نقص يمنع منه، والفاحشة لحساستها بالزنا هو الذي يطلب الشهادة عليه، وأما من لم يرم به فالستر في حقه أولى، ويستكشف الشهود في الزنا؛ لأن المقصود منها الستر يسألون على أي حال، وفي أي موضع وفي أي زمان، وكذلك القطع في السرقة؛ لأن أكثر النَّاس لَا يفرقون بين السرقة والاختلاس والخديعة والتعدي والغصب والنهب والخيانة والغيلة والحرابة؛ لأن أحكامهما مختلفة، وقال أبو عمران: في النظائر شهود السرقة لَا يستكشفون ابن عرفة وهو غلط، وكذلك اشتراط إيجادهم في زمن الأداء كشهود الزنا وهو غلط أيضا، ابن عرفة وقوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا) إنما عبر بدون إذا؛ لأن المقصود عدم شهادتهم، وقوله تعالى: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) عقبه لأن المتوفى أعم قال الله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).
قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا).
أو بمعنى إلا أن ولا يصلح أن يكون بمعنى إلى إلا إذا قلنا: أن ما بعد إلى داخل فيما قبلها، وقد قالوا في:
[وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَها أَوْ تَسْتَقِيمَا*]
قال ابن عطية: أما [البكر فلا خلاف أنه يجلد*] واختلفوا في نفيه وتغريبه، فقال الخلفاء الأربعة، ومالك والشافعي ﵏: أنه لَا يُنفَى، وقال جماعة: يُنفَى، وقيل: نفيه حجة، ولا تُنفى المرأة ولا العبد هذا مذهب مالك وجماعة.
ابن عرفة: وهذا غلط؛ لأن في كتاب الرجم من التهذيب ما نصه ولا نفي على النساء ولا العبيد ولا تغريب ولا ينفي الرجل الحد إلا في الزنا، وفي حرابة فينفيان جميعا في الموضع الذي لَا ينفيان إليه بسجن الزاني فيه والمحارب حتى تعرف توبته، فإن قلت: لم قال (مِنْ نِسَائِكُمْ)، قلنا: المراد بإخراج الذمية لقول مالك في كتاب الرجم في المدونة وإن زنا مسلم بذمية حد، وردت هي إلى الأصل في دينها فإن شاءوا رجمها فلم أمنعهم، فإن قلت لم قال: (فَاسْتَشهِدُوا) فأمر بطلب الشهادة مع أنه موضع يقصد فيه الستر شرعا، قلنا: المراد به الحاكم فهو إذا أخبر بأنهما زنيا؛ بحيث هل يشهدهما أحد أم لَا؛ لأنه يأمر الشهود بالبحث عنهم ابتداء فإن لم يجد من يشهد عليهما كان من أخبره بذلك قادحا فنحده.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَا ... (١٦)﴾
стр. 457
إما عطف تفسيري مثل: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)، أو المراد به ما زاد على التوبة، وهو إن يستديم على ذلك ويتزايد حاله في الصلاح شيئا فشيئا، ليكون ذلك دليلا على صدق توبته.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا).
إن قلت: لم أخر الرحمة وهي سبب في التوبة، قلنا: لأن المقصود عموم رحمته بالتوبة وغيرها فمن لم يتب من الفاحشة وهو مؤمن فإنه عندنا في المشيئة ولا بد له من الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ... (١٧)﴾
ابن عرفة: منهم من شرط في الندم العزم أن لَا يعود إلى الذنب، ومنهم من لا يشترط ذلك، وقوله تعالى: (عَلَى اللَّهِ) بمعنى إن إمكان القلوب غير القبول فنحن نقطع بإمكان قبول توبة التائب شرعا ويبقى قبولها بالفعل مستفاد من قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِم) فيكون تأسيسا ونظيره أن يقول: من دخل داري اليوم فأعطيه درهما، وزيد عظيم فأعطه درهما.
قوله تعالى: (بِجَهَالَةٍ).
قال ابن عطية: ليس المراد به جهلهم بأن ذلك معصية؛ لأن المتعمد أيضا يصح توبته إجماعا، ابن عرفة.
وقال الفخر: المعصية لَا يصح صدورها من العالم؛ لأن الداعي لقضايا اقتضى ترجيحا، فإن كان المكلف حينئذ عالما بأنها معصية وإن تركها أرجح من فعلها ثم تعمد لقضايا فهو جهل التقدمية المرجوح على الراجح، فلا بد أن يكون ذلك بدل اقتضى عنده ترجيح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، ابن عرفة: وفيه بحث بأنه يلزم عليه اجتماع النقيضين؛ لأن علمه اقتضى أن الترك راجح، والداعي اقتضى أن الفعل راجح فيجتمع النقيضان، قال: وهذا كلام موجب إشكالا في فهم كلام أهل السنة في قولهم: إن الأمر غير ملزوم للإرادة وإن الأمر قد يأمر بما لا يريد خلافا للمعتزلة، فإن قلت: لم أفرد السوء وجمع السيئات، قلت: لقوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) فهم ينفون أن يذنبوا ذنبا واحدا يتوبوا منه بخلاف الآخرين، فإنهم يتربصون حتى يكفر ذنوبهم ويتكرر ويعاينون مقامات الموت وحينئذ يتوبوا معه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ... (١٩)﴾
стр. 458
ابن عرفة: هذا نفي لأحد أقسام الشريعة وهو المباح وإذا انتفى، انتفى أن يكون واجبا لهم أو مندوبا من باب أحرى، ويبقى الحرام والمكروه، هل هو حرام لهم أم لا مكروه؟ لكن إن فسرنا المباح بالمأذون في فعله فنقول إنه لإثبات المكروه بوجه؛ لأنه غير مأذون في فعله، وإن فسرناه بالذي لَا يترتب على فعله ثم احتمل أن يكون هذا حراما أو مكروها، فإن قلت: ما أفاد قوله: لكم؟، قلنا: أفاد التهييج على المنع من ذلك بأداة الخطاب أي لكم أيها المسلمون الملتزمون لأحكام الشريعة المحمدية.
قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
ابن عرفة: إن أريد بالمعروف المباح، فالأمر للوجوب وإن أريد الزائد على ذلك فالأمر للندب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ... (٢٠)﴾
ابن عرفة: الفعل الواقع شرطا تارة يأتي غير مصرح فيه بالإرادة مثل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) مع أن المراد إذا أردت أن تقرأ القرآن وإذا أردتم القيام للصلاة، وتارة يأتي مصرحا فيه بالإرادة هكذا الآية فما السر في ذلك؟، ثم قال عادتهم يجيبون بأنه إذا كان فعل الشرط مرادا وقوعه شرعا أمر به في صورة الواقع حتى كأنه أراده وفعله، فإن كان أمر أو عدمه فيؤتى به مسندا إلى إرادة المكلف واستبدال الزوج مكروه مراد عدمه شرطا لحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ولذلك عبر في قوله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ) و (إِذَا قُمْتُمْ) بـ إذا وفي هذه بإن، فإن قلت: ما أفاد قوله: (مَكَانَ زَوْجٍ) والمعنى مفهوم يغني عنه، قلنا: ذكر ليعاد عليه الضمير في قوله تعالى: (إِحْدَاهُن قِنْطَارًا).
قوله تعالى: (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا).
ابن عرفة: الأخذ يكون بأحد ثلاثة أمور إما بأن يضايقها ويضاررها ويستكرهها حتى ترد عليه ما أخذت منه، وهو السبب في نزول الآية، وإما بأن يطلب ذلك منها برفق ولين فترد عليه طائعة، وإما بأن تطوع هي له بذلك من غير سؤال ولا طلب، فنهوا الأزواج عن أخذ ذلك مطلقا، وإن كان طوعا على سبيل المبالغة وإلا فمعلوم أنه
стр. 459
إن كان لضرر منها والنشز بسببها فخالعته بشيء، فإنه يجوز له أخذه؛ لأنه معاوضة، ولذلك تقدم لنا إذا خالعته بطعام فاختلفوا هل يجوز بيعه قبل قبضه على قولين.
قوله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
ابن عرفة: الظاهر أن الواو بمعنى أو [للتفصيل*]، فالبهتان راجع إلى كذبه عليها ورميه [فقط*] بالزنا حتى ترد عليه ما أخذت منه، والإثم للبنين يرجع إلى تضييقه عليها بغير ذلك، فمن النَّاس من يكذب على زوجته ومنهم من يضيق عليها، ويهين عشرتها حتى يسترجع منها ما كان دفع إليها.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ... (٢١)﴾
ابن عرفة: انظر ما أحسن هذا الترتيب فهو يفهم على أسلوب طريقة أهل الفقه؛ لأن المجتهد إذا الحكم في المسألة لم يتم له إلا بأحد أمرين:
أولهما: أن يأتي بالدليل المقتضي للثبوت.
الثاني: انتفاء المانع منه فلما حكم بعدم الأخذ منه عقبه ببيان أنكم ليس لكم دليل موجب لجواز أخذ ذلك بل هو مجرد بهتان، وإن سلمنا أن لكم في أخذ ذلك مستندا أو دليلا فهناك مانع يمنع الأخذ، وهو إفضاء بعضكم إلى بعض، وتقرر العهد بينكم بالمواثيق.
قيل لابن عرفة: الحكم عام في الدخول بها وضرها، فقال: جرى على غالب الأمور؛ لأن الغالب في وقوع الشر إنما يكون بعد الدخول، وكونه قبله نادرا، قال ابن عطية: ويؤخذ من الآية جواز المغالات في المهور، وذكر قضية عمر.
ورده ابن عرفة: بحديث خرجه عبد الحق عن عائشة ﵂ وكرم وجه أبيها، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من يمن المرأة تيسير أمرها وقلة صداقها"، وقلت أنا ومن شؤم المرأة عسر أمرها وكثرة صداقها.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ... (٢٢)﴾
قال ابن عرفة: الأب يطلق حقيقة على الوالد، وعلى الجد مجازا، ففيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لكن الجمع وهو أخف من المفرد، وإذا أريد بالنكاح العقد فيدخل فيه ملك اليمين باللزوم، ولأن المراد ما دخل في حكم النساء وصح له وطؤه، قال ابن عرفة: النكاح المجمع على صحته ينشر الحرمة بلا خلاف، وضده المجمع على فساده كنكاح الأخت والبنت لَا مثل حرمة لَا خلاف والمختلف فيه حكى اللخمي
стр. 460
فيه الخلاف، قيل له: بل حكى اللخمي الخلاف في المتفق على فساده وهو في المدونة إنها في الجمع بين الأم وابنتها في العقد فقط، ثم يصح قبل الدخول فإنه يباح له نكاح الابنة، وقيل: ليس له ذلك لأجل شبهة العقد قال: ويحتمل بهذا الزنا ويكون قوله تعالى: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) مستثنى من بعض صور ذلك، وهو صورة الزنا.
قال ابن عطية: أو يكون المراد ما عثر عليه في الجاهلية فأقره في الإسلام، فرده ابن عرفة: بأن لَا يصح أن يكون المعنى إلا الدوام (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) وإنما المراد إنشاء العقد إلا أن يجعل الدوام كالإنشاء وهو بعيد.
قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).
ابن عرفة: الظاهر أن المعطوفات تأسيس فالمراد بالفاحشة ما عظم منعه شرعا، والمقت هو المنقوص اعترض بقدر عيب الشهوة فتنزه من فعلها، وقوله تعالى: (وَسَاءَ سَبِيلاً) إما باعتبار عاقبة أمره في الدار الآخرة، وإما بمعنى أن الولد الناشئ عنه يقال لهَ: ولد المقت فيكون العطف في هذا كله تأسيسا.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... (٢٣)﴾
ابن عرفة: قالوا: النهي يرد في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: بلفظ التحريم لهذه الآية ومثل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) وهو أشدها وعليه أن لَا يقال: لَا يحل لك أن تفعل كذا ودونه أن يقال: لا تفعل كذا؛ دونه بفعل التحريم والكراهة، وقال تعالى في الأول: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) فذكر التعليل بالفاحشة مع علته فرأيت الثلاث، وهو قوله: (لَا تَنْكِحُوا) ولم يذكره هنا وهو النهي الصريح الذي هو أقواها وهو: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ)، والمناسب كان يقرن التعليل بالفاحشة ونتيجتها مع مخاطب بالنهي الشديد المتأكد ليقع المناسبة بين الحكم وعلته.
قال ابن عرفة وأجيب بوجهين:
الأول: أن لفظ التحريم نص في إفادة المعنى المراد منه فيغني عن تعليله بذلك بخلاف لفظ (لَا تَنكِحُوا) فإنه لما كان محتملا افتقر إلى اقترانه بتعليل يعني أن المراد فيه التحريم.
الثاني: أن النفوس مجبولة على الامتناع في الأمهات والنساء وما ذكر معهن فأغنى ذلك عن ذكر علته، قال البيانيون: والأصل تقديم المرفوع على المجرور وما تقدم
стр. 461
المجرور إلا تمكنه إما للاهتمام أو غير ذلك، وهنا إنما قدم المجرور لكثرة المرفوعات وتكررها فلو أخر عنها لبعد من العامل واختل المعنى.
قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ).
ذهب داود إلى أن الربيبة التي ليست في الحجر حلال مثل أن يتزوج رجل امرأة ولها بنت عند أمها فطلق المرأة واحتج بمفهوم الصفة، وأجيب: بأنه مفهوم خرج مخرج الغالب، ورده الشيخ عز الدين بأنه أحرى في [الحجر*]؛ لأنه يلزمكم أن لَا تكون الصفة فائدة، فلا بد للإتيان بالوصف من فائدة، وما هو إلا تحريم ما ذكر، وتحليل ما سواه، وأجاب ابن عرفة: بأنه لما كان كونها في غير محرم نادرا جعل مانعا كالعدم، وذكر هذا الوصف يجري مجرى التعليل أي (حُرِّمَتْ عَلَيْكُم)، لكونها ربيبة في حجوركم، قلت: فيكون من التعليل بالمظنة وتخلف الحكمة عنها في بعض الصور لَا يظن.
قوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ).
ولم يقل: الجمع بين الأختين ليفيد مواجهتهم بهذا الخطاب، فيكون أبلغ في التعبير عما نهوا عنه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
إما غفورا لما قد سلف منكم أو ما سيصدر منكم من المخالفة في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... (٢٤)﴾
اتفقوا الجميع على فتح الصاد ومن الكتابي في غير هذه الآية بكسر الصاد وهاهنا بالفتح، قال ابن عرفة: وجهه أن المحصنات هنا ليس إلا من قبيل المنع، لأن النكاح هنا المراد به الوطء ليس إلا، والنساء منفعلات فغيرهن أحصنهن، وفي غير هذه الآية حديث "هن أحصن لأنفسهن إما بالظاهر وإمَّا بالإسلام أو بالحرية".
قوله تعالى: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ).
إن قلت: هلا قيل إلا ما ملكتم فهي الحقيقة وهي أخص، وأما هذا المجاز من إطلاق الكل على الجزء، فالجواب: أن المراد بهذا الشيء المأخوذ في الجهاد والغرور وإنما هو بالأيدي.
قوله تعالى: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
стр. 462
مصدر إما مؤكد للجملة إن اعتبر (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) مع معنى (كِتَابَ) مثل قام قياما أو وقوفا، أو مؤكد لنفسه مثل: قام زيد حقا، ومؤكد لفعل من لفظه لو كتب كتاب الله عليكم.
قوله تعالى: (وَأُحِلُّ لَكُمْ).
دليل على أن الأشياء على الحظر، ودليل على إبطال مفهوم اللقب؛ لأنه كان يكتفي من هذا بذكر المحرمات، قيل: وقرئ (وَأُحِل) على البناء للمفعول وحذف الفاعل عند النحويين للعلم به، وعند البيانيين تعظيما له، أي لم يذكر مع المفعول لشرفه وضخامة المفعول وجسامته؛ لأن المحل هنا هو الوطء ومقدماته، وأما العلم به فهو قدر مشترك في كل ما يحذف منه الفعل.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ ... (٢٥)﴾
ابن عرفة: الظاهر أن من جملة لَا يشترط لوجهين: إما للمادة أو لأنه أغلب، إنما قيل: (مِنْكُمْ) ليفيد أن الخطاب للأحرار لَا للعبيد، وأجاب ابن عطية بأن المراد منكم أيها المؤمنون، ابن عطية، قال أشهب في المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية فبغضه ابن عرفة بأن ابن يونس واللخمي إنما نقلا عنه جواز التمادي على ذلك بعد الوقوع؛ لأنه أجازه ابتداء فكان حقه أن يحكمه كذلك، أو يقول لَا فرق بين التمادي عليه وبين جوازه ابتداء.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم) على أن وصفه المؤمنات، في قوله تعالى: (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) معتبر.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ... (٢٦)﴾
قال ابن عرفة: اختلف الأصوليون هل يرد في القرآن ما لَا يفهم أم لَا؟ وقال بعض شراح المحصول قلت: أظنهم يبينون أن المعنى القديم الأزلي يستحيل فيه، وإنما الخلاف في الألفاظ.
قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ).
الهداية تطلق على معنى أعم ومعنى أخص، فالأعم هو التمكن من أسباب السعادة، والأخص هو خلق القدرة على فعل أسباب السعادة، فإن أريد بها هذا المعنى الأعم لزم التكرار؛ لأنه مستفاد من قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) وإن أريد الأخص لزم الحلف في الخير؛ لأن الكفار غير مهديين، وكذلك عصاة المسلمين، قال: والجواب أنا نختار بها المعنى الأعم لكي يكون البيان الأول أعم من الهداية،
стр. 463
كما تبين النقد طريق الجامع وتنبيها للصحيح، فالأول: بينت له ولم يمكن منها، والثاني: بينت له ويمكن عنها والمعنى ليبين لكم ويمكنكم سلوك طريق من مضى من الأمم، وإذا مكنوا منها فتارة يهتدوا، وتارة لَا يهتدوا، ابن عرفة: وهذا ترتيب مني؛ لأنه يبين أولا طريق الرشاد ومكن من سلوكها وخلق القدرة على سلوكها بعض النَّاس، وتاب فمن عصى ولم يسلكها والله أعلم بالبينات.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... (٢٧)﴾
ابن عطية: هذا تكرار للتأكيد، فرده أبو حيان: بأن معمول الإرادة هو التكاليف، أي يريد الله تكاليفهم ليبين لكم وليبين معمول التوبة، وقال المختصر في هذا نظر ابن عرفة: أراد أن التوبة معلقة بالفعل راجعة إليه، والتقدير يريد الله تكليفهم ليبين لكم وليتوب عليكم فكأنما معمول له.
قال ابن عرفة: والرد عندي على ابن عطية من وجهين:
أحدهما: أن البيانيين فرقوا بين قولك: زيد يقوم، ويقوم زيد، فقولك: (يُرِيدُ اللَّهُ) أعم (وَاللَّهُ يُرِيدُ) أخص فهو تأسيس.
الثاني: أن الأول تضمن مشروعية التوبة، والثاني: إخبار بقبولها، قيل لابن عرفة: مذهبنا أنها غير واجبة، فقال: عقلا، وأما شرعا فقبولها واجب.
قوله تعالى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ).
ابن عرفة: منهم النفس فإنها تحب من صاحبها أن يفعل جميع شهواتها ومستلذاتها، ويقال: يميل بفتح الياء.
قيل لابن عرفة: نص البصري في شرح قول الشقراطيسي
فانقضَّ منكسر الأرجاء ذا ميل
أن الميل بالفتح إنما هو في المحسوسات قال: يكون هذا مثل، قول الزمخشري: في قوله تعالى: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجَا وَلَا أَمْتا) أنه تنزيل المعنوي في منزلة الحسي، مثاله في الميل والعوج.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... (٢٨)﴾
إشارة إلى أن جميع التكاليف حقيقة، فينبغي أن تؤخذ بالقبول والامتثال، أي دليل يريد الله تكليفكم ليبين لكم، وإشارة إلى أن إباحة نكاح الأمة مع عدم الطول وخوف
стр. 464
العبث رخصة وتخفيف من الله تعالى على عباده ولا إثم فيه كما ورد " [إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه*] ".
قيل لابن عرفة: فيؤخذ منه لَا يجوز نسخ حكم قرئ في حقيقة الحكم بأن نقلا منه وإنما يحتج بالخفيف، فقال ذلك لَا تقل هو خفيف بالنسبة في غيره من الأحكام لا بالنسبة الموالي.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... (٢٩)﴾
ابن عرفة: فيه إيماء لكون الكافرين غير مخاطبين بفروع الشريعة.
قوله تعالى: (لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ).
ابن عرفة: عبر بالأكل لوجهين: إما لأنه عام في بني آدم والبهائم بخلاف اللباس، وإما لأنه أهم على النفوس من اللباس والحاجة إليه أشد، فإذا جوع الإنسان نفسه فإنه لَا يتشوق إلى التلذذ باللباس.
قوله تعالى: (أَموَالَكُمْ).
إن أريد مال الإنسان نفسه فإن النهي يتناول الأموال المقيدة فيها بالدنيا، وإن أريد نهيه عن أكل مال غيره فيكون مطلقا لكن قوله يفيد الثاني.
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً).
أي لَا تأكلوا بسبب من الأسباب إلا بسبب التجارة، قيل له: والكون داخل في الأول فهو متصل فقال: الباطل ليس له كون كما أن الذوات ليست بكون.
قال ابن عرفة: وقدم أولا النهي عن النكاح الفاسد ثم بقي بالنهي عن أكل المال بالباطل فإن راعينا المفسدة، فمفسدة التزويج أشد من مفسدة المال؛ لأن حفظ الأنساب آكد من حفظ الأموال، وإن راعينا الحاجة فالحاجة إلى المال أسهل من الحاجة إلى النكاح بدليل أن الإنسان يجب عليه الإنفاق على ابنه بالطعام والشراب ولا يجب عليه تزويجه.
قوله تعالى: (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم).
قال ابن العربي: مفهومه منع أكل المال الحاصل بالهبة والصدقة، فرده ابن عرفة بأن الآية اقتضت أن التراضي عنه في جواز أكل المال الحاصل فائدة فيه فأحرى عليه في جواز أكل ما حصل بالمعروف؛ لأن النكاح والهبة محض معروف، قال ابن
стр. 465
العربي: فظاهر الآية منع بيع الخيار؛ لأن التراضي في التجارة إنما يحصل بعد التروي والنظر عن غير عين.
قوله تعالى: (وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم).
قيل لابن عرفة: فمن يقتل نفسه في حد من حدود الله كما أراد بقتل نفسه فقال: هو مأمور؛ لأنه مأمور بستر نفسه وبالتوبة، وقد قال مالك في المدونة فيمن قتل أخاه، وأتى رجل فقتل القاتل قال: أنه يقتل به [لافتئاته*] على الإمام فكذلك إذا قتل القاتل نفسه عليه إثمان، إثم المقتول، وإثم نفسه، ونقل له عن عز الدين غير هذا فاذكره.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ... (٣٠)﴾
قال: العدوان إما القصد وإما العمد، فيكون عطف (وَظُلْمًا) تأسيس، وإما أن يقول: العدوان تعدي الحدود، والظلم وضع الشيء في غير محله، فيكون العطف تأكيدًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ... (٣١)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق حكم التكاليف وكان العبد في مظنة عدم الوفاء لمشقتها، فقد تعرض القنوط عقب ذلك ببيان غفرانه تعالى عن كل شيء من ذلك، قال ابن عرفة: والكبائر عرفها الشيخ عز الدين بأنها كلها كوعد الشارع عليها بعقاب بنص في الكتاب والسنة، قال: فإن سألني عمن لَا نص فيه فنقيسه بأدنى الذنوب المتوعد عليها، فإن ساواه في المفسدة جعلناه بالكبائر، وإن قصر عنه حكمنا بأنه صغيرة، ابن عرفة: وفائدة الاجتناب يؤذن بأن التارك للمعصية يعطيه أو لعدم قدرته عليها، إما لذاته أو لمانع من إكراه ونحوه أن ذلك لَا يوجب تكفير الصغيرة لا اجتناب الكبائر خوفا من الله تعالى وامتثالا لنهيه لحديث: "إنما تركتها من أجلي" ولولا ذلك لقال: إن تتركوا كبائر، قال ابن عرفة: وعادتهم يعارضون الآية كما روي في الصحيح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "من صلى صلاة أحسن وضوءها وركوعها وخشوعها فإنها تكفر صغائره ما اجتنبت الكبائر"، ووجه المعارضة، أن يقال: إذا كانت هذه الصلاة بهذه الصفة مكفرة للصغائر لم يبق ما يكفر باجتناب الكبائر، قال: وكانوا يجيبون: بأن التكفير مقبول بالتشكيك ويضربون لذلك مثلا برجلين اجتمعوا على قتل رجل ورفعا إلى ولي الأمر الذي عفى عن أحدهما بأول وهلة، وبقي مدة طويلة ثم عفى عن الآخر فقد حصل العفو عنهما معا، لكن لَا على التساوي في الزمان بل على التفاوت ولذلك هذا يكفر الصلاة الموصوفة بهذه الصفة
стр. 466
اجتناب الصغائر بالموازنة ويكفرها اجتناب الكبائر بأول وهلة من غير موازنة.
قوله تعالى: (مُدْخَلًا كَرِيمًا).
فما تحقق السؤال المتقدم في أن اجتناب الكبائر موجب لكمال المغفرة للصغائر وإن لم تكن معها تلك الصلاة الموصوفة بتلك الصفة.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... (٣٣)﴾
فتدخل الجمادات.
قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ... (٣٤)﴾
ابن عرفة: الظاهر أنه حكم فهو خبر في معنى الأمر مقرون بعلته فالفاء للتسبب، ولو كان خبر حقيقة للزم الخلف عليه في الخبر؛ لأن بعض النَّاس على العكس يكون النساء قوامات عليهم.
قوله تعالى: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
يؤخذ منهم أن المشركين في أمر تقدم الأفضل منهما عند التغاير، ففيه تقدم الأفضل في الأمر وفي الخلافة.
قيل لابن عرفة: هذا معلوم من خارج لَا جماعة له هنا بل العقل يهدي إليه، فقال: هذا هو مذهب المعتزلة، وإنما علم تقديم الأفضل من جهة الشرع.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ).
إما أن المعنى تعلمون نشوزهن وتحققونه، أو تخافون نشوزهن فنشزوا، وإما مجرد الخوف فليس بموجب لهجرانهن وضربهن إلا بعد وقوع ذلك.
قوله تعالى: (فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا).
أي من ضرب وهجران ونحوه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ... (٣٥)﴾
قال: إن المراد وإن علمتم وتحققتم ذلك، أو معنى وإن خفتم شقاق بينهما فشاقا [ ... ] على ذلك فحينئذ يحث [ ... ] وعبر بأن في (وَإِنْ خِفْتُمْ) لكراهة المشاقة
стр. 467
ومرجوحيتها، وعبر بأن في (إِنَّ يُرِيدَا إِصْلَاحًا) إشارة إلى أن الإصلاح ليس براجح مطلقا، بل قد يكون الفراق راجحا في بعض الأحوال، وإضافة الشقاق إما على معنى في مثل: يا سارق الليلة يجعل كان الليلة نفسها مسروقة مبالغة في السرقة.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).
ابن عرفة: فائدة الوصف بـ خبير بعد عليم إشارة إلى علمه بخفيات الأمور خشية أن يظن أحد أنه إذا ضمر شيئا في باطنه وفعله مستخفيا مستترا أنه لَا يعلم به.
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ... (٣٦)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: العبادة متأخرة عن التوحيد، والتوحيد من لوازمه نفي الشرك، والمقدم على المقدم مقدم فهلا قدم النهي عن الشرك على الأمر بالعبادة بل مقارن لها؛ لأنه أحد صورها فليس بمقدم ولا متأخر، فرده ابن عرفة بوجهين:
الأول: بأن نفي الشرك أحد صور العبادة لَا متقدم عليها.
الثاني: أن العبادة مفتقرة إلى النية، لأنها عمل وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" والتوحيد لَا يفتقر إلى نية، قال الفخر في المحصول إذ لو افتقر إلى النية للزم التسلسل.
قوله تعالى: (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).
قال ابن عرفة: (شَيْئًا) إما مصدر أو مفعول والظاهر أنه مصدر لتجانس قوله تعالى: (إِحْسَانًا) لأنه مصدر، قال ابن العربي: ويؤخذ من الآية منع سفر بنية الحج والتجارة معا، والوضوء للعبادة والنشاط والنظافة معا؛ لأنه تشريك.
قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
قال ابن عرفة: الإحسان لفظ أعم فينتج المناط فيه، أنه إن أريد به الأمر الخارجي الضروري فهو واجب وإن أريد ما زاد عليه فمندوب، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) فهو زائد على العدل، قيل لابن عرفة: إذا دعته والدته إلى أمر ودعاه أبوه إلى نقيضه فلمن يطيع؟ قال: يرجح بين المفسدتين من
стр. 468
الأحسن لهما فيتركب أخف الضررين، فالذي يكون له عصيانه أشد ضررا عليه من عصيانه للآخر يتركه وإن استوى الضرر إن أطاع الأم والمراد بالوالدين الأب وإن علا، والأم فما فوقها كما قالوا في قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أنه يتناول الأب وإن علا.
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا).
قال ابن عرفة: المختال هو المتكبر بالفعل، والفخور المتكبر بالقول أو بالفعل.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ... (٤١)﴾
قال: ويجاب بأنه على حذف الصفة تقديره (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) مرسَل إليهم بشهيد إلا أنه إن أريد أمة مرسلا إليهم فهو المطلوب، وإن أريد أمة بالإطلاق أعم من المرسَل إليهم، وغيرهم فيستلزم عليه الخلف في الخبر؛ لأن غير المرسَل إليهم ليس منهم شهيد.
قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا).
ابن عرفة: هو عندي على حذف المعطوف، أي هؤلاء ولهم شهيدا.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ ... (٤٢)﴾ ... قال الفخر: العطف تأسيس إن قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فيعاقبون على كفرهم، ثم على عصيانهم.
قوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا).
إما مستأنف أو داخل تحت التمني، فالمعنى أنهم كتموا الحديث، فقالوا: والله ما كنا مشركين فلما عوقبوا بالعذاب الأليم ودوا أنهم صدقوا وأقروا بذنبهم وإن يحادوا بدلا من ذلك؛ لأن تسوى بهم الأرض.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ... (٤٣)﴾
ولم يقل: لَا تصلوا؛ لأن النهي عن القرب أشد من النهي عن الصلاة، قال ابن العربي، وقال الشافعي: لَا تقربوا مواضع الصلاة فرد عليه الشامي بأن أهل اللغة ذكروا أن تقربوا بفتح الراء في الأفعال وبضمها في المواضع فيقال: لَا تقرب البيت ولا تقرب الصلاة، ورده ابن عرفة: بأن الفتح في الجميع والشافعي ﵁ أعلم باللغة، كذا قال ابن التلمساني ﵀ في المسألة السابعة من باب الأوامر.
قوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).
стр. 469
ولم يقل: حتى تعلموا ما تتكلمون؛ لأن القول يطلق على اللفظ المركب والمفرد فيتناول المفردات كلها، ابن عرفة: وأخذوا منهم جواز تكليف ما لَا يطاق؛ لأن السكران مكلف حالة السكر، وهو الشرب فنهي عن شرب الخمر إذا أراد الصلاة.
الثاني: الفرق بين ابتداء التكليف وبين استمرار التكليف فإنما ذلك في النهي الابتدائي هو الذي يشترط فيه الإطاقة، وأما النهي المتمادي المستمر فلا يشترط الإطاقة إلا في ابتدائه لَا في استمراره، وقد مثله ابن التلمساني بنهر من على جبل عن الانحدار منه فهو قبل الشروع في الانحدار منهي عن ذلك؛ لأنه قادر عليه وعلى صده، فإذا حصل منحدرا وتوسط الجبل لم يستطع أن يحبس نفسه ولا أن يمنعه من النزول بوجه مع أن النهي عن ذلك مستمر عليه ومتماد.
قال ابن عرفة: وتقدم مضارعة هذه الآية وقضية حمزة لما قال الأصوليون: من حفظ للكليات الخمس وآكدها حفظ العقول والآية تقتضي أن السكر عندهم إنما هو السكر، والفرق بين السكر أن الطافح الغائب العقل وبين من معه بقية من عقله.
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ).
ابن عرفة: هو عندي على حذف الموصوف أي وإن كنتم جنبا من مَنيٍّ أو على سفر، ويكون قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِنَ الْغَائِطِ) معطوف على الموصوف المقدر، أي وإن كنتم ذوي جنابة أو ذوي غائط أو ملامسة مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا ولا يكون فيه تقديم ولا تأخير، كما قال ابن يونس: بل فيها حذف المعطوف عليه الموصوف وأقيمت صفة مقامه وهي صفة الثاني فالتقدير: وإن كنتم جنبا (مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فالأول بيان لحالة حدته، قال ابن عرفة: وفقدان الماء إما حسي حقيقة، وإما معنوي مجازا فيجده ولا يجد من يناوله إياه، أو يجده ويمنعه منه خوف لصوص، أو فيجده في البئر ويخاف فوات الوقت إن استعمله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ ... (٤٤)﴾
إما الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل أحد على حدته.
قوله تعالى: (يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ).
إما حال من (الَّذِينَ) فهي محصلة، أو من الضمير في (أُوتُوا) فهي مقدرة.
قوله تعالى: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ).
стр. 470
قال ابن عرفة: السبيل يجوز عندي أن يكون حالا في (تَضِلُّوا) حالة كونهم في السبيل، وهو سبيل الحق وهذا أشد أن (تَضِلُّوا) حالة كونهم مستقرين في طريق قويم ويصح أن يكون طرفا، وقرئ (تضلون) بالتاء وبالياء، فعلى قراءتها بالياء يكون تأسيسا؛ لأنهم كفروا بضلالهم [وبإرادتهم إضلال غيرهم*]، وعلى قراءة [الياء*] فيكون تأكيدا بمعنى إرادتهم الدوام على ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾
قال ابن عرفة: كلام أبي حيَّان في أن الفاعل ضمير عائد على مصدر (وَكَفَى) الاكتفاء بالله وأنه [ ... ]، ثم قال ابن عرفة: هذا غير صحيح؛ لأنا نقول: كفى القتال بالسيف والرمح وإن جعلته متعلقا بكفى يكون زيد مكتفيا وهو غير صحيح هنا؛ لأنه يكون الله تعالى مكتفيا وليس كذلك، قال أبو حيان: وهذا يحتاج إلى تأويل.
ابن عرفة: إن أراد كفى أنها تدخل على الفاعل بقول: كفى بالله ولا تدخل على المفعول بوجه.
قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... (٤٦)﴾
وفي العقود (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) والفرق أنا إذا فسرنا التحريف والتأويلات الباطلة فالمعنى هذا أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيها بيان أنهم يحرفون تلك اللفظة من الكتاب، ومعنى ما في العقود أنهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يحرفون اللفظ من الكتاب، فقوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) إشارة إلى التأويل الباطل، و (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) إشارة إلى إخراجه من الكتب ابن عرفة: فإن قلت: يؤخذ منه منع نقل الحديث بالمعنى، فالجواب: أن هؤلاء إنما ذموا على قصدهم التخويف بدليل قوله تعالى: (عَنْ مَوَاضِعِهِ).
قوله تعالى: (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
باعتبار المعنى يا قوم باعتبار اللفظ.
قوله تعالى: (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ).
قال ابن عرفة: يؤخذ منه منع الدعاء على الإنسان بسوء الخاتمة بخلاف قوله تعالى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ
стр. 471
الْأَلِيمَ) فإن تلك ظاهرها جواز الدعاء بذلك، وتقدم الجواب بقوله تعالى: (فَلا يُؤْمِنُوا) فإن أريد ربنا اطمس عليهم طمسا متصلا بالموت لَا يعقبه إيمان إلا عند المعاينة في محل لَا ينفعهم فيه الإيمان يؤخذ منها ذلة، وإن أريد (رَبَّنَا اطمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِم) فلا يؤمنوا إلى حين الموت قبل معاينة مقدماتها، أي حين يعاينوا رؤية العذاب فلا دليل فيها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... (٤٨)﴾
ابن عرفة: وهذا احتراس؛ لأنه لما قال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا) أوهم أن لهم في ذلك كسبا وقدرة فاحترز بذلك بقوله: (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ).
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
قال ابن عطية: النَّاس على أربعة أقسام: قسم تائب مات على توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن قانون المتكلمين أنه في المشيئة، قال ابن عرفة: في مثل هذا قالوا: كان الفقيه محمد أبو عبد الله البرجيني يقول: رقد ابن عطية هنا وهذا الموضع جدير بأن يقال فيه ذلك، إذ لم يقل أحد من المتكلمين أنه في المشيئة بل كلهم أجمعوا على أنه في الجنة إذا أتى بالتوبة مستوفاة الشروط من رد المظالم إلى أهلها، وغير ذلك من شروطها، وإنَّمَا الخلاف في توبته عند أهل السنة هل هي قطعية أو ظنية، وأجمعوا على أنه في الجنة.
قيل لابن عرفة: وظاهر عموم الآية أن مرتكب الكبيرة في المشيئة فيعم قاتل العمد وغيره، قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) نص في الخلود، ولكن أجمعوا أهل السنة أنه غير مخلد وينفي الكلام في دخوله النار ابتداء فظاهر هذه الآية أنه معروض على العفو عنه، ونص تلك الآية على أنه غير معروض العفو؛ لأن تلك خاصة، وهذه عامة والخاص يقدم على العام.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ... (٤٩)﴾
ابن عرفة: الاستفهام على سبيل التعجب من مدلوله وهو تزكيتهم أنفسهم فإن قلت: ظاهر منع قبول الخبر الذي يقتضي تفضيل الخبر فعادتهم يجيبون بأن ذلك مشروط بالعدالة فالعدالة تقتضي قبول خبره، والتفضيل إنما هو من غيره وهو المنقول عنه ذلك الخبر، فإن قلت: الإضراب هنا بل من غير المضرب عنه؛ لأن مذهب أهل السنة أن تزكيتهم لأنفسهم خلق الله تعالى، فالله تعالى هو الذي يزكيهم فكيف بهم
стр. 472
الإضراب على مذهبنا، قال: فالجواب أنه كان يمشي أما تصويره وخلقه كانت التزكية بفعل الله وإرادته وكل ما كان العمل الصالح ملزما للتزكية وكان بخلق الله وإرادته لزم أن تكون ملزومة، وهي التزكية بخلق الله وإرادته فالمضروب دعواهم التزكية، والمضروب به فعل ما يدل على التزكية ففرق بين التزكية بالدعوى الكاذبة، وبين التزكية بالأعمال الصالحة، فقيل لهم: إنما تحصل التزكية بالأعمال الصالحة التي هي بخلق الله تعالى لا بقولكم ودعواكم فالله يهدي من يشاء فيوفقه للعمل الصالح وعلى هذا يأتي قوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) لَا ينقصون من ثواب عملهم شيئا ولا يزاد عليهم في إثم مخالفتهم بشيء، ومنهم من قال: المراد بالفتيل: الجوهر الفرد ليسلم من المفهوم أو ليس ثم ما هو أقل منه، ابن عرفة: ويجوز للإنسان أن يطلب من غيره ليعدله، وليس هو من تزكية نفسه.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... (٥٠)﴾ ... ابن عرفة: إن كان المعمول الجملة فالنظر معنوي بمعنى العلم؛ لأن الافتراء قول لَا يتعلق به النظر، وإن كان المراد: انظر إليهم كيف يفترون، فالنظر حسي بصري، ابن عرفة: معناه ينسبون إليه الكذب أو يقولون الكذب فهو مضمن معنى فعل آخر.
قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ (٥١)﴾ .. قال ابن عرفة: الظاهر أن الجبت الأصنام والطاغوت عبادتها.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾
المراد به الدوام؛ لأن الوسط مضارع وهو متكرر في المقدمتين فتقريرهم ملعونون، وكل ملعون لله لم تجد له نصيرا فهم لن تجد لهم نصيرا، والمراد يظنون أن لهم نصيرا، ولم يقل: ناصرا؛ لأن هذا موضع لَا ينفع فيه إلا النصير.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ... (٥٣)﴾
(أَمْ) منقطعة، والهمزة قال الزمخشري: لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، فأنكر ثم قال: فإذا لَا يؤتون أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لَا يؤتون مقدار نظير لفظ محلهم، ويجوز أن تكون الهمزة لإنكار أنهم قد أوتوا نصيبا من الملك، وكانوا أصحاب أموال وسيأتي وأنتم لَا تؤتون أحدهم فما تملكون شيئا.
قال ابن عرفة: يظهر الفرق بين الوجهين على صعوبته، أنه في الأول تسلط الإنكار على الجملتين الأولى والثانية فأنكر عليهم أن لهم نصيب من الملك فأنكر عليهم محلهم.
стр. 473
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٥٤)﴾
ابن عرفة: هذا ترقٍّ في الذم؛ لأن الحسد أشد من البخل.
قوله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا).
إشارة إلى أن هذا الذي حسدوهم لم يتفرد به المحسودون بل أعطينا مثله لغيرهم من الأمم السابقة، فالحسد فيه أشد قبحا من حسد من اختص بشيء، والحكمة إما الشريعة، وإما فهم الكتاب، والملك وإما إخلافه كما في الحديث ثم يقود ملكا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا ... (٥٦)﴾
تعجيل عليهم بكفرهم مع وجود الآيات الواضحة.
قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ).
ابن عرفة: هذا تسلسل في الآثار وهو عند العلماء جائز باتفاق وبخلاف التسلسل في المتأثرات، وإنما عذبوا بتبديل الجلود، وفي الممكن إن كان تبقى جلودهم كذلك معذبة غير فانية تشبيها بحال الدنيا؛ لأن الانصهار في الدنيا إذا خرجت له دخله فهو يتألم منها ابتداء، ومهما نضجت يقل تألمه فإذا خرجت دخل آخر يزيد تألمه.
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عذبت الجلود الثانية التي بدلت بها الأولى وهي لم تعص ولم تخالف، فأجيب: بأن المعذب الأرواح الكائنة في الجلود وغيرها، الزمخشري: بأن العذاب للجملة الحساسة وهي التي عصت، وأجيب أيضا بأن هذه الجلود مخلوقة من ذلك [الجلد*] [الأول الذي نضج*].
قال ابن عرفة: وهذا السؤال إنما يتأكد على مذهبه في أن ذلك أمر عقلي مع قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وهي بقول إنه شرعي فرد السؤال عندنا شرعا، وعنده عقلا وعبر بالذوق تشديدا عليهم وإشارة إلى أن هذا وإن عظم فسينالهم ما هو أعظم منه، بحيث يكون هذا بالنسبة إليه كالذوق الذي هو مبادئ الأمر.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا).
ابن عرفة: في اقتران العزة بالحكمة دليل على منع الخلق من القدرة على إدراك معرفة الله تعالى في جميع الأشياء أنهم لَا يستطيعون تاكيد ذلك بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... (٥٧)﴾
стр. 474
قال ابن عرفة: فيها سؤالان وهما لم قال: (إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوفَ نُصلِيهِم) فأكده بإنَّ، ولم يؤكد هذا وقرن فعل (نُصلِيهِم) بـ سوف وقرن فعل يدخلهم بالسين؟.
قال: والجواب عن الأول؛ لأن الخطاب بالآيتين المجموع وإذا خوطب الجميع بشيء فإنما يراعى في الخطاب من تعلق به مدلوله منهم فهو أحق بالمراعاة دون غيره، ولما كان الكافرون منكرين ذلك أكد خطابهم وكان المؤمنون غير مفكرين لما تعلق به منهم لم يؤكد خطابهم.
والجواب عن الثاني: أما إن قلنا: إن السين وسوف مساويان فلا سؤال وإن قلنا: إن سوف أبلغ في التنفيس، فيجاب بحديث: "سبقت رحمتي غضبي"، فتأخير عذاب الكفار أكثر تراجعا من تأخير يعم المؤمنين، ولذلك قال في الكفار: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فتِحَت أبوَابُهَا) بغير واو؛ لأنهم يجدون جهنم مغلقة بالأبواب فيقفون على بابها ينتظرونها حتى تفتح لهم، وقال في المؤمنين: (حَتى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَت أَبوَابُهَا) لأنهم يجدونها مفتوحة الأبواب مهيئة لهم وعند وصولهم يدخلون.
قوله تعالى: (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).
[يحتمل أن يكون ابن عرفة: ومن المناسب في الآية أنهم في قسم الكفار على العذاب بالشيء اللازم لهم، وهو الظرف حتى علا] (جُلودهم) فدل على تعذيب ما علا ذلك، وهو نفوسهم من باب أحرى، وفي قسم المؤمنين كلي المحل العارض لهم غير الملازم وهو الجنة، فدل على تنعيم نفوسهم الملازمة لهم من باب أحرى.
قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا).
ولم يقل: لهم أزواج فيها، فهل هو كقوله: مسموح لها منها عليها شواهد، فإِن قيل: إذا لم يكن في الجنة حر الشمس، فلم وصف بالظل الظليل، وأيضا يرى في الدنيا التي يدور الظل فيها ولا يصل إليها نور الشمس يكون هواؤها عليها فاسدا مؤذيا فما معنى وصفها بالظل الظليل؟ الجواب: أن بلاد العرب في غاية الحرارة والظل
стр. 475
عندهم من أسباب الراحة، فكان الظل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة وهذا مما يميل إليه الخاطر مع أنه مرجوح، والظاهر أنه ليس منه؛ لأن هنا مجرورين فقط.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... (٥٨)﴾ .. قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن من تعدى عليه أحد ثم ائتمنه على شيء فإنه لَا يجوز له أن يخونه، وفيه خلاف المشهور أنه يجب عليه أن يرد أمانته، وقيل: يجوز له أخذها، قلت: حكى ابن رشد في جامع بيانه: منع مالك من ذلك في المدونة وكرهه في رواية أشهب عنه، وأباحه ابن عبد الحكم، والرابع استحباب الأخذ وهو مذهب ابن الماجشون إن كان عليه دين، فإِن كان عليه لحر يأخذ الأقدر ما يجب له في المحاصة، وهو قول خامس في المسألة، ابن رشد وأظهرها إباحة الأخذ، ابن عرفة: واحتج المانعون بحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" على أن في صحة الحديث نظر، وأجيب بأنها ليست خيانة، وأجيب: عن هذه الآية بأن هذا ترد إليه الأمانة ليس من أهلها فللمؤتمن أن يجحدها وعورض بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ورد بأنه لَا يحل له جحدها وله أن يتعدى عليها ويأخذها من زيها جهارا أما اختلاسا على هذه الصفة فلا، وقال في كتاب الجهاد في الأسير: يؤتمن على حال أنه لَا يحل له أن يخون فيه، وإن ائتمن على نفسه، وقال سحنون: يجوز له أن يذهب، وقال: لَا يجوز له.
قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
قال أبو حيان: هذا مثل قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتِ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهنَّ) فالعامل في المعطوف عليه من مفعول أو ظرف ومجرور.
ورده ابن عرفة بأن (خَلَقَ) هنا عامل في المجرور وفي (مِنَ الأَرْضِ) وهنا العامل في أن (تُؤَدُّوا) يأمركم وليس العامل في (إِذَا) أن الأمر ليس هو وقت الحكم، فقال: إنما المعتبر الأمر فما العامل في (إِذَا) إلا جوابها، قال: والثاني عامل قيل: ليس المراد حقيقته فإن الحكم بالعدل يتناول البهائم، فقال ابن عرفة: هذا مذهب مالك؛ لأنه لَا يجب علينا الحكم في البهائم، فإذا رأى القاضي رجلا جوع عبده وجوع حماره فإنه يحكم عليه بإطعام عبده ولا يحكم عليه بإطعام حماره، بل يبدأ به إلى ذلك ولا يجبره عليه، قال ابن رشد: وعكس أبو يوسف فقال: يجبره على إطعام دابته، ولا يجبره على إطعام عبده؛ لأنه ينطق ويناظر عن نفسه بخلاف الدابة.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا).
стр. 476
قال ابن عرفة: السمع والبصر صفتان متغايرتان لصفة العلم عندنا، قيل له: الصحيح عندنا المخالفة لَا التغاير، فقال: التغاير لفظي لَا معنوي.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... (٥٩)﴾ .. إن قلت: لم كرر الفعل، فالجواب: لو لم يكرر لأوهم أنه إنما يجب عليه طاعته فيما أتى به عن الله فصار ما أتى به مجملا غير مبين أنه عن الله، فلا يلزم طاعته فيه بدليل أن أول الأمر إنما تلزم طاعتهم فيما يحكمون به مستندين للكتاب والسنة، وأما إن خالفوا الكتاب والسنة فلا تلزم طاعتهم، ابن عرفة: واختلفوا هل الطاعة موافقة الأمر أو امتثال الأمر، وهل بينهما فرق أم لَا؟ قيل له: الفرق بينهما فيمن يفعل العبادة بلا نية، فإن قلنا: موافقة الأمر فهو مطيع وإلا فلا، فقال: لما يوافق الأمر بوجه؛ لأنه إتمام أمر بفعلها مع النية بدليل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" وإنما الفرق بينهما في العاجز عن فعل الطاعة، فإن فسرناها بامتثال الأمر فهو غير مطيع، وإن فسرناها بالموافقة فهو مطيع لكونه لم يخالف الأمر بوجه فإن قلت: ما أفاد قوله: (مِنْكُمْ)، قلنا: أفاد الأحرار؛ لأن النفوس تكره أن يتآمر عليها من هو في قرابتها وقبيلها ومن هو في سنها بخلاف ما لو تآمر عليها من هو من غير قبيلها.
قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ).
عبر بـ إن دون إذا لكراهة الشيء والتنازع والخطاب بالتنازع لَا يصح أن يكون للمأمورين؛ لأنهم أمروا بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر فلا يقع بينهم نزل إذا أطاعوا أولي الأمر، ولا يصح أن يكون للأمرين؛ لأن الخليفة لَا يتعدد وإنما يكون واحدا فقط إلا أنه يراد باعتبار ما وقع بينهم حسبما ذكروه في سبب نزول الآية وما جرى لعلي ومعاوية، أو يريد النزاع بين الجميع، إذا وقع النزاع بين المأمورين فإن كان أحدهما حاكما فيحكم، وإن لم يكن بينهما حاكم فليرفعا ذلك إلى حاكم.
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾
قال ابن الخطيب: فيها حجة للمعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله ويستقل بها، ابن عرفة: وما يطمع إلا فيمن هو قريب من المعصية، وأما من هو مستبعد عصيانه فلا يتشوف إليه ولا يوسوسه كما لَا يتشوف أحد لأن يصنع كرسيا من زجاج.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ... (٦٢)﴾
ابن عرفة: الفاء للتسبيب، قال: وتقرير السببية عندي أن المنافقين طلب منهم الإيمان بالله ورسوله فيأتون إليه أعزة فلما كفروا سجل عليهم بأنهم ستنزل بهم بسبب
стр. 477
ذلك المصائب فيأتون إليه أذلة يحلفون ويعتذرون، وظاهر سبب الآية أن مجيئهم للحلف بعد المعصية فهو معطوف على إصابتهم، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون قبلها ويكون معطوفا على قوله: (بمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِم) فتكون المصيبة بالمهم بسبب فعلهم السيئات المعبر عنها (بمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم) وسبب كذبهم في قولهم: (إِنَّ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ... (٦٣)﴾
أفاد كمال الوعيد وأنهم مجازون على ذلك فيجازون على جميع ما في قلوبهم من الاعتقاد المناقض ومن عدم الاعتقاد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... (٦٤)﴾
قال ابن عرفة: الصواب أن معناه بأمر الله ويمتنع أن يفسر الإذن بالإرادة؛ لأنه يلزم عليه، أما الحلف في الخبر أو مذهب المعتزلة، لأن مذهبهم أن السعي غير مراد الله لأنه ما أراد إلا الطاعة، وأجيب: بأنه ليس المراد الطاعة بل معنى الآية ليطاع بإرادة فمن أراد طاعته أطاع الرسول، ومن أراد معصيته عصاه.
قوله تعالى: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ).
فائدته أن في استغفار الله مع معصيتهم الرسول لَا ينفع.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ... (٦٥)﴾
فائدة العطف بثم أن الإنسان حالة الحكم لَا بد أن يجد في نفسه حرجا ما لكنه معفو عنه، وإنما الشدائد التمادي على ذلك، وأيضا فإن الحرج الجبلي معفو عنه، والمعتبر الحرج الذي يظهر أثره؛ لأن النفس تخرج من نفس الحكم تارة، وتخرج تارة من حكم فلان عليه مخرجه من نفس الحكم معفو عنه، وخرجه لأجل حكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهيا عنه؛ لأنه في مظنة التمادي عليه فلذلك عطفه بـ (ثم)
قوله تعالى: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
كان ابن عبد اللام يقول في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أنه يكفي أن يقول الإنسان: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأنه المقصود الإخبار للغير حقيقة فهو إنشاء لَا إخبار فكان غيره يقول: لَا بد أن يزيد تسليما كما في الآية.
стр. 478
قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾
(أَن) نظرت إلى الجملة في نفسها وإنها جملية فهي بدل؛ لأن القتل أشد من الخروج من الديار، وإن نظرت إلى جوابها فهي ترق؛ لأن مفسدة العصيان بعدم امتثال الأمر بالخروج من الديار أشد من مفسدة العصيان بعدم امتثال الأمر بقتل النفس.
قال ابن عرفة: واوها للترديد لَا للتفصيل؛ لأن التي للتفصيل شرطها أن يتقدمها كلام مجمل تفصله مثل: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) فنسب القوم الجميع ثم فصله بأن بعضهم قالوا: (كونُوا هُودًا) وهم اليهود والبعض وهم النصارى، قالوا: كونوا نصارى، وهنا كتب الجميع أحد الأمرين.
قوله تعالى: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ).
الضمير عائد على المذكور أي ما فعلوا المذكور، وهو المكتوب ولا يصح عوده على أحد الشيئين؛ لأنه إذا كان الثابت أحد الشيئين فلا يصح رفع ذلك الثبوت إلا بنفي الشيئين معا كما قالوا: إن الموجبة الجزئية تناقضها السالبة الكلية.
قوله تعالى: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ).
لا يصح إلا أن يكون (إِلا) بمعنى لَا غير؛ لأن الضمير لَا يوصف ولا يوصف به فهو مثل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فإن قلت: ما فائدته أيضا في قراءة رفع قليل، وفي قراءة نصبه، فما الفرق بينهما؟ في القراءة بحث فيها أبو حيان وأطال، والصواب أنها صفة لقوله (قَليل) فيحتاج إليها في قراءة الرفع، والمراد ما فعلموه إلا ناس قليلون موصوفون بكونهم منهم، إلا أن يجاب: بأن الفعل يكون قليلا في ذاته ويكون قليلا باعتبار فاعليه، فإما أن يكون الكل فعلوه من فعلا قليلا، أو فعله البعض واستوفوه ونسب القلة إليه لقلة فاعليه، قال أبو حيان: وقراءة النصب مخالفة لقراءة الرفع.
قال ابن عرفة: إن أراد أنها مخالفة فليس كذلك؛ لأن معنى النصب أنهم فعلوه فعلا قليلا، فهل المراد أنهم الكل فعلوه فعلا قليلا، وأن القليل منهم فعلوه الفعل بالعلة لقلة فاعليه فترجع إلى قراءة الرفع بالمعنى، وإن أريد بها مغايرة لها فمسلم وفي [ ... ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾
стр. 479
قال ابن عرفة: قالوا: إذا جواب وجزاء، وحكوا إن الجواب لازم لها وقد يجاء معه بـ قد ولا، ومثلوا كونها جزاء فقط بقوله تعالى: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ). لأن النعمة لَا تجازى بالضلال، ابن عرفة: ويحتمل أن يراد بالقتل القتل مجازا، أما الضلال قال: وقد تكون عندي جزاء فقط من غير جواب، ومثاله قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... (٧١)﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: يؤخذ منها أنه ينبغي لكل من يريد أمرا أن يستحضر عواقبه وغوائله وما ينويه فيستعد لها قال: وإنما خذوا الحذر؛ لأن الحذر مختلف فكل واحد يأخذ حذرا يلائمه فهو بحسب الأمر المحذور منه [فلا يسافر*] مع جماعة قليلة والخطاب للمؤمنين من الصحابة بالمواجهة ولمن بعدهم، إما بقياس لَا فارق وإما بأنه خطاب للجميع، قال ابن العربي: وهذه الآية مخصوصة بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)، فإن قلت: لم أعاد الفعل، وهلا قال: (انفِرُوا جَمِيعًا)، فالجواب: إن النفور مختلف بالجماعة المجتمعون الكثيرون يقل خوفهم، والجماعة المفترقون يعظم خوفهم والحرس هنا أشد، فلذلك أعاد الفعل قال: وتقدم الخلاف في المنافقين هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لَا؟ والتحقيق أنهم مخاطبون بالفروع، فالمخاطبون ظاهرا وباطنا وإلا فهم مخاطبون فقط.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ... (٧٢)﴾ .. التوكيد بإن؛ لأن هذا الفعل مما اتصف بالإيمان مستبعدا لوقوع فهو غريب عند المخاطب، قوله تعالى: (لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ)، ابن عرفة: فعل القسم إذا وقع في الصلة فالعائد إن كان ضمير الله لم يجز، فإن قدرته لمن أقسم بالله ليبطئن صح ذلك وإن قدرته لمن أقسم بالله ليبطئن لم يصح؛ لأن جملة القسم خلت من الضمير العائد على الموصول.
قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ... (٧٣)﴾ .. ابن عرفة: هذه عندي متصلة بالأولىِ وكذلك كان بعضهم يقول تقديره (فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)، قال: وإنما أخره؛ لأن الشيء قد يؤتى به في غير موضعه لكونه أغفل في موضعه، ثم استدرك في غير موضعه تعظيما له واعتناء بذكره حتى كأنه لم يغفل بوجه.
стр. 480
قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ... (٧٤)﴾
قال ابن عطية: الخطاب للمؤمنين (يَشرُونَ) هنا بمعنى يبيعون، وقال الزمخشري: بمعنى يشترون ويبيعون والخطاب للمؤمنين والمنافقين، فالمؤمنون باعوا، والمنافقون اشتروا، ابن عرفة: يلزمه استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا، والصواب عندي أنا غير هذا، وهو أنهم أعربوا الذين يشترون فاعلا، وأنا أعربه مفعولا ويجعل هذا الكلام مرتبطا بما قبله ومن تمام قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) أي هذا المنافق الذي يفعل هذا الفعل فليقاتل في سبيل الكفار الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة.
قوله تعالى: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
قيل لابن عرفة: في لفظ التنفيس دليل فيمن يقول إن الشهيد لَا يدخل الجنة بنفس يوم موته بل حتى يوم القيامة، فقال ابن عرفة: التنفيس إنما هو في الأجر العظيم لَا في مطلق الأجر أي سنؤتيه يوم القيامة أجرا عظيما، قال الفخر: ومنها حجة المعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله، فقال ابن عرفة: هي حجة على الجبرية القائلين: بأن لا قدرة للعبد، ودليل لأهل السنة القائلين بالكسب، وذكر الطرفين القتل والغلب؛ لأن من قاتل ليقتل قتل، ومن قاتل ليأخذ المال أو ليغلب لم يقتل ولم يغلب.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ... (٧٥)﴾
إما معطوف على اسم الجلالة، أو على سبيل الله والتقدير في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين وفي أما للسبب، أو للنظر فيه مجازا.
قوله تعالى: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ).
ابن عرفة: هؤلاء المسلمون المدخلون لَا يحل لهم البقاء بأرض الكفار وهم داخلون في الآية لكن أمراء السوء أخرجوهم إلى البقاء تحت حكم الكافرين لما يخافون من ظلمهم فرأوا أن إقامتهم بأرض الكفر أحسن ليسلموا من الظلم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... (٧٦)﴾
ابن عرفة: هذا خبر في معنى الأمر وإن كان حقيقة لزم عليه أحد الأمرين إما الخلف في الخبر؛ لأن بعض المؤمنين يقاتل ليأخذ الغنيمة ويقاتل للحمية، وإظهار القوة والشجاعة والانتقام من عدوه، وإما مذهب المعتزلة وهو أن من قاتل ولم يخلص النية في قتاله لله يكون غير مؤمن، فالصواب أنه خير في معنى الأمر وهذه الآية احتراز؛
стр. 481
لأن قبلها (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) فإنه لم يعين منهم، فيقولون المنافقون نحن هم.
قوله تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).
ولم يقل: إن كيد أولياء الشيطان مع أنه جعلهم أولياءه والولي هو الناصر، فهم ينصرون النصير فما المناسب إلا سبب الضعف لَا الشيطان، ثم أجاب: إنه كقول هؤلاء أولياء هذا الملك بمعنى أنهم ينصرون طريقته ويحرمون حرمته فإذا ضعف سلطانه ضعف حرمتهم له.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ... (٧٧)﴾
الصواب عندي أن الضمير في (قَالُوا) عائد على الفريق الذين يخشون النَّاس كخشية الله قالوا هذه المقالة.
قوله تعالى: (إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
قال بعضهم: فيها حجة للمعتزلة القائلين: بأن المقتول له أجلان.
ورده ابن عرفة؛ لأنه لو كان كذلك لمات كل من حضر القتال؛ لأن بعضهم يموت وبعضهم يعيش.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ... (٧٩)﴾
قال ابن عرفة: إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالصواب أن الأولى موصولة، والثانية شرطية؛ لأن الشرط على سبيل الفرض والتقدير فلا تقتضي الوقوع بوجه، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تصبه سيئة، ابن عطية: وهذه مناقضة لما قبلها، لأن قبلها (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم قال هنا: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)، ثم أجاب: بأن الأول على سبيل الخلق والاختراع فالله هو الفاعل [ ... ]، والثانية باعتبار قاعدة الكسب وجواب ثان بأن الأول بالنظر إلى الحقيقة، والثاني بالنظر الألي إلى الأمور العاديات، فإن قلت: لم قال في الأول (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وقال هنا: (فَمِنَ اللَّهِ) ولم يقل: فمن عند الله، قلنا: لَا فالأول يشمل الخبر والنهي بأن اللفظ الأعم وهو عند، ولما كان الثاني خاصا بالحسنة نسبها إلى الله مباشرة.
стр. 482
قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
أما المعنى وكفى بالله عليما بصحة رسالتك، أو المراد وكفى بالله شهيدا على من آمن بك ومن لم يؤمن بك.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... (٨٠)﴾
فعكس صفتها.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ... (٨٢)﴾
الزمخشري: تدبير الأمر تأمله والنظر فيما يؤول إليه ثم استعمل في كل مؤول فمعنى تدبير القرآن أي تأمل معانيه ونظر ما فيه، ابن عرفة: ظاهره أنه قد ينظر في معانيه، وقد لَا ينظر وهو عندي لازم؛ لأن كل عاقل لَا يفعل أمرا حتى يتأمل عاقبته وهو العلة الغائية ولذلك قال الحكماء أول الفكرة آخر العمل.
قيل لابن عرفة: يؤخذ منه وجوب النظر وأن التقليد غير كاف، قال: والتقليد لا يكون إلا بنظر؛ لأن الإنسان لَا يحل له أن يقلد إلا من تحقق معرفته ولذلك لَا يحصل إلا بالنظر، ابن عرفة: ويؤخذ من الآية وجوب المطرد التي يتوصل بها إلى النظر والقرآن وتدبر معانيه وهي النحو وأصول الفقه واللغة فيجوز قراءتها في المسجد؛ لأنها من مواد القرآن التي به وبالتدبر به بخلاف كتاب إقليدس، لأنه لَا تعلق له بالقرآن بوجه.
قيل لابن عرفة: إن ابن الخطيب احتج بها على أنه لَا يرد في القرآن ما لَا يفهم أو لو كان فيه لما ذموا على عدم تدبيره، ابن عرفة: القرآن إما كل أو اسم جنس يصدق على القليل والكثير المراد يتدبرون فيه كله لَا في لفظة لفظة.
قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ).
ابن عرفة: هذا شبة قياس الغير مركب من مقدمتين أحدهما منطوق بها، والأخرى مضمرة واضحة الدلالة، فلذلك حذفت والتقدير القرآن ليس من عند غير الله، وكل ما ليس من عند غير الله هو من عند الله بيان حقيقة الصغرى بما ذكر في الآية، وهو أنه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) فهو من عند الله مطلقا، ابن عرفة: ووجدوا من وجدان الضالة، وإنما قال: وجدوا، ولم يقل: لأدركوا إشارة إلى أنه من غير تأمل ولا تفكر، فكل متصف يدركه بأول وهلة بخلاف لفظ الإدراك فإنه يشعر بأن المعنى بما حصل بعد تأمل ونظر.
стр. 483
قال الزمخشري فإن قلت: كيف يجمع بين قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)، وبين قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، ابن عرفة: وأجيب عن الأول إما بأنها مواطن نفي موطن كانت ثعبانا وهو في آخر الأمر، ومرة كالجان وذلك في أول الأمر والمثابة موطن واحد فشبهها بالثعبان في عظم جرمها وبالجان في سرعة حركتها، وعن الثاني: إما بأنها آية مواطن، وإما بأن المراد لتسألهم سؤال تقريع.
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ... (٨٤)﴾
قال ابن عرفة: الآية دالة على جواز تكليف ما لَا يطاق خلافا للمعتزلة إذ لو لم يكن جائزا عقلا لما احتيج إلى قوله تعالى: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) لأن التكليف بفعل الغير مما لَا يطاق؛ لأن الإنسان إنما يطيق فعل نفسه أما فعل غيره فلا يطيقه فلا يحتاج إلى نفي التكليف به شرعا لأنه منفي عقلا.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا).
هذه أفعل من يقتضي المشاركة بالفعل، فأما إن أريد الشدة المعلومة في أصول الدين فالشركة منتفية، وإن أريد الإشراك العادي المشاهد لنا فالشركة حاصلة تامة وتقدم البؤس من تقديم السبب على المسبب؛ لأنه إذا حصل البأس حصل النكال.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ... (٨٦)﴾ .. قال أبو حيان: حملها أبو حنيفة على الهدية وهو أن الإنسان إما أن يرد الهدية بعينها، أو يرد ما هو أحسن منها، وإما رده مثلها سواء فإنه لم يردها بعينها، قال ابن العربي: وحكى القاضي عبد الوهاب أنه إذا علته جماعة فإن كان فيهم من يعرفه وجب عليه الرد لئلا يقع في نفوسهم منه عداوة، وإن لم يكن فيهم من يعرف فالرد سنة على الكفاية.
قيل لابن عرفة: وحكى أيضا القاضي عبد الوهاب في التلقين وفي المعونة عن المذهب، أنه إذا قال البادئ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أن المراد أن يختصر، ويقول: وعليك، وأنكره ابن عرفة وقال: ظاهر كلام ابن رشد، والباجي، وغيرهما أن يرد عليه مثل ما قال سواء من غير اختصار.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).
دليل على أن الأمر للوجوب.
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ... (٨٨)﴾
стр. 484
ابن عطية: الآية توبيخ للمؤمنين، ابن عرفة: هذه عبارة ثقيلة، والصواب أنها عتاب للمؤمنين.
ابن عرفة: وأخذوا منها أصلين:
الأول: ترجيح الاتفاق على الاختلاف وإنما الخلاف شر، فإذا تعارض حمل الأقوال على الاتفاق أو على الاختلاف نحملها على الاتفاق، وأجيب: بأن تلك في العقليات والاعتقادات، وأما الأمور الشرعية فلا ينتج هذا فيها بوجه؛ لأن هذا أمر اعتقادي عقلي ديني.
الثاني: إذا تعارض الأصل والغالب فالغالب مقدم، والأصوليون يرجحون تقديم الأصل، وقد رجح مالك ﵀ في مسائل منها قوله في الحمار [قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ إذَا دَجَنَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْمَلُ عَلَى الْأَهْلِيِّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا صَارَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُؤْكَلُ] الوحشي: إذا [إذَا دَجَنَ وَصَارَ*] (١) يحمل عليه أنه لَا يؤكل مراعاة للغالب، ولو راعى الأصل لجاز أكله وهنا كذلك؛ لأن من يقول بإيمان المنافقين راعى الأصل؛ لأنهم كانوا مؤمنين، ومن يقل بكفرهم راعى الغالب وهو ما ظهر من حالهم في عدم عزتهم وعدم قتالهم.
قوله تعالى: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ).
أي من الله ضلاله.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا).
قال ابن عرفة: إن كانت وقتية أي ومن يضلل الله وقتا ما فهذا العموم يجب تخصيصه وإن كانت دائمة أي (وَمَنْ يُضلِلِ اللَّهُ) دائما فاللفظ باق على عمومه من غير تخصيص، فإن قلت: هلا قيل: فلا سبيل له فهو أعم وأبين، فالجواب أنها مسألة بحث فأسند إلى ما يناسب الوجدان المقتضي للبحث والتأمل.
قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ... (٨٩)﴾
قال ابن عرفة: إن كانت لو مصدرية فظاهر ذمهم على تمنيهم الكفر، وإن كانت شرطية فما تمنوه حق لازم فيه؛ لأنهم تمنوا الملازمة، والملازمة بحجة كقولك: وديته لو كفر زيد أن يدخل النار إلا أن يقال: إن التمني متسلط على فعل الشرط فقط وهو بعيد.
قوله تعالى: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ).
стр. 485
ولم يقل: فلا يتولوهم؛ لأن النهي إنما هو عن الركون إليهم والطمأنينة لَا عن أوائل الأمر، قال ابن عربي: وفي الآية دليل لمن يقول إن الزنديق لَا تقبل توبته فرده ابن عرفة: بوجهين:
الأول: قوله تعالى: (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وما نص في توبتهم.
الثاني: أن الآية في المرتدين؛ لأن هؤلاء مرتدون، وأجيب عن الأول بأن هجرة هؤلاء كانت قبل القدرة عليهم فصاروا كالزنديق إذا تاب قبل أن يقدروا عليه فإنه تقبل توبته.
قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ... (٩١)﴾
أبو حيان: السين للاستمرار. ابن [عرفة*] يريد أن هذا واقع منهم فيما مضى، وذموا عليه، فهي لتحقيق الوقوع كما في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) قال: والصواب أن يجعلها على أصلها الحقيقي مستقبلة؛ لأن الوجدان لم يقع، وإنما الواقع كذبهم بهذه الصفة لَا العلم بكونهم على هذه الصفة فوجدانهم مستقبل عن آخرين فليس هم الأولون بوجه.
قوله تعالى: (وَيَكُفوا أَيدِيَهُمْ).
إن قلت: لَا فائدة فيه؛ لأن القائم بالسلم يستلزمه فهو أخص منه وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، قلت: إنما هو منفي، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم فما يلزم من نفي إلقاء السلم نفي الكف.
قوله تعالى: (حَيْثُ ثَقِفتُمُوهُم).
قال ابن عرفة: عام مخصوص بمكة لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي".
قوله تعالى: (سُلْطَانًا مُبِينًا).
إما حجة، وإما قوة وقوله: (مُبِينًا) أي بين في نفسه، أو مبين لغيره، وكذلك الدليل بين الدعوى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... (٩٢)﴾
стр. 486
قال أبو حيان: هذا نهي فرده في المختصر وقال: بل هو خبر حقيقة، وقال ابن عرفة: إن كان حكما فهو خبر في معنى النفي جاز على مذهب أهل السنة، وإن كان خبر حقيقة فهو مذهب المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: إن قاتل العمد كافر.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون خطأ مفعولا من أجله أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل ألا يلحقاه، وسكت عنه أبو حيان، وتعقبه ابن عرفة بأن ثبوته يؤدي إلى نفيه؛ لأن المفعول من أجله يستدعي القصد إليه، والقصد يصيره عمدا، قال ابن عرفة: ويؤخذ من الآية أنه إما أشكل علينا هل القتل خطأ أو عمدا يحمل على أنه عمد؛ لأنه إما يستثني الأقل من الأكثر، فدل على أن العمد أكثر، وقال مالك ﵀: إذا قال ولي الدم قتله عمدا، وقال القاتل بل خطأ، فالقول قول ولي الدم، وقال ابن رشد في الأسئلة: فيمن ضرب زوجته أو مثل بعبده أو أمته واختلفا فزعمت الزوجة، والأمة أنه عمد وزعم الزوج والسيد أنه خطأ أن فيه قولين، والصحيح أن القول قول الزوجة، فيطلق عليه والقول قول العبد والأمة فيعتقان عليه، وقال ابن الحاجب في كتاب الديات: إنه محمول على الخطأ.
قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً).
التفسير بالماضي مناسب للسبب في نزول الآية فلذلك ينبغي أن يكون من موصوله بمعنى الذي.
قيل لابن عرفة: وظاهر الآية أن الجهل بالصفة يستلزم الجهل بالموصوف في علمه قالوا: إن المعتزلة يلزمهم الكفر بنفيهم الصفة وبه فسروا هنا الخطأ؛ لأنه بأحد وجهين: إما بأن ضرب طائرا فيصادف رجلا أو يقصد كافرا، فيصادف مسلما لم يقصده أو يقصد رجلا بعينة يظنه كافرا فإِذا هو مسلم، وقاله مالك في كتاب الغصب: فيمن غصب عبدا فادعى هلاكه فغرم قيمته ثم وجد العبد على غير تلك الصفة، فإن علم منه أنه جحده رد له، وإلا غرم ما زادت صفته في قيمته على ما كان وقع له.
قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
مطلق يعم العمياء والسليمة لكن تقيد بقوله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) إما بالنص أو بالقياس، فإن قلت: كيف صح التكفير بهذا، فأجاب الزمخشري: أنه لما أعدم نفسا مؤمنة وجب عليه أقرب وجوه الأمثال لتعويضها وما هو إلا أن [نزيد*] في الأحرار نفسا مؤمنة، وأجاب ابن العربي: بأن هذا ردع لهم لئلا يقع في ذنب أعظم منه فجعلت هذه الكفارة زاجرة له وقامعة عن التمادي
стр. 487
لما هو أعظم، قال أبو حيان: (وَتَحرِيرُ) مبتدأ، وخبره مقدم عليه أي فعليه تحرير رقبة، فرده ابن عرفة: بأن الدية ليست عليه إنما هي على من قتله، قال فينبغي لمن قدر هذا أن يقف على قوله: فتحرير رقبة ودية مسلمة، قال: والصواب أن يقدره، فالجواب: تحرير رقبة ودية مسلمة، قيل لابن عرفة وأجيب: في التحرير تحرير رقبة فقط، لأن في إعطائهم إعانة عليها، وفي المعاقد الرقبة والدية، قيل لابن عرفة: إن كان بعض العامل لم يحكم عليه، فهل يؤدي نصيبه من الدية من غير حكم أم لَا؟ فقال: أما في بلد القاضي أو نائبه فلا يؤدي شيئا حتى يحكم عليه به، وأما في غيره فإذا تحقق القتل رد نصيبه تطوعا، قيل له: ما فائدة قوله تعالى: (تَوبَةً مِنَ اللَّهِ) مع أنه خطأ وقد ورد: "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها" وأجاب بما قالوا: في قوله في المدونة في تارك الإقامة: إنه يستغفر الله فيستغفر الله تعالى مع أنها سنة، فقالوا: العمل استغفاره لما يكون قد أخل به من بعض الواجب، فعوقب عنه فإن تارك الإقامة حرم ثوابها فاستغفاره لذنب سابق لَا نفس الإقامة وكذلك هذا، فإن قلت: لم قدم أولا تحرير الرقبة على الدية، ثم أخره هاهنا، فالجواب: أن الأول مؤمن له فائدة ودية مؤمنين، والثاني كافر من قوم كفار يتوهم فيه سقوط الدية فلو أخرت لأدى إلى إهمالها، وعدم الوفاء بها لما حصل في النفوس من حقارة الكافر، وأنه لَا حرمة له فقدمت إشعارا بالاهتمام بها، وأنها لَا بد منها وهو الجواب المتقدم في قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) قال: أتى به فقدم الوصية في اللفظ مع أنها في الحكم الشرعي متأخرة عن الدين ثم أجاب بما سبق.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... (٩٣)﴾
قال ابن عرفة: إن تاب فلا خلاف أنه غير مخلد في النار، وقال أهل السنة: يدخلها ويطول مكثه فيها، ثم يخرج منها بالشفاعة وحملوا الخلود على طول الإقامة واحتجوا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وأجيب: بأن ذلك عام وهذا خاص، والخاص مقدم على العام ورد بعضهم الأول بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) فلو كان الخلود عبارة عن مطلق المكث للزم الخلف في الخبر، وأجاب ابن عرفة: بأن القرينة هناك بينت المراد وجهنم مبتدأ وجزاؤه خبره، لأنه أعم وقصد الله عليه إما صفة فعل بمعنى تعذيبه إياه ومعاقبته له أو صفة معنى راجعة لإرادة تعذيبه، قال: ولعنه إما بالقتل أو بسبب القتل.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... (٩٤)﴾
стр. 488
[ ... ]
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ... (٩٥)﴾
ابن عرفة: هذا تخصيص لَا نسخ، ويؤخذ من قول عبد الله ابن أم مكتوم الآية مع نزول الآية بسبب ما قال، وإقراره على ذلك أن الجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم.
قيل لابن عرفة: في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الاستثناء لقوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) إنما نزل بعد الأول، فقال ابن عرفة: كان ذلك في مجلس واحد، وقال مالك ﵀ في المحرم: إذا لبس المخيط، ثم لبس مخيطا آخر، ثم آخر في [وقت واحد*] إنما عليه فدية واحدة؛ بخلاف ما لو لبس الثاني بعد الأول بزمان في وقت آخر فإن عليه فديتين، وكذلك قال: إذ [دَبَّرَ عَبْدًا*] ثم عبدا ثم عبدا في مجلس واحد أنهم يحاصون في الثلث، ولو دبر الأول ثم دبر الثاني في موطن آخر لكان الأول مبتدأ على الثاني، وقال ابن عرفة: وقال الفخر في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي أَصحَابُ النارِ وَأَصْحَابُ الْجَنةِ) إما حجة على أن المسلم لَا يقتل بالكافر، قال: احتج بها الشافعي ورده الفخر بأن التسوية أعم، والأعم لا إشعار له بالأخص، وأجاب سراج الدين الآمدي بأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص، ابن عرفة: وكذلك نقول هنا: إن نفي المساواة بينهما لَا يقتضي التفضيل بل يحتمل التساوي، قال وقوله: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) واستثنى من الحكم أو من لازم الحكم ونظيره أن يقول: لَا يستوي الرجل الصالح والرجل الطالح، ويقول: قام القوم إلا زيدا، فهل معاه أنه لم يقم أو أنه مسكوت عنه لم يتعرض له بشيء فيحتمل القيام وعدمه فكذلك (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) إن كان مستثنى من القاعدين فهو يحتمل، وإن كان مستثنى من المعنى وهو الحكم بالمرجوحية والذم اقتضاء عدم ذمهم، وإنه لا مرجوحية فيهم، قال: وتقديم الأموال على الأنفس ترق؛ لأن حفظ النفوس آكد من حفظ الأموال والمجاهدة بها أشد من المجاهدة بالمال، ولأن المجاهدة بالنفوس عامة في الغني والفقير بخلاف الجهاد بالمال.
قوله تعالى: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ).
يريد القاعدين غير أولي الضرر، وقوله تعالى: (دَرَجَاتٍ) يريد على القاعدين غير أولي الضرر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... (٩٧)﴾
стр. 489
قال ابن عطية: (تَوَفَّاهُمُ) يحتمل أن يكون ماضيا أو مستقبلا على معنى يتوفاهم بدليل قراءة يتوفاهم بالضم.
ابن عرفة: إن قلنا: أن يتوفاهم مستقبل فهو أخص، وإن كان يتوفاهم ماضيا يمتنع أن يكون ظالمي حالا؛ لأن إضافته محضة.
قوله تعالى: (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ).
ابن عرفة: إن قلنا: قسم الكفار منهم فنقول: [مأواهم*] و (جَهَنَّمُ*) خبره ليفيد الحصر، وإن قلنا: قسم العصاة فيكون (جَهَنَّمُ) مبتدأ، و (مَأوَاهُم) خبره، وأورد الزمخشري سؤالا في الولدان كيف احتج إلى إخراجهم مع أنهم غير مخاطبين، ثم أجاب بأن المراد المراهقون منهم.
قيل لابن عرفة: هذا السؤال إنما يراد على مذهبه؛ لأنه يقول: إن تكليفهم ممتنع عقلا لفقدان العقل منهم والتمييز، ونحن نقول: إنما يقنع شرعا فنقول: هم مكلفون وإنما علمنا تكليفهم بهذه الآية وأنظارها ولولا هي لقلنا أنهم مكلفون، فقال ابن عرفة: أو يقول هذا التكليف من خطاب الوضع والأخبار فلآبائهم المكلفون بأن يهاجروا بأولادهم، فنقول: من هو مستضعف من الرجال أعظم ممن هاجر منهم وترك ولده إلا أن يكون ولدا مريضا فيكون من المستضعفين، فلا يكون على ولده كبير عيب، ولا ملالة في عدم هجرته ولذلك كره فذلك التزويج بدار الحرب، قيل: يترك ولده هنالك.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ... (٩٨)﴾
قال ابن عرفة: الحيلة عندي معنوية السبيل حسي لأن الحيلة نكرة وتدبر نفس، والسبيل يرجع إلى الهروب والفرار بالفعل.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا ... (١٠٠)﴾
مأخوذ من الرغام، وهو ورود الشيء خبرا من غير قصد ولا اختيار يستلزم ذلة وحقارة معناه، يجد في الأرض موضعا للجهاد وإذلال العدو.
قوله تعالى: (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ).
فيه مطابقة. لأن لفظ يدركه يقتضي مجيء الموت فجاء مطابق.
قوله تعالى: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
لأنه أخر وقع من غير قصد ولا علم به بل أتى من غير شعور.
стр. 490
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ... (١٠٢)﴾
ابن عطية: قال جمهور الأمة: الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة*]، وقال أبو يوسف، وإسماعيل بن عطية: الآية خاصة بالنبي صلى اله عليه وعلى آله وسلم بأن الاهتمام به لَا يعارضه شيء، ابن عرفة: فالمعنى عند أبي يوسف: وإذا كنت فيهم بذاتك وخصوصيتك، وعند الجمهور وإذا كتبت فيهم بشريعتك وسنتك، فقضاياه أنه ينتج مع صلاة الخوف في سفر المعصية، وظاهر حديث جابر العموم لقوله كما يفعل عسكر هؤلاء بأمرائهم فيفهم إن القضايا المعينة تعم، مع إنه لَا يعم هذا كله إلا على القول بأن الضمير جزؤه، وإما على القول بأنها كلية فمذهب الجمهور واضح ورده في الباب حديث عن سهل بن خيثمة اتفق عليه البخاري ومسلم، وحديث يزيد بن رومان انفرد به البخاري، وحديث جابر بن عبد اله انفرد به مسلم، والظاهر حديث سهل لاتفاق الصحابيين عليه، على ما قال ابن الصلاح من أن الأصح اتفق عليه الصحيحان مع أن ظاهر الآية لَا ينافيه.
قال ابن عرفة: وتقدمنا في الآية ثلاثة أسئلة:
الأول: لم قال: (كُنْتَ فِيهِم) مع أنه لو أسقط لاستقام المعنى، فكان يقول: وإذا أقمت الصلاة؟، قال: وعادتهم يجيبون بأن كان يقتضي الدوام ولاسيما أنها بلفظ المضارع والعموم في الأزمنة، يناسب العموم في الأشخاص فعموم اللفظ في الأزمنة قرينة في العموم بالأشخاص، فأفاد قوله هذه الرخصة التي في صلاة الخوف بجميع الأمة العموم.
السؤال الثاني: لم قال (فِيهِم)، ولم يقل: معهم؟، وأجيب: بأن مع تقتضي تبعية الأول لما بعدها، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متبوع لَا تابع، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ).
السؤال الثالث: ما فائدة الإتيان بلفظ (لَهُمُ)، ولو قيل: فأقمت الصلاة لاستقام المعنى؟ فالجواب: أنه إشارة إلى ما قال الفقهاء: من أن الأمام يلزمه نية الإمامة في أربعة مواضع الجمع، والجمعة، والخوف، والاستخلاف في لفظ لهم إشعار بأنه سواء إقامتها لهم.
قوله تعالى: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ).
стр. 491
إن قلت: لم أمر الطائفة الثانية بأخذ الحذر والأسلحة، وأمر الطائفة الأولى بأخذ الأسلحة فقط؛ لأن الطائفة الأولى تنصرف إلى الصلاة والعدو غافل عنها غير عالم بإشغالها عنه، فأمروا بأخذ السلاح فقط لكن يلتزمو الخشوع المأمور به في كل صلاة إذ لَا يصح تركه إلا لمعارض ولا معارض، والطائفة الثانية ما تصلي حتى يكون العدو عرف أنهم اشتغلوا عنه بالصلاة فأمروا بأخذ الحذر مع الأسلحة، ابن عرفة فإن قلت: الأمر بأخذ الحذر يستلزم الأمر بأخذ الأسلحة فهلا استغنى عنه به، فلم قال: (وَأَسْلِحَتَهُم)، فالجواب: إن جهاد العدو يستلزم ويستدعي أمرين كف أذاه لئلا يغلب وقتاله ليغلب فأمروا بأخذ الحذر على أنفسهم، فكف إذايته خوف أن يتغفلهم فيغلبهم، ثم بأن يشتغلوا به ويتسلحون له لكي يغلبوه فهما مقدمتان نتيجتهما واحدة وهي النصر على العدو بأن يتصدوا عليهم به وامتناعهم منه، فلا يغلبهم.
قال الزمخشري: في أخذ الحذر معنوي، وأخذ الأسلحة حسي فكيف صح إطلاق الأخذ عليهما معا واقترانهما فيه، ثم أجاب بأنه لازم له قال: جعل الحذر آلة يستعملها الغازي فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة وجعلا مأخوذين ونحوه، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)، وهذه الآية ليست من ذلك القبيل؛ لأن أخذ الحذر مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة فإنما هي على حذف مضاف، أي وليأخذوا حذرهم وليحملوا أسلحتهم مثل:
يا ليت زوجك قد غدا ... مستقلدا سيفا ورمحا
أي: وحاملا رمحا، وأجاب ابن عرفة بأن استعماله في حقيقته ومجازه أمر ضروري لَا بد منه؛ لأن كل واحد مأمور في الجهاد بأخذ الحذر وحمل السلاح فمن ضرورياته الأمر أن يكف الأذى عن نفسه، وأن يقاتل فالمجاز لازم له وقصاراه أن ابن المنير يلزمه الإضمار ونحن يلزمنا المجاز فتعارض المجاز والإضمار، ومنها ثلاثة أقوال ثالثها قول رضاء الدين النيسابوري، والفخر في المحصول: إنهما سواء، وحكى ابن عطية: إن النقل اختلف عن أشهب في كيفية قضاء الركعة الثانية بكل خائفة، هل يقضيها الطائفتان في زمن واحد بعد سلام الإمام وهو نقل ابن عبد البر، وابن يونس عنه أو يقضيها بعضها الآخرة ثم ينصرف، ثم ثاني الأول فيقضيها؟ وهو نقل اللخمي عنه ابن عرفة: الأول مواطن لحديث الموطأ، والثاني لحديث جابر ويحتمل الجمع بينهما، بأن الأول إذا كان العدو في قبلتهم، والثاني إذا لم يكن في قبلتهم، ابن عرفة: وفي الأمر بأخذ الحذر إشعار بالعلة التي لأجلها شرعت صلاة الخوف، قيل له: قد
стр. 492
نص عليه في قوله تعالى: (إِنَّ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقال: إنما تلك في قصر الصلاة في السفر لَا في الخوف، وقد قالوا: إن بين الآيتين في النزول عام كامل.
قال الزمخشري: والضمير في أسلحتهم إما عائد على المصلين فيأخذوا ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، وإما على غير المصلين فنقل عنه الطيبي عوده على المصلي فإن قلت: هلا قيل: لو تغفلون عن أسلحتكم وحذركم؛ لأنه هو الذي وقع الأمر به في الآية، قال: وتقدم الجواب بوجهين:
الأول: أن الغفلة عن أحد الأمرين تكفي في حصول المطلوب.
الثاني: أن هذا إشارة إلى جهلهم وبلادتهم في أنهم إنما يريدون الغفلة عن الأمر الحسي وهو السلاح المعنوي.
قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى) فيه الإتيان في الجواب بالمطلوب وزيادة، مثل حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"؛ لأن السبب الذي ذكروه عن عبد الرحمن بن عوف إنما هو في المرض فقط.
قوله تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) احتراز؛ لأنه لما رفع عنهم الجناح في حمل السلاح حالة المطر والمرض قد يتوهم أنهم يترخصون ويتركون الحذر ولا ينشغلون به فأخبره من ذلك وأمرهم بأخذ الحذر، بل الأمر هنا آكد؛ لأن الحذر من العدو حالة عدم السلاح أشد منه حالة حمل السلاح.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).
قال الزمخشري: إن كان يقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) إن كان العدو حريصا على قتالكم، أو يقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) فإن الله أعد لكم أجرا عظيما، ثم أجاب بأن ذلك إشارة إلى ما حصل في قلب العدو من الرعب والإهانة في الدنيا أي بحالة خوف ومهانة وإذلال، بحيث لَا يخافون منهم بوجه وهذا بناء على العذاب، ثم سوى ابن عرفة، ويحتمل أن يكون أخرويا مثل ما قال الزمخشري: ويكون من باب الاستدلال
стр. 493
باللازم على الملزوم إن الله يعذبهم في الآخرة العذاب العظيم، وتعذيبه إياهم دليل على حربهم وكمال مشاقتهم لكم فخذوا حذركم منهم.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ... (١٠٣)﴾
قال ابن عرفة: القضاء في لفظ الشرع، يراد به نفس فعل العبادة، أما إذا لو قضاء وأكثر ما يطلق على الأداء في السنة حملة الشريعة بجعله قسيما للأول والمراد هنا فعل العبادة.
قوله تعالى: (قِيَامًا وَقُعُودًا).
كقولهم: ضربته الظهر والبطن، ابن عرفة: وفي الآية دليل على أن الصلاة لا تجرى بمجرد القصد والنية فقط، وهي صلاة من لَا يقع منه إلا غفلة؛ لأن الآية اشتملت على أصل فلا يجزئ المكلف في الصلاة ويخرجه من عهدتها وهو من فعلها على خفية، ومذهب أبي حنيفة هنا كمذهب أصبغ في عدم الماء والصعيد أنه يقضي ولا يصلي وعطف هذه المذكورات يدل على أنها في معنى شيء واحد، ولو كانت متداخلة لجاءت غير معطوفة.
قوله تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ).
الطمأنينة: سكون النفس من الألم سواء كان ألم مرض، أو ألم خوف من العدو وهذه حقيقتها اللغوية، قيل له: بأن الطمأنينة في العرف الأمن من العدو فإن جعلتها في اللغة عامة لزمك النقل والأصل عدمه، فقال: نقول إنها للقدر المشترك فاستعملت في العرف في أحد.
قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ).
كقولك: لَا أرى الموت يسبق الموت شيء.
قوله تعالى: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قيل له: إن أريد بقولك: (كِتَابَا مَوقُوتًا) أنه كتاب معروض فما قلته صحيح إن قلت: معناه مؤقتا محدودا فلا يسلم، ويقول: معنى مؤقته على غير وقت على الكافرين، فقال القائل: قائلان إما أنهم مخاطبون بها على ما هم عليه أو غير مخاطبين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ... (١٠٤)﴾
стр. 494
الظاهر أن المصدر مضاف للمفعول فهو آكد للطلب، أي: [لا تضعفوا*] في طلبكم القوم، فإنهم يخافون منكم كما تخافون منهم مع زيادة أنكم ترجون ثواب الآخرة وهم لا يرجونه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ... (١٠٧)﴾
ابن عرفة: المجادلة مقاولة مقترنة بدليل، والمخاصمة مقاولة غير مقرونة بدليل.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا).
قيل له: المناسب أن الله لَا يحب من كان خائنا آثما فإن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم و (خَوَّانًا أَثِيمًا) أخص من خائن، ثم فقال: نصوا على أن لَا يحب مثل قولهم يا حبذا زيد العام وهذه للذم العام، فنفي أخص المحبة بأخص الخيانة والإثم لَا يلزم منه ثبوتها الإثم بل هو أيضا محبوب لكنه مذموم ذما دون ذلك فليس هو مذموما عاما كالأول، قلت: نظيره في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ)، وفي قوله تعالى: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ... (١٠٨)﴾
قال ابن عرفة: هذا هل يتناول المباح أم لَا؟ قال: لَا يتناوله ويكون معنى الآية الذم أي يبيتون ما هو مذموم من القول.
قال الزمخشري: وأطلق القول على ما في النفوس فهو مجاز فتعقبه.
ابن عرفة: بأنه مصادم لمذهبه؛ لأنه ينكر الكلام النفسي فكيف يبينه ويجعله مجازا، قيل له: بل هو تحقيق لمذهبه؛ لأنه يسميه إرادة، فقال: تسميته فى الآية قولا مجازا.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ... (١١٠)﴾
ابن عطية: بمعنى واحد كرر للمبالغة، الزمخشري: (يَعْمَلْ سُوءًا) قبيحا متعديا سواء غيره أو يظلم نفسه بمعصية خاصة به لَا يتعداه، وقيل: يعمل سوءًا بذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالإشراك، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون يعمل سوءًا متناول المعصية القاصرة والمتعدية ويظلم نفسه خاصة بالمعصية القاصرة، ويكون من عطف الخاص على العام، قيل له: الغالب في ذلك إنما يكون حيث يكون في الخاص، يريد إشارتها على العام والعام هنا هو الذي فيه الخصوصية؛ لأن المعصية المتعدية للغير
стр. 495
أشد من المعصية القاصرة، وأجاب ابن عرفة بأن العطف أفاد التسوية في الاستغفار بين جمع معصيته مع ما انفرد بالمعصية الخاصة به القاصرة عليه، وإن الله غفور رحيم لهما معا والعطف بـ ثم إما للتراخي حقيقة فإِن كانت التوبة من الذنب على الفور، قلنا: ذلك في الأمر بها لَا في الإخبار عنها، فأفاد الخبر أنها مقبولة ولو تراخت على فعل المعصية أو ليكون لبعد من له المعصية ممن له الاستغفار.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ... (١١١)﴾
الكسب هنا هو نفس فعل المعصية بالإخبار، والكسب عند أهل أصول الدين في تفسيره اضطراب، فإن قلت: هذا مصادم لحديث "من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، قلنا: عوقب الأول بإحداثه المعصية وإنما عوقب بفعله.
قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾
وصف الإثم بالمبين، ولم يصف به البهتان؛ لأن البهتان كله مبين بخلاف الإثم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ... (١١٣)﴾
الفضل راجع لصفة الإرادة، والرحمة لصفة الفعل ويحتمل أن يكونا بمعنى واحد.
قوله تعالى: (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ).
ابن عطية: هذا يدل على أن اللفظ عام في غير أهل النازلة، وإلا فأهل التعصب [لبني أبيرق قد وقع همم وثبت*] فالمعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في النَّاس من يشتغل بإضلالك ويجعله همه كما يقول هؤلاء، ابن عرفة: وتقدم لنا فيها معنى آخر وهو أن المراد: لهمت طائفة بإضلالك الهم الصادق الرافع معلقة وهؤلاء إنما هموا هما غير صادق إذ لَا يتم لهم غرض، قلت: قال تعالى: (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا) قال: والإضلال على قسمين: فالضلال في الظاهر كمن يأتي للقاضي ببينة يعلم إنها زور ويهدي له هدية فيقبل منهم شهادتهم ويحكم لهم، والإضلال في الباطن كمن يأتي ببينة هم في الظاهر ويزوروا كلاما ويفعل ما يريهم أنه على الحق فيحكم له القاضي بذلك ظانا أنه على الحق وهو على الباطل، فأما الأول فلا يدخل في هذه الآية وإنما المراد: ولولا عصمة الله لك لأضلك بعض النَّاس بتزويرهم الأمور وإتيانهم بها على صورة الحق فتحكم لهم بها وهي على الباطل لحديث: "إنما أمرت أن أحكم بالظاهر