← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9679

نصاب الاحتساب

السنامي

Полный текст (320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قيل أَنهم يقدرُونَ على الْقِرَاءَة عَن ظهر قلب فَنَقُول وَلَكِن الْقِرَاءَة بِالنّظرِ عبَادَة وَحمل الْمُصحف عبَادَة أَيْضا فَكَانَ منعا عَن العبادتين وَلِأَن إِحْضَار الْمُصحف فِي الْمجْلس للْقِرَاءَة مَعَ توقف الْقِرَاءَة نوع من الاستخفاف بالمصحف كَمَا قيل إِذا حضر الطَّعَام يُؤْكَل وَلَا ينْتَظر للأدام لِأَنَّهُ استخفاف بِالطَّعَامِ وَالْحَادِي وَالْعشْرُونَ إِذا كَانَت مَقْبرَة الْمَيِّت بعيدَة عَن منزل بعض النَّاس يخرد من بَيته قبل صَلَاة الْفجْر بعد طُلُوع الصُّبْح ليمكنه الْحُضُور ثمَّة مَعَ النَّاس وَأَنه مَكْرُوه ذكر فِي الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي الْإِمَامَة والاقتداء من الْخُلَاصَة رجل يصلح للْإِمَامَة وَلَا يؤم أهل الْمحلة ويؤم أهل مَحَله أُخْرَى فِي شهر رَمَضَان قَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يخرج إِلَى تِلْكَ الْمحلة قبل دُخُول وَقت الْعشَاء وَلَو ذهب بعد دُخُول وَقت الْعشَاء يكره ذَلِك وَصَارَ بِهِ كمن سَافر بعد دُخُول وَقت الْجُمُعَة فَإِنَّهُ يكره وَالثَّانِي وَالْعشْرُونَ هُوَ أَن فِي الْحُضُور لليوم الثَّانِي وَالثَّالِث ترك الْجُلُوس فِي مَوضِع الصَّلَاة وَأَنه مُسْتَحبّ وَالْجمع مُمكن بِأَن يقعدوا إِلَى طُلُوع الشَّمْس ثمَّ يغدوا إِلَى الزِّيَارَة لَو كَانَ حَال الْمَقْصُود الزِّيَارَة وَأما لَو كَانَ الْمَقْصُود المراءاة فَكفى بِهِ عارا وَالْجُلُوس فِي مَوضِع الصَّلَاة بعد الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس مُسْتَحبّ من التَّجْنِيس والمزيد بل هُوَ يَنْبَغِي أَن يكون سنته لما ذكر فِي قوت الْقُلُوب كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى الْغَدَاة قعد فِي مصلاة حَتَّى تطلع الشَّمْس وَفِي بَعْضهَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَقد ندب إِلَى ذَلِك فِي غير خبر وَجَاء فِي فَضَائِل الْجُلُوس من بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس وَفِي الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ بعد ذَلِك مَا لَا يعد وَصفه

стр. 107

وَالثَّالِث وَالْعشْرُونَ هُوَ أَنهم يسجون قبر الْمَيِّت بِثَوْب فِي الْيَوْم الثَّالِث وَغَيره من أَيَّام الزِّيَارَة الْمَعْهُودَة وتسجية الْقَبْر غير مَشْرُوع أصلا فِي حق الرِّجَال وَبعد تَسْوِيَة اللَّبن فِي حق النِّسَاء وَمر عَليّ ﵁ تَعَالَى بِقَبْر رجل قد سجي فَنهى عَن ذَلِك وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ رجل من الزهاد

стр. 108

الْبَاب السَّابِع عشر فِي الاحتساب على الخطباء عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنَّهُمَا قَالَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج ثمَّ أَتَى على قوم تقْرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حَدِيد كلما قرضت عَادَتْ كَمَا كَانَت فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل فَقَالَ هَؤُلَاءِ خطباء الْفِتْنَة ذكر فِي شرح الْكَرْخِي قَالَ أَبُو الْحسن لَا تطول الْخطْبَة فَإِنَّهُ ﵇ أَمر بتقصير الْخطْبَة وَقد قَالَ الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يخْطب

стр. 109

خطْبَة خَفِيفَة يفْتَتح بِالْحَمْد لله تَعَالَى ويثني عَلَيْهِ ويتشهد وَيُصلي على النَّبِي ﵇ ويعض وَيذكر وَيقْرَأ سُورَة وَيجْلس جلْسَة خَفِيفَة ثمَّ يقوم فيخطب أُخْرَى يفْتَتح بِالْحَمْد لله ويثني عَلَيْهِ ويتشهد وَيُصلي على النَّبِي ﵇ وَيَدْعُو للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَيكون قدر الْخطْبَتَيْنِ قدر سُورَة من طوال الْمفصل ذكر فِي قوت الْقُلُوب وَمن خشِي الْفِتْنَة والآفة فِي قربه من الإِمَام بِأَن يستمع مَا يجب عَلَيْهِ إِنْكَاره أَو يرى مَا يلْزم الْأَمر فِيهِ أَو النَّهْي عَنهُ من لبس حَرِير أَو ديباج كَانَ بعده من الصُّفُوف الْمُتَقَدّمَة أصلح لِقَلْبِهِ وأجتمع لهمه وَفِي هَذَا الزَّمَان نَوْعَانِ من مُنكرَات الخطباء أَحدهمَا أَنهم يَقُولُونَ فِي خطبهم كَلِمَات يجب النَّهْي عَنْهَا وَالثَّانِي يلبسُونَ طيالسة الْحَرِير وَالنَّهْي عَنْهَا وَاجِب وَفِي سير الْمُحِيط حُكيَ عَن إِمَام الْهدى أبي مَنْصُور الماتريدي إِن من قَالَ لسلطان زَمَاننَا أَنه

стр. 110

عَادل فقد كفر وَبَعْضهمْ قَالُوا لَا يكفر قَالَ العَبْد فعلى الخطباء أَن يحترزوا عَن هَذِه الْكَلِمَات لِئَلَّا يخْتَلف فِي إِيمَانهم سُئِلَ دَاوُد عَن الخطباء الَّذين يخطبون على المنابر يَوْم الْجُمُعَة مَا قَالُوا فِي القاب السُّلْطَان فَإِنَّهُم يَقُولُونَ السُّلْطَان الْعَادِل وَالسُّلْطَان الْعَالم الْأَعْظَم شهنشاه مَالك رِقَاب الْأُمَم سُلْطَان أَرض الله مَالك بِلَاد الله نَاصِر عباد الله معِين خَليفَة الله تَعَالَى هَل يجوز أم لَا قَالَ لَا يجوز على الْإِطْلَاق وَالتَّحْقِيق لِأَن بعض الفاظه كفر وَبَعضه كذب قَالَ أَبُو مَنْصُور الماتريدي السَّمرقَنْدِي رَحمَه الله تَعَالَى من قَالَ للسُّلْطَان الَّذِي بعض أَفعاله جور عَادل على الْإِطْلَاق فَهُوَ كَافِر لِأَنَّهُ لَو كَانَ بعض أَفعاله ظلما وجورا وَهُوَ سَمَّاهُ عادلا على الْإِطْلَاق فقد اعْتقد الظُّلم والجور عدلا وَمن اعتقدهما هَكَذَا فَهُوَ كَافِر وَأما شهنشاه الْأَعْظَم فَهِيَ من خَصَائِص أَسمَاء الله تَعَالَى بِدُونِ وصف الْأَعْظَم فَلَا يجوز وصف الْعباد بذلك وَأما مَالك رِقَاب الْأُمَم كذب لِأَن الرّقاب اسْم جمع والأمم جمع وَفِي تَسْمِيَة مَالك رِقَاب الْأُمَم مَا يتَنَاوَل الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَغَيرهَا من الْحَيَوَانَات وَأما سُلْطَان أَرض الله وَأَخَوَاتهَا على الْإِطْلَاق كذب وَلَا يجوز الْكَذِب فِي عُمُوم الْأَحْوَال فَكيف يجوز فِي مَكَان الرَّسُول سيد الْأَنَام قَالَ لَو ابتلى الْإِنْسَان بِهِ وَقَالَ السُّلْطَان الْأَعْظَم أَو قَالَ السُّلْطَان الْعَادِل واعتقد بِقَلْبِه تلقيا أَو مجَازًا يُرْجَى فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَن لَا يَأْثَم

стр. 111

لِأَنَّهُ يجوز أَن يُسمى الْأَبْيَض بالأسود وَالْأَعْمَى بالبصير على طَرِيق الْمجَاز فَكَذَلِك هَا هُنَا وَلكنه مترخص وَصَاحب الْعَزِيمَة وَهُوَ التارك لمثل هَذِه الْكَلِمَات هُوَ الْأَفْضَل وَالدُّخُول فِي أَمر السلاطين فِي زَمَاننَا هَذَا مَعَ التَّحَرُّز عَن مثل هَذِه الجرائم غير مُمكن فالأسلم ترك الخطابة والاشتغال بالتقوى المستطابة فَإِن جاه الْأُخْرَى أبقى وزخارف الدُّنْيَا لَا يطمئن بهَا إِلَّا الأشقى وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَالله أعلم

стр. 112

الْبَاب الثَّامِن عشر فِي الاحتساب على من حلف بِغَيْر الله تَعَالَى اَوْ حلف بِهِ مَسْأَلَة لَا يجوز أَن يحلف وَيَقُول لعمر فلَان ولعمرك فَإِن قَالَ ذَلِك يكون إِثْمًا وَإِن قَالَ لعمر فلَان وبر فِي يَمِينه فَإِنَّهُ يكون كَبِيرَة قَالَ بَعضهم يكفر وَقَالَ بَعضهم لَا يكفر وَلَا يجوز أَن يحلف بِهَذَا فَإِذا حلف فَلَيْسَ لَهُ أَن يبره وَيجب أَن يُخَالف وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَئِن أَحْلف بِاللَّه تَعَالَى كَاذِبًا أحب إِلَيّ من أَن أَحْلف بِغَيْر الله تَعَالَى صَادِقا وَعَن ابْن مَسْعُود إِن الْحلف بِغَيْر الله تَعَالَى إشراك وَمثله عَن ابْن عمر ﵄ وَلَا يجوز للْحَاكِم أَن يحلف بِالطَّلَاق أَو الْعتاق وَالْحج لما ذكرنَا قَالَ العَبْد فَكل تَعْلِيق فَهُوَ حلف بِغَيْر الله تَعَالَى وَأَنه غير جَائِز والحالف والمستحلف بهَا آثم مرتكب للكبيرة وَأما إِذا ألح الْخصم قبل يجوز للْقَاضِي أَن يحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق إحْيَاء لحقوق النَّاس من الْهِدَايَة وَالْأول من الْكِفَايَة فِي الْإِيمَان وَذكر فِي سير الْمُحِيط فِي كَلِمَات الْكفْر وَفِي الْجَامِع الْأَصْغَر قَالَ عَليّ

стр. 113

الرَّازِيّ رَحمَه الله تَعَالَى الله أَخَاف على من يَقُول بحياتي وحياتك وَمَا أشبه ذَلِك الْكفْر فلولا أَن الْعَامَّة يَقُولُونَ وَلَا يعلمُونَ لَقلت أَنه شرك لِأَنَّهُ لَا يَمِين إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى فَإِذا حلف بِغَيْر الله تَعَالَى فقد أشرك

стр. 114

الْبَاب التَّاسِع عشر فِي الاحتساب على من يتَكَلَّم بِكَلِمَات الْكفْر وَفِي هَذِه الْمسَائِل أَمر يتَعَلَّق بالمفتي وَأمر يتَعَلَّق بالمحتسب وَأمر يتَعَلَّق بالقائل فَأَما مَا يتَعَلَّق بالمحتسب فَكل كلمة توجب الْكفْر بِكُل وَجه أَو بِوَجْه يُوجب الْكفْر دون وَجه أَولا يجب أصلا وَلكنه فِيهَا إساءة أَو خطأ فَإِن الْمُحْتَسب يمْنَع من ذَلِك كُله وَلَكِن يمْنَع فِي كل بَاب يقدر جريمته وَالتَّقْدِير فِيهِ مفوض إِلَى رَأْيه يفعل بِقدر مَا يعلم أَنه ينزجر بِهِ إِن كَانَ لَهُ راي وَإِلَّا يرجع إِلَى أهل الْعلم وَلَا يبلغ حد الْحُدُود وَأما مَا يتَعَلَّق بالمفتي وَالْقَائِل يجب أَن يعلم أَنه إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة وُجُوه توجب التَّكْفِير وَوجه وَاحِد يمْنَع التَّكْفِير فعلى الْمُفْتِي أَن يمِيل إِلَى الْوَجْه الَّذِي يمْنَع التَّكْفِير تحسينا للظن بِالْمُسلمِ ثمَّ إِن كَانَ نِيَّة الْقَائِل الْوَجْه يمْنَع التَّكْفِير فَهُوَ مُسلم وَإِن كَانَ يُرِيد بِهِ الْوَجْه الَّذِي يُوجب التَّكْفِير فَلَا تَنْفَعهُ فَتْوَى الْمُفْتِي

стр. 115

وَيُؤمر بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوع عَن ذَلِك وبتجديد النِّكَاح بَينه وَبَين امْرَأَته وَمن أَتَى بِلَفْظَة الْكفْر مَعَ علمه أَنَّهَا لَفْظَة الْكفْر عَن اعْتِقَاده فقد كفر وَإِن لم يعْتَقد أَو لم يعلم أَنَّهَا لَفْظَة الْكفْر وَلَكِن أَتَى بهَا عَن اخْتِيَار فقد كفر عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَلَا يعْذر بِالْجَهْلِ وَإِن لم يكن قَاصِدا فِي ذَلِك بِأَن أَرَادَ أَن يلتفظ بِلَفْظ آخر فَجرى على لِسَانه لَفْظَة الْكفْر من غير قصد وَذَلِكَ نَحْو أَن أَرَادَ أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَجرى لِسَانه أَن مَعَ الله إِلَهًا آخر أَو أَرَادَ أَن يَقُول بِحَق آنكه توخداي وَمَا بند كانيم كَانَ مجْرى على لِسَانه الْعَكْس لَا يكفر وَفِي الْأَجْنَاس عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى نَص أَن من أَرَادَ أَن يَقُول أكلت فَقَالَ كفرت أَنه لَا يكفر قَالُوا هَذَا مَحْمُول على مَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَأَما القَاضِي لَا يصدقهُ وَمن أضمر بالْكفْر أَو هم بِهِ فَهُوَ كَافِر وَمن أَرَادَ أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَقَالَ لَا إِلَه فَلم يصل إِلَّا الله لَا يكفر لِأَنَّهُ عقد على الْإِيمَان وَمن كفر بِلِسَانِهِ طَائِعا وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان فَهُوَ كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ مَا فِي قلبه لِأَن الْكَافِر إِنَّمَا يعرف من الْمُؤمن بِمَا نطق بِهِ فَإِذا نطق كَانَ كَافِرًا وَعند الله تَعَالَى وَلَو قَالَ إِن كَانَ غَدا كَذَا فَأَنا أكفر قَالَ أَبُو الْقَاسِم فَهُوَ كَافِر من سَاعَته وَفِي سير

стр. 116

الْأَجْنَاس من عزم على أَن يَأْمر غَيره بالْكفْر كَانَ كَافِرًا وَمن خطر بِبَالِهِ أَشْيَاء توجب الْكفْر وَلم يتَكَلَّم بهَا وَهُوَ كَارِه لذَلِك لَا يضرّهُ وَهُوَ مَحْض الْإِيمَان وَمن تكلم بِكَلِمَة توجب الْكفْر وَضحك بِهِ غَيره يكفر الْمُتَكَلّم والضاحك وَلَو تكلم بذلك وَقبل الْقَوْم ذَلِك مِنْهُ فقد كفرُوا وَمن رَضِي بِكفْر نَفسه فقد كفر وَمن رَضِي بِكفْر غَيره فقد اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ وَقَالُوا فِي السّير الْكَبِير مَسْأَلَة تدل على أَن الرضاء بِكفْر الْغَيْر لَيْسَ بِكفْر وَصُورَة مَا ذكر فِي السّير الْكَبِير الْمُسلمُونَ إِذا أخذُوا أَسِيرًا وخافوا أَن يسلم فكمموه أَي شدوا فَمه بِشَيْء حَتَّى لَا يسلم أَو ضربوه حَتَّى يشْتَغل بِالضَّرْبِ فَلَا يسلم فقد أساؤا فِي ذَلِك فَلم يقل فقد كفرُوا وَأَشَارَ الشَّيْخ الإِمَام شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ إِلَى أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَا تصلح دَلِيلا لِأَن تَأْوِيل هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الْمُسلمين يعلمُونَ أَنه لَا يسلم حَقِيقَة وَلَكِن يظْهر الْإِسْلَام بِغَيْر اعْتِقَاد لينجو عَن شَرّ الْقَتْل

стр. 117

فَلَا يكون هَذَا رِضَاء مِنْهُم بِكُفْرِهِ وَذكر شيخ الْإِسْلَام فِي شرح السّير أَن الرِّضَا بِكفْر الْغَيْر إِنَّمَا يكون كفرا إِذا كَانَ يستجير الْكفْر ويستحسنه أما إِذا كَانَ لَا يستجيزه وَلَا يستحسنه لَكِن أحب الْمَوْت وَالْقَتْل على الْكفْر لمن كَانَ شريرا مؤذبا بطبعه حَتَّى ينْتَقم الله مِنْهُ فَهَذَا لَا يكون كفرا وَمن تَأمل قَول اله تَعَالَى ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا﴾ الْآيَة يظْهر لَهُ صِحَة مَا ادعيناه وعَلى هَذَا إِذا ادّعى على ظَالِم أماتك الله تَعَالَى على الْكفْر أَو قَالَ سلب الله تَعَالَى عَنْك الْإِيمَان أَو دعى عَلَيْهِ بِالْفَارِسِيَّةِ خداي تَعَالَى جانت بكافري بستاند فَهَذَا لَا يكون كفرا إِذْ لَا يستحسن الْكفْر وَلَا يستجيزه وَلَكِن تمنى أَن يسلب الله تَعَالَى عَنهُ الْإِيمَان حَتَّى ينْتَقم الله تَعَالَى مِنْهُ على ظلمه وإيذائه بالخلق وَقد عثرنا على رِوَايَة أبي حنيفَة ﵀ إِن الرضاء بِكفْر الْغَيْر كفر من غير تَفْصِيل ثمَّ مَا يكون كفرا بِلَا خلاف يُوجب إحباط الْعَمَل وَيلْزم لَهُ إِعَادَة الْحَج إِن كَانَ قد حج وَيكون وَطْء امْرَأَته زنا وَالْولد الْمُتَوَلد فِي هَذِه الْحَالة يكون ولد الزِّنَا وَإِن أَتَى بِكَلِمَة الشَّهَادَة بعد ذَلِك إِذا كَانَ الْإِتْيَان على دَرَجَة الْعَادة وَلم يرجع عَمَّا قَالَ لَا يحكم بإيمانه حَتَّى يرجع عَمَّا قَالَ لِأَن الاتيان بِكَلِمَة الشَّهَادَة على وَجه الْعَادة لَا يرفع الْكفْر وَمَا كَانَ فِي كَونه كفرا اخْتِلَاف فَإِن قَائِله يُؤمر بتجديد النِّكَاح وَالتَّوْبَة وَالرُّجُوع عَن ذَلِك بطرِيق الِاحْتِيَاط وَأما مَا كَانَ خطأ من الْأَلْفَاظ فَلَا يُوجب الْكفْر فقائله مُؤمن على حَاله وَلَا يُؤمر بتجديد النِّكَاح وَلَكِن يُؤمر با لَا ستغفار وَالرُّجُوع عَن ذَلِك

стр. 118

الْبَاب الْعشْرُونَ فِي الاحتساب على الْوَالِدين وَالْأَوْلَاد وَاعْلَم بِأَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يسْقط بِحَق الْأُبُوَّة والأمومة لِأَن النُّصُوص مُطلقَة وَلِأَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لمَنْفَعَة الْمَأْمُور والمنهى وَالْأَب وَالأُم أَحَق أَن يُوصل الْوَلَد إِلَيْهِمَا الْمَنْفَعَة وَقَالَ الله تَعَالَى خَبرا عَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ أَنه سَأَلَ أَبَاهُ عَن الْحجَّة على دينه الْبَاطِل وَبَين تعريضا حجَّته على بطلَان دين أَبِيه قَالَ الله تَعَالَى خَبرا عَنهُ ﴿يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ فَلَمَّا ظهر عجزة وَتبين قبح دينه أخبرهُ عَن نَفسه بِأَنَّهُ أُوتِيَ من الْعلم مَا لم يُؤْت ذَلِك إِيَّاه فَقَالَ يَا أَبَت قد جَاءَنِي من الْعلم مَا لم يأتك الْآيَة فَلَمَّا أثبت أَنه عَالم وَأَبوهُ جَاهِل أمره بِالْمَعْرُوفِ ووعده وَعدا حسنا فَقَالَ فاتبعني أهدك صراطا سويا وَنَهَاهُ عَن الْمُنكر وَبَين لَهُ مَادَّة الْمُنْكَرَات وَهِي مُتَابعَة الشَّيْطَان وَبَين مذمة الشَّيْطَان فَقَالَ ﴿يَا أَبَت لَا تعبد الشَّيْطَان إِن الشَّيْطَان كَانَ للرحمن عصيا﴾ ثمَّ بَين الْوَعيد على مُخَالفَته فَقَالَ يَا أَبَت أَنِّي أَخَاف أَن يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن

стр. 119

فَتكون للشَّيْطَان وليا) ثمَّ إِن الْوَلَد إِذا أَمر أَبَاهُ يتبع الْخَلِيل وَيبين الدَّلِيل ويلين الْقلب العليل وَيهْدِي السَّبِيل فَإِن أَجَابَهُ فبها وَإِن عَارضه بمكروه أعرض عَنهُ بِمَعْرُوف وَلَا يتَعَرَّض لَهُ بعد ذَلِك ويشتغل بالاستغفار لِأَن الْخَلِيل لما سمع من أَبِيه مَكْرُوها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى خَبرا عَن أَبِيه ﴿لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمنك واهجرني مَلِيًّا﴾ فاعرض الْخَلِيل بِمَعْرُوف وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿سَلام عَلَيْك﴾ ووعد لَهُ بالاستغفار فَقَالَ ﴿سأستغفر لَك رَبِّي﴾ وَقد أنْجز وعده فَقَالَ ﴿واغفر لأبي إِنَّه كَانَ من الضَّالّين﴾ وَلِهَذَا ذكر فِي شرعة الْإِسْلَام وَالسّنة فِي أَمر الْوَالِدين بِالْمَعْرُوفِ أَن يأمرهما بِهِ مرّة فَإِن قبلا فبها وَإِن كرها سكت عَنْهُمَا واشتغل بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لَهما فَإِن الله تَعَالَى يكفية مَا يهمه من أَمرهمَا وَمن بلغه مَعْصِيّة رجل يحل لَهُ أَن يكْتب إِلَى أَبِيه أَن علم أَن أَبَاهُ يقدر على مَنعه وَإِلَّا فَلَا كَيْلا تقع الْعَدَاوَة بَينهمَا غَرَض من الْخَانِية وَذكر فِي غضب الْمُلْتَقط وَيحل للْأُم أَن تمنع ابْنهَا من الْجِهَاد وَأَن امْتنع بقولِهَا فَإِن لم يمْتَنع لَا تَمنعهُ

стр. 120

الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي الاحتساب فِي الْخُصُومَة الْوَاقِعَة بَين الْجِيرَان رجل هدم بَيته فَلم يبن وَالْجِيرَان يتضررون بِهِ كَانَ لَهُم جبره على الْبناء إِذا كَانَ قَادِرًا لِأَن لَهُم ولَايَة دفع الضَّرَر هَكَذَا ذكر هُنَا وَالْمُخْتَار أَنه لَيْسَ لَهُم ذَلِك لِأَن الْمَرْء لَا يجْبر على بِنَاء ملكه رجل لَهُ دَار أَن يرفع بناءه ويمنعه الْجَار أَن مَنعه لِأَنَّهُ يسد عَلَيْهِ الضَّوْء فَلهُ الْمَنْع لِأَن الضَّوْء من الْحَوَائِج الْأَصْلِيَّة فَإِن مَنعه لِأَنَّهُ يسد عَلَيْهِ الشَّمْس وَالرِّيح فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُمَا من الْحَوَائِج الزَّائِدَة وَالْأَصْل أَن من تصرف فِي ملكه تَصرفا يضر بجاره ضَرَرا بَينا يمْنَع منع وَإِلَّا فَلَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَاصل آخر فِي الْعُلُوّ والسفل أَن تصرف صَاحب الْعُلُوّ إِن كَانَ يضر بالسفل بِيَقِين أَو شكّ أَنه يضر أَو لَا يملك صَاحب الْعُلُوّ ذَلِك بِغَيْر إِذن صَاحب السّفل بِلَا خلاف وَأما إِذا علم بِيَقِين أَنه لَا يضر اخْتلفُوا فِيهِ وَالْمُخْتَار أَنه

стр. 121

يملك وأصل آخر أَن من تصرف فِي ملكه تَصرفا يَزُول بِهِ نفع جَاره بِملك الْمُتَصَرف لَا يمْنَع من ذَلِك وَإِن سخط جَاره كَمَا لَو كَانَ لرجل شَجَرَة يستظل بهَا جَاره أَرَادَ الْمَالِك قلعهَا لَا يمْنَع الْمَالِك عَن ذَلِك وكما مر من مَسْأَلَة بِنَاء الْجِدَار فِي أول الْبَاب وأصل آخر أَن الِانْتِفَاع بِملك الْغَيْر إِنَّمَا يجوز إِذا لم يمنعهُ الْمَالِك فَإِن مَنعه لَا يجوز والهواء ملك لمن هُوَ مَالك الأَرْض وَالْبناء وَالْوَارِث وَالْمُشْتَرِي قائمان مقَام أَصلهمَا كَمَا لَو اشْترى رجل ضَيْعَة وفيهَا أَغْصَان متدلية من شَجَرَة ضَيْعَة بجنبها أَو ورثهَا فللوارث وَالْمُشْتَرِي أَن يَأْمر الْجَار بتفريغ هَوَاء ضيعته قَالَ العَبْد فعلى قِيَاس هَذَا إِذا مَال الْحَائِط إِلَى دَار الْجَار بِحَيْثُ يشغل من هَوَاء دَار جَارة شَيْئا فَلهُ أَن يَأْمُرهُ بتفريغ هوائه وَنقض حَائِطه وَإِن كَانَ لَا يخَاف على وُقُوعه وعَلى قِيَاس هَذَا لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فَوق الْقُبُور بَيْتا أَو مَسْجِدا لِأَن مَوضِع الْقَبْر حق للمقبور وَلِهَذَا لَا يجوز نبشه إِذا كَانَ الْقَبْر فِي ملكه وَملكه بعد فِي قَبره بَاقٍ لاحتياجه إِلَيْهِ فَلَا يجوز لأحد من ورثته أَو جِيرَانه التَّصَرُّف على هَوَاء قَبره ثمَّ فِي مَسْأَلَة الشَّجَرَة إِذا لم يقطع صَاحب الشَّجَرَة غُصْن شجرته وَلَا يفرغ هواءه هَل للْجَار أَن يقطع غُصْن الشَّجَرَة وَجَوَابه أَنه يقطع بِغَيْر إِذن الْجَار روى ذَلِك عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى قَالُوا وَهَذِه الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن أَحدهمَا إِنَّه إِن أمكنه أَن يفرغ هواءه بِغَيْر الْقطع بِأَن يسحب غصنه

стр. 122

بِحَبل لَا يقطع فَإِن لم يفعل يَأْمُرهُ الْحَاكِم بذلك وَإِن لم يُمكنهُ فَالْأولى أَن يسْتَأْذن الْمَالِك فِي قطعه فَإِن أذن قطع وَإِن لم يَأْذَن يرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يَأْذَن لَهُ وَإِن قطعه بِنَفسِهِ فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن قطعه فِي مَوضِع لَا يكون الْقطع فِي مَوضِع آخر أَنْفَع لَا يضمن وَإِن كَانَ الْقطع فِي مَوضِع آخر أَعلَى مِنْهُ أَو أَسْفَل أَنْفَع ضمن وَإِن كَانَ الْقطع من جَانب صَاحب الشَّجَرَة أقل ضَرَرا لَيْسَ للْجَار أَن يقطعهُ من جَانب نَفسه وَلَكِن يرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي ليأمره بِالْقطعِ فَإِن لج وَأبي بعث القَاضِي أَمينا جتى يقطعهُ من جَانب صَاحب الشَّجَرَة وَمَا أنْفق الْجَار فِي الْقطع فَهُوَ مُتَبَرّع دَار فِي سكَّة غير نَافِذَة لرجل وَاشْترى بجنبها بَيْتا ظَهره فِي هَذِه السِّكَّة وبابه فِي سكَّة أُخْرَى وَأَرَادَ أَن يفتح لهَذَا الْبَيْت بَابا فِي هَذِه السِّكَّة لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلأَهل السِّكَّة أَن يمنعوه عَن ذَلِك وَقيل لَهُ ذَلِك وَلَو أَرَادَ أَن يفتح بَابا لهَذَا الْبَيْت فِي دَاره ليدْخل من الْبَيْت فِي دَاره ويتطرق من دَاره إِلَى السِّكَّة فَإِنَّهُ لَا يكون لأهل السِّكَّة أَن يمْنَعُونَ عَن ذَلِك إِلَّا إِذا آجر الْبَيْت من رجل وَترك الدَّار لنَفسِهِ ليدْخل الْمُسْتَأْجر الْبَيْت من طَرِيق السِّكَّة فِي الدَّار فَيدْخل من الدَّار فِي الْبَيْت الْمُسْتَأْجر فَيمْنَع من ذَلِك وَأَن أجر الْبَيْت وَالدَّار لَا يمْنَع لِأَن الْمُسْتَأْجر يقوم مقَام الْأجر فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لِأَن الْمَار وَاحِد وَفِي الأولى اثْنَان فَيكون لَهُم حق الْمَنْع دَار فِي سكَّة غير نَافِذَة بَين وَرَثَة فاقتسموها بَينهم فَأَرَادَ أَن يفتح كل وَاحِد

стр. 123

مِنْهُم بَابا فِي هَذِه السِّكَّة فَلهم ذَلِك وَلَا يكون لأهل السِّكَّة أَن يمنعوهم عَن ذَلِك دَار لرجل بَابهَا فِي سكَّة نَافِذَة وَقد كَانَت فِي الْقَدِيم بَابهَا فِي سكَّة غير نَافِذَة فَبَاعَهَا من رجل فَأَرَادَ المُشْتَرِي أَن يفتح بَابا فِي غير تِلْكَ السِّكَّة فَإِن أقرّ أهل السِّكَّة كلهم بذلك فَلهُ ذَلِك لِأَن المُشْتَرِي قَائِم مقَام البَائِع وَإِن أَنْكَرُوا يحلف وَاحِد فَإِن حلف سقط حفه إِلَّا بِبَيِّنَة وَإِن نكل وَاحِد يحلف وَاحِد وَاحِد إِلَى أَن ينكل الْكل فَإِن نكل الْكل ثَبت حَقه فَلهُ فتح الْبَاب فِيهَا أهل السِّكَّة إِذا أَرَادوا أَن يجْعَلُوا دربا أَو يسدوا رَأس السِّكَّة لَيْسَ لَهُم ذَلِك لِأَن مثل هَذِه السِّكَّة وَإِن كَانَت ملكا لأَهْلهَا ظَاهرا لَكِن للعامة فِيهَا نوع من الْحق أَيْضا وَهُوَ أَنه إِذا ازْدحم النَّاس فِي الطَّرِيق كَانَ لَهُم أَن يدخلُوا حَتَّى يخف الازدحام وَلِهَذَا لَا يكون لَهُم أَن يبيعوها وَلَا أَن يقتسموها بَينهم قَالَ أَبُو حنيفَة الطَّرِيق إِذا كَانَت غير نَافِذَة فلاصحابه أَن يضعوا فِيهِ الْخشب ويربطوا الدَّوَابّ وَأَن يتوضأوا فِيهِ فَإِن عطب إِنْسَان بِمَاء الْوضُوء والخشبة وَالدَّابَّة فَلَا ضَمَان على الرابط والمتوضئ والواضع وَلكُل صَاحب دَار الِانْتِفَاع بِفنَاء دَاره مَا لَيْسَ لغيره من القاء الثَّلج والطين والحطب وربط الدَّوَابّ وَالْقعُود وَبِنَاء الدّكان والتنور وَلَكِن بِشَرْط السَّلامَة قَالُوا وَبِنَاء الدّكان والتنور يجوز فِي الْعَامَّة وَأما فِي الْخَاصَّة فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك إِلَّا بِإِذن جَمِيع أهل السِّكَّة وَلَيْسَ الْأَهْل السِّكَّة أَن يحفروا فِيهَا بِئْرا لصب المَاء وَإِن اجْتَمعُوا على ذَلِك كلهم

стр. 124

وَفِي فَتَاوَى الفضلي لأهل السِّكَّة ربط الدَّوَابّ بِفنَاء دَاره وَلَيْسَ لَهُ بِنَاء الْآجر وَأَن فعل وَاحِد مِنْهُم فَلِكُل وَاحِد مِنْهُم أَن يَأْخُذ بِنَقْض الْآجر لِأَنَّهُ مُشْتَرك وَالِانْتِفَاع بِالْبَيْتِ الْمُشْتَرك جَائِز والربط انْتِفَاع وَلَيْسَ لأحد الشُّرَكَاء الْبناء فِيهِ وَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يتَّخذ طينا فِي زقاق غير نَافِذَة أَن ترك من الطَّرِيق قدر مُرُور النَّاس وَيَرْفَعهُ سَرِيعا ويتخذ فِي الْأَحَايِين مرّة لم يمْنَع من ذَلِك دَار فِي محلّة عامرة أَرَادَ صَاحبهَا أَن يخربها لَهُ ذَلِك فِي الْقيَاس وَفِي الِاسْتِحْسَان لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَعَلِيهِ فَتْوَى أبي الْحسن الْكَرْخِي وعَلى الْقيَاس فَتْوَى الصَّدْر الشهديد حسام الدّين ﵀ وَالضَّرَر الْبَين مثل أَن يوهن دوران الرَّحَى للطحان جِدَار الْجَار أَو ريح دورانه فَلَو أَرَادَ وَاحِد أَن يتَّخذ فِي دَاره خراسا فللجار مَنعه لما ذكرنَا وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف فِيمَن يتَّخذ فِي دَاره حَماما ويتأذى مِنْهُ الْجِيرَان من دخانها فَلهم مَنعه إِلَّا أَن يكون دُخان الْحمام مثل دخانهم وَمِنْهَا مَا لَو اتخذ الْمسكن الْقَدِيم اصطبلا وَيجْعَل حوافر الدَّوَابّ غلى جدارالجار يمْنَع من ذَلِك لِأَنَّهُ يوهن الْبناء وَلَو خرب الْجِدَار بذلك قيل لَا يضمن لِأَن فعل الدَّابَّة جَبَّار وَلَو ضمن إِنَّمَا يضمن لإدخال الدَّابَّة فِي الْمسكن وَأَنه لَيْسَ بمتعد فِيهِ

стр. 125

وَمِنْهَا رجل لَهُ شَجَرَة فرصاد قد بَاعَ أَغْصَانهَا فَإِذا ارتقاها المُشْتَرِي اطلع على عورات الْجَار قَالَ يرفع الْجَار إِلَى القَاضِي حَتَّى يمنعهُ من ذَلِك قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد فِي واقعاته الْمُخْتَار أَن المُشْتَرِي يُخْبِرهُمْ فِي وَقت الارتقاء مرّة أَو مرَّتَيْنِ حَتَّى يستروا أنفسهم لِأَن هَذَا جمع بَين الْحَقَّيْنِ وَأَن لم يفعل يرفع الْجَار إِلَى القَاضِي فَإِن رأى القَاضِي الْمَنْع كَانَ لَهُ ذَلِك وَمِنْهَا أَنه لَو فتح كوَّة فِي جِدَاره حَتَّى وَقع نظره مِنْهَا إِلَى نسَاء جَاره على رِوَايَة كتاب الْقِسْمَة لَا يمْنَع وَالْفَتْوَى على أَنه يمْنَع وَفِي الْمُلْتَقط الناصري أَن خبازا أَتَّخِذ حانوتا فِي وسط البزازين يمْنَع من ذَلِك وَكَذَا كل ضَرَر عَام وَبِه أفتى أَبُو الْقَاسِم قَالَ العَبْد وَلذَلِك كنت أمنع الجصاصين من اتِّخَاذ مطبخ الجص بَين سوق نوهته وَفِي شرب الْمُلْتَقط جِدَار بَين رجلَيْنِ وَبَيت أَحدهمَا أَعلَى بِذِرَاع أَو

стр. 126

بذراعين فعلَيْهِمَا جَمِيعًا بِنَاؤُه الْأَسْفَل إِلَى الْأَعْلَى وَإِن كَانَ بَيت احدهما أَعلَى بأَرْبعَة أَذْرع أَو نَحْو ذَلِك بِقدر مَا يُمكن أَن يتَّخذ بِنَاء فإصلاحه على صَاحب السّفل حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مَوضِع الْبَيْت الآخر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة حائطين سفل وعلو يَعْنِي إِذا لم يكن هَذَا التَّفَاوُت مخوفا وَفِي الْفَتَاوَى النسفية أهل الذِّمَّة إِذا جعلُوا دُورهمْ بَين مصر الْمُسلمين مَقْبرَة لَا يمْنَعُونَ عَنهُ لِأَنَّهُ تصرف فِي ملكهم وَتَمَامه فِي بَاب الاحتساب على أهل الذِّمَّة وَفِي الْفَتَاوَى النسفية أَيْضا سُئِلَ عَن دارين لجارين سطح أَحدهمَا أَعلَى من الْأُخْرَى وسيل مَاؤُهَا على الْأُخْرَى فَأَرَادَ صَاحب السُّفْلى أَن يرفع سطحه أَو يَبْنِي على سطحه علوا هَل يحل لَهُ ذَلِك قَالَ نعم لِأَنَّهُ يتَصَرَّف فِي ملكه قيل هَل لجاره أَن يمنعهُ من ذَلِك لما فِيهِ من الْعَجز من مسيل مَاء سطحه إِلَى دَار قَالَ لَا وَلَكِن لَهُ أَن يُطَالِبهُ أَن يُوَجه مَاءَهُ بِأَن سطحه يسيله إِلَى طرف مِنْهُ بميزاب يَجعله إِلَى دَاره أَو فِي بنائِهِ قيل أَن انْتقض بِنَاء هَذِه الدَّار الَّتِي إِلَيْهَا المسيل بِغَيْر صنع صَاحبه أَو بثقب صَاحبه هَل لصَاحب المسيل تَكْلِيف جَاره إِعَادَة الْبناء والعمارة لإسالة الماي فِي دَاره قَالَ لَا وَله أَن يبنيه ويعمره بِنَفسِهِ بِمَالِه ثمَّ يمْنَع صَاحبه عَن الِانْتِفَاع بِهِ إِلَى أَن يُعْطِيهِ مَا أنْفق فِيهِ

стр. 127

الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي تَفْضِيل منصب الاحتساب وَهُوَ ثَابت من وُجُوه أَحدهمَا تَفْضِيل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالثَّانِي تَفْضِيل النَّهْي عَن الْمُنكر وَالثَّالِث توعيد التارك لَهما أَو لأَحَدهمَا وتعزيزه من حَيْثُ الْكتاب وَالسّنة والأثر قَالَ الله تَعَالَى الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أفضل الْأَعْمَال الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَشَنَآن الْفَاسِقين يَعْنِي بغضهم فَمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ شدّ ظهر الْمُؤمنِينَ وَمن نهى عَن الْمُنكر رغم أنف الْمُنَافِقين وَرُوِيَ سعيد عَن قَتَادَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ ذكر لنا أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﵇ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة فَقَالَ أَنْت الَّذِي تزْعم أَنَّك رَسُول الله قَالَ نعم قَالَ أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ صلَة الرَّحِم قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ أَي الْأَعْمَال أبْغض إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الْإِشْرَاك بِاللَّه تَعَالَى قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ

стр. 128

قطيعة الرَّحِم قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من قوم يكون فيهم رجل يعْمل بِالْمَعَاصِي ويقدرون أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ فَلَا يغيرون إِلَّا عمهم الله تَعَالَى بِالْعَذَابِ قبل أَن يموتوا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يَعْنِي أَنْتُم خير أمة وَيُقَال مَعْنَاهُ وكنتم مكتوبين فِي اللَّوْح خير أمة أخرجت للنَّاس أخرجكم الله تَعَالَى لأجل النَّاس لكَي تأمروا بِالْمَعْرُوفِ يَعْنِي بالصالحات وتنهوا عَن الْمُنكر يَعْنِي تمْنَعُونَ أهل الْمعاصِي من الْمعْصِيَة فالمعروف مُوَافقا للْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَالْمُنكر مَا كَانَ مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ وَقد ذمّ الله تَعَالَى أَقْوَامًا بترك النَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي لَا يُنْهِي بَعضهم بَعْضًا عَن الْمُنكر فَقَالَ ﴿لبئس مَا كَانُوا يصنعون﴾ يَعْنِي هلا ينهاهم علماؤهم وفقهاؤهم وقراؤهم عَن القَوْل الْفَاحِش وَأكل الْحَرَام ﴿لبئس مَا كَانُوا يصنعون﴾ وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى إِن الله تَعَالَى لَا يعذب الْعَامَّة بِعَمَل الْخَاصَّة وَلَكِن إِذا ظَهرت الْمعاصِي فَلم ينكروا فقد اسْتحق الْقَوْم جَمِيعًا للعقوبة وَذكر أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى يُوشَع بن نون أَنِّي مهلك من قَوْمك أَرْبَعِينَ الْفَا من خيارهم وَسِتِّينَ ألفا من شرارهم فَقَالَ يَا رب هَؤُلَاءِ أشرار فَمَا بَال الأخيار قَالَ إِنَّهُم لم يغضبوا

стр. 129

بغضبي وأكلوهم وشاربوهم وَقَالَ النَّبِي ﵇ مثل المداهن فِي حُقُوق الله تَعَالَى وَالْوَاقِع فِيهَا والقائم عَلَيْهَا كَمثل ثَلَاثَة كَانُوا فِي سفينة فاقتسموا مَنَازِلهمْ فَصَارَ لأَحَدهم أَسْفَلهَا فَبينا هم فِيهَا إِذْ أَخذ الْقدوم فَقَالُوا لَهُ مَا تُرِيدُ فَقَالَ أخرق فِي مَكَاني خرقا فَيكون المَاء أقرب إِلَيّ وَيكون هَذَا لي ومهراق مائي فَقَالَ بَعضهم أتركوه أبعده الله تَعَالَى يخرق من حَقه مَا يَشَاء وَقَالَ بَعضهم لَا تَدعُوهُ يخرقها فيهلكنا وَيهْلك نَفسه فَإِنَّهُم إِن أخذُوا على يَدَيْهِ نجا ونجوا وَإِن لم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ هَلَكُوا وَهلك وَعَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو يسلطن الله تَعَالَى عَلَيْكُم سُلْطَانا ظَالِما لَا يجل كبيركم وَلَا يرحم صغيركم وَيَدْعُو خياركم فَلَا يُسْتَجَاب لَهُم ويستنصرون فَلَا ينصر لَهُم وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يغْفر لَهُم وروى حُذَيْفَة بن الْيَمَانِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشك أَن الله تَعَالَى يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من عِنْده ثمَّ لتدعونه فَلَا يستجيب لكم قَالَ العَبْد وَمن الْحَاصِل على ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر حب الدُّنْيَا قَالَ ﵇ أَنْتُم الْيَوْم على بَيِّنَة من ربكُم يَعْنِي على بَيَان قد بَين الله تَعَالَى لكم طريقكم مَا لم يظْهر فِيكُم سكرتان سكرة الْعَيْش وسكرة الْجَهْل فَأنْتم الْيَوْم تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون

стр. 130

عَن الْمُنكر وتجاهدون فِي سَبِيل الله وستحولن عَن ذَلِك إِذا فَشَا فِيكُم حب الدُّنْيَا فَلَا تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَلَا تنهون عَن الْمُنكر وتجاهدون فِي غير سَبِيل الله فالقائمون يَوْمئِذٍ بِالْكتاب سرا وَعَلَانِيَة كالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قَالَ وَمن حب الدُّنْيَا محبَّة النَّاس قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِذا رَأَيْت الْقَارئ محب فِي جِيرَانه مَحْمُود عِنْد إخوانه فَاعْلَم أَنه مداهن وَذكر فِي الرَّوْضَة وتارك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كتارك الصَّلَاة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ كالمصلي وكما لَا يحل ترك الصَّلَاة كَذَلِك لَا يحل ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ ﵇ يحْشر يَوْم الْقِيَامَة أنَاس من أمتِي من قُبُورهم إِلَى الله تَعَالَى على صُورَة القردة والخنازير بِمَا داهنوا أهل الْمعاصِي وَكفوا عَن نهيهم وهم يَسْتَطِيعُونَ وَعَن درة بنت أبي لَهب أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله من خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب وأوصلهم للرحم وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم عَن الْمُنكر وَعنهُ ﵇ أَنه قَالَ كل كَلَام ابْن آدم عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن الْمُنكر وَذكر الله تَعَالَى وَمن فضائله مَا حكى أَن زاهدا من التَّابِعين كسر ملاهي مَرْوَان بن الحكم الخلفية فَأتى بِهِ وَأمر أَن يلقى بَين الْأسد فألقي فملا دخل ذَلِك

стр. 131

الْموضع أفْتَتح الصَّلَاة فجَاء ت الْأسد وحركت ذنبها حَتَّى اجْتمع إِلَيْهِ مَا كَانَ فِي ذَلِك الْبَيْت من الْأسد وَجعلت تلحسه بألسنتها وَهُوَ يُصَلِّي وَلَا يُبَالِي فَلَمَّا أصبح مَرْوَان قَالَ مَا فعل بزاهدنا قَالَ ألقِي بَين يَدي الْأسد قَالَ أنظروا هَل أَكلته فَجَاءُوا فوجودوا الْأسد قد أستأنسوا بِهِ فتعجبوا من ذَلِك فأخرجوه وَحَمَلُوهُ إِلَى الْخَلِيفَة فَقَالَ لَهُ مَا كنت تخَاف مِنْهُم قَالَ لَا كنت مَشْغُولًا متفكرا طول اللَّيْل لم أتفرغ إِلَى خوفهم قَالَ بِمَاذَا تفكر قَالَ هَذِه الْأسد وحوش وَقد جَاءُوا إِلَيّ يلحسون ثيانبي بألسنتها كنت أتفكر أَن لُعَابهَا طَاهِر أم نجس فتفكري هَذَا مَنَعَنِي عَن الْخَوْف مِنْهَا فتعجب مِنْهُ وخلى سَبيله فَإِن قيل مَا ذكرْتُمْ وَأَن دلّ على فَضِيلَة الاحتساب وَلَكِن عندنَا مَا يأباه بَيَانه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ تعلق قوم بِظَاهِر هَذِه الْآيَة فِي ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَرَأَوا فِيهَا رخصَة فِي ترك فرضين من فروض الدّين وَلم يعرفوا تَأْوِيل الْآيَة وأقوال الصَّحَابَة ﵃ فِيهِ وبيانها وَاجِب ومعرفتها فَرِيضَة وَقد مدح الله تَعَالَى فِي كِتَابه الصَّالِحين بِهِ وَجعله الْمقَام الْأَعْلَى من مقَام التائبين بست

стр. 132

درحات لقَوْله تَعَالَى التائبون والعابدون إِلَى قَوْله ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ والدلائل فِيهِ من الْكتاب وَالسّنة بأَمْره مُتَعَدد يُمكن إِنْكَاره فَلَا تعَارض بَين هَذِه الْآيَة وَبَين مَا ذكرنَا من وُجُوه أَحدهَا أَن من شَرط التَّعَارُض التَّسَاوِي فِي الشَّرْط والاطلاق بَين الحجتين فقولنا النَّهَار مَوْجُود لَا يناقص قَوْلنَا النَّهَار لَيْسَ بموجود إِذا غربت الشَّمْس وَهَذِه الْآيَة مَشْرُوطَة بِشَرْط الاهتداء بقوله تَعَالَى إِذا اهْتَدَيْتُمْ فَكَانَ عدم الضَّرَر بلزم النَّفس شُرُوطًا بِشَرْط الأهتداء وَمن الاهتداء مُتَابعَة الدَّلَائِل الدَّالَّة على فَرضِيَّة الْحِسْبَة وَالثَّانِي إِن قَوْله من ضل لَا يتَنَاوَل الْمعْصِيَة لِأَن الضلال على الاطلاق هُوَ الْكفْر لِأَن الْمُسلم مهتد وَإِن أقترف ذَنبا فَكَانَ المُرَاد هُوَ الْكَافِر لَا يكون هَا هُنَا إِلَّا ذِمِّيا وَالذِّمِّيّ لَا يتَعَرَّض لَهُ لبذله الْجِزْيَة فَكَانَت هَذِه الأية ساكتة عَن الاحتساب فِي حق الْمُسلمين كَيفَ وَأَن السِّيَاق وَهُوَ تَحْرِيم الْبحيرَة والسائبة نَازل فِي الْكفَّار وَالثَّالِث وَهُوَ أَنه لَا تعَارض بَينهمَا لاختلافهما فِي الْوَقْت فَإِن مَا ذكرنَا من الْآيَة وَارِدَة حَال قُوَّة الدّين وَغَلَبَة المهتدين وَهَذِه الْآيَة حَال ضعف الدّين

стр. 133

وَغَلَبَة المفسدين مَا رَوَاهُ ثَعْلَبَة الْخُشَنِي عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا يثبت التَّعَارُض مَعَ إختلاف الْوَقْت بَين الحجتين وَلَا يُقَال التَّقْيِيد لَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد لأَنا نقُول الاحتساب مَشْهُور فِي الصَّحَابَة خطب أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ إِنَّكُم تأولون هَذِه الْآيَة وَقَرَأَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل﴾ الْآيَة وَأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن النَّاس إِذا عمل فيهم بِالْمَعَاصِي وَلم يُغيرُوا أوشك أَن يعمهم الله تَعَالَى بعقابه فَأخْبر أَنه لَا رخصَة فِيهَا وَجَاء رجل إِلَى عمر ﵁ وَقَالَ إِنِّي لأعمل بأعمال الْبر كلهَا إِلَّا خَصْلَتَيْنِ قَالَ وَمَا هما قَالَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ لقد طمست سَهْمَيْنِ من سِهَام الْإِسْلَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى غفر لَك وَإِن شَاءَ عذبك وَعَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه قيل لَهُ لَو جَلَست فِي هَذِه الْأَيَّام لَا تَأمر وَلَا تنهي وَذكر الْآيَة فَقَالَ أها لَيست لي وَلَا لَا صَحَابِيّ لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وَنحن الشاهدون وَلَكِن هَذِه الأقوام يجيئون من بعدِي إِن قَالُوا لم يضل مِنْهُم وَعَن عبد الله ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن بني إِسْرَائِيل لما وَقع فيهم النَّقْص جعل الرجل يرى أَخَاهُ يرى أَخَاهُ على الذَّنب فينهاه عَنهُ ثمَّ يلقاه من الْغَد فَلَا يمنعهُ مَا يرى مِنْهُ بِأَن يكون خليطه وأكيله وشريبه فَضرب الله تَعَالَى قُلُوب بَعضهم بِبَعْض فَنزلت فيهم ﴿لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد﴾ إِلَى

стр. 134

قَوْله ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ كلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْخُذُوا بيد الظَّالِم فتناصروه على الْحق وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ ذَات يَوْم للنَّبِي مَتى يتْرك النا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وهما سيد الْأَعْمَال قَالَ إِذا أَصَابَهُم مَا أصَاب بني إِسْرَائِيل قَالَ قلت وَمَا أصَاب بني إِسْرَائِيل قَالَ إِذا كَانَت المداهنة فِي خياركم فداهنوا فجاركم وَجَاء الْملك فِي صغَار كم وَالْفِقْه فِي أشراركم فَعِنْدَ ذَلِكُم تلبسكم فتْنَة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ قيل أَو قلت يَا رَسُول الله تخسف الأَرْض وفيهَا الصالحون قَالَ نعم بأدهانهم وسكوتهم عَن أهل الْمعاصِي وَعَن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِن أُنَاسًا من أمتِي يحشرون من قُبُورهم على صُورَة القردة والخنازير بِمَا كَانُوا داهنوا النَّاس وآكلوهم وشاربوهم وجالسوهم وَعَن أبن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر قَالَ مَالك بن دِينَار قَرَأت فِي الزبُور من كَانَ

стр. 135

لَهُ جَار يعْمل بِالْمَعَاصِي فَلم يَنْهَهُ فَهُوَ شَرِيكه وَفِي شرعة الْإِسْلَام وَأعظم الْوَاجِب على من يخالط النَّاس الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا ينفع عمل لله تَعَالَى مَعَ ترك الْغَضَب لله تَعَالَى قَالَ بِلَال بن سعد إِن الْمعْصِيَة إِذا أخفيت لم تضر إِلَّا صَاحبهَا وَإِذا أعلنت أضرت الْعَامَّة وَكَانَ الثَّوْريّ رَحمَه الله تَعَالَى إِذا رأى الْمُنكر وَلَا يَسْتَطِيع أَن يُغَيِّرهُ بَال دَمًا فَحق على كل مُسلم أَن يكون فِي الحمية والغيرة والصلابة بِهَذَا الْمَكَان ويغتنم الْكَلِمَة الْحق عِنْد الْأَمِير الجائر فَإِنَّهَا من أفضل الْجِهَاد وَدخل عبد الرَّحْمَن على الْحجَّاج فَقَالَ يَا حجاج فَلَا يسرف فِي الْقَتْل أَنه كَانَ منصورا قَالَ الْحجَّاج لأسقين الأَرْض من دمك قَالَ مَا فِي بطن الأَرْض خير مِمَّا على ظهرهَا قَالَ لاذيقنك الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر فَقَالَ لَو علمت يَا حجاج أَنَّك تقدر على ذَلِك لعبدتك من دون الله تَعَالَى رُوِيَ بِأَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْمَلَائِكَة أَن عذبُوا قَرْيَة كَذَا قَالَ فصاحت الْمَلَائِكَة إِلَى رَبهم قَالُوا يَا رب أَن فيهم عَبدك فلَانا العابد قَالَ الله تَعَالَى سمعوني ضجيجه فيهم فَإِن وَجهه لم يتَغَيَّر غَضبا لمحارمي وَقَالَ رجل لِقَتَادَة أَنِّي أَرَاك تقع فِي أهل الْأَهْوَاء فَلَا آمن عَلَيْك أَن يُقَاتِلُوك فيقتلوك فَقَالَ أما أَنَّك قد

стр. 136

نصحتني فَلَا بُد لي أَن أكافيك إِذا هم قتلوني فَمَا بَقِي من أَجلي فَهُوَ لَك وَمَا بَقِي من رِزْقِي فَهُوَ عَلَيْك صَدَقَة وَقَالَ ﵇ أَيّمَا قوم حَضَرُوا ظَالِما بظُلْم فَلم يَقُولُوا لَهُ جَمِيعًا ظلمت يعمهم الله تَعَالَى بعذابه وخطب مُعَاوِيَة يَوْمًا على مِنْبَر دمشق فَقَالَ أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالشَّام فَإِنَّهَا الأَرْض المقدسة ومنازلهم الْأَنْبِيَاء وَأَرْض الْمَحْشَر والمنشر أَيهَا النَّاس لَا تمنعوا موتى فَأَنِّي لكم جنَّة وَالله لَو ولد أَبُو سُفْيَان النَّاس كَانُوا كلهم حلماء أما من أحد مِنْكُم من يجيبني فَقَامَ صعصعه فَقَالَ أما قَوْلك عَلَيْكُم بِبِلَاد الشَّام فَإِنَّهَا الأَرْض المقدسة فَإِن الأَرْض لَا تقدس النَّاس بل أَعْمَالهم تقدسهم وَأما قَوْلك أَرض الْمَحْشَر والمنشر فَإِن الْمَحْشَر لَا يبعد عَن الْمُؤمن وَلَا يقرب الْكَافِر وَأما قَوْلك منَازِل الْأَنْبِيَاء فلعمري من نزل منَازِل الْأَنْبِيَاء لَا يدْخل مداخلهم فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا يدْخل مداخلهم من عمل بأعمالهم وَأما قَوْلك لَو ولد أَبُو سُفْيَان النَّاس كَانُوا كلهم حلماء فقد ولد من هُوَ خير من أبي سُفْيَان النَّاس وَفِيهِمْ الْحَلِيم وَالسَّفِيه وَأما قَوْلك إِنِّي لكم جنَّة فَكيف إِذا احترقت الْجنَّة وعطلت السّنة وَاخْتلفت الألسن فَقَالَ مُعَاوِيَة لحقت بِوَجْهِك فِي النَّار قَالَ فَمن ذَلِك

стр. 137

أقرّ قَالَ لَا أَرض لَك إِنَّك كَائِن هَهُنَا قَالَ إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده فَقَالَ مُعَاوِيَة لأسيرنك فِي الْبِلَاد ولأحمينك عَن الرشاد قَالَ إِذا أجد فِي الأَرْض سَعَة وَفِي مفارقتك درعة وَذكر فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة رجل سمى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ الغوغاء إِن قَالَ ذَلِك على وَجه الرَّد والانكار يخَاف عَلَيْهِ الْكفْر وَكَذَا لَو قيل لرجل لَا تَأمر بِالْمَعْرُوفِ قَالَ مراجة كارست وَقيل لرجل فلانرا أَمر مَعْرُوف كن فَقَالَ مرا أوجه كروه است فَقَالَ مرا أزَوجهُ آزاراست أَو قَالَ مرا أورارواست أَو قَالَ من عافيت كزيده أم أَو قَالَ مراباني فُضُولِيّ جه كار وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 138

الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي الاحتساب على من كشف عَوْرَته أَو نظر إِلَى عَورَة غَيره النّظر إِلَى عَورَة الْغَيْر وَإِن كَانَت غَلِيظَة يجوز للمحتسب كَمَا إِذا رأى رجلا يَزْنِي بِامْرَأَة فَإِن كَانَت بنية الْحِسْبَة يجوز لَهُ أَن ينظر إِلَى عورتهما كالسكين فِي الغمد لِأَن فِيهِ ضَرُورَة وَيَتَّقِي الشَّهْوَة مَا اسْتَطَاعَ لِأَنَّهَا حرَام فِي الْكِفَايَة الشعبية فِي الِاسْتِحْسَان أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ ان اتَّقِ الله تَعَالَى فِي النّظر فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء يستوحب سخطي مَا يسْتَوْجب النّظر وَعَن رَسُول الله ﷺ انه قَالَ لعن الله تَعَالَى النَّاظر والمنظور إِلَيْهِ وَمن لم يستر الرّكْبَة يُنكر عَلَيْهِ بِرِفْق لِأَن فِي كَونهَا عَورَة إختلافا مَشْهُورا وَمن لم يستر الْفَخْذ يعنف عَلَيْهِ وَلَا يضْرب لِأَن فِي كَونه عَورَة خلاف عِنْد بعض أهل الحَدِيث وَمن لم يتسر السوءة يُؤَدِّي ان لج لِأَنَّهُ لَا خلاف فِي كَونهَا عَورَة من

стр. 139

كَرَاهِيَة الْهِدَايَة وَقَالَ الله تَعَالَى وَقل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذَلِك أزكى لَهُم وَالله خَبِير بِمَا يصنعون ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وَلَا يبدين زينتهن﴾ الْآيَة ذكر الإِمَام نَاصِر الدّين البستي رَحمَه الله تَعَالَى الله من أَبْصَارهم فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَن من هُنَا زَائِدَة أَي يغضوا أَبْصَارهم وَهَذَا قَول السّديّ وَالثَّانِي أَنَّهَا مستعملة فِي مُضر تَقْدِيره يغضوا أَبْصَارهم عَمَّا لَا يحل لَهُم من النّظر وَهَذَا قَول قَتَادَة وَالثَّالِث أَنَّهَا مستعملة فِي الْمظهر لِأَن غض أَبْصَارهم عَن الْحَلَال لَا يلْزم وَإِنَّمَا يلْزم غضها عَن الْحَرَام فَلذَلِك دخل حرف التَّبْعِيض فِي غض الْأَبْصَار أَي لَا يغضوا أَبْصَارهم عَن كل الْأَشْيَاء بل عَن بَعْضهَا وَهُوَ الْحَرَام وَهَذَا قَول ابْن شَجَرَة والنظرة الأولى عَفْو وَالَّتِي تَلِيهَا عمد وَفِي الْأَثر يَا ابْن آدم لَك النظرة الأولى فَمَا بَال الثَّانِيَة قَالَ الْجَصَّاص خص هَذَا بِمَا إِذا كَانَت الأولى سَهوا فَإِنَّهَا تكون عفوا فَأَما إِذا كَانَت الأولى عمدا وَالثَّانيَِة سَهوا فَلَا تحل الأولى وَلَا الثَّانِيَة ويحفظوا فروجهم أَي يعفوا والعفاف إِنَّمَا يكون عَن الْحَرَام فَلذَلِك لم يدْخل

стр. 140

التَّبْعِيض كَمَا دخل فِي غض الْأَبْصَار وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة المُرَاد حفظ الْفرج عَن الْأَبْصَار حَتَّى لَا ينْكَشف وكل مَوضِع ذكر فِيهِ الْفرج فَهُوَ فِي الزِّنَا إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضُوع فَإِن المُرَاد بِهِ السّتْر وَسميت فروجا لِأَنَّهَا منافذ الْجوف ومسالك الطّرق وَقَالَ الثعالبي روى عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي ﷺ اضمنوا لي سِتا من أَنفسكُم أضمن لكم الْجنَّة أصدقوا إِذا حدثتم وأوفو إِذا وعدتم وأدوا أماناتكم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وَكفوا أَيْدِيكُم وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي خبر مَرْفُوع النّظر إِلَى محالسن الْمَرْأَة سهم مَسْمُوم من سِهَام ابليس فَمن رد بَصَره إبتغاء ثَوَاب الله تَعَالَى بدله بذلك عبَادَة تسيره إِلَى الْجنَّة وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ بَيْنَمَا رجل يُصَلِّي إِذْ مرت بِهِ امْرَأَة فَنظر إِلَيْهَا واتبعها بَصَره فَذَهَبت عَيناهُ الزِّينَة مَا تتزين بِهِ الْمَرْأَة من الثِّيَاب والحلي وَنَحْوهمَا قَالَ الله تَعَالَى خُذُوا

стр. 141

زينتكم عِنْد كل مَسْجِد) قَالَ الشَّاعِر (يَأْخُذن زينتهن أحسن مَا ترى ... فَإِذا عطلن فهن غير عواطل) والزينة الظَّاهِرَة لَا يجب سترهَا وَلَا يحرم النّظر إِلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ وفيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنَّهَا الثِّيَاب وَهَذَا قَول ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَالثَّانِي هُوَ الْكحل والخاتم وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس ﵁ والمسور بن مخرمَة وَالثَّالِث الوجة والكفان وَهَذَا قَول الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء

стр. 142

وَأما الْبَاطِنَة فقد قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هِيَ القرط والقلادة والدملج والخلخال وَاخْتلف فِي السوار فَروِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا من الزِّينَة الْبَاطِنَة وَهُوَ أشبه لمجاوزة الْكَفَّيْنِ فَأَما الخضاب فَإِن كَانَ فِي الْكَفَّيْنِ فَهُوَ من الزِّينَة الظَّاهِرَة وَإِن كَانَ فِي الْقَدَمَيْنِ فَهُوَ من الْبَاطِنَة وَهَذِه الزِّينَة يحرم النّظر إِلَيْهَا من الْأَجَانِب دون الْمَحَارِم وَرُوِيَ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَا يدخلَانِ على أختهما أم كُلْثُوم وَهِي تمتشط وَزَعَمت الضوفية أَن الزِّينَة الظَّاهِرَة هِيَ الدُّنْيَا فَلَا يتظاهر بهَا ويتفاخر بزينتها إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا وَقَالُوا أَيْضا إِنَّهَا الطَّاعَة الظَّاهِرَة وَالطَّاعَة الْبَاطِنَة والتأويلان بعيدان قَالَ الْجَصَّاص قَالَ أَصْحَابنَا يُرِيد بِهِ الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لِأَن الْكحل من زِينَة الْوَجْه والخاتم من زِينَة الْكَفَّيْنِ فَإِذا أَبَاحَ النّظر إِلَى زِينَة الْوَجْه والخاتم كَانَ ذَلِك إِبَاحَة النّظر إِلَى الْوَجْه وَكَذَلِكَ الْكَفّ قَالَ

стр. 143

وَيدل على ذَلِك أَن الْمَرْأَة يجوز لَهَا أَن تصلي مكشوفة الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَلَو كَانَت من الْعَوْرَة لم يجز لَهَا ذَلِك قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي كتاب الِاسْتِحْسَان كُنَّا نشك فِي الْمَرْأَة تصلي وَظهر قدميها مكشوفة حَتَّى وجدت رِوَايَة عَن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن صلَاتهَا جَائِزَة وعَلى قِيَاس هَذَا يجوز النّظر إِلَى ظهر قدميها وَهَذَا إِذا كَانَ النّظر بِغَيْر شَهْوَة وَأما إِذا كَانَ النّظر للشهوة فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا عِنْد الْأَعْذَار وَهِي الشَّهَادَة من القَاضِي وَمن الشَّاهِد وَإِذا أَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا جَازَ لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَإِن اشْتهى وَعند الْحَاجة إِلَى العلاج وَسَأَلَهُ ﵇ الْمُغيرَة بن شُعْبَة عَن امْرَأَة يُرِيد أَن يَتَزَوَّجهَا فَقَالَ لَو نظرت إِلَيْهَا لَكَانَ أولى أَن يُؤْدم أَي يؤلف وَيجمع وَقَوله تَعَالَى وَليَضْرِبن بخموهن على جُيُوبهنَّ الْخمر المقانع أمرن بإلقائها على صدورهن تغظية لنحورهن وَيُقَال كَانَت قمصانهن مفروجات الْجُيُوب كالدرعة تبدو مِنْهَا صدورهن فامرن بإلقاء الْخمر عَلَيْهَا لتسترها وكني عَن الصُّدُور بالجيوب لِأَنَّهَا ملبوسة عَلَيْهَا ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن﴾ أَي الزِّينَة الْبَاطِنَة يجوز ابداؤها لزَوجهَا وَذَلِكَ لاستدعائه إِلَيْهَا ورغبته فِيهَا وَلذَلِك

стр. 144

لعن رَسُول الله ﷺ من النِّسَاء السلتاء والمرهاء فالسلتاء الَّتِي لَا تخضب والمرهاء الَّتِي تكتحل وَلعن المتسوفة والمغسلة فالمتسوفة الَّتِي إِذا دَعَاهَا زَوجهَا إِلَى الْمُبَاشرَة قَالَت سَوف أفعل والمغسلة الَّتِي إِذا دَعَاهَا زَوجهَا قَالَت إِنِّي حَائِض وَلَيْسَ كَذَلِك وَلعن العائضة والمعوضة فالعائضة الْحَائِض الَّتِي لَا تعلم زَوجهَا بحيضها حَتَّى يُصِيبهَا والمعوضة الَّتِي تَدعِي أَنَّهَا حَائِض وَلَيْسَت بحائض لينكل عَن إصابتها فُصُول من أَحْكَام الْآيَة من كَلَام الْجَصَّاص قَالَ أَبُو بكر قَوْله وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ فِيهِ دَلِيل على أَن صدر الْمَرْأَة ونحرها عَورَة لَا يجوز للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَيْهَا مِنْهَا قَالَ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ يَقْتَضِي ظَاهره إِبَاحَة إبداء مَوَاضِع الزِّينَة الظَّاهِرَة وَهُوَ الْوَجْه وَالْيَد لِأَن فِيهَا السوار وَالْقلب وَقَوله لَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن وآبائهن إِلَخ هَذِه الْآيَة تَقْتَضِي إِبَاحَة النّظر للمذكورين إِلَى مَوضِع الزِّينَة الْبَاطِنَة وَعَن ابراهيم قَالَ ينظرُونَ إِلَى مَا فَوق الدرْع من الْأذن وَالرَّأْس قَالَ أَبُو بكر ﵁ لَا معنى لتخصيص الْأذن وَالرَّأْس بذلك إِذا لم يخصص الله تَعَالَى شَيْئا من مَوَاضِع الزِّينَة دون مَا ذكر مَعَه فَاقْتضى عُمُومه إِبَاحَة النّظر إِلَى مَوَاضِع

стр. 145

الزِّينَة لهَؤُلَاء الْمَذْكُورين كَمَا اقْتضى إباحتها للزَّوْج وَلما ذكر الله تَعَالَى مَعَ الْآبَاء ذَوي الْأَرْحَام الَّذين يحرم عَلَيْهِم نِكَاحهنَّ تَحْرِيم مُؤَبَّدًا دلّ ذَلِك على أَن من كَانَ فِي التَّحْرِيم بمثابتهن فَحكمه حكمهم مثل زوج الْبِنْت وَأم الْمَرْأَة والمحرمات من الرضَاعَة ونحوهن وَهَذَا التَّحْرِيم مَقْصُور على الْحَرَائِر لِذَوي محارمهن لِأَنَّهُ خلاف فَإِن للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَى شعر الْأمة وَعَن عمر ﵁ أَنه كَانَ يضْرب الْأمة على ستر الرَّأْس وَيَقُول أتتشبهن بالحرائر يادفار وَلَا خلاف أَن للْأمة أَن تُسَافِر بِغَيْر محرم فَكَأَن سَائِر النَّاس لَهَا كذوي الْمَحَارِم للحرائر حَتَّى جَازَ لَهُم السّفر بِهن وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر سفرا فَوق ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا مَعَ ذَوي رحم محرم أَو زوج فَلَمَّا داز للْأمة أَن تُسَافِر بِغَيْر محرم علمنَا أَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْحرَّة لِذَوي محرمها فَمَا يستباح النّظر إِلَيْهِ مِنْهَا من الْمَحَارِم يستباح إِلَيْهِ من الْأمة رُوِيَ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَا يدخلَانِ على أختهما أم كُلْثُوم وَهِي تمتشط قَالَ وَالْآيَة مَخْصُوصَة فِي نظر الرِّجَال دون النِّسَاء لِأَن الْمَرْأَة يجوز لَهَا أَن تنظر من الْمرْآة مَا يجوز للرجل أَن ينظر من الرجل وَهُوَ السُّرَّة وَمَا فَوْقهَا وَمَا تَحت الرّكْبَة والمحظور عَلَيْهَا من بَعضهنَّ بِبَعْض مَا تَحت السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة
следующие страницы →