فدور الجبال يبرز في ترسية الأرض وتثبيتها من الميدان وهو الاضطراب فهي كالأوتاد التي تمسك الخيمة من الاضطراب والسقوط.
ويفسر العلم الحديث هذا الدور فيقول: تقرر الحقيقة العلمية القاطعة أن توزيع الجبال على الكرة الأرضية إنما قصد به حفظها من أن تميد إلى الشمس أو تحيد عنها، وأنها فعلا السبب الأول والرئيسي لحفظ توازن الأرض، فكأن الجبال هي أوتاد للأرض تحفظها في مكانها وتحفظ عليها حركتها (١).
والحقيقة العلمية التي ذكرها القرآن الكريم في دور الجبال في حفظ توازن الأرض من الاضطراب والميدان وأنها كالأوتاد: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ [الحجر: ١٩] أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ: ٦ - ٧].
هذه الحقيقة أدركها علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) في العصر الحديث، ولنسمع ما يقوله أهل الاختصاص في هذا الشأن:
لو كانت الأرض بحجمها الحالي مكونة من الماء لبلغ وزنها خمس ما هي عليه ولما أمكنها حفظ نسبة بعدها عن الشمس بل لانجذبت إليها، ولو كانت مكونة كلها من اليابس لبلغ ضعف ما هي عليه ولبعدت عن الشمس البعد الذي لا تتحقق معه الحياة.
ولا تقف الدراسات عند هذا الحد، بل وصلت إلى مزايا للجبال ودورها في القشرة الأرضية نفسها، فلكل قارة جبالها التي تتميز بها، وهناك سلسلة من الجبال موزعة على سطح الأرض توزيعا دقيقا محكما، وارتفاع الجبل يتناسب ومكانه من الكرة الأرضية، ونوع الصخور المكونة له وطبيعة الأرض من حوله.
والجبال الثقيلة يتكون أسفلها من مواد هشة خفيفة، وتحت المياه
стр. 177
توجد المواد الثقيلة الوزن، وذلك حتى تتوزع الأوزان في المناطق المختلفة للكرة الأرضية، ووجد العلماء أن هذا التوزيع يتماشى مع مرونة القشرة الأرضية ودرجة حرارتها. ثم كانت الحقيقة القاطعة في إثبات دور الجبال في ترسية الأرض في فلكها الذي تدور فيه، كما تقدم، ومما يلفت النظر كثرة ذكر المياه، والمياه العذبة على الخصوص عند ذكر الجبال أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) [المرسلات: ٢٥ - ٢٧]. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً [الرعد: ٣].
وقد توصل العلماء بعد الاستقراء إلى أن أعذب المياه وأغزرها ما كانت ينابيعها من الجبال وسفوحها.
стр. 178
البحر
يقول تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) [النمل: ٦١].
ويقول جل شأنه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) [الرحمن: ١٩ - ٢٥].
الكلمات المعبرة ذات الدلالة في هذه الآيات هي: حاجز، مرج، برزخ.
يقول الراغب في «مفرداته» في مادة «حجز» (١): (يقال: الحجز المنع بين الشيئين بفاصل بينهما، قال : وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً).
وفي مادة «مرج» (٢) يقول الراغب: (والمروج الاختلاط، يقال: مرج أمرهم اختلط. ويقال: أمر مريج: أي مختلط ومنه غصن مريج مختلط).
وفي مادة «برزخ» (٣) يقول الراغب: (البرزخ: الحاجز، والحد بين الشيئين، والبرزخ في القيامة: الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وقيل البرزخ في القيامة ما بين الموت إلى القيامة).
стр. 179
إن الكلمات المذكورة تفيد إطلاق ماء البحرين فيختلطان، ولكن لا يتجاوز ماء أحدهما على ماء الآخر.
ولقد توصل العلم الحديث إلى صور شتى وحالات متعددة لا يتجاوز فيها ماء أحد البحرين على الآخر ولا يتعدى الحاجز الموضوع للفصل بينهما. فمن هذه الصور قالوا:
١ - إن دورة المياه في الكون والتي تبدأ بتبخر كميات هائلة من سطح المحيطات وتتكون منها السحب وتنزل على اليابسة مطرا ينبت به الزرع وتحيى الأرض بعد موتها، وهذه المياه كميات لا يستهان بها وهي مياه عذبة، فارتفاعها من المحيطات لا يزيد من نسبة ملوحة المياه في البحر وتبقى نسبة الملوحة كما هي، كما أن الأمطار التي تشكل السيول والأنهار تصب ثانية في البحار والمحيطات حاملة معها ملوحة الأرض وشيئا من المعادن والأتربة لا يجعلها تطغى على البحر بل يبقى البحر ملحا أجاجا بنسبة واحدة.
٢ - وقالوا: إن مستوى سطح الأنهار أعلى في العادة من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه، ويغير مجاريها بمائه الملح فيحولها عن وظيفتها ويبغي على طبيعتها، وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع الله فلا يبغيان.
٣ - ويقرر علماء البحار أن الأنهار الضخمة تشكل عند مصباتها أشبه ما يكون ببحيرات خاصة، لها خواصها من حيث المذاق فليست هي بالمياه العذبة كمياه النهر، وليست بالمياه المالحة الأجاج كما هي الحال في مياه البحر، وهذه المنطقة تعيش فيها الكائنات الحية التي لا تستطيع الخروج إلى مياه البحر لعدم ملاءمة البيئة لها فتهلك، ولا تستطيع الخروج إلى مياه النهر لعدم إمكان العيش فيها أيضا. فهذه المنطقة حجر محجور، يحجر كائناته الخاصة وطبيعة مياهه عن الاختلاط بغيره، ومحجور عن المياه الأخرى، فسبحان الذي جعل بين البحرين برزخا وحجرا محجورا.
стр. 180
٤ - وقال بعضهم: إن هنالك حاجزا بين البحار أنفسها يمكن تمييز خاصيات ماء كل بحر على جانبي الحاجز، وكذلك ما فيها من معادن وكائنات حية. يقول صاحب لفتات علمية (١): نشرت بعثة السيرجون أفري مع بعثة الجامعة المصرية وخفر السواحل لدرس أعماق البحر الأحمر، والمحيط الهندي في جنوب عدن، نشرت بعض الملاحظات منها:
أ- أن البعثة وجدت المياه في خليج العقبة تختلف في خواصها وتركيبتها الطبيعية والكيميائية عن المياه في البحر الأحمر، وحققت البعثة (بواسطة قياس الأعماق) وجود حاجز مغمور عند مجمع البحرين يبلغ ارتفاعه أكثر من ألف متر.
ب- وكذلك تبين وجود حاجز مغمور بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وأثبتت التحاليل الكيميائية أن مياه المحيط الهندي تختلف في خواصها الطبيعية والكيميائية عن مياه البحر الأحمر، ومرجع ذلك إلى وجود هذا الحاجز المغمور عند ملتقى كل بحرين.
٥ - وقال بعضهم: إن هنالك حاجزا من نوع آخر أيضا وفي داخل المحيطات إذ ثبت أن أعظم الأنهار على الإطلاق موجودة داخل البحار، يقول فرديناند لين (٢):
وتوجد أعظم أنهار الدنيا في البحر، ويبدو نهر المسيسبي أو حتى نهر النيل أو نهر الأمازون بجانبيها وكأنه غدير، يبدو غريبا أن تستطيع تيارات المياه أن تتحرك لمثل هذا البعد خلال مياه أخرى دون أن تختلط بها ولكن أي مجرى من الماء أدفأ أو أبرد من الماء المحيط من كل الجهات يستمر في جريانه بمفرده لزمن طويل، وفي بعض الأحيان تتميز ضفتاه بوضوح يشبه تقريبا وضوحهما لو كان المجرى على الأرض اليابسة، وقد يختلف أيضا تيار الماء المتحرك في لونه عن ماء البحر المحيط به.
стр. 181
وتوجد حركات أخرى في البحر هي أعظم حتى من التيارات السطحية، وهذه هي صعود المياه الأدفأ والمياه الأخف، وهبوط المياه الأثقل والمياه الأبرد. وفي البحار القطبية تغوص المياه الباردة إلى أسفل وتزحف على قاع المحيط كما أن المياه الدافئة في المناطق الحارة تندفع ببطء على السطح تجاه القطبين ومثل هذه الحركات تمد كل الكائنات الحية في البحر باحتياجاتها فهي تحمل الأوكسجين الضروري للحياة إلى أسفل قاع المحيط، وتوزع الأملاح والمعادن الأخرى هنا وهناك في الماء تماما مثلما يضع الفلاحون السماد في التربة.
وهذه المعادن ضرورية لحياة النباتات التي هي غذاء الحياة الحيوانية في البحر، وتيارات السطح، وصعود المياه ونزولها، والزحف البطيء على طول القاع في المحيط، كل هذه تنظف البحر وتنقيه، فهي تحميه من أن يأسن كما يأسن ماء البركة الراكد، ويقدر العلماء أن مياه المحيط القطبي الشمالي تتغير كل ١٦٥ سنة كما يتغير الماء في
حمام السباحة، ويجري هذا في كل مكان في المحيطات وفي أغلب الخلجان والمداخل الصغيرة (١).
وهكذا نجد أن النص القرآني المعجز يحتمل كل ما قيل واكتشف من الحواجز سواء كانت بين الأنهار العذبة وبين مصباتها في البحار، أو بين البحار الملحة أنفسها، أو بين التيارات المائية في المحيط ومائه.
وقد يكتشف غير هذا في المستقبل، وتبقى الحقيقة الخالدة وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) [فاطر: ١٢] * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) [الفرقان: ٥٣].
стр. 182
الظواهر الجوية (الرياح- السحب- المطر- الرعد والبرق)
يقول الله : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) [الروم: ٤٨]، وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ٢٢].
إن الحقائق التي ذكرتها آيات القرآن الكريم عامة وما يتعلق منه بتأثير الرياح في إنشاء السحب وتلقيحها وتشكيلها، ثم نزول المطر أو البرد منها، هذه الحقائق من أعجب الأمور وأدقها التي توصل إليها العلم الحديث فلو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الحقائق لكانت كافية في تعريفنا بأن منزل القرآن هو خالق السماوات والأرض ومصرّف الرياح ومنزل الماء من السماء تحيى به الأرض بعد موتها.
ولنسمع ما يقوله العلم الحديث في هذا الشأن:
الأصل في تكوين السحب على اختلاف أنواعها وأشكالها إنما هي الرياح، فالسحب الطبقية وهي التي تنمو في اتجاه أفقي يكون الهواء الذي يحملها صاعدا إلى أعلى ببطء، أما السحب الركامية الرأسية تكون الرياح التي تحملها صاعدة إلى أعلى بسرعة ... فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ.
وحقيقة أخرى أشارت إليها الآية الكريمة: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) [الحجر: ٢٢]، فقد
стр. 183
حملها كثير من المفسرين على أن الرياح اللواقح تلقح النباتات فتحمل الطّلع من الذكر إلى الأنثى فتلقح بويضاتها، والحقيقة أن هذا الأمر مما يتحقق بواسطة الرياح، إلا أن سياق الآية في هذا المقام لا يحتمل ذلك بل يشير إلى حقيقة أخرى أدق وهي «تلقيح السحب» (١).
وقد توصل العلم الحديث إلى أن نمو السحب ونزول المطر يتطلب أن تلقح الرياح هذه السحب بأكداس من جسيمات مجهرية تسمى (نويات التكاثف)، ومن أهم خواص هذه النويات أنها تمتص الماء أو تذوب فيه، وتحمل الرياح كذلك بخار الماء وتلقح به السحاب لكي يمطر، وتتم العملية بتجمع جزئيات الماء المنفصلة والموجودة في الهواء حول نويات التكاثف العملية بتجمع جزيئات الماء المنفصلة والموجودة في الهواء حول نويات التكاثف حيث إن أصغر نقط الماء تحتوي على ما لا يقل عن (١٠٠) جزئي وليس من السهل أن يتجمع مثل هذا العدد مع بعضه لمجرد الصدفة ما لم توجد نويات تترسب عليها الجزيئات وتحتفظ بها، وعلى هذا النحو عرف الناس الآن أن الآية الكريمة إنما تشير إلى تلقيح الرياح للسحب ببخار الماء ثم بنويات التكاثف كخطوة أساسية لكي تجود بالمطر (٢).
أما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) [النور: ٤٣]، فيشير إلى جملة من الحقائق الباهرة التي لم تكتشف إلا بعد تقدم علوم الأرصاد الجوية في العصر الحديث، من ذلك:
يقول علماء الأرصاد الجوية: إن المطر يتوقف على تكوين السحب
стр. 184
الماطرة (المزن) ومن هذه المزن ما يسمى (المزن الركامي) وهي سحب تنمو في الاتجاه الرأسي، وقد تمتد إلى علو عشرين كيلومترا، وداخل السحب الركامية ثلاث طبقات، وهي الطبقة السفلى وقوامها نقط نامية من الماء ثم الطبقة الوسطى وتكون درجة حرارة نقط الماء فيها تحت الصفر المئوي، ومع ذلك فهي باقية في حالة السيولة (١)، أما الطبقة العليا فتتكون من بلورات الثلج ذات اللون الأبيض الناصع وجعل الله نقط الماء فوق المبردة غير مستقرة قابلة للتجمد بمجرد ارتطامها
بجسم صلب، لذا فبمجرّد أن تتساقط بلورات الثلج من الطبقة العليا إلى الطبقة الوسطى وتلتقي بنقط الماء فوق المبردة تلتصق البلورات بنقط الماء وتتجمد فينمو حجمها سريعا، وينشط عليها التكاثف فتتساقط على هيئة برد: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ. وأثناء سقوط هذا البرد يلتقي بنقط الماء النامية فيتجمع معها، ويزداد حجم النقط كثيرا ولا يقوى الهواء على حملها فتتساقط على هيئة مطر، ويذوب أغلب البرد قبل وصوله إلى سطح الأرض.
ولنمو البرد وذوبانه أهمية عظيمة في عمليات شحن السحابة بالكهربائية التي تسبب البرق والرعد، فالبرد عند ما ينمو فوق (٢) ملمتر يشحن بالكهربائية، وعند ما يذوب يشحن أيضا بشحنة مضادة، وفي كلتا الحالتين يحمل الهواء الصاعد شحنة كهربائية مضادة عظمى. والآية الكريمة ذكرت كلمة (ركاما) وأعقبتها بال (برد) وقد أثبت العلم أن هذا النوع (السحب الركامية) هي الوحيدة التي تعطي البرد.
وفي التعبير بقوله: ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ سر من الأسرار الدقيقة الرائعة التي تعتبر الآن من أمهات الحقائق الجوية، إذ فيها الدلالة على الحقيقة
стр. 185
الكهربائية التي تقوم عليها تلك الظواهر الجوية كلها. فإن التأليف بين السحاب وصف دقيق للتقريب بين السحاب المختلف الكهربائية حتى يتجاذب ويتعبأ في الجو تعبئة الجيوش، وهو يتفق مع ما يريد الله أن يخلقه من بين السحاب من برق وصواعق، ومطر أو برد.
وتشبيه الآية الكريمة هذه السحب بالجبال لا يدركه إلا من ركب الطائرة وعلت به فوق السحب أو بينها، فإنه سيدهش لدقة الوصف فإنه يجد مشهد الجبال حقا بضخامتها ومساقطها وارتفاعاتها وانخفاضاتها.
وأشارت الآية الكريمة إلى عظم القوى الكهربائية المشتركة في تكوين البرد بالنص على عظم برقه وشدته وبلوغه من الحرارة درجة الابيضاض، الذي يخطف بالأبصار ويصيبها بالعمى المؤقت، وأكثر من يعاني من هذه الظاهرة هم الطيارون: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (١).
стр. 186
الحيوان
يقرر القرآن الكريم حقائق عن الحيوان لا تقل في الأهمية والدقة عن الحقائق التي يقررها في كل جانب من جوانب الكون والحياة، فهو يلفت النظر تارة إلى المنافع التي يحصل عليها الإنسان من تسخير هذه الدواب ركوبا وحملا ولباسا وطعاما وشرابا وزينة، فهي مسخرة للإنسان مذللة له منقادة.
(أ) التذليل:
إن ظاهرة انقياد الحيوان للإنسان ظاهرة تستدعي شكر المنعم الذي جعل فيها هذه الطبائع، ولولا وجود هذا الطبع فيها لما استطاع الإنسان إلى التغلب عليها سبيلا.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) [يس: ٧١ - ٧٣].
يقول الإمام الغزالي: اعلم- وفقك الله وإيانا- أن الله خلق البهائم لمنافع العباد وامتنانا عليهم .. فخلقها سميعة بصيرة ليبلغ الإنسان حاجته لأنها لو كانت عمياء صماء لم ينتفع بها الإنسان ولا وصل بها إلى شيء من مآربه. ثم منعت العقل والذهن حكمة من الله، لتذل للإنسان فلا تمتنع عليه إذا أكدها عند حاجته إلى إكدادها في الطحن وحمل الأثقال إلى غير ذلك .. أما ترى الحمار يذل للحمولة والطحن، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى وينقاد لصبي صغير، والثور الشديد يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ليستحرثه، والفرس تركب وتحمل عليها السيوف والأسنة في
стр. 187
الحروب وقاية لراكبها، والقطيع من الغنم يرعاها صبي واحد، فلو تفرقت فأخذت كل شاة منها جهة لنفورها، لتعذرت رعايتها، وربما أعجزت طالبها.
وكذلك جميع الحيوان المسخر للإنسان، وما ذلك إلا لأنها عدمت العقل والتروي فكان ذلك سببا لتذليلها (١).
(ب) الرزق:
وعبرة أخرى يلفت القرآن الكريم الأنظار إليها في الحيوان وهي مسألة رزق الحيوان، إن الإنسان يعقل ويفكر ويخطط ويسعى في سبيل تحصيل معيشته وكسبه وإذا حصل على الكسب بطريقة ما، فكر في ادخاره وخزنه للمستقبل، أما الحيوان فليست عنده القدرة على التفكير والتخطيط، وليس من طبعه ذلك، إلا أنواع قليلة منها يعدها علماء الحيوان في الطبقة الراقية من الحيوان كالنمل والنحل. إن قدرة الحكيم الخبير المحيطة بكل شيء قد تكفلت بأرزاقها، وتوفر سبل البقاء أمامها. يقول عز من قائل:
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) [العنكبوت: ٦٠].
هكذا شأن الألوهية في المخلوقات: العلم والإحاطة بالمكان وتكفل الرزق في جميع الظروف، فالحيوان مرزوق في كل مكان، في أعماق البحار والمحيطات، وفي
الصحراء المحرقة، والأصقاع المتجمدة، تحت الصخور الصماء وفي أجواء الفضاء، كل ذلك في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) [هود: ٦].
стр. 188
يقول الإمام الغزالي: ولما كانت البهائم لا أذهان لها ولا أكفّ، ولا أصابع تهيأ للأعمال، كفيت مؤنة ما يضر بها، بأن جعلت كسوتها في خلقها باقية عليها ما بقيت، فلا تحتاج إلى استبدال بها وتجديد بغيرها، بخلاف الآدمي فإنه ذو فهم وتدبير، وأعضاء مهيأة لأعمال ما يقترحه، وله في إشغاله بذلك صلاح، وفيه حكمة، فإنه خلق على قابلية لفعل الخير والشر.
انظر إلى النمل وما ألهمت له، في احتشادها في جمع قوتها وتعاونها على ذلك وإعدادها لوقت عجزها عن الخروج والتصرف بسبب حر أو برد.
وألهمت في تقلب ذلك من الحزم ما لم يكن عند من يعرف العواقب حتى تراها في ذلك إذا عجز بعضها عن حمل ما حمله أو جهد به أعانه آخر منه، فصارت متعاونة على النقل كما يتعاون الناس على العمل الذي لا يتم إلا بالتعاون.
ثم إنها ألهمت حفر بيوت في الأرض، تبتدئ في ذلك بإخراج ترابها وتقصد إلى الحب الذي فيه قوتها، فتقسمه خشية أن ينبت بنداوة الأرض فما خلق هذا في جبلتها إلا الرحمن الرحيم، ثم إذا أصاب الحب بلل أخرجته فنشرته حتى يجف، ثم إنها لا تتخذ البيوت إلا فيما علا من الأرض، خوفا من السيل أن يغرقها (١).
(ج) أنماط الحياة والتكاثر:
لقد نص القرآن الكريم أن هذه المخلوقات من الدواب والحشرات المتباينة في الأشكال والحجوم وطريقة الحركة والسير أمم وفصائل أمثال الناس: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) [النور: ٤٥].
стр. 189
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [الأنعام: ٣٨].
لقد أدرك العلم الحديث شيئا جزئيا من حياة الحيوان بالمخالطة والتتبع والاستقراء، وتأكد لدى الباحثين أن كل حيوان ينتمي إلى فصيلة معينة تجمع بين أفرادها خصائص واحدة وتربطها فيما بينها نظم ثابتة ولها وسائلها الخاصة في التفاهم.
ومن دراسة ظواهر الحيوانات الأليفة أثبتوا أن لكل صنف منها لغة خاصة يتفاهم بها ويتعارف مع غيره على أحواله، وأحوال ما يحيط به.
فالدجاجة تصدر أصواتا خاصة مميزة عند ما تدعو صغارها إلى التقاط الحبوب وترى الصغار تتجمع حولها بسرعة، ولكنها تصدر أصواتا أخرى عند تحذيرها من خطر وشيك، فترى الصغار تهرب للاختباء في القنّ أو تحت أجنحتها.
يقول «ألن يفو» أحد علماء الحيوان: إنه وقف يوما يرقب ثلاثة من صغار الثعالب تلعب حول أمها، وإذا بصغير منها يدخل الغابة ويبتعد عنها كثيرا حتى غاب عن النظر، فاستوت الأم قائمة ومدت أنفها إلى الناحية التي ذهب منها وبقيت على حالها هذه برهة عاد بعدها الصغير في اتجاه لا يلتفت يمنة ولا يسرة كأنما تجذبه بخيط لا تراه العين.
والنحلة إذا حصلت على حقل مزهر عادت إلى الخلية، وما أن تتوسطها حتى ترقص رقصا خاصا فإذا بالنحل يندفع إليها ويسير خلفها إلى حيث تهديها النحلة إلى الزهور، بل برقصاتها المعينة تكون قد حددت الجهة والبعد ونوع المرعى .. فلا بد لكل هذه الفصائل من الحيوانات والحشرات من لغة للتفاهم ونظام تسير عليه.
لقد قرر القرآن الكريم هذه الحقائق بكل وضوح قبل أن يتطور علم الحيوان الذي لا يزال يدرس الحالات الظاهرة، وبين أن هذه اللغة يمكن
стр. 190
إدراكها إذا شاء الله ، بأن أودع في الإنسان خاصية تمكنه من استقبال إشارات هذه اللغة، وأخبر القرآن الكريم أن ذلك قد تحقق لأحد أصفياء الله من البشر وهو سليمان ﵇: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) [النمل: ١٦ - ١٩].
وهناك فصائل من الحيوان تمتاز عن غيرها بصفات أودعها الله فيها غريزة وفطرة يعجز عنها العقل البشري مع وسائله المتطورة المتقدمة.
فمثلا النحل ومملكته، والتنظيم الرائع بين أفراد النحل عامة، إن دراسات مستفيضة قامت حول هذه المملكة فأظهرت العجب العجاب.
فالتقسيمات الدقيقة بين أصناف النحل وتحديد مهمة كل صنف منها:
صنف مهمته جمع رحيق الأزهار وإيداعه في مستودعاته من الخلية، وصنف يعمل داخل الخلية لبناء بيوت سداسية الشكل، واختيار الشكل السداسي لم يأت اتفاقا، بل عن اختيار وحكمة فإن أي شكل هندسي آخر لا يمكن أن يملأ كل الفراغات، بل تبقى زوايا مهملة لا يستفاد منها، أما الشكل السداسي فلا تبقى معه أي زاوية مهملة، وهناك صنف من النحل يجهز للملكة طعاما خاصا، ومهمة الملكة هي الإنجاب ليس إلا، إذ بعد أن تضع بيوضها تموت لتختار ملكة جديدة من بين الجيل القادم وتقتل كل الأصناف الشبيهة بالملكة المختارة حتى لا تنازع الملكة سلطتها وهنالك على باب الخلية حرس يفتشون العاملات بدقة متناهية، فالتي تقع على نجاسة أو شيء خبيث الرائحة يكون جزاؤها القتل أو الطرد والمنع من دخول الخلية.
стр. 191
فسبحان الذي أوحى إلى النحل مهمتها في الحياة، وخصها بهذا الدور العظيم لإخراج ما فيه الشفاء للناس: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) [النحل: ٦٨ - ٦٩].
وليظهر الله معجزات كتابه ويري آياته للناس في هذا العصر فقد سخر أناسا لدراسة طبيعة العسل وتركيبه، وذهبوا إلى تشريح جسم النحلة واستخراج السم الذي في بطنها وتحليله للتعرف على خاصياته، وتوصلوا إلى نتائج باهرة تميط اللثام عن معجزة الكتاب الخالد:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وفيما يلي إشارات إلى بعض هذه النتائج:
أما عن تركيب العسل فقد وجدوا أنه يتركب من:
(٢٥ - ٤٠) دكستروز (جلوكوز) (٣٠ - ٤٥) ليفيلوز (فروكتوز) (١٥ - ٢٥) ماء والجلوكوز الموجود فيه بنسبة أكثر من أي غذاء آخر هو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب، فيعطى بالفم وبالحقن الشرجية وتحت الجلد وفي الوريد، ويعطى بصفته مقويا ومغذيا ومضادا للتسمم الناشئ عن مواد خارجية مثل الزرنيخ والزئبق والذهب .. وضد التسمم الناشئ من أمراض الكبد والاضطرابات المعدية والمعوية، وضد التسمم في الحميات مثل التيفوئيد والالتهاب الرئوي والسحائي المخي والحصبة، وفي حالات ضعف القلب، وحالات الذبحة الصدرية، وبطريقة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكلى الحادة، وفي احتقان المخ وفي الأورام المخية.
стр. 192
واتجهت الأبحاث العلمية التي تجرى على النحل والعسل إلى دراسة سم النحل، إذ تقوم حاليا بعض المؤسسات الطبية باستخراج سمّ النحل الذي يفرزه عن طريق آلة اللسع لاستعماله في معالجة بعض الأمراض المستعصية، وفي أمريكا وإنجلترا حاليا مناحل لا غرض لها إلا تربية النحل لاستخراج مصله، وعمل حقن منها لعلاج كثير من الأمراض الروماتيزمية، اللمباجو وعرق النسا، ونجحت في علاج التراخوما «الرمد الحبيبي»، وما زال العلم يحمل إلينا في كل يوم فائدة طبية من فوائد ما يخرج من بطون النحل من عسل وسم.
ونقلت الصحف في ١٩ فبراير ١٩٥٦ نقلا عن أخبار لندن أنه توجد فيها امرأة نمساوية تدعى (مسز أوين) تداوي المرضى الذين يئس الأطباء من شفائهم بقرص النحل، وقد أثار خبر هذه السيدة اهتماما كبيرا في أوساط لندن، لا سيما وأن نتائج معالجتها قد أدت إلى الشفاء.
ومن الأخبار العلمية التي نشرت في مارس ١٩٥٦ م أن أحد كبار الجراحين في مستشفى «نور فولك» الإنجليزي استخدم عسل النحل لتغطية آثار الجروح الناتجة عن العمليات الجراحية التي يجريها بعد أن ثبت أنه يساعد على سرعة التئام هذه الجروح وإزالة آثارها، فلا تترك ندوبا وتشويها بعد العملية، كما تبين أن طبيعة العسل وما يحويه من مواد تساعد على نمو الأنسجة البشرية من جديد فتلتئم الجروح بطريقة مستوية، ويقوم الطبيب برش العسل على موضع الجرح بصورة سائل وعلى هيئة حبيبات (١).
قام الدكتور «أف. ج. ساكيت» بكلية كولورادو الزراعية بتجربة فزرع جراثيم مختلف الأمراض على العسل الصافي، ولبث ينتظر النتيجة، وقد أثارت النتائج إعجابه، إذ ماتت الجراثيم وقضي عليها كلها في فترة بضع ساعات، أو في مدة أقصاها بضعة أيام. ماتت جراثيم حمى التيفوس بعد
стр. 193
(٢٤) ساعة، وماتت جراثيم الالتهاب الرئوي (المكورات الرئوية) في اليوم الرابع، وكذلك بعض الأنواع الأخرى كجراثيم التهاب البريتون والبلورا والخراجات والمكورات العنقودية والمكورات العقدية، أما جراثيم الدوسنتاريا فقد قضي عليها بعد (١٠) ساعات.
وخلال الحرب العالمية الثانية استعمل الأطباء العسل في علاج الجروح المتسببة عن الإصابات بالرصاص، وكانت النتيجة مذهلة من حيث سرعة التئام الجروح وشفائها، واستعمل المرهم المكون من المزيج التالي في شفاء الجروح المستعصية التي فشل علاجها بالأشعة وسائر المضادات الحيوية، ويتكون من:
٨٠ غ عسل نحل+ ٢٠ غ زيت كبد الحوت+ ٣ زير ونورم.
وقد وجد في نتائج هذه الوصفة ما يأتي:
أحد المصابين في الحرب وعمره (٣٥) عاما عنده ندبة كبيرة في ظهر قدمه اليمنى وفي وسط الندبة قرحة مساحتها ٣* ٥ سم وقاعها عميق، ظل الجرح على هذه الحالة لمدة ثلاثة شهور ولم تجد المراهم والعلاج بالأشعة وغيرها من الطرق معها نفعا، وقد استعمل مرهم العسل لمدة (٢٢) يوما فشفيت القرحة.
وقد استعمل العسل ولا يزال علاجا عالميا للزكام بإضافته إلى بعض أنواع السوائل، فبعض الأطباء مثل «ك. أ. منبيس» و «س. كنيب» ينصحون بالعسل مع اللبن الدافئ وآخرون ينصحون باستعمال العسل الممزوج بعصير الليمون، أما الدكتور «أورتل» فأوصى باستعمال العسل الممزوج بعصير البرسيم الدافئ في علاج الزكام علاجا ناجحا.
وللعسل تأثير قوي لعلاج السعال. أما العسل مع الرمان فينصح به ابن سينا لعلاج أمراض القلب والذبحة الصدرية، وفي العصر الحديث يقول الدكتور «م. س. جولدمب ورافي، وغيرهم» إن تناول ما بين ٥٠ - ١٤٠ غ يوميا من العسل لمدة شهر أو شهرين للمرضى الذين يشكون من علل
стр. 194
خطيرة في القلب يحدث تحسنا ملحوظا في حالتهم ويرجع حالة الدم إلى الحالة العادية ويزيد من الهيموجلوبين وقوة الجهاز الدوري.
ويتفق الأطباء الأمريكيون والروس على أن العسل أفضل علاج للمصابين بقرح المعدة والاثنى عشر، على أن يؤخذ قبل وجبات الطعام بساعة أو أكثر، وأفضل الأوقات هو قبل الإفطار، ومذابا في كوب ماء دافئ.
ويقرر «أ. أويرتل دي» أن عسل النحل علاج ممتاز للاضطرابات العصبية، وأن كوب ماء مذاب فيه العسل إذا أخذ قبل النوم كفيل بتوفير نوم هادئ.
وقد وصف بعض الأطباء الروس والصينيين العسل لعلاج أمراض الجلد والخراريج والدمامل، أما علاج قرح القرنية في العين بالعسل، فقد أعطى نتائج مذهلة.
ويقول الدكتور «بيك» الأمريكي، إن مرض السرطان غير معروف بين النحالين في الغالب، وهذا يرجع إما إلى العسل الذي يتناوله النحالون باستمرار أو نتيجة الغذاء الملكي أو حبوب اللقاح الموجودة بالعسل أو أنها نتيجة لسم النحل الناتج من اللسع.
وإذا أخذ مرضى السكر العسل تحت إشراف الطبيب فقد أثبتت التجارب انخفاض نسبة السكر في دمائهم وعودتها إلى الحالة الطبيعية (١).
هذا بعض ما توصلوا إليه من شأن النحل والشراب الخارج من بطونها، ومن يدري ماذا يكون بعد تطور وسائل المعرفة والاكتشاف؟ فقد تكتشف خصائص للعسل أضعاف ما عرفوا الآن، وستبقى المعجزة الخالدة تحدوهم فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وستبقى الحقيقة الإيمانية ماثلة في الأذهان:
«اسقه عسلا .. صدق الله العظيم وكذب بطن أخيك» (٢).
стр. 195
الإنسان
لقد حظي الإنسان بالجانب الأكبر من اهتمام القرآن الكريم، كيف لا، وهو سيد المخلوقات الذي سخر له كل ما في السموات والأرض، وخص بملكة العقل والبيان، فكان أهلا لحمل الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال وأشفقت منها وحملها الإنسان.
لقد بيّن القرآن مبدأ خلق النوع البشري، ثم سنة الله في تطوره وتكاثره من الزوجين الذكر والأنثى، وبيّن أطوار خلقه في الظلمات الثلاث داخل القرار المكين إلى أن يخرج خلقا آخر مكتمل الخلقة سويها، كما تحدث القرآن الكريم عن خصائص هذا الإنسان الذي أكرمه ربه من بين سائر المخلوقات، إلا أن الإنسان كثيرا ما يتنكر لهذه النعم ويسيء الأدب مع خالقه المتفضل عليه بالنعم الوافرة، كما يتحدث القرآن الكريم عن مصير الإنسان باعتباره كائنا حيا فمصيره الموت، ثم بالبعث والنشور للحساب.
إن دراسة الإنسان من خلال آي الذكر الحكيم لن يصل إلى دقائق أسرارها جيل من الأجيال مهما بذلت الجهود من المختصين ومهما رصدت الأموال للأبحاث في مخلوق يكتنف الغموض جوانب كينونته وتلتف الأسرار حقيقة ماهيته.
وفي عصرنا الحاضر وعلى الرغم من تقدم العلوم الهائل في مجالات الحياة المختلفة فلا يزال الإنسان ذاك اللغز المحير، ولا تزال جوانب كثيرة مجهولة تماما في الإنسان لم يستطع العلماء أن يفهموا حتى ظواهرها
стр. 196
البسيطة: كيف يفكر الإنسان؟ كيف يحلل الأمور؟ كيف ينام؟ كيف يضحك؟ كيف يحب؟ كيف يغضب؟ كيف .. ؟ كيف .. ؟.
قائمة من التساؤلات التي قد تبدو بسيطة لأول وهلة للإنسان العادي، ولكنها تحير الدراسين المتعمقين في دراسة الإنسان.
إن الدراسات لا تزال تقف على عتبة الظواهر التشريحية لمعرفة وظائف الأعضاء ولم تصل إلا إلى بعض وظائفها، إلا أنها عاجزة تمام العجز عن إدراك كيفية عملها، فإن خلف ذلك سر الروح والحياة:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) [الإسراء: ٨٥].
يقول ألكسيس كاريل: (لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه ولكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظات التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء والروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة،
وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة.
وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة (١).
الإنسان:
قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) [الطارق: ٥ - ٧].
стр. 197
يقول ابن القيم: (فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا، وأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا لها سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا بل عظما واحدا من أصغر عظامها بل عرقا من أدق عروقها بل شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك، بل ذلك كله آثار صنع الله الذي أتقن كل شيء في قطرة من ماء مهين، فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها) (١).
يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) [الأعراف: ١٧٢].
ويقول جل ثناؤه: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) [الطارق: ٥ - ٧].
تشير الآية الأولى أن الله أخذ من ظهور بني آدم ذريتهم، وذلك في عالم الذر، وأشهدهم على أنفسهم الإقرار بربوبية الله وعبوديتهم لخالقهم. وموطن الشاهد في الآية أن مكمن الذرية هي الظهور، وتشير الآيات في سورة الطارق إلى أن الماء الدافق مصدره من بين الصلب والترائب، يقول خبراء علم الأجنة: إن الجنين عند تكوينه في الرحم تنبت الخصيتان في ظهره عند أسفل الكليتين تماما وتبقيان كذلك في ظهره حتى أشهره الأخيرة في بطن أمه ثم تنحدران إلى الأسفل، وعند الولادة تكونان في المركز المعتاد.
وكذلك مركز المبيض في الأنثى فإنه في الظهر تماما تحت الكلية ذكرا كان أم أنثى، ومعلوم أن الخصيتين والمبيض هما مستقرا النطفة التي
стр. 198
هي مبدأ خلق الإنسان وهما في الظهر، ويقولون: إن الخصية والمبيض يعتمدان على شريان يمدهما بالدم، وأصل هذا الشريان من الشريان الأورطي في مكان يقابل مستوى الكلية الذي يقع بين الصلب والترائب، ويقولون: إن الخصية والمبيض يعتمدان على الأعصاب التي تتصل بالضفيرة اللاورطية ثم بالعصب الصدري العاشر الذي يخرج من النخاع بين الضلع العاشر والحادي عشر، وهذا أيضا بين الصلب والترائب (١).
стр. 199
الرحم والنشأة الجنينية
يقول الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) [المؤمنون: ١٢ - ١٣].
ويقول تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) [المرسلات: ٢٠ - ٢٣].
ويقول ﷻ : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦].
الآيات الكريمة تشير إلى أصل الخلقة من الماء المهين- النطفة- التي تودع في القرار المكين- الرحم- وتسمية الرحم بالقرار المكين الذي يستقر فيه الجنين إلى قدر معلوم حدده الله تسمية ذات دلالة، وقد وفر له وسائل الراحة والاستقرار والعناية الربانية التي تفوق التصور، وتبرز هذه الوسائل ودقتها في الأمور التالية:
١ - الحوض وشكله: ويتكون من مجموعة من العظام متصلة ببعضها اتصالا دقيقا، فتكون مثل الصندوق الخشبي، ونظرا لاختلاف وظيفة حوض المرأة عن وظيفة حوض الرجل في قضية المحافظة على وضع الرحم فإن الله قد هيأه بعنايته لاحتواء الرحم المتنامي الذي يبلغ آلاف المرات في نهاية الحمل عن حجمه قبل الحمل، حيث لا تتجاوز سعة الرحم قبل الحمل لأكثر من (٥، ٢) ميليلتر عند الأنثى البالغة، أما في نهاية الحمل فيتسع لسبعة آلاف ميليلتر.
لذا كان تجويف الحوض عند الأنثى أوسع وأقصر، وعظام الحوض
стр. 200
أرق وأقل خشونة وأبسط تضاريسا، كل ذلك ليكون حصنا ودرعا للرحم الذي يشتمل على هذه الدرة الثمينة التي تتجلى عظمة الخالق في تكوينها.
ولتيسير طروء التغيرات على هذه العظام عند الولادة فتكوين عظام الحوض يتناسب تماما مع ما يتطلب منها من القيام بعمل تنفرد به دون غيرها من عظام الهيكل، وهكذا يحفظ الحوض العظمي الرحم بداخله بحيث لا يصله شيء من الكدمات والهزات التي تتعرض لها المرأة، بل لو أصيبت المرأة في حادث أو سقطت من شاهق وتكسرت عظامها فإننا نجد الرحم في أغلب الأحوال سليما لم يمسه سوء، ولو أن شخصا اعتدى على امرأة ومزق أحشاءها بالسكين فإنه لن يستطيع أن يصل إلى الرحم، إلا إذا كانت المرأة حاملا في الشهر الرابع فما بعده، وأما قبل ذلك فيكاد يكون من المستحيل الوصول إلى الرحم بأي أذى.
والحوض على متانته له مفاصل أربعة يمكن من خلالها أن يتحرك قليلا حتى يزداد اتساعه وخاصة عند الحمل والولادة، بينما حوض الرجل لا يكاد يتزحزح.
٢ - العضلات والأربطة: تكاد العضلات تحيط بالرحم من جميع جوانبه لتحفظ توازنه وبقاءه معلقا في منتصف الحوض، فمنها العضلات التي تمسكه من أعلى، ومنها ما تشده إلى أسفل، ومنها ما تجره يمنة ويسرة، ومنها التي تشده إلى عظام الحوض، وإلى جهات أخرى من الأحشاء تعرف بالصفاقات الحشوية والصفاقات الجدارية.
وهذه الأربطة تتعاون جميعا في حفظ الرحم في موضعه الطبيعي، وفي نفس الوقت تسمح له بالحركة الحقيقية والنمو الهائل في فترة الحمل، ولكأنما الرحم جسر معلق تربطه مجموعة محكمة من الأربطة والأعمدة المتينة المحكمة، بل إنه أعظم من ذلك بكثير، إذ لا يمكن للجسر المعلق أن ينمو أو يغير وضعه وهو متصل بمكانه لا يبرحه، كما أن وجود وفرة من الأحشاء الطرية اللينة وامتلاء الحوض بها يهيئ فراشا وثيرا للرحم عند
стр. 201
امتلائه بالجنين وتعاظمه خلال الأشهر الأخيرة من الحمل.
٣ - هرمون الحمل (البروجسترون): ويؤثر هذا الهرمون على تقلصات عضلات الرحم فيجعلها متئدة وقورة بدلا من تلك الحركات النزقة الطائشة التي يسببها هرمون الأنوثة (الأوستروجين) ولهرمون الحمل تأثير هام في استقرار الرحم في فترة الحمل، حتى لا يقذف الجنين وخاصة في أشهره الأولى.
وهكذا تتضافر هذه العوامل لجعل الرحم القرار المكين وهل هناك وصف أعظم من هذا الوصف، وتحديد أدق للوظيفة من التحديد الرباني لطبيعة تكوين الرحم ومهمته، إنه وصف الخالق لمخلوقه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) [الملك: ١٤].
إنها العناية الإلهية بهذا المخلوق المعزز المكرم، إنه الله سبحانه الذي قدر وأحكم. وإنه الإعجاز القرآني الباهر الذي جاء على لسان النبي الأمي أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) [المرسلات: ٢٠ - ٢٣].
أما الظلمات الثلاث: فإن اكتشافها أحدث، وإن واقعها أعجب، وإن وظائفها أعظم، يقول الطب الحديث عن الظلمات الثلاث ما يلي: إنها ثلاثة أغشية تحيط بالجنين داخل الرحم وتسمى:
(أ) غشاء السلى أو (الأمنيون) ويحيط بالجنين مباشرة.
(ب) غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي).
(ج) الغشاء الساقط.
(أ) غشاء السلى «الأمنيون»: وهو عبارة عن كيس غشائي رقيق ومقفل يحيط بالجنين إحاطة تامة وبه سائل يزداد مع نمو الجنين .. والجنين يلعب وسط هذا السائل ويتقلب يمنة ويسرة بل ويتشقلب رأسا على عقب.
ويمسك بالحبل السري وهو في أمان تام، وللسائل الأمنيوني فوائد جمة من أهمها:
стр. 202
أ- تغذية الجنين: حيث يحتوي السائل على مواد زلالية وسكرية وأملاح يمتصها الجنين مما يساعد على تغذيته ونموه.
ب- حماية الجنين ووقايته من الصدمات المفاجئة والحركات الخفيفة والسقطات التي تتعرض لها الأم.
ج- يحتفظ الجنين بحرارة ثابتة تقريبا فهو مكيف جيد بحيث لا تزيد الحرارة ولا تقل إلا في حدود ضئيلة جدا.
د- يمنع السائل الأمنيوني غشاء الأمنيوني من الالتصاق بالجنين، وذلك لأن التصاق الغشاء بالجنين من العوامل الهامة في حدوث التشوهات الخلقية فوجود السائل عامل مهم في تجنب هذه التشوهات الخلقية.
(ب) غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي): وهو الغشاء الثاني من الأغشية التي تحيط بالجنين، والزغابات الكثيرة الموجودة في هذا الغشاء ينتقل الغذاء والأوكسجين بواسطتها من الأم إلى الجنين، كما ينتقل غاز ثاني أوكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى دم الأم.
وبداية تكوين هذا الغشاء عند تكون النطفة الأمشاج بعد تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، وتنقسم البويضة الملقحة وتصبح مثل الكرة أو مثل ثمرة التوت وتسمى (التوتة). وتتكون من طبقات فالطبقة الداخلية يتكون منها الجنين أما الطبقة الخارجية فيتكون منها هذا الغشاء المشيمي وإليه الإشارة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [الحج: ٥] فهي المضغة غير المخلقة التي تقوم بمهمة مصنع كامل لتهيئة الغذاء المبسط المناسب للجنين، وإبعاد الفضلات التي يطرحها إلى الدورة الدموية للأم، حيث تفرزها بواسطة الكلى عن طريق البول.
(ج) الغشاء الساقط: وهو الغشاء الثالث الذي يحيط بالجنين من
стр. 203
جميع جوانبه، وهو مكوّن من الغشاء المخاطي المبطن للرحم، وسمي الساقط لأنه يسقط ويخرج مع دم النفاس.
فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى وجلّ جلاله وعظمت حكمته .. :
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) [الواقعة: ٥٨ - ٥٩].
النشأة الجنينية:
يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ (١) مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
تشير الآيات الكريمة إلى أطوار التكوين السبعة التي يمر فيها الإنسان حتى يصبح بشرا سويا. ولقد أصبحت هذه الأطوار من أهم دراسات العلوم الطبية الحديثة، وكشفت هذه العلوم أسرار التعبير بهذه الألفاظ المخصوصة في هذه الأطوار «نطفة، علقة، مضغة، تكوّن العظام، تكوّن اللحم على العظام».
ولا يتسع المجال لذكر ما قالوه هنا، وإنما نشير إلى مقتطفات من أقوالهم تلقي الضوء على جوانب من أسرار التعبير المعجز.
ولنستمع إلى رأي العلم الحديث في الطب في هذا الصدد فهم أهل الذكر في هذا المجال:
يقول الدكتور محمد علي البار في كتابه القيم «خلق الإنسان بين الطب والقرآن».
من هذه الآيات (٢) الكريمة نستطيع أن نحدد معالم أطوار الجنين
стр. 204
الإنساني وهي: (١) نطفة، (٢) علقة، (٣) مضغة مخلقة وغير مخلقة، (٤) عظام، (٥) لحم يكسو العظام، (٦) التسوية والتصوير (خلق آخر) والتعديل، (٧) نفخ الروح.
مرحلة النطفة:
والنطفة تطلق على ثلاثة أشياء هي:
١ - نطفة الذكر وهي الحيوانات المنوية.
٢ - نطفة الأنثى وهي البويضة.
٣ - النطفة الأمشاج وهي النطفة المختلطة من ماء الرجل وماء المرأة أي البويضة الملقحة، والنطفة الأمشاج هي بداية مرحلة خلق الإنسان حيث يلقح الحيوان المنوي البويضة: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) [الإنسان: ٢].
فإذا ما لقّحت البويضة وصارت بويضة ملقحة، ابتدأت انقسامات متعددة. وتعرف هذه المرحلة بمرحلة الانقسام والانشقاق وتتحول البويضة الملقحة (النطفة الأمشاج) إلى ما يشبه التوتة. ويبقى قطر النطفة الأمشاج حتى بعد أن تصبح كرة جرثومية لا يزيد عن ٤/ ١ (ربع) مليمتر، وتستغرق هذه المرحلة أسبوعا كاملا حتى تعلق هذه النطفة الأمشاج التي تحولت إلى كرة جرثومية لها خلايا آكلة وقاضمة تعلق بواسطتها وبواسطة حملات دقيقة بجدار الرحم، وتتحول حينئذ إلى المرحلة التي تليها وهي:
مرحلة العلقة:
وهي الطور الثاني الذي تنتقل إليه النطفة، ويبدأ العلوق منذ اليوم السابع (منذ التلقيح) عند ما تلتصق الكرة الجرثومية بجدار الرحم .. وهناك جملة تعلقات في هذه المرحلة: تعلق أولي بواسطة الخملات الدقيقة، ثم تعلق ثان بواسطة الخلايا الآكلة، ثم تعلق ثالث بواسطة الخملات المشيمية،
стр. 205
ثم تعلق رابع يربط بين الجنين الحقيقي وبين الغشاء المشيمي بواسطة المعلاق، ولا شك أن أهم ما يميز هذه المرحلة هو هذا التعلق، وإن وصف العلقة العالقة بجدار الرحم والمحاطة بالدم المتجمد (المتخثر) هو أدق وصف لهذه المرحلة.
وتستغرق هذه المرحلة أسبوعين تقريبا ينمو خلالها القرص الجنيني إلى لوح كمثري الشكل. وفي نهاية هذه الرحلة تنكشف الطبقة المتوسطة القريبة من محور الجنين لتشكل الكتل البدنية، ويبدأ ظهور أول كتلة بدنية في اليوم العشرين أو الواحد والعشرين منذ التلقيح، وعندئذ تكون العلقة قد تحولت إلى مضغة.
وفي هذه المرحلة نجد أن الكرة الجرثومية التي كانت قبيل العلوق لا تزيد عن ٢/ ١ نصف مليمتر قد أصبحت بعد العلوق بأسبوع واحد فقط مليمترا ونصف.
وفي نهاية الأسبوع الثالث، منذ التلقيح، يصبح طول اللوح الجنيني ملمترين ونصف.
مرحلة المضغة «الأسبوع الرابع» (١):
ويبدأ هذا الطور بظهور الكتل البدنية ويكون أول ظهورها في أعلى اللوح الجنيني جهة الرأس ثم يتوالى ظهور هذه الكتل من الرأس إلى مؤخرة الجنين .. ويبدأ ظهورها في اليوم العشرين أو الواحد والعشرين منذ التلقيح .. ثم تستمر في الظهور واحدة على كل جانب من محور الجنين ..
стр. 206
ويكون وصف المضغة أو القطعة من اللحم التي مضغتها الأسنان ولاكتها ثم قذفتها هو أصدق وصف وأدقه لهذه المرحلة.
مرحلة العظام واللحم:
وهي مرحلة تستغرق الأسبوع الخامس والسادس والسابع، وفي الأسبوع السادس تكون هذه الهياكل الغضروفية لعظام الأطراف العلوية والسفلية قد ظهرت بوضوح وإن كان الطرف العلوي يسبق الطرف السفلي ببضعة أيام، وأول علامة على وجود عضلات الأطراف تظهر في الأسبوع السابع.
ومعنى هذا أن العظام تسبق العضلات .. ثم تكسو العضلات العظام وصدق الله العظيم حيث يقول: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً.
ثم أنشأناه خلقا آخر:
وهو التصوير والتسوية والتعديل ثم نفخ الروح، لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمران: ٦].
ويقول عز من قائل: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) [الانفطار: ٦ - ٨].
وأما التسوية فهي تتم مع التصوير وقبله وبعده .. فهي تشمل جميع الأعضاء، إن عملية الهدم والبناء والتسوية والتعديل مستمرة في الجنين بشكل مثير .. إذ كل يوم بل كل ساعة تشهد جديدا .. هذه أنبوبة القلب المستطيلة تتحول إلى شكل ( S) ثم تتكون الغرف المتتالية: الأذين العام، والبطين العام، وبصلة القلب، والجيب الوريدي، ثم يعاد التركيب ليدخل الجيب الوريدي في الأذين الأيمن، وتدخل بصلة القلب في البطين الأيمن والأيسر. ومن بصلة القلب تنشأ جذور الشريان الأورطي والشريان الرئوي.
إن عملية التسوية والتعديل عملية مستمرة في بناء جسم الإنسان منذ
стр. 207
أن كان جنينا إلى أن يصبح شيخا هرما .. ولكن هذه التسوية والتعديل أبرز ما تكون في الجنين. ولا يمكن أن تتم التسوية والتعديل إلا بعد وضع الأسس. والأسس لجميع الأعضاء توضع في الفترة ما بين الأسبوع الرابع والثامن .. ولهذا تعتبر هذه الفترة هي الفترة الحرجة التي تكون فيها الجينات أشد ما تكون قابلية للتغيير، ولذا فإن تأثير الأدوية والعقاقير أو الأشعة أو الحميات .. تكون في أوج تأثيرها على الجنين في هذه الفترة.
وقد شرحت بعض الأحاديث النبوية جوانب في هذه المراحل، فقد جاء في صحيح مسلم قول الرسول ﵌: «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتبه الملك» (١).
ويقول الطب الحديث: في نهاية الأسبوع السادس تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين هذه الأعضاء وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع وحتى الأسبوع الثامن.
والمبيض والخصية لا يمكن التعرف عليهما إلا في الأسبوع السابع والثامن حيث يمكن التعرف على الغدة التناسلية خصية هي أم مبيض.
وفي رواية أخرى عند مسلم: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليه الملك فيقول: يا رب ذكر أم أنثى؟» وفي رواية:
«بضع وأربعين ليلة» وفي رواية: «لخمس وأربعين» (٢).
وهكذا نرى من مجموعة الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أن قمة تكوين الأعضاء وتحديد الذكورة والأنوثة على مستوى الغدد التناسلية إنما يكون في الأربعين.
وفي هذه الفترة يستطيل الحميل من (٥) مليميترات إلى (٢٣)
стр. 208
مليمترا، وتظهر عليه علامات خارجية كثيرة وواضحة، وإن كان بعضها لم يكتمل في هذه الفترة.
ومما تقدم يبدو أن التقسيم القرآني لمراحل نمو الجنين الإنساني أدق من وصف علم الأجنة، ولا يركز بعض علماء علم الأجنة على مرحلة العلقة كما يركز عليها التقسيم القرآني، وكذلك مرحلة التصوير والتسوية والتعديل، أما نفخ الروح فهو لا يزال في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧] (١).
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) [الواقعة:
٥٨ - ٥٩].
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) [لقمان: ١١]. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) [الذاريات: ٢١].
стр. 209
تحقيق الشخصية «البصمات»
يقول تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة: ١ - ٤].
لقد أثارت الإشارة في الآيات الكريمة انتباه المفسرين ودهشتهم، حيث أقسم الله بيوم القيامة وبالنفس الباقية على فطرتها التي تلوم صاحبها على كل معصية أو تقصير في طاعة، أقسم بهما على شيء عظيم يعتبر الركن الثاني من أركان العقيدة، ألا وهو بعث الإنسان بعد موته وجمع عظامه للحساب والجزاء. فبعد القسم على ذلك بين الله أن ذلك غير مستحيل، لأن من كان قادرا على تسوية بنان الإنسان يقدر على جمع عظامه وإعادة الحياة إليها.
والشيء المستغرب لأول وهلة في هذا الاستدلال، هو أن القدرة على تسوية البنان، والبنان جزء صغير من تكوين الإنسان، لا يدل بالضرورة على القدرة على إحياء العظام وهي رميم، لأن القدرة على خلق الجزء لا يستلزم بالضرورة القدرة على بناء الجسم كله.
وعلى الرغم من محاولات المفسرين إلقاء ضوء على البنان وإبراز جوانب الحكمة والإبداع في تكوين رءوس الأصابع من عظام دقيقة وتركيب الأظافر فيها ووجود الأعصاب الحساسة وغير ذلك، إلا أن الإشارة الدقيقة أدركت فيما بعد في القرن التاسع عشر الميلادي، عند ما اكتشف علماء الطب أن الخطوط الدقيقة الصغيرة الموجودة على البشرة في رءوس الأصابع تختلف من شخص لآخر وأن هذه الخطوط تكون على ثلاثة أنواع
стр. 210
«أقواس، أو عراو، أو دومات- بمعنى دوائر متحدة المركز» وهناك نوع رابع يختلف عن الأنواع المذكورة ويطلق عليه اسم (المركبات) لأنها مركبة من أشكال متعددة.
وهذه الخطوط تظهر في جلد الجنين وهو في بطن أمه عند ما يكون عمره بين ١٠٠ - ١٢٠ يوما، وتتكامل تماما عند مولده، ولا تتغير مدى الحياة ومهما عرض له من إصابات وحروق وأمراض، كما أنه لا تتطابق تمام التطابق من شخص إلى آخر بل لا بد من فوارق تميز أحدهما عن الآخر.
لقد قلب الأطباء هذا الاكتشاف العجيب على وجوه، وأجريت الدراسات العميقة حولها وعلى أعداد كبيرة من الناس من مختلف الجنسيات والأعمار، ثم وقفوا أمام الحقيقة عارية ليحنوا الرءوس للقادر على أن يسوي البنان، وفي سنة ١٨٨٤ م استعملت البصمات في إنجلترا رسميا كوسيلة للتعرف على شخصية الشخص المراد، ولا تزال البصمات أمضى سلاح يشهر في وجه الجريمة إلى يومنا هذا.
وتبرز عظمة الخالق في تشكيل هذه الخطوط على مسافة ضيقة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات مربعة، فلا تشابه بين بنان اثنين من ألوف الملايين من البشر.
ولو أعطي إنسان مساحة بمقدار قعر الكف مثلا وطلب منه أن يرسم لوحات كثيرة لا تتشابه في خطوطها وتقسيماتها، إن هذا الإنسان مهما كان واسع العقل، ومهما بلغت حيلته في هذا الشأن يمكن أن يرسم ألف أو عدة آلاف من النسخ، تتباين أشكالها وتقسيماتها، ومن ثم تنتهي إمكانياته، وتأتي الأشكال بعد ذلك متماثلة مع بعض ما سبق رسمه، أما خلق الله وإبداعه فلا يعجزه شيء في ذلك.
هذا ما توصل إليه العلماء إلى وقتنا الحاضر، ولا نقصر دلالة الآية القرآنية على هذا الجانب حصرا بل قد يأتي اليوم الذي تكتشف فيه أسرار
стр. 211
ربانية أخرى في تسوية البنان، وتبقى الحقيقة الخالدة بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ معلما بارزا على مر الأجيال والعصور تشير إلى مصدر القرآن الكريم.
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: ٦].
وشيء قريب من سر الخالق في البنان، قضية اختلاف ألوان الناس وأصواتهم فلا نجد شخصين متطابقين في تقاسيم الوجه والبشرة واللون، وكذلك نبرات الصوت وطريقة الكلام، إنها قدرة الخالق العظيم الذي لا تنتهي بدائع صنعه، ولا تنقضي عجائب مخلوقاته، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) [الروم: ٢٢].
стр. 212
الحساسية الجلدية
يقول الله في معرض بيان ألوان العذاب التي يلاقيها يوم القيامة الذين كفروا بآيات الله وأغمضوا بصرهم وبصيرتهم عن نور الحق:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) [النساء: ٥٦].
إن قدرة الله لا يقف أمامها شيء فتبديل الجلود المحترقة بأخرى جديدة أمر غير معجوز عنه، وقد أعاد بعث العظام وهي رميم، إنما الإشارة المعجزة في قوله تعالى: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ.
لقد قرر الأطباء أن حدود الشعور بألم الكي في الجلد السطحي، فلو احترق الجلد ووصل إلى اللحم لما كان هناك شعور بالألم بدرجة الحالة السابقة لأن الأعصاب التي تشعر بالألم موجودة في الجلد الخارجي.
أما في الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية، فالإحساس فيها ضعيف، لذلك يقول الأطباء: إن الحرق الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي
يتجاوز الجلد إلى الأنسجة لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألما كثيرا، فكأن الآية الكريمة تبين أن النار كلما أنضجت الجلد الذي يحتوي على أعصاب الإحساس بالألم جددت هذه الجلود بجلود جديدة ليستمر الشعور بالألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم (١).
إنه علم الله الذي أحاط بكل شيء، ودليل على أن هذا الكتاب
стр. 213
الخالد هو تنزيل الذي خلق الجلود والأنفس وأودع فيها خاصيات الإحساس بالألم وإلا فمن علم الأمي هذه الحقائق المذهلة في نفس الإنسان وتكوينه وميزاته التي تميز بها عن سائر المخلوقات.
الضغط الجوي وتأثيره على الإنسان:
يخبرنا القرآن الكريم عن حالة الذين يضيقون ذرعا بهدايات الإسلام ووعيده وإنذاره، يشبه حالتهم عند سماعها بحالة من يصعد في السماء وذلك في قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) [الأنعام: ١٢٥].
قال المفسرون: إن الآية الكريمة تشير إلى أن حالة الكفار عند سماع الإسلام كحالة من يزاول أمرا غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة، فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء، فحاله كحال من يزاول ما لا يقدر عليه (١).
وهذا الفهم محتمل من حيث ظاهر الآية، ولم يكن يتصور قبل صعود الإنسان في الفضاء أكثر من ذلك.
إلا أن آفاقا جديدة فتحت في دلالة الآية الكريمة عند ما صعد الإنسان في الفضاء وعرف تأثير الضغط الجوي على أجهزة الإنسان الداخلية.
يقول العلم الحديث في هذا الصدد: إن الله جعل الضغط في داخل الجسم متناسبا تماما مع الضغط الجوي المحيط بالجسم، وقدر قياس هذا الضغط بما يساوي وزن ستة وسبعين سنتمترا من الزئبق.
ففي الأحوال الاعتيادية للإنسان ليس هنالك أي تغلب من الضغط الداخلي على الخارجي ولا العكس، وبعد اكتشاف الوسائل الحديثة للارتفاع في أجواء السماء فقد لاحظوا مدى التأثير عند الصعود بهذا الضغط وما
стр. 214
يرافقه من انقباض وضيق في الصدر وآلام مبرحة في الرأس والأذنين وجميع المناطق الحساسة في الجسم، وكلما ارتفع في الجو تخلخل الضغط الجوي وزاد الضغط الداخلي واشتد هذا الضيق والشعور بالاختناق، وإذا ما استمر الإنسان في الصعود يأتي الوقت الذي يكون فيه هلاكه المحتم، لذا يضطر رواد الفضاء والطيارون الذين يحلقون عاليا في الأجواء إلى استخدام الألبسة المجهزة الخاصة بهذه الحالات، والتفسير العلمي لهذه الظواهر هو:
- كلما ارتفع الإنسان في الجو، انخفض الضغط الجوي، وتغلب عليه الضغط الداخلي للإنسان.
- تخلخل الهواء وعدم وجود الأوكسجين الكافي للتنفس.
- برودة الجو وعدم حفظ درجة الحرارة بنسبة معينة.
- يصل الإنسان عند الخروج من الغلاف الجوي إلى انعدام الوزن وهي مرحلة دقيقة خطيرة.
وكل هذه الظواهر تؤدي إلى تغير في وظائف أعضاء الإنسان الداخلية فالغازات في المعدة والأمعاء تتمدد وتسبب تقلصات عنيفة، وقد يؤدي تمدد هذه الغازات إلى انتفاخ يدفع الحجاب الحاجز إلى أعلى، فيضغط على القلب والرئتين مما يسبب الإغماء أو الاختناق في الحالات الشديدة، ويختل نظام الدورة الدموية فقد تنفجر بعض العروق والأغشية في الجسم كغشاء الطبل في الأذنين والإصابة برعاف شديد .. إلخ.
هذه هي الحالة التي يشبه بها القرآن الكريم حالة الذين يضيقون ذرعا بسماع آيات القرآن وهدايات الإسلام، إنها كحالة من يصعد في السماء من شعور بالضيق والاختناق: .. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ.
هكذا تنكشف الحجب عن الآيات المعجزة كلما تقدم العلم وتطور على مر العصور.
стр. 215
وجه دلالة الإعجاز العلمي على مصدر القرآن الكريم
إن الإشارات التي وردت في ثنايا آي الذكر الحكيم تتحدث عن بديع صنع الخالق في هذا الكون الفسيح في مختلف مجالاته، وتتحدث عن النفس الإنسانية وأعماقها وعواطفها ومشاعرها.
بلغت هذه اللفتات والإشارات من السعة والشمول مبلغا لا تستطيع أجيال من العلماء الإحاطة بها مهما أوتوا من وسائل وإمكانيات وجهود وطاقات، فهي من الشمول
بحيث تمتد في البعد الزمني إلى أصل الكون بمجراته وأفلاك نجومه وكواكبه.
ومن الإحاطة بحيث تتعرض للأنظمة المرئية وغير المرئية التي تسير عليها الكائنات الحية والجمادات من رياح، وسحب، وبحار، ونبات، وحيوان، وإنسان، وبلغت هذه الإشارات والتلميحات مبلغا من الدقة بحيث تعجز أحدث الوسائل والمختبرات العلمية عن متابعة هذه الحقائق، وكما رأينا من الأمثلة المتقدمة يقف العلم التجريبي الحديث فاغرا فاه عند بعض هذه الحقائق الدقيقة.
إن سوق القرآن الكريم هذه الحقائق بهذه السعة والشمول، وبهذه الدقة المتناهية يحمل كل صاحب عقل منصف إلى القول بأن هذا تنزيل العزيز الحكيم الذي أحاط بكل شيء علما.
إن البشرية كلها عاجزة عن الإحاطة بهذه الحقائق والوصول إلى ماهيتها وأسرارها، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن من عند رجل أمي عاش