← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9675

مباحث في إعجاز القرآن

مصطفى مسلم

Полный текст (302 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الهدى والعلم، فقرءوا عليه قوله: (والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما إهالة وسمنا، إن قريشا قوم يعتدون)، وقوله: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر ﵁: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل- أي إله) (١). لقد أدرك الصدّيق ﵁ بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها؛ إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق . فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق وبين المخلوق.

стр. 142

وجه دلالة الإعجاز البياني على مصدر القرآن من خلال استعراضنا لجوانب من بيان القرآن الكريم مما يتعلق بفصاحته وبلاغته ونظمه وأسلوبه، وذكر الأمثلة على ذلك من الآيات الكريمة، يتضح لكل منصف أن أفانين القول التي وردت في القرآن الكريم من فاتحته إلى خاتمته لا تخلو آية من آياته عن نكتة لطيفة أو حكمة طريفة أو بيان مفحم أو عبارة تأخذ بالألباب وتحير العقول بجمالها وبلاغتها. ولهذا كان بيانه كالسحر الحلال يستولي على عقل السامع ويسلبه إرادته ويسخره لأغراضه، ولهذا كان القرآن معجزا، أعجز الثقلين أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فكان المعجزة الخالدة المستمرة إلى يوم القيامة والحجة القاهرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. إن الأسلوب المتميز من بين الأساليب الذي اختص به القرآن الكريم، والنظم المحكم الدقيق الذي لا تكاد العقول تدرك بعض خصائصه إلا ويبهرها الجمال وتسيطر عليها الدهشة، مع استمرار الفصاحة والبلاغة من أول آياته إلى آخرها لدليل واضح على أن هذا الكتاب الكريم ليس من صنع البشر وإنما هو تنزيل من خالق القوى القدر وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٥ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ٦ [الفرقان: ٥، ٦]، وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ٣٧ [يونس: ٣٧].

стр. 143

الفصل الثاني الإعجاز العلميّ التّجريبيّ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣]

стр. 144

الإعجاز العلميّ (التجريبيّ) تمهيد: بين يدي البحث في الآيات الكونية: إن الهدف الأساسي للقرآن الكريم هو تبصير الإنسان بطريق الهداية ودعوته لسلوكها، إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ٩]. وجاءت هذه الهدايات والدعوة إليها بأساليب متنوعة، فمن مخاطبة للفطرة الإنسانية، ومن استدلال بواقع الأشياء المحسوسة، إلى مجادلة عقلية، إلى تذكير بعاقبة الأمم السابقة، إلى لفت نظر إلى واقع القصور البشري .. ولما كان المخاطبون هم جملة الناس بمختلف طبقاتهم وفئاتهم وعلى اختلاف مستوياتهم الفكرية والثقافية، جاء في القرآن الكريم من البراهين والأدلة والأمثال ما يعم الشرائح الاجتماعية على مختلف العصور والبيئات لأن المنطلقات الإنسانية محكومة بالفطرة والعقل والتجارب، وكل ذلك في دائرة المحدود الممكن، لذا كانت قواعد المخاطبات وأسسها العامة تعمّ كل من كان في عصر نزول الوحي ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ٥٤ [الكهف: ٥٤]. وإذا أدركنا هدف القرآن ومنهجه في الخطاب أدركنا أن ورود الآيات الكونية سواء ما يتعلق منها بالآفاق وما يتعلق منها بالأنفس البشرية شيء بدهي أيضا، لأن من فئات الناس المكلفين المخاطبين بالقرآن الكريم من ينصبّ جلّ اهتمامه على هذه الجوانب من مخلوقات الله، ولا بد من إقامة

стр. 145

الحجة عليهم وإظهار أن القرآن كلام الله المنزل على محمد ﷺ ليبشر به المؤمنين وينذر به قوما لدّا، ومن العسير أن تتذوق هذه الطوائف الجمال البياني وتدرك فصاحته وبلاغته لتعترف بالتالي أنه كلام الله المعجز ... ولكنهم يدركون أن هذه المعارف الإنسانية وهذه الحقائق الكونية لا يتصوّر أن يدركها بشر من ذاته، لأن كثيرا منها لم تكتشف إلا في عصور متأخرة جدا بعد التقدم العلمي في العلوم الكونية وبعد اختراع آلات دقيقة لم يكن للسابقين عهد بها. فإن ورود هذه الحقائق الضخمة والدقيقة في نفس الوقت على لسان رجل لم يكن له إلمام بمثل هذه العلوم دليل على أنه تلقّاها ممن يعلم السرّ في السماوات والأرض قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ٦ [الفرقان: ٦]. والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن مئات الآيات قد تحدثت عن سنن الله في هذا الكون ونظامه وألوان العناية الربانية بمخلوقاته فيه (١)، لذا كان لزاما على المهتمين بالدراسات القرآنية أن يولوا هذا الجانب اهتمامهم. إلا أن دراسات سابقة اتجهت هذا الاتجاه (٢)، من غير ضوابط، على الرغم من حماس أصحابها وصدق مشاعرهم قد أدت إلى نتائج عكسية، مما جعل كثيرا من الناس يحملون على هذا الاتجاه حرصا منهم على إبعاد القرآن الكريم من مجال الإخضاع للنظريات العلمية المتقلّبة، أو التعسف في تأويل النصوص أو تحميلها ما لا تحتمل من الدلالات (٣).

стр. 146

إلا أن طرفي القضية قد وقع في محظور فالذين اتجهوا هذا الاتجاه من غير ضوابط تكبح جماح الفكر والخيال والسعي وراء النظريات قد أفرطوا ووقعوا في أخطاء ينبغي تنزيه القرآن الكريم من مثل ذلك، وكذلك الطرف الآخر الذين منعوا هذه البحوث وحاولوا سد الباب أمام الباحثين قد فرّطوا في مئات الآيات ولم يعطوها حقها في التدبر والبحث، ومنعوا الدعاة من حمل سلاح من أمضى الأسلحة في العصر الراهن لإقامة الحجة على ملاحدة العصر، وإثبات صحة الرسالة وصدق الرسول، هذا ما يجعلنا نضع ضوابط محددة قبل البدء في تقليب النظر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الآفاق والأنفس.

стр. 147

ضوابط في مبحث الإعجاز العلمي وتفسير الآيات الكونية في القرآن الكريم قبل البدء ببحث الآيات الكونية ينبغي أن نضع نصب أعيننا الضوابط التالية: ١ - القرآن كتاب هداية: إن القرآن الكريم كتاب هداية، هداية الناس إلى بارئهم للقيام بالدور الذي أوكل إليهم في خلافة الأرض ولأداء المهمة التي خلقوا من أجلها: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ٥٨ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقد سلك القرآن الكريم جميع الأساليب والمسالك العقلية والفطرية لحمل الإنسان على هذا الهدف فلفت الأنظار من أجل ذلك إلى الكون المحيط بأفلاكه وكواكبه وليله ونهاره وسهوله وجباله وبحاره وأنهاره وسحبه وأمطاره ونباته وأشجاره. ولفت النظر كذلك إلى أعماق النفس الإنسانية بعواطفها ومشاعرها وطاقاتها وقدراتها وإمكانات جوارحها، وارتفاعها أو إخلادها إلى الأرض. وشد الانتباه إلى ما يحيط بالإنسان مما هو مسخّر له لخدمته وتيسير المشقّات عليه من الحيوان والنبات والجماد ... فينبغي أن تبقى الدراسات القرآنية المتعلقة بالآيات الكونية في حدود هذا الغرض، ولا تؤثر على الهدف الأساسي للقرآن الكريم. ٢ - ترك الإفراط والتفريط: عدم التفريط في البحث في الآيات الكونية، وبشرط التقيد بالمنهج القرآني وعدم تحميل النصوص ما لا تحتمل، فلا ينبغي أن تهمل

стр. 148

التوجيهات بصدد ما في الكون المسخر لمصلحة الإنسان فإن أهملنا فقد فرطنا في مئات الآيات التي تشدّنا إليها شدا. إلا أن هذا الشد وهذا التنبيه ينبغي أن نقف عند حدوده فلا نتجاوزه إلى البحث عن دقائق خصائص هذه الأمور الكونية أو الإنسانية أو الحيوانية أو النباتية، فنفصل القول في ذلك ونجعل تفاسير القرآن وكأنها كتب لهذه العلوم المختصة ولا نترك شاردة ولا واردة ولا نظرة مستحدثة إلا ونربطها بتفسير الآية الكريمة. إن هذا العمل يخرجنا عن حدّ الاعتدال، كما يخرج القرآن الكريم والتفسير- الذي هو بذل الجهد في بيان مراد الله من الآية- يخرج كل ذلك عن الهدف الأساسي وهو أن القرآن الكريم كتاب هداية، وأن تفاسيرنا ينبغي أن تكون لشرح وبيان الأساليب المستخدمة لتحقيق هذه الهداية. ٣ - مرونة الأسلوب القرآني: الأسلوب القرآني في الآيات مرن يقبل وجوها في التأويل فينبغي أن يكون معلوما لدينا أن القرآن الكريم عند ما يعرض القضايا الكونية أو الجوانب المادية أو المعنوية في الإنسان أو ما يحيط به، يستعمل أسلوبا مرنا يقبل وجوها للتأويل. فعند إرادة فهم الكلمة القرآنية أو العبارة القرآنية لا بد من الرجوع إلى دلالات الكلمة الحقيقية والمجازية، واستعمالاتها في اللغة العربية، لتكون المعاني التي تحتملها الكلمة واضحة في الذهن عند الإقدام على تفسيرها في هذا المجال. ٤ - الحقائق العلمية مناط الاستدلال: الاقتصار على الحقائق العلمية في صدد تفسير الآيات بأن نبعد عن الساحة الفرضيات والنظريات العلمية التي لم تصل إلى درجة الحقيقة العلمية، وينبغي عدم ذكر النظريات ولو من باب الاستئناس بها، لأن ربط نظرية قابلة للتغيّر والإبطال بتفسير آية قرآنية يورث شعورا معينا لدى القراء، وفي حال ظهور بطلان هذه النظرية فلن يسلم الفهم الخاص بالآية من

стр. 149

تشويش واهتزاز، وكلام الله منزه عن أن يطرأ عليه مثل ذلك، ومن هنا كان خطأ بعض المفسرين الذين ذكروا الروايات الإسرائيلية- التي تدخل تحت نص: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» - عند ما وضعوها في تفاسيرهم وقرنوها بالآيات الدالة على ما هو قريب منها، حتى أصبح الناس ينظرون إليها على أنها تفسير للآية لا محيد عنه. ثم ظهر بطلان كثير من هذه الروايات ومناقضتها للحقائق التاريخية والكونية والفلكية مما هزّ ثقة الناس بالتفسير بالمأثور. ٥ - عدم حصر دلالة الآية على الحقيقة الواحدة: عند إحاطتنا بدلالات الكلمة اللغوية الحقيقة والمجازية واستعمالات العرب لها، إن وجدنا أن حقيقة علمية تؤيد إحدى هذه الدلالات، لا بأس عندئذ أن نرجح الدلالة التي أيدتها الحقيقة العلمية على أن لا نحكم بالبطلان والفساد على الدلالة التي رجحناها من جهة أخرى، فقد تكون الحقيقة العلمية التي رجحنا على ضوئها هذه الدلالة إحدى وجوه دلالات الآية، وظلالها ممتدّة إلى حقائق أخرى لم نتمكن من التوصل إليها حسب ثقافة عصرنا، إلا أن التقدم العلمي والحضاري كفيل أن يميط اللثام لنا عن جوانب أخرى. فمثلا قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ٤ [القيامة: ٤]. كان إلى ما يقرب من مائة سنة ينظر إلى دلالة (تسوية البنان) نظرة تختلف عن نظرتنا لها الآن بعد معرفة قضية البصمات، إلا أننا لا نبطل كلام السلف في معنى الآية، فالآية تدل على ما قالوه وما فهموه. والشعور الذي استقر في نفوسهم عن أن هنالك حكمة عظيمة في خلق البنان وتسويته على هذه الشاكلة شعور مرهف وصحيح، وإن كان فهمنا الآن لدلالة الآية على ضوء معطيات العلم الحديث أعمق وأدل، وكذلك فإن شعورنا في دقة صنعة الخالق وحكمته سليم

стр. 150

وصحيح. ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول: إن معنى الآية هو هذا فحسب، وليس بعد فهمنا لها فهم آخر، بل قد يكشف لنا المستقبل عن أسرار إلهية في البنان فوق ما تصورناه ووصلت إليه مداركنا العصرية، وتبقى الآية الكريمة مجال بحث الباحثين واستنباط المفكرين وبصمة إعجاز على جبين العصور بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ٤. ٦ - استحالة التصادم بين الحقائق القرآنية والحقائق العلمية: يستحيل التصادم بين الحقائق القرآنية وبين الحقائق العلمية لأنهما من مشكاة واحدة. وينبغي أن يكون من المسلّمات في أذهاننا أن الحقائق القرآنية المتعلقة بأيّ جانب من جوانب الكون أو الإنسان والحيوان والنبات- إذا كانت قطعية الدلالة- لا يمكن أن تصادمها حقيقة علمية توصّل الجهد البشري إليها بناء على جهود المختصين خلال التاريخ الحضاري للبشرية. وما يثيره بعض الناس من توهم بوجود تناقض فهو سوء فهم للحقيقة القرآنية بأن يتوهمها قطعية الدلالة ولا تكون كذلك، أو سوء فهم للحقيقة العلمية بأن يظنها حقيقة علمية وهي لا تزال في طور النظرية. ونحن نقول جازمين باستحالة وقوع مثل هذا التناقض، لأننا نؤمن بأن القرآن منزل من خالق السماوات والأرض وواضع سننه ومدبّر شئونه وأن الحقائق العلمية التي تكتشف هي من صنعه ووضعه في الكون، ولا يليق بحكمة الحكيم الخبير أن يخلق شيئا على هيئة معينة ثم يخبرنا بخلافها، حاشاه عن ذلك علوّا كبيرا أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ١٤ [الملك: ١٤]، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ٦ [الفرقان: ٦]. ٧ - اتباع المنهج القرآني في طلب المعرفة: من البر والحكمة سلوك سبل الأسباب للوصول إلى حقائق المعرفة «دخول البيوت من أبوابها» وعدم تعجل النتائج بأن نعلم أن الأمور مرهونة

стр. 151

بأوقاتها وأن خير مفسر للقرآن الزمن، وأن نضع نصب أعيننا قوله تعالى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة: ١٨٩]، فإنه التوجيه القرآني لسلوك المنهج الذي ينبغي أن يسلك في هذه المجالات. وبما أن أمور الكون قائمة على سنن خلقها الله ، وسيّر الكون بموجبها، فإن من تعرّف على هذه السنن أمكنه تسخيرها لمصالحه والإفادة منها في تيسير سبل العيش وإحراز التقدم المادي، بغضّ النظر عن معتقده وسلوكه، وذلك بمقدار ما يشاء الله ويخص بذلك من يريد. وهذه سنة الله في أمور الحياة الدنيا، فهي تعطى لمن أحبه الله ولمن لم يحبه، أما الآخرة والهدايات الربانية فلا تعطى إلا لمن يحبه الله. وإلى مثل هذا تشير الآيات الكريمة: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ١٨ وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ١٩ كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ٢٠ [الإسراء: ١٨ - ٢٠].

стр. 152

بدء الكون ومصيره يقول تعالى:* قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ٩ - ١٢]. في الآيات الكريمة إشارة إلى ثلاث حقائق كونية: ١ - خلق الأرض وتقدير الأقوات فيها في أربعة أيام قبل السماء. ٢ - أصل الكون المادي من الدخان. ٣ - الدورات التكوينية للأرض والسماء ومجموعها ستة أيام. إن العلوم الفضائية والعلوم الطبيعية لا زالت تحبو للتعرف على أصل الكون ونشأته والمادة الأولية التي تتكوّن منها الأجرام السماوية وطريقة تشكيلها. ولقد درسوا مليّا ما يقع على الكرة الأرضية من خارج مجالها من النيازك (١) والأتربة الكونية وما حصلوا عليه أخيرا من قطع من سطح القمر.

стр. 153

كل ذلك يؤكد وحدة أصل الكون المادي. وأصبح ذلك حقيقة علمية عندهم ولكنهم لم يستطيعوا تحديد الحالة الأولية لهذه المواد التي كانت عليها قبل تجمّعها في مجموعات من النجوم والكواكب والمجرّات ولن يستطيعوا ذلك إلا ظنا وتخمينا. يقول تعالى:* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) [الكهف: ٥١]. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل الموحد وساق حقائق كونية في غاية الوضوح، يقول تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ٣٠ - ٣٢]. ويفصل في آيات أخرى مراحل الخلق والتكوين، فيقول ﷻ : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١). لم يصل العلم الحديث للآن إلى معرفة أصل الوجود المادي للكون على الرغم من توصل العلم إلى نجاحات كبيرة في المسائل التطبيقية والاستفادة من دراسة خصائص المادة واستخدام الطاقات الكونية المختلفة. فنحن نعرف طرقا شتى لاستخدام الكهرباء في التدفئة والعلاج والإنارة وإدارة الآلات وتسيير القاطرات والسيارات وغير ذلك من الاستخدامات إلا أننا لا نعرف تماما ما هي الكهرباء. وقل مثل ذلك في الضوء والحرارة .. فنطلق على كل ذلك لفظا مبهما هو الطاقة التي أودعت بين ثنايا الكون وأرجائه المختلفة. «ويمكن أن يتحول بعضها إلى بعض، إلا أنه لا يمكن خلقها أو استحداثها من العدم». وعلى الرغم من محاولة العلم الحديث التعرف على اللبنات الأولى

стр. 154

التي ينبني عليها الكون المادي ومحاولة التعرف على الذرة، إلا أنه لم يخرج بطائل من دراسته هذه يقول العلم الحديث: قوام الذرات جسيمات متناهية في الصغر تتشابه في جميع ذرات العناصر المختلفة، ويتوقف على عددها وترتيبها داخل كل ذرة- بالإضافة إلى النواة- نوع المادة أو العنصر، وأبسط الذرات تركيبا على الإطلاق ذرة الإيدروجين وهو الغاز المعروف باسم الغاز الكوني، أو الغاز الذي خلقت منه الأجرام السماوية وتطورت عنه داخل الشموس والنجوم سائر المواد المعروفة. وقد كان المعتقد إلى عهد ليس ببعيد بين جمهرة العلماء أنّ الذرة غير قابلة للتجزئة إلى جسيماتها أو طاقاتها الأولية ... ولكن لما عرفت وسائل تحطيم الذرة في هذا العصر أمكن الجزم بإمكان اقتسام الذرة وانطلاق طاقات عظمى مما يدّخر بين ثناياها، أساسها الطاقة التي استخدمت في الأصل في ربط جسيماتها الأولية، فهل هذا الغاز الكوني هو الدخان الذي شكل أصل التكوين المادي أو أن المراد بالدخان هي تلك السدم الغازية الملتهبة التي تتجمع في ساحات هائلة من الكون تشكل نجوما أو مجموعات منها؟. والأمر الآخر في آيات «فصّلت» هو خلق الأرض ووضع البركة فيها وتقدير الأقوات في أربعة أيام، كل ذلك قبل تشكيل السماء وجعلها سبع سماوات. وهذه الحقيقة لا يستطيع العلم البشري أن يصل إليها إلا من طريق الوحي من خالق السماوات والأرض، لأن وسائل البشر محدودة فلا يستطيع أن يخترق بوسائله المادية حجب غيب الماضي ليعرف تكوين الأجرام الكونية والسابق منها عن اللاحق. وهنا لا بد من الإشارة إلى آيات سورة «النازعات» فقد يفهم بعضهم أنها تتعارض مع آيات سورة «فصلت». وقد ثار هذا الإشكال في عصر الصحابة رضوان الله عليهم:

стр. 155

في صحيح البخاري قال .. وقال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس ﵄ إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) إلى قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قول: طائِعِينَ فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، قال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً عَزِيزاً حَكِيماً، سَمِيعاً بَصِيراً فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس ﵄: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ في النفخة الأولى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وفي النفخة الأخرى وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ، وأما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثا وعنده يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية. وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى: دَحاها، وقوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ. فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السماوات في يومين. وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً سمى نفسه بذلك وذلك قوله: أي لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلفن عليك القرآن فإن كلا من عند الله (١).

стр. 156

يقول ابن كثير: (فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص. وفي قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء، فالدحو، هو مفسر بقوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها). أما الحقيقة الثالثة في آيات سورة «فصلت» فهي الدورات التكوينية للأرض والسماء ومجموعها ستة أيام. وقد اختلف المفسرون قديما في مقدار اليوم المقصود في الآيات الكريمة، فاليوم الاصطلاحي الذي ترتبط به الأحكام التكليفية من الصوم والصلاة والعدة وغير ذلك هو من مطلع الفجر أو الشمس إلى غروبها. إلا أن هذه المدة الزمنية المعيّنة لا تقدّر بهذا المقدار إلا بعد وجود الأرض والشمس ووجود دوراتهما في أفلاكهما. والحديث هنا عن خلق الأرض والسماء، فكيف تقدر قبل وجودهما؟!. هذا ما دفع بعض المفسرين للذهاب إلى تقدير تلك الأيام بفترات زمنية تتناسب مع أدوار التكوين. فعن مجاهد: يوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون. وهو يشير إلى قوله تعالى: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٤٧]. وجاء في سورة المعارج قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) [المعارج: ٤]. وفي سورة السجدة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) [السجدة: ٥]. ويذهب علماء الفلك المعاصرون إلى ما يطلقون عليه (النسبية الزمنية) وأن لكل كوكب وحداته الزمنية الخاصة به، وذلك يقدر بالنسبة لسبحها في الفضاء ودورانها في أفلاكها (١).

стр. 157

وإطلاق القرآن الكريم اسم اليوم على مقدار ألف سنة تارة وخمسين ألف سنة تارة أخرى يشير إلى مفهوم النسبية هذا. هذا ما جعل الباحثين في أصل تكوين الأجرام السماوية يطلقون اصطلاح الدورات التكوينية. فالدور الأول: كون الأرض مع السماء رتقا، ودور انفصال الأرض عن السماء هو الثاني، والدور الثالث والرابع هما دور تهيئة الأرض للحياة بإرساء الجبال فيها وتقدير الأقوات، وخلق الحياة. إلا أن تقدير هذه الدورات بالمدد الزمنية تتفاوت أقوالهم فيها، وهم في ذلك يتّبعون الظن وما هم بمستيقنين. يتساءل بعضهم: (هل يمكن أن يصل العلم إلى الزمن المحدّد الصحيح المؤكّد لخلق الأرض؟ هذا مستحيل .. فالتوقيت الزمني الذي خلقت فيه الأرض لا يوجد ما يدل عليه إطلاقا، وإذا وصل العلم إلى التوقيت السليم فسيكون هو الأقرب إلى الصحيح اجتهادا. وهل يمكن أن يصل العلم إلى الطريقة التي خلقت فيها الأرض، والأزمنة الصحيحة التي تطورت فيها منذ كانت دخانا إلى أن أصبحت صالحة لإقامة الإنسان؟ وكذلك بالنسبة للإنسان وخلقه .. والسماء وخلقها وما فيها ... ). فطالما أن الإنسان- أي إنسان- لم يشهد خلق السماوات والأرض وكذلك لم يشهد خلق نفسه ولا خلق غيره فكيف يعرف الحقيقة إذن؟ وصدق الله العظيم:* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) [الكهف: ٥١].

стр. 158

السماء يقول الله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) [الذاريات: ٤٧]. إن بناء الكون المادي المترامي الأطراف المشتمل على بلايين المجرات التي تحتوي كلّ مجرة منها بلايين الشموس والنجوم وما يتبع كل شمس أو نجم من كواكب وأقمار، وكل ذلك إلى جانب ما يعجّ به الفضاء من طاقات وإشعاعات مختلفة القدر والصفات، وقد اتسعت له مقدرة الخالق ، ولديه أكثر وأكثر يضاف إلى ذلك، إنا لموسعون السماء حين خلقنا الكون ابتداء على اتساع لا نهاية له، ولذلك فهو يتسع لكل المجرات مهما تباعدت عن بعضها بعضا. ومن الوجهة العلمية لم يثبت حجم الكون على حال منذ راح العلماء يقيسون أبعاده. ولقد جعل العلماء للنجوم أقدارا بحسب درجات بريقها أو لمعانه، وعدد النجوم التي يمكن أن ترى في القبة السماوية وتلمع بدرجات متفاوتة القدر بالنسبة للعين المجردة لا تزيد عن نحو ستة آلاف نجم تقريبا. وعند ما استخدمت المناظير الفلكية المكبّرة صوّر الفلكيون مجرّتنا وحدها على هيئة قرص أو عدسة، تقع شمسنا على بعد ٣٠ ألف سنة ضوئية من مركزها، ويبلغ قطرها نحو مائة ألف سنة ضوئية، أما سمكها فيبلغ زهاء ستة آلاف سنة ضوئية (١).

стр. 159

السماوات والأرض ويقول تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) [الرعد: ٢ - ٣]. ويقول تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) [لقمان: ١٠ - ١١]. الحقيقة الواردة في الآيتين في «الرعد» و «لقمان» حول السماء هو ذكر العمد، وذكر المفسرون تأويلين للآيات: - فمنهم من أثبت أن للسماوات أعمدة إلا أنها لا ترى. فمعنى الآية: الله الذي رفع السماوات- بغير عمد مرئية- وذلك بجعل جملة (ترونها) صفة ل (عمد) والضمير يعود إلى عمد. - ومنهم من ذهب إلى أن ليس للسماوات عمد أصلا، ويكون معنى الآية: الله الذي رفع السماوات كما ترونها، بغير عمد، وذلك بجعل جملة (ترونها) حالا من السماوات ويعود الضمير إلى السماوات. ويميل علماء الفلك المعاصرون إلى التأويل الأول فيقولون: إن الأجرام السماوية كلها قد بناها الخالق وجعل كل جرم فيه

стр. 160

بمثابة لبنة من بناء شامخ، ورفع هذه الأجرام كلها بعضها فوق بعض بقوى هي نوع القوة الطاردة المركزية، كما ربطها في نفس الوقت برباط الجاذبية العالية، والجاذبية تتعادل مع القوى الطاردة المركزية الناجمة عن الدوران في مسارات شبه دائرية أو قطاعات ناقصة، وهي بمثابة الأعمدة المقامة بالفعل. ورغم أننا لا نبصرها بأعيننا إلا أن ذلك لا يعني أن تلك الأعمدة غير موجودة بحال من الأحوال، فنحن نستطيع أن نتصورها في مجال كل جسم مادي وربما إذا منح شخص منا حاسة أخرى زيادة على ما لدينا من حواس يستطيع ذلك الشخص أن يرى تلك الأعمدة أو يحسبها تماما كما ندرك بحواسنا العادية أيّ جسم مادي عادي (١).

стр. 161

الأرض جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدث عن الأرض خصائصها ومزاياها مبدأ خلقها ونهايتها. يقول تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) [الزمر: ٥]. في «مفردات الراغب» في مادة (كور) (١)؛ كور الشيء: إدارته وضمّ بعضه إلى بعض ككور العمامة، وقوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ فإشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما. وفي «لسان العرب» (٢): وتكوير الليل والنهار: أن يلحق أحدهما بالآخر، وقيل تكوير الليل والنهار تغشية كل واحد منهما صاحبه، وقيل: إدخال كل واحد منهما في صاحبه، والمعاني متقاربة. وفي «الصحاح»: وتكوير الليل على النهار تغشيته إياه، ويقال زيادته في هذا من ذلك. وفي التنزيل العزيز: يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، أي يدخل هذا على هذا وأصله من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها. وكوّرت الشمس جمع ضوؤها ولفّ كما تلفّ العمامة، وقيل معنى كوّرت غوّرت.

стр. 162

يقول سيد قطب (١) عند تفسير هذه الآية: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ: (وهو تعبير عجيب يقسر الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض، ومع أنني في هذه الظلال حريص على ألّا أحمل القرآن على النظريات التي يكشفها الإنسان لأنها نظريات تخطئ وتصيب وتثبت اليوم وتبطل غدا، والقرآن حق ثابت يحمل آية صدقه في ذاته ولا يستمدها من موافقة أو مخالفة لما يكشفه البشر الضعاف المهازيل. مع هذا الحرص فإن هذا التعبير يقسرني قسرا على النظر في موضوع كروية الأرض، فهو يصوّر حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس. فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكوّر يغمره الضوء ويكون نهارا، ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار، وهذا السطح مكوّر فالنهار كان عليه مكورا والليل يتبعه مكورا. وكذلك وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل، وهكذا في حركة دائبة: يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ... واللفظ يرسم الشكل ويحدد الوضع، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها، وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أي تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية اهـ. ولقد توصل علماء الفلك في العصر الحديث إلى حقائق علمية دقيقة حول دورات الأرض في المجموعة الشمسية منها: أ- تدور الأرض حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة ومن هذه الدورة يتولد الليل والنهار. ب- تدور الأرض حول الشمس بسرعة خمسة وستين ألف ميل في

стр. 163

الساعة وتتولد من هذه الدورة الفصول الأربعة، وهي تميل أثناء دورانها حول الشمس بمقدار ٥، ٢٣ لتوزيع الفصول (١). ج- وتسير الأرض مع المجموعة الشمسية كلها بمعدل عشرين ألف ميل في الساعة نحو برج الجبار، ولم يتوصل العلم الحديث إلى الآن إلى ما يترتب على هذه المسيرة من أوضاع وهيئات، ولا بد أن له ارتباطا بنظام الكون بشكل ما (٢). فسبحان القائل: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) [الفرقان: ٦١، ٦٢]. الأرض: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) [المرسلات: ٢٥ - ٢٧]. في «مفردات الراغب»: كفت: الكفت: القبض والجمع. قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً. وقيل معناه: تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوان والنبات، والأموات التي هي الجمادات من الأرض والماء وغير ذلك.

стр. 164

والكفات: قيل هو الطيران السريع وحقيقته قبض الجناح للطيران. والكفت: (السوق الشديد) (١). وفي «لسان العرب» لابن منظور: (الكفت: صرفك الشيء عن وجهه. وكفت يكفت كفتا وكفاتا: أسرع في العدو والطيران وتقبض فيه .. وفرس كفت سريع .... وعدو كفيت: أي سريع) (٢). وقال الجوهري: (الكفت: السوق الشديد. والكفات: الموضع الذي يضم فيه الشيء ويقبض .. وفي التنزيل العزيز: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً قال ابن سيده: هذا قول أهل اللغة، قال: وعندي أن الكفات هنا مصدر من كفت إذا ضم وقبض، وأن أحياء وأمواتا منتصب به أي ذات كفات للأحياء والأموات، وكفات الأرض ظهرها للأحياء وبطنها للأموات، ومنه قولهم للمنازل: كفات الأحياء وللمقابر كفات الأموات .. وفي الحديث: «نهينا أن نكفت الثياب في الصلاة» أي نضمها ونجمعها من الانتشار، يريد جمع الثوب باليدين عند الركوع والسجود. وهذا جراب كفيت إذا كان لا يضيع شيئا مما جعل فيه ... ). هذا هو أدق وصف وأجمعه لواقع الأرض فهي كرة كفات من حيث الجريان والسرعة مسوقة بقدرة إلهية في مدارها، وفي نفس الوقت تضم سكانها على ظهرها في حال الحياة والموت. وفي تسلسل الحديث: من ذكر خلق الإنسان في الرحم- القرار المكين الذي يضم الإنسان في مراحله الأولى في النشأة والتكوين- وهو الشكل الكمّثرى الهيئة، وقد جعله قرارا مكينا للجنين بشدّه بتلك الأربطة

стр. 165

من العضلات وجعل مستنده الحوض المحاط من أغلب جهاته بجدران الحوض المقعّر، وهيأ له وسائل التغذية والراحة لمدة معلومة إلى قدر محدد محسوب عند القادر ونعم القادر. ثم عقب ذلك بضم الكرة الأرضية لهم أحياء وأمواتا تكفت بهم وتسرع في مجراها تضمهم على ظهورها أحياء وفي بطنها أمواتا، وهي محتفظة بهم في كلتا الحالين فلا تقذف بهم بعيدا. ووسائل حفظ الأشلاء موجودة في الأرض إلى يوم الوقت المعلوم. إنها مناسبات معبّرة دقيقة في ذكر المستقر لكل طور من الطورين: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. الأرض: يقول ﷻ : أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) [النازعات: ٢٧ - ٣٣]. ويقول تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) [الشمس: ١ - ٦]. وهنا كلمتان معبرتان تتعلقان بالأرض وهما كلمتا (دحاها، وطحاها). فلننظر إلى دلالات الكلمتين في قواميس اللغة ثم نتدبر ما يقوله العلم الحديث. في «مفردات الراغب» (١): (دحاها، قال تعالى:

стр. 166

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أي أزالها عن مقرها، وكقوله: يوم ترجف الأرض والجبال، وهو من قولهم: دحا المطر الحصا من وجه الأرض أي جرفها. ومر الفرس يدحو: إذا جريده على وجه الأرض فيدحو ترابها). وفي «لسان العرب» (١) لابن منظور: (دحاها: الدحو: البسط. دحا الأرض يدحوها دحوا: بسطها. وقال الفرّاء في قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) قال: بسطها. وقال شمر: دحا الأرض: أوسعها. وفي حديث علي وصلاته ﵁: اللهم داحي المدحوات، يعنى باسط الأرض موسعها. والأدحية: مبيض النعام في الرمل، لأن النعامة تدحوه برجلها ثم تبيض فيه. وفي حديث ابن عمر: فدحا السيل فيه بالبطحاء أي رمى وألقى. وقال ابن الأعرابي: يقال: هو يدحو الحجر بيده أي يرمي به بيده ويدفعه، قال: والداحي الذي يدحو الحجر بيده، ... ودحا المطر الحصى عن وجه الأرض دحوا: نزعه. وفي حديث أبي رافع: كنت ألاعب الحسن والحسين رضوان الله عليهما بالمداحي، هي أحجار أمثال القرصة، كانوا يحفرون حفرة ويدحون فيها بتلك الأحجار، فإن وقع الحجر فيها غلب صاحبها، وإن لم يقع غلب، والدحو: هو رمي اللاعب بالحجر والجوز وغيره. قال شمر: المدحاة لعبة يلعب بها أهل مكة، قال: وسمعت الأسدي

стр. 167

يصفها ويقول: هي أحجار أمثال القرصة وقد حفروا حفرة بقدر ذلك الحجر فينتحون قليلا، ثم يدحون بتلك الأحجار إلى تلك الحفرة، فإن وقع فيها الحجر فقد قمر وإلا فقد قمر). وأما كلمة «طحاها»: ففي «مفردات الراغب»: الطحو كالدحو، وهو بسط الشيء والذهاب به، قال تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) قال الشاعر: طحا بك قلب في الحسان طروب: أي ذهب. وفي «لسان العرب» تدور المادة كلها حول البسط والامتداد والذهاب، وبعضهم جعلها مثل الدحو. ولو رجعنا إلى ما يقوله العلم الحديث في فلك الأرض وواقعه لوجدنا أن أدق وصف وأبلغه يتضمن في وصف الأرض بالدحو. فالدحو وفق الاستعمال اللغوي يتضمن دفعا من الداحي وحركتين للمدحو إحداهما على خط مسار ما، والأخرى حركة دورانية حول نفسه. والأرض كرة مدحوة في الفضاء ذات حركتين: حركة في مسار دائري حول الشمس، وحركة حول نفسها .. وتعقيب الدحو بإخراج الماء والمرعى، وهي من مستلزمات دحو الأرض فلو لم يكن دوران الأرض حول نفسها لما وجد الليل والنهار، ولو لم يكن دورانها حول الشمس لما وجدت الفصول، فنتيجة الدحو كان أن تهيأت لإخراج الماء والمرعى وبالتالي وجود الحياة عليها.

стр. 168

الشمس والقمر وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) [نوح: ١٦]. تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) [الفرقان: ٦١]. هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس: ٥]. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢) [الإسراء: ١٢]. إن الآيات الكريمة تفرق بدقة متناهية بين صفة كل من الشمس والقمر، ووظيفة كل منهما، فالشمس سراج وهاج يعطي الضوء من ذاته .. والقمر كالمرآة التي تعكس الضوء الساقط على سطحها نورا يبدد به الظلام. يقول العلم الحديث في هذا التفريق بين الجرمين السماويين: تبلغ حرارة سطح الشمس ستة آلاف درجة مئوية، وحرارة جوفها تصل إلى ٢٠ مليون درجة مئوية. وألسنة اللهب ترتفع عن سطحها إلى نصف مليون كيلومتر ناثرة في الفضاء طاقة تساوي ٤٠٠، ١٦٧ حصان من كل متر مربع، لا يصل منها للأرض سوى جزء من مليون جزء (١).

стр. 169

أما القمر فقد تجلت الأسرار وزالت الأستار عن وجهه بعد نزول الإنسان عليه فهو كوكب هامد جامد لا أثر للماء والحياة فيه وهو يعكس ضوء الشمس الذي يقع عليه ليعيده إلى الكرة الأرضية ثانية. الشمس والقمر: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) [الرحمن: ٥]. يتبادر إلى الذهن أنهما جعلا لإدراك حساباتنا بهما كما جاء في قوله تعالى: وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [الإسراء: ١٢]. ولكن هناك حسبان يتعلق بذات الشمس والقمر. (إن الشمس هي أهم نجم بالنسبة لنا- نحن سكان الكوكب الأرضي الصغير الذي يعيش هو وسكانه جميعا على ضوء الشمس وحرارتها وجاذبيتها- وكذلك القمر وهو تابع صغير للأرض ولكنه ذو أثر قوي في حياتها وهو العامل الأهم في حركة الجزر والمدّ في البحار. وحجم الشمس، ودرجة حرارتها، وبعدها عنا وسيرها في فلكها، كل ذلك بحسبان، وكذلك حجم القمر وبعده ودورته، كلها محسوبة حسابا كامل الدقة بالقياس إلى آثارهما في حياة الأرض، وبالقياس إلى وضعهما في الفضاء مع النجوم والكواكب الأخرى. إن الشمس تبعد عن الأرض حوالي ٩٣ مليون ميل ولو كانت أقرب إلينا من هذا لاحترقت الأرض وانصهرت أو استحالت بخارا يتصاعد إلى الفضاء. ولو كانت أبعد منا لأصاب التجمد والموت ما على الأرض من حياة إذ الذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا يتجاوز جزءا من مليون جزء من حرارتها. وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا، ولو كانت الشعرى بضخامتها وبإشعاعها هي التي في مكان الشمس منا لتبخرت الكرة الأرضية، وذهبت بددا.

стр. 170

وكذلك القمر في حجمه وبعده عن الأرض، فلو كان أكبر من هذا لكان المد الذي يحدثه في بحار الأرض كافيا لغمرها بطوفان يعم كل ما عليها وكذلك لو كان أقرب مما وضعه الله بحسبانه الذي لا يخطئ مقدار شعرة. وجاذبية الشمس وجاذبية القمر للأرض لهما حسابهما في وزن وضعها وضبط خطاها في هذا الفضاء الشاسع الرهيب، والذي تجري فيه مجموعتنا الشمسية كلها بسرعة عشرين ألف ميل في الساعة في اتجاه واحد نحو (برج الجبار)، ومع هذا لا تلتقي بأي نجم في طريقه على ملايين السنين (١). والأشعة فوق البنفسجية التي تطلقها الشمس يصل منها مقدار بحسبان وهو المقدار الضروري لهذه الحياة على الكرة الأرضية، ولو وصلت كلها إلى الأرض لقضت على الحياة على وجه الأرض، لذلك كان على ارتفاع معين من قشرة الأرض طبقة من الأوزون لا تسمح بالمرور إلا للقدر المعلوم.

стр. 171

النجوم يقول تعالى:* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) [الواقعة: ٧٥]. هذه الآية من الآيات التي تظهر إعجاز القرآن الكريم في تقرير حقائق الكون، فلم يكن يدور بخلد أحد عند نزول القرآن أن مواقع النجوم شيء جدير بأن يقسم به الخالق ويقرر عظمته. والحديث عن مواقع النجوم يتناول جانبين: بعدها، منازلها: يقرر العلم الحديث أن أقرب نجم (١) إلينا داخل مجرتنا ممثلا في مجموعة النجم (قنطورس) مثلا يبعد عنا بمسافة تقدر بعدد من السنين الضوئية وشمسنا في طرف مجرتنا تبعد آلاف السنين الضوئية عن المركز، حيث تتكدس الشموس والنجوم. وعند ما نخرج إلى خضم الفضاء الفسيح نجد أن أقرب المجرات تبعد عنا بعدة مئات آلاف السنين الضوئية، ويتزايد بعد المجرات الأخرى عنا حتى تصل حدود الكون المرئي على مسافة نحو خمسة آلاف مليون سنة ضوئية. وهكذا نرى أننا نعيش على كوكب يقع شمسه في طرف ذراع مجرة من بين بلايين المجرات التي تقبل إلينا أضواؤها خافتة لشدة بعدها عنا إنها مواقع النجوم التي أقسم الخالق جل شأنه بها وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦).

стр. 172

ويقرب أحد الفلكيين أحجام الكواكب والنجوم إلينا بمثال حسي مصغر فيقول: لو أننا أردنا وضع نموذج صغير جدا للكون نجعل فيه الأرض بحجم حبة الخردل فإن القمر سيكون ذرة بحجم ربع حبة الخردل، وعلى مسافة بوصة واحدة ستكون الشمس بحجم التفاحة وبقية الكواكب السيارة ستتباعد وتقترب من حجم الذرة إلى أكبر من ذلك. ومسافاتها عن الشمس تختلف بين عشرة أقدام إلى ربع ميل، هذه المجموعة الشمسية على نموذج نصف ميل، وبعدها لا بد أن تقطع فضاء على هذه النسبة نفسها- مساحته أعرض من قارة أمريكا حتى تستطيع أن ترى جرما سماويا، وهكذا تبتعد النجوم بعضها عن بعض بحيث إن نموذجا مساحته مساحة الكرة الأرضية لا يتسع لأكثر من ثلاثة نجوم على فرض أن حجم الكرة الأرضية فيه بحجم حبة الخردل. فما بالنا بالمساحة التي عليها أن تكفي وتحتوي على مائة مليون نجم مثلا؟! (١). وهذا العدد الهائل من النجوم ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، وكلها تسبح في الفلك الغامض ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر أو يصطدم بكوكب آخر إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعيد وبعيد جدا، إن لم يكن مستحيلا (٢). هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) [لقمان: ١١].

стр. 173

وجانب آخر من مواقع النجوم هو تلك المنازل والمدارات التي لا تتبدل ولا تتغير بنسبة بعضها إلى بعض على مر العصور، وقد أمكن الوصول إلى معرفة نسب مقدرة تقديرا دقيقا في المجموعة الشمسية. يقول علماء الفلك في ذلك: إن أبعاد السيارات في المجموعة الشمسية جارية على نسب مقدرة ومطردة تسير وفق (٩) منازل، أولها الصفر ثم تليه ثمانية أعداد تبدأ بالعدد (٣) ثم تتدرج مضاعفة هكذا: (٠، ٣، ٦، ١٢، ٢٤، ٤٨، ٩٦، ١٩٢، ٣٨٤). فإذا أضيف إلى كل واحد من هذه الأعداد العدد (٤) ثم ضرب حاصل الجمع بتسعة ملايين ميل ظهر مقدار بعد الكوكب عن الشمس. ومن المعلوم المقرر أن ترتيب هذه الكواكب حسب بعدها عن الشمس كالتالي: (عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشتري، زحل، أورانوس، نبتون). ٠ ٣ ٦ ١٢ ٢٤ ٤٨ ٩٦ ١٩٢ ٣٨٤ فإذا أردنا معرفة بعد كوكب (الزهرة) مثلا، وهو في المنزلة الثانية من الترتيب إذ ليس أمامه غير عطارد ومنزلته الصفر، فمنزلة الزهرة رقم (٣) وإذا أضفنا إلى رقم منزلة الكوكب العدد (٤) كما أفادت القاعدة ثم ضربنا الناتج في (٩) ملايين يكون الناتج (٦٣) مليون ميل وهو بعده عن الشمس. وإذا أخذنا المريخ ومنزلته الرابعة بعد (عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ) لأمكننا بكل سهولة حساب بعده عن الشمس بتطبيق القاعدة المتقدمة: (١٢+ ٤) ٩ مليون ١٤٤ مليون ميلا تقريبا وهكذا سائر الكواكب. ولقد لفت نظر الفلكيين في بداية الأمر إشكال لم يلبس أن وضح حله وزال من أذهانهم، فقد لاحظوا أن المنازل التي تقدرها حساباتهم هي

стр. 174

تسعة منازل في حين أن الكواكب المعروفة لديهم في المجموعة الشمسية ثمانية، فمنزلة العدد (٢٤) ليس فيها كوكب بل يأتي بعد المريخ- صاحب العدد (١٢) - كوكب المشتري وهو صاحب العدد (٤٨)، فأثيرت الشبهة في إطراد هذه النسبة بين المجموعة الشمسية، ثم وجدوا بعد الرصد الدقيق والبحث المتواصل، وجدوا في هذا الفراغ الذي قدروا أنه لا بد من وجود كوكب فيه وجدوا كويكبات صغيرة كثيرة تدور كلها في الفراغ المذكور بين المريخ والمشتري، أي في المنزلة رقم (٢٤). ومما يقرره علماء الفلك بهذا الصدد أن المجموعة الشمسية وغيرها من المجموعات التي تسير في مواقعها وتسبح في أفلاكها لو حادت قيد شعره عن مسارها المخصص لاختلف نظام الكون كله باختلال نظام الجاذبية بين الكواكب، فسبحان الذي عظم من هذه الحقائق بقوله:* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦). هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) [يونس: ٥ - ٦].

стр. 175

الجبال (١) يقول الله تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ: ٧]. وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) [المرسلات: ٢٧]. أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) [النمل: ٦١]. خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) [لقمان: ١٠ - ١١]. نجد في الآيات المتعددة التي تتحدث عن الجبال ودورها ثلاث كلمات تحدد دور الجبال ووظائفها وهذه الكلمات: رواسي، أن تميد، أوتادا. يقول الراغب في شرح هذه الكلمات: (رسا، يقال رسا الشيء يرسو: ثبت، قال تعالى: رَواسِيَ شامِخاتٍ أي جبالا ثابتات. وَالْجِبالَ أَرْساها وذلك إشارة إلى قوله تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٢). وفي «ميد» يقول: (الميد اضطراب الشيء العظيم، كاضطراب الأرض) (٣).

стр. 176

فدور الجبال يبرز في ترسية الأرض وتثبيتها من الميدان وهو الاضطراب فهي كالأوتاد التي تمسك الخيمة من الاضطراب والسقوط. ويفسر العلم الحديث هذا الدور فيقول: تقرر الحقيقة العلمية القاطعة أن توزيع الجبال على الكرة الأرضية إنما قصد به حفظها من أن تميد إلى الشمس أو تحيد عنها، وأنها فعلا السبب الأول والرئيسي لحفظ توازن الأرض، فكأن الجبال هي أوتاد للأرض تحفظها في مكانها وتحفظ عليها حركتها (١). والحقيقة العلمية التي ذكرها القرآن الكريم في دور الجبال في حفظ توازن الأرض من الاضطراب والميدان وأنها كالأوتاد: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ [الحجر: ١٩] أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ: ٦ - ٧]. هذه الحقيقة أدركها علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) في العصر الحديث، ولنسمع ما يقوله أهل الاختصاص في هذا الشأن: لو كانت الأرض بحجمها الحالي مكونة من الماء لبلغ وزنها خمس ما هي عليه ولما أمكنها حفظ نسبة بعدها عن الشمس بل لانجذبت إليها، ولو كانت مكونة كلها من اليابس لبلغ ضعف ما هي عليه ولبعدت عن الشمس البعد الذي لا تتحقق معه الحياة. ولا تقف الدراسات عند هذا الحد، بل وصلت إلى مزايا للجبال ودورها في القشرة الأرضية نفسها، فلكل قارة جبالها التي تتميز بها، وهناك سلسلة من الجبال موزعة على سطح الأرض توزيعا دقيقا محكما، وارتفاع الجبل يتناسب ومكانه من الكرة الأرضية، ونوع الصخور المكونة له وطبيعة الأرض من حوله. والجبال الثقيلة يتكون أسفلها من مواد هشة خفيفة، وتحت المياه

стр. 177

توجد المواد الثقيلة الوزن، وذلك حتى تتوزع الأوزان في المناطق المختلفة للكرة الأرضية، ووجد العلماء أن هذا التوزيع يتماشى مع مرونة القشرة الأرضية ودرجة حرارتها. ثم كانت الحقيقة القاطعة في إثبات دور الجبال في ترسية الأرض في فلكها الذي تدور فيه، كما تقدم، ومما يلفت النظر كثرة ذكر المياه، والمياه العذبة على الخصوص عند ذكر الجبال أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) [المرسلات: ٢٥ - ٢٧]. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً [الرعد: ٣]. وقد توصل العلماء بعد الاستقراء إلى أن أعذب المياه وأغزرها ما كانت ينابيعها من الجبال وسفوحها.

стр. 178

البحر يقول تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) [النمل: ٦١]. ويقول جل شأنه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) [الرحمن: ١٩ - ٢٥]. الكلمات المعبرة ذات الدلالة في هذه الآيات هي: حاجز، مرج، برزخ. يقول الراغب في «مفرداته» في مادة «حجز» (١): (يقال: الحجز المنع بين الشيئين بفاصل بينهما، قال : وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً). وفي مادة «مرج» (٢) يقول الراغب: (والمروج الاختلاط، يقال: مرج أمرهم اختلط. ويقال: أمر مريج: أي مختلط ومنه غصن مريج مختلط). وفي مادة «برزخ» (٣) يقول الراغب: (البرزخ: الحاجز، والحد بين الشيئين، والبرزخ في القيامة: الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وقيل البرزخ في القيامة ما بين الموت إلى القيامة).

стр. 179

إن الكلمات المذكورة تفيد إطلاق ماء البحرين فيختلطان، ولكن لا يتجاوز ماء أحدهما على ماء الآخر. ولقد توصل العلم الحديث إلى صور شتى وحالات متعددة لا يتجاوز فيها ماء أحد البحرين على الآخر ولا يتعدى الحاجز الموضوع للفصل بينهما. فمن هذه الصور قالوا: ١ - إن دورة المياه في الكون والتي تبدأ بتبخر كميات هائلة من سطح المحيطات وتتكون منها السحب وتنزل على اليابسة مطرا ينبت به الزرع وتحيى الأرض بعد موتها، وهذه المياه كميات لا يستهان بها وهي مياه عذبة، فارتفاعها من المحيطات لا يزيد من نسبة ملوحة المياه في البحر وتبقى نسبة الملوحة كما هي، كما أن الأمطار التي تشكل السيول والأنهار تصب ثانية في البحار والمحيطات حاملة معها ملوحة الأرض وشيئا من المعادن والأتربة لا يجعلها تطغى على البحر بل يبقى البحر ملحا أجاجا بنسبة واحدة. ٢ - وقالوا: إن مستوى سطح الأنهار أعلى في العادة من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه، ويغير مجاريها بمائه الملح فيحولها عن وظيفتها ويبغي على طبيعتها، وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع الله فلا يبغيان. ٣ - ويقرر علماء البحار أن الأنهار الضخمة تشكل عند مصباتها أشبه ما يكون ببحيرات خاصة، لها خواصها من حيث المذاق فليست هي بالمياه العذبة كمياه النهر، وليست بالمياه المالحة الأجاج كما هي الحال في مياه البحر، وهذه المنطقة تعيش فيها الكائنات الحية التي لا تستطيع الخروج إلى مياه البحر لعدم ملاءمة البيئة لها فتهلك، ولا تستطيع الخروج إلى مياه النهر لعدم إمكان العيش فيها أيضا. فهذه المنطقة حجر محجور، يحجر كائناته الخاصة وطبيعة مياهه عن الاختلاط بغيره، ومحجور عن المياه الأخرى، فسبحان الذي جعل بين البحرين برزخا وحجرا محجورا.

стр. 180

٤ - وقال بعضهم: إن هنالك حاجزا بين البحار أنفسها يمكن تمييز خاصيات ماء كل بحر على جانبي الحاجز، وكذلك ما فيها من معادن وكائنات حية. يقول صاحب لفتات علمية (١): نشرت بعثة السيرجون أفري مع بعثة الجامعة المصرية وخفر السواحل لدرس أعماق البحر الأحمر، والمحيط الهندي في جنوب عدن، نشرت بعض الملاحظات منها: أ- أن البعثة وجدت المياه في خليج العقبة تختلف في خواصها وتركيبتها الطبيعية والكيميائية عن المياه في البحر الأحمر، وحققت البعثة (بواسطة قياس الأعماق) وجود حاجز مغمور عند مجمع البحرين يبلغ ارتفاعه أكثر من ألف متر. ب- وكذلك تبين وجود حاجز مغمور بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وأثبتت التحاليل الكيميائية أن مياه المحيط الهندي تختلف في خواصها الطبيعية والكيميائية عن مياه البحر الأحمر، ومرجع ذلك إلى وجود هذا الحاجز المغمور عند ملتقى كل بحرين. ٥ - وقال بعضهم: إن هنالك حاجزا من نوع آخر أيضا وفي داخل المحيطات إذ ثبت أن أعظم الأنهار على الإطلاق موجودة داخل البحار، يقول فرديناند لين (٢): وتوجد أعظم أنهار الدنيا في البحر، ويبدو نهر المسيسبي أو حتى نهر النيل أو نهر الأمازون بجانبيها وكأنه غدير، يبدو غريبا أن تستطيع تيارات المياه أن تتحرك لمثل هذا البعد خلال مياه أخرى دون أن تختلط بها ولكن أي مجرى من الماء أدفأ أو أبرد من الماء المحيط من كل الجهات يستمر في جريانه بمفرده لزمن طويل، وفي بعض الأحيان تتميز ضفتاه بوضوح يشبه تقريبا وضوحهما لو كان المجرى على الأرض اليابسة، وقد يختلف أيضا تيار الماء المتحرك في لونه عن ماء البحر المحيط به.
следующие страницы →