← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إن قلت: لم أمر الطائفة الثانية بأخذ الحذر والأسلحة، وأمر الطائفة الأولى بأخذ الأسلحة فقط؛ لأن الطائفة الأولى تنصرف إلى الصلاة والعدو غافل عنها غير عالم بإشغالها عنه، فأمروا بأخذ السلاح فقط لكن يلتزمو الخشوع المأمور به في كل صلاة إذ لَا يصح تركه إلا لمعارض ولا معارض، والطائفة الثانية ما تصلي حتى يكون العدو عرف أنهم اشتغلوا عنه بالصلاة فأمروا بأخذ الحذر مع الأسلحة، ابن عرفة فإن قلت: الأمر بأخذ الحذر يستلزم الأمر بأخذ الأسلحة فهلا استغنى عنه به، فلم قال: (وَأَسْلِحَتَهُم)، فالجواب: إن جهاد العدو يستلزم ويستدعي أمرين كف أذاه لئلا يغلب وقتاله ليغلب فأمروا بأخذ الحذر على أنفسهم، فكف إذايته خوف أن يتغفلهم فيغلبهم، ثم بأن يشتغلوا به ويتسلحون له لكي يغلبوه فهما مقدمتان نتيجتهما واحدة وهي النصر على العدو بأن يتصدوا عليهم به وامتناعهم منه، فلا يغلبهم. قال الزمخشري: في أخذ الحذر معنوي، وأخذ الأسلحة حسي فكيف صح إطلاق الأخذ عليهما معا واقترانهما فيه، ثم أجاب بأنه لازم له قال: جعل الحذر آلة يستعملها الغازي فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة وجعلا مأخوذين ونحوه، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)، وهذه الآية ليست من ذلك القبيل؛ لأن أخذ الحذر مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة فإنما هي على حذف مضاف، أي وليأخذوا حذرهم وليحملوا أسلحتهم مثل: يا ليت زوجك قد غدا ... مستقلدا سيفا ورمحا أي: وحاملا رمحا، وأجاب ابن عرفة بأن استعماله في حقيقته ومجازه أمر ضروري لَا بد منه؛ لأن كل واحد مأمور في الجهاد بأخذ الحذر وحمل السلاح فمن ضرورياته الأمر أن يكف الأذى عن نفسه، وأن يقاتل فالمجاز لازم له وقصاراه أن ابن المنير يلزمه الإضمار ونحن يلزمنا المجاز فتعارض المجاز والإضمار، ومنها ثلاثة أقوال ثالثها قول رضاء الدين النيسابوري، والفخر في المحصول: إنهما سواء، وحكى ابن عطية: إن النقل اختلف عن أشهب في كيفية قضاء الركعة الثانية بكل خائفة، هل يقضيها الطائفتان في زمن واحد بعد سلام الإمام وهو نقل ابن عبد البر، وابن يونس عنه أو يقضيها بعضها الآخرة ثم ينصرف، ثم ثاني الأول فيقضيها؟ وهو نقل اللخمي عنه ابن عرفة: الأول مواطن لحديث الموطأ، والثاني لحديث جابر ويحتمل الجمع بينهما، بأن الأول إذا كان العدو في قبلتهم، والثاني إذا لم يكن في قبلتهم، ابن عرفة: وفي الأمر بأخذ الحذر إشعار بالعلة التي لأجلها شرعت صلاة الخوف، قيل له: قد

стр. 492

نص عليه في قوله تعالى: (إِنَّ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقال: إنما تلك في قصر الصلاة في السفر لَا في الخوف، وقد قالوا: إن بين الآيتين في النزول عام كامل. قال الزمخشري: والضمير في أسلحتهم إما عائد على المصلين فيأخذوا ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، وإما على غير المصلين فنقل عنه الطيبي عوده على المصلي فإن قلت: هلا قيل: لو تغفلون عن أسلحتكم وحذركم؛ لأنه هو الذي وقع الأمر به في الآية، قال: وتقدم الجواب بوجهين: الأول: أن الغفلة عن أحد الأمرين تكفي في حصول المطلوب. الثاني: أن هذا إشارة إلى جهلهم وبلادتهم في أنهم إنما يريدون الغفلة عن الأمر الحسي وهو السلاح المعنوي. قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى) فيه الإتيان في الجواب بالمطلوب وزيادة، مثل حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"؛ لأن السبب الذي ذكروه عن عبد الرحمن بن عوف إنما هو في المرض فقط. قوله تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) احتراز؛ لأنه لما رفع عنهم الجناح في حمل السلاح حالة المطر والمرض قد يتوهم أنهم يترخصون ويتركون الحذر ولا ينشغلون به فأخبره من ذلك وأمرهم بأخذ الحذر، بل الأمر هنا آكد؛ لأن الحذر من العدو حالة عدم السلاح أشد منه حالة حمل السلاح. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا). قال الزمخشري: إن كان يقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) إن كان العدو حريصا على قتالكم، أو يقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُم) فإن الله أعد لكم أجرا عظيما، ثم أجاب بأن ذلك إشارة إلى ما حصل في قلب العدو من الرعب والإهانة في الدنيا أي بحالة خوف ومهانة وإذلال، بحيث لَا يخافون منهم بوجه وهذا بناء على العذاب، ثم سوى ابن عرفة، ويحتمل أن يكون أخرويا مثل ما قال الزمخشري: ويكون من باب الاستدلال

стр. 493

باللازم على الملزوم إن الله يعذبهم في الآخرة العذاب العظيم، وتعذيبه إياهم دليل على حربهم وكمال مشاقتهم لكم فخذوا حذركم منهم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ... (١٠٣)﴾ قال ابن عرفة: القضاء في لفظ الشرع، يراد به نفس فعل العبادة، أما إذا لو قضاء وأكثر ما يطلق على الأداء في السنة حملة الشريعة بجعله قسيما للأول والمراد هنا فعل العبادة. قوله تعالى: (قِيَامًا وَقُعُودًا). كقولهم: ضربته الظهر والبطن، ابن عرفة: وفي الآية دليل على أن الصلاة لا تجرى بمجرد القصد والنية فقط، وهي صلاة من لَا يقع منه إلا غفلة؛ لأن الآية اشتملت على أصل فلا يجزئ المكلف في الصلاة ويخرجه من عهدتها وهو من فعلها على خفية، ومذهب أبي حنيفة هنا كمذهب أصبغ في عدم الماء والصعيد أنه يقضي ولا يصلي وعطف هذه المذكورات يدل على أنها في معنى شيء واحد، ولو كانت متداخلة لجاءت غير معطوفة. قوله تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ). الطمأنينة: سكون النفس من الألم سواء كان ألم مرض، أو ألم خوف من العدو وهذه حقيقتها اللغوية، قيل له: بأن الطمأنينة في العرف الأمن من العدو فإن جعلتها في اللغة عامة لزمك النقل والأصل عدمه، فقال: نقول إنها للقدر المشترك فاستعملت في العرف في أحد. قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ). كقولك: لَا أرى الموت يسبق الموت شيء. قوله تعالى: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قيل له: إن أريد بقولك: (كِتَابَا مَوقُوتًا) أنه كتاب معروض فما قلته صحيح إن قلت: معناه مؤقتا محدودا فلا يسلم، ويقول: معنى مؤقته على غير وقت على الكافرين، فقال القائل: قائلان إما أنهم مخاطبون بها على ما هم عليه أو غير مخاطبين. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ... (١٠٤)﴾

стр. 494

الظاهر أن المصدر مضاف للمفعول فهو آكد للطلب، أي: [لا تضعفوا*] في طلبكم القوم، فإنهم يخافون منكم كما تخافون منهم مع زيادة أنكم ترجون ثواب الآخرة وهم لا يرجونه. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ... (١٠٧)﴾ ابن عرفة: المجادلة مقاولة مقترنة بدليل، والمخاصمة مقاولة غير مقرونة بدليل. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا). قيل له: المناسب أن الله لَا يحب من كان خائنا آثما فإن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم و (خَوَّانًا أَثِيمًا) أخص من خائن، ثم فقال: نصوا على أن لَا يحب مثل قولهم يا حبذا زيد العام وهذه للذم العام، فنفي أخص المحبة بأخص الخيانة والإثم لَا يلزم منه ثبوتها الإثم بل هو أيضا محبوب لكنه مذموم ذما دون ذلك فليس هو مذموما عاما كالأول، قلت: نظيره في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ)، وفي قوله تعالى: (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ). قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ... (١٠٨)﴾ قال ابن عرفة: هذا هل يتناول المباح أم لَا؟ قال: لَا يتناوله ويكون معنى الآية الذم أي يبيتون ما هو مذموم من القول. قال الزمخشري: وأطلق القول على ما في النفوس فهو مجاز فتعقبه. ابن عرفة: بأنه مصادم لمذهبه؛ لأنه ينكر الكلام النفسي فكيف يبينه ويجعله مجازا، قيل له: بل هو تحقيق لمذهبه؛ لأنه يسميه إرادة، فقال: تسميته فى الآية قولا مجازا. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ... (١١٠)﴾ ابن عطية: بمعنى واحد كرر للمبالغة، الزمخشري: (يَعْمَلْ سُوءًا) قبيحا متعديا سواء غيره أو يظلم نفسه بمعصية خاصة به لَا يتعداه، وقيل: يعمل سوءًا بذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالإشراك، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون يعمل سوءًا متناول المعصية القاصرة والمتعدية ويظلم نفسه خاصة بالمعصية القاصرة، ويكون من عطف الخاص على العام، قيل له: الغالب في ذلك إنما يكون حيث يكون في الخاص، يريد إشارتها على العام والعام هنا هو الذي فيه الخصوصية؛ لأن المعصية المتعدية للغير

стр. 495

أشد من المعصية القاصرة، وأجاب ابن عرفة بأن العطف أفاد التسوية في الاستغفار بين جمع معصيته مع ما انفرد بالمعصية الخاصة به القاصرة عليه، وإن الله غفور رحيم لهما معا والعطف بـ ثم إما للتراخي حقيقة فإِن كانت التوبة من الذنب على الفور، قلنا: ذلك في الأمر بها لَا في الإخبار عنها، فأفاد الخبر أنها مقبولة ولو تراخت على فعل المعصية أو ليكون لبعد من له المعصية ممن له الاستغفار. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ... (١١١)﴾ الكسب هنا هو نفس فعل المعصية بالإخبار، والكسب عند أهل أصول الدين في تفسيره اضطراب، فإن قلت: هذا مصادم لحديث "من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، قلنا: عوقب الأول بإحداثه المعصية وإنما عوقب بفعله. قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ وصف الإثم بالمبين، ولم يصف به البهتان؛ لأن البهتان كله مبين بخلاف الإثم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ... (١١٣)﴾ الفضل راجع لصفة الإرادة، والرحمة لصفة الفعل ويحتمل أن يكونا بمعنى واحد. قوله تعالى: (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ). ابن عطية: هذا يدل على أن اللفظ عام في غير أهل النازلة، وإلا فأهل التعصب [لبني أبيرق قد وقع همم وثبت*] فالمعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في النَّاس من يشتغل بإضلالك ويجعله همه كما يقول هؤلاء، ابن عرفة: وتقدم لنا فيها معنى آخر وهو أن المراد: لهمت طائفة بإضلالك الهم الصادق الرافع معلقة وهؤلاء إنما هموا هما غير صادق إذ لَا يتم لهم غرض، قلت: قال تعالى: (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا) قال: والإضلال على قسمين: فالضلال في الظاهر كمن يأتي للقاضي ببينة يعلم إنها زور ويهدي له هدية فيقبل منهم شهادتهم ويحكم لهم، والإضلال في الباطن كمن يأتي ببينة هم في الظاهر ويزوروا كلاما ويفعل ما يريهم أنه على الحق فيحكم له القاضي بذلك ظانا أنه على الحق وهو على الباطل، فأما الأول فلا يدخل في هذه الآية وإنما المراد: ولولا عصمة الله لك لأضلك بعض النَّاس بتزويرهم الأمور وإتيانهم بها على صورة الحق فتحكم لهم بها وهي على الباطل لحديث: "إنما أمرت أن أحكم بالظاهر

стр. 496

والله متولي السرائر"، وحديث: "إذا أخطأ المجتهد فله أجر واحد وإن أصاب فله أجران". قيل لابن عرفة: إن ابن المسيب حمله على الضلال في الظاهر، قال: لأن العصمة تأباه على سبيل الفرض مثل: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، فقال ابن عرفة: الصواب تفسيره بما كان يكثر وقوعه منه؛ لأنه مستحيل عليه تعمد الإضلال، ابن عرفة: ووقع الامتنان عنا بنفس النعمة وبالتذكير بها اختصاصا له بذلك وتشريفا له. قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). الكتاب: القرآن، والحكمة: فهمه والسنة. قوله تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ). هذا من أدل دليل على أفضلية العلم وبها احتج الغزالي ﵀ على فضل العلم، وقال في سورة العلق: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فهذه أبلغ؛ لاقتضائها نفي الشيء ونفي الغالبية له، فقولك: لم يكن زيد يعلم كذا أبلغ من قول: لم يعلم زيد كذا، فأفاد هذا النهي اختصاصا بذلك، وأن علمه شيئا ليس من عادة البشر علمه. قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ... (١١٤)﴾ ابن عرفة: انظر هل الخير عند الشر وهو ما فيه مصلحة فيتناول المباح، أو هو ما لم يتضمن فيتناول المباح والظاهر الأول والقضية إن كانت في طُعمة فليس فيها حصر والكثير، إما أن يكون أريد بها المجموع عكس ما أريد بالقليل في قوله: مررت بأرض قل ما تنبت البقل، أو ليس في (نَجْوَاهُم) خيرا لوجد، وإمَّا أن يكون على بابه فلا ينحصر قضية طعمه بل يعمها وغيرها وخص الصدقة بالذكر حديث: "والصدقة برهان" وخص الإصلاح لرجوعه إلى درء المفاسد؛ لأنه من باب تغيير المنكر فهو

стр. 497

آكد من جلب المصالح، وفي الآية عطف العام على الخاص، والخاص على العام، قال أبو حيان: في قوله: (بَينَ النَّاسِ) يصح أن يكون معمولا لإصلاح فيكون متعلقا به، أو يكون صفة لإصلاح فيتعلق بمحذوف. قيل لابن عرفة: إنما يصح هذا لو كان المعنيان مختلفين، وأما مع اتفاق المعنى فالتعليق بالظاهر أولى، فلا يكون له موضع من الإعراب، فقال: بل معنى مختلف؛ لأنه إن كان معمولا يكون الإصلاح جزئيا، وإن كان صفة يكون الإصلاح كليا، ثم وصف جزئي، والكل سواء. قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ). أورد الزمخشري سؤالا قال: الأمر بالإصلاح قولي فكيف قال: ومن يعني ذلك والقول غير الفعل، ثم أجاب بأمرين: إما أن الدال على الخير كفاعله، وإما أن فعل ذلك يشق على النفوس من الأمر به فلذلك رتب عليه الأجر العظيم، قال بعضهم: الإصلاح بين النَّاس حسن عملا هذه الآية، وبقوله تعالى: (وَالصلْحُ خَيرٌ) وكل خير مأمور له لقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وخير عام ضرورة أنه اسم جنس مقرون بالألف واللام ينتج أن الإصلاح بين النَّاس مأمور به فهذا من تركيب المخصوص، ورد بمنع الصغرى وهي قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) لأنها بمعنى أخير فلا يتحد الأوسط؛ لأن الأخير غير الخير، وأجيب بأن المغايرة بينهما لا تمنع صادقية الخير على الأخير فقد اندرج تحته كصادقية الأحسن على الحسن، فينتج أن الحسن مندوب إليه، وقال بعضهم: ضم قوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) في قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيرَ) مندوب لكون الصلح مندوب فضلا عن كونه جائزا، وقرره بأن قال: لو كان الصلح من لوازم الخير لكان مأموراً به والمقدم حق، فالتالي حق لبيان حقيقة المقدم. قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ). فأوقف الخير على أحدهما، والصلح أحدهما فالخير موقوف عليه، ولا معنى لكونه؛ لأن ما له إلا هذا، والملازمة ظاهرة؛ لأن الخير مأمور به لقوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) فهو عام والأمر بالشيء أمر بما يتوقف عليه ذلك الشيء، وأجيب بمنع ملازمة الصلح للخير قوله تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) أحدهما قلت: لَا يلزم من كون أحدهما أن يكون لازما للخير جواز تحقيق الخير بدونه موقوفا على أحدهما وهو المعروف وصدقه.

стр. 498

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ... إلى قوله (تَوَلَّى ... (١١٥)﴾ احتج بها الشافعي على أن الإجماع حجة ودليل قاطع؛ لأنه قرن اتباع غير سبيل المؤمنين [بمشاقة*] الرسول وهي حرام فدل أن اتباع (غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) حرام، أو لا يصح أن يقال: من زنا وأكل الحلوى فاجلدوه، قال ابن الحاجب: وأُجيب بأن الآية تحتمل متابعته، أو مناصرته والاقتداء به، والإيمان نصير دون الإنسان التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع بخلاف التمسك به في القياس، وقرره الأصبهاني بأن الآية ليست دليلا قاطعا في وجوبه متابعة الإجماع؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين عام يتناول اتباعهم في متابعة الرسول واتباعها واتباعهم في نصرته والذب عنهم، واتباعهم في فرقة والذب عنه، واتباعهم بالاقتداء به، واتباعهم في الإيمان به، ودلالة العام على فرد من أفراده في المعنيين ليس بقطعي؛ لجواز تخصيصه وإخراج [تلك الفردية*]، وإذا لم يكن قطعيا وتمسك به في كون الإجماع حجة لزم الدور؛ لأن التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، وأجاب الأصبهاني بأن الدور إنما يلزم أن لو لم يكن غير الإجماع دليلا على أن الظاهر حجة؛ لجواز نص قاطع أو استدلال قطعي على ذلك كقولنا: الظاهر مظنون، وكل مظنون يجب العمل به مطلقا؛ لأنه لو لم يعمل بواحد من النقيضين لزم دفعهما، فإن عمل بما لزم اجتماعهما، وإن عمل بالمرجوح لزم خلفه صريح العقل فبينهن الظن بالمدلول، وأورد الفخر في المعالم: على [إجماع*] الشافعي إيرادات، منها: القول بالموجب وهو دلالتها على تحريم اتباع المكلف غير سبيلهم، إما عند مشاقة الرسول لَا مطلقا، وإما بعد تبين الهداية فالوقوف على مسند إجماعهم، وإما اتباعه سبيلهم في الإيمان في فروعه، وإما مخالفة كل سبيله لَا بعضهم، وإما أن يراد سبيل المؤمنين إلى قيام الساعة فلا ينتج الإجماع في مسألة أبدا إذ لَا يعلم ما يقول فيها من يأتي بعد ما قال سلمان: الآية عامة لكنها مخصوصة بصلاح أجمعوا عليه إذ لَا يجب اتباعهم فيه، وأيضا سبيلهم طريقهم الفعلية [محمولة*] على القولية مجازا، وأيضا فلا يلزم من تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتباع سبيلهم، أو فيهما واسطة وهو عدم اتباعهم، وإن سلمناه فمفهوم مخالفة من أضعف الدلالات وأيضا فلو دلت على وجوب اتباع سبيلهم عموما لدلت على اتباعهم في مسند علمهم لَا في نفس حكمهم، وأيضا فالمؤمنون عام يدخل فيهم الموجودون حين نزول الآية وإنفاقهم في زمن الرسول فليس بحجة وبعد موته لم يبق إلا بعض المؤمنين سلمنا، ولكن عادتهم اعتقاد قلبي يعم بعلمه، وأجاب ابن التلمساني عن هذه السؤالات بأجوبة طويلة انظرها في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) قال ابن عطية: إنها صفات كافر مات على كفره فهو مخلد في النار بإجماع، ومؤمن حسن لم

стр. 499

يذنب قط إلى أن مات يخلد في الجنة بإجماع، ومذنب مات تائب فأهل السنة وجمهور الفقهاء ألحقوه بالمؤمن، ومذنب مات قبل توبته، فقال أهل السنة: إنه في المشيئة، وقالت المرجئة: إنه في الجنة، وقالت المعتزلة: إن كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو مخلد في النار، قال أبو جعفر بن الزبير: قصد الأول بقوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) .. لأن حملها بين (الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وهو كذب وافتراء، فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ) والافتراء من أخص صفاتهم مع الشرك، وعقب الثانية بقوله تعالى: (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) لأن قبلها (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) وقبلها: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، ثم قال: (وَلَا تُجَادِل عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ) فتضمنت ذكر منافقي زمنه وما صدر عنهم من غير الكذب والافتراء فناسب تعقبها بالضلال البعيد. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ... (١١٧)﴾ لما تقدمها (وَمَنْ يُشرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ) توهم أن له في ذلك الضلال شبهة، فأفادت هذه الآية أنه لَا شبهة له يستند إليها نفي لدعواهم إناثا، ابن عرفة: وفي الآية سؤال وهو إن المحصور فيه ثانيا إن كان المحصور أولا ألزم التكرار عن قرب وإن كان غيره لزم، إما إبطال الحصر من أول إبطال أحدهما، وإلا باطل، وأجيب بوجوه: الأول: أنا نختار أنه غيره، لكن الدعاء ثانية شفقة، والأول: راجح المسبب على الدعاء. الثاني: أن الضمير في يدعون الأشخاص أمر غير الأولين. الثالث: أن الأول باعتبار ظاهر حاله ومادتي أمرهم. والرابع: باعتبار ظنه وما به وعاقبته. قال ابن عرفة: هذا كله مجاز، وإنما عادتهم أن المحمول يمكن تعدده وانفراد الموضوع بقول: ما رأيت إلا عالما، وما رأيت إلا قريبا فيصح تعدده كقولك: زيد قرشي عالمي وكذلك هكذا يقول: يدعوهم إناث وشيطان ومريد، فالموضوع بمفرد والمحمول متعدد والمحصول فيه محمول لَا موضوع. قوله تعالى: (شَيْطَانًا مَرِيدًا). ابن عطية: قال الجمهور: هو إبليس عليه اللعنة، وهو الصواب وقالت فرقة: هو الشيطان بكل صنف.

стр. 500

قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ... (١٢٠)﴾ ابن عرفة: أي يقول لهم تمنوا علي، فإن تمنوا عليه شيئا يعدهم به، فالوعد هو تطميعهم لهم بأمر فلا يردوا طلبوه أم لَا؟ وهو أعم من قوله (يُمَنِّيهِمْ)؛ لأن الثاني أمر ملائم منفي. قوله تعالى: (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) ولم يقل وما يعدهم ويمنيهم؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ... (١٢١)﴾ .. قال ابن عرفة: (مَأوَاهُم) مبتدأ و (جَهَنَّمُ) خبره؛ لأن المأوى منحصر في جهنم، أي لَا مأوى لهم إلا جهنم، فإن قلت: ما أفاد قوله (وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) قلنا: فائدته أنه قد يتوهم أن يكون لهم في أثناء الإقامة فيها فتور عن العذاب وزمانه وأنهم يموتون فيها فيستريحون منه فنفي هذا التوهم بقوله (مَحِيصًا) فإن قلت: هلا قال: ولا محيص لهم عنها فهو أبلغ من نفي الوجدان، لأن نفي الشيء بالإطلاق أبلغ من نفي وجدانه، قلنا: إنما نفي الوجدان ليفيد أنهم يعذبون عذابا حسيا وعذابا معنويا بطلبهم المحيص وإشغالهم بذلك، ثم حرمانهم منه بعد تشوقهم إليه. قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ... (١٢٢)﴾ .. أبو حيان: الأول مصدر مؤكد لنفسه، وهو الذي يفهم معناها قبله. قال ابن عرفة: مثل له على ألف درهم عرفا؛ لأنه مفهوم من قوله على، والثاني: مؤكد لغيره أي حق ذلك حقا. قوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) ابن عرفة: تقدم لنا في هذا التركيب أنه يقتضي نفي الأصدق ولا يقتضي نفي المساوي، وتقدم الجواب، قال: والقول أعم من الكلام، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، قال أبو جعفر بن الزبير، وقال هنا: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) وقال قبله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) فإنه لما تقدم هنا وعد المؤمنين بالنعيم المقيم والثواب الجزيل عقبه بقوله (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) لم يكرر لفظ الوعد هروبا من الثقل، وأتى بما يناسب في اللفظ والمعنى وألحقه؛ لأن قيل: صدر ساكن الوسط كمال الوعد والحق كذلك، ولما تقدم قال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) وهذا اختبار وحديث عن البعث، قال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (١٢٦)﴾

стр. 501

إما باعتبار الملك، أو باعتبار الخلق والاختراع، وقدم المجرور وهو خبر إما للحصر أو للتشريف، فإن كان باعتبار الملك فالحصر ظاهر، وإن كان باعتبار الخلق والاختراع فينكره المعتزلي. فيل لابن عرفة: وهل يدخل فيه الظرف وهو (السَّمَاوَاتِ) فقال: يدخل في قوله (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) وقال: هنا مبتدأ لما قيل بأحد وجهين: إما أنه لما تقدم فيها (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ) فقد يتوهم منه اختصاص خلته إبراهيم لأجل اختصاصهم إياه بالخلة، فأفاد أن جميع الخلق ملك له على جهة الاختراع، وقال ابن المنير: إن نسبته الخلة لإبراهيم قد يتوهم منها أنه غير مملوك لله ، فأفاد هذا أنه مملوك له. الوجه الثاني: أنه راجع لقوله (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) فيقال: إذا يقال؛ لأن جميع الخلق ملك لله . قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ... (١٢٧)﴾ هو القدر الزائد على العدل، وهو أن تفضلوا بالزيادة على حظهم واكتفوا بهذا عن أن يقول: وما تفعلوا من شيء، وهو النقصان من العدل فإن الله به عليم، أو علمه بالخير يستلزم علمه بالشر كله، قال ابن الحاجب: فإن نقيض الخفي خفي، ونقيض الجلي جلي؛ لأن العلم بأحد المعنيين يستلزم بالآخر. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ... (١٢٨)﴾ هو الارتفاع منها بتطليقها، والإعراض عما لها مع القيام معها، قلت: إنما ينفي الجناح عن الرجل؛ لأنه الناشز المعرض، قلنا: والمرأة يتوهم أن عليها الجناح في إهمالها نفسها وبقائها مع زوجها حالة إعراضه عنها؛ لأن فيها في ذلك معرة بين أقرانها وقرابتها، فقد يتوهم أن ذلك منكر شرعا لما كان منكرا عادة، فقال: لَا جناح فيه. قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) لأنه هو الذي في الأنفس كما يقول: كُسِيَ زيد جُبة وأعطي عشرون درهما. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ دليل على وجوب اتصافه على صفتي الإرادة والقدرة، وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدمها (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وتضمنت وكيل على الأشياء كلها، جاءت هذه كالدليل عقبها في أنه القادر على الإعدام والإيجاد.

стр. 502

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ... (١٣٥)﴾ وقال في سورة العقود (قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) فراعى هنا لفظ (قَوَّامِينَ) فناسب اقترانه لقوله (بِالْقِسْطِ) وراعى هناك اسم الجلالة فقدمه لشرعه، وأجاب الزبير بأن آية النساء قبلها الأمر بالعدل، قال تعالى (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) فناسب تقديمه، وآية المائدة قبلها الأمر بالطهارة، ثم تذكير العبد بنعم الله عليه، ثم أمره بتقواه فناسب تقديم اسم الله. قوله تعالى: (إِنَّ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا). ابن عرفة: الظاهر أن الجواب محذوف، أي فهو مصدق أوامره إلى الله والله أولى به، فلا يقولوا هذا أغنى فلا يشهد، وهذا فقير فلا نشهد عليه بل أقيموا الشهادة لله بالقسط والعدل ولا تظلموا أحد. قوله تعالى: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا). قال أبو حيان: إما أن المعنى كراهية أن تعدلوا بين النساء فلا تطيعوا أنفسكم وأهواءكم كراهية العدل بين النساء، أو فلا تطيعوا أنفسكم إرادة أن لَا تعدلوا. ابن عرفة: فما قالوا هم في عين التعليل، وما قاله أبو حيان تعليل النهي. قال ابن عطية: احتج للحاكم أن يرشد الضعيف بما ينفعه ويشد عضده. قال ابن عرفة: حكى لنا القاضي ابن عبد السلام عن القاضي أبي عبد الله محمد ابن الخباز، أنه تحاكم عنده رجلان طويل وقصير، فظهر من القصير نباهة وحذق، ومن الطويل فتور ومكنة، فقال له القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن الخباز: ما اسمك؟ فقال له الطويل: اسمي فارس، فقال له: يا فارس ما لك يغلبك هذا الفويرس. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (١٣٦)﴾ قال ابن عرفة: إما أن يريد بالأمر الثاني: الإيمان العقلية والشرعية، والظاهر أن يواد لوازمه الشرعية كالصلاة والزكاة والحج؛ لأنه لَا يلزم من الأمر الأول الأمر بها، فإن قلت: هلا قيل: ورسله بلفظ الجمع أخص وأعم فائدة؟ [أجيب بجوابين*] إما بأن الرسل لما كانت [مقاصدهم*] واحدة، فكلهم يدعون [إلى*] الإيمان بالله وتوحيده وما يجب له وما يستحيل عليه كانوا كالرسول الواحد، وإما بأن الرسول أعم من الرسل؛ كما قال

стр. 503

الزمخشري: في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أنه أعم من العظام. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قال في الأول نزل، وفي الثاني أنزل؟ وأجاب بأن القرآن نزل منجما في عشرين سنة، وغيره من الكتب نزل دفعة واحدة. ابن عرفة: وعادتهم يردون عليه بقوله تعالى: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)، وأجيب: بأن نزل ظاهر في النزول معرفا وهو الغالب عليه، وقد يختلف فيطلق أحيانا على إنزال في مرة واحدة لكن ذلك قليل، ولا يقر في معناه الأصلي وإطلاقه عليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... (١٣٧)﴾ ابن عطية: قال قتادة، وأبو العالية في اليهود والنصارى: (آمَنُوا) اليهود بموسى والتوراة، ثم آمنوا النصارى بعيسى والإنجيل، (ثُمَّ كَفَرُوا) من النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، وضعفه ابن عطية، ووجه ابن عرفة بأحد وجهين: إما بأن ابن عطية محمله على أشخاص اليهود والنصارى، ونحن نحمله على مجموع الفريقين باعتبار الكل لَا الكلية، والمجموع من حيث هو، وأن بعضهم آمن ثم كفر ببعض الآخر وهم النصارى آمنوا ثم كفروا، وإما أن يجري على مقتضى حديث "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فهم ولدوا مؤمنين ثم كفروا. قوله تعالى: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا). الكفر يزيد وينقص باعتبار متعلقه وطرقه، ولذلك قال تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [فجمع*] الظلمات وأفرد النور. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ... (١٤٠)﴾

стр. 504

قيل لابن عرفة: هل يجوز التمثيل بآيات القرآن؟ أما في مقام الوعظ والتذكير فجائز مثل (وَقُولوا لِلنَّاسِ حُسنًا)، (وَاسْتَعِينُوا بِالصبْرِ)، (وَاستَغْفِرُوا رَبَّكُم) وأما في غيره فممنوع كقول بعضهم، وقد سئل عن شيء فعله لم يفعله (وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمْرِي). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ... (١٤١)﴾ ابن عرفة: المفعول محذوف تقديره: أما (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) الدوائر الراء زائدة، وأما الذين يتربصون به مستقبلات الأمور من خير أو شر وهو ظاهر سياق الآية، ولا يبعد أن يريد الجميع فيكون على نوعين فمن سمع منهم على المؤمنين خبرا يسوؤه فهو يتربص بهم دائرة السوء، ومن لم يسمع شيئا فإنه يتربص الأمر المستقبل على الإطلاق، وأسند الفتح إليه، ولم يسند إليه المصيبة مع أن الجميع من عند الله تسريفا للفتح واعتناء به. قوله تعالى: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ). ألم تكن لنا قدرة على أن ننصر المؤمنين عليكم فلو قاتلناكم معهم لانتصروا واستولوا عليكم فالمعنى: ألم نستول عليكم بقدرتنا على قتالكم الموجب لانتصار المؤمنين عليكم. قوله تعالى: (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). قال ابن عرفة: المناسب إليهم أن يقال: ونمنع المؤمنين منكم كما تقول: منعت الأسد من زيد، فلا تقل: منعت زيدا من الأسد. قيل لابن عرفة: ولم قال: ونمنع المؤمنين؟ لاحتمال أن يكون المؤمنون غالبين أو مغلوبين، وهذه العبارة أخص وأصرح من المعنى من غير احتمال، فقال ابن عرفة: لنا معنى هذا، ونكفكم من القتال عن المؤمنين، فالصواب أن يقال: ونكف المؤمنين عنكم باحتمال أن يكون من السبب المتعاكس فمن امتنع منك امتنعت منه. قوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَكُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ). أي باعتبار ظهور الحكم وبروز متعلقه، وإلا فالحكم قديم أزلي. قوله تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ سَبِيلًا).

стр. 505

قوله تعالى: (لِلكَافِرِينَ) بأن الكافرين فاعل في المعنى، وشبه مفعول أعطى والفاعل هو المقدم في الرتبة مقدم في اللفظ، وهذا إذا كان باعتبار الفعل والوجود فيكون في الآخر فقط، وإلا فقد استولوا على المؤمنين في الدنيا في غزوة أحد وغيرها، وإن كان باعتبار الحكم الشرعي فهو في الدنيا والآخرة. قيل لابن عرفة: قد قال أشهب: إن الكافر إذا ملك المؤمن عتق عليه، ويكون ولاؤه له، أفترى له عليه سبيل عند أشهب؟. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ... (١٤٢)﴾ قال ابن عرفة: التأكيد بأن إنما يصح إذا كان المخاطب منكرا وطرأت عليه مخايل الإنكار، والتأكيد هنا مصروف إلى ظنهم أن خداعهم مؤثر ونافع لهم، وقوله (يُخَادِعُونَ) على حذف مضاف تقديره: يخادعون رسل الله ويخادعون أولياء الله، فإن أريد فالتشريف من جهة واحدة وهو التعبير باسم الله عن اسم رسول الله، وإن أريد الثاني فالتشريف من جهتين، لأنه تشريف لأولياء الله والتشريف لأوليائه تشريف لرسوله من باب أحرى. ابن عرفة: والمنافقون إن كانوا معلومين للمؤمنين كانت الآية تقبيحا لفعلهم وتحذيرا منه، وإن كانوا مجهولين فهي تقبيح لفعلهم فقط، ابن عطية: ومخادعتهم لأولياء الله فيظنونهم غير أولياء، أو لَا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى، فرده ابن عرفة: بما روى مسلم في صحيحه في كتاب ذكر المنافقين عن مجاهد عن ابن عمر عن ابن مسعود، قال " [اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ، إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ، إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ، إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا"، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ *] الآية. قال ابن عرفة: وجرى بين شيخنا الفقيه أبي عبد الله محمد بن سليمان بن علي، وابن الصباغ في القضية اختلاف: هل المنافقون مخاطبون بفروع الشريعة أو لَا؟ ووقع بينهما في ذلك تنازع كثير منهم السلطان ابن الحسن، والتحقيق أن الخلاف في خطاب الكفار بالفروع إن كان باعتبار الباطن كما يقول الأصوليون من أنه راجع إلى تضعيف العذاب في الآخرة ففيه نظر، قلت: لَا نظر فيه لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ). قوله تعالى: (يُرَاءُونَ النَّاسَ).

стр. 506

ابن عرفة: المرائي يظهر التجلد والاجتهاد في العبادة، فكيف يفهم أنه مراء وهو كسلان، ثم أجاب: بأنهم في ابتداء الصلاة كسالى، فإذا شرعوا فيها الاجتهاد والنشاط، قال ابن العربي: ومن صلى ليراه النَّاس فيقدمونه شاهدا فصلاته صحيحة. ابن عرفة: فعل العبادة لله مستتبعا للرياء فهي صحيحة، وإن فعلها لمجرد الرياء فقط فهي باطلة. قوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ... (١٤٣)﴾ أي لَا مع المؤمنين ولا مع المنافقين بأن المراد لَا هم مع المؤمنين في الحقيقية ولا هم مع الكافرين في ظاهر الأمر، قال: والإشارة الأولى إما للمؤمنين، وإما للكافرين. والثانية كذلك، وتقدم لنا في الميعاد ترجيح كون الأولى للكافرين والثانية للمؤمنين ليكون ختم عليهم بمنتهى الإيمان، ولو كانت الأولى للكافرين لكانوا ممن ختم عليهم بعدم الكفر فيحتمل أن يكونوا آمنوا في آخر أمرهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٤٤)﴾ الخطاب للمؤمنين وهو من يعمل مطلق الإيمان، والكافرين أولياء إما مع المؤمنين أو دونهم فوقع النهي عن الثاني دون الأول، لأنه أشد فرتب عليهم الوعيد الأشد، أو يجاب بأن الجزء الذي اتخذوهم فيه أولياء لا يشاركون فيه المؤمنين، فكانوا اختصوهم به واتخذوهم فيه دونهم كما تقدم في قوله تعالى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) مع أنهم لم يطلبوا الاستبدال بل يطلبون ذلك مع غيره، فتقدم الجواب بأنه عند الاستعمال ينقصون من أكلهم من الأول فكأنهم استبدلوا ذلك الجزء الذي نقصوه. قوله تعالى: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا). قال أبو حيان: السلطان هو الحجة، ويحتمل التذكير فالمعنى البرهان والثبات وهو مذكر، وإما لأن الحجة هي الدليل المستعمل الواقع في الوجود الخارجي، والبرهان هو الدليل الأعم من كونه استعمل أو لم يسعتمل به بل الاستعمال والتذكير فيه أولا؛ لأن لازم الأعم لازم الأخص. قال ابن عرفة: وفي الآية اللف والنشر بقوله (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) راجع لقوله (لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)؟ وقوله (مُبِينًا) راجع لقوله (مِنْ دُونِ اللَّهِ) فمن اتخذتم أولياء

стр. 507

بالإطلاق ترتب لله عليه حجة مطلقا ومن اتخذهم من دون الله ترتب عليه حجة واضحة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ ... (١٤٥)﴾ قال ابن عرفة: الألف واللام إما للعهد فلا يتناول منافقي الجنس، وإما للجنس فتتناولهم، والظاهر عدم تناول اللفظ لهم؛ لأن أولئك معصيتهم أشد لمشاقتهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستهزائهم به. قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا). هو موضع لَا ينفع فيه النصير فلذلك لم يقل: ولم يكن لهم نصير، قال الفخر: في مفهومها حجة لأهل السنة بإثبات الشفاعة للعصاة. قيل لابن عرفة: إنه مفهوم اللقب، فقال: بل مفهوم الصفة؛ لأن الضمير لهم عائد على المنافقين. قال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ... (١٤٦) قال ابن عرفة: الحكم على المعنى المشتق من وصف إن كان باعتبار ذاته فالاستثناء منفصل، فإن كان باعتبار وصفه فهو منقطع. قوله تعالى: (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ). الألف واللام للعهد، يريد المؤمنين إيمان أو أبناءهم، أو الصحابة أبا بكر وعمر الذين صمموا على الإيمان ودعوا إليه. قوله تعالى: (وَسَوفَ يُؤتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ). الألف واللام للجنس فيتناول أعلاهم ولو نالهم، وهو المعبر عنهم بكونهم معهم، قلت: وسألت الأستاذ القارئ أبا العباس أحمد بن مسعود البلنسي المعروف بابن الحاجة: كيف توقف على يؤت فقال (يُؤتِ) إلا البزي فإِنه يقف عليها بالياء. قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ... (١٤٧)﴾ قال الزمخشري: والشكر سبب في الإيمان. قال ابن عرفة: هذا جار على مذهبه؛ لأنه يقول: شكر المؤمن واجب عقلا، والجواب عندنا أنه إنما قدم الشكر على الإيمان أنه يستلزم الإيمان بالفعل، ثم قال (وَآمَنْتُمْ) أي دمتم على الإيمان فشكرتم يستلزم تقدم إيمانهم ثم دوامهم عليه.

стр. 508

قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا). إما منعما كما قال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، أو من باب المشاكلة مثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) عليما بمن آمن وشكر فيجازيه، ومن كفر فيعاقبه. قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ... (١٤٨)﴾ قال ابن عرفة: المحبة في الشاهد ضد الكراهة، وهل هما على طرفي النقيض، أو لَا والظاهر أن بينهما واسطة فنفي المحبة يستلزم الكراهة، بل يبقى محتملا، وأما في الغالب فهما على طرفي النقيض، هذا باعتبار الدليل العقلي، وأما باعتبار الأمر الشرعي واللغوي فهو يقتضي ذم الجهر بالسوء من القول، والسوء إما الأمر المؤلم فقط، أو الأمر المؤلم المذموم، فإن كان الأول بالاستثناء فهو منفصل، وإن كان الثاني فهو منقطع؛ لأن انتصار المظلوم لنفسه مؤلم غير مذموم شرعا، ولا يدخل الغيبة في الآية؛ لأنها إن تحدث الإنسان بها مع النَّاس فهو خبر بالسوء، وإن تحدث بها مع نفسه فليست بغيبة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ ... (١٤٩)﴾ ابن عرفة: هذا بدل؛ لأن إبداء الخير أعلى من إخفائه، وإخفاؤه أعلى من العفو عن السوء، فالإحسان في الظاهر لمن ظلمك أعلى، ثم الإحسان إليه، ثم العفو في السر عن الظلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... (١٥٠)﴾ عبر عنهم بلفظ المضارع، ثم قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) فعبر بلفظ الماضي؛ لأن الإيمان مأمور مطلوب به فجعل كالواقع المحقق، والكفر منهي محنه فجعل كأنه لم يقع. قوله تعالى: (هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا). أي كفرا محققا يقينا لَا شك فيه بخلاف من وحد الله وجحد بعض الصفات كالمعتزلة، فإن في كفرهم نظر، أو لذلك اختلف العلماء فيهم. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ... (١٥٢)﴾ فمن أطاع في شيء وعصى في شيء لَا يحيط، ثم عصيانه ثواب ما أطاع فيه.

стр. 509

قيل لابن عرفة: قال هنا (سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) فعبر بسوف وهي أبلغ في التنفيس من السين، وقال حد هذا (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ)، ثم قال (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) فعبر بالسين، فأجيب بأن هذه فيمن حمل مطلق الإيمان بالله ورسوله أعم من أن يكون أطاع في الفروع أو عصى فناسب الإتيان بسوف المقتضي لكمال تراخي أجورهم، وهذا إشارة لمذهب أهل السنة القائلين بوجود إنفاذ الوعيد في طائفة من عصاة من المؤمنين وأنهم يعذبون قبل ذلك، والآية الأخرى فيمن حصل الإيمان وفروعه فناسب أنها خبر لما يقول على قرب الثواب الذي ينالهم في المستقبل. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ... (١٥٣)﴾ قال الزمخشري: روي أن كعب بن الأشرف [وفنحاص بن عازوراء*]، قالوا: يا رسول الله إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى فنزلت الآية، وقرأ ابن عامر وابن كثير (تُنْزِلَ) بالسكون، والباقون (تُنَزِّلَ). قال ابن عرفة: وقراءة التخفيف لَا تناسب السبب على ما تقدم للزمخشري في أنزل [ونزَّل*]. ابن عرفة: وتضمنت الآية أمرين: أحدهما: الإخبار بنعت اليهود. والثاني: كمال التسلية للنبي ﷺ بقصهّ موسى معهم. قال ابن عطية: ولقد [حدثني أبي ﵁ عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول عند تدريس هذه المسألة: مثال العلم بالله حلق لحا المعتزلة*]. قال ابن عرفة: هذه خطابة وحاصله أن العلم بالله سبب في التشبيه، فكما أن علم الله حاصل مع اعتقاد نفي التشبيه والمماثل فكذلك الرؤية لَا يلزم منها التشبيه، وحاصله أنه دليل لَا يستقل نفسه بل باستحضار قواعد دقيقة وهو أن الرؤية لَا تستدعي الجهة والمكان خلافا للمعتزلة. قال ابن عرفة: وقوله (فقالوا) ليس بمعطوف على (سألُوا)؛ لأنه بيان له والأصل في الجملة المبنية أن يؤتى بها غير معطوفة فهو معطوف على فعل مقدر تقديره أخبروا، فقالوا: أرنا الله جهرة.

стр. 510

قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) ابن عطية: [لم يكن الذين صعقوا عند المضي للمناجاة ممن اتخذوا العجل*]. قال ابن عرفة: أراد أن الضمير عائد عليهم باعتبار النوع والصنف، أو باعتبار فعل هؤلاء، ورضي الآخرون بذلك. قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ... (١٥٤)﴾ بنقض ميثاقهم. قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) أي لَا يقبل الحل شرعا. قوله تعالى: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ... (١٥٥)﴾ قال ابن عرفة: إن قلت: قتل الأنبياء أبدا لا يكون إلا بغير حق؟ فما الفائدة في هذا؟ قلت: المراد بأنهم لو سئلوا لقالوا: قتلهم بغير حق. قوله تعالى: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) إن كان القليل راجع إلى الأشخاص فهو على بابه؛ لإمكان التجزئة والتبعيض فيهم وإن رجع إلى الإيمان فهو بمعنى العدم مثل: مررت بأرض قل ما تنبت البقل، لأن الإيمان لَا يتجزأ ويحتمل أن يرجع إلى للجميع. قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ... (١٥٧)﴾ قال ابن عرفة: إنما لم يقل: وقتلهم المسيح؛ لأنه لم يقتل، وإن قتله إذما هو بقولهم ودعواهم لكل منهم شيء. قوله تعالى: (رَسُولَ اللَّهِ) قال الزمخشري: قالوه على وجه الاستهزاء، ويجوز أن يكون موضع الذكر الحسي مكان ذكرهم القبيح رفعا لعيسى ﵊، وقال ابن عطية: هو إخبار مّن الله تعالى. قال ابن عرفة: فإِذا بنينا على أنه يجوز أن يكون من كلامهم فيؤخذ منه عندي أن الشاهد يحكم من حيث المحكوم عليه موصوفا بصفة أن شهادته بالحكم لا تستلزم شهادته بذلك، [ ... ] رجلا بالشريف أو بالفقيه، فإن كانت وقعت، فقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة: إن ذلك يستلزم شهادة الشاهد بها، وقال القاضي ابن عبد

стр. 511

السلام: لَا يلزم أن يكون شاهدا بها، قال بعض الطلبة: ينبغي أن نفرق بين كون الوثيقة بخط الشاهد أو بخط غيره، فقال ابن عرفة: لَا فرق بينه وغيره. قوله تعالى: (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ). قال ابن الخطيب: القول أنه شبه شخص واحد قتلوه سفسطة. ورده ابن عرفة بورود المعجزات على يدي الأنبياء، ومن جملتها الفاشية تشبيه أحد الشخصين في الآخر حتى كما يصير كأنه هو، قال ابن الخطيب: وادعى اليهود بالنقل المتواتر أنه قتل، فقال ابن عرفة: إنما ادعوا تواتر قتل ذات شبيهة بعيسى لَا قتل عيسى محققا، وهذا أحسن من جواب ابن الحاجب عنه بأن أصل التواتر عندهم باطل، وذكره ابن عطية. قال ابن عطية: وروي أن أولئك القاتلين لم يستحب عليهم أمر مع عيسى فصلبوا شخصا وأبعدوه عن النَّاس حتى تغير ولم تثبت له صفة ثم قربوا النَّاس منه. قال ابن عرفة: هذه الآية ترد لقوله (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) فدل على أن القاتلين شبه لهم لَا لغيرهم. قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ). قال ابن عرفة: الشك مناقض الظن فلا يصح استثناؤه منه لَا منفصلا ولا متصلا، وأجيب: بأنه لما اختلف المؤمنون في الأمر شكوا ثم صاروا إلى الظن بأن بعضهم شك وبعضهم ظن، وإما بأنهم ظهرت لهم أمارات تفضي إلى الظن فلقصر إيمانهم لم يحصل لهم ظن، وإنَّمَا أنتجت لهم الشك، وإما أن يريد الشك اللغوي وهو مطلق التردد الأعم من التساوي والترجيح فلا ينافي الظن. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ... (١٥٩)﴾ ابن عرفة: تضمنت الآية عقوبتهم على كفرهم بوجهين: الأول: تناقضهم في كفرهم به أولا ثم بما هم به حيث لَا ينفعهم الإيمان. الثاني: تقديمهم على ذلك في الدار الآخرة. الزمخشري: (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) تشبيه صفة لموصوف محذوف تقديره: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ). ابن عرفة: أي وإن فيهم أحد لَا يقول ليؤمنن به قبل موته؛ لأن جملة القسم لا يصح أن تقع وصفا لعدم احتمالها الصدق والكذب، وقال أبو حيان: قال المختصر

стр. 512

هذا لَا يصح، وقد ذكره سيبويه وأسند بقوله: إن أحدا لَا ينزل ذلك، وأجاب ابن عرفة بأن أحدا هنالك موصوف بالنفي، فكأنه منفي، وأما هنا فهما لفظان لفظة أحد ولفظة إلا أن إيجاب للنفي. قيل لابن عرفة: وهذا من العلم الباقي على عمومه مثل (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فقال ابن عرفة: بل هو مخصوص بالمجانين منهم وغير المكلفين. قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا). ابن عرفة: يوم إما متعلق بـ (لَيُؤمِنَنَّ) لكونه أقرب له في اللفظ، أو معمولا لـ شهيدا لكونه أقرب له في المعنى؛ لأن التقدير: يكون شهيدا عليهم يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ... (١٦٠)﴾ التنكير إما للتقليل إن كانت الآية تخويفا وإنذارا، أو للتعظيم إن أريد التشنيع على أهل الكتاب والتقبيح لفعلهم. قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ... (١٦١)﴾ ابن عرفة: اختلف الأصوليون في قول الراوي نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كذا، هل يفيد التحريم أو الكراهة؟ وهذه الآية دالة على التحريم ووقعت هذه الآية في المدونة مغلوطا فيها، فقال في كتاب المأذون: وأكلهم الربا وهو الأخص من الأخذ، واحتج بها [الإِسْكَنْدَرَانِي*] في شرح التهذيب على أن المسلم إذا مات عنده اليهودي له مال، فإنه لَا يرث عنه لتعاملهم بالربا وهو محرم عليهم. قيل لابن عرفة: أجراه بعضهم كذلك في النصراني ومذهبنا جوازه. ابن عرفة: هو نص المدونة في كتاب الولاء. قوله تعالى: (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ). إن قلت: هلا قيل هنا: وقد نهوا عنه كما قال في الربا؟ وأجيب: بأن أخذ الربا يكون برضى المأخوذ منه واختياره، وأكل المال بالباطل لَا يكون إلا غضبا أو نحوه من غير رضاه به، فمعلوم أنه منهي عنه؛ لأنه مما أجمعت الملل على تحريمه وتحريم الربا خفي فاحتيج إلى ذكر المنهي عنه. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ... (١٦٢)﴾

стр. 513

ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق تقبيح فعل اليهود عقبه باستدراك فعل بعضهم وإخراجه عنهم، وبالغ في منهم بأمرين: أحدهما: لفظة الرسوخ في العلم يفيده إلا أن يريد المؤمنين من غيرهم محمد ﷺ ، وأجاب: بعض الطلبة بأنه عطف العام على الخاص. ورده ابن عرفة: بأنه لو كان كذلك عن عطف الموصوفات مع أن الزمخشرى جعله من باب عطف الصفات. قال ابن عرفة وإنما يجاب بأنه لَا يلزم من استلزام الأخص استلزام الأعم له. قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ). ابن عرفة: كلام الزمخشري هنا أحسن من كلام ابن عطية فإنه أطيب في تخطيه قراءة (المقِيمِينَ) مع أن القراءة السبعية مجمعون عليها، وصوب قراءة (وَالْمُقِيمِونَ) مع شذوذها فوهم كلامه أن السمع غير متواتر. قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). إما تكرار، أو الأول في مؤمني اليهود، وهذا في المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإيمانهم باليوم الآخر يستلزم إيمان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي إلى من قبله مع أنه أشرف، والمشبه بالشيء لَا يقوى قوته، وأجاب ابن أبي حمزة عنهم؛ لأنه إنما يعلم من جهته، وأما العقل فيجوز خاصة ولا يوجبه بوجه. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... (١٦٣)﴾ الآية، ذكرها البخاري في أول كتابه، وأورد شارحه أو شراحه سؤالا، كيف شبه الوحي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي إلى من قبله مع أنه أشرف والمشبه بالشيء لَا يقوى قوته؟ وأجاب ابن أبي حمزة عنهم. قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ قال المازني في شرح البلقيني في أول كتاب الطهارة: الآية حجة على المعتزلة في قوله: إن الله لَا يكلم موسى مباشرة بل بواسطة، خلق له الكلام في السيرة. لأنه أكده بالمصدر، ورده ابن عبد السلام بأن التأكيد بالمصدر لإزالة الشك عن الحديث، لَا عن المحدث عنه فالكلام واقع حقيقة هل من الله أو غيره؟ نظر آخر وأجاب ابن عرفة بأن التأكيد بالمصدر وإن كان لإزالة الشك عن الحديث فلا بد فيه من مراعاة كونه واقعا من

стр. 514

فلان فهو لإزالة الشك عن حديث فلان، ولولا ذلك لما قال البيانيون في قول الشاعر [روح بن زنباع*]: بَكَى الخزُّ من روحٍ وَأنكر جلدَه ... وعجَّت عجيجًا من جذامَ المطارفِ إنه من ترشيح المجاز؛ لأن المطارف جمع مطرف، وهو ثوب مرقع من خلق له وجذام قبيلة روح. قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... (١٦٥)﴾ تعليل شرعي لَا فعلي؛ لأن بعثته جائزة عقلا وواقعة شرعا لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) هذا هو مذهب أهل السنة. قوله تعالى: (بَعْدَ الرُّسُلِ). أعربه أبو حيان، والزمخشري إما نصبا للحجة أو حالا منها، وأبطله ابن عرفة: بأن الحجة ثابتة (بَعْدَ الرُّسُلِ)، وأما قبلهم أو معهم فليست ثابتة، فالصواب أنه متعلق بقوله (يَكُونَ) أي: (لِئَلَّا يَكُونَ) بعد الرسل للناس على الله حجة ثابتة مطلقا. قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ... (١٦٦)﴾ ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد أنزله مع علمه، ويريد بالعلم المعلوم والمصدر مضاف للمفعول، والضمير عائد عليه، أي أنزله مصاحبا المعلومة أي تصاحب المعجزات والآيات الدالة على صحته وهدف نبوة الرسول، فهو إنزال القرآن وإنزال دليله وهو المعجزات معه. قوله تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ). احترازا؛ لأنه لما قال (لَكِنِ اللَّهُ يَشهَدُ)، ثم قال (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) توهم أن فيه تقوية لشهادتهم واعتقادات صحيحة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا ... (١٦٨)﴾ دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ). نفي للقابلية على سبيل المبالغة، والمراد من مات منهم على الكفر لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).

стр. 515

قوله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ... (١٦٩)﴾ من تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقولهم: هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً ... وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ وفيه دليل لأهل السنة في أن الله يخلق الخير والشر. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ... (١٧٠)﴾ قال ابن عطية: السورة مدنية فهو مما خوطب به جميع النَّاس بعد الهجرة، لأن الآية دعاء إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحوها لكانت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فرده ابن عرفة؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قال: والجواب أن متعلق الخطاب إن كان جليا واضحا فإنه يخاطب به العموم، وإن كان خفيا أو قريبا من الخفي خوطب به الخصوص، ونظيره أن الشيخ إذا قرر للطلبة مسألة جلية فيقررها للجميع، وإن كانت صعبة فيخص بها بعض الطلبة، وقد هنا للتوقع. لأنهم كانوا يتوقعون مجيء الرسل. قوله تعالى: (بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ). دليل على أن بعثه الرسل محض تفضل من الله تعالى وليست بواجبة كما تقول المعتزلة. قوله تعالى: (وَإِنْ تَكفُرُوا). أي تدوموا على الكفر، فإن كفرتم قبل ظهور المعجزات غير معتبر وإنما يعتبر بعدها. قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... (١٧١)﴾ يحتمل أن يريد به التعمق في الدين كمن يمتنع من أكل اللحم ويتقشف. قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ). قال بعضهم: يؤخذ أن ابن الملاعنة نسب إلى أمه. قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) الآية. قال ابن عرفة: القرآن وكلام المفسرين اقتضى أنهم أرادوا تعدد الآلهة باعتبار الكمية المنفصلة وكلام الأصوليين على النصارى اقتضاء نفي الكمية المتصلة.

стр. 516

ابن عرفة: وكان الفقيه أبو سعيد الغبريني أخبرني أنه بحث مع النصارى في هذا وأنكر عليهم، فأخذوا طرف الإحرام وطووه على ثلاثة، ثم علوا فصار واحدا، فكذلك قالوا: هؤلاء الثلاثة في واحد، فإن قلت: لم قال (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ) فمفهومه جواز قوله اثنان؟ فالجواب: أنه أوتي على سبيل دعواهم وهم ادعوا ثلاثة. قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ). ابن عرفة: الاستدلال بهذه الآية على نفي الولد أبلغ من استدلاله على نفيه بقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) لأن هذه تضمنت نفي وجود الولد، ونفي القابلية أبلغ من نفي الوجود. قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). تضمنت الآية ثلاثة أمور دينية: أحدها: إثبات الوحدانية، والثانية: نفي الولد، والثالثة: إثبات الصفات ما تضمنه قوله (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فإنه يقتضي الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فاقتضت الآية أيضا إثبات الكلام فإن هذا من القرآن وهو كلام الله، أما القدرة فخلقه السماوات والأرض وتخصيص أحدهما بصفة دون الأخرى دليل على الإرادة وكون فاعلها عالما. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ... (١٧٢)﴾ قال ابن عطية: الاستنكاف هو التمنع من الشيء [بأنفة*] واستحضار العلم والتنزه، ومثاله: أن يضع طعاما لرجلين فيمتنعان من أكله، أحدهما لكونه لم يقو على أكله أو هو صائم، والآخر لكونه رأى مثل ذلك الطعام لَا يليق به وأن أكله منه لَا يليق في حقه، وإنما يليق به ما هو أحسن منه وأسيغ، فالاستنكاف أخص من الاستكبار والامتناع، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فيرد السؤال لما جاء هكذا، ويجاب بأنه على وفق دعواهم إلا أن ابن عطية ذكر السبب في ذلك أنهم ادعوا رفع عيسى عن العبودية، أي لن يستنكف عيسى أن يكون عبدا لله، فقال: إنه لبس أن يكون عبدا لله، قالوا: بلى فنزلت الآية، قاله الزمخشري: فجعلوا فتنة العبودية له سببا له فأنكر عليهم، وقيل له: إذا كان نبيكم على شرف منزلته وعلى قدره لَا يأتي أن يكون عبد الله فكيف تقيمون أنتم ذلك عليه. قوله تعالى: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ).

стр. 517

قال ابن عطية، والزمخشري: وأخذوا منه أن الملائكة أفضل من سائر الأنبياء ومن عيسى. قال الزمخشري: لأن علم البيان يقتضي أنك إذا قلت: لن يفعل هذا زيد ولا عمرو أن يكون عمرو أفضل من زيد. قال ابن عرفة: وعادتهم يرددون عليه بأنه يلزم عليه أن يكون العطف تأكيدا مع التأسيس أولا؛ لأن نفي الصفة المرجوحة لَا يستلزم نفيها عن الفاصل بخلاف العكس، يقول: لَا يشرب الخمر صالح ولا طالح، قال ابن المنير: وهذا باعتبار الثواب في الدار الآخرة فقد تكون الملائكة في الدار الآخرة كما ورد أن إبراهيم ألقي في النار فلم يحترق، وروي أن جبريل حمل على جناحيه قوم لوط، فقال ابن عرفة، إنما التفضيل بينهم مطلقا في الدنيا والآخرة. قوله تعالى: (وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ). قال الذى يظهر أن الاستنكاف أخص من الاستكبار: فلا يلزم من حشر المستنكفين عن العبادة وتعذيبهم تعذيب المستكبرين، فلذلك كان العطف تأسيسا. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... (١٧٤)﴾ ابن عطية: البرهان هو الحجة البينة الواضحة التي تعطي اليقين التام. ابن عرفة: الدليل يطلق على الحجة المقيدة القطع، وعلى المقيدة الظن والبرهان الاصطلاح إنما هو الحجة القطعية المقيدة لليقين، وقد يطلق البرهان في اللغة على الدليل الأعم من إفادة القطع والظن والبرهان إنما يخاطب به الخواص الدليل خاطب به العوام وعليه قول الشاعر: [أقلد وجدي فليبرهن مقلدي ... فما أضيع البرهان عند المقلد*] وكان يمشي لنا أن الصواب غير ما قال ابن عطية: وهو أن يراد هنا بالبرهان الدليل الأعم من إعادة الظن أو للقطع لقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هي خطاب للجميع فيتناول الخواص والعوام. ابن عرفة: هذا إن أريد بالبرهان القرآن، ويكون عطف النور عليه من باب عطف الصفات، فهو برهان ونور مبين.

стр. 518

قيل لابن عرفة: يلزم التكرار فقال: لفظ المجيء يحتمل أن يكون خاص فوق أو عن يمين أو عن شمال أو من أمام، فأفاد قوله (أَنْزَلْنَا) كون محبة من فوق، قال: ويحتمل عندي أن يكون على حذف مضاف، أي: قد جاءكم ذو برهان من ربكم وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنور المبين القرآن، فلا يكون تكرارا بوجه، قال: وقوله (نُورًا مُبِينًا) إشارة إلى أن منفعة القرآن متعدية لغيره وليست قاصرة عليه فهو نور في نفسه مبين لغيره، قال: وفي الآية اللف والنشر والالتفات بالانتقال من الغيبة إلى التكلم لقوله (وَأَنْزَلْنَا) بعد أن قال (مِنْ رَبِّكُمْ). قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ ... (١٧٥)﴾ .. الظاهر عود الضمير على القرآن لقوله فى حديث جابر في حجة الوداع "وقد تركت فيكم ما لَا تضلوا بعده إن اعتصمتم كتاب الله ". قوله تعالى: (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ). قال ابن عرفة: الرحمة الجزاء على فعل الطاعة، والفضل والزيادة على ذلك، وقيل: الرحمة الإنقاذ من الشدائد والفضل والإنعام في غير شدة، وقيل: الرحمة: الثواب الدنيوي، والفضل: الثواب الأخروي، وقيل: غير هذا، والأولان هما الظاهران. قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ ... (١٧٦)﴾ قال ابن عرفة: الاستفتاء هو السؤال عما أنت جاهل به. قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ). فيحتمل الماضي والحال. قوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ). قال ابن عرفة: (امْرُؤٌ) فاعل بفعل مقدر دل عليه هلك، قالوا: أو يكون (هَلَكَ) صفة لـ (امْرُؤٌ) وهو دال على الفعل المقدر، فرد بأنه ما يفسر إلا ما يصح به العمل، وإذا جعلت صفة لـ (امْرُؤٌ) ما يصح له العمل فيه، وأجيب: بأن المفسر السابق كما قالوا في المضمر أنه يفسره السابق دلالة الحال، ورد بأنه إذا كان المضمر هلك فلا فائدة في ذكر (هَلَكَ) الذي هو صفة، وأجيب بأن النعت عندهم يكون تأكيدا حجة واحدة وعشرة كاملة، و (إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، قال

стр. 519

أبو حيان: فالألف واللام للعهد، والثاني للتعيين وهو يشير إلى أنها للعهد في جنس أو شخص معين. قوله تعالى: (وَهُوَ يَرِثُهَا). ابن عرفة: هو من باب: عندي درهم ونصفه، وفيه وجهان: أن الضمير عائد باعتبار لفظه دون معناه وهو المسمى بالاستخدام، أو أنه على حذف مضاف أي ونصف ونحوه. قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ). وكذلك هذه الآية إما أن يراد ومثله يرثها، يعود الضمير على لفظ الأخ دون معناه؛ لأن من مات كيف يرث؟ قلت: وحاصل جواب العقباني أنه قال: القضايا الشرطية لَا يشترط في جوابها الإفادة، وإنما يشترط الإبداء بجوابها، والجواب: (فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، فإن قلنا: ما فائدة قوله (اثنَتَينِ) بعد قوله (فَإِن كَانَتَا)؟ فأجاب أبو حيان عن الفارسي: بأنه أفاد اثنين بالإطلاق أعم من كونهما صغيرتين أو كبيرتين. ابن عرفة: وتقدم لنا الجواب عنه بالفرق بين ذكر المطلق لَا يفيد جواب الفارسي بعبارة أخرى فتأمله حاسر وبين ذكره مقيدا بالإطلاق فذكره لَا يقيد قابل بالتقييد بالصغير والكبير، والغني والفقير، ثم أخبر عن ذلك الضمير بلفظ التثنية المطلق لا تقيد بشيء فالمحكوم عليه أعني المخبر عنه مطلق قابل للتقييد، والمخبر به مطلق بعدم القبول للتقييد أي يقيد بالبقاء على الإطلاق، وفرق بين المطلق لَا يقيد وبين المطلق يقيد، قلت: ونحوه ذكره ابن التلمساني شارح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة من الباب الأول. قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا). قال أبو حيان: (أَن تَضِلُّوا) إما مفعول من أجله أي كراهة أن تضلوا، قال ابن العربي: وفيها إشكال وهو أنه يلزم عليه الخلف في الخبر لاقتضائها أن بيان ذلك حسب وقوع الإضلال، وقد نقل المفسرون أن عمر بن الخطاب جمع الصحابة رضوان الله عليهم، ثم أرادوا أن يقضى في الكلالة، فخرجت حبة فتفرقوا على غير شيء فقد وقع الضلال.

стр. 520

ورده ابن عرفة بإعراب (أن تضلوا) مفعولا به أي يبين لكم ضلالكم بين أعم وقوع الضلال منهم لعدم فهم الكلالة، وقد وقع ذلك وهو اختلافهم فيها، وأورد السهيلي أن الآية المتقدمة أول النساء وقع الإجماع فيها على أنها في الإخوة كلهم وهم لا يرثون إلا مع عدم الولد، واكتفى بها بلفظ الكلالة عن النص على نفي الولد، والوالد وهذه الآية اشترط فيها نفي الولد مع الأخت أيضا ترثه مع وجود البنت، فهلا كان الأمر بالعكس، ثم أجاب السهيلي بوجهين (١).

стр. 521

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (العقود) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... (١)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الوفاء هو الزيادة على الأمر الواجب، وهو الإتيان بالمطلوب وزيادة، والمراد هنا: الإتيان بالقدر الواجب فقط، والأمر للوجوب فكيف صح التكليف بإيجاب الزيادة عما كان التزمه، وأجيب: بأن ذلك فيما يتعدى [بفي*] فيقال: وفى الكيل ووفى الوزن، وأما حيث يتعدى [بالباء*] فإنما يراد به الإتيان بما كان التزمه فقط، فيقال: وفى بدينه ووفى بعهده، قلت: أو يجاب بأن ذلك وفَّى المشدد فهو المقتضي للزيادة لأجل المبالغة، وأما المخفف فهلا قال: ويدخل في هذا جميع العقود والطلاق إن كان معلقا مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، والوعد؛ لأنه من العقود، وكذلك بيع الخيار. قال الزمخشري: والعقد العهد الموثق فشبه بعقد الحبل، ونحوه قول الحطيئة: قَوْمٌ إذا عَقَدوا عَقْداً لَجارِهِمُ ... شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوقَهُ الكَرَبا والعناج: حبل يربط في أسفل الدلو، والكرب: حبل يربط على العرفين وهما عودان مصلبان في فم الدلو. قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ). قيل لابن عرفة: نقل بعضهم عن سيدي الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله المرجاني كان يقول: هنا فعل الطاعات سبب في تحليل الطيبات، كما أن المعاصي والمخالفات سبب في تحريم المحرمات، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) قالوا: فالعقود سبب في تحليل هذه الأشياء، فقال ابن عرفة: إنما يصح هذا لو كان خيرا وليس كذلك، بل هو أمر بالوفاء يحتمل الامتثال وعدمه، وأكثر النَّاس عصاة لَا يمتثلونه، قلت: وذكرته لشيخنا أبي الحسن محمد بن أحمد المطرفي، فقال: إنما سمعت أنا عن المرجاني أنه كان ما نصه قوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ) بعد قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تشديد وتشبيه على عدم المبالاة بالجاني في عقوبته على عدم الوفاء كأنه يقول: أما بهيمة الأنعام حلال لكم تسخرونها كيف شئتم وتعذبونها بالذبح والنحر متى شئتم من غير معصية منها لكم في أمر أو نهي، ولا يسمون بقتلها جائرين، وكل حكم فيها عدل، فإن كان هذا وصفكم مع أملاككم التي ملكناها لكم فكيف وصفنا معكم، وملكنا لهم [بالاختراع*] لَا بالتمليك، و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فإني لَا أبالي بعقوبة من خان ولا بثواب من أوفى وأنتم لتمام ما

стр. 522

تصنعونه بأملاككم ولا شعورها به قبل وقوعكم، ونحن من صفتنا الكرم حذرناكم من عقابنا قبل وقوعه واسيناكم بجميل [إحساننا*] على قيامكم بأحكامنا مع اتصافنا بالعدل، ولا استحقاق لكم علينا خلقنا من شئنا منكم للخير، وخلقنا من شئنا منكم للشر، وإياكم والعبث علينا في أحكامنا فيكم بها عدل، وإياكم وطلب التعليل وسوء الأدب (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، انتهى. قيل لابن عرفة: كيف هذا التحليل؟ وهل كانت محرمة [أولًا*]؟ فقال إن قلت: إن الأشياء كانت على الحصر فظاهر، وإن قلنا إنها على الأرجح، فالسؤال وارد؛ لأنه لا فائدة فيه، قيل به: وكذلك إن كانت على الحصر؛ لأن هذه السورة مدنية من آخر ما نزل، وقد كانت هذه الأشياء حلال في أول الإسلام، فأجاب بوجهين: الأول: إشارة إلى ما كانت عليه الجاهلية من تحريم السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي، فاقتضت هذه الآية تحليل ذلك كله للمسلمين. الثاني: في ذكر التحليل ليرتب عليه أشباه هذه الأمور المخرجة منه. قوله تعالى: (بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ). جعله الزمخشري من إضافة الأعم من وجه إلى وجه من وجه، مثل: عندي خاتم حديد، وكان بعضهم يقول: الصواب أنه من إضافة الأعم مطلقا إلى الأعم من وجه، والأول أجود من الثاني؛ لأن هذا قليل الوقوع بخلاف الأول. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَحكُمُ مَا يُرِيدُ). قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: هذه الآية دليل على إبطال العمل بالقياس؛ لأن الإرادة من شأنها التفريق بين المتماثلين، والجمع بين المختلفين، وإنما الذكر من خصائصها جواز ذلك لَا لزومه. قال ابن عرفة مرة أخرى: وانظر هل فيها دليل على أنه لَا يأمر إلا بما أراد؟ وأجيب: بأن المعنى أن الله يحكم ما يريد الحكم به لَا ما يريده في نفسه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ... (٢)﴾ قال ابن عرفة: إن قلت: لم كرر النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهلا اكتفى بالأول فيقال: [ولا تحلوا شعائر الله*]؟ فالجواب: أنه إذا قلت: قام زيد وعمرو توهم تبعية أحد الرجلين للآخر في القيام، فإذا أردت نفي هذا التوهم، قلت: قام زيد وعمرو فأفاد

стр. 523

استقلال كل واحد منهما بالفعل، واستغنائه به عن صاحبه من غير تبعية، فكرر النداء هنا اعتناء بهذا الحكم وتعظيما له. قوله تعالى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ). ابن عرفة: إما أن يريد لَا تجعلوها حلالا، أو يريد لَا تفعلوا فيها ما يفعل في الحلال، فالأول يتناول من يفعلها مستحلا لها معتقدا لحليتها فهو كافر، والثاني يتناول عصاة المؤمنين، وفي مثله قال الشيوخ في قول مالك ﵀ في المدونة في كتاب الفرائض: ولا أحب معارضة من يستحل الحرام أو من لَا يعرف الحلال من الحرام، قالوا: معناه من يفعل الحرام كونه حلال مثل سائر العصاة؛ لأنه يعتقد أنه حلال فإن ذلك كافر. ابن عرفة: قالوا: وهل في الآية اللف والنشر أم لَا على مذهب السكاكي ففيها النشر واللف بالانتقال عن الخطاب المعنوي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى الغيبة، بقوله (شَعَائِرَ اللَّهِ)، ولم يقل: شعائرنا، وإما على مذهب غيره فليس بلف ولا نشر، ووجه اللف والنشر فيها أن اسم الجلالة فيه تعظيم للشعائر وتفخيم لها بخلاف ما لو قال. شعائرنا. قوله تعالى: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ). قال ابن عرفة: اختلفوا فيمن حلف أنه يصوم الأشهر الحرم، فقيل: تجزئة صومها من عام واحد، وقيل: لَا يصومها إلا من عامين عملا بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع: "السنة اثنا عشر شهرا أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب" انظر فبدأ بذي القعدة فدل على اعتبار كونها في سنتين. قوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ). إن أريد بالهدْي العموم؛ لأن منه ما يقلد وما لَا يقلد، فالإبل والبقر تقلد بلا خلاف، والغنم عندنا لَا تقلد، وعند غيرنا تقلد فيكون من عطف الخاص على العام،

стр. 524

وقيل: (الْقَلَائِدَ) ما يتقلد من الثياب من خرج من الحل برسم الحاج علامة على إحرامه، وقيل: ما يتقلد به من خرج من الحرم في حوائجه من ثياب الحرم. ابن عرفة: فإن قلت: كيف يتقلد بثياب الحرم وقد قال في الحديث في مكة: أنها حرام لَا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها؟، فالجواب: أنه يتقلد بما نبت فيه من الريح لا بما ينبت بنفسه. قوله تعالى: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ). ابن عرفة: الألف واللام للعهد للبيت هو إما عهد سابق في الزمن، أو عهد معلوم بالسياق، وسميت حراما إما لحرمة بانيها، أو تعظيمه إياها، وإما لأنها في الحرم مع أن الحرم إنما سمي حرما لأجلها، قال: وعظم البيت هنا محصل قصد الحاج، وقال في الحديث: معظم "الحج عرفة" وهذه الآية اقتضت أن معظمه البيت الحرام، فأجاب بوجهين وباعتبارين: معرفة معظم الحج من ناحية أن له زمنا معينا يفوت بفواته، والبيت معظمه لأجل الطواف به دائما، [ولأجل أن من مرض في الحج يؤجله إلى أن يبرأ*]، ولأجل أنه يقصد في الحج والعمرة، فله عبادتان بخلاف عرفة. قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا). وقال في سورة الفتح (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) وأجاب ابن عرفة: بأن تلك في الصحابة، وكانت عبادتهم لله تعالى لذاته ومجرد جلاله وعظمته، وهذه الآية خاصة في المؤمنين وعبادتهم في الأكثر إنما هي للثواب والنجاة من العقاب، فعبادتهم لابتغاء الفضل والرحمة من ربهم فناسب لفظ الرب، قال أبو حيان: و (يَبتَغُونَ) صفة لـ (آمِّينَ)، (البَيتَ) مفعول به، فأورد أن اسم الفاعل إذا وصف لَا يعمل، وأجيب بأن ذلك إذا وصف قبل العمل، وهنا إنما وصف بعد العمل. ابن عرفة: وقال بعضهم: إذا وصفه بعد العمل يتم عمله فيما قبل، ولا يصح عمله بعد ذلك في شيء آخر، قال أبو حيان: [**فرده المختصر مذهب الكسائي].

стр. 525

ابن عرفة: وله أن يجيب بأن يكون مراده أن يكون بالاختيار المختار فيفيد المذهب المختار، كذا فلا ينافي أن يكون ثم مذهب آخر غير مختار وهو مذهب الكسائي، أي وليس مراده أن اختيار النَّاس الكل في المسألة كذا. قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ) ابن عرفة: قال بعضهم: الشنآن هو المباينة الناشئة عن العداوة والبغضاء، والصواب أن اتصافه للفاعل بغض قوم إياكم؛ لأن المراد بغضكم قوم. قوله تعالى: (أَنْ صَدُّوكُمْ). قرئ بفتح أن وكسرها، قال بعضهم: أن بمعنى إذا. قوله تعالى: (أَنْ تَعْتَدُوا). والاعتداء إن فعل بمن ظلمه أكثر مما فعل هو به وهذا خلاف قول مالك. لأنه حمل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك"؟ فقال: لَا يجوز لمن ظلمك بأخذك عشرة دنانير أن تأخذ أنت له عشرة دنانير فأخذ بظاهر الحديث، وقال غيره: الخيانة هي أخذه أكثر من ذلك، قيل له: فقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) فقال: ذلك على سبيل المقابلة، والاعتداء إنما هو التجاوز والزيادة على فعل المعتدي. قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). قال ابن عرفة: قال بعضهم: البر هو الحكم بامتثال المأمورات، والتقوى راجعة إلى اجتناب المنهيات. قيل لابن عرفة: هذا يقوم مقام (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، فأجاب بعضهم بأنه بناء على القول بأن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده.

стр. 526

وقال ابن عرفة: الإيضاح إلى هذا، وإنما الجواب أنه لَا يلزم من التعاون على البر والتقوى بترك التعاون على الإثم والعدوان، لأنا نجد بعض المرابطين يطيع في شيء ويعصي في شيء، فقد [يتعاونون*] على البر والتقوى، وعلى الإثم والعدوان. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... (٣)﴾ قال ابن عرفة: هذا إما خبر، أو إنشاء، فإن أريد الحكم بثبوت ذلك في الأزلي فهو خبر، وإن أريد التكليف بتحريم ذلك فهو إنشاء، وقدمت (الْمَيْتَةُ) إما لكونها كانت محرمة عندهم وكانوا يجتنبونها. قوله تعالى: (وَالدَّمُ). يتناول المسفوح وغيره، فيتعارض المفهوم والعموم، وجعله ابن عرفة من تعارض المطلق والمقيد لكن الصحيح الأول؛ لأنه لو كان كذلك لاتفق على جواز الدم غير المسفوح، إذ لَا خلاف في رد المطلق إلى المقيد وهو هنا مختلف فيه فيرجع إلى المسألة المختلف فيها وهي تعارض المفهوم، فقلت: وقال ابن عرفة مرة أخرى: إن القاضي ابن [ ... ] جعله من تعارض الخاص والعام؛ لأن الدم هنا عام وفى العام خاص، ورده ابن عرفة، لأنه من تعارض العموم والمفهوم؛ لأن قوله (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) يدل بمفهوم الصفة على تحليل الدم غير المسفوح، قلت: وأجاب شيخنا أبو العباس أحمد بن إدريس بأن (مُحَرَّمًا)، من قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) نكرة في سياق النفي فهو عام، فيدل على أن جميع الأشياء حلال أخرج منها الدم المسفوح وبقي غير المسفوح حلالا بالنص لَا بالمفهوم لتعارض الخاص والعام، وردَّ ابن عرفة بأن هذا أيضا من باب دلالة المفهوم، وقد ذكر الأصوليون مفهوم الحصر، وهو عندهم أقوى من مفهوم الصفة، قال: وأيضا فينعكس الأمر في هذا؛ لأن دعواكم لَا أجد مقتضى تحليل كل فيبقى إلا ما استثني منه، وقوله ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) يقتضي تحريم مفهوم الدم فتكون هذه الآية أخص من آية الأنعام فيلزم تحريم الدم كله، وهو خلاف مطلوبنا ومطلوبكم.

стр. 527

قوله تعالى: (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) قال ابن عرفة: شحمه محرم بالنص؛ لأن مالكا قال فيمن حلف ألا يأكل الشحم فإن أكله حنث، وإن حلف لَا يأكل الشحم فله أن يأكل الشحم ولا يحنث، قال: وهل يدخل فيه خنزير الماء أو لَا، فقال مالك: أنتم تسمونه خنزيرا، فقيل: كره التسمية، وقيل: حرمه لأجل التسمية، قال بعضهم: وسبب توقف مالك فيه تعارض عمومين: أحدهما: قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُم صَيدُ الْبَحرِ وَطَعَامُهُ) [فلما*] استثنى خنزيرا أولا، وقال هنا (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فعم خنزير البر والبحر. قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ). قيل لابن عرفة: هذه البقر تذبح في الفتن بين النَّاس، فقال: يجوز أكلها، وكذلك ما يذبح للجار، وأشار بعضهم إلى أن ابن رشد ذكره أظنه في الأسئلة، قيل: فما يذبح في المباهاة والافتخار ويكثرون منه كما يفعل أبو الفرزدق. لأن المؤرخين قالوا: إن غالبا أبا الفرزدق قد عاقر شحما من وسل الرياح فحضر الرياحي بعض إبله، ثم رفع يده، ولم يزل غالب الفرزدق ينحر إبله حتى أتى على آخرها ففضل بذلك على شحم، والفرزدق يكثر الفخر بهذا. قيل لابن عرفة: قد قال المؤرخون إن عليا بن أبي طالب ﵁ نهى عن الأكل من تلك الإبل. قال ابن عرفة: ويؤكل ما يذبح؛ لأنهم يقصدون ذبحه، لو لم يقصدوه لاكتفوا بشق بطنه وخنقه.

стр. 528

قوله تعالى: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) إن كان الأول فيما نفذت مقاتلته فقط فالاستثناء متصل، ويكون المراد أَن ما نفذت مقالته محكوم له بحكم الميت فلا يعتبر، فإنما استثني من غير منفوذ القاتل. قوله تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ). قال: كانت الأزلام ثلاث قداح في أحدها افعل، وفي الآخر لا تفعل، والثالث [مهمل*]، وقيل: سبعة منها أحكام [العرب*] وما يدور بين النَّاس من النوازل، وقيل: عشرة، سبعة منها خطوط لها [بعددها حظوظ*] يستقسمون بها [طلبا [للكسب والمغامرة] وثلاثة أفعال. قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ). قال ابن عرفة: اليوم هنا محتمل لثلاثة معان، فالنحاة يريدون به زمن الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل، ويحتجون بقول زهير: وأَعْلَمُ مَا في اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّني عَنْ عِلمِ ما في غَدٍ عَمِ والمفسرون هنا حملوه على وجهين: إما النهار الفاصل بين أمس وغد، وإما زمن الحال أو ما قرب منه ماضيا كان أو مستقبلا، وهذا يتم هذا، وأما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فيتعين حمله على الزمن المتطاول الذي وقع ودام. قوله تعالى: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي). إما تأكيدا للأول، وإما مغايرا له، والمغايرة بينهما من وجهين: أحدهما: أنه ذكر إشعارا يكون إكمال الدين مجرد نعمة وتفضل من الله تعالى بمنه، رد على من يقول بوجوب مراعاة الأصلح للعبد. الثاني: أن الأول راجع للأمور الأخروية الدينية، وهذا راجع بأمور الدنيا باعتبار الفتوحات والنصرة على الأعداء وأخذ الغنائم. قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

стр. 529

ابن عرفة: الرضا إما راجع للإرادة القديمة الأزلية، أو لصفة الفعل باعتبار الإبراز من العدم إلى الوجود، وقيل له: فقوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)؛ فقال: المراد لَا يرضاه حكما شرعيا بل يرضاه في الأزل تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد. قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ). أي غير مائل لعذر من الأعذار ليس له، ابن عطية: وقرئ غير [متجنف] (١) وهي أبلغ في المعنى؛ لأن تشديد [العين] (٢) تقتضي توغلا في المعنى ومبالغة وثبوت الحكمة. ابن عرفة: العكس هنا أولى؛ لأن مجانف منفي، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص، ونقل عنه السفاقسي وسكت عنه، والعجب منه كيف لم يتعقبه على علمه بالأصول أوأما أبو حيان فلم تكن له مشاركة في الأصول. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ... (٤)﴾ قال ابن عرفة: الاستثناء في القرآن باعتبار الاستقراء هو استعلام حكم ما فيه خصومة، والسؤال استعلام حكم ما ليس فيه خصومة، واستشهد بقوله تعالى: [(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) *]. قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ). رجح ابن عطية أن المراد بها الحلال سواء كان مستلذا أو لا. ابن عرفة: فيه نظر لاقتضائه أن المعنى أحل لكم الحلال فهو تحصيل الحاصل. قوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ). الزمخشري: فالمعنى في تعليم الكلاب الغاية، قال بعض الطلبة: يلزم عليه المفهوم وهو أنه في التعليم لَا يصح الاصطياد بكلبه، وأجاب ابن عرفة: بأن بلوغ الغاية إنما يشترط في التعليم لَا في حكم الصيد بالكلب المعلم. قوله تعالى: (تُعَلِّمُونَهُنَّ). أعاد ضمير الجماعة على الجمع الذي للكثرة، فهلا قيل: تعلمونها، كما قال (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ابن عرفة: تقدم لنا الجواب بأنه إشارة إلى أن التعليم لَا يمكن مع الكثرة، وإنَّمَا يمكن مع قلة الكلاب، أبو حيان: (مُكَلِّبِينَ)

стр. 530

حال، (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال ثانية، ومنعه أبو البقاء؛ لأن العامل واحد لَا يعمل في عملين حالين. السفاقسي: والصحيح جوازه، ومنعه أبو حيان، ولا يحسن أن يجعل حالا من الجوارح للفصل بينهما، (مُكَلِّبِينَ) وهي حال بغير الجوارح، وتعقبه السفاقسي بأن ابن عصفور أجاز تعدد الحال وتعددها جهة، ومثله بقولك: لقي زيد عَمراً مصعدا منحدرا، وأجازه ابن مالك إذا كان أول الحالين لثاني الاسمين لبقائه الفصل إلا أن يمنع مانع من جعل الأول للثاني ويؤمن اللبس فيجوز، كقول امرئ القيس: [خَرَجْتُ بها أَمشي تَجُرُّ وَرَاءَنا ... على أثَرَينا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ*] فتمشي أول الحالين وليس لما يليه نظير هذا. ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل تجر وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون حالا من فاعل خرجت، ومن الضمير فيها، ويحتمل أن يكون حالا من أعلم من لم يبلغ الغاية في التعظيم فاعل خرجت أصل، والرابط بينهما الضمير في قوله: ورافعا. لأنه معمول لتجر فهو من تمامه، كأنه قال: خرجت بها جارة وراءنا، كقولك: قمت وزيد مكرم أخانا، أي حالة إكرام زيد أخانا. قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ). قال الفخر: الأمر إما للوجوب أو للندب. ابن عرفة: تقدير كونه للوجوب أن يراد مطلق الامتناع لَا خصوصية الأكل؛ لأن تركه بعد اصطياده من باب إضاعة المال. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ). إما عند إرسال الجوارح لاصطياده، أو عند ذبحه إن أدركه حيا، أو عند الأكل منه. قوله تعالى: (سَرِيعُ الْحِسَابِ).
следующие страницы →