ورد في الحديث "ألا لأعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء، وبقرة لها خوار، وشاة لها يَعَارٌ، فيقول يا محمد، فأقول لَا أملك من الله شيئا" الزمخشري: وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك، فتليت عليه الآية، فقال: إذاً أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل، قال الطيبي: هذا فيه كفر.
قال ابن عرفة: إذا كانت البقرة لها خوار والبعير له رغاء، فتكون أيضا نافجة المسك ثقيلة منتنة.
قوله تعالى: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ).
عام في الفعل، فيقول: الكاسب ومكسوبه من خير وشر، وهم لَا يظلمون، فلا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ... (١٦٢)﴾
قال أبو حيان: هذا يدلك على أن فعل الجزاء التركيب في العطف بالفاء والهمزة، أن المعطوف عليه مقدر قبل الهمزة.
قال ابن عرفة: لَا دليل فيها بل التقدير فيها استواء الطائع والعاصي، (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) وتكون الهمزة كهمزة (أَطلَعَ الْغَيْبَ)، فإن قلت: هلا قيل: (أَفَمَنِ اتبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ) كما قيل: (بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) أو يقال: (بِسَخَطٍ) بالإضافة كما قيل: (رِضْوَانَ اللَّهِ) فأجيب بوجهين:
الأول: قيل لابن عرفة: أضيف الرضوان إلى الله تشريفا، وفعل السخط منه تأدبا وتعظيما لله تعالى في إضافته إليه وابعاد الشر عنه، كما قال الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)، ثم قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، ولم يقل: وإذا أمرضني مع أن الكل من فعله وخلقه.
الوجه الثاني: قال ابن عرفة: إنما الجواب أن تنكير السخط للتعظيم، أي ليس من اتبع أدنى شيء من رضا الله تعالى، (كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ) عظيم من الله فأحرى من اتبع أعلى الرضا، قيل له: ينتفي (مَنْ بَاءَ) بأدنى السخط فقال: الآية إنما خرجت مخرج التنفير والوعظ، فالمناسب التقليل في جانب الرضا، بمعنى أن قليلة لَا يقارب عظيم
стр. 422
السخط ولا يدانيه، فهو نفي تشبيه، قلنا أو ياتال: أن أدنى السخط، وإن قل فهو من العظيم عظيم فيستوي في حقه أقل السخط، وأعلاه بخلاف الرضا.
قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ... (١٦٣)﴾
قال الطيبي: عائد على المؤمنين، وقيل: عائد على النوعين، وغلب لفظ الدرجات على الدركات، فإن قلت: هلا عاد على الكافرين فهو أقرب، فأجاب الفخر بوجهين:
الأول: أن الكافرين ذكرت عاقبتهم، فقيل: مأواهم جهنم، ولم يقل: يُذكر للمؤمنين شيء.
الثاني: إن لفظ الدرجات خاص بأهل السعادة، والمناسب للكافرين الدركة لا الدرجة، وقوله (عِنْدَ اللَّهِ) هي عندية مكانة لَا مكان، وجعلوه على حذف مضاف من الثاني: أي هم ذو درجة.
ابن عرفة: وإن شئت قدرته بالأول، أي منازلهم درجات.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... (١٦٤)﴾
ابن عرفة: المن يطلق بمعنى التذكير بالنعمة، ويطلق على التفضل بالنعمة، وهو المراد هنا.
ابن عرفة: وفي الآية حجة لأهل السنة في أن بعثه الرسل محض تفضل من الله تعالى؛ لأنها واجبة عليه، لقوله تعالى: (مَنَّ) والمن الفضل بالنعمة فرده عليه بوجهين:
الأول: قوله (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) والرسول مبعوث للجميع، فقال المن على المؤمنين باعتبار مآلهم وعاقبة أمرهم في الآخرة.
الثاني: قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فالمن عليهم بكون الرسول منهم لَا في نفس بعثته، فقال: قرئ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) بالفتح والضم، فكان بعضهم يصوب الفتح، فإن فيه إعظاما لقدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإعلاما بشرفه، وعلو منزلته، وكان بعض المحققين يصوب الضم، ويقول: هو أقرب لمقام التوحيد، فإن قلت: قد قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَغُلً) فعبر بلفظ دون لفظ الرسول، وعبر هنا بلفظ الرسول فما السر في ذلك؟ فالجواب: أن تلك في مقام الصبر والتخويف، فإذا نفوا عنه من
стр. 423
نسبة الغلول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأحرى الرسول وهذه في مقام التذكير بالنعمة، فناسب فيها لفظ الرسول؛ لأنه أبلغ في الإنعام عليهم.
قوله تعالى: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
وتقدم الاتصاف بنقيضها كقوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى).
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ... (١٦٥)﴾
قال ابن عطية: الهمزة إما للإنكار أو للتقرير، وضعف ابن عرفة الثاني؛ لأن التقرير في الغالب إنما يكون بأمر ملائم، كقولك: ألم أحسن إليك قيل له: (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) ملائم، فقال: ليس هو من قولهم، والهمزة إنما دخلت على قولهم، قال: والمصيبة هي الأمر المؤلم البين إيلامه، وهمزة التقرير والإنكار لَا تحتاج إلى جواب، فما فائدة الجواب، قيل: إنما هو جواب لقوله: (أَنُّى هَذَا) قال الزمخشري: والمعنى: من أين لكم هذا، فرده أبو حيان بأن (أَنُّى هَذَا) ظرف لا يقدر بأين، وإنما يقدر نهي، وأجيب: بأن ذلك تقرير معنى الجواب: بها على اللفظ ولفظها المناسب فيه من قوله تعالى: (هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) يحسن أن يعزل كل واحد إلى أصحابه، قال الفخر: واحتج بها المعتزلة على أن العبد يخلق أفعاله.
ورده ابن عرفة: بأنه لم يقل أحد أن العبد خلق أفعاله غيره، والمصيبة التي أصابت المؤمنين هي بفعل الكافرين، فليس هي فعل لهم، وإنما فعلهم السبب في ذلك فإذا استدلوا بالسبب، قلنا: ليس لهم دليل من الآية بل فيها ما يرده، وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ... (١٦٦)﴾
ابن عطية: فيها تقديم وتأخير، أي بأذن الله ما أصابكم.
قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ).
أي ليظهر متعلق عمله.
ابن عرفة: وهو وعد ووعيد؛ لأنه إذا علم العبد الطائع أن سيده عالم بما هو فاعل من الطاعة يزداد فرحا وسرورا واجتهادا في عمله، وإذا علم العاصي بأن سيده عالم بما هو يفعل من وجوه المخالفات يزداد هما وغما، ويكون ذلك إنذارا له وتنفيرا عن
стр. 424
نعمته، وعبر عن المؤمنين بالاسم والكافرين بالفعل إشارة إلى أن ذلك الوعد إنما هو لمن ثبت له الإيمان في قلبه وفي ظاهره، وأما الوعيد فهو لمن اتصف بأدنى شيء من النفاق فجرت الأولى مجرى الأمر، والثانية مجرى النهي، وفي الحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا".
قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ... (١٦٧)﴾
قال أبو حيان: لَا يصح تعلق المجرورين بـ أقرب.
ابن عرفة: يقول المعنى (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ) في حالهم إلى الإيمان، أو أقرب منهم مستقلين أو موجهين إلى الإيمان في موضع الحال.
قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، نقيضه وهنا إنما عبر عن الأعم فيكون المعنى أنهم يعلمون نفي ذلك.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ).
يستحيل عليهم بالكفر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا ... (١٦٨)﴾
وذكر أبو حيان في إعرابه وجها ابن عرفة: اللام للتعليل وإخوانهم الموتى، أو للتعدية وإخوانهم الأحياء، وذكر أبو حيان في إعرابه وجها وزاد ابن عرفة بأن يكون مبتدأ وخبره (قُلْ فَادْرَءُوا) والرابط محذوف، أي قل لهم.
قال الزمخشري: فإن قلت: فقد كانوا صادقين في دفعهم القتل عن أنفسهم بالقعود، ثم أجاب بوجهين:
الأول: أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببا للقعود، وأن يكون غيره، وقد تكون المقاتلة والوقوف سببا للنجاة، ورده ابن عرفة: بأن قولهم: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) موجبة جزئية، إما نقيضها سالبة كلية، وإما السالبة الجزئية نقيضها بوجه، قلت: يريد أنه لَا يكون ردا له، إلا لو كان القعود ليس سببا للنجاة مطلقا، فحينئذ يتم الرد عليهم بذلك مع أنه تارة وتارة، الجواب المعني أنه قيل لهم: لو أطاعوكم لقتلوا قاعدين، فإِن قلت: لم يدعوا نفي الموت وإنما نفوا القتل، فلما قيل لهم: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ)، فالجواب: أن الموت أعم فإذا عجزوا بالأعم دخل في صحبة الأخص، وصيغة أفعل التعجيز وقوله: (ادرَءُوا) ولم يقل: لَا تموتن إشارة إلى
стр. 425
ملازمة الموت لهم، وأنه أمر حتم لَا بد له منه، كما في سورة الجمعة (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) أي يأتيكم ويواجهكم، فإذا فررتم منه، فإليه تفرون.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ... (١٦٩)﴾
ابن عطية: قرأ حميد بن قيس: (وَلَا يَحسَبَن) بياء الغيبة، ورويت عن [ابن*] عامر، وذكرها [ابن*] عامر، وروى هذه القراءة بضم الباء.
ابن عرفة: إنما يحسبن الكلام ممن يقول أن السبع غير متواتر، واختلفوا في معنى قوله تعالى: (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، فقيل: أجسادهم في التراب وأرواحهم [في الجنة*]، وفضلوا بالرزق في الجنة، ابن عطية: وهم طبقات وأحوال مختلفة بحجمها أنهم يرزقون أي كما ترى حالات النَّاس مختلفة، فواحد خفيف النوم يستيقظ من أول وهلة، وآخر متوسط فكذلك حياتهم في الآخرة متفاوتة.
قوله تعالى: ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ... (١٧٠)﴾
قالوا: هذا مطاوع بشر.
ابن عرفة: المطاوع غالبا إنما هو في الماضي مثل كسرته فانكسر، وجبرته فانجبر، والذين لم يلحقوا بهم، قيل: هم من تأخر عنهم من الشهداء المقاتلين، وقيل: جميع المؤمنين لم يلحقوا برتبتهم في فضل الشهادة.
ابن عرفة: وهو ظاهر لقوله تعالى: (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، ولو أريد الأول لما استبشروا بهذا بل بما هو أخص منه، وهو الثواب العظيم وإنما ينفي الخوف والحزن عن من دونهم ممن لم يترقَ إلى رتبتهم.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ... (١٧١)﴾
ابن عطية: النعمة الجزاء، والفضل الزيادة عليها.
ابن عرفة: ويظهر لي أن النعمة هي نفس الثواب مع اعتبار سببه فحاصله أن اعتبرنا الأمر الملائم من حيث ذاته فهو نعمة، ومن حيث سببه فهو فضل؛ لأن سببه من الله، ولذلك قيد النعمة بقوله تعالى: (مِنَ اللَّهِ) ولم يقيد الفضل، والآية دالة على مذهب أهل السنة في قولهم: إن الثواب محض تفضل من الله تعالى ولا يجب عليه شيء.
стр. 426
قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).
على قراءة الكسر.
قال ابن عرفة: ويحتمل أن يكون جملة اعتراض، وغالب ظني أن في صحة كونها بالواو خلاف ومنه قوله:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على النَّاس تعلم
كذلك قوله تعالى: (إِنَّ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتبِعُوا الْهَوَى) جعلوا الجواب (فَلا تَتبِعُوا الْهَوَى).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ ... (١٧٢)﴾
استجاب إذلال له عن، وأجاب بالموافق، وأما أجاب فمطلق يتناول الإتيان بالموافق والمخالف.
قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا).
ابن عرفة: هو على التوزيع، فمنهم من يبلغ درجة الإحسان كأبي بكر وعمر ﵄، ومنهم من هو دون ذلك فهو في رتبة المتقين كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود ﵄ وأمثالها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ... (١٧٣)﴾
قال الزمخشري: الفاعل عائد على القول، أبو حيان: أو على لفظ النَّاس؛ لأن الجمع يزاد على لفظه فيفرده الغير، ومعناه فنجمع.
ابن عرفة: وأيضا فهو اسم جمع لَا جمع فإفراد ضميره أسهل من إفراد ضمير الجمع.
ابن عرفة: وانظر حيلة هذا القائل إذا لم يبالغ أن تأكيد خبره فأكده بـ إن فقط، ولم يؤكد مع ذلك باللام خشية أن يتفطن ويحترز منه فجاء به لمقام التوسط ليكون ذلك ادعاء لتصديقه وقبول خبره، وقوله تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا).
قال ابن عرفة: هذا يشبه قلب النكتة وهو الاحتجاج بدليل الخصم على نقيض دعواه فكذلك هذا المخبر أراد بقوله: أن يثبطهم عن الخروج للقتال فكان ذلك سببا في تحريضهم على الخروج والمقاتلة، وحكى ابن عطية: الخلاف في زيادة الإيمان،
стр. 427
فقيل: باعتبار كثرة الدلائل، وقيل: باعتبار الأعمال، وقيل: باعتبار نزول السور والأحكام شيئا فشيئا فمنهما ورد على شيء منها آمن به، وقال أبو المعالي: الإيمان عرض لَا يبقى زمانين فخلف بعضه بعضا.
ابن عرفة: والتحقيق أن القدر المجزئ منه لَا يزيد ولا ينقص، والإيمان الكامل يزيد وينقص، قيل له: القول زيادة معلومة، وفي نسخة ملزومة لاجتماع الأمثال في محل واحد فقال: قد قال إمام الحرمين: إنه عرض لَا يبقى زمانين فلا يجتمع الأمثال بوجه قال: والآية تدل على أن الزيادة في نفس الإيمان لَا باعتبار الأعمال؛ لأن حين هذا كانوا جلوسا غير منتصبين للقتال، فزادهم ذلك خشية وإيمانا وفرة في الاعتقاد القلبي، ثم بعد ذلك تحركوا للخروج والمبارزة، وحكى ابن عطية: أن المسلمين تحرجوا من الخروج، ومحكي في السير أنهم اختلفوا فمنهم من عزم على الخروج وهان عليه، ومنهم من شق ذلك عليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ... (١٧٥)﴾
أبو حيان: إن أريد الشيطان بنفسه فهو إما علم لإبليس أو صفة؛ لأن الوصف العلم قد يخرج على ..... سماع الصفة.
قوله تعالى: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ).
قيل: المعنى يخوفكم أولياءه، وقيل: يخوف أولياءه من أشياء.
ابن عرفة: وعلى الثاني يكون فلا تخافوهم التفاتا وفيه بعد؛ لأنه لَا يلتفت من الغيبة إلى الخطاب إلا قصد الإقبال على المخاطب، وهؤلاء منافقون فيهم مبعدون مطرودون، وإن أريد بالخطاب المؤمنون فظاهر لكن يجيء فيه تفكيك الضمائر، والمعنى فلا تخافوهم وتقعدوا عن الخروج وخافوا وأخرجوا إلى القتال (إِنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
قوله تعالى: (إِنَّ كُنْتُم).
تأسيس على أن الخطاب يكون للمنافقين وتأكيد على أنه للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ ... (١٧٦)﴾
من باب [لَا أرينك هاهنا*] إلا في باب لَا يعم؛ لأن النهي بها للفاعل، وفاعل الأحزاب غير من خوطب فالمعنى لَا تحزن فيحزنك.
стр. 428
قوله تعالى: (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ).
عداه بـ في دون الباء للمبالغة في دخولهم في الكفر، فهو مثل (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)؛ لأنهم إذا لم يحزنهم الفزع الأكبر فأحرى ما دونه وكذلك هنا.
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ).
إشارة لحرمانهم من دخول الجنة ولا يلزم منه تعذيبهم، فقوله تعالى: (وَلَهُم عَذَاب أَلِيم) تأسيس.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ... (١٧٧)﴾
جعلهم باعوا الإيمان ولم يكن تحصل لهم بوجه إما لظهور دلائله ووضوحه فهو حاصل لهم، وإما لحديث: كل مولود يولد على الفطرة"، أو لأن من حضر في شيء ... فكأنهم اختاروا الإيمان وانتقلوا عنه بعد الكفر، وقال في الأولى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) لأن كفرهم أشد لقوله تعالى: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) وهم سارعوا إليه قبل غيرهم وهؤلاء كفروا بعد نور أو تأمل فناسب أن الأولين لهم عذاب عظيم، وهؤلاء دون ذلك؛ لأن العظيم أعظم من الأليم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ... (١٧٨)﴾
قال أبو حيان: على قراءة الخطاب يكون (الَّذِينَ) مفعول، وإنما يدل مثلها في قول بعضهم لبعض، فرده ابن عرفة: بأن بعضهم بدل وفرق مفعول بأن، وهنا ليس ثم ما يكون مفعولا، وأعربه الطيبي إنما بمعنى بدل لهم وبدل من الذين وجد أن سدَّها مسد المفعولين، قيل: قال ابن عطية: قرئ على أبي الفارسي: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا) بفتح (أَنَّمَا) لَا تكون مفعولا ثانيا، والمفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى وليس هم نفس الإملاء.
ابن عرفة: إلا أن يجعله مثل (وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ) أي ذوي البر منها، أو البر من آمن، وأنشد سيبويه:
وكيف بحال من أصبحت ... حالته كأبي مرحب
أي كحالة أبي مرحب، فالمعنى هنا (وَلَا يَحسَبَن الَّذِينَ كَفَرُوا) قال بعض الطلبة: إنما ذلك حيث يكون جملة الخبرية من ضمير يعود على المبتدأ أما إذا كان فيه
стр. 429
ضميرا يربط بينها وبين ..... مثل ابن عرفة: في المفتوحة إنها جميع ما بعدها في قراءة المفرد فإنما المعنى (الذينَ كَفَرُوا) أملأنا الخير لهم، وهذا لَا يجوز؛ لأن الإملاء بمعنى، (الَّذِينَ كَفَرُوا) ذات معنى لَا يكون خبرا عن الذات، ثم عقبه بقوله (عَذَاب مُهِين)، لأن الإملاء فيه باعتبار الظاهر رفعة لهم لأجل إمهالهم ونيلهم شهواتهم ولذاتهم الدنيوية فناسب لفظ المهانة والزلة، وأيضا فهو نقيض الطول كما أن الإملاء مشعر بالطول.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ ... (١٧٩)﴾
ابن عرفة: هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب وليس بالتفات ويكون المراد بالمؤمنين جميع من آمن به ومن سيؤمن من إلى قيام الساعة، وكان تقدم لنا في هذه الآية فيه سؤالان؛ لأن الخبيث فالإعجاب بالكثرة يدل على ما كثر من الطيب، والقاعدة أن القليل هو الذي يميز من الكثير، فهلا قيل: (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ).
السؤال الثاني: نقول إن الآية على صحة أبي حنيفة في أن الأصل في النَّاس العدالة؛ لأن العميد قال في الصورة المفردة إذا أشكل علينا بتعينها لأحدى نوعين الجملة بالتعيين فإنا نحملها بأكثر النوعين، وفي مذهبنا أن الصفقة إذا احتملت الصحة والفساد فإنها تحمل على الصحة ما لم يكن الفساد في النَّاس أغلب، فإنها تحمل وقد ثبت بهذه الآية أن الطيب أكثر من الخبيث؛ لأن القليل هو الذي يميز من الكثير فينتج أن العدالة في النَّاس أكثر من الجرح، فمن شككنا فيه أضفناه إلى الأكثر وحكما الأصل في النَّاس العدالة كما قال أبو حنيفة.
والجواب عن الأول أن قوله تعالى: (وَلَوْ أَعجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ) في سياق الشرط، فيدل على فرض وقوعه وتقديره لَا على أصوله وثبوته وتحقق وجوده بالفعل يقول: لم يقم زيد، ويقول: لو قام زيد لأكرمته فلا يتنافيان فيكون الخبيث أكثر عن واقع بل مقدر للوقوع.
والجواب عن السؤال الثاني: أن قولهم: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) خطاب للصحابة وكلهم عدول، فالأصل أن ذاك في النَّاس العدالة.
стр. 430
ابن عرفة: ومن قرله (مِنَ الطَّيِّبِ) يتبين لَا لبيان الجنس مثل ما في الحديث: "لست من دد ولا دد مني". فإِن قلت: ما بعد الغاية مخالف لما قبلها فينتج الله ميز الخبيث من الطيب بترك المؤمنين على ما هم عليه من الاختلاط وهنا لا يصح.
ابن عرفة: ويجاب بأن الاختلاط أشكال معلقا بمعنى أنه لَا يعلم المؤمنين من المنافقين، واختلاط أشكال بوجه لَا كعما قد يجمعا مخلطا فيه الأبيض والأكحل والعفن والسالم تمييز الأبيض من الأسود، فإنه لَا يزال مسالمة مختلطا ببعضه فكذلك لا تميزهم خبيثهم من طيبهم بالمعرفة فيعلم الكافر من المؤمن ولا يزالون مختلطون بالمعاشرة والسكنى وغير ذلك.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) من للتبعيض، قال الله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
قوله تعالى: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ).
دليل على أن التقوى وصف زائد على الإيمان لقوله تعالى: (عَظِيمٌ).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (١٨٠)﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم قال: (وَلَا يَحْسَبَن الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) فعبر عن كفرهم بلفظ الماضي ثم قال هنا: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) فعبر عن بخلهم بلفظ المستقبل مع أن الكلام فيهم بعد وقوع البخل منهم والكفر، فالجواب: إن الكفر متعلق بشيء وهو حجة الإله والرسول فإذا اعتقد هذا كان كافرا ودوامه عليه بقاء لا يجدد، والبخل له متعلقات متعددة؛ لأنه يبخل بكذا ويبخل بكذا، ولا يسمى بخيلا حتى تتعدد متعلقات بخله وتتكرر منه بخلاف الكفر؛ لأنه باعتقاده له أول مرة يسمى كافرا، فإذا دام عليه فهو بقاء لَا تجديد، قال ابن عطية: وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما من ذي رحم يأتي رحمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة شجاع من نار يلتطمه حتى يطوقه".
ابن عرفة: فحمله عندنا على من يجب عليه نفقته من الأقارب، أو حيث تجب المساواة وذلك عند الضرورة الملحقة، لكن يستوي في هذا القريب والبعيد إلا أن
стр. 431
القريب أرجح، ابن عطية: وقال ابن عباس نزلت الآية في بخل أهل الكتاب ببيان ما علمهم الله من أمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال ابن عرفة: الصادر من أهل الكتاب الجحد والإنكار للدلائل الواردة في كتابهم، وهو أشد من الكفر وإنَّمَا كانوا يوصفون بالبخل أن لو سكتوا على ذلك فقط بل تكلموا بنقيضه، قال: وهو على حذف مضاف أي ولا تحسبن بخل الذين يبخلون.
ابن عرفة: أو بقدره في الثاني: أي (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) هو ذا خير لهم لكن يبعد هذا لأجل الفضل والإضراب بل إن كان متعن الحسبان فهو إضراب إبطال، وإن كان عن نفس الحسبان هو إضراب انتقال.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
عطف الأرض المستوية أي كما يعتقدون أن السماوات ليست ملكا لهم وإنما هي لله تعالى فكذلك الأرض، ومثله قوله تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) أي كما علمتم أنه يعلم جهركم، فلذلك علمه لسركم مساو علمه لجهركم، والمراد ميراث ما فيها؛ لأنه لم يدع أحد ملك ذواتها، والميراث يقتضي إما ملكا مسبوقا بعدم أو مخلوقا بعده، فالأول: ملك الوارث، والثاني: ملك الموروث عنه؛ لأنه مخلوق بعدم.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
وعد ووعيد.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... (١٨١)﴾
قال ابن عرفة: الآية دالة على إثبات صفة السمع لله تعالى ومذهبنا أنهما مغايرة لصفة العلم، والمعتزلة يقولون: إنهما شيء واحد، قيل له: القرآن معجزة والمعجزة ينزل قول الملك صدق عبدي، وهذا مسموع فتجيء به إثبات السمع بالسمع، فقال: إنما المعجزة محصلة للعلم بمدلول صدق عبدي؛ لأنها بمنزلة سماع لفظ صدق عبدي.
قال الزمخشري فإن قلت: عبر عن السماع بالماضي، وعن الكتاب بالمستقبل ثم أجاب: بأن السامع إذا كان على وثوق من نفسه أنه لَا يتسنى ما سمع، فإنه يتراخى في كتبه ولا يكتبه إلا بعد مدة طويلة، وأجاب ابن عرفة: بأن المراد بالكتاب الجزاء أي سيجازيهم على قولهم ذلك، والجزاء مستقبل لَا ماض.
стр. 432
ابن عرفة: ومن حيلتهم ودهائهم بالكتاب تأكيدهم نسبة الفقر إلى الله تعالى وعدم تأكيدهم نسبة الغناء إلى أنفسهم كان ذلك عندهم أمر جعلي وحق بين لأمر به فيه.
قوله تعالى: (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).
إما أنه على حذف مضاف أي وقتلهم آبائهم الأنبياء بغير واو إما أنه نسب إليهم فعل القتل مجازا لرضاهم بفعل آبائهم، فيتعارض فيه المجاز والإضمار، وفيه ثلاثة أقوال ثالثها أنهما سواء.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ حَقٍّ).
أي بلا شبهة ولا دليل.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ... (١٨٢)﴾
مع أنهم تقدم منهم العصيان بالقول والفعل، ثم ذكر هنا أنهم عوقبوا بسبب الفعل فقط، فالجواب: إما بأن المراد بالأيدي الكسب أي مما كسبتم وافترقتم فيتناول القول والفعل، وإما بأن القول في الوجود أكثر من الفعل، فإذا عوقبوا بسبب الأخص للأقل دل على العقوبة على ما فرقه من باب أحرى قيل له: بل الفعل أشد من القول فقال: لا بل القول أشد بدليل الكفر فإنه قولي، أي ذلك بسبب حرمكم وعدل إليه.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ... (١٨٣)﴾
ابن عرفة: في الآية إشكال وهو أن اليهود ينكرون النسخ كذا نقل عنهم الأصوليون، وهذا القول إقرار منهم بالنسخ لاقتضائه أن شريعته تنسخ إذا أتاهم رسول بقربان تأكله النار، وقد أتاهم كثير من الأنبياء وقتلوهم، قيل لهم: هم أنبياء لَا رسل، أو هم رسل أتوا بشريعة موافقة لشريعتهم لَا مخالفة، فرده ابن عرفة: بأن هذه مقالة منهم مع محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أتاهم بشريعة ناسخة لشريعتهم، وكذلك عيسى ﵇ من قبله.
قوله تعالى: (بِالْبَيِّنَاتِ).
أي بالمعجزات وبالذي قلتم هي الآية المقترحة التي إن خالفوا بعدها عجلوا بالعقوبة وليس المراد نفس أمر ما قيل لما قالوا، لأن الذي قالوا لم يقع.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... (١٨٥)﴾
قال ابن عطية: نزلت تسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 433
ابن عرفة: بل وعيد لهم، وإنما التسلية بقوله تعالى: (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) ثم عقبه ببيان أنهم يموتون ويصير كل فريق إلى قدر له من الثواب والعقاب.
ابن عرفة: والدليل على أن الآية إنذار ووعيد للجميع.
قوله تعالى: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ).
الزحزح يقتضي أن الأصل مماسة النار وملاصقتها للجميع قال تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، وقال بعض المتصوفة: ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن سلم كيف سلم.
قال ابن عرفة: وهذا عام باق على عمومه، إن قلنا: إن ذات الله لَا مطلق عليها نفس وإن جوز ما إطلاق النفس عليها أخذا بظاهر قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)، فيكون مخصوصا قيل له: الأرواح للنفس قال الفخر: ويتناول الجمادات فرده ابن عرفة: بقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ) وبأن الموت إنما مصدق على من يقتل الحياة، قال: إلا أن يريد بالنفس الذات ويجعله من قسم السلب مثل الحائط لَا يبصر إلا من قسم العدم، والملكة مثل: زيد لَا يبصر، قال: وذكر الأصوليون والمناطقة والنحويون الكل والكلي والكلية، فالكل: الحكم على المجموع من حيث هو مثل: ... ، والكلي: هو ما لَا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الحركة فيه مثل: الإنسان حيوان، والكلية: هي الحكم على المجموع باعتبار تتبع الأفراد، مثل كل إنسان حيوان موجود في زمن، وهذه الآية من قسم الكلية بحسب التمثيل بها.
قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... (١٨٦)﴾
قال ابن عطية: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولسائر أمته. ابن عرفة: لَا ينبغي إدخال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا [الخطاب*]؛ لأن هذا الخطاب تهيئة الصبر على المصائب، وتوطين النفس عليها ليكون المخاطب على هيئة خشية أن يلحقه خوف وهلع، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن لا يتأتى لمثل ذلك، وقد قال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
стр. 434
قال ابن عرفة: والعطف ترق لكن قصر الأصوليون في الكليات الخمس أن آكدها حفظ الأديان، ثم النفوس ثم العقول ثم الأنساب ثم الأموال، كذا رتبها الآمدي، وابن الحاجب، وقال ابن التلمساني: آكدها الدين وحفظ الأنساب وحفظ الأعراض وحفظ العقل وحفظ المال، وظاهر الآية مخالف لذلك سيما بين قوله تعالى: (أَنْفُسِكُمْ) مع قوله: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فيوهم أن حفظ الأعراض آكد من حفظ النفوس وأميز، كذلك؛ لأن الأعراض إنما فيها حد القذف، والنفوس فيها القصاص في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، حتى قال ابن عباس وغيره: إن قاتل النفس مخلد في النار ولا تنفعه توبة، لكن [يجاب*] بأن ضم حفظ الأعراض هنا إلى سبب نزول الآية يدل على أن [هذا*] راجع لحفظ الأديان، وهو آكد من حفظ النفوس، كما سبق فصح أنه ترق على بابه، قيل لابن عرفة: (وَلَتَسْمَعُنَّ) مستقبل وما ذكروه في سبب نزول الآية تقتضي أنه متقدم عليها، فقال: هو واقع فيها معنى، وتزايد في المستقبل.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا).
عبر بإن دون إذا مع أن الصبر مطلوب لواجبة مراد وقوعه فهو إشارة إلى المعتبر منه، المشكوك في وقوعه منهم فإذا أمر بالمعتبر منه أمر معزوما عليهم دل على الأمر بالمتيسر منه من باب أحرى، فإن قلت: لم قال (وَتَتَقُوا)، قلت: لأن الصبر على نوعين: تارة: يكون للتجلد، [والحمية*] في الباطل وإظهار القوة والرياء والسمعة، وتارة: يكون للتقوى ونصرة دين الله [فأُمروا*] بأن يصبروا صبرا يبتغون به وجه الله وهو الذي يصحبه التقوى فقط.
قوله تعالى: (فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
فهو دليل على الجواب وعلة له، أي يجوزوا الفضيلة العظمى؛ لأنكم أسلمتم أمرا معزوما عليكم فيه والأمور، قال ابن عطية: فالمراد هنا الشان.
ابن عرفة: وهو عام لكن جمع لاختلاف أنواعه.
قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ... (١٨٧)﴾
ابن عرفة: إن قلت: المناسب في الترتيب باعتبار الفهم عكس هذا؛ لأن عدم كتمانه إنما يفيد لقاءه فقط هو الفاء مبين أو غير مبين، والأمر بتبيانه بعد الأمر بالغاية المفهوم، من قوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) وزيادة فلو عكس لكان الأمر تأسيسا وهو ملقى، أو لَا غير مبين ثم بين في تأتي حال، قال: والجواب أنه روعي فيه ما تقرر من
стр. 435
أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وثبوت الأخص يستلزم نفي الأعم؛ لأن هذا البيان عدم البيان، ويكون إما بكتم الكتاب عنهم من أصل، وإما بإلقائه لهم مبهما غير مبين فلما أمر بالبيان توهم أنهم ما بيتوا للأمة إلا ما سمعوه منهم، وأما ما يبلغ النَّاس فلا يلزمهم ببيانه، فقيل: فلا تكتموا عنهم ما بلغكم منه ولم يشعروهم به، قلت: لئلا يقال أنهم ما يجب عليهم أن تبلغوا النَّاس إلا آية التكليف وما يتعلق به حكم من وعد ووعيد ونحوه، فيبلغون ويعلموا بمقتضاه وما سوى ذلك هي القصص الخارجة عن أمور التكاليف العملية والعلمية فليس بواجب عليهم فأخبر عن ذلك بقوله تعالى: (وَلَا وَلَا تَكْتُمُونَهُ)، وأجيب أيضا بأن المراد (لَتُبَيِّنُنَّهُ) لعوام النَّاس (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) عن خواصهم أي القوه مبينا وغير مبين بحسب الحاضرين، قلت: وأمروا ببيان ما نزل فيه إذا كانوا يلقوه عليهم غير مبين، وأن لَا يكتم عنهم ما سينزل منه في المستقبل.
قوله تعالى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ).
قال الفقيه أبو العباس أحمد بن غلبون يقول: الظهر هو الوجه، فهو من وجوه قدامهم، وأجيب: بأن المراد بالظهر مقابل الأمام فهم نبذوه ورائهم مبالغة في النبذ، وتقدم نظيره في البقرة.
قوله تعالى: (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).
جعل الثمن مشترى، وهم متمنون لكن كل واحد منهما مشتري يباع، وانظر ما سبق في البقرة في قوله تعالى: (ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ... (١٨٨)﴾
ابن عطية: قرأ حمزة (لَا تَحْسَبَنَّ) بالتاء وكسر السين فلا تحسبنهم بالتاء، وكسر السين وفتح الباء.
ابن عرفة: الذي ذكر في القراءة بفتح السين وتنكير مفازة للتقليل، أي لَا تحسبنهم بمفازة قليلة من العذاب، وإذا انتفى دل على نفي الكثير من باب أحرى.
قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
ابن عرفة: وتقدم لنا أن هذه الواو عكس هذه الواو في قوله تعالى: (يَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُم) لأن تلك نص سيبويه على أنها واو الحال، وليست عاطفة والمانع لفظي حسبه المفهوم.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (١٨٩)﴾
стр. 436
ابن عرفة: يؤخذ منها أن الحوز دليل الملك، وأن ملك الظرف يستلزم ملك المظروف؛ لأنه مالك لما في السماوات وما في الأرض بإجماع فجعل هنا ملكها مستلزما لملك ما فيها، واستغنى بذكره عنه، وذكره في كتاب الصلاة في باب الإمامة: إذا رجلين راكبين على بهيمة فادعياها معا أنها لمن ركب في مقدمتها، قيل: وإن كان المتأخر أعمى، قال: نعم، قاله ابن الهندي، وانظر آخر البقرة، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، حكى ابن عرفة عن ابن الباقلاني أنه عام مخصوص بالمستحيل.
ابن عرفة: فظاهر أن المستحيل يطلق عليه شيء وأكثر الأصوليين كالتلمساني، وغيره منعوا ذلك وبعضهم جوز الإطلاق، وحكى الآمدي مسألتين:
أحدهما: هل يطلق على المعدوم شيء أم لا، [ولا يبنى عليه*] كفر ولا إيمان؟
والثاني: هل المعدوم تقرر في الأزل أم لَا؟، فنحن ننفيه وهم يثبتونه، ويلزمهم قدم العالم.
ابن عرفة: في الثاني ليس المحال شيء باتفاق، وعلى الأول هو شيء، قال: [تاج الدين في الحاصل*] والسراج في اختصار المحصول: اتفق أهل السنة والمعتزلة على أن المعدوم المستحيل لَا يطلق عليه شيء، وإنما الخلاف في المعدوم الممكن، وحكى الشيرازي شارح ابن الحاجب الإجماع أنه لَا يستحيل شيء، وحكى الأصبهاني شارح ابن الحاجب أن المستحيل شيء نكرة في باب المستحيل للعام والخاص، لما ذكر ابن الحاجب التخصيص، وذكر هذه الآية تعقبها، قال الأصبهاني: إنها مخصوصة بواجب الوجود والمستحيل، فظاهر صحة إطلاق لفظ شيء يدل عليه، وقال الشيرازي: في حد القياس حمل معلوم إنما لم يقل: حمل شيء لدخل المعدوم، والممكن عندنا والمستحيل عندنا، وعند المعتزلة فظاهره الاتفاق على أنه ليس شيء، وكذا قال ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية، وظاهر كلام ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في حد القياس المعدوم ليس بشيء، فإنه قال حمل معلوم على معلوم، ثم قال: وإنما لم يقل: حمل شيء ليدخل المعدوم، قيل لابن عرفة: وحاصل عند الأصوليين، فقال فإما بذاتها فليس بشيء، لأنها لَا موجودة ولا معدومة، وإما باعتبار من شيء تابعة له فهو شيء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (١٩٠)﴾
стр. 437
قال ابن عرفة: اختلفوا هل الخلق نفس المخلوق أو غيره؟ فحجة من قال: [إنه*] نفسه فإنه لو كان غيره للزم عليه إما قدم العالم إذا قلنا: إن ذلك الخلق لَا يفتقر إلى خلق آخر، وإما مع التسلسل إذا قلنا بالافتقار، وأجاب الآخرون بأنه لو كان نفسه للزم عليه إضافة الشيء إلى نفسه في هذه الآية وأمثالها.
ابن عرفة: والتحقيق في الشرع يطلق ويراد نفس المخلوق، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) والآخر يطلق على الإنشاء والاختراع والتكوين كهذه الآية، والتأكيد من تنبيه على غفلة النَّاس كالتفكر في مخلوقات الله تعالى كقول الشاعر:
جاءَ شقيقٌ عارضًا رُمْحَه ... إِن بني عَمِّكَ فيهم رِمَاحُ
واكتفى هنا بذكر الليل والنهار عن ذكر لازمها، وهما الشمس والقمر وعكس في نوح، فقال: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦).
قوله تعالى: (لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
أي في كل واحد منهن آية، ابن عطية: والمراد العقل التكليفي لَا أزيد من ذلك.
قوله تعالى: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا ... (١٩١)﴾
جعل ابن عطية الواو بمعنى، أو فهو على تنويع النَّاس، الزمخشري: ابن عمر وعروة وجماعة، أنهم خرجوا يوم العيد فتلا بعضهم هذه الآية، فقاموا يذكرون الله على أقدامهم.
ابن عرفة: مذهبنا أن الذكر جالسا أفضل، ابن عطية: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لَا عبادة كالتفكر" ابن عرفة: لأنه إذا تفكر في مخلوقاته وقدرته يستزيد علما بمعبوده، ومجرد العبادة لَا تزيد علما فلذلك كان التفكير أفضل.
قوله تعالى: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا).
فسره الزمخشري على مذهبه، وهو ظاهر في مذهبهم، وكان بعضهم يستضعف فهم الآية على مذهب أهل السنة، وسألني عنها فقلت له: معناها ما خلقت هذا مخالفا لما أتتنا به الرسل عنه من الحصر والنشر والإعادة والثواب والعقاب بل هو موافق ذلك، ودليل عليه لَا لأجله وعلة فيه، ومثله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) وكون فعل الله تعالى إما واجب، وإما جائز، أو مستحيل فالمعتزلة يقولون: بالوجوب بقاعدة التحسين والتقبيح العقلي، ونحن نمنع
стр. 438
ذلك، ونقول: إنما هو ارتباط عادي يجوز بخلفه، وكان بعضهم لهيئة علة لَا عقلية، وبعضهم يتحاشا عن تسميته عله، بل ارتباط عادي شرعي، وأفعال الله غير معللة، ولابن سلامة هذا كلام ضعيف، وما قلناه أصوب.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ... (١٩٢)﴾
ابن عرفة: في هذا الدعاء تلطف من وجهين: من تكرار النداء خمس مرات، ويكونه بلفظ الرب المشعر بالحنان، والشفقة، فإن قلت: الملازمة بين الشرط وجوابه حجة واضحة فما فائدة تأكيده بإن، فأجاب بعض الطلبة: باحتمال كونها تعليلا، لقوله تعالى: (سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) واستبعده ابن عرفة للفصل، وذكر أبو حيان في إعرابها ثلاثة أوجه: زاد ابن عرفة رابعها: وهو أنه مبتدأ وتدخل وحدها خبرها على الوجه الضعيف للذي ذكروه في قوله:
قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ
بالرفع في قوله: ..... ، واحتج الزمخشري بالآية على نفي الشفاعة؛ لأن الخزي يقتضي عدم خروجهم منها.
ورده ابن عرفة: لصحة صدق الخزي على كل من دخلها ولا تعكر علينا: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) لاحتمال الوقف عند قوله (النَّبِيَّ).
قال ابن عرفة: فالجواب بأن المراد بالظالمين الكفار، وإمَّا بأنا نقول ما لهم أنصار ابتداء قبل دخولهم النار، وبعد ذلك تقع الشفاعة هو، قلت: أو يقال: إنما لهم ناصر واحد، وهو النبي وحده لَا أنصار، أو ليس لهم أنصار مشغولون بالنصرة، بل إنما لهم شفعاء لله ينقلون شفاعتهم إلى القبول.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ... (١٩٣)﴾
الزمخشري إن قلت: ما أفاد قوله (يُنَادِي)، ثم أجاب بثلاثة أوجه:
الأول: أنه تأكيد.
الثاني: أن مناديا عام يتناول ابتداء للإيمان، أو للحرب، ولإغاثة المكروب، ولكفاية بعض النوازل فكرره ليفيد التفسير بعد الإبهام، لتذهب النفس أولا به كل مذهب فكرر الفعل تعظيما للمنادى، قلت: أو لأنه جواب لمن سأل، فقال: لماذا ينادي، فقال:
стр. 439
الوجه الثالث أن قولك: سمعت المنادي يحتمل، إما سماعك نداءه، أو سماعك منه قولا آخر غير النداء، فلما قال: ينادي للإيمان فهم أن المراد سماع ما نودي به.
قوله تعالى: (فَآمَنَّا).
فيه حجة لما اختار عياض، وهو القول الثالث في مسألة القائل: أنا مؤمن فلابد من زيادة إن شاء الله تعالى أولا، فقال عياض: إن أراد في المستقبل في التقبل وما يقع به فلا بد من زيادتها وإن أراد صحة معتقده في الوقت الحالي فيجب حذفها، فهذا حجة لعياض نقلها في المدارك لما عرف بمحمد بن سحنون فإن لَا يستثنى، وابن عبدوس يستثنى وانظر ما سبق في البقرة في قوله تعالى: (قُولُوا آمَنا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَينَا).
قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا).
الزمخشري: الذنوب الكبائر، والسيئات الصغائر.
ابن عرفة: الصواب العكس لَا حل الترتيب لئلا يكون تكرارا لغير فائدة؛ لأن مغفرة الكبائر يستلزم مغفرة الصغائر من باب أحرى ألا ترى أن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، ولا يرد هذا بعد قوله هذا: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فالمراد بالسيئات الكبائر والمغفرة الستر، فلا يلزم منها للتخوف بذلك، قال تعالى: (وَكَفر عَنا سَيئَاتِنَا) ليفيد محو الذنب من أصل، وكذلك هو في الدنيا والآخرة، فقال: هذا إن [أُفرد الدعاء بها، وأمَّا إن أقرناها*] بالتكفير، فهو دليل على إرادة ما قلناه أن الستر في الدنيا، والمحق في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (١٩٤)﴾
قيل: أي على تصديق رسلك، وقيل: على ألسنة رسلك، والعطف في الآية ترقٍ؛ لأن الأول جلب ملائم، (وَلَا تُخْزِنَا) دفع مؤلم وهو آكد من دفع الملائم.
قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
ابن عرفة: الصواب أن يراد إنك لَا تخلف ما وعدتنا به، وليس المراد لَا تخلف الميعاد بالإطلاق عليه سؤال، الزمخشري: في طلب الوفاء بالعهد مع أنه حق لَا حلف فيه.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ... (١٩٥)﴾
قال ابن عطية: ليس هو لطلب الفعل بل بمعنى أجاب، كـ:
وداعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجيبُ إِلَى النَّدَى ... فلَمْ يستَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجِيبُ
стр. 440
فقلتُ ادعُ أخَرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
قلت: أو بمعنى الطلب مجازا على معنى التشريف لهم، والاعتبار بقضاء حاجتهم في الفور من حيث نزل نفسه منزلة من سأل حاجة غير متيسرة له في الحال فجعل يطلبها ويحث عليها وجدها، فبادر بإعطائها لمن سأله إياها؛ لأن الاعتناء بدء بهذا السائل أشد ممن سأل حاجته وأصغرها أو قال: إشارة إلى سرعة الإجابة.
ابن عرفة: والصواب أن أجاب عام في الإجابة بالموافق والمخالف، ولذلك خصصه بقوله تعالى: (أَنِّي لَا أُضِيعُ)، كما يقول: هذا الحيوان زيد فخصصه والآية حجة لأهل السنة القائلين: بالكسب، ويؤخذ منها أن الإيمان عمل، قيل له: قد قالوا: إن الإيمان لَا يوزن نص عليه أبو طالب، وصاحب سورة الأعمال وغيره قالوا: أنه لو وزن الإيمان لرجح بجميع السيئات، وذكروا في ذلك حديثا فرده ابن عرفة: بأن الإيمان يوزن ولا يرجح بالسيئات والمسألة علمية، فلا يحتج فيها كما قال المازري في حديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] " مع أنه حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، فكيف بحديث لم يخرجه واحد منهما ولا صححه أحد.
قوله تعالى: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ).
[هذا احتراس*]؛ لئلا يوهم أن الإناث أفضل من الذكور]، أو العكس.
قوله تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا).
إما عام تحته أنواع، أي الذين هاجروا بعضهم باختيارهم كعمر وعثمان، وغيرهما من رؤساء قريش، وأخرج بعضهم من مكة جبرا كبلال وعمار وسلمان الفارسي وغيرهم من ضعفاء المسلمين، وأوذي بعضهم، وإما على تقرير حذف الموصول أي فالذين هاجروا والذين أخرجوا، فيكون من عطف الموصوفات، وإما أنه من عطف الصفات.
قوله تعالى: (لأُكَفرَنَّ عَنْهُمْ سَيئَاتِهِمْ).
ابن عرفة: هذه تدل على أن المراد بالسيئات الكبائر كما قلناه فيما سبق لا الصغائر، كما قال الزمخشري: لأن الصغائر مقصورة باجتناب الكبائر، قال وغفران الكبائر إما بالتوبة أو الهداية مع هذه الأفعال فترجمها، وقال الأصوليون في الكليات الخمس: إن أكدها حافظ الأديان فما بعده، قالوا: وفائدة هذا الترتيب إذا ظهر هذا
стр. 441
الفسق من الخلفاء، وتعدى الحدود فإن الإنسان يهاجر من البلد التي فسقهم فيها بأشدها إلى التي فسقهم فيها بأحقها والعطف فيما بين الأول والثاني تدلي، وفيما بعده ترقٍ.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
على أنه الله تعالى وعدهم أكثر من ذلك فلا تعلم نفس ما أخفي لهم، فليس لهم عند الله ذلك الثواب فقط، بل ثواب جزيل أعظم منه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ).
نقل ابن عرفة كلام الزمخشري، ثم قال: حاصله أن الأمر الملائم إذا اعتبر من حيث ذاته مع قطع النظر عن عاقبته ومآله غرور، وإن روعي مآله فليس بغرور، وهو معنى قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا).
قال الزمخشري: وهو من إقامة السبب مقام المسبب، والمعنى لَا يغير بتقلبهم فيعزل نقلهم مثل لَا أرينك هاهنا، أي: لَا تكن هنا فأراك، الزمخشري: وروي أن [أناسا من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش فيقولون: إن أعداء اللَّه فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد*] (١) فنزلت.
ابن عرفة: فالخطاب على هذا للمؤمنين لَا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ).
حذف [المبتدأ] (٢) هنا لكون الخبر لَا يصح إلا له، أي ذاك متاع أو هو متاع، الزمخشري: وقلته إما بالنسبة إلى ثواب الأبرار.
ابن عرفة: هو بالنسبة إليه عدم فتكون كقول سيبويه قل رجل يفعل كذا، وأنشد:
مررت بأرض قل ما ينبت البقل
قوله تعالى: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ... (١٩٨)﴾
أسند التقوى إليه معبرا عنه بلفظ الرب دون لفظ الإله؛ لأنهم إذا اتقوه مع استشعار الحنان والشفقة، فأحرى أن يتقوه مع استحقار العقاب ويجري أعربه مكي حالا من الضمير الفاعل، فلهم بناء على أنه خبر وجنات مبتدأ.
قوله تعالى: (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
стр. 442
سماها نزلا مع أن النزل هو ما يقدم للضيف ساعة نزوله، وهو أدنى مما تقدم له إذا مات، فإن هذا فعل من أجله فيختبر فيه أحسن المطالب ويبلغ فيه المجهود بخلاف الأول إشارة إلى سعة رحمة الله تعالى فجعل الجنة نزلا فقط عما وراءها من الإحسان والخير أكثر من ذلك، قال الفخر: واحتج بها أهل السنة على إثبات الرؤية ليس ثم ما هو خير من الجنة إلا النظر إلى وجه الله .
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ... (١٩٩)﴾
قال الزمخشري: نزلت في أصحاب النجاشي، وقيل: في عبد الله بن سلام ونظائره. ابن عرفة: عبر عنهم بالمضارع مع أنهم كانوا آمنوا، فهو على التصوير على أنه النجاشي وللتجدد على أنه المراد غيره؛ لأن النجاشي قد مات فإن قلت: المنزلة إليهم متقدمة في النزول على المنزل إلينا فهلا قدم في اللفظ؟ فالجواب: أنه قدم ما هو بالوقوع؛ لأن إيمانهم بكتابنا مستبعد الوقوع، فكان تصديق الأخبار بإيمانهم به أهم وهذا كما قالوا: في قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)، فقدم الأمر بتحرير الرقبة وقدم الدية لكون المقتول كافرا فهي مستبعدة الوقوع خشية أن يترك.
قوله تعالى: (لَا يَشتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).
قال ابن عرفة: الآية تعريض بأخبار اليهود فإنهم كانوا يقبلون الرشا ويأخذونها على تحريف آيات الله ، فإن قلت لم قيل: (ثَمَنًا قَلِيلًا) فمفهومه أنهم يشترون بآيات الله ثمنا كثيرا، قلنا: إن وقع فما يقع إلا قليلا أبدا، ولو كان مثل أحد ذهبا.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
المراد سرعة وقته أي قربه، وقيل: سرعة مدته وقصرها، وإذا كان المخلوق، قال: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)، ثم وفي بذلك وقدر عليه فما بالك بالخالق.
قوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا ... (٢٠٠)﴾
الزمخشري: أي صابروا أعداء الله في الجهاد، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ولا تكونوا أقل منهم صبرا، زاد ابن عطية: (وَصَابِرُوا) أنفسكم أي عاندوها وأكرهوها على الصبر على الجهاد.
стр. 443
ابن عرفة: من عنده معنى ثالثا، قال: صابروا بعضكم بعضا، أي ليقصد كل واحد منكم أن يكون أصبر من صاحبه على الحروب والجهاد، وأصبر من أشجع أصحابه وأمنع، أي: ليخرجنكم كل واحد على أن يكون صبره على الجهاد أشد من صبر أصحابه المسلمين عليه.
قوله تعالى: (وَرَابِطُوا).
قال ابن عطية عن ابن المواز: المرابط هو الذي يشخص لثغر من الثغور ليرتبط فائدة بإسكان الثغور دائما بأهليهم، فليسوا بمرابطين، ولما نقله الباجي في أواخر كتاب الجهاد قال: الظاهر أنه مرابط، وإن أقام بأهله.
ابن عرفة: وهو الصحيح ألا ترى أن مالكا قال في المدونة: [ولا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى مثل السواحل، ولا يذهب بهم إلى دار الحرب في الغزو، إلا أن يكون في عسكر عظيم لَا يخاف عليهم لِقِلَّتِهِمْ*].
ابن عرفة: كان الأمير أبو الحسن المديني إذا خرج للجهاد يجب على من عنده زوجة حرة وجارية فيضطره إلى خروج الحرة معه، وإذا كان الإنسان يؤجر على اللقمة فيجعلها في فم امرأته كما في الحديث الصحيح، فأحرى أن يؤجر على مجاهدته على امرأته، وكذلك في الرباط فإنه يكون حرص الأنساب حينئذ على السلامة أشد؛ لأنه يقاتل عن نفسه رعن حريمه وعن المسلمين.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ).
حجة للمتأخرين في أن المتقي أخص من المؤمن؛ لأن ما في المقصود أخص وصف التقوى والترجي بفعل صروف للمخاطب ونبه المفسرون في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، ثم قال: (لَعَلُّكُمْ تَتَّقُونَ).
انتهى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني
وأوله
سُورَةُ النِّسَاءِ
ولله الحمد والمنة
* * *
стр. 444
سُورَةُ النِّسَاءِ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ... (١)﴾
قال ابن مالك: لفظ أصله (أي) نائبة مناب الإضافة إليها، وقال الأخفش: أي موصولة بمعنى الذي، (النَّاسُ) خبر مبتدأ محذوف مضمر عائد على الموصول، وهذه الآية تدل على أن المراد بالنَّاس بني آدم.
ابن عرفة: والخلق هو الإنشاء على صورة مختلفة فمادة الخلق تشعر بالاختلاف، قال الفخر: والآية حجة للقائلين بالطبعية، فرده ابن عرفة بما قلنا: مع الاختلاف مع خلقهم في نفس واحدة، قال تعالى: (وَاخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، ومن إما للغاية أعني للابتداء، أو الانتهاء إن قلنا: إن المراد بالخلق نفس الإخراج من الظلمات إلى النور والإيجاد عن عدم، وأما لابتداء الغاية فقط، إن قلنا: إن الخلق مخترع مطلق الاختراع، والإنشاء مع إغفال تبدل الأغراض، وإنها لَا تبقى زمانين.
قوله تعالى: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).
الكثرة مستفادة من لفظ (بَثَّ) ومن قوله (كَثِيرًا)، فإن قلت: لم وصف الرجال بالكثرة دون النساء، فالجواب من وجهين: بأن النساء في الوجود أكثر من الرجال، فحذف النعت للعلم به مع دلالة الأول عليه ووصف الرجال بالكثرة فيؤذن بكثرة النساء من باب أحرى، وإمَّا بأن الآية خرجت مخرج الوعظ والتذكير بالنعمة والعرب من شأنهم حب كثرة الرجال والعصبة وكراهية كثرة النساء فذكروا بما يحبون، فإن قلت: هلا قيل: وبث منهما ذكورا وإناثا فيعم اللفظ الصغار والكبار من النوعين، قلت: الآية في معرض التكليف بالتقوى فذكروا بالمكلفين من النوعين.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ).
قال ابن عرفة: ليس هذا تكراراً فالأمر الأول: بالتقوى معقب بالتذكير بنعمة الإخراج من العدم إلى الوجود، والثاني: معقب بالتذكير بنعم متتابعة دائمة في مدة الحياة، وهي نعمة قضاء النَّاس حوائج بعضهم بسبب سؤاله إياه بالله ففيه تعظيم لله ، ومن هو بهذه المنزلة جدير بأن يتقى، والرحم ذكر الفقهاء مراعاتها في الإنفاق وأما مراعاتها في حال الصحة والمؤاثرة والريادة فعندي أنه مفترق فيها مجيء ذي
стр. 445
الرحم من غير ذي المحرم قسمان: فمن يعتق على الإنسان أشد حرمة ممن لَا يعتق عليه، وأما غير المحرم فهو كالأجنبي.
قيل لابن عرفة: والرحم المحرم ينبغي أن يكون من جهة الأم؛ لأن الرحم إنما هو بالأم، فالعم للأب فليس من ذوي الأرحام إذا لَا يجمع بينهما الأم، وإنما يجمعان في الأب.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ... (٢)﴾
ابن عرفة: منهم من يجعله من إقامة السبب مقام المسبب، أي: واحفظوا أموال اليتامى عليهم لتعطوها لهم إذا كبروا، فحفظها عليهم في حال الصغر سبب في إعطائها لهم إذا رشدوا فوقع الإيتاء، وهو المسبب موقع سببه وهو الحفظ، ابن عرفة: وتقدم لنا أن هذه الإضافة إضافة استحقاق، لَا إضافة ملك، ومعناه إلى أن يستحقوها إما بالاحتياج إلى الإنفاق، وإمَّا بالرشد، ولو كانت إضافة ملك للزم تخصيصها بالرشاد، ويكون (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم) إذا رشدوا لَا مطلقا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ... (٣)﴾
علقها بأن دون إذا مع أن هذا كان عندهم واقعا محققا، فأجاب ابن عرفة بأنه إذا ثبت الجواب مع الخوف المشكوك في وقوعه فأحرى أن يثبت مع المحقق أبو عبيد: (خِفْتُم) بمعنى أيقنتم، ابن عطية: لَا يكون بمعنى اليقين بوجه، وإنَّمَا هو من أفعال التوقع؛ لأنه قد يميل فيه الظن إلى أحد الجهتين، ابن عرفة: الخوف يكون من أمر متيقن ومن أمر مظنون، ومن أمر مشكوك فيه فالنَّاس مختلفون إذا رأى حائطا مائلا جلس بإزائه، ولا يخاف ولما يخاف يهرب مسرعا، وآخر يمر من بعيد، وآخر يهرب من ذلك الطريق، واحتج أهل الظاهر بهذه الآية فبعضهم أخذ منها نكاح تسع زوجات، وبعضهم أخذ ثمانية عشر؛ لأن معناها اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة فعدد المكرر، وبعضهم عد الأربعة مرتين فجوز نكاح ثمانية والإجماع على خلاف ذلك، ومثل هذا لَا يعد خلافا.
قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلُّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).
ابن عرفة: احتجوا بها على عدم وجوب النكاح؛ لأنه خير بينه وبين التسري أي فانكحوا واحدة، أو تسروا ما ملكت أيمانكم والتسري غير واجب فيكون النكاح غير واجب، وأجيب بأن سياق الآية في النكاح فإن المعنى فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم فيكون مجيزا بين نكاح الحرة، وبين نكاح الأمة، وهو أخف من نكاح
стр. 446
الحرة إلا أن في هذا تفكيك الضمائر؛ لأن الضمير في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا) عائد على الأزواج، والضمير في قوله تعالى: (مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) عائد على المالكين واحد منها، ابن العربي: جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، بقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النسَاءِ) بعد قوله تعالى: (أَلا تُقْسِطوا فِي الْيَتَامَى) ولا يتم بعد بلوغ، ورده بعض الطلبة بحديث: "البكر تستأمر والثيب تعرب عن نفسها" قال: لأن البكر إما ذات أب أو وصي أو مهملة، فالأوليان لَا إذن لهما فلم يبق إلا اليتيمة المهملة، وقال في المدونة: الصغيرة لَا إذن لها، ولا إذن إلا للبالغة فيتعين أنها البالغة، قال: فهو عام مخصوص بهذا، فالمراد باليتيمة البالغة.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ... (٤)﴾
ابن عرفة: ظاهر الأمر الوجوب، ونقل كلام المفسرين، ثم قال: وعندي أنا في هذا أنه إنما قال: (نِحْلَةً) ليبيته على الحالة التي نظر فيها عدم إتيانهن الصداق، وهي إذا ماتت الزوجة قبل البناء عقب عقد النكاح وكانت فقيرة، فإن الزوج يؤدي الصداق مجردة نحلة لَا من عوض، وكذلك إذا مات الزوج فإن الزوجة تأخذ الصداق من تركته نحلة من غير عوض، فإذا أمروا بدفعه حالة كونه نحلة فأحرى أن يلزمه دفعه إذا كان عن عوض، قلت: أو هو إشارة إلى أحد القولين فما إذا تطوع الزوج بعد العقد، وقبل البناء بزيادة الصداق ألحقها به، وجعل حالها كحاله؛ لأن النحلة هي العطية لَا لعوض، وهذا كذلك لجعلهم إياها كالهبة، لأن المعطي ما ذكرها قال: يقضى على الزوج بها فإن لم تقبضها حتى مات أو طلقها قبل البناء فلها عليه نصف الزيادة إن طلق، ولا شيء لها إن مات؛ لأنها عطية لم يقتض، قاله مالك ﵀ في المدونة، قال عبد الوهاب، وقال الأبهري، وغيره من أصحابنا: القياس أن يجب لها بالموت؛ لأنها إن كانت كالمهر وجبت بالموت، وإن كانت كالهبة ينبغي أن لا تجب لها نصفهم في الحياة بالطلاق قبل البناء، ابن عرفة فإن قلت: هذا شأن العطية لا تشرك بالطلاق والصداق لَا يبطل بالموت، قلت: الصواب أنها عطية وإنَّمَا تشركت بالطلاق ولأن الزوج ما ألزم نفسه هذه العطية إلا على حكم الصداق ومن حكمة التشطير، فإن قلت: إلزامه نفسه على الوجه المذكور يوجب أن لَا يبطل بالموت والفلس، قلت: لَا تسلم؛ لأن التزامه نفسه إخراج مال عن غير عوض على وجه مخصوص لَا يخرجه عن حكم العطية، وأيضا فقد في هذا الباب حق الورثة بالموت وحق بالفلس.
قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ).
стр. 447
حكى ابن عرفة عن الزمخشري في قصة القاضي شريح، ثم قال: وجهه أنها رجعت بالقرب، وأما إن رجعت بالبعد فلا يصح لها الرجوع لكن يمكن توجه اجتهاده من الآية وهو أنه قال: (فَكُلُوهُ)، ولم يقل: فخذوه والأكل متأخر عن الجوز فدل على أنه إذا أجازه الزوج، وبقي بيده مدة حتى سماه طيبة نفوسهن، ويستمرون عليه فحينئذ يطيب للأزواج أن يأكلوه، قال: وحكم عبد الملك واستدلاله بما قاله عنه لا يتم له ولو استدل عبد الملك بن مروان على حكمه بما استدل به القاضي شريح لكان أصوب له، قال: ونظيرهما في مذهبنا إذا ادعت الزوج أنها كانت في ترك الصداق مكرهة بحكم شرعي لطرز القول الشاذ.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ... (٥)﴾
قال الزمخشري: وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالًا يحاسبني عليه خير من أن أحتاج إلى النَّاس.
ابن عرفة: وعن سفيان وكانت له إضافة يقلها، فقال: لولاها لعدل في بني العباس، ابن عرفة: ودخلت على القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام عام اثنتين وأربعين وسبعمائة، والتي من سطوره كان تركها والدي بالشعير، فقلت: بعتها، فقال: وما فعلت بثمنها، فقال له: أردت أن أشتري ربعا أسلكه فلم أجد، قال: وكذلك أنا لي مدة نحرس في شراء ربع لولدي أبي القاسم فلم أجده إلا بثمن كثير، ثم قال لي: ينبغي للإنسان أن يكتب الرباع ليخلفها لأولاده فيها فإن سيدي الفقيه أبا عبد الله محمد بن شعيب شيخ سيدي أبي عبد الله الزواري، والتونسي الكل لم يخلف لولده شيئا، فكان يمشي على طلبة أبيه فلم يجد منهم من يرحمه بشيء، فانتهى أمره إلى أن رجع بوابا في باب الحديد فجاءته أمه؛ لأنها كانت من بني الفتوح في ذلك تعيش حتى مات، وكان الفقيه يحيى أبو بكر ابن العربي يقول لنا: إنه كان في ابتداء أمره ما يأكل حتى يرى الحائط يرقص والإنسان إذا اقتصر في [سقط] بقوم به ويبة من شعير، [سقط] في الشهر والصالحون الذين أدركوا المعودون منهم من يدرك صلاحه بالضرورة والمتزوجون ما يدرك صلاحهم، إلا بالنظر والمخالطة، قال: الزوج لَا يعين على الصلاح.
قوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ).
стр. 448
ابن عرفة: انظر هل فيها حجة لمسألة القاضي ابن زرب بأن النفقة تعم العولة والكسوة؟
قوله تعالى: (وَقولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا).
ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد بالمعروف في الشرع وإن كان عند المحجور منكرا، أو هو أن الوصي يحض محجوره على الاقتصار في حالة والإقتار على نفسه في النفقة والكسوة، وعدم التبذير وسمعت وصيا يقول لمحجوره: كنت أنا محجورا فأعطاني رجل درهما فبقي عندي سنة حتى اشتريت به ويبة من قمح وحاولها حتى صارت أقفزة ويحتمل أن يزيد بالمعروف المحبوب وبالغير معروف المكروه فمن يحب إنسانا ينبغي أن يذكره بعرفه، ويكره آخر فلا يعرفه حتى يكرر ذكره عليه فالإنسان يعرفها يجيب بأول وهلة ويكره ما يكره، قلت: إشارة إلى أخذ شيء بالسياسة واللين دون الشدة والغلظة.
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ... (٦)﴾
ابن عرفة: اختلف المذهب في البكر بعد البلوغ وقبل التعيين هل للوصي عليها أن يرشدها ويشهد له أم لَا؟ وهو الصحيح والآية حجة للجواز وسبب الخلاف أن البكارة مظنة لجهلها بمصالح نفسها فإن وجد بعض الأبكار عارف بمصالح نفسه فلا يضر؛ لأن الحكمة قد تبتغى وتبقى المظنة، وكذلك وجه قول أبي حنيفة في أنها إذا بلغت خمسا وعشرين سنة ترشد، وإن كانت سفيهة؛ لأن بلوغ ذلك عنده بمظنة الرشد فلا يضر بخلقه في البعض، ورده ابن عرفة: بأن التعليل بالمظنة حالة وجود النص من القرائن لَا يصح لاشتراط الرشد منها، وهل يصح أن يدفع للمحجور مالا يختبر به حاله أم لَا؟ ظاهر كتاب الوصايا والْمِدْيَانِ من المدونة جواز ذلك، وقيل: لَا يجوز وإنما نختبر بغير شيء، وقال القرطبي: هنا إن كان ذكرا اختبر بنفقة المنزل فيعطاه يشتري اللحم والبقل والخبز، وإن كانت أنثى اختيرت بالغزل، ونقله ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب، واختلف في الرشد هل من شرطه العدالة أم لَا؟، وهو الصحيح فقد يكون الرشيد في ماله فاسقا في دينه، وأما السفيه ففي تبذيره ماله لَا في إفساد دينه، وحكى القاضي ابن حيدرة أن القاضي ابن عبد السلام نقل عن بعضهم أنه رأى في المشرق شيخا عليه حلة كبيرة يقرئ أنواع العلوم وهو مشهور بالصلاح والدين لكنه سفية محجور عليه، فسئل عن موجب ذلك، فقيل له: إذا رأى الحلاوة يموت عليها حتى يشتريها.
стр. 449
قيل لابن عرفة: على القول بأن الرشد مشروط بالعدالة يلزم الدور؛ لأن العدالة في الرشد بكونه مرضيا في أحواله لَا عدالة الشهادة، قاله عياض في الشهادات من التنبيهات.
قوله تعالى: (وَلَا تَأكُلُوهَا إِسرَافًا وَبِدَارًا).
ابن عرفة: الظاهر أنه حال؛ لأن الإسراف هو أن يأكلها وهو غني عنها، أو يكون فقيرا فيأكلها بغير المعروف، وحكى ابن العربي أن الآية منسوخة بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) فقال ابن عرفة: إنما يحتاج لهذا لو لم يقل (ظُلْمًا)، وأما مع ذكره فلا تناقض فيمن أكل بالمعروف ولم يأكل ظلما.
قوله تعالى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ).
ابن عرفة: الفاء للتشبيه؛ لأن حفظهم للمال سبب في دفعهم إياه للأيتام، وهل المراد إذا أردتم الدفع فيكون الإشهاد بالمعاينة حين الدفع فإذا دفعتم بالفعل فيكون الإشهاد بعد ذلك.
قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا).
إما وعيد للأيتام إذا أخذوا المال من الأوصياء وجحدوه ولم يعترفوا به.
قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ... (٧)﴾
إما ترق فيكون تأكيدا، أو تدلي فيكون تأسيسا؛ لأنهم إذا أمروا بالإعطاء من القليل فأحرى الكثير، ومنهم من قال: إن القليل ربما تسمح النفس به وبالإعطاء منه بخلاف الكثير.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ... (٨)﴾
عبر بـ إذا دون إن إما إشارة إلى ترجيح الأمر بإرزاقهم منه وتأكيده، وإمَّا لأن حضورهم أمر غالب أكثري وإلا لمجرد وصف القرابة واليتم والمسكنة موجب للأمر بإرزاقهم سواء حضروا أو غابوا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب أو العطف تدلٍّ لوجهين: أحدهما شرعي وهو حديث الصدقة على الأقارب صدقة وصلة اليتيم ضعيف لَا قدرة له بخلاف المسكين، والثاني أن القرابة وصف ثابت خيري غير مكتسب، وكذلك اليتيم، وأما المسكين فقد يكون تسوء في إتلاف ماله فلا فتسمح النفس بالصدقة عليه، والآية حجة على أبي حنيفة القائل بتوريث ذوي الأرحام كلهم؛ لأنهم لو كان لهم حظ في الإرث لما أمر الله تعالى برزقهم من المال، وهذا هو الجمع
стр. 450
بينها وبين التي قبلها وهي قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) لأن ذلك يقتضي ميراث الجميع، وهذه تقتضي عدمه فالجمع بينهما بأن تلك فيمن فيه مع القرابة سبب آخر موجب للإرث وهذه فيمن ليس فيه ذلك السبب.
قوله تعالى: (فَارْزُقُوهُم مِنْهُ).
ولم يقل: فأعطوهم منه تهييجا على كمال الإعطاء وإشعارا بأن ذلك من الرزق الحاجي الذي به قوام الأنفس، وأيضا فهو إشارة تقليل ذلك ويسارته بخلاف ما لو قال: فأعطوهم،
وقال الزمخشري: إن هذا مندوب أو واجب، وهو إن كان واجبا فهو إما منسوخ أو غير منسوخ، وقال ابن عطية: وهو مندوب أو واجب وعلى كلامهم فهو إما منسوخ أو غير منسوخ يتحلل، ابن عطية: ابن عرفة: تقدمنا أنه إذا كان الجواب مثبتا يؤتى بـ إذا وإن كان منفيا يؤتى بـ لو، والخوف على الذرية الضعاف أمر ثابت محقق فهلا أتى بـ إذا، قال: وعادتهم يجيبون بأنه روعي في هذا سبب الشرط، وسبب الشرط هذا المراد نفيه لينتفي كون الذرية ضعافا،
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾
نقل ابن عرفة كلام المفسرين، ثم قال: ومن عادتهم يقولون من قواعد علم البيان أنه إذا كان مضمون الجملة مشكوك فيه يؤتى بإن تأكيدا للمعنى المراد وتثبيتا له وتحقيقا وإن كان محققا، والشك في اختصاص المخبر عنه يؤتى بإنما المقتضية للحصر كقولك في الأول الذي يأتيك: إنه لص، وفي الثاني الذي يأتيك فإنه سارق، بل مشكوك فيه بأنا إذا علمناه بهذا الخبر وإنما المحقق عندنا عقوبتهم فقط لَا عقوبتهم بأكل النار فكان الأصل أن يؤتى فيه بإن، فيقال: إنهم يأكلون في بطونهم نارا، قال: والجواب أنه روعي فيه كون أكلهم من حيث هو معلوم لعلمنا أنهم يأكلون شيئا بالإطلاق ويجيء بإنما لتقيد حصر أكلهم في النار، قلت: وأجاب بعضهم بأنه إن لم يرد بأكلهم النار حقيقة بل مطلق تذميمهم على ذلك، وأنهم مجازون عليه فهو معلوم؛ لأنا نعلم نصا أن أكل المال ظلما موجب العقوبة مطلقا وإن أريد أنهم يعذبون بأكل النار حقيقة فهو غير معلوم لنا لكنه نزل منزلة المعلوم تحقيقا له حتى صار كالمشاهد الذي لَا يخالف أحد فيه فيكفي في الإخبار عن وقوعه أو في شيء من غير تأكيد فلم يبق إلا الحصر فأدخلت إنما دليلا عليه.
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... (١١)﴾
стр. 451
ولم يقل: أبنائكم لصدق الابن على ابن التبني، والولد أيضا والولد لَا يصدق إلا على ولد الصلب وورث ولد الولد بالإجماع لَا بالقياس.
قوله تعالى: (لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنْثَيَينِ).
الزمخشري فإن قلت: هلا قال للأنثيين مثل حظ الذكر أو الأنثى مثل حظ نصيب؟، قلت: بدأ لبيان الذكر لفضله كما ضوعف حقه لذلك، ولأن قوله (حَظِ الأُنْثَيَينِ) قصد إلى بيان فضل الذكر، وقوله: للأنثيين مثل حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصد إلى بيان فضل الشيء كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه، ولأنهم كانوا يورثون الذكر دون الإناث وهو السبب لورود الآية، فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن، قال ابن عرفة فإن قلت: هلا قيل: للذكر مثل حظ الأنثى مع ما حصل مركوزا في نفوسهم أنهم لَا يورثون مع الذكور لأوهم أنه يرث جميع المال دونهم أو النصف، وفي الحديث: "إن للابنتين الثلثين" هل هو معارض لبعض عموم الآية؟ فيكون مخصصا لها أو معارض لها فيكون ناسخا لها، والظاهر معارض لمفهوم الآية لكن في الآية مفهومين متعارضين فقوله: (فَوقَ اثنَتَينِ) مفهومه أن الابنتين كالواحدة قوله: (وإن كَانَتْ وَاحِدَةً) مفهومه أن الزائد عليها له الثلثين فيعمل هذا المفهوم؛ لأن الحديث يعضده.
قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).
ابن عرفة: اتفقوا على أن الأم يحجبها ثلاثة من الإخوة فصاعدا واختلفوا في الاثنين، فقال ابن عباس: إنها ترث معهما الثلث، وخالفه سائر الصحابة حسبما قاله عثمان مع الآخرين، فقال ابن عباس بقوله واتخذه مذهبا ثم إن ذلك القائل رجع عن مذهبه إلى مذهب الجماعة فانعقد الإجماع بعد مخالفة ابن عباس لَا قبله، قيل: أو يقال: انعقد الإجماع حين مخالفته هو لَا قبله، ولذلك بعد خلافه خلافا، قال: الظاهر الأول.
قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
قال أبو حيان: إنما قال من السدس وسلمه له المنتصر.
ورده ابن عرفة: بأن يلزم عليه أن يكون أحدهما: السدس وهو مقيد بهذه الحالة وهي حالة الوصية والدين فإن لم يوصِ لم يكن لها السدس.
стр. 452
قوله تعالى: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) إشارة إلى أن الوارث إذا اشتمل الوصية والدين وأداه عن الميت، فإنه أعظم له أجرا وأكثر له نفعا من أخذه ذلك لنفسه؛ لأن الأول: نفع أخروي أن فيه ثواب التوفية بالحق الواجب، والثاني: يقع دنيوي وأي إما موصولة أو استفهامية وكان بعضهم يختار أنها موصولة إذا كانت من الله تعالى لاستحالة الاستفهام في حقه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
إما كان للدوام أي كان ولم يزل، وإمَّا أنها على بابها؛ لاقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي؛ لأن الخطاب بهذه الأحكام حصل [للمكلفين*] العلم بأن الله تعالى بين الخطاب موصوف بالعلم والحكمة، فقيل له: كما علمتم اتصافه؛ لأن بهما كذلك فاعلموا بأنه كان أيضا موصوفا بهما فيما مضى وانقطع.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ... (١٢)﴾
ابن عرفة: [الأزواج مخصوص بالكتابيات، [وإلا فإنه لَا يرث المسلم الكافر*] والأمة يرثها سيدها لَا زوجها، أو لَا يخصص بالنكاح الفاسد؛ لأنا إن قلنا: إن فيه الميراث فهو نكاح وزواج صحيح، وإلا فليس بنكاح، وليست له زوجة، قال: وقوله مخصوص بالأحرار، قال ابن عرفة: عادة الطلبة يوردون هنا سؤالا وهو أن هذه الجملة الشرطية قدم عليها جزاؤها في اللفظ وإن كان المعنى مؤخرا عنها، والجملة التي بعدها أخر عنها جزاؤها، فما السر في ذلك؟ وأجيب: بأن الجزاء في الأولى كالمقتضي، والشرط كالمانع، والمانع متأخر على المقتضي، فالحكم اقتضى أن للأزواج من زوجاتهم النصف والولد كالمانع، فقال ابن عرفة: إنما عادتهم يجيبون بأن حكم الأول شرط بوصف عدمي، وهو عدم الولد والأصل في الأشياء العدم، فالجزاء فيها ثابت بالأصالة من غير شرط فيه، والجزاء في الثانية مترتب على أمر وجودي، والمترتب على الوجود [متأخر*] عنه في الوجود فلذلك أخر عنه في اللفظ.
قوله تعالى: (فَإِن كَانَ لَهُن وَلَدٌ).
يتناول ولد الزنا وولد الرشدة، وقيل لابن عرفة: ما أفاد قوله: (مِمَّا تَرَكَ) مع أنه مستفاد من الأول، فقال: أعيد؛ لأن هذه جملة أخرى فالأصل ذكره.
قوله تعالى: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ).
الولد الرشدة؛ لأن ولد الزنا لَا يلحق بأبيه بوجه وإنما يلحق بأمه.
قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُل يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ).
стр. 453
فإن قلت: هلا قال: وإن كان أحد يورث كلالة ليدخل الصغير والكبير والذكر والأنثى، فالجواب: أنه قصد التنبيه على الصورة الغريبة النادرة وهي عادة المتأخرين في التمثيل بالصورة الغريبة لتدل على غيرها من باب أحرى بخلاف المتقدمين فإنهم يمثلون بالصور الجلية الواضحة ويتركون الخفية، قال: وذلك أن وجود الولد للرجل والمرأة أكثري وأمر غالب، وعدمه أمر نادر بخلاف فقدان الوالد للصبي فإنه ليس بنادر بل هو كثير، وأجاب السهيلي بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) والوصي لَا يصح منه ذلك.
ورده ابن عرفة: بصحة الوصية من الصبي المميز حسبا، قال في الوصايا الأول من المدونة، ويجوز وصية الصبي ابن سبع سنين فأقلهما يقارنهما إذا أصاب وجه الوصية، وبأنه كان يؤتي أولا باللفظ العام، ثم يقول: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ)، (أَوْ دَيْنٍ) ليتناول بعض صور ذلك العام وهو من تصح عنه الوصية والدين، وذكر ابن عطية هذه الفريضة الحمارية وأنها زوج وأم وإخوة، لأم وإخوة شقائق، وكذا في رسالة ابن أبي زيد، وقال الفراء، وابن الحاجب: إنها إما أم أو جدة، وتكلم أبو حيان هنا في العطف، وهل يشترك في الإعراب والمعنى أم لَا؟ كما قال ابن بشير في التيمم من أن الأصوليين اختلفوا في العطف، ابن عرفة: والتشريك شك إنما فهم من السياق فدل على أن ثم وصف مقدر، والمفضل هو الميت، أي: وإن كان الميت رجلا يورث كلالة.
قوله تعالى: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثلُثِ)
احتجوا بها أن الشركة تقتضي التساوي، ووقع في المدونة في السلم الثالث وفي القراض، قال في السلم: وإن ابتاع رجلان عبدا فسألهما رجل أن يشركاه ففعلا، فالعبد بينهم إتلافا فظاهره أنها تقتضي التسوية، وقال في القراض: وإن أقرضه ولم يسم ماله من الربح وتصادقا على ذلك أو على أن له شركاء في المال إن لم يسمه كان على قراض مثله إن عمل، فظاهره أنه لَا يقتضي التسوية بأن لفظ اشتركا يقتضي التسوية، ولفظ أشرك بمعنى النصيب فهو للنصف وغيره، ابن عرفة وأجيب: بأن القرينة في الآية عينت أن المراد المساوي وهو قوله: (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ).
قوله تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ).
قال ابن عطية: المضارة إنما هي في أكثر من الثلث، وأما الثلث فالمشهور من مذهب مالك ﵀ إن ضارر فيه تنقل الوصية، وقيل: إنها ترد، وإن كانت في الثلث، فقال ابن عرفة: ليس كذلك بل الأمر على العكس سواء فالمشهور
стр. 454
أنه إن قصد الضرر ترد الوصية؛ لأن في كتاب الوصايا من المدونة ما نصه، وإذا أوصى بثلثه لوارث، وقال: فإن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل لم يجز ذلك! وهو من باب الضرر وكذا لو أوصى لوارث بعبد، وقال: إن لم يجيزوا فهو حر فإنها تبطل ويورث، ولو قال عبدي حر وفي سبيل الله، أو قال: داري وفرسي في السبيل إلا أن يشاء ورثتي أن ينفذوا ذلك لابني، فذلك صحيح على إوصائه فحاصله التفريق بين تقديمه الورثة أو الأجنبي فإن قدم الوارث في لفظه كان قرينة في إرادة الضرر فتبطل الوصية كلها.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ).
أي (عَلِيمٌ) بمن يوفي بما أمر به (حَلِيمٌ) عمن خالف وعصى فلا يعاجل بالعقوبة.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... (١٣)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر أن (تِلْكَ) مبتدأ، و (حُدُودُ) خبر لوجهين:
أحدهما: أن الحدود أضيفت إلى اسم الله تعالى تعظيما له في الجزاء المستفاد من الجملة.
الثاني: أن حدود أعم من المبتدأ، قال: وفي لفظ الحدود إشارة إلى أن تأكيد الأمر يتوقى الشبهات كلها، وأن المكلف ينبغي له الأخذ بالاحتياط، وأن يحمل أوامر الشرع كلها على الوجوب ونواهيه على التحريم، قال: وفيها سؤال وهو لم خصص الحدود بالله دون رسوله مع أنها أيضا حدود رسوله؟ ثم قال: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ) فأسند الطاعة لهما، قال: والجواب أن الرسول هو مبلغ عن الله تعالى إذ لا معرفة لهما إلى حدود الله إلا من جهة رسله فكونها من جهة الرسول معلوم لنا بالمشاهدة والعيان فالإعلام بذلك من باب تحصيل الحاصل وإضافتها إليه يستلزم إضافتها إلى رسوله، بخلاف الطاعة فإنها قد تفهم مفردة في حق الله تعالى دون رسوله، فقرنت طاعة الرسول بطاعة الله تعالى تشريفا له كما جعلت طاعة الرسول طاعة الله ، قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ).
قوله تعالى: (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ).
إن قلت: هلا قيل: ومن يطع الله ورسوله ولم يتعد حدوده كما قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) قلت: اكتفاء بقوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ
стр. 455
اللَّهِ) وتحقيقا لمذهب أهل السنة في أن من أطاع في شيء وعصى في شيء يطلع من الجنة.
قال الزمخشري: وقرئ (يدخل) بياء الغيبة وهو التفات.
ورده ابن عرفة بأن الالتفات إنما هو قراءة التكلم، ثم أجاب بأن هذا اللفظ واقع موقع ضمير المتكلم، فإنه قال: نلك حدودنا ومن يطيعنا حسبما قال السكاكي: إن مثل الالتفات، ورده عليه الآخرون وهي مسألة خلاف وجاء هذا على أحد القولين عند البيانيين.
قوله تعالى: (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
قال ابن عرفة: عندي فيه حذف التقابل: (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وله نعيم مقيم، (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وفي تسمية (يُدْخِلُهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) إن قلت: ما أفاد قوله: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) قلت: الجواب أن الفضائل على ما نقل عليها في كتاب النكاح من الإكمال على المازري في حديث: "ولم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم" يطلق على مخالفة الواجب والمندوب، ولا يلزم من ثبوت الأعم [ثبوت*] الأخص فأتى بالأخص ليكون نصا في أن هذا الوعيد إنما هو أن ارتكب الأمرين، وإن قلنا: إن العصيان خاص بالمخالفة في الواجب والمحرم فيكون القصد بقوله: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) رفع لجواز المتوهم فالحاصل أن العطف تأسيس لَا تأكيد، واحتج بعضهم بها لأهل السنة من ناحية أن الثواب لمن اتصف بمطلق الطاعة والوعيد مرتب على مخالف في الأمرين، وأجيب: بأن الوعيد أيضا بمن اتصف بمطلق العصيان، ورده شيخنا بأن هذا الوعيد إنما هو لمن تعدَّى حدود الله وهو الكافر، وأما العاصي فلم يتعد الحدود، وإنما تعدى بعض الحدود، قيل لابن عرفة: أو يكون العصيان راجعا لمخالفة الأوامر، وتعدي الحدود لمخالفة النواهي [ ... ] قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ... (١٥)﴾
قال ابن العربي: لَا تدخل فيه الأمة كما لم يدخل العبد كما في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم) الآية إذا لم يكن العبد من رجالنا لم تكن الأمة من نسائنا، فرده ابن عرفة: بأن منصب الشهادة شريف والعبودية
стр. 456
نقص يمنع منه، والفاحشة لحساستها بالزنا هو الذي يطلب الشهادة عليه، وأما من لم يرم به فالستر في حقه أولى، ويستكشف الشهود في الزنا؛ لأن المقصود منها الستر يسألون على أي حال، وفي أي موضع وفي أي زمان، وكذلك القطع في السرقة؛ لأن أكثر النَّاس لَا يفرقون بين السرقة والاختلاس والخديعة والتعدي والغصب والنهب والخيانة والغيلة والحرابة؛ لأن أحكامهما مختلفة، وقال أبو عمران: في النظائر شهود السرقة لَا يستكشفون ابن عرفة وهو غلط، وكذلك اشتراط إيجادهم في زمن الأداء كشهود الزنا وهو غلط أيضا، ابن عرفة وقوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا) إنما عبر بدون إذا؛ لأن المقصود عدم شهادتهم، وقوله تعالى: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) عقبه لأن المتوفى أعم قال الله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).
قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا).
أو بمعنى إلا أن ولا يصلح أن يكون بمعنى إلى إلا إذا قلنا: أن ما بعد إلى داخل فيما قبلها، وقد قالوا في:
[وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَها أَوْ تَسْتَقِيمَا*]
قال ابن عطية: أما [البكر فلا خلاف أنه يجلد*] واختلفوا في نفيه وتغريبه، فقال الخلفاء الأربعة، ومالك والشافعي ﵏: أنه لَا يُنفَى، وقال جماعة: يُنفَى، وقيل: نفيه حجة، ولا تُنفى المرأة ولا العبد هذا مذهب مالك وجماعة.
ابن عرفة: وهذا غلط؛ لأن في كتاب الرجم من التهذيب ما نصه ولا نفي على النساء ولا العبيد ولا تغريب ولا ينفي الرجل الحد إلا في الزنا، وفي حرابة فينفيان جميعا في الموضع الذي لَا ينفيان إليه بسجن الزاني فيه والمحارب حتى تعرف توبته، فإن قلت: لم قال (مِنْ نِسَائِكُمْ)، قلنا: المراد بإخراج الذمية لقول مالك في كتاب الرجم في المدونة وإن زنا مسلم بذمية حد، وردت هي إلى الأصل في دينها فإن شاءوا رجمها فلم أمنعهم، فإن قلت لم قال: (فَاسْتَشهِدُوا) فأمر بطلب الشهادة مع أنه موضع يقصد فيه الستر شرعا، قلنا: المراد به الحاكم فهو إذا أخبر بأنهما زنيا؛ بحيث هل يشهدهما أحد أم لَا؛ لأنه يأمر الشهود بالبحث عنهم ابتداء فإن لم يجد من يشهد عليهما كان من أخبره بذلك قادحا فنحده.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَا ... (١٦)﴾
стр. 457
إما عطف تفسيري مثل: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)، أو المراد به ما زاد على التوبة، وهو إن يستديم على ذلك ويتزايد حاله في الصلاح شيئا فشيئا، ليكون ذلك دليلا على صدق توبته.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا).
إن قلت: لم أخر الرحمة وهي سبب في التوبة، قلنا: لأن المقصود عموم رحمته بالتوبة وغيرها فمن لم يتب من الفاحشة وهو مؤمن فإنه عندنا في المشيئة ولا بد له من الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ... (١٧)﴾
ابن عرفة: منهم من شرط في الندم العزم أن لَا يعود إلى الذنب، ومنهم من لا يشترط ذلك، وقوله تعالى: (عَلَى اللَّهِ) بمعنى إن إمكان القلوب غير القبول فنحن نقطع بإمكان قبول توبة التائب شرعا ويبقى قبولها بالفعل مستفاد من قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِم) فيكون تأسيسا ونظيره أن يقول: من دخل داري اليوم فأعطيه درهما، وزيد عظيم فأعطه درهما.
قوله تعالى: (بِجَهَالَةٍ).
قال ابن عطية: ليس المراد به جهلهم بأن ذلك معصية؛ لأن المتعمد أيضا يصح توبته إجماعا، ابن عرفة.
وقال الفخر: المعصية لَا يصح صدورها من العالم؛ لأن الداعي لقضايا اقتضى ترجيحا، فإن كان المكلف حينئذ عالما بأنها معصية وإن تركها أرجح من فعلها ثم تعمد لقضايا فهو جهل التقدمية المرجوح على الراجح، فلا بد أن يكون ذلك بدل اقتضى عنده ترجيح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، ابن عرفة: وفيه بحث بأنه يلزم عليه اجتماع النقيضين؛ لأن علمه اقتضى أن الترك راجح، والداعي اقتضى أن الفعل راجح فيجتمع النقيضان، قال: وهذا كلام موجب إشكالا في فهم كلام أهل السنة في قولهم: إن الأمر غير ملزوم للإرادة وإن الأمر قد يأمر بما لا يريد خلافا للمعتزلة، فإن قلت: لم أفرد السوء وجمع السيئات، قلت: لقوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) فهم ينفون أن يذنبوا ذنبا واحدا يتوبوا منه بخلاف الآخرين، فإنهم يتربصون حتى يكفر ذنوبهم ويتكرر ويعاينون مقامات الموت وحينئذ يتوبوا معه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ... (١٩)﴾
стр. 458
ابن عرفة: هذا نفي لأحد أقسام الشريعة وهو المباح وإذا انتفى، انتفى أن يكون واجبا لهم أو مندوبا من باب أحرى، ويبقى الحرام والمكروه، هل هو حرام لهم أم لا مكروه؟ لكن إن فسرنا المباح بالمأذون في فعله فنقول إنه لإثبات المكروه بوجه؛ لأنه غير مأذون في فعله، وإن فسرناه بالذي لَا يترتب على فعله ثم احتمل أن يكون هذا حراما أو مكروها، فإن قلت: ما أفاد قوله: لكم؟، قلنا: أفاد التهييج على المنع من ذلك بأداة الخطاب أي لكم أيها المسلمون الملتزمون لأحكام الشريعة المحمدية.
قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
ابن عرفة: إن أريد بالمعروف المباح، فالأمر للوجوب وإن أريد الزائد على ذلك فالأمر للندب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ... (٢٠)﴾
ابن عرفة: الفعل الواقع شرطا تارة يأتي غير مصرح فيه بالإرادة مثل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) مع أن المراد إذا أردت أن تقرأ القرآن وإذا أردتم القيام للصلاة، وتارة يأتي مصرحا فيه بالإرادة هكذا الآية فما السر في ذلك؟، ثم قال عادتهم يجيبون بأنه إذا كان فعل الشرط مرادا وقوعه شرعا أمر به في صورة الواقع حتى كأنه أراده وفعله، فإن كان أمر أو عدمه فيؤتى به مسندا إلى إرادة المكلف واستبدال الزوج مكروه مراد عدمه شرطا لحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ولذلك عبر في قوله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ) و (إِذَا قُمْتُمْ) بـ إذا وفي هذه بإن، فإن قلت: ما أفاد قوله: (مَكَانَ زَوْجٍ) والمعنى مفهوم يغني عنه، قلنا: ذكر ليعاد عليه الضمير في قوله تعالى: (إِحْدَاهُن قِنْطَارًا).
قوله تعالى: (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا).
ابن عرفة: الأخذ يكون بأحد ثلاثة أمور إما بأن يضايقها ويضاررها ويستكرهها حتى ترد عليه ما أخذت منه، وهو السبب في نزول الآية، وإما بأن يطلب ذلك منها برفق ولين فترد عليه طائعة، وإما بأن تطوع هي له بذلك من غير سؤال ولا طلب، فنهوا الأزواج عن أخذ ذلك مطلقا، وإن كان طوعا على سبيل المبالغة وإلا فمعلوم أنه
стр. 459
إن كان لضرر منها والنشز بسببها فخالعته بشيء، فإنه يجوز له أخذه؛ لأنه معاوضة، ولذلك تقدم لنا إذا خالعته بطعام فاختلفوا هل يجوز بيعه قبل قبضه على قولين.
قوله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
ابن عرفة: الظاهر أن الواو بمعنى أو [للتفصيل*]، فالبهتان راجع إلى كذبه عليها ورميه [فقط*] بالزنا حتى ترد عليه ما أخذت منه، والإثم للبنين يرجع إلى تضييقه عليها بغير ذلك، فمن النَّاس من يكذب على زوجته ومنهم من يضيق عليها، ويهين عشرتها حتى يسترجع منها ما كان دفع إليها.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ... (٢١)﴾
ابن عرفة: انظر ما أحسن هذا الترتيب فهو يفهم على أسلوب طريقة أهل الفقه؛ لأن المجتهد إذا الحكم في المسألة لم يتم له إلا بأحد أمرين:
أولهما: أن يأتي بالدليل المقتضي للثبوت.
الثاني: انتفاء المانع منه فلما حكم بعدم الأخذ منه عقبه ببيان أنكم ليس لكم دليل موجب لجواز أخذ ذلك بل هو مجرد بهتان، وإن سلمنا أن لكم في أخذ ذلك مستندا أو دليلا فهناك مانع يمنع الأخذ، وهو إفضاء بعضكم إلى بعض، وتقرر العهد بينكم بالمواثيق.
قيل لابن عرفة: الحكم عام في الدخول بها وضرها، فقال: جرى على غالب الأمور؛ لأن الغالب في وقوع الشر إنما يكون بعد الدخول، وكونه قبله نادرا، قال ابن عطية: ويؤخذ من الآية جواز المغالات في المهور، وذكر قضية عمر.
ورده ابن عرفة: بحديث خرجه عبد الحق عن عائشة ﵂ وكرم وجه أبيها، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من يمن المرأة تيسير أمرها وقلة صداقها"، وقلت أنا ومن شؤم المرأة عسر أمرها وكثرة صداقها.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ... (٢٢)﴾
قال ابن عرفة: الأب يطلق حقيقة على الوالد، وعلى الجد مجازا، ففيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لكن الجمع وهو أخف من المفرد، وإذا أريد بالنكاح العقد فيدخل فيه ملك اليمين باللزوم، ولأن المراد ما دخل في حكم النساء وصح له وطؤه، قال ابن عرفة: النكاح المجمع على صحته ينشر الحرمة بلا خلاف، وضده المجمع على فساده كنكاح الأخت والبنت لَا مثل حرمة لَا خلاف والمختلف فيه حكى اللخمي
стр. 460
فيه الخلاف، قيل له: بل حكى اللخمي الخلاف في المتفق على فساده وهو في المدونة إنها في الجمع بين الأم وابنتها في العقد فقط، ثم يصح قبل الدخول فإنه يباح له نكاح الابنة، وقيل: ليس له ذلك لأجل شبهة العقد قال: ويحتمل بهذا الزنا ويكون قوله تعالى: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) مستثنى من بعض صور ذلك، وهو صورة الزنا.
قال ابن عطية: أو يكون المراد ما عثر عليه في الجاهلية فأقره في الإسلام، فرده ابن عرفة: بأن لَا يصح أن يكون المعنى إلا الدوام (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) وإنما المراد إنشاء العقد إلا أن يجعل الدوام كالإنشاء وهو بعيد.
قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).
ابن عرفة: الظاهر أن المعطوفات تأسيس فالمراد بالفاحشة ما عظم منعه شرعا، والمقت هو المنقوص اعترض بقدر عيب الشهوة فتنزه من فعلها، وقوله تعالى: (وَسَاءَ سَبِيلاً) إما باعتبار عاقبة أمره في الدار الآخرة، وإما بمعنى أن الولد الناشئ عنه يقال لهَ: ولد المقت فيكون العطف في هذا كله تأسيسا.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... (٢٣)﴾
ابن عرفة: قالوا: النهي يرد في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: بلفظ التحريم لهذه الآية ومثل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) وهو أشدها وعليه أن لَا يقال: لَا يحل لك أن تفعل كذا ودونه أن يقال: لا تفعل كذا؛ دونه بفعل التحريم والكراهة، وقال تعالى في الأول: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) فذكر التعليل بالفاحشة مع علته فرأيت الثلاث، وهو قوله: (لَا تَنْكِحُوا) ولم يذكره هنا وهو النهي الصريح الذي هو أقواها وهو: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ)، والمناسب كان يقرن التعليل بالفاحشة ونتيجتها مع مخاطب بالنهي الشديد المتأكد ليقع المناسبة بين الحكم وعلته.
قال ابن عرفة وأجيب بوجهين:
الأول: أن لفظ التحريم نص في إفادة المعنى المراد منه فيغني عن تعليله بذلك بخلاف لفظ (لَا تَنكِحُوا) فإنه لما كان محتملا افتقر إلى اقترانه بتعليل يعني أن المراد فيه التحريم.
الثاني: أن النفوس مجبولة على الامتناع في الأمهات والنساء وما ذكر معهن فأغنى ذلك عن ذكر علته، قال البيانيون: والأصل تقديم المرفوع على المجرور وما تقدم