← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9675

مباحث في إعجاز القرآن

مصطفى مسلم

Полный текст (302 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الأول فصاحة القرآن وبلاغته أولا: تعريف الفصاحة والبلاغة: الفصاحة: في اللغة: الظهور والبيان، ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته، ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه واستبان (١)، ولسان فصيح أي طلق. وفي القرآن الكريم على لسان موسى عليه: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي [القصص: ٣٤]. وفصاحة الكلام في الاصطلاح: خلوصه من التعقيد، وفصاحة القرآن: كونه لفظا عربيا مستعملا مؤدّي المعنى بوجه لا تعقيد فيه (٢). نجد أن التعاريف كلها تدور حول الإظهار والوضوح مع الخلوّ من التعقيد. والبلاغة في اللغة: مأخوذة من البلوغ وهو الوصول إلى الشيء والانتهاء إليه. يقال بلغت المكان بلوغا: وصلت إليه. وفي الاصطلاح: البلاغة في الكلام: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ (٣). وقيل: أن يبلغ به المتكلم ما يريد من نفس

стр. 107

السامع بإصابة موضع الاقتناع من العقل والوجدان من القلب. وفي لسان العرب: رجل بليغ: حسن الكلام فصيح يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه .. وقال خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما قلّت ألفاظه وكثرت معانيه، وخير الكلام ما شوّق أوله إلى سماع آخره (١). وقال بعض المتأخرين: البلاغة: التعبير باللفظ الرائع عن المعنى الصحيح بلا زيادة ولا نقصان (٢). ونجد أن تعاريف البلاغة تدور معظمها حول: إيصال المعنى إلى قلب المخاطب بعبارة سهلة موجزة، مراعيا في ذلك مقتضى حال السامع بحيث يؤثر في نفسه، ويبلغ منها ما يريد القائل. وهو ما دل عليه التعريف الأول ولعله أرجحها. وهل من فرق بين الفصاحة والبلاغة؟ قال بعضهم: إنهما متعاقبان على معنى واحد. وذهب أغلبهم إلى التفريق فقالوا: إن الفصاحة من عوارض الألفاظ مع ملاءمة المعنى والبلاغة من عوارض المعنى، وهو تكميل المعنى باللفظ الذي يفهمه. فالبلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ. يقال: معنى بليغ ولفظ فصيح. يقول الخفاجي في «سر الفصاحة»: (والفرق بين الفصاحة والبلاغة: أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها فصيحة وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا) (٣).

стр. 108

ويقول: (فالفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ، وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف، وبوجود أضدادها تستحق الإطراح والذم، فمن هذه الشروط: ١ - أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج (١). ٢ - أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية على غيرها. ٣ - أن تكون الكلمة غير متوعرة وحشية. ٤ - أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية. ٥ - أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة. ٦ - أن لا تكون الكلمة قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره. ٧ - أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف). وإذا استعرضنا آيات القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس على تعريف الفصاحة والبلاغة، وشروط الألفاظ الفصيحة والكلام البليغ، لوجدنا كل آية قد تحققت فيها الفصاحة والبلاغة في أبهى صورهما، ولوجدنا أن معاني الكلمات تنساب إلى القلب قبل أن تبهرنا الألفاظ بجمالها الساحر، سواء في ذلك السور والآيات التي تلفت أنظارنا إلى الآفاق لنستدل على الصانع من لوحة إبداعه الرائعة أو الآيات المتعلقة بمبدإ البعث والنشور والموقف والحساب أو ما يتعلق منها بتنظيم شئون الحاكم مع رعيته، أو الأسرة وحقوق أفرادها، وغيرها من الأمور التي تولى القرآن الكريم الحديث عنها.

стр. 109

كل تلك الآيات عليها الصبغة الزاهية من البيان الرائع والجمال اللفظي في أبسط أسلوب وأوضحه وأقربه إلى الفهم والقلب. لقد كان معروفا ولا زال عند علماء البلاغة وأهل البيان أن هناك أمورا معيّنة وأحوالا خاصة يجيد فيها الشاعر أو الكاتب دون سواها. وحالته النفسية تلعب دورا في إعطاء الملامح والمزايا لإنتاجه، لذا عرف بعض الشعراء بجودة المديح والغزل وآخرون بالهجاء والذم، وكانت الأسبقية لآخرين في الشجاعة ووصف الحروب، ولغيرهم في الحكم ودقة التعبير عن المعاني العقلية أو النفسية. وكان إذا ترك أحدهم ما طبع عليه، وحاول أمرا لم يعتد عليه تناقصت قيمة شعره وإنتاجه وربما جاء بما يستنكر أو يستكره. لذا ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب. أما أن تلتزم الطبقة العليا في الفصاحة وذروة سنام البلاغة في كل صغيرة وكبيرة مهما اختلفت المواضيع وتباينت الأحوال وامتد الزمن فذلك ما لا نجده في إنتاج أحد من البشر، لأن البشر- كما يقول ابن عطية- يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بكل شيء علما، ولا يكون ذلك إلا للخالق ﷻ وتعالى شأنه، الذي أحاط بالكلام كله فيعلم مكان اللفظة وما يناسبها في الترتيب، وما يصلح أن يكون رديفا لها، فلذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة (١). والمتتبع لآيات القرآن الكريم من العارفين بأفانين البلاغة يجد فيه فنونها بأسرها، من إفادة المعاني الكثيرة باللفظ القليل، ومن ضروب التأكيد، وأنواع التشبيه والتمثيل، إلى ضرب الأمثال، وأصناف الاستعارة، وحسن المطالع والمقاطع والفواصل، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل،

стр. 110

وخلوه عن اللفظ الغث الشاذ الخارج عن القياس، والشارد النافر عن الاستعمال، إلى غير ذلك من أنواع الفنون البلاغية بحيث لا يرى المتصفّح للقرآن الكريم وتراكيبه المتمرّس في فنون البلاغة نوعا منها إلا وجده أحسن ما يكون، لا يقدر أحد من البلغاء الواصلين إلى ذروة البلاغة من العرب العرباء وإن استفرغ وسعه أن يحيط بأنواع قليلة منها. ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بمزايا بلاغات القرآن الكريم وإعجازه للثقلين. ثانيا: أمثلة على بعض الفنون البلاغية: ١ - إيجاز القصر: أ- قال تعالى في سورة النحل:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [سورة النحل: ٩٠]. - أمر الله في أول هذه الآية بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى في وسطها عن الفحشاء والمنكر والبغي، ووعظ في آخرها وذكّر، فجمع في هذه ضروبا من البيان وأنواعا من الإحسان. فذكر العدل والإحسان، والفحشاء والمنكر بالألف واللام التي هي للاستغراق، أي استغراق الجنس المحتوي على جميع أنواعه وضروبه. - وفي نهايتها الطباق اللفظي والطباق المعنوي، أما اللفظي ففي قوله (يأمر ... وينهى) وأما المعنوي ففي قوله: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وقوله: الفحشاء والمنكر والبغي، فإن الثلاثة الأواخر من القبيح. فطابق بين الحسن والقبيح مطابقة معنوية. - ثم بين خصوصية ذوي القربى بإعادة الإيصاء عليهم والإيتاء لهم ومع أن الأمر بالإحسان قد تناولهم.

стр. 111

- وبدأ بالعدل لأنه فرض، وتلاه بالإحسان لأنه مندوب إليه وقد يجب، فاحتوت الآية على حسن النسق، وعطف الجمل بعضها على بعض فقدم العدل وعطف عليه بالإحسان الذي هو جنس عام، وخص منه نوعا خاصا وهو إيتاء ذي القربى. - ثم أتى بالأمر مقدما، وعطف عليه النهي بالواو، ثم رتب جمل المنهيات كما رتب جمل المأمورات في العطف بحيث لم يتأخر في الكلام ما يجب تقديمه ولم يتقدم عليه ما يجب تأخيره. - ثم ختم ذلك كله بأمور مستحسنة ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة فاحتوت الآية على ضروب من المحاسن والقضايا وأشتات من الأوامر والنواهي والمواعظ والوصايا، ما لو بث في أسفار عديدة لما أسفرت عن وجوه معانيها، ولا احتوت على أصولها ومبانيها (١). ب- المثال الثاني على الإيجاز بسورة قصيرة من القرآن الكريم وهي سورة الكوثر وأقصر سور القرآن: فعلى الرغم من كلماتها القليلة المحدودة تضمنت من المعاني البديعة والفصاحة والبلاغة الرائعة التي اقتضت بها أن تكون مصداقا لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) [البقرة: ٢٣]. فمن هذه المزايا والنكات البلاغية في سورة الكوثر: ١ - أن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) دل على عطية كثيرة مسندة إلى معط كبير، ومن كان كذلك كانت النعمة عظيمة عنده، وأراد بالكوثر الخير الكثير، ومن ذلك الخير الكثير ينال أولاده إلى يوم القيامة من أمته، من غير ما وعد به الله وأعطاه في الدارين، من مزايا التعظيم، والتقديم، والثواب ما لم يعرفه إلا الله، وقيل إن الكوثر ما اختص

стр. 112

به من النهر الذي ماؤه أحلى من العسل وعلى حافاته أواني الذهب والفضة كعدد النجوم. ٢ - أنه جمع ضمير المتكلم، وهو يشعر بعظم الربوبية، فالعطاء يتناسب مع مقام الربوبية المشار إليها بضمير التعظيم. ٣ - أنه بنى الفعل على المبتدأ فدل على خصوصية وتحقيق. ٤ - أنه صدّر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم. ٥ - أنه أورد الفعل الماضي دلالة على أن الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة دون عطاء الآجلة، ودلالة على أن التوقع من سيب (١) الكريم في حكم الواقع. ٦ - جاء بالكوثر محذوف الموصوف، لأن المثبت ليس فيه ما في المحذوف من فرط الإيهام والشياع، والتناول على طريق الاتساع، لذا وردت الأقوال الكثيرة عن العلماء في تفسير الكوثر، فمن قائل نهر ومن قائل الأتباع ومن قائل الذكر ... والكوثر يشمل كل ذلك ويزيد، فهو الخير الكثير الموهوب من الرب العظيم. ٧ - اختيار الصفة المؤذنة بالكثرة (على وزن فوعل). ٨ - أتى بهذه الصفة مصدّرة باللام المعروفة بالاستغراق لتكون ما يوصف بها شاملة، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة. ٩ - وفاء التعقيب في الآية الثانية مستفادة من معنى التسبب لمعنيين: - جعل الإنعام الكثير سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته. - جعله لترك المبالاة بقولة العدو. فإن سبب نزول هذه السورة: ما روي أن العاص بن وائل قال إن

стр. 113

محمدا صنبور- والصنبور الذي لا عقب له- فشق ذلك على رسول الله ﷺ فأنزلت هذه السورة. ١٠ - قصده بالأمر التعريض بذكر العاص وأشباهه ممن كانت عبادته ونحره لغير الله. ١١ - تثبيت قدمي الرسول ﷺ على الصراط المستقيم وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم. ١٢ - أشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات: الأعمال البدنية والصلاة قوامها، والمالية ونحر البدن ذروة سنامها، للتنبيه على ما للرسول ﷺ من الاختصاص في الصلاة التي جعلت فيها قرة عينه، ونحر الإبل التي كان لا يجارى فيه، فقد روي أنه أهدى مائة بدنة فيها جمل في أنفه برة من ذهب. ١٣ - حذف اللام الأخرى لدلالة الأولى عليها. فلم يقل وانحر له أو لربك. ١٤ - مراعاة حق السجع الذي هو من جملة صفة البديع إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا بعيدا عن التكلّف. ١٥ - قوله (لربك) فيه لطيفتان: وروده على طريق الالتفات التي هي (أمّ) في علم البلاغة. وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر وفيه إظهار لكبرياء شأنه وإثباته لعز سلطانه. ١٦ - علم بهذا أن من حقوق الله التي تعبّد العباد بها أنه ربهم ومالكهم وعرّض بترك التماس العطاء من عبد مربوب ترك عبادة ربه. ١٧ - وفي الآية الثالثة علل الأمر بالإقبال على شأنه وترك الاحتفال بشانئيه على سبيل الاستئناف الذي هو حسن حسن الموقع، وقد كثرت في التنزيل مواقعه.

стр. 114

١٨ - ويتجه أن نجعلها جملة الاعتراض مرسلة إرسال الحكمة الخاتمة والاعتراض كقوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]. وعني بالشانئ العاص بن وائل. ١٩ - إنما لم يسمه باسمه ليتناول كل من كان في مثل حاله. ٢٠ - صدّر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم وعبّر عنه بالاسم الذي فيه دلالة على أنه لم يتوجه بقلبه إلى الصدق، ولم يقصد بلسانه الإفصاح عن الحق بل نطق بالشنآن الذي هو قرين البغي والحسد، وعين البغضاء ولذلك وسمه بما ينبئ عن الحقد. ٢١ - جعل الخير معرفة وهو (الأبتر) والشانئ كذلك، ليعلم أنه المعروف لدى الناس يقال له الصنبور) (١). ج- المثال الثالث في المقارنة بين كلام موجز من القرآن الكريم وبين كلام موجز ورد عن العرب: أما الآية الكريمة فقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]، وهو جزء من آية، ومعناها أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل به، كان ذلك داعيا إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم. ورد في هذا عن العرب قولهم: (القتل أنفى للقتل) وأبرز العلماء بلاغة العبارة القرآنية على الثانية بعشرين وجها أو أكثر هي: ١ - أن ما يناظره من كلامهم هو قوله: فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أقل حروفا، فإن حروفها اثنا عشر حرفا، وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر. ٢ - أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.

стр. 115

٣ - أن تنكير حياة يفيد تعظيما، فتدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦]. ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء. ٤ - أن الآية مطردة بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما. وإنما ينفيه قتل خاص، وهو القصاص ففيه حياة أبدا. ٥ - أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل، والخالي من تكرار أفضل من المشتمل وإن لم يكن مخلا بالفصاحة. ٦ - أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم فإن فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف (قصاصا) مع القتل الأول و (ظلما) مع القتل الثاني، والتقدير القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه. ٧ - أن في الآية طباقا معنويا، لأن القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف المثل. ٨ - أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت، محلا ومكانا لضده، الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، وذلك بجعل القصاص كالمنبع للحياة والمصرف لها، وذلك مستفاد من كلمة (في) الداخلة على القصاص. ٩ - أن في المثل توالي أسباب كبيرة خفيفة، وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت فصاحته، بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فجثت، ثم تحركت فجثت لا يتبين انطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة.

стр. 116

١٠ - أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر، ولأن الشيء لا ينفي نفسه. ١١ - سلامة الآية من تكرار قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعده عن غنة النون. ١٢ - اشتمالها على حروف متلائمة لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد، إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق. بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض، فهو غير ملائم للقاف، كذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعدها دون طرف اللسان. ١٣ - في النطق بالصاد والحاء والقاف حسن الصوت، ولا كذلك تكرار القاف والتاء. ١٤ - سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ الحياة فإن الطباع أقبل له من لفظ القتل. ١٥ - أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل. ١٦ - الآية مبنية على الإثبات، والمثل مبني على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان عنه. ١٧ - أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة، وقوله ولكم في القصاص حياة، مفهوم من أول وهلة. ١٨ - أن في المثل بناء أفعل التفضيل من فعل متعد، والآية سالمة منه. ١٩ - أن أفعل في الغالب تقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا، وليس الأمر كذلك، والآية سالمة منه. ٢٠ - أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا لشمول القصاص لهما، والحياة أيضا في قصاص الأعضاء، لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة، وقد يسري إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.

стр. 117

٢١ - في أول الآية (لكم) وفيها لطيفة، وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم (١). ٢ - ومن الفنون البلاغية: التتميم (٢): وهو على ثلاثة أقسام تتميم النقص، وتتميم الاحتياط، وتتميم المبالغة، وقد وردت الأقسام الثلاثة كلها في قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) [البقرة: ٢٦٦]. جاء أول هذه التتميمات في قوله تعالى في تفسير الجنة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ فلو قال جنة لكان كافيا، ولكن عندئذ تحتمل أن تكون جنة ذات أثل وخمط وشيء من سدر قليل، فإن لفظ الجنة يصدق على كل شجر مجتمع يستر بظل غصونه الأرض كائنا ما كان، ومن الشجر ماله نفع عظيم عميم كالنخيل والأعناب. فإذا كانت الجنة عظيمة الفائدة ثم احترقت كان أسف صاحبها أعظم ومصابه أفدح. ثم علم الله أن الجنة إن كانت من نخيل وأعناب ما لم تجر الأنهار من تحتها لم يثمر شجرها ولم ينتفع بسكنها ولم تكن لها حياة البتة، فتمم هذا النقص بقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. ثم علم الله أن الجنة لو جمعت إلى النخيل والأعناب كل الثمرات كان وصفها أتم ونفعها أعظم، والأسف على فسادها أشد فقال تعالى: لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، متمما لذلك تتميم مبالغة. ولما فرغ من أوصاف الجنة أخذ في وصف صاحبها: فوصفه بالكبر، لأنه لو كان شابا لرجا أن يخلفها بعد إحراقها،

стр. 118

لما يجد في نفسه من القوة وما يأمل من طول المدة فقال محتاطا وَأَصابَهُ الْكِبَرُ. ثم علم أنه إذا كان عقيما مع الكبر سلّاه عنها قرب المدة وعدم من يهتم بضياعه بعده فلا يشتدّ أسفه عليها، فقال محتاطا أيضا: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ. ثم علم أنه إذا لم يصف الذرية بالضعف احتمل الإطلاق أن يكونوا أقوياء، فيترجى إخلافهم لها، فيخفض ذلك من أسفه فقال محتاطا: ضُعَفاءُ. ثم لما فرغ من وصف الجنة أخذ في وصف الحادث المهلك لها بقوله : فَأَصابَها إِعْصارٌ. وعلم تبارك اسمه أن الإعصار لا يعجل فساد هذه الجنة، ولا يحصل هلاكها به إلا بعد استمراره عليها في مدة طويلة، وهو يريد الإخبار بتعجيل هلاكها فقال: فِيهِ نارٌ. ثم اقتصر من الرياح على الإعصار لكونه عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعجاج الكثيف الذي يعمي دوامه عيون الماء، ويطم الآبار والأنهار، ويحرق بسمومه ورهجه الأشجار، وإذا اتفق مع ذلك أن تكون فيه نار أدارها على المكان الذي يكون فيه بحيث لا ينصرف عنه، لأنه لا يقصد وجهة مقابلة فينصرف ما يكون فيه إليها. ثم علم الله أن النار يحتمل أن تكون ضعيفة فتطفأ لضعفها عن مقاومة ما في الجنة من الأنهار، ورطوبة الأشجار، فاحتاط لذلك بقوله: فَاحْتَرَقَتْ فنفى هذا الاحتمال، وأوجز تتميم المعنى المراد. وهكذا نجد أن الآية الكريمة قد تضمنت من الدقائق واللطائف ما يبرز الغرض المقصود من سوق المثل وهو إبراز عظيم أسف صاحب الجنة وتحسره على ما فاته منها، في حالة كان بأمس الحاجة إلى نتاجها وخيراتها. وكذلك المرائي بصدقته الذي ينفقها رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فإنه سيفقد هذا الثواب في وقت هو بأمس الحاجة إلى ما يثقل ميزان حسناته. ٣ - من الفنون البلاغية: التشبيه: قال تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ

стр. 119

نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) [يونس: ٢٤]. فإن في الآية عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضّيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس (١). يقول صبحي الصالح تعليقا على قول السيوطي: وإنه ليعنينا أن نقف قليلا عند تشبيه الحياة الدنيا، فلقد أصاب السيوطي في استخلاص وجه الشبه، وتقسيمه هذا التركيب القرآني إلى عشر جمل، أما موضع الجمال الحقيقي في هذا المشهد- مشهد الحياة القصيرة التي يوشك أن تزول- فلم يتتبعه السيوطي في تنسيق الجمل العشر، والصور التي تطويها كل جملة منها في أوقات يتفاوت عرضها الخيالي طولا وقصرا. لأن هذا التفاوت في العرض الخيالي تبعا لمراحل المشهد المصور لم تكن جزءا من التشبيه المركب، فما على السيوطي إلا أن يذكر المعنى العام للآية وقد وفق فيه وأجاد، وإن علينا نحن أن نشير إلى المراحل التي أبطأ فيها التصوير وتمهل، أو التي اندفع فيها وأسرع، حتى تم لهذا المشهد القرآني من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم من الإبداع بالريشة والألوان. لقد استخدمت في هذا المشهد الوسائل المقصرة لعرض مراحل النبات، فالفاء التعقيبية تطوي المسائل بسرعة عظيمة، ما كاد الماء ينزل من السماء حتى اختلط به نبات الأرض مباشرة، وأصبح فجأة في متناول الناس يأكلونه والأنعام تتمتع به، إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ

стр. 120

فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ (١). ولكن أهل هذه الأرض المتمتعين بنباتها البهيج يمتدّ بهم الغرور، ويلجّون في اللهو كأنهم يعيشون أبدا، وكأنهم يقدرون على إخلاد الأرض وإخلاد أنفسهم فيها، غارقين في متعها متقلبين في نعائمها، مسحورين بزخرفها، فاستخدمت (حتى) الدالة على امتداد الصور امتدادا يعرف أوله ويجهل منتهاه. وتتابعت أوصاف الغرور الإنساني تترى، لكل وصف منها تعبير متمهّل متبطّئ، فأما الأرض فشخصت مرتين، وقامت بحركتين، إذ أخذت بنفسها زخرفها كما تفعل العروس في جلوتها، وتطلبت الزينة تطلبا وسعت إليها سعيا فلم تزين ولكنها ازينت. وأما أهل الأرض فانتفخت أوداجهم زهوّا واختيالا وصعّروا خدودهم عجبا وكبرا وأيقنوا- وإن كان يقينهم ظنا وخيالا- أنهم في الأرض على كل شيء قادرون، ولكن الظن لا يغني من الحق شيئا. وهذه الآماد الطوال كلها ليست إلا ومضات خيالية تزول كما تزول الأطياف. ففي لحظة من ليل أو نهار يأتي تلك الأرض أمر الله فيطوي تلك الأخيلة الكواذب في وقت كلمح البصر بل هو أقرب، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس: ٨٢]. وانظر ما من زخرف وما من زينة، ثم انظر فالناس المغرورون أعجز من أن يتصوروا ولو بالخيال ربوعهم ومغانيهم في تلك الأرض التي أصبح نباتها حصيدا هشيما تذروه الرياح حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) (٢).

стр. 121

المبحث الثاني النظم القرآني (جزالته وتناسقه) ويقصد بنظم القرآن طريقة تأليف حروفه، وكلماته، وجمله، وسبكها مع أخواتها في قالب محكم، ثم طريقة استعمال هذه التراكيب في الأغراض مع أخواتها في قالب محكم، ثم طريقة استعمال هذه التراكيب في الأغراض التي يتكلم عنها، للدلالة على المعاني بأوضح عبارة في أعذب سياق وأجمل نظم. والفرق بين الأسلوب والنظم: أن دائرة الأسلوب أوسع وأشمل ولا يدرك الأسلوب بالجملة الواحدة (١)، بينما النظم يمكن إدراكه في الجملة الواحدة بل وحتى في الكلمة الواحدة. إن المتأمل في حروف القرآن الكريم وكلماته لا يجد فيها شيئا خارجا عن المألوف المتداول في لغة العرب قديما وحديثا، ولكن عند ما نتلو آيات الله نشعر أن للعبارة القرآنية كيانا خاصا بنى عليه تراكيبه ورسم معالم صورة نظمه الفريد على هذا الكيان الفريد. فالكلام كما عهدته العرب شعر ونثر وما هو بين الشعر والنثر وهو السجع، ولو كان لإنسان عربي أن يتكلم أو يكتب أو يعلم أو يشرع أو يلفظ لما خرج في نظم كلامه أو تأليفه عن أخذ هذه الأنواع المعهودة عند العرب.

стр. 122

ولكن القرآن جاء في ثوب غير تلك الأثواب وفي صورة غير تلك الصور، جاء نسيج وحده، وصورة ذاته، فلا هو شعر ولا هو نثر ولا هو سجع، وإنما هو قرآن، فالآية في النظم القرآني وهو ليست بيت شعر وجملة نثر ومقطع سجع، بل هي قطعة من القرآن لها بداية ونهاية متضمّنة في سورة، ولكل آية مقطع تنتهي به هو الفاصلة، وليست هذه الفاصلة قافية شعر ولا حرف سجع وإنما هي شاهد قرآني لا يوجد إلا فيه، ولا يعتدل في كلام غيره. إن النظم القرآني البديع بهر العرب بحسن مبادئ الآي والمقاطع وتماسك الكلمات واتساقها في التراكيب، وقد تأمّلوه آية آية وعشرا عشرا وسورة سورة فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها أو يرى غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى، بل وجدوا اتساقا بهر العقول وأعجز أهل الحكم والبلاغات، ونظاما والتئاما وإتقانا وإحكاما لم يدع في نفس واحد منهم موضع طمع حتى خرست الألسن أن تدّعي وتتقوّل. وأقروا في قرارة أنفسهم أن هذا ليس من قول البشر وإن أنكروا ذلك بألسنتهم. ومجيء النظم القرآني على هذا الشكل من الإتقان والإحكام إنما يعود- كما يقول ابن عطية- إلى أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحاط بالكلام كله علما إذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطة أي لفظة تصلح أن تبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا. فلهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة. ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ثم تعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة خاصة فيبدّل فيها وينقّح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل. وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن

стр. 123

يوجد أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام. وفيما يلي بعض مزايا النظم القرآني وأمثلة عليها: التناسق بين العبارة والموضوع الذي يراد تقريره: إن الذي يتمعن النظر في النظم القرآني يلاحظ التناسق الكامل والتآلف التام بين العبارة القرآنية والمعنى الذي يراد بيانه وتوضيحه؛ فالألفاظ في النظم يلائم بعضها بعضا وهي كلها متوجهة إلى الغرض المنشود بحيث إذا كان المعنى غريبا كانت ألفاظه غريبة وإذا كان المعنى معروفا مستحدثا كانت الألفاظ تناسبها. يقول بديع الزمان: فالكلام إذا حذا حذو الواقع وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة بحذافيرها. ويكون ذا قوة وقدرة إذا كان أجزاؤه مصداقا لما قيل: عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير بأن تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته ويمدّ كل بقدره الغرض الكلي مع ثمراته الخصوصية (١). وفي الأمثلة التالية نلقي أضواء على هذا الجانب: أ- لما أراد الله أن يصف حالة يعقوب ﵇ وهو يتأسف على يوسف ﵇، وكانت هذه الحالة غريبة في نظر أبنائه لأنهم لم يسدوا مكان يوسف، عبر عن هذه الحالة بكلمات غريبة كلها، فقال على لسانهم: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً [يوسف: ٨٥]، حيث أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة

стр. 124

إلى أخواتها؛ فإن التاء أقل استعمالا وأبعد عن أفهام العامة، والباء والواو أعرف عند الكافة وهي أكثر دورانا على الألسنة وأكثر استعمالا في الكلام. ثم أتى الله بأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار بالنسبة إلى أخواتها فإنّ (كان) وما قاربها أعرف عند الكافة من تفتأ. وهم ل (كان) وما قاربها أكثر استعمالا منها وكذلك لفظ (حرضا) أغرب من جميع أخواتها من ألفاظ الهلاك (١) فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاوز كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة أو الاستعمال توخيا لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف المعاني بالألفاظ ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم. ب- وفي هذا الباب قوله تعالى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ [الأنبياء: ٤٦]، في سياق بيان الضعف البشري أمام جبروت الخالق ﵎ فأراد بيان ضعفهم أمام العذاب الخفيف القليل فأتى بكلمات كلها تتجه إلى إظهار الغرض وهو وصف للعذاب بالقلة فأتى ب (إن) التي تفيد التشكيك في وقوعه، وأتى بكلمة (المسّ) بدل الإصابة أو الحرق فهو دونها في المرتبة ودون الدخول، وكذلك كلمة (نفحة) مع تنوينها المشعر بضعف العذاب وحقارته و (من) المفيدة للبعضية فلم يأتهم كل العذاب وإنما هي نفحة عابرة يسيرة من جزء صغير من العذاب، ثم العذاب لم يضف إلى اسم دال على القهر والجبروت بل أضيف إلى أرق اسم دال على الشفقة وهو (رب)، ثم أضيف الرب إلى مقرّب محبوب وهو ضمير خطاب رسول الله ﷺ . إن الكلمات كلها مسوقة إلى هدف واحد وهو وصف هذا العذاب بالقلة والضآلة والحقارة ليبيّن بالتالي أن المذنبين يندمون ويتأسفون على ما عملوا عند تعرضهم لنفحة بسيطة من عذاب الله وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.

стр. 125

وهكذا لو ذهبنا نستعرض الآيات القرآنية في موضوع من الموضوعات المذكورة فيه نجد هذا التناسق وهذا الانسجام بين المعاني والألفاظ المختارة لأدائها فلا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، بل الألفاظ تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها، كما أن الألفاظ عربيّة مستعملة جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة سلسة كالماء في السلاسة والعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة. ومن مزايا النظم القرآني اهتمامه بالجملة القرآنية واختيار المكان المناسب فيها للكلمة المعبرة: بالإضافة إلى ما ذكرنا سابقا عن التناسق بين العبارة والمعنى الذي يراد توضيحه فإن هنالك نوعا من التناسق الرائع بين الكلمات في الجملة الواحدة وبين الحروف في الكلمة الواحدة. فنظرة إلى تلك الحروف تبرز تناسبها لبعضها تناسبا طبيعيا في الهمس والجهر والشدة واللين والتفخيم والترقيق مما يشكّل أنغاما متناسقة متناسبة. وهذه الخاصية تعود بلا شك إلى طريقة اختيارها وسبكها وتناسب مخارجها. كما أن وضع الكلمة في الآية واختيار موقعها والتئامها مع جاراتها له الأثر الكبير في إعطاء هذا الجرس الخاص والإيقاع المؤثر في نفس السامع. ولا يقتصر وضع الكلمة في الآية على تأثيره في اللحن والنغم وإنما لهذا الموقع والوضع المناسب تأثير على المعنى وإبرازه، لذا نجد أن كثيرا من الباحثين اقتصروا على إبراز هذه الناحية دون الإشارة إلى ناحية اللحن والإيقاع. والحقيقة أن الكلمات القرآنية لها دور وضرورة في السياق للدلالة على المعنى، كما أن لها دورا في تناسب الإيقاع دون أن يطغى هذا على ذاك أو يخضع النظم لأحد الأمرين.

стр. 126

وفي الأمثلة التالية نرى اهتمام النظم القرآني في اختيار الكلمة المناسبة ذات الجرس المعين لأداء وظيفتها في الإيقاع كما أنها تؤدي في نفس الوقت دورها في تصوير المعنى وتشخيصه وإيضاحه على أتم صورة. أ- اختير كلمة (حرث) لتشبيه النساء به دون الأرض أو الحقل أو الزرع وغيرها من المترادفات وذلك في قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣]. ولعل اختيار هذه اللفظة دون سواها لما فيها من لطف الكناية في ذلك التشابه بين صلة الزارع بحرثه وصلة الزوج بزوجه في هذا المجال الخاص، وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث وذلك النبت الذي تخرجه الزوج وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح. بينما هذه اللطائف لا تستفاد من كلمة (الأرض) إذ قد تكون جدباء لا تصلح لحراثة الزرع وكذلك الحقل فإنه لا يدل على عمل المالك فيه بل تدل الكلمة على شيء جاهز لا دخل فيه لبذر الحارث. بذلك نلاحظ أن القرآن الكريم يتناول من الكلمات المترادفة أدقها دلالة على المعنى وأتمها تصويرا وتشخيصا للصورة وأجملها وأحلاها إيقاعا ووزنا بالنسبة إلى نظائرها. ب- ومن هذا القبيل كلمة (أغطش) في قوله تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) [النازعات: ٢٩]. فهي مساوية من حيث الدلالة اللغوية لأظلم، ولكن (أغطش) تمتاز بدلالة أخرى من وراء حدود اللغة فالكلمة تعبر عن ظلام انتشر فيه الصمت وعمّ الركود وبدت في أنحائه مظاهر الوحشة. ولا يفيد هذا المعنى كلمة (أظلم) إذ هي تعبر عن السواد الحالك ليس غير. ج- وحينما يصف القرآن الكريم دعوة امرأة العزيز للنسوة- اللائي تحدثن منتقدات عن مراودتها يوسف عن نفسه- إلى جلسة لطيفة في بيتها لتطلعهن فيها على يوسف وجماله فيعذرنها فيما أقدمت عليه، لقد قدمت لهن في ذلك المجلس طعاما ولا شك. ولقد أوضح القرآن هذا، ولكنه لم

стр. 127

يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهوة الجوع وتنتقل بالفكر إلى المطبخ بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه، ولكن بماذا يعبّر إذن؟ وأين في اللغة الكلمة التي تؤدي معنى الطعام ولا تمس الصورة بأي تعكير أو تشويه؟ لقد أبدع القرآن لذلك تعبيرا عجيبا رائعا حيث قال: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١]. (متكأ) كلمة تصور من الطعام ذلك النوع الذي إنما يقدّم تفكّها وتبسطا وتجميلا للمجلس وتوفيرا لأسباب المتعة فيه، حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتّكاء. ولعلها أدركت بغريزتها النسائية ما سيئول إليه أمرهن فاختارت هذا المتكأ مما يحتاج فيه إلى سكين وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً. د- وأحيانا يكون الاختيار للكلمة في مكان دون أماكن ويستبدل به غيرها لسرّ لطيف بالرغم من كون الموضوع واحدا، لكن الكلمة المختارة تعطي مدلولا خاصا لا يوفّيه حقّه إلا استعمال الكلمة القرآنية المختارة. فمثلا: جاءت الملائكة بالبشرى لزكريا ﵇ بيحيى، وأيضا جاءت بالبشرى للسيدة مريم العذراء بالمسيح ﵇. لكن وضع المبشّرين مختلف، وتلقّي الخبر منهما يكون له رد فعل يغاير ما في نفس الآخر، واستغراب كلّ منهما يكون لجانب أشد التصاقا بحاله ووضعه. قال زكريا ﵇ عند ما جاءته البشرى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [آل عمران: ٤٠]. وقالت مريم ﵍ عند ما جاءتها البشرى: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧]. ورد في كلام زكريا ﵇ لفظ الغلام وهو الموافق والمطابق لحاله لأنه رجل متزوج ومن شأن المتزوجين كما هي العادة أن يولد لهم، ولكن الغريب في الأمر والمعجزة أن يولد له في هذه السن المتأخرة من حياته وامرأته عاقر فكانت الكلمة التي تؤدي الغرض ووجه الاستغراب هي كلمة (غلام).

стр. 128

أما مريم ﵍ فالتعجب في جانب آخر إذ إنها عذراء ولم يمسسها بشر ولم تك بغيّا، فالغرابة والمعجزة أن تلد وهي عذراء فكانت الكلمة المعبرة التي تؤدي المعنى بدقة وتوضح وجه الاستغراب لها هي كلمة (ولد) (١). فسبحان الذي أحاط علمه بسر اللغة ومكنوناتها أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. هـ- ومن هذا القبيل استعمال كلمة (قرية) تارة واستعمال كلمة (المدينة) في موضع آخر في سورة الكهف. فعند ما كان الحديث عن بخل ولؤم السكان جاء التعبير بكلمة (أهل قرية) لأن مادة (قرى) تدل على الجمع ومن مستلزماته الإمساك والبخل، بينما عند ما جاء الحديث عن الغلامين والخوف من ضياع كنزهما جاء التعبير ب (المدينة) لأن زحمة المدينة وكثرة الوجوه الغريبة فيها أليق بإضاعة المساكين والضعفاء، كما أن التحايل والغبن يكثر في المدن أكثر منها في القرى. وكل ذلك تجده في قوله تعالى: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما ... وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ... [الكهف: ٧٧، ٨٢].

стр. 129

وفي قصة يوسف ﵇ استعمل التعبير القرآني كلمة فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ولم يستعمل افترسه الذئب، علما أن الشائع في الاستعمال إطلاق كلمة الافتراس على مثل هذا النوع، وذلك للطيفة دقيقة وهي أن الافتراس من فعل السبع معناه القتل فحسب، وأصل الفرس: دق العنق، والقوم إنما ادّعوا على الذئب أنه أكله أكلا، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه فلم يترك مفصلا ولا عظما. وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إيّاهم بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه فادّعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة، والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى فلم يصلح على هذا أن يعبّر عنه إلا بأكل. وبالإضافة إلى اختيار الكلمة المناسبة لأداء المعنى المعيّن فإن النظم القرآني يهتم بالإيقاع والانسجام في اللفظ والنغم: فيؤتى بالكلمة وتوضع في مكان معيّن من العبارة بحيث لو تغيّر وضعها تقديما أو تأخيرا أو حذفا لاختل ذاك التناسق اللفظي وذاك الوزن الخاص. ففي قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ١٩ - ٢٠]. لو حذفت كلمة (الأخرى) لاختلّت الفاصلة ولتأثّر الإيقاع، ولو قيل أفرأيتم اللات والعزى ومناة الأخرى بحذف كلمة (الثالثة) لاختل الوزن أيضا. وكذلك قوله تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى، فلو قيل ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ضيزى، بحذف كلمة (إذن) لاختل الإيقاع المستقيم بكلمة (إذن). فكأن هذه الكلمات والحروف موزونة بميزان شديد الحساسية تميله أخف الحركات والاهتزازات. ومن هنا يبدو لنا بجلاء سبب إطلاق العرب الأوائل في بداية نزول الوحي اسم الشعر على القرآن الكريم، لأنهم لم يعهدوا هذه الحساسية وهذا الوزن وهذا النغم إلا في الشعر. ولكنهم عند ما قاسوه على أوزان

стр. 130

الشعر المعهودة لديهم، وجدوا القرآن الكريم- بالرغم من اشتماله على روعة الشعر وإيقاعه وحساسيّته وتآلف كلماته واستخدامه التصوير البارع في التعبير، والمنطق الساحر في الإقناع- لم يتقيد بقيود الشعر الكثيرة من قافية موحدة وتفعيلة تامة. لذا وجدوا أن القرآن الكريم ملك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة كما أنه بفواصله الخاصة به قد أوجد الإيقاع الخاص به فلم يملك قائلهم إلا أن يقول: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته.

стр. 131

المبحث الثالث الأسلوب القرآني الفريد ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد، ويقال للسطر من النخيل أسلوب، والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، والأسلوب الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه. وفي اصطلاح البلاغيين: هو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو هو العبارات اللفظية المنسّقة لأداء المعاني. فالأسلوب القرآني: هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه (١)، ولقد تواضع العلماء قديما وحديثا على أن للقرآن أسلوبا خاصا به مغايرا لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف. وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه (٢) (أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس، قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر- وكان أنيس أحد الشعراء- قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون).

стр. 132

ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام، فمن هذه الميزات: أولا: المرونة والمطاوعة في التأويل: نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانه راضية. فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكر، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه. وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرنا قد عراها كثير من التغيير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالدا بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطوّرة كثيرا من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين، وفي علم الله ما يكون من بعد. والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان

стр. 133

نصا في معناه كان أدنى إلى البلاغة، وكيفما قلبته رأيته وجها واحدا وصفة واحدة لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين، وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه. لقد فهم علماء السلف رضوان الله عليهم الآيات الكريمة: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) [القيامة: ٣، ٤]، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النازعات: ٣٠]، غير ما فهمه العلماء المتأخرون بعد تطور العلوم الطبيّة والفلكية ولم يبعد عن الصواب من قال: (الزمن خير مفسر للقرآن). وما ذاك إلا لأن القرآن كتاب الإنسانية الخالد الذي لا يستطيع جيل من الأجيال استفراغ ما فيه من كنوز العلوم والحكم والحقائق. ثانيا: اعتماد الأسلوب القرآني الطريقة التصويرية في التعبير: من السمات البارزة للأسلوب القرآني هو اعتماده الطريقة التصويرية للتعبير عن المعاني والأفكار التي يريد إيضاحها، سواء كانت معاني ذهنية مجرّدة، أو قصصا غابرة، أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات. إن الأسلوب القرآني يحمل تاليه إلى أجواء الصورة وكأنه ينظر في تفصيلات الصورة المجسّمة أمامه، وكأن المشهد يجري أمامه حيّا متحرّكا، ولا شك أن الفكرة أو المعنى الذي يراد إيضاحه يكون أقرب إلى الفهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجرّدا من تلك الصور الحية، ويكفي لبيان هذه الميزة أن نتصور هذه المعاني كلها في صورها التجريدية ثم نقارنها بالصورة التي وضعها فيها القرآن الكريم، فمثلا: أ- معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان: إذا أردنا أن نتصور هذا المعنى مجرّدا في الذهن يمكن أن نقول: إنهم ينفرون أشد النفرة من دعوة الإيمان فيتملّى الذهن وحده معنى النفور في برود وسكون. ولنمعن النظر في الأسلوب القرآني وهو يصوّر لنا هذا المعنى في هذه

стр. 134

الصورة الغريبة: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) [المدثر: ٤٩ - ٥١]. فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال وانفعال السخرية وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان، والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملّاها الخيال في إطار من الطبيعة تشرد فيه الحمر يتبعها قسورة، فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين. ب- ومعنى عجز الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله! يمكن أن يؤدى في عدة تعبيرات ذهنية مجرّدة، كأن يقول إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء فيصل المعنى إلى الذهن مجرّدا باهتا. ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصور المتحركة المتعاقبة: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً درجة، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وهذه أخرى، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ وهذه ثالثة، والاقتران بين الطالب والمطلوب ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ وهي الرابعة. إنه الضعف المزري الذي يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين، ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟. كلا فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ. والذباب صغير حقير ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل؛ إنها معجزة الحياة يستوي فيها الجسيم والهزيل. فليست المعجزة هي خلق الهائل من الأحياء إنما هي خلق الخلية الحيّة كالهباء. والصورة الفنية هنا هي الربط بين قدسية الآلهة المزعومة حيث

стр. 135

وضعت في أذهان معتنقيها في أقدس صورة والربط بينها وبين مخلوق صغير حقير. ولم يكتف بهذا الربط بل حشد لهذا المخلوق جموعا ضخمة فعجزوا عن خلقه، ثم في الصورة التي تنطبع في الذهن من طيرانهم خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وفشلهم مع اتباعهم عن هذا الاستنقاذ. ج- ومعنى انتهاء الكون ثم محاسبة الناس على أعمالهم ودخول المحسنين الجنة والمسيئين النار، ولذة أهل النعيم والترحيب بهم وشقاء أهل العذاب وتبكيتهم: كل ذلك يمكن أن يفهمها الإنسان مجردة وهي حقائق لم تقع بعد. فالتعبير عنها بكلمات مجردة تنقل الفكرة إلى الذهن باهتة. ولكن التعبير القرآني وضع لنا هذه الحقائق في إطار زاه حافل بالحركة، وكأن المرء- حين يقرؤها- يعيش أجواءها، وتنقبض النفس لمشاهدة الأهوال وتخضع لقوة الجبار وتتشوّق لمرافقة السعداء. فهذا مشهد يوم القيامة قال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) [الزمر: ٦٦ - ٧٥].

стр. 136

إنه مشهد رائع حافل، يبدأ متحركا ثم يسير وئيدا حتى تهدأ كل حركة ويسكن كل شيء ويخيّم على الساحة جلال الصمت ورهبة الخشوع. ويبدأ المشهد بالأرض جميعا في قبضة ذي الجلال، وها هي السماوات جميعا مطويّات بيمينه. إنها صورة يرتجف لها الحسّ ويعجز عن تصويرها الخيال، ثم ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقيا على ظهرها من الأحياء. ولا نعلم كم مضى من الوقت حتى انبعثت الصيحة الثانية فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وفي غير ضجيج وعجيج، تجتمع الخلائق. وذلك أنّ كل شيء في هذا المشهد يتم في هدوء ويتحرّك في سكون. فعرش ربك هنا تحف به الملائكة فما يليق الصخب في مثل هذا المقام. وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض، أشرقت بالنور الهادئ بِنُورِ رَبِّها فإذا هي تكاد تشف من الإشراق، وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ، وطوي كلّ خصام وجدال في هذا المشهد خاصة وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ. فلا حاجة إلى كلمة واحدة تقال ولا إلى صوت واحد يرتفع. وهكذا تجمل هنا عملية الحساب والجزاء، لأن المقام مقام روعة وجلال. وإذا تم الحساب وعرف المصير وجّه كل فريق إلى مأواه وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حتى إذا وصلوا إليها بعيدا هناك استقبلهم خزنتها بتسجيل استحقاقهم لها وتذكيرهم بما جاء بهم إليها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) فالموقف موقف إذعان واعتراف وتسليم قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢). وكذلك وجّه الذين اتقوا ربهم إلى الجنّة حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ وارتفعت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ. ثم يختم الشريط المصوّر بما يلقي في النفس روعة ورهبة وجلالا

стр. 137

تتسق مع المشهد كله وتختمه خير ختام وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) (١). ثالثا: طريقة الأسلوب القرآني المتميزة في المحاجّة والاستدلال: لقد أورد القرآن الكريم من أفانين القول في سياق محاجّة الكفار وتصحيح زيغ المحرّفين والوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ما يخرج عن طوق البشر الإحاطة بمثل هذه الأساليب في أوقات متقاربة أو متباعدة؛ فالنفس الإنسانية لا تستطيع التحول في لحظات عابرة في جميع الاتجاهات بل تتأثر بحالة معينة. ولا تستطيع التحول عنها إلى اتجاه معاكس إلا ضمن بيئة ملائمة. أما الأسلوب القرآني فيلاحظ فيه الانتقال في شتى الاتجاهات في لحظات متقاربة متتالية، وأحيانا تكون مترادفة. فمن مشرّع حكيم يقر الدساتير والأنظمة في تؤدة وأناة ورويّة، إلى وعيد وتهديد لمن يرغب عن التشريعات ويريه سوء المصير، إلى غافر يقبل توبة العبد إذا تاب وأناب، إلى معلم يعلم كيفية الالتجاء إلى الخالق بأدعية لا تخطر على البال، إلى مقر لحقائق الكون الكبرى، ومن مرئيات الناس ومألوفاتهم والتدرج بهم إلى أسرار سنن الله في الكون. لنتأمل قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) [الأنفال: ٦٧ - ٦٩]. هاتان الآيتان نزلتا بعد إطلاق أسرى بدر وقبول الفداء منهم. وقد بدأتا بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمتا بإقرارها وتطييب النفوس بها بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها.

стр. 138

فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام- لو كان عن النفس مصدره- يمكن أن يصدر عنها آخره ولمّا تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب وبين ابتسامة الرضى والاستحسان؟ إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضرابا عن الأول ماحيا له ولرجع آخر الفكر وفقا لما جرى به العمل. فأي داع دعا إلى تصوير ذلك الخاطر المحمود وتسجيله على ما فيه من تقريع علني وتنغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالا طيبة؟. إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن هاهنا شخصيتين منفصلتين وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أخطأت ولكني عفوت عنك وأذنت لك (١). ومن الأمور المميّزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه. تأمل في قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٦٧ أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ٦٨ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ٦٩ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ٧٠ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ٧١ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ٧٢ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ٧٣ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ٧٤ [الواقعة: ٥٧ - ٧٤]. ومثل هذه الإشارات ترد كثيرا في القرآن الكريم لتجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس

стр. 139

الإلهية في الوجود، يقرر بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورا كاملا لهذا الوجود كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير وحياة للأرواح والقلوب ويقظة في المشاعر والحواس. إن هذه الظواهر هي حقائق ضخمة ولكن الإلف والعادة بلّدت حواس الناس فلا تشعر بدلالاتها. إن الأنفس من صنع الله، وما حول الناس من ظواهر الكون من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده، وهذا القرآن قرآنه. ومن ثمّ يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم، يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لديهم التي يرونها ولا يحسّون حقيقة الإعجاز فيها لأنهم غافلون عن مواضع الإعجاز فيها. يمسهم الأسلوب القرآني بهذه اللفتات الاستفهامية المتتالية ليفتح عيونهم على السر الهائل المكنون، سرّ القدرة العظيمة وسرّ الوحدانية المفردة ليثير في فطرتهم الإقرار الأول في عالم الذر .. أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢]. إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره إنها المصدر الذي صدر منه الكون؛ فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق. والقرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني؛ المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل، الزرع، الماء، النار، الموت. وأي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي إنسان مهما كان بدائيا لم يشهد نشأة جنينية ونشأة حياة نباتية ومسقط ماء وموقد نار ولحظة وفاة؟. إن انفراد الأسلوب القرآني بهذه الميزات لهو دليل مصدره الإلهي فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.

стр. 140

فالحذّاق من الكتاب عند ما يقرءون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيرا من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة. ولا شك أن هذا إدراك شيء أعظم وأرقى من العلوم الظاهرة والتي تقف بأصحابها عند جودة الأسلوب ومتانته وقوة السبك ورصانته، فإذا كان الأدباء وأهل البلاغة يدركون هذه الحقائق بعد العلوم الاكتسابية التي تعلّموها ومارسوها فإن العربي الذوّاقة لأساليب الكلام وكان عمدة شغله وصناعته وأحد دعائم حياته فنون القول وتذوّق مواطن الجمال في الكلام، لا شك أنه كان من أعرف الناس بما وراء الألفاظ والكلمات وكان يدرك بنظرته السليمة وسليقته الصافية حقيقة الذات التي وراء الأسلوب. إن العربي الذواقة لجمال القول أدرك أسلوب القرآن المتميز وعرف أن سبب هذا التميز هو أن القرآن من مصدر غير مصادر كلام البشر ومن ذات غير مخلوقة لذا تميز الأسلوب عن أساليب المخلوق، فما دامت قوة الخلق والإبداع من العدم ليس في مقدور البشر بل وكل المخلوقات فلن يستطيع أحد منهم إيجاد أسلوب يشبه أو يقارب الأسلوب القرآني. ولعل هذا الإدراك هو الذي منع العقلاء وأهل الفصاحة واللسن من سائر العرب من محاكاة القرآن. ومن تعرّض لمحاكاته صار أضحوكة بين الناس لأنه حاول أن يخرج عن طبيعته وذاته ونفسيته إلى محاكاة الذات الإلهية. أورد الإمام ابن كثير في تفسيره قال: ( .. سأل الصدّيق بعض أصحاب مسيلمة الكذاب بعد أن رجعوا إلى دين الله أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة. فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرءوا عليه شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من

стр. 141

الهدى والعلم، فقرءوا عليه قوله: (والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما إهالة وسمنا، إن قريشا قوم يعتدون)، وقوله: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر ﵁: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل- أي إله) (١). لقد أدرك الصدّيق ﵁ بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها؛ إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق . فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق وبين المخلوق.

стр. 142

وجه دلالة الإعجاز البياني على مصدر القرآن من خلال استعراضنا لجوانب من بيان القرآن الكريم مما يتعلق بفصاحته وبلاغته ونظمه وأسلوبه، وذكر الأمثلة على ذلك من الآيات الكريمة، يتضح لكل منصف أن أفانين القول التي وردت في القرآن الكريم من فاتحته إلى خاتمته لا تخلو آية من آياته عن نكتة لطيفة أو حكمة طريفة أو بيان مفحم أو عبارة تأخذ بالألباب وتحير العقول بجمالها وبلاغتها. ولهذا كان بيانه كالسحر الحلال يستولي على عقل السامع ويسلبه إرادته ويسخره لأغراضه، ولهذا كان القرآن معجزا، أعجز الثقلين أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فكان المعجزة الخالدة المستمرة إلى يوم القيامة والحجة القاهرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. إن الأسلوب المتميز من بين الأساليب الذي اختص به القرآن الكريم، والنظم المحكم الدقيق الذي لا تكاد العقول تدرك بعض خصائصه إلا ويبهرها الجمال وتسيطر عليها الدهشة، مع استمرار الفصاحة والبلاغة من أول آياته إلى آخرها لدليل واضح على أن هذا الكتاب الكريم ليس من صنع البشر وإنما هو تنزيل من خالق القوى القدر وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٥ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ٦ [الفرقان: ٥، ٦]، وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ٣٧ [يونس: ٣٧].

стр. 143

الفصل الثاني الإعجاز العلميّ التّجريبيّ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣]

стр. 144

الإعجاز العلميّ (التجريبيّ) تمهيد: بين يدي البحث في الآيات الكونية: إن الهدف الأساسي للقرآن الكريم هو تبصير الإنسان بطريق الهداية ودعوته لسلوكها، إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ٩]. وجاءت هذه الهدايات والدعوة إليها بأساليب متنوعة، فمن مخاطبة للفطرة الإنسانية، ومن استدلال بواقع الأشياء المحسوسة، إلى مجادلة عقلية، إلى تذكير بعاقبة الأمم السابقة، إلى لفت نظر إلى واقع القصور البشري .. ولما كان المخاطبون هم جملة الناس بمختلف طبقاتهم وفئاتهم وعلى اختلاف مستوياتهم الفكرية والثقافية، جاء في القرآن الكريم من البراهين والأدلة والأمثال ما يعم الشرائح الاجتماعية على مختلف العصور والبيئات لأن المنطلقات الإنسانية محكومة بالفطرة والعقل والتجارب، وكل ذلك في دائرة المحدود الممكن، لذا كانت قواعد المخاطبات وأسسها العامة تعمّ كل من كان في عصر نزول الوحي ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ٥٤ [الكهف: ٥٤]. وإذا أدركنا هدف القرآن ومنهجه في الخطاب أدركنا أن ورود الآيات الكونية سواء ما يتعلق منها بالآفاق وما يتعلق منها بالأنفس البشرية شيء بدهي أيضا، لأن من فئات الناس المكلفين المخاطبين بالقرآن الكريم من ينصبّ جلّ اهتمامه على هذه الجوانب من مخلوقات الله، ولا بد من إقامة

стр. 145

الحجة عليهم وإظهار أن القرآن كلام الله المنزل على محمد ﷺ ليبشر به المؤمنين وينذر به قوما لدّا، ومن العسير أن تتذوق هذه الطوائف الجمال البياني وتدرك فصاحته وبلاغته لتعترف بالتالي أنه كلام الله المعجز ... ولكنهم يدركون أن هذه المعارف الإنسانية وهذه الحقائق الكونية لا يتصوّر أن يدركها بشر من ذاته، لأن كثيرا منها لم تكتشف إلا في عصور متأخرة جدا بعد التقدم العلمي في العلوم الكونية وبعد اختراع آلات دقيقة لم يكن للسابقين عهد بها. فإن ورود هذه الحقائق الضخمة والدقيقة في نفس الوقت على لسان رجل لم يكن له إلمام بمثل هذه العلوم دليل على أنه تلقّاها ممن يعلم السرّ في السماوات والأرض قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ٦ [الفرقان: ٦]. والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن مئات الآيات قد تحدثت عن سنن الله في هذا الكون ونظامه وألوان العناية الربانية بمخلوقاته فيه (١)، لذا كان لزاما على المهتمين بالدراسات القرآنية أن يولوا هذا الجانب اهتمامهم. إلا أن دراسات سابقة اتجهت هذا الاتجاه (٢)، من غير ضوابط، على الرغم من حماس أصحابها وصدق مشاعرهم قد أدت إلى نتائج عكسية، مما جعل كثيرا من الناس يحملون على هذا الاتجاه حرصا منهم على إبعاد القرآن الكريم من مجال الإخضاع للنظريات العلمية المتقلّبة، أو التعسف في تأويل النصوص أو تحميلها ما لا تحتمل من الدلالات (٣).
следующие страницы →