنفس النعاس، والتأنيث لمعناه، قلت: وهو السنة، أبو حيان: والأمنة مفعول من أجله؛ لأن المُؤَمِّنَ هو الله تعالى، وهو الفاعل وعكس المختصر الأمن، إلا أن يقال: الأمن مفعول، كقولك: أمن زيد يستدعي أن غيره أمنه فهو مؤمن والله أمنهم. قوله تعالى: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ).

стр. 413

ابن عرفة إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (فِي أَنْفُسِهِم) مع أن الإخفاء يعني عنه، فالجواب: أن الإخفاء قد يكون باعتبار رجلين يسر أحدهما إلى الآخر حديثا نفيا من غيرهما، وقد يكون في حديث النفس فلذلك، قال تعالى (فِي أَنفُسِهِمْ). قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). قيل لابن عرفة: هذه الجملة مفسرة للأولى، فقال: ليست مفسره؛ لأن القول في الاصطلاح بصفة في النطق اللفظي فلذلك قال الفقهاء: إذا حلف أن لَا يقول شيئا فإنه لا يحنث إلا بالنطق اللفظي، والجملة الأولى حملناها على كلام النفس فهما علتان مستقلتان. قال ابن عطية: أو غيره وهذا إما تعريض لكفرهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لو لم يشاء على ديننا ما قلنا شيئا من هذا، وإما إشارة منهم إلى استدانة عنهم، فالرأي وأنه لو استشارهم لأشاروا عليه الجلوس وعدم الخروج. ابن عرفة: وهو الظاهر لوجهين: الأول: أن التعريض، مستفاد من قوله تعالى: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ) فأغنى عن هذا. الثاني: قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) دليل على أنهم قصدوا بذلك التنبيه على أنه لو دبره معهم لأشاروا بالجلوس، فلذلك حسن الرد عليهم بقوله تعالى: (لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) لمات من حضر أجله منكم بالقتال، وبنور من ذات اختياره. قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ). ابن عرفة: تكذيب للقضية المتقدمة بصدق نقيضها، وإما إبطال للقياس بأحد مقدمتيه، وهي الكبرى بمعنى الأولى لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجا، ولو لم يخرج ما نقلنا فأبطلت القضية كلها، بأن قيل لهم: بل (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) لخرجتم. ومعنى الثاني: أن يمنعكم الكبر، وهو كلما لم يخرجوا، ولم يقتلوا يصدق ما هذا، خص منها لكن كونهم في بيوتهم أخص من لو كان لنا من الأمر شيء، فإذا ترتب الموت على كونهم في بيوتهم فأحرى أن يترتب على عدم خروجهم.

стр. 414

قال ابن عطية: وهذا من المنافقين، قول بأن للإنسان أجلين، فرده ابن عرفة بأن نقول: لعلهم وقفوا مع الأمور العارية، ولم يعتقدوا ذلك مذهبا. قوله تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ). ابن عرفة: فيه سؤال مذكور في حسن الائتلاف لم أسند الابتلاء للصدور والتمحيص للقلوب، ثم أجاب بأن الابتلاء هو الاختيار فهو إشارة إلى كمال تعلق علم الله تعالى، فإذا كان علمه عام التعلق ناسب أن يسند لك الأعم، وهو الصدر، وأما التخصيص فهو تخليص شيء بشيء وتصفيته فالمناسب تعلقه بالمعنى المقصود من الإنسان، وهو القلب كما في حديث "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ... (١٥٥)﴾ قال ابن عرفة: في لفظ هذه من التلطفة والإشفاق ما ليس في سورة الأنفال، وهو قوله تعالى: (يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) والتطلف فيها من وجهين: الأول: التصريح بلفظ الدبر في آية الأنفال دون هذه. الثاني: أن لفظ التولي يقتضي تكليف الفعل، فهو إشارة إلى أن لهم في ذلك عذر أما وأنهم إنما فعلوه إنظار وتكليفا وليس باعتبارهم؛ لأنهم فرقوا بين ولّوا وتولوا، كما فرقوا بين كرم وتكرم، فلذلك رتب عليه الوعيد الأخف مع العفو. قيل لابن عرفة: وأيضا فإن هذا إخبار عن واقع فناسب التلطف به وتلك الأخبار عما سيقع فناسب بأن نعبر عنه باللفظ البليغ الشديد صرفا عنه وإبعادا. قوله تعالى: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ). قال ابن عرفة: إن كانت السين للعطف فظاهر، وإن تكن كذلك فيكون (اسْتَزَلَّهُمُ) بمعنى أن أزلهم، فإن أريد بسوء العاقبة فالسين للتحقيق، وإن أريد قبح الفعل الواقع منهم في الحال مجريا من غير تحقيق، قال الفخر: واحتج بها الكعبي من

стр. 415

المعتزلة على أن الشر لَا يقع من الله لأجل أداة الحصر، وأجاب ابن عرفة بأن نسبته لغيره، وإنما هي في اللفظ فقط على جهة الأدب والكل من خلقه وفعله، والحصر في الآية إنما هو في لفظ ببعض، أي لم يستزلهم إلا الشيطان إلا ببعض مكسوبهم، وليس المراد أنهم لم يستزلهم إلا الشيطان بوجه. قال الزمخشري: فإن قلت لم قيل: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) وأجاب: بأنه كقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ابن عرفة: هذا بناء منه على أن المراد ما كسبوه من الشر فعفوا أكثره وبقي أقله هو شر يسببه بوسوسة الشيطان، وأما لفظ (كَسَبُوا) صادق على كل ما مكسوبهم من خير وشر، فالشر بعضه، فلا يرد السؤال بوجه. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ). الحليم هو الذي لَا يعالج بالعقوبة فيؤخر العاصي ليستدرك فيتقي لما يغفر له. وقوله تعالى: (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ... (١٥٦) ابن عرفة: إذا نهى الإنسان عن التشبيه بل هو متصف بوصفين، فالنهي مصروف إلى الوصف الأخص منهما، وهو القول الذي لأجله وقع النهي، والآخرة إما في النسب، أو في الدين، وهو هذا أخص من ذلك؛ لأنهم فالوه لأصحابهم من المنافقين، ونظيره ما يأتي، قلت لابن عرفة: في (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) فانظره والظاهر أن إذا ضربوا حكاية حال ماضية، قال الفخر ابن الخطيب: والآية حجة على الكرامية القائلين: بأن مجرد النطق بالشهادتين كاف في حصول الإيمان، وإن لم يصحبه الاعتقاد القلبي لقوله تعالى: (كَالَّذِينَ كَفَرُوا) فجعل المنافقين كفارا مع أنهم نطقوا بالشهادتين في الظاهر، وإن لم يعتقدوا بقلبهم شيئا، وأما هؤلاء فهم يعتقدون نقيض الشهادة فهم كفار بالضرورة. قال ابن عرفة: وما أضعف الفخر في التفسير؛ لأن بعضهم يقول: فيما إذا اشتمل الكلام على المعاني بين أمرين معطوفين بواو، ثم رتب عليها أمران آخران، فإِنه يجوز عطفهما بـ أو، أو عطفهما بالواو كهذه الآية. قوله تعالى: (أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا). قال ابن عرفة: هذا وقف منهم على الأمور العالية، ابن عطية: [مَن جمع غاز، وزنه فُعل كشاهد وشهد*]، قال رؤبة: فالآن أول علم ليس بالسنة، وقول الآية فلأنه أي: إن

стр. 416

لم تتب الآن فلا تتوب أبدا، وهو مثل معناه: إن لم يكن كذا فهو كذا، وقال الأصمعي: إن لم يكن كذا فلا يكن كذا، قلت، وقال أبو عبيد في الأمثال في باب طلب الحاجة: معناه هذا الآن فلا يكن بعد الآن. قوله تعالى: (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ). قال الزمخشري: معناه أن الله عند اعتقادهم ذلك الأمر الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم وتضيق صدورهم عقوبة. ابن عرفة: هذا فيه ترقيق لمذهبه الاعتزال إلى الفساد؛ لأن قولهم (لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا)، ومذهبهم أن الله لَا يخلق المعصية ولا يريدها فلذلك أسند الجعل الواقع من الله تعالى إلى متعلق القول، ولم يسنده إلى القول نفسه، ونحن نقول: اسم الإشارة راجع إلى نفس مقالتهم لَا إلى متعلقاتها وهي الحسرة والحيرة والحزن والندم، وهي مختلفة المعاني فالحزن هو التألم، والتفجع على أمر وقع من غير تسبب فعل للمتألم كمن يحزن على ميت، فالندم هو التلهف على عدم فعل الشيء، كما ورد "لا يقول أحدكم لو كان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، والحيرة: هو التألم من أمر أنت قادر على فعله، ومتمكن منه ففرطت فيه حتى فات، فكذلك هؤلاء كانوا قادرين على الجلوس في بيوتهم. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ). إن قلت: ما فائدة ذكر الإحياء مع أن الكلام في موت من مات؟ قلت: فائدته التسوية بين الأحياء والأموات فمعنى أنكم كما شاهدتم الإحياء، وعلمتم أن الله تعالى هو الذي أحياهم من غير سبب كذلك فاعلموا أن الله تعالى قادر على إماتتهم من غير سبب، فقد يموتون وهم في بيوتهم، وقد يحضرون القتال ويشعرون بالجراح ويعيشون. قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). قرئ بتاء الخطاب يشمل المؤمنين والمنافقين، فهو وعد ووعيد، وقرئ بياء الغيبة فخص المنافقين، ويكون صوابه وعيد فقط. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ ... (١٥٧)﴾

стр. 417

قال ابن عرفة: لما قتل مرجوحية القتل في سبيل الله بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) عقبة ببيان راجية على الموت من غير قتل. قوله تعالى: (أَوْ مُتُّمْ). إما أنه فيه حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، أي (أَوْ مُتُّمْ) في سبيل الله، أو هو كما قال ابن بشير في كتاب الطهارة في التيمم: إن الأصوليين اختلفوا في العطف هل يقتضي التشريك في المعنى كما تقتضيه في الإعراب أم لَا؟ وتقدم بيانه في هذه السورة في قوله تعالى: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) وأشارا إليه ابن التلمساني: في المسألة الرابعة من الباب الثالث في العطف على العام، هل يفيد العموم، أم لَا؟ قال ابن عرفة: والقراءة على ثلاثة أنواع، فواحد يموت قبل حضور القتال، فهذا قال في المدونة لَا يسهم له، فلو لم يذكر في الآية لما توهم أنه لا يلحق برتبة الشهداء؛ لأن الأول لَا يسهم له في الغنيمة، والثاني: يغسل ويصلى عليه بخلاف الميت في معركة القتال، فذلك قال تعالى: (أَوْ مُتمْ) ليتناول هذين النوعين. قوله تعالى: (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ). قال مغفرة نكرة، والتنكير للتعظيم، ولاسيما مع قوله تعالى: (مِنَ اللَّهِ) حسبما نبه الزمخشري عليه في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (وَرَحْمَةٌ) بعد ذكر المغفرة؟ إن الرحمة سبب في المغفرة فهلا قدمت عليها، أو لم تذكر من أصل، قلنا: المغفرة هي نعمة، وهي رفع الأمور المؤلمة، فالرحمة تعم الجلب والدفع، فالرحمة بالثواب ومحو السيئات، والمغفرة تقتضي محو السيئات فقط، فكان العطف تأسيسا. قوله تعالى: (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). قرئ بياء الخطاب وبياء الغيبة. ابن عرفة: فعلى قراءة الغيبة يكون خير فعلا، ولا مشاركة فيها، وعلى قراءة الخطاب يكون للمؤمنين فهي أفعل من؛ لأن موتهم في القتال أخير وأحسن من جمعهم فيه أنفقاه في السبيل في التصدق بها؛ لأنها أحسن من جميع المال لإنفاقه في شهوات الدنيا ولذاتها، فإن قلت: كلف بها من مات، قلنا: هي حكاية حال ماضية، أي خير من جمعهم المال عاشوا وجمعوه، ثم لما كان الموت بغير القتل أكثر منه بالقتل، وكان الخير يعم الجميع بالأعم، ليرتب عليه الوصف العام.

стр. 418

قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... (١٥٩)﴾ ابن عرفة: الآية تدل على أنه في مقام التوسط بين الشدة واللين لقوله تعالى: (لِنْتَ لَهُمْ)، ولم يقل: فبما رحمة من الله كنت لينا، أو كنت تلين، فليس هو في ذاته في لين، لكنه يستعمل اللين وما قالوا: إنها زيادة في اللفظ، قال أبو حيان: ورده ابن عرفة: فإنه يلزم عليه أن القرآن مخلوق؛ لأن الحروف والألفاظ مخلوقة، إلا أن يريد أن الحروف مخلوقة والمعنى قديم ومنهم من يمنع ورود الزيادة في القرآن، كما منع إطلاق التهكم فيه، ومنهم من قال: فائدة التأكيد، فإنه قائم مقام تكرير اللفظ بعيد، فكأنه قيل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) وقال بعض الطلبة: الزيادة مجاز، فيمكن في الآية وجه آخر من المجاز، وهو أن فيها تقديما وتأخيرا، كما قالوا: في (غُثَاءً أَحْوَى) كذلك نفي المعنى، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) وتكون ما نكرة وصفة، وعلى ما ذكر أبو حيان: تكون ما نكره لَا موصوفة، ولا موصولة كما التعجب. قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ). ابن عرفة: الفاء للتسبيب، وليست عاطفة إذ لَا يصح عطف الجملة الطلبية على الخبرية، وتقدير السبيبة بتمهيد أنه لين الجانب، وعلى الاتصاف على خلق عظيم، فهو قائل: لأن يعفو عنهم، فليسبب أمر بالعفو عنهم. قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ). حمله ابن عطية والزمخشري: على الرجوع لفريق واحد. ابن عرفة: والظاهر أنهم ثلاثة أقسام، فريق فروا فلم يرجعوا، فهؤلاء أمر بالعفو عنهم، [وآخرون*] فروا حتى قال لهم: إلي فارجعوا، فأمر بالاستغفار لهم، وآخرون ثبتوا ولم يفروا، فهؤلاء المأمور بمشاورتهم في الأمر، قيل: فرجعوا فأمر بالاستغفار لهم. ابن عرفة: قال الفخر: أن المتشاورين، أبو بكر، وعمر، مع أن عمر لم يثبت، فقال: منصبه معلوم. قال ابن عطية: ومن لَا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب بلا خلاف. قال ابن عرفة: هذا غير صحيح، ولم أره لغيره، والمسألة مذكورة في أصول الدين في باب الإمامة، وفي كتب الحديث، وفي الفقه، وذكروا فيها فعل الإمام، ما

стр. 419

هو أشد من ذلك لَا يجب عمن له بوجه، ابن عطية: وصفه المشاور في الأحكام كونه عالما دينا، والمستشار في أمور الدنيا كونه عاقلا مجربا. ابن عرفة: دينا أيضا لئلا يخدعه ولا ينصحه، وقد ورد "الدين نصيحة". قيل لابن عرفة: في زمانه فمنهم من أجاز الاختيار والتعليم، فقال: هذا لم يقله أحد، وإنَّمَا الخلاف في اجتهاد محضره، وهو يسمع من غير أن يسأله أحد منهم وتسديده بذلك، وأما هو فمجتهد في نفسه ويخبرهم بما ظهر له فيمتثلونه؛ لأنه سألهم. قال ابن عرفة: والآية دالة على اعتبار الأسباب العادية، وهل تدل على أن السبب ما ينافي التوكل، وهو الظاهر والنَّاس على ثلاثة أقسام: فقوم من المتصرفين أفرطوا وتركوا الأسباب وتوكلوا، وآخرون اعتبروا الأسباب فقط، وآخرون فعلوا الأمرين، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصاحب الناقة "اعقلها وتوكل". قال ابن عرفة: واتخاذ السبب عندي أولى وأقرب لمقام التوحيد؛ لأن من أكل وتوكل أكثر توحيد ممن ترك الأكل وتوكل؛ لأن الجوع والشبع بخلق الله تعالى، لا بالأكل وعدمه؛ لأن الذي أكل يؤخذ أنه من جهتين: لأنه يعتقد أن قدرة الله متعلقة بخلق ذلك الشيء المأكول، ويخلق الشبع له عند أكله إياه، والذي لم يأكل معتقد تعلق القدرة بشيء واحد وهو الشبع فقط. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ... (١٦٠)﴾ ابن عرفة: دون أي إشارة لتساوي الأمر، وأن نصرتهم وخذلانهم يالنسبة إلى قدرته متساويان، وليس أحدهما أرجح من الآخر، فإِن قلت: هلا قيل: (إِنَّ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) تنصروا وتظفروا، أو أنتم الغالبون؛ لأنه أصرح في تغلبهم على عدوهم، ولفظ الآية ليس بصريح في غلبهم لعدوهم بل بنفي، وهو أن لَا تغلبوا ولا تغلبوا، قال: وتقدمنا الجواب عنه: بأنه حذف جواب الشرط، وذكر ما يستلزمه والتقدير: إن ينصركم الله ظفرتم ولا غالب لكم، ولو قيل: ظفرتم فقط، لما أفاد انتصارهم في

стр. 420

المستقبل، فقيل: هذا تنبيه على ظفرهم بعدوهم في الحال والاستقبال، أي إن ينصركم الله على عدوكم انتصرتم عليه في الحال، ولا يغلبكم بعد ذلك [أحد*]، إن الله معكم، فذكر ظفرهم بعدوهم في الاستقبال بالطائفة وفي الحال باللزوم، وتقدير الثاني: [وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ*] هزمتم، (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)، وأجيب: أيضا بأن نصرة الله بأحد الوجهين: إما بأن يغلبوا عدوهم، وإما بممانعة حتى يساوونه ولا يغلبهم أحد، وذلك إذا كان أكثر منهم، وأشد قوة، وهم في غاية الضعف، فينصرهم الله عليهم، بمعنى أنه يمنعهم من غلبتهم، وإن قلت في الثاني: (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) فلا ناصر لكم، فالجواب: إذا كان المخاطب موافقا على ما خوطب به، فيؤتى بخطابه بحرف الاستفهام. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ... (١٦١)﴾ قرئ [(يُغَلَّ)، وهو من الغلول، بمعنى الخيانة في الغنيمة وغيرها، وقرئ (يَغُلَّ)] وهو من غل يغل، وهو من الغل، بمعنى الحسد والحقد، وحكى ابن عطية عن الضحاك، أن سبب نزولها أن رسول الله ﷺ بعث طلائع في بعض غزواته، ثم غنم قبل مجيئهم، فقسم للغانمين، ولم يقسم للطلائع فأنزل الله هذه الآية [عليه عتابا*] [**فصرفه عن الجبال معنى، والتقديرية للجهات وهذا قبيح]، ومبادرته لما فيه من التعرض لمقامه والمناقضة، لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى). ابن عرفة: والصواب عندي فيه آخر، وهو أن يبقي على حقيقته، ويكون المراد أن جميع ما صدر منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس بغلول؛ لأنه شرع في أفعاله كلها، لَا غلول فيها بوجه، وإن كان ظاهرها الغلول لمن أراد، ويمنع منهم من رد قراءة (يغل) يعني، ما كان له أن يصور فإلا، أي لَا ينبغي أن يعتقد فيه الغلول بوجه. ابن عرفة: ويصح العكس، وهو رد يُغل إلى يَغل، ويكون فعل على حذف مضاف، وما كان لتابعي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يَغل فإذا لم يَغل [تابعه*] صدق أنه لَا يُغل، وهذا على سبيل النهي. قوله تعالى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

стр. 421

ورد في الحديث "ألا لأعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء، وبقرة لها خوار، وشاة لها يَعَارٌ، فيقول يا محمد، فأقول لَا أملك من الله شيئا" الزمخشري: وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك، فتليت عليه الآية، فقال: إذاً أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل، قال الطيبي: هذا فيه كفر. قال ابن عرفة: إذا كانت البقرة لها خوار والبعير له رغاء، فتكون أيضا نافجة المسك ثقيلة منتنة. قوله تعالى: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ). عام في الفعل، فيقول: الكاسب ومكسوبه من خير وشر، وهم لَا يظلمون، فلا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ... (١٦٢)﴾ قال أبو حيان: هذا يدلك على أن فعل الجزاء التركيب في العطف بالفاء والهمزة، أن المعطوف عليه مقدر قبل الهمزة. قال ابن عرفة: لَا دليل فيها بل التقدير فيها استواء الطائع والعاصي، (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) وتكون الهمزة كهمزة (أَطلَعَ الْغَيْبَ)، فإن قلت: هلا قيل: (أَفَمَنِ اتبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ) كما قيل: (بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) أو يقال: (بِسَخَطٍ) بالإضافة كما قيل: (رِضْوَانَ اللَّهِ) فأجيب بوجهين: الأول: قيل لابن عرفة: أضيف الرضوان إلى الله تشريفا، وفعل السخط منه تأدبا وتعظيما لله تعالى في إضافته إليه وابعاد الشر عنه، كما قال الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)، ثم قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، ولم يقل: وإذا أمرضني مع أن الكل من فعله وخلقه. الوجه الثاني: قال ابن عرفة: إنما الجواب أن تنكير السخط للتعظيم، أي ليس من اتبع أدنى شيء من رضا الله تعالى، (كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ) عظيم من الله فأحرى من اتبع أعلى الرضا، قيل له: ينتفي (مَنْ بَاءَ) بأدنى السخط فقال: الآية إنما خرجت مخرج التنفير والوعظ، فالمناسب التقليل في جانب الرضا، بمعنى أن قليلة لَا يقارب عظيم

стр. 422

السخط ولا يدانيه، فهو نفي تشبيه، قلنا أو ياتال: أن أدنى السخط، وإن قل فهو من العظيم عظيم فيستوي في حقه أقل السخط، وأعلاه بخلاف الرضا. قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ... (١٦٣)﴾ قال الطيبي: عائد على المؤمنين، وقيل: عائد على النوعين، وغلب لفظ الدرجات على الدركات، فإن قلت: هلا عاد على الكافرين فهو أقرب، فأجاب الفخر بوجهين: الأول: أن الكافرين ذكرت عاقبتهم، فقيل: مأواهم جهنم، ولم يقل: يُذكر للمؤمنين شيء. الثاني: إن لفظ الدرجات خاص بأهل السعادة، والمناسب للكافرين الدركة لا الدرجة، وقوله (عِنْدَ اللَّهِ) هي عندية مكانة لَا مكان، وجعلوه على حذف مضاف من الثاني: أي هم ذو درجة. ابن عرفة: وإن شئت قدرته بالأول، أي منازلهم درجات. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... (١٦٤)﴾ ابن عرفة: المن يطلق بمعنى التذكير بالنعمة، ويطلق على التفضل بالنعمة، وهو المراد هنا. ابن عرفة: وفي الآية حجة لأهل السنة في أن بعثه الرسل محض تفضل من الله تعالى؛ لأنها واجبة عليه، لقوله تعالى: (مَنَّ) والمن الفضل بالنعمة فرده عليه بوجهين: الأول: قوله (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) والرسول مبعوث للجميع، فقال المن على المؤمنين باعتبار مآلهم وعاقبة أمرهم في الآخرة. الثاني: قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فالمن عليهم بكون الرسول منهم لَا في نفس بعثته، فقال: قرئ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) بالفتح والضم، فكان بعضهم يصوب الفتح، فإن فيه إعظاما لقدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإعلاما بشرفه، وعلو منزلته، وكان بعض المحققين يصوب الضم، ويقول: هو أقرب لمقام التوحيد، فإن قلت: قد قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَغُلً) فعبر بلفظ دون لفظ الرسول، وعبر هنا بلفظ الرسول فما السر في ذلك؟ فالجواب: أن تلك في مقام الصبر والتخويف، فإذا نفوا عنه من

стр. 423

نسبة الغلول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأحرى الرسول وهذه في مقام التذكير بالنعمة، فناسب فيها لفظ الرسول؛ لأنه أبلغ في الإنعام عليهم. قوله تعالى: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). وتقدم الاتصاف بنقيضها كقوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ... (١٦٥)﴾ قال ابن عطية: الهمزة إما للإنكار أو للتقرير، وضعف ابن عرفة الثاني؛ لأن التقرير في الغالب إنما يكون بأمر ملائم، كقولك: ألم أحسن إليك قيل له: (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) ملائم، فقال: ليس هو من قولهم، والهمزة إنما دخلت على قولهم، قال: والمصيبة هي الأمر المؤلم البين إيلامه، وهمزة التقرير والإنكار لَا تحتاج إلى جواب، فما فائدة الجواب، قيل: إنما هو جواب لقوله: (أَنُّى هَذَا) قال الزمخشري: والمعنى: من أين لكم هذا، فرده أبو حيان بأن (أَنُّى هَذَا) ظرف لا يقدر بأين، وإنما يقدر نهي، وأجيب: بأن ذلك تقرير معنى الجواب: بها على اللفظ ولفظها المناسب فيه من قوله تعالى: (هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) يحسن أن يعزل كل واحد إلى أصحابه، قال الفخر: واحتج بها المعتزلة على أن العبد يخلق أفعاله. ورده ابن عرفة: بأنه لم يقل أحد أن العبد خلق أفعاله غيره، والمصيبة التي أصابت المؤمنين هي بفعل الكافرين، فليس هي فعل لهم، وإنما فعلهم السبب في ذلك فإذا استدلوا بالسبب، قلنا: ليس لهم دليل من الآية بل فيها ما يرده، وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ... (١٦٦)﴾ ابن عطية: فيها تقديم وتأخير، أي بأذن الله ما أصابكم. قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ). أي ليظهر متعلق عمله. ابن عرفة: وهو وعد ووعيد؛ لأنه إذا علم العبد الطائع أن سيده عالم بما هو فاعل من الطاعة يزداد فرحا وسرورا واجتهادا في عمله، وإذا علم العاصي بأن سيده عالم بما هو يفعل من وجوه المخالفات يزداد هما وغما، ويكون ذلك إنذارا له وتنفيرا عن

стр. 424

نعمته، وعبر عن المؤمنين بالاسم والكافرين بالفعل إشارة إلى أن ذلك الوعد إنما هو لمن ثبت له الإيمان في قلبه وفي ظاهره، وأما الوعيد فهو لمن اتصف بأدنى شيء من النفاق فجرت الأولى مجرى الأمر، والثانية مجرى النهي، وفي الحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا". قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ... (١٦٧)﴾ قال أبو حيان: لَا يصح تعلق المجرورين بـ أقرب. ابن عرفة: يقول المعنى (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ) في حالهم إلى الإيمان، أو أقرب منهم مستقلين أو موجهين إلى الإيمان في موضع الحال. قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، نقيضه وهنا إنما عبر عن الأعم فيكون المعنى أنهم يعلمون نفي ذلك. قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ). يستحيل عليهم بالكفر. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا ... (١٦٨)﴾ وذكر أبو حيان في إعرابه وجها ابن عرفة: اللام للتعليل وإخوانهم الموتى، أو للتعدية وإخوانهم الأحياء، وذكر أبو حيان في إعرابه وجها وزاد ابن عرفة بأن يكون مبتدأ وخبره (قُلْ فَادْرَءُوا) والرابط محذوف، أي قل لهم. قال الزمخشري: فإن قلت: فقد كانوا صادقين في دفعهم القتل عن أنفسهم بالقعود، ثم أجاب بوجهين: الأول: أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببا للقعود، وأن يكون غيره، وقد تكون المقاتلة والوقوف سببا للنجاة، ورده ابن عرفة: بأن قولهم: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) موجبة جزئية، إما نقيضها سالبة كلية، وإما السالبة الجزئية نقيضها بوجه، قلت: يريد أنه لَا يكون ردا له، إلا لو كان القعود ليس سببا للنجاة مطلقا، فحينئذ يتم الرد عليهم بذلك مع أنه تارة وتارة، الجواب المعني أنه قيل لهم: لو أطاعوكم لقتلوا قاعدين، فإِن قلت: لم يدعوا نفي الموت وإنما نفوا القتل، فلما قيل لهم: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ)، فالجواب: أن الموت أعم فإذا عجزوا بالأعم دخل في صحبة الأخص، وصيغة أفعل التعجيز وقوله: (ادرَءُوا) ولم يقل: لَا تموتن إشارة إلى

стр. 425

ملازمة الموت لهم، وأنه أمر حتم لَا بد له منه، كما في سورة الجمعة (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) أي يأتيكم ويواجهكم، فإذا فررتم منه، فإليه تفرون. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ... (١٦٩)﴾ ابن عطية: قرأ حميد بن قيس: (وَلَا يَحسَبَن) بياء الغيبة، ورويت عن [ابن*] عامر، وذكرها [ابن*] عامر، وروى هذه القراءة بضم الباء. ابن عرفة: إنما يحسبن الكلام ممن يقول أن السبع غير متواتر، واختلفوا في معنى قوله تعالى: (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، فقيل: أجسادهم في التراب وأرواحهم [في الجنة*]، وفضلوا بالرزق في الجنة، ابن عطية: وهم طبقات وأحوال مختلفة بحجمها أنهم يرزقون أي كما ترى حالات النَّاس مختلفة، فواحد خفيف النوم يستيقظ من أول وهلة، وآخر متوسط فكذلك حياتهم في الآخرة متفاوتة. قوله تعالى: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ... (١٧٠)﴾ قالوا: هذا مطاوع بشر. ابن عرفة: المطاوع غالبا إنما هو في الماضي مثل كسرته فانكسر، وجبرته فانجبر، والذين لم يلحقوا بهم، قيل: هم من تأخر عنهم من الشهداء المقاتلين، وقيل: جميع المؤمنين لم يلحقوا برتبتهم في فضل الشهادة. ابن عرفة: وهو ظاهر لقوله تعالى: (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، ولو أريد الأول لما استبشروا بهذا بل بما هو أخص منه، وهو الثواب العظيم وإنما ينفي الخوف والحزن عن من دونهم ممن لم يترقَ إلى رتبتهم. قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ... (١٧١)﴾ ابن عطية: النعمة الجزاء، والفضل الزيادة عليها. ابن عرفة: ويظهر لي أن النعمة هي نفس الثواب مع اعتبار سببه فحاصله أن اعتبرنا الأمر الملائم من حيث ذاته فهو نعمة، ومن حيث سببه فهو فضل؛ لأن سببه من الله، ولذلك قيد النعمة بقوله تعالى: (مِنَ اللَّهِ) ولم يقيد الفضل، والآية دالة على مذهب أهل السنة في قولهم: إن الثواب محض تفضل من الله تعالى ولا يجب عليه شيء.
следующие страницы →