Полный текст (320 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
زينتكم عِنْد كل مَسْجِد) قَالَ الشَّاعِر
(يَأْخُذن زينتهن أحسن مَا ترى ... فَإِذا عطلن فهن غير عواطل)
والزينة الظَّاهِرَة لَا يجب سترهَا وَلَا يحرم النّظر إِلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ وفيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهمَا أَنَّهَا الثِّيَاب وَهَذَا قَول ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
وَالثَّانِي هُوَ الْكحل والخاتم وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس ﵁ والمسور بن مخرمَة
وَالثَّالِث الوجة والكفان وَهَذَا قَول الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء
стр. 142
وَأما الْبَاطِنَة فقد قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هِيَ القرط والقلادة والدملج والخلخال وَاخْتلف فِي السوار فَروِيَ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا من الزِّينَة الْبَاطِنَة وَهُوَ أشبه لمجاوزة الْكَفَّيْنِ فَأَما الخضاب فَإِن كَانَ فِي الْكَفَّيْنِ فَهُوَ من الزِّينَة الظَّاهِرَة وَإِن كَانَ فِي الْقَدَمَيْنِ فَهُوَ من الْبَاطِنَة وَهَذِه الزِّينَة يحرم النّظر إِلَيْهَا من الْأَجَانِب دون الْمَحَارِم وَرُوِيَ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَا يدخلَانِ على أختهما أم كُلْثُوم وَهِي تمتشط وَزَعَمت الضوفية أَن الزِّينَة الظَّاهِرَة هِيَ الدُّنْيَا فَلَا يتظاهر بهَا ويتفاخر بزينتها إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا وَقَالُوا أَيْضا إِنَّهَا الطَّاعَة الظَّاهِرَة وَالطَّاعَة الْبَاطِنَة والتأويلان بعيدان قَالَ الْجَصَّاص قَالَ أَصْحَابنَا يُرِيد بِهِ الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لِأَن الْكحل من زِينَة الْوَجْه والخاتم من زِينَة الْكَفَّيْنِ فَإِذا أَبَاحَ النّظر إِلَى زِينَة الْوَجْه والخاتم كَانَ ذَلِك إِبَاحَة النّظر إِلَى الْوَجْه وَكَذَلِكَ الْكَفّ قَالَ
стр. 143
وَيدل على ذَلِك أَن الْمَرْأَة يجوز لَهَا أَن تصلي مكشوفة الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَلَو كَانَت من الْعَوْرَة لم يجز لَهَا ذَلِك قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي كتاب الِاسْتِحْسَان كُنَّا نشك فِي الْمَرْأَة تصلي وَظهر قدميها مكشوفة حَتَّى وجدت رِوَايَة عَن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن صلَاتهَا جَائِزَة وعَلى قِيَاس هَذَا يجوز النّظر إِلَى ظهر قدميها وَهَذَا إِذا كَانَ النّظر بِغَيْر شَهْوَة وَأما إِذا كَانَ النّظر للشهوة فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا عِنْد الْأَعْذَار وَهِي الشَّهَادَة من القَاضِي وَمن الشَّاهِد وَإِذا أَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا جَازَ لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَإِن اشْتهى وَعند الْحَاجة إِلَى العلاج وَسَأَلَهُ ﵇ الْمُغيرَة بن شُعْبَة عَن امْرَأَة يُرِيد أَن يَتَزَوَّجهَا فَقَالَ لَو نظرت إِلَيْهَا لَكَانَ أولى أَن يُؤْدم أَي يؤلف وَيجمع
وَقَوله تَعَالَى وَليَضْرِبن بخموهن على جُيُوبهنَّ الْخمر المقانع أمرن بإلقائها على صدورهن تغظية لنحورهن وَيُقَال كَانَت قمصانهن مفروجات الْجُيُوب كالدرعة تبدو مِنْهَا صدورهن فامرن بإلقاء الْخمر عَلَيْهَا لتسترها وكني عَن الصُّدُور بالجيوب لِأَنَّهَا ملبوسة عَلَيْهَا ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن﴾ أَي الزِّينَة الْبَاطِنَة يجوز ابداؤها لزَوجهَا وَذَلِكَ لاستدعائه إِلَيْهَا ورغبته فِيهَا وَلذَلِك
стр. 144
لعن رَسُول الله ﷺ من النِّسَاء السلتاء والمرهاء فالسلتاء الَّتِي لَا تخضب والمرهاء الَّتِي تكتحل وَلعن المتسوفة والمغسلة فالمتسوفة الَّتِي إِذا دَعَاهَا زَوجهَا إِلَى الْمُبَاشرَة قَالَت سَوف أفعل والمغسلة الَّتِي إِذا دَعَاهَا زَوجهَا قَالَت إِنِّي حَائِض وَلَيْسَ كَذَلِك وَلعن العائضة والمعوضة فالعائضة الْحَائِض الَّتِي لَا تعلم زَوجهَا بحيضها حَتَّى يُصِيبهَا والمعوضة الَّتِي تَدعِي أَنَّهَا حَائِض وَلَيْسَت بحائض لينكل عَن إصابتها
فُصُول من أَحْكَام الْآيَة من كَلَام الْجَصَّاص قَالَ أَبُو بكر قَوْله وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ فِيهِ دَلِيل على أَن صدر الْمَرْأَة ونحرها عَورَة لَا يجوز للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَيْهَا مِنْهَا قَالَ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ يَقْتَضِي ظَاهره إِبَاحَة إبداء مَوَاضِع الزِّينَة الظَّاهِرَة وَهُوَ الْوَجْه وَالْيَد لِأَن فِيهَا السوار وَالْقلب وَقَوله لَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن وآبائهن إِلَخ هَذِه الْآيَة تَقْتَضِي إِبَاحَة النّظر للمذكورين إِلَى مَوضِع الزِّينَة الْبَاطِنَة وَعَن ابراهيم قَالَ ينظرُونَ إِلَى مَا فَوق الدرْع من الْأذن وَالرَّأْس قَالَ أَبُو بكر ﵁ لَا معنى لتخصيص الْأذن وَالرَّأْس بذلك إِذا لم يخصص الله تَعَالَى شَيْئا من مَوَاضِع الزِّينَة دون مَا ذكر مَعَه فَاقْتضى عُمُومه إِبَاحَة النّظر إِلَى مَوَاضِع
стр. 145
الزِّينَة لهَؤُلَاء الْمَذْكُورين كَمَا اقْتضى إباحتها للزَّوْج وَلما ذكر الله تَعَالَى مَعَ الْآبَاء ذَوي الْأَرْحَام الَّذين يحرم عَلَيْهِم نِكَاحهنَّ تَحْرِيم مُؤَبَّدًا دلّ ذَلِك على أَن من كَانَ فِي التَّحْرِيم بمثابتهن فَحكمه حكمهم مثل زوج الْبِنْت وَأم الْمَرْأَة والمحرمات من الرضَاعَة ونحوهن وَهَذَا التَّحْرِيم مَقْصُور على الْحَرَائِر لِذَوي محارمهن لِأَنَّهُ خلاف فَإِن للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَى شعر الْأمة وَعَن عمر ﵁ أَنه كَانَ يضْرب الْأمة على ستر الرَّأْس وَيَقُول أتتشبهن بالحرائر يادفار وَلَا خلاف أَن للْأمة أَن تُسَافِر بِغَيْر محرم فَكَأَن سَائِر النَّاس لَهَا كذوي الْمَحَارِم للحرائر حَتَّى جَازَ لَهُم السّفر بِهن وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر سفرا فَوق ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا مَعَ ذَوي رحم محرم أَو زوج فَلَمَّا داز للْأمة أَن تُسَافِر بِغَيْر محرم علمنَا أَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْحرَّة لِذَوي محرمها فَمَا يستباح النّظر إِلَيْهِ مِنْهَا من الْمَحَارِم يستباح إِلَيْهِ من الْأمة رُوِيَ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَا يدخلَانِ على أختهما أم كُلْثُوم وَهِي تمتشط قَالَ وَالْآيَة مَخْصُوصَة فِي نظر الرِّجَال دون النِّسَاء لِأَن الْمَرْأَة يجوز لَهَا أَن تنظر من الْمرْآة مَا يجوز للرجل أَن ينظر من الرجل وَهُوَ السُّرَّة وَمَا فَوْقهَا وَمَا تَحت الرّكْبَة والمحظور عَلَيْهَا من بَعضهنَّ بِبَعْض مَا تَحت السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة
стр. 146
قَوْله تَعَالَى أَو نسهائهن أَي نسَاء الْمُؤْمِنَات لَا يحل لامْرَأَة أَن تتجرد بَين يَدي امْرَأَة مُشركَة إِلَّا أَن تكون المشركة أمة لَهَا وَقَوله تَعَالَى أوما ملكت أيمانهن تَأَوَّلَه ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وام سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم على أَن للْعَبد أَن ينظر إِلَى شعر مولاته وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَمُجاهد وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب ان العَبْد لَا ينظر إِلَى شعر مولاته وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا إِلَّا أَن يكون ذَا رحم محرم مِنْهَا وتأولوا قَوْله تَعَالَى ﴿أَو مَا ملكت أيمانهن﴾ على الأماء لِأَن العَبْد وَغَيره من الْأَجْنَبِيّ فِي التَّحْرِيم مَعَ الْحر سَوَاء قَالَ وَفَائِدَة تَخْصِيص النِّسَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو نسائهن﴾ أَن جمع مَا ذكر قبلهن هم الرِّجَال فَكَانَ جَائِزا أَن يظنّ ظان أَن الرِّجَال مخصوصون بذلك إِذا كَانُوا ذَوي محارم فَبين إِبَاحَة النّظر إِلَى هَذِه المواقع للنِّسَاء سَوَاء كن ذَوَات محارم أَو غير ذَوَات محارم ثمَّ عطف على ذَلِك الْإِمَاء بقوله ﴿أَو مَا ملكت أيمانهن﴾ لِئَلَّا يظنّ أَن الاباحة مَقْصُورَة على الْحَرَائِر من النِّسَاء دون الْإِمَاء كَمَا كَانَ قَوْله ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ على الْحرار دون الأماء
الأيامي جمع الايم وَهُوَ من لَا زوج لَهُ من رجل وَامْرَأَة يُقَال رجل ايم وَامْرَأَة أيمة وَفِي الحَدِيث نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من الأيمة والعيمة وَالْغنيمَة وَالْأَيمَة
стр. 147
أَن تبقى بِلَا زوج والعيمة شَهْوَة اللَّبن والغيمة أَن لَا تروى من شرب المَاء
وَقَوله تَعَالَى ﴿شهيدين من رجالكم﴾ أَي الْأَحْرَار لاضافتهم إِلَيْنَا كَذَلِك قَوْله ﴿أَو نسائهن﴾ مَحْمُول على الْحَرَائِر ثمَّ عطف عَلَيْهِنَّ الْإِمَاء فأباح لَهُنَّ مثل مَا أَبَاحَ فِي الْحَرَائِر وَقَوله ﴿أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من الرِّجَال﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجاهد ﵃ قَالُوا التَّابِع الَّذِي يتبعك ليصيب من طَعَامك وَلَا حَاجَة لَهُ فِي النِّسَاء وَقَالَ الْجَصَّاص فِيهِ ثَمَانِيَة أوجه
أَحدهمَا انه الصَّغِير الَّذِي لَا حَاجَة لَهُ فِي النِّسَاء لصغره هُوَ قَول ابْن زيد
وَالثَّانِي مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه الَّذِي لَا تَسْتَحي مِنْهُ النِّسَاء
وَالثَّالِث قَول عِكْرِمَة أَنه هُوَ الْعنين
وَالرَّابِع قَول مُجَاهِد وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحسن انه هُوَ الأبله
стр. 148
وَالْخَامِس قَول بَعضهم انه هُوَ الأحمق الَّذِي لَا إرب لَهُ فِي النِّسَاء وَهُوَ قَول قَتَادَة
وَالسَّادِس انه الْمَجْنُون لفقد إربه وَهُوَ قَول مأثور
وَالسَّابِع أَنه الشَّيْخ الْهَرم وَهُوَ قَول يزِيد بن أبي حبيب
وَالثَّامِن انه المستطعم الَّذِي لَا يهمه إِلَّا بَطْنه وَهُوَ قَول مُجَاهِد
وَعَن عَائِشَة ﵂ أَنه كَانَ يدْخل فِي أَزوَاج النَّبِي ﵇ مخنث وَكَانُوا يعدونه من غير الوي الإربة قَالَت فَدخل النَّبِي ﵇ وَهُوَ ينعَت امْرَأَة فَقَالَ ﵇ أرى هَذَا يعلم مَا هَا هُنَا لَا يدْخل عَلَيْكُم فحجبوه وَعَن أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﵇ دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا مخنث فَأقبل على أخي أم سَلمَة فَقَالَ يَا عبد الله لَو فتح الله تَعَالَى لكم الطَّائِف دللتك على بنت غيلَان فَإِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان فَقَالَ أرى هَذَا يعرف مَا هَا هُنَا لَا يدخلن عليكن فأباح النَّبِي ﵇ دُخُول المخنث عَلَيْهِنَّ حِين ظن أَنه من غير أولي الإربة فَلَمَّا عرف أَنه يعرف أَحْوَال النِّسَاء وأوصافهن علم أَنه من أولي الإربة
والإربة الْحَاجة وَهِي من الإرب فِي قَول قطرب وَيُقَال هُوَ من الإرب
стр. 149
وَهُوَ الْعقل قَالَ الْفَقِيه ﵀ روى فِي خبر عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يقبل نِسَاءَهُ وَهُوَ صَائِم وَكَانَ أملككم لإربه أَي لِحَاجَتِهِ ويروى أَنه الإربة بِالْكَسْرِ وَسُكُون الرَّاء أَي لعقله والطفل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا لم يكشفوا عَن عورات النِّسَاء وَلم يطلعوا عَلَيْهَا لعدم شهوتهم
وَالثَّانِي لم يعرفوا عورات النِّسَاء لعدم تمييزهم
وَالثَّالِث لم يطبقوا جمع النِّسَاء
فَأَما الشَّيْخ فَإِن بقيت فِيهِ شَهْوَة فَهُوَ كالشاب وَإِلَّا فَلَا بَأْس بنظره إِلَى الزِّينَة الْبَاطِنَة وقرأت فِي بعض الْكتب أَن مُعَاوِيَة دخل دَار النِّسَاء وَمَعَهُ خصي مجبوب فتنفرت مِنْهُ امْرَأَة فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة امْرَأَة فَقَالَت أَتَرَى أَن المثله بِهِ قد أحلّت مَا حرم الله تَعَالَى من النّظر فتعدب من فطنتها وفقهها
والعورة إِنَّمَا سميت عَورَة من العور لِأَنَّهُ يجب غض الْبَصَر عَنْهَا قَالَ الْفَقِيه بل هِيَ من العوراء لِأَنَّهُ يكْشف من العوراء كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم سَببه كَمَا قيل لِلْفَرجِ سوأة لِأَنَّهُ إِذا انْكَشَفَ يسوء صَاحبه كَمَا يسوء بِظُهُور الْعَوْرَة
стр. 150
وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن قَالَ قَتَادَة كَانَت الْمَرْأَة تضرب رجلهَا إِذا مشت لتسمع قعقعة خلْخَالهَا فنهين عَن ذَلِك لِأَنَّهُ فِي معنى التبرج لقَوْله تَعَالَى وَلَا يتبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى قَالَ الشَّيْخ أَبُو بكر الْآيَة تدل على معَان كَثِيرَة مِنْهَا أَن النَّهْي إِذا كَانَ مَعَ إخفاء صَوت الحلى فبإخفاء صَوت النِّسَاء أولى وَهُوَ يدل على صِحَة القَوْل بِالْقِيَاسِ الْحلِيّ على الْخَفي وَفِيه دَلِيل على أَن الْمَرْأَة منهية عَن رفع صَوتهَا بالْكلَام لِأَنَّهَا أقرب إِلَى الْفِتْنَة من صَوت الخلخال وَلذَلِك كره أَصْحَابنَا آذان النِّسَاء وَيدل على حظر النّظر إِلَى وَجههَا للشهوة إِذا كَانَ أقرب للزِّينَة وأدعى إِلَى الْفِتْنَة
стр. 151
الْبَاب الرَّابِع والعشروان
د
فِي الاحتساب على من يظْهر الْقُبُور الكاذبة وَيُشبه الْمَقَابِر بِالْكَعْبَةِ
رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن قوما خَرجُوا على هَيْئَة الْحَاج إِلَى زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس فردهم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وضربهم بِالدرةِ وَقَالَ لَهُم أتريدون أَن تجْعَلُوا بَيت الْمُقَدّس كالمسجد الْحَرَام وَإِنَّمَا فعل ذَلِك عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما أَنهم فعلوا فعلا مُحدثا وَلَا يجوز لأحد فِي دَار الْإِسْلَام أَن يشْتَغل بالمحدثات من تواريخ الْكِفَايَة الشعبية
стр. 152
الْبَاب الْخَامِس وَالْعشْرُونَ
فِي الاحتساب بِسَبَب الصُّورَة فِي الْبَيْت
ويحتسب على من يزخرف الْبَيْت بنقش فِيهِ تصاوير لِأَن الصُّورَة فِي الْبَيْت سَبَب لِامْتِنَاع الْمَلَائِكَة من دُخُوله قَالَ جِبْرَائِيل ﵇ أَنا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ كلب أَو صُورَة وَلَو زخرفه بنقش لَا صُورَة فِيهِ لَا بَأْس بِهِ جَاءَ ذَلِك عَن ابْن سِيرِين رَحمَه الله تَعَالَى
وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل﴾ أَي تماثيل غير ذِي روح وَفِي الْمُلْتَقط الناصري وَلَو انْهَدم بَيْتا مصورا بِهَذِهِ الأصباع تماثيل الرِّجَال والطيور ضمن قيمَة الْبَيْت وأصباغه غير مَضْمُونَة
стр. 153
الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ
فِي الاحتساب فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَغَيرهمَا من أَنْوَاع الْأَثْمَان
وَعَن أبي يُوسُف ﵀ فِي ضرب الدَّرَاهِم الْجِيَاد فِي غير دَار الضَّرْب سرا لَا يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك أحد لِأَنَّهُ مَخْصُوص بالسلاطين من الْمُلْتَقط الناصري
مَسْأَلَة
إِذا كتب على الدَّرَاهِم سُورَة من الْقُرْآن لَا يجوز مَسّه للمحدث وَلَا للْجنب وَلَا يجوز وضع الْقدَم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمُصحف إِلَّا أَن يكون فِي الصُّورَة لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الغلاف للمصحف فَيجوز مس صرته وَلَكِن لَا يجوز وضع صرته تَحت الْقدَم كَمَا لَا يجوز وضع الْمُصحف فِي الغلاف تَحت الْقدَم فَإِن قيل ذكر فِي الْفَتَاوَى إِذا وضع الرجل الْمُصحف أَو الْكتاب تَحت الرَّأْس إِن كَانَ للْحِفْظ فَلَا بَأْس بِهِ هَا هُنَا أَيْضا لَو وضع صرة الدَّرَاهِم للْحِفْظ تَحت الْقدَم بنبغي أَن لَا يكون بِهِ بَأْس فَنَقُول الْحِفْظ عِنْد النّوم مُحْتَاج إِلَيْهِ وَوضع الرَّأْس لَيْسَ للإهانة بِخِلَاف وضع الْقدَم لِأَنَّهُ للاهانة فَيخرج عَلَيْهِ الاحتساب على الصيارفة فِي وضع صرة الدَّرَاهِم تَحت أَقْدَامهم وفيهَا حُرُوف مَكْتُوبَة فَلَا يجوز إهانتها ذكر فِي قوت الْقُلُوب وَيكرهُ الْمُعَامَلَة باملزيفة وَكَذَلِكَ بدرهم تكون الْفضة فِيهِ مَجْهُولَة
стр. 154
أَو مستهلكة وَكَذَلِكَ بِمَا لَا يعرف فيمته وَمَا يخْتَلط بِالْفِضَّةِ من غَيرهَا فَلَا يمتاز مِنْهُ وَقد كَانَ بعض السّلف يشدد فِي ذَلِك ويحرمه مِنْهُم الثَّوْريّ وفضيل ابْن عَيَّاش ﵀ ووهب بن الْورْد الْمَكِّيّ وَابْن الْمُبَارك وَبشر بن الْحَارِث والمعافى بن عمرَان وَيُقَال أَن كل قِطْعَة مزيفة ينقصها صَاحبهَا يجدهَا ملصقة فِي صحيفَة بِعَينهَا وَصورتهَا مَكْتُوب بِخَمْسَة آلَاف سَيِّئَة على قدر وَزنهَا بِكُل وزن ذرة مِنْهَا سَيِّئَة والذرة قِطْعَة من هبأة من شُعَاع الشَّمْس
وَعَن بعض الْغُزَاة فِي سَبِيل الله تَعَالَى أَنه قَالَ حملت على فرسي لأتناول
стр. 155
علجا كَافِرًا ففرفرسي ثمَّ رجعت ثمَّ دنا مني العلج فَحملت عَلَيْهِ ثَانِيَة لأتناوله ففر فرسي ثمَّ حملت عَلَيْهِ ثَالِثَة وَقد قرب مني ففر بِي فرسي وَلم أكن أعتاده مِنْهُ فَرَجَعت حَزينًا فَجَلَست إِلَى جنب فسطاطي منكسرا للَّذي فَاتَنِي من أَخذ العلج قَالَ فَوضعت رَأْسِي على عَمُود الْفسْطَاط فَنمت وفرسي قَائِم بَين يَدي فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَن فرسي يخاطبني وَيَقُول لي بِاللَّه تَعَالَى عَلَيْك أردْت أَن تَأْخُذ العلج ثَلَاث مَرَّات وَأَنت بالْأَمْس اشْتريت لي علفا وَدفعت ثمنه درهما زيفا لَا يكون هَذَا أبدا قَالَ فانتبهت فَزعًا فَذَهَبت إِلَى العلاف فَقلت لَهُ أخرج لي الدَّرَاهِم الَّتِي أشتريت بهَا مِنْك بالْأَمْس الْعلف فأخرجها إِلَيّ فَأخذت مِنْهَا الدِّرْهَم المزيف فَقَالَ أَنِّي كنت قد جوزت هَذَا الدِّرْهَم عَلَيْك بالْأَمْس قَالَ فأبدلته وأنصرفت
وَقَالَ عبد الْوَهَّاب سَأَلت بشرا عَن الْمُعَامَلَة بالمزيفة فَقَالَ سَأَلت الْمعَافي عَنْهَا فَقَالَ سَأَلت الثَّوْريّ عَنْهَا فَقَالَ حرَام
وَقَالَ أَحْمد ﵀ يكره التِّجَارَة والمعاملة بالمزيفة والمكحلة وَقد كَانَ
стр. 156
بعض الْعلمَاء يَقُول إِنْفَاق دِرْهَم مزيف أَشد من سَرقَة مائَة دِرْهَم لِأَن سَرقَة مائَة دِرْهَم مَعْصِيّة وَاحِدَة وَأما إِنْفَاق دِرْهَم مزيف بِدعَة أحدثها فِي الدّين وَإِظْهَار سنة سَيِّئَة يعْمل بهَا بعده وإفساد لأحوال الْمُسلمين فَيكون عَلَيْهِ وزره بعد مَوته إِلَى مائَة سنة أَو أَكثر مَا بَقِي الدِّرْهَم يَدُور فِي أَيدي النَّاس وَيكون عَلَيْهِ إِثْم مَا أفسد وَنقص من أَمْوَال النَّاس إِلَى آخر فنائه وانفراضه قَالَ وإنفاق الدِّرْهَم أردأ على من يُعلمهُ أكبر وَأَشد ذَنبا على من لم يعرفهُ لِأَن الأول متعمد وَالثَّانِي مُخطئ وَلَكِن الْخَطَأ فِي حق الْعباد غير مَوْضُوع
قَالَ وَمن وجد درهما زيفا فليلقه وَلَا يُنْفِقهُ وَقيل إِلْقَاء المزيف أفضل من التَّصَدُّق بأمثاله جِيَاد أَو أفضل من كَثْرَة الصَّلَاة وَالصَّوْم
وَذكر فِي متفرقات صرف الذَّخِيرَة قَالَ وَلَا بَأْس بِأَن يَشْتَرِي ستوقه إِذا بَين وَأرى للسُّلْطَان أَن يكسرها لَعَلَّهَا تقع فِي يَد من لَا يبين ذكر فِي الْإِمْلَاء وَعَن أبي يُوسُف ﵀ وأكره للرجل أَن يُعْطي الزُّيُوف والبهرجة والستوقة والمزيفة والمكحلة والتجارية وَأَن بَين ذَلِك وَجوز بهَا
стр. 157
عِنْد الْأَخْذ من قبل لِأَن إنفاقها ضَرَر على الْعَوام وَمَا كَانَ ضَرَرا عَاما فَهُوَ مَكْرُوه وَلَيْسَ يصلحه رِضَاء هذَيْن من أَن ذَلِك يضر بالجاهل بِهِ وَيُدَلس بِهِ الْفَاجِر وكل شَيْء لَا يجوز بَين النَّاس فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يقطع ويعاقب صَاحبه إِذا أنفقهُ أَو صرفه
قَالَ العَبْد وَمن الظُّلم الْمَعْرُوف من السلاطين أَنهم يضْربُونَ دَرَاهِم فِي نوبتهم ويروجونها بَين النَّاس بِأَكْثَرَ من قيمتهَا فَإِذا انْتَهَت نوبتهم عَادَتْ قيمتهَا إِلَى قدرهَا فيضربها كثير من النَّاس فَإِنَّهُم خصماء على ذَلِك الظَّالِم يَوْم الْقِيَامَة
وَسُئِلَ الْحجَّاج عَمَّا يَرْجُو بِهِ النجَاة فَذكر أَشْيَاء مِنْهَا أَنِّي مَا أفسدت النُّقُود على النَّاس
стр. 158
الْبَاب السَّابِع وَالْعشْرُونَ
فِي الاحتساب على أهل الذِّمَّة
وَفِي الْمُلْتَقط الناصري وَلَا أدع الْمُشرك يضْرب البربط قَالَ مُحَمَّد كل شَيْء أمنع مِنْهُ فَإِنِّي أمنع مِنْهُ الْمُشرك إِلَّا الْخمر وَالْخِنْزِير
وَفِي الْفَتَاوَى النسفية سُئِلَ عَن قوم من الْيَهُود اشْتَروا دورا أَو بستانا من دور الْمُسلمين فِي مصر وَاتَّخذُوا مَقْبرَة لَهُم هَل يمْنَعُونَ عَن ذَلِك فَقَالَ لَا لأَنهم ملكوها فيفعلون مَا شَاءُوا كالمسلمين وَلَو أردوا أَن يتخذوها بيعَة أَو كَنِيسَة لَهُم يمْنَعُونَ عَن ذَلِك لما فِيهِ من إِظْهَار باطلهم وتشهير ضلاهم وَفِي ذَلِك مذلة الْإِسْلَام وَأَهله وَفِي اتِّخَاذ الْمقْبرَة لَا ضَرَر فَيجوز
الْكَافِر لَا يجوز لَهُ مس الْمُصحف من كَرَاهِيَة الْخَانِية
وَذكر فِي الظَّهِيرِيَّة وَأَن اغْتسل الْكَافِر ثمَّ مس الْمُصحف فَلَا بَأْس بِهِ ذكر فِي الذَّخِيرَة روى مُحَمَّد فِي السّير الْكَبِير بِإِسْنَادِهِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا خصاء فِي الْإِسْلَام وَلَا كَنِيسَة وَنَحْوهَا
стр. 159
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ تَأْوِيل لاخصاء فِي مثانته وَأما تَأْوِيل وَلَا كَنِيسَة فَالْمُرَاد مِنْهُ إِحْدَاث الْكَنَائِس فِي أَمْصَار الْمُسلمين مَعْنَاهُ وَلَا يجوز لأهل الذِّمَّة إِحْدَاث الْكَنَائِس فِي أَمْصَار الْمُسلمين وَلَو أَرَادوا أَن يَفْعَلُوا ذَلِك فالإمام يمنعهُم عَنهُ وَهَذَا فِي الْأَمْصَار أما فِي الْقرى فَلَا يمْنَعُونَ من ذَلِك فِي ظَاهر الرِّوَايَة إِن قلت جمَاعَة الْمُسلمين فِيهَا أَو كثرت وَعَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه إِذا كثر فِيهَا أهل الْإِسْلَام منعُوا مِنْهُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْمصدر نَفسه حَتَّى ي منعُوا عَن إِظْهَار بيع الهمر والخنازير وَبيع الرِّبَا فِي الْقرى كَمَا يمْنَعُونَ عَنهُ فِي الْأَمْصَار وكما يمْنَعُونَ عَن البيع وَالْكَنَائِس وبيوت النيرَان يمْنَعُونَ عَن بيع الْخمر وَالْخِنْزِير وَبيع الرِّبَا وَيمْنَعُونَ عَن إِدْخَال الْخُمُور والخنازير فِي الْأَسْوَاق على سَبِيل الشُّهْرَة لِأَن فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالْمُسْلِمين وَمَا صالحناهم ليستخقوا بِالْمُسْلِمين
وَكَذَلِكَ إِن خضر لَهُم عيد يخرجُون فِيهِ صليبهم فليضعوا ذَلِك فِي كنائسهم الْقَدِيمَة وَلَا يخرجوه من الْكَنَائِس حَتَّى يظهروه فِي الْمصر وَلَو أَخْرجُوهُ خفِيا حَتَّى أَخْرجُوهُ إِلَى غير الْمصر وأظهروه لَا يمْنَعُونَ من ذَلِك مَعْنَاهُ إِذا جاوزوا أفنية الْمصر لِأَن فنَاء الْمصر كجوفه فِي حكم إِقَامَة الْجُمُعَة والعيد فَكَذَلِك فِي حق مَنعهم عَن إِظْهَار الصَّلِيب وَيمْنَعُونَ عَن ضرب الناقوس فِي غير كنائسهم الْقَدِيمَة وَكَذَلِكَ يمْنَعُونَ عَن ضربه فِي كنائسهم الْقَدِيمَة إِذا كَانَ صَوته يُجَاوز ابنيتهم وَكَذَلِكَ يمْنَعُونَ عَن تزوج الْمَحَارِم وَعَن جَمِيع مَا هُوَ حرَام فِي الْإِسْلَام على سَبِيل الشُّهْرَة وَالْعَلَانِيَة لِأَن فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالْمُسْلِمين ومعارضة الْحق بِالْبَاطِلِ
قَالَ العَبْد وَمن ذَلِك جرت عَادَة أهل الْحِسْبَة بِمَنْع الذِّمِّيّ عَن أكل التنبول
стр. 160
نَهَارا جهارا فِي شهر رَمَضَان
وَلَو انْهَدَمت بيعَة أَو كَنِيسَة قديمَة فِي مصر فأرادوا أَن يبنوها فَإِن جعلوها أوسع من الأولى منعُوا عَنهُ وَكَذَا لَو حولوه عَن مَوْضُوع من الْمصر إِلَى مَوضِع آخر من ذَلِك الْمصر منعُوا عَنهُ وَلَو بذلوا عَلَيْهِ عوضا
وَلَو اشْترى ذمِّي دَارا فِيمَا بَين أَمْصَار الْمُسلمين قيل يمْنَع من ذَلِك وَقيل لَا يمْنَع وَقيل إِذا اخْتلف بِشِرَائِهِ جمَاعَة مَسْجِد الْمحلة منع عَن ذَلِك وَإِلَّا فَلَا وَلَو اتخذ فِيهِ بَيت عبَادَة أَن جمع فِيهِ النَّاس منع مِنْهُ وَإِن اتخذ لنَفسِهِ خَاصَّة مَوضِع عبَادَة لَا يمْنَع منع وَإِن أَرَادَ أَن يَجْعَل فِيهِ صومعة يتخلى فِيهَا كَمَا تخلى أَصْحَاب الصوامع منع مِنْهُ لِأَن هَذَا شَيْء يشْتَهر بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة اتِّخَاذ الْكَنِيسَة لجماعتهم والكنيسة الْقَدِيمَة إِن كَانَت فِي مصر كَانَ قَرْيَة قبل ذَلِك ثمَّ صَار مصرا أَو فتح صلحا على أَن يتْركُوا فِيهَا كنائسهم لَا يمْنَعُونَ مِنْهُ وَإِذا فتحت عنْوَة وَلَكِن تركت كنائسهم فِيهَا لكَونهَا قَرْيَة ثمَّ صَارَت مصرا تُقَام فِيهِ الْحُدُود وَيصلى فِيهِ الْجُمُعَة والأعياد يمْنَعُونَ مِنْهُ دفعا للمشابهة بَين شَعَائِر الْإِسْلَام وشعائر الْكفْر وَفِي الصُّلْح لَا بُد من وَفَاء الْعَهْد وكل مصر من أَمْصَار الْمُسلمين يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَة وتقام فِيهِ الْحُدُود لَا يَنْبَغِي لمُسلم وَلَا لكَافِر أَن يدْخل فِيهِ خمرًا وَلَا خنزيرا ظَاهرا فَإِن أَدخل الذِّمِّيّ الْخمر مصرا من أَمْصَار الْمُسلمين فَإِن كَانَ جَاهِلا رد الإِمَام عَلَيْهِ مَتَاعه وَأخرجه من الْمصر وَأخْبرهُ أَنه إِن عَاد أدبه لِأَن
стр. 161
الْخمر حَلَال فِي دينه وَمعنى قَوْله إِن كَانَ جَاهِلا أَنه لَا يعلم أَنه لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يفعل ذَلِك فَإِن كَانَ عَالما أَنه لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يفعل ذَلِك فالإمام لَا يريق خمره وَلَا يذبح خنزيره لِأَنَّهُ مَال عِنْدهم وَلَكِن رأى أَن يؤدبه بِالضَّرْبِ أَو بِالْحَبْسِ فعل ذَلِك وَإِن أتلف خمره مُسلم ضمن إِلَّا إِذا كَانَ إِمَامًا يرى أَن يفعل ذَلِك بِهِ على وَجه الْعقُوبَة فَفعل أَو أَمر إنْسَانا بِهِ لَا يضمن لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ وكل قَرْيَة من قرى أهل الذِّمَّة أَو مصر من أَمْصَار أهل الذِّمَّة أظهرُوا فِيهَا شَيْئا من الْفسق مِمَّا لم يصالحوا عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَنَحْوه من الْفَوَاحِش الَّتِي تحرم عِنْدهم يمْنَعُونَ عَن ذَلِك كَمَا يمْنَع الْمُسلم لِأَنَّهُ لَيْسَ بديانة مِنْهُم وَكَذَلِكَ يمْنَعُونَ عَن السكر لِأَن السكر لَا يحل عندنَا قل أصلا وَكَذَلِكَ يمْنَعُونَ عَن إِظْهَار بيع المزامير والطنبور وَإِظْهَار الْغناء وَغير ذَلِك مِمَّا منع مِنْهُ الْمُسلم وَمن كسر شَيْئا فِي ذَلِك فَلَا ضَمَان كَمَا لَو كسرلمسلم وَهَذَا قَوْلهمَا وَأما قَول أبي حنيفَة ﵀ يضمن الكاسر قِيمَته بِغَيْر اللَّهْو كَمَا لَو كَسره لمُسلم وَالْحَاصِل أَن فِيمَا سوى الْخمْرَة وَالْخِنْزِير وَنِكَاح الْمَحَارِم وَعبادَة غير الله تَعَالَى حَال أهل الذِّمَّة كَحال الْمُسلمين مِمَّا يمْنَع عَنهُ الْمُسلم يمْنَع عَنهُ أهل الذِّمَّة وَلَو طلب قوم من أهل الْحَرْب الصُّلْح على أَن يصيروا ذمَّة لَهُم ذَلِك على أَن للْمُسلمين أَن يتخذوا مصرا فِي أَرضهم لم يمنعوهم من أَن يحدثوا بيعَة أَو كَنِيسَة وَأَن يظهروا فِيهِ بيع الْخُمُور والخنازير فَلَا يَنْبَغِي للْمُسلمين أَن يصالحوهم على ذَلِك وَلَو صالحوهم على ذَلِك كَانَ لَهُم أَن ينقضوا الصُّلْح لِأَنَّهُ صلح بِخِلَاف الشَّرْع وَكَذَا لَو شرطُوا فِي إِظْهَار الرِّبَا
стр. 162
واستئجار الزواني عَلَانيَة لَا يجوز الْوَفَاء بِهِ لما مر
وَفِي سير الْمُلْتَقط لَا بَأْس برد السَّلَام على أهل الذِّمَّة وَلَا يزِيد فِي الْجَواب على قَوْله وَعَلَيْك وَإِن كَانَ إِلَيْهِ حَاجَة فَلَا بَأْس بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَيكرهُ المصافحة مَعَ أهل الذِّمَّة فَإِن قلت هَل يحْتَسب على الْمُسلم إِذا شَارك ذِمِّيا الْجَواب قُلْنَا نعم أما فِي المعوضة فَلِأَنَّهَا غير جَائِزَة بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فَكَأَن الاحتساب عَلَيْهِ لدفع التَّصَرُّف الْفَاسِد وَأما فِي الْعَنَان فَلِأَنَّهَا مَكْرُوهَة بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فِي شرح الطَّحَاوِيّ فَكَأَن الاحتساب لدفع الْمَكْرُوه
стр. 163
الْبَاب الثَّامِن وَالْعشْرُونَ
فِي الاحتساب على الْمُسَافِرين
وَإِذا حمل الْمُصحف أَو شَيْء من كنت الشَّرِيعَة على دَابَّة فِي جوالق وَركب صَاحب الجوالق على الجوالق إِن كَانَ فَوق الجوالق ثوب آخر يحول بَينه وَبَين الجوالق لَا يكره لِأَنَّهُ جلس على الثَّوْب لَا على الجوالق أَلا يرى أَنه لَو وضع الْمُصحف فِي بَيت لَا بَأْس بِالنَّوْمِ على سطحه كَذَا هَا هُنَا وَإِن لم يكن فَوْقه شَيْء آخر فَلَا يكره أَيْضا لِأَن قَصده الْحِفْظ دون الابتذال وَلِهَذَا لَو جعل الْمُصحف فِي جوالق وَجلسَ عَلَيْهِ للْحِفْظ أَو نَام عَلَيْهِ فَلَا بَأْس بِهِ
السّفر مَعَ الْمَرْأَة على وَجْهَيْن إِن كَانَ محرمها فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن امن الشَّهْوَة على نَفسه وَعَلَيْهَا جَائِز وَإِن لم يَأْمَن الشَّهْوَة أما على نَفسهَا أَو على نَفسه بِأَن كَانَ أكبر رَأْيه أَنه مشته أَو شكّ فِيهِ لَا يجوز
وَإِن لم يكن محرمها فَهُوَ على وَجْهَيْن
إِن كَانَت حرَّة لَا تحل الْخلْوَة بهَا وَلَا المسافرة مَعهَا
وَإِن كَانَت أمة فَقيل جَائِز المسافرة بهَا وَقيل لَا وَمن جوز فِيهَا بَينهم اخْتِلَاف
стр. 164
فِي أَنه يجوز لَهُ الْإِنْزَال والإركاب إِذا أمنا الشَّهْوَة قيل لَا يجوز لِأَنَّهُ قد يشتهيها وَقيل يجوز لتحقيق الضَّرُورَة فِي السّفر إِلَى ذَلِك
وَمن سَأَلَ مُسلما من أهل الذِّمَّة عَن طَرِيق الْبيعَة فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِعَانَة على الْمعْصِيَة وَلَا بَأْس بِالدّلَالَةِ من الْبيعَة إِلَى البيث وَإِذا كَانَ الرجل مبتليا بِصُحْبَة الْفجار فِي سَفَره لِلْحَجِّ أَو للغزو لَا يتْرك الطَّاعَة بصحبتهم وَلَكِن يكرههُ بِقَلْبِه وَلَا يرضى بِهِ فَلَعَلَّ الْفَاسِق يَتُوب ببركة كَرَاهَة قلبه
وَذكر فِي الْكِفَايَة الشعبية أَن خَاتمًا وشقيقا خرجا فِي سفر فصحبهما شيخ فَاسق فَكَانَ يضْرب بالمعازف فِي الطَّرِيق وَكَانَ يطرب ويغني وَكَانَ حَاتِم ينْتَظر أَن ينهاه شَقِيق فَلم يفعل ذَلِك فَلَمَّا كَانَ فِي أخر الطَّرِيق وَأَرَادُوا يتفرفوا قَالَ لَهما ذَلِك الشَّيْخ الْفَاسِق لم أر أثقل مِنْكُمَا قد طربت بَين أيديكما كل الطَّرب فَلم تنظرا إِلَى طربي فَقَالَ لَهُ حَاتِم يَا شيخ أعذرنا فَإِن هَذَا شَقِيق وَأَنا حَاتِم فَتَابَ الرجل وَكسر ذَلِك المعزف وَجعل يتتلمذ عِنْدهمَا ويخدمهما فَقَالَ
стр. 165
شَقِيق لحاتم رَأَيْت صَبر الرِّجَال
وَيكرهُ للرجل أَن يقْضِي حَاجته فِي الطَّرِيق أَو فِي ضفة النَّهر أَو تَحت شَجَرَة مثمرة أَو شَجَرَة يستظل النَّاس تحتهَا لما روى أَنه ﵇ قَالَ من قضى حَاجته تَحت شَجَرَة مثمرة أَو على طَرِيق عَام اَوْ على ضفة نهر جَار فَعَلَيهِ لعنة الله تَعَالَى وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
стр. 166
الْبَاب التَّاسِع وَالْعشْرُونَ
فِي الاحتساب بالاحراق
وَمِنْه إحراق المعازف يَوْم الْأَضْحَى فِي مصلى الْعِيد وَيُقَال أَنه يكره لِأَنَّهُ شغل الْمَسْجِد بالنَّار وَالْمَعَازِف وَالْمَسْجِد مَا أعد لذَلِك فَجَوَابه أَن يُقَال مصلى الْعِيد لَهُ حكم الْمَسْجِد فِي حق جَوَاز الِاقْتِدَاء وَإِن انفصلت الصُّفُوف وَأما فِيمَا عدا ذَلِك فَلَا رفقا بِالنَّاسِ
وَلَو أحرق الْمُحْتَسب مَتَاع من يَبِيع على الشوارع يضمن إِلَّا إِذا فَسَادًا فِي ذَلِك وَرَأى الْمصلحَة فِي إحراقه فَلَا يضمن
إحراق بَيت الْخمار الْمَشْهُور بذلك لَا يضمن إِذا علم أَنه لَا ينزجر بِدُونِهِ لتعيينه طَرِيقا للحسبة فَإِن قيل لم خص الْأَضْحَى بإحراق المعارف فَنَقُول وَالله أعلم لوجوه أَحدهَا هُوَ أَن بعض النَّاس يَزْعمُونَ أَن ضرب الدُّف والغناء بِهِ يَوْم الْعِيد جَائِز لما روى أَن أَبَا بكر ﵁ دخل على رَسُول الله ﷺ وَعِنْده جاريتان تُغنيَانِ بالدف فزجرهما أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ
стр. 167
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دعهما فَإِنَّهُ يَوْم عيد وَهَذَا الحَدِيث مَتْرُوك بقوله تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ وَلما كَانَ هَذَا الحَدِيث متروكا أظهر أهل الاحتساب إحراق المعازف فِي هَذَا الْيَوْم ليَكُون فعلهم وإجماعهم على هَذَا فِي دَار الْإِسْلَام أجمع حجَّة قَاطِعَة على أَن هَذَا الحَدِيث غير مَعْمُول بِهِ
وَالثَّانِي وَهُوَ ان يَوْم الْعِيد يَوْم سرُور وحبور قُلُوب أهل الصّلاح والورع تفرح بإحراق الملاهي فأظهروا إحراقها مُبَالغَة فِي تَحْصِيل مسرتهم
وَالثَّالِث وَهُوَ أَن الْحجَّاج فِي هَذَا الْيَوْم مناسكهم خَمْسَة
أَحدهَا الذّهاب من منى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام
وَالثَّانِي الطّواف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق
وَالثَّالِث إِقَامَة السّنَن من الْحلق وقص الْأَظْفَار وَنَحْوهَا
وَالرَّابِع رمي الْجمار
وَالْخَامِس القربان
فسيفعل غير الْحجَّاج فِي ذَلِك خمس عبادات أُخْرَى مُوَافقَة لَهُم
أَحدهَا الذّهاب إِلَى الْمصلى مُوَافقَة لذهاب إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام
وَالثَّانِي صَلَاة الْعِيد مُوَافقَة لَهُم فِي الطّواف لقَوْله ﵇ الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة
وَالثَّالِث إحراق المعازف مُوَافقَة لَهُم فِي الْحلق وَنَحْوه لأَنهم يزيلون الْبِدْعَة ويقيمون السّنة وَهَذِه المعازف بِدعَة فتحرق إِزَالَة لَهَا
стр. 168
وَالرَّابِع رمي الْعَوام الْجمار عِنْد إحراق المعازف مُوَافقَة للحجاج فِي رمي الْجمار
وَالْخَامِس يضحون مُوَافقَة لَهُم فِي القرابين
وَفِي كتاب الْحَظْر والاباحة من الْخَانِية رجل وطئ بَهِيمَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِن كَانَت الْبَهِيمَة للواطئ يُقَال لَهُ أذبحها وأحرقها وَإِن لم تكن الْبَهِيمَة للواطئ كَانَ لصَاحِبهَا أَن يَدْفَعهَا إِلَى الْوَاطِئ بِالْقيمَةِ ثمَّ يذبحها الْوَاطِئ ويحرقها إِن لم تكن مأولة وَإِن كَانَت مِمَّا يُؤْكَل يذبح وَلَا يحرق
قَالَ العَبْد وَالْأَصْل فِي إحراق آلَات السَّيِّئَات قَوْله تَعَالَى وَانْظُر إِلَى الهك الَّذِي ظلت عَلَيْهِ عاكفا لنحرفنه قَالَ السّديّ إِن مُوسَى أَمر بِذبح الْعجل فَسَالَ دَمه ثمَّ أحرق لَحْمه فَصَارَ رَمَادا ثمَّ ذراه فِي الْبَحْر والتمسك بِهِ من وُجُوه
أَحدهَا أوعد مُوسَى ﵇ سامريا بإحراق عجله لِأَن السِّيَاق يدل على التهديد وَالتَّشْدِيد عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ﴿فَاذْهَبْ فَإِن لَك فِي الْحَيَاة أَن تَقول لَا مساس﴾ والايعاد إِنَّمَا يكون بِمَا يسوء الْموعد فَكَانَ إحراق عجله إيحاشا وإساءة إِلَى السامري وإيحاش الْمُسِيء وإساءته حسن شرعا بل
стр. 169
وَاجِب عقلا وطبقا فَكَذَا هُنَا يكون إحراق المعازف إيحاشا لأَهْلهَا فَكَانَ حسنا
وَالثَّانِي وَهُوَ أَنه أوعده أَن يحرق عجله فَكَانَ الإحراق جَائِزا شرعا وَإِلَّا لما أوعده
وَالثَّالِث وَهُوَ أَن مُوسَى ﵇ أحرقه فَكَانَ إحراقه سنة مُوسَى ﵇ فَيجوز لنا أَيْضا لِأَن مَا كَانَ مَشْرُوعا فِي الْأُمَم الخالية فَهُوَ مَشْرُوع لنا إِلَّا أَن ثَبت نُسْخَة وَلم يثبت نسخ الإحراق فَيبقى فَإِن قيل الْفرق وَاضح بَين الْعجل وَالْمَعَازِف لِأَن الْعجل كَانَ معبودا بَاطِلا وَالْمَعَازِف آلَات الذَّنب لَا غير فَنَقُول حُرْمَة الاتخاذ والامساك يجمعهما فجواز الاحراق أَيْضا ينتظمها لِأَن حُرْمَة الامساك أَيْضا عِلّة للاضاعة والاتلاف والاحراق طَرِيق صَالح لَهُ وَالشَّرْع ورد بِهِ فِي الْعجل فَيكون واردا فِي المعازف معنى
وَذكر فِي الْبَاب الثَّلَاثِينَ من شرح أدب القَاضِي للخصاف أَن عمر ﵁ خطب فِي النَّاس فَقَالَ إِن فِي بَيت فلَان وَفُلَان مُسكرا وَالرجل من قُرَيْش وَالرجل من ثَقِيف يُسمى الثَّقَفِيّ مشردا وَإِنِّي آتِي بيوتهما فَإِن كَانَ حَقًا أحرقهما فَسمع الْقرشِي بذلك فحذر وَأخرج مَا فِي بَيته وَلم يفعل الثَّقَفِيّ قَالَ فَأتى بَيت الْقرشِي فَلم يجد فِيهِ شَيْئا فَأتى بَيت الثَّقَفِيّ فَوجدَ فِيهِ الْخمر فَأحرق الْبَيْت وَقَالَ مَا أَنْت بمرشد فَائِدَة الحَدِيث جَوَاز الاعلان فَإِن عمر ﵁ لما بلغه الْخَبَر أعلن واشتغل بِالْخطْبَةِ والوعظ والقرشي اتعظ بوعظه والثقفي مَا أتعظ فَأحرق بَيته لِأَنَّهُ أوعد بذلك فَلَا يَلِيق بالسياسة أَن لَا يحرق وَلم يرو
стр. 170
عَن اصحابنا فِي إحراق الْبَيْت شَيْء وَإِنَّمَا روى عَنْهُم فِي هدم الْبَيْت وَكسر الذنان وَذكر فِي الْفَصْل الثَّامِن من كتاب الصَّلَاة من الْمُحِيط قَالَ ﵇ لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأنْظر إِلَى أَقوام يتخلفون عَن الْجَمَاعَة فأحراق بُيُوتهم وَهَذَا يدل على جَوَاز إحراق بَيت الَّذِي يتَخَلَّف عَن الْجَمَاعَة لِأَن الْهم على الْمعْصِيَة لَا يجوز من الرَّسُول ﷺ لِأَنَّهُ مَعْصِيّة فَإِذا علم جَوَاز إحراق الْبَيْت على ترك النسة الْمُؤَكّدَة فَمَا ظَنك فِي إحراق الْبَيْت فِي ترك الْوَاجِب وَالْفَرْض وَمَا ظَنك فِي إحراق آلَات الْمعْصِيَة
وَذكر فِي الذَّخِيرَة فِي الْفَصْل الثَّامِن عشر من السّير وَإِذا أَدخل الْمُسلم خنزيرا فِي مصر الْمُسلمين وَهُوَ يتهم بتناول ذَلِك ذبح خنزيره وأحرق بالنَّار وَإِن كَانَ لَا يتهم بذلك وَقَالَ إِنَّمَا هِيَ لذِمِّيّ ترك وَيُؤمر بألا يعود إِلَى مثله
стр. 171
الْبَاب الثَّلَاثُونَ
فِي الْفرق بَين الْمُحْتَسب وَبَين المتعنت
نهر فِي سكَّة غير نَافِذَة غرس رجل على شطه فِي فنَاء دَاره شَجَرَة فَأَرَادَ رجل من الشُّرَكَاء أَن يقطع تِلْكَ الشَّجَرَة وَفِي تِلْكَ السِّكَّة أَشجَار مثلهَا وَلم يتَعَرَّض لَهَا هَذَا الرجل سوى هَذِه الشَّجَرَة قَالَ لَيْسَ لَهُ أَن يقْلع لِأَنَّهُ متعنت وَلَيْسَ بمحتسب لِأَنَّهُ لَو كَانَ محتسبا لتعرض لجَمِيع الْأَشْجَار فِي هَذِه السِّكَّة
وَقَالَ الفقية أَبُو الْقَاسِم الصفار رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّمَا يلْتَفت إِلَى خُصُومَة المخاصم فِي التَّصَرُّف الْمُحدث فِي طَرِيق الْعَامَّة وَفِي الْفُرَات إِذا لم يكن لَهُ مثل الَّذِي يُخَاصم فِيهِ إِذا كَانَ لَهُ مثل مَا يُخَاصم عَلَيْهِ لَا يتلفت إِلَى خصومته لِأَنَّهُ متعنت فِي هَذِه الْخُصُومَة لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ دفع الضَّرَر عَن الْعَامَّة لَا بتدأ بِنَفسِهِ فَلَمَّا لم يبْدَأ بِنَفسِهِ يحكم أَن قَصده التعنت
وَمن أَرَادَ أَن ينْقض جنَاحا خَارِجا فِي الطَّرِيق الجادة لَا يكون لَهُ ذَلِك إِلَّا أَن يكون رجلا محتسبا يتَعَرَّض لجَمِيع الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ إِذا تعرض لوَاحِد دون الثَّانِي كَانَ مُتَعَنتًا
стр. 172
الْبَاب الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
فِي الاحتساب على من يكْتب التعويذ ويستكتبه
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِية امْرَأَة أَرَادَت أَن تضع لَهَا تعويذا ليحبها زَوجهَا بَعْدَمَا كَانَ يبغضها ذكر فِي الْجَامِع الْأَصْغَر أَن ذَلِك حرَام
وَذكر فِي تَفْسِير أم الْمعَانِي تكره الرقي العبرانية والسريانية وَتَعْلِيق التمائم وَهِي التعويذات وَعَن أبي بشر الانصاري أَنه قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﵇ فِي بعض أَسْفَاره قَالَ عبد الله حسبت أَنه قَالَ وَالنَّاس فِي مبيتهم فَأرْسل رَسُولا لاتبقين فِي رَقَبَة بعير قلادة من وتر أَو غَيره إِلَّا قطعت
стр. 173
وَفِي رِوَايَة من وتر أَو قلادة من صَحِيح البُخَارِيّ قَالَ العَبْد ويتسدل بِهَذَا الحَدِيث على منع النَّاس أَن يعلقوا على أَوْلَادهم التمائم والخيوط والخرزات وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَلف أَنْوَاعه ويظنون أَن ذَلِك يَنْفَعهُمْ أَو يدْفع عَنْهُم الْعين وَمَسّ الشَّيْطَان وَنَحْو ذَلِك مِنْهُ نوع من الشّرك فَإِن النَّفْع والضر بيد الله تَعَالَى لَا بِغَيْرِهِ بِخِلَاف الرتيمة وَهِي الْخَيط الَّذِي يرْبط بالاصبع أَو الْخَاتم للتذكر فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ للْحَاجة روى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يفعل ذَلِك من شرح الْكَرْخِي وَفِي الْمغرب فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ أَن التمائم والرقي والتولة من الشّرك قَالَ الْأَزْهَرِي التمائم وَاحِدهَا تَمِيمَة وَهِي خَرَزَات كَانَ الْأَعْرَاب يعلقونها على أَوْلَادهم يَتَّقُونَ بهَا النَّفس أَي الْعين يزعمهم فَهُوَ بَاطِل وَلِهَذَا قَالَ ﵇ من علق تَمِيمَة فقد أشرك
стр. 174
وَرُوِيَ أَنه ﵇ قطع التميمة من عنق الْفضل وَعَن النَّخعِيّ أَنه كَانَ يكره كل شَيْء يعلق على صَغِير أَو كَبِير وَيَقُول هُوَ من التمائم فَإِن قيل ذكر فِي الْمغرب قَالَ الفتبي وَبَعْضهمْ يتَوَهَّم أَن المعاذات هِيَ التمائم وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا التميمة الخرز وَلَا بَأْس بالمعاذات إِذا كبت فِيهَا الْقُرْآن وَأَسْمَاء الله تَعَالَى فَيَقُول القتيبي كَانَ من أهل اللُّغَة وَيَقُول فِي بَاب الْفِقْه لَا تتْرك قَول النَّخعِيّ وَغَيره من الْفُقَهَاء
стр. 175
الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
فِي الاحتساب على من يَأْخُذ شَيْء على الاحتساب من النَّاس
وَمَا رسم فِي الْبِلَاد لأهل الْحِسْبَة إِن كَانَ فِي أهل الذِّمَّة فَلَا شكّ فِي جَوَازه لِأَنَّهُ صَار من أَمْوَال أهل الذِّمَّة وَإِن أَخذ من الْمُسلمين فَإِن كَانَ بِقدر أجره أعوان الْمُحْتَسب وَلَا رزق لَهُم من بَيت المَال فَلَا بَأْس بِهِ لأَنهم يعْملُونَ لَهُم فَيَأْخُذُونَ كفايتهم مِنْهُم وَإِن زادوا عَلَيْهِ أَو كَانَ لَهُم رزق من بَيت المَال فَهُوَ حرَام لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْمُسلم قهرا وَغَلَبَة بِغَيْر رِضَاهُ فَلَا يجوز لقَوْله تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا اموالكم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة من ترَاض مِنْكُم
ذكرا جصاص فِي أَحْكَام الْقُرْآن من ضرب الضرائب على النَّاس حل دَمه وَكَانَ بعض الْمَشَايِخ يُفْتِي بِكفْر أعوانه وَنحن لَا نفتي بكفرهم إِذْ لم يستحلوا ظلمهم وفسقهم أما إِذا استحلوا ذَلِك فقد أجمع الْمُسلمُونَ على تكفيرهم فَإِن أَخذ الْمُحْتَسب غير مرسوم ينظر أَن أَخذه ليسامح فِي مُنكر أَو يداهن فِيهِ أَو يقصر فِي مَعْرُوف فَهُوَ أَيْضا حرَام لِأَنَّهُ أحد أَنْوَاع الرِّشْوَة وَأَنَّهَا حرَام كَمَا ذكر فِي أدب القَاضِي للخصاف
стр. 176
والرشوة على أَرْبَعَة أوجه
إِمَّا أَن يرشوه لِأَنَّهُ قد خَوفه فيعطيه الرِّشْوَة ليدفع الْخَوْف عَن نَفسه
أَو يرشوه ليسوي أمره بَينه وَبَين السُّلْطَان
أَو يرشوه ليتقلد الْقَضَاء من السُّلْطَان
أَو يرشو للْقَاضِي ليقضي لَهُ
فَفِي الْوَجْه الأول لَا يحل الْأَخْذ لِأَن الْكَفّ عَن التخويف كف عَن الظُّلم وَأَنه وَاجِب حَقًا للشَّرْع فَلَا يحل أَخذه لذَلِك وَيحل للمعطى الاعطاء لِأَنَّهُ جعل المَال وقاية للنَّفس وَهَذَا جَائِز مُوَافق للشَّرْع فَكَذَلِك تَقول فِي الْمُحْتَسب إِذا خوف إنْسَانا بظُلْم وَأَعْطَاهُ ذَلِك الانسان ليدفع عَن نَفسه ذَلِك الْخَوْف يجوز للمعطي وَيحرم على الْمُحْتَسب
وَفِي الْوَجْه الثَّانِي أَيْضا لَا يحل الْأَخْذ لِأَن الْقيام بِأُمُور الْمُسلمين وَاجِب بِدُونِ المَال فَهُوَ يَأْخُذ المَال ليقيم مَا وَجب عَلَيْهِ الْإِقَامَة بِدُونِ المَال فَلَا يحل لَهُ الْأَخْذ
وَفِي الْوَجْه الثَّالِث لَا يحل الْأَخْذ والاعطاء وَهَكَذَا تَقول فِي أَصْحَاب محتسب الممالك إِذْ أَخذ شَيْئا من النواب على الاحتساب على الْقُضَاة ليسووا أَمرهم فِي نياتهم بَينهم وَبَين تملك الْحِسْبَة فَهُوَ حرَام كَمَا فِي الرِّشْوَة فِي بَاب السَّعْي بَين الْقُضَاة وَبَين السُّلْطَان ليوليهم على الْقَضَاء
стр. 177
وَأما فِي الرَّابِع فَفِيهِ حرَام الْأَخْذ سَوَاء كَانَ الْقَضَاء بِحَق أَو بظُلْم أما الظُّلم فلوجهين
أَحدهمَا أَنه رشوة
وَالثَّانِي انه سَبَب للْقَضَاء بالجور
وَأما الْحق فلوجه وَاحِد وَهُوَ أَخذ المَال لإِقَامَة الْوَاجِب وَأما الاعطاء فَإِن كَانَ لجور لَا يجوز وَإِن كَانَ لحق جَازَ لما بَينا وَهَكَذَا نقُول فِي الْمُحْتَسب لَا يجوز أَن يَأْخُذ شَيْئا من أَرَادَ أَن يحْتَسب عَلَيْهِ لِأَن احتسابه إِن كَانَ لجور فللمعنيين وَإِن كَانَ لحق فلمعني وَاحِد كَمَا مر
وَذكر أَنه قيل لعمر بن عبد الْعَزِيز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالك لَا تقبل الْهَدِيَّة وَكَانَ رَسُول الله تَعَالَى يقبلهَا قَالَ عمر أَنَّهَا كَانَت على عهد رَسُول الله هَدِيَّة وَأَنَّهَا لنا رشوة أَشَارَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَن الزَّمَان قد فسد وَالْمهْدِي لَا يلْتَمس مَا لَا يحل لَهُ فِي الشَّرِيعَة فَلَو قيل كَانَ رشوة وَهَذَا لَا يتَصَوَّر فِي زمَان رَسُول الله ﷺ لِأَن الشوكه لَهُ بِنَفسِهِ فَكَانَت الْهَدِيَّة لَهُ وهدايا الْأُمَرَاء للْمُسلمين أَجْمَعِينَ لِأَن شوكتهم بهم قَالَ العَبْد فعلى هَذَا نقُول أَن الْمُحْتَسب أَو القَاضِي إِذا أهْدى إِلَيْهِ مِمَّن يعلم أَنه يهدي لاحتياجه إِلَى الْقَضَاء والحسبة لَا يقبل وَلَو قبل كَانَ رشوة وَأما مِمَّن يعرف أَنه يهدي للتودد والتحبب لَا للْقَضَاء والحسبة فَلَا بَأْس بِالْقبُولِ مِنْهُ وَذكر فِيهِ أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يتوسعون فِي
стр. 178
قبُول الْهَدَايَا بَينهم وَهَذَا لِأَن الْهَدِيَّة كَانَت عَادَتهم وَكَانُوا لَا يلتسمون مِنْهُم شَيْئا وَإِنَّمَا كَانُوا يهْدُونَ للتودد والتجبب وَكَانُوا يستوحشون برد هداياهم فَلَا يتَمَكَّن فِيهِ معنى الرِّشْوَة فَلهَذَا كَانُوا يقبلونها
стр. 179
الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ
فِي الاحتساب فِي بَاب الْعلم
والمعلم لَا يناظر فِي الْمَسْأَلَة الكلامية إِذا لم يعرفهَا على وَجههَا من الْمُلْتَقط الناصري وَمِنْه كره جمَاعَة الِاشْتِغَال بِعلم الْكَلَام قَالَ السَّيِّد نَاصِر الدّين وتأويله عندنَا كَثْرَة المناظرة والمجادلة فِيهِ بِحَيْثُ تُؤدِّي إِلَى إثارة الْبدع والفتن وتشويش العقائد أَو يكون المناظر فِيهِ قَلِيل الْفَهم أَو طَالبا للغلبة لَا للحق فَأَما معرفَة الله تَعَالَى وتوحيده وَمَعْرِفَة النُّبُوَّة وَالَّذِي تنطوي عَلَيْهِ عقائدنا فَلَا يمْنَع مِنْهُ
وَفِي الْخَانِية الفقيهان إِذا تكلما فِي مَسْأَلَة إِن كَانَ الْبَذْل على أَحدهمَا جَازَ وَإِن كَانَ الْبَذْل من الْجَانِبَيْنِ لَا يجوز
وَفِي الظَّهِيرِيَّة قَالَ الشَّيْخ الإِمَام صدر الْإِسْلَام ابو الْيُسْر نظرت فِي الْكتب الَّتِي صنفها المتقدمون فِي علم التَّوْحِيد فَوجدت بَعْضهَا للفلاسفة مثل
стр. 180
إِسْحَاق الْكِنْدِيّ والاسفراييني وأمثالهما وَذَلِكَ كُله خَارج عَن الدّين الْمُسْتَقيم وزيع عَن الطَّرِيق القويم لَا يجوز المطالعة وَالنَّظَر فِي تِلْكَ الْكتب وَلَا يجوز إِِمْسَاكهَا فَإِنَّهَا مشحونة بالشرك والضلال قَالَ وَوجدت أَيْضا تصانيف كَثِيرَة فِي هَذَا الْفَنّ للمعتزلة مثل عبد الْجَبَّار الرَّازِيّ والجبائي والكعبي النظام وَغَيرهم لَا يجوز إمْسَاك تِلْكَ الْكتب وَالنَّظَر فِيهَا كَيْلا تحدث الشكوك وَلَا يتَمَكَّن
следующие страницы →