Полный текст (320 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْبَاب الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الاحتساب على المماليك
وَيكرهُ للرجل أَن يَجْعَل الرَّايَة فِي عنق عَبده وَلَا يكره لَهُ تَقْيِيده لِأَن الرَّايَة مثله وإشهاروالقيد عُقُوبَة والمثلة منهى مِنْهَا والعقوبة مُسْتَحقَّة على أَهلهَا كالضرب للتأديب
وَذكر فِي شرح الْكَرْخِي أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانَ لَهُم خدم من العلوج وَكَانُوا يرجعُونَ إِلَى قَوْلهم فِي المأكل قَالَ العَبْد وَهَذَا يدل على أَن اسْتِخْدَام الْكَافِر لَا يكره سَوَاء كَانَ عبدا أَو جيرا وَفِي الشَّهَادَات لَو شتم أَهله ومماليكه فاعتاد ذَلِك كل سَاعَة وَيَوْم لَا تقبل شَهَادَته وَإِن كَانَ أَحْيَانًا تقبل يَعْنِي مَا دون الْقَذْف فَأَما الْقَذْف فَيسْقط الْعَدَالَة
وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي التنبه عَن عَامر الشّعبِيّ أَنه قَالَ استسقى رجل
стр. 212
من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أهل بَيت فدعَتْ الْمَرْأَة خَادِمهَا فأبطأت عَلَيْهَا فقذفها فَقَالَ أما أَنَّك ستحدين لَهَا يَوْم الْقِيَامَة أَو تقيمين أَرْبَعَة يشْهدُونَ أَنَّهَا كَمَا قلت فأعتقتها فَقَالَ لَهَا عَسى أَن يكفر هَذَا عَنْك
وَذكر فِي جنايات الذَّخِيرَة إمْسَاك الْجَعْد فِي الْغُلَام حرَام هُوَ المروى عَن أَصْحَابنَا ﵏ إِنَّمَا يمسكون الْجَعْد فِي الْغُلَام للأطماع الْفَاسِدَة ويتبنى على هَذَا لَو حلق جعد عبد إِنْسَان وَنبت مَكَانَهُ أَبيض يلْزم النُّقْصَان وَلَيْسَ طَرِيق معرفَة النُّقْصَان فِي هَذِه الصُّورَة أَن ينظر إِلَى قيمَة العَبْد وَبِه جعد وَإِلَى قِيمَته وَلَا جعد بِهِ وَإِنَّمَا طَرِيقَته أَن ينظر إِلَى قِيمَته وأصول شعره نابتة وَإِلَى قِيمَته وأصول شعره غير نابتة لِأَن إمْسَاك الْجَعْد حرَام وجهة الْحَرَام لَا تعْتَبر شرعا وَعَن هَذَا قيل إِذا نبت الشّعْر وَلم ينْبت جعد لَا شَيْء على الحلاق وَيكرهُ الغل من الْحَدِيد فِي العَبْد وَالْأمة وَهُوَ الطوق من الْحَدِيد الَّذِي يمنعهُ من أَن يُحَرك رَأسه لِأَنَّهُ مُعْتَاد الظلمَة وَلِأَنَّهُ عُقُوبَة أهل النَّار فَيكْرَه كالإحراق بالنَّار وَفِي الْجَامِع الصَّغِير الخاني قَالُوا وَهَذَا كَانَ فِي ومانهم عِنْد قلَّة الاباق أما فِي زَمَاننَا لَا بَأْس بِهِ لقلَّة الأباق خُصُوصا فِي الهنود
مَسْأَلَة هَل يجوز للغلام أَن يَسْتَعْدِي على مَوْلَاهُ إِذا ضربه
الْجَواب ذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي التَّنْبِيه عَن عَطاء بن يسَار أَن أَبَا ذَر ضرب وَجه غُلَام فاستعدى عَلَيْهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﵇ لَا
стр. 213
تضربوا وُجُوه الْمُسلمين فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ والبسوهم مَا تلبسُونَ فَإِن رابوكم فبيعوهم
وَفِي بُيُوع الْمُلْتَقط الناصري وَإِذا أَسَاءَ على عبد فرفعه إِلَى القَاضِي وَشهِدت جِيرَانه بذلك لَا يجْبر على بَيْعه وَينْهى الْمولى عَن ذَلِك فَإِذا عَاد أدب بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس كَذَا عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 214
الْبَاب الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ
فِيمَا يتَعَلَّق بمسائل الْمَوْتَى
لَا يتْرك للغسال أَن يَأْخُذ أجره على غسل الْمَيِّت وَأما حمل الْمَيِّت وحفر قَبره وَدَفنه فَلَا بَأْس لِأَن الأول حَسبه وَالثَّانِي لَا وَذكر الْقَدُورِيّ إِن كَانَ فِي مَوضِع لَا يجد من يغسلهُ أَو يحملهُ غير هَؤُلَاءِ فَلَا أجر لَهُم وَإِن كَانَ ثمَّة أنَاس غَيرهم فَلهم الْأجر
رفع الصَّوْت عِنْد الْجِنَازَة يكره وَاخْتلف فِي تَفْسِيره فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد مِنْهُ النوحة وتمزيق الثِّيَاب وخمش الْوَجْه وَذَلِكَ مَكْرُوه وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد مِنْهُ مَا كَانَ أَن يقوم رجل بعد مَا اجْتمع الْقَوْم للصَّلَاة وَيَدْعُو للْمَيت وَيرْفَع صَوته وَذَلِكَ مَكْرُوه لِأَن السّنة فِي الْأَدْعِيَة الْخفية وبهذه الْحجَّة ظَهرت أَن المراثى الْمَعْهُودَة فِي بَلْدَتنَا مَكْرُوهَة لِأَن فِيهَا مُبَالغَة الثَّنَاء والجهد بِالدُّعَاءِ وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد مِنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة من الإفراط فِي مدح الْمَيِّت عِنْد جنَازَته حَتَّى كَانُوا يذكرُونَ مَا يشبه الْمحَال وَاصل الثَّنَاء لَيْسَ
стр. 215
بمكروه لقَوْله ﵇ فِي حق ابْن رَوَاحه حِين اسْتشْهد كَانَ أولنا وصُولا وآخرنا قفولا وَكَانَ يُصَلِّي الصَّلَاة لوَقْتهَا قَوْله أولنا وصُولا أَي أولنا خُرُوجًا إِلَى الْقِتَال وَهُوَ مُسْتَحبّ لِأَنَّهَا مسارعة إِلَى الْعِبَادَة وآخرنا قفولا أَي رُجُوعا عَن الْجِهَاد وَأَنه مُسْتَحبّ أَيْضا لِأَنَّهُ يدل على شدَّة الرَّغْبَة فِيهِ وَكَانَ يُصَلِّي الصَّلَاة لوَقْتهَا وَأَنه أَيْضا صفة مدح لِأَنَّهُ مُحَافظَة للصَّلَاة فَعلم أَن الْمَدْح للْمَيت جَائِز والمدح المتجاوز عَن الْحَد الْمَشْرُوع وَهُوَ أَن يمدح بِمَا لَا يكون فِيهِ حرَام
دفن الْمَيِّت والقتيل فِي مَقَابِر قوم مَاتَ فيهم أحب وَنَقله ميلًا وميلين لَا بَأْس بِهِ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ قيل يكره وَإِلَيْهِ مَال السَّرخسِيّ وَقيل لَا يكره قلع شوك أَو حشيش نبت على الْقُبُور إِن كَانَ رطبا يكره قلعه وَإِن كَانَ يَابسا لَا يكره لِأَنَّهُ مَا دَامَ رطبا يسبح وَيحصل للْمَيت بتسبيحه أنس
وَفِي وَصَايَا الْمُلْتَقط الَّذِي يلقى تَحت الْمَيِّت فِي الْقَبْر كَالثَّوْبِ والمقرمة لَا بَأْس بِهِ وَفِي وَصَايَاهُ اتِّخَاذ الْقَارئ عِنْد الْقَبْر بِدعَة وَلَا معنى لصلة الْقَارئ بقرَاءَته وَلم يَفْعَله أحد من الْخُلَفَاء وَالصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
стр. 216
الْوَصِيَّة بعمارة قبر أَبِيه للتجصيص لَا للزِّينَة يجوز عَن أبي الْقَاسِم فَمن أوصى أَن يطين قَبره أَو يضْرب على قَبره قبَّة أَو يدْفع إِلَى إِنْسَان شَيْئا ليقْرَأ على قَبره فَالْوَصِيَّة بَاطِلَة
أهل الذِّمَّة إِذا جعلُوا أَرضًا مَمْلُوكَة لَهُم مَقْبرَة لم يمنعوا عَن ذَلِك لِأَنَّهَا ملكهم فَيجوز تصرفهم فِيهَا كَيْفَمَا شَاءُوا وَتَمَامه فِي بَاب الاحتساب على أهل الذِّمَّة
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِية وَإِذا مَاتَت الْمَرْأَة حَامِلا فدفنت فرؤيت فِي الْمَنَام أَنَّهَا قَالَت ولدت لَا ينبش قبرها وَمَسْأَلَة النوح اخْتصّت بِبَاب على حِدة
وَذكر فِي الظَّهِيرِيَّة وَلَا بَأْس بِالْجُلُوسِ لأهل الْمُصِيبَة فِي الْبَيْت ثَلَاثَة أَيَّام وَالنَّاس يأتونهم ويعزونهم وَالتّرْك أفضل من الْخَانِية وَيكرهُ الْجُلُوس على بَاب الدَّار لِأَنَّهُ عمل أهل الْجَاهِلِيَّة وَنهى النَّبِي ﵇ عَن ذَلِك وَمَا يصنع فِي بِلَاد الْعَجم من فرش الْبسط وَالْقِيَام على قوارع الطَّرِيق من أقبح القبائح ويحتسب على من سطح الْقَبْر كَمَا هُوَ عَادَة بعض الجهلة من المتشبهين بالصوفيه لِأَن السّنة فِي الْقَبْر على مَذْهَبنَا التسنيم وَلَا بَأْس بِنَقْل الْمَيِّت إِلَى ميل أَو ميلين وَيكرهُ الزِّيَادَة على ذَلِك وَذكر فِي الْخَانِية وَإِذا مَاتَ الانسان لَا بَأْس بِأَن يُؤذن قرَابَته وأخوانه بِمَوْتِهِ وَيكرهُ النداء فِي الْأَسْوَاق وَفِي الْجَامِع الصَّغِير الخاني
стр. 217
وَقد اسْتحْسنَ بعض الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء النداء فِي الْأَسْوَاق للجنازة لكَي يرغب النَّاس فِي الصَّلَاة عَلَيْهَا وَكره ذَلِك بَعضهم وَالْأول أصح وَفِي الْخَانِية وَيَنْبَغِي أَن يكون غاسل الْمَيِّت على الطهار وَيكرهُ أَن يكون حَائِضًا أَو جنبا وَيكرهُ رفع الصَّوْت بِالذكر حَال حمل الْجِنَازَة وَعَن إِبْرَاهِيم كَانُوا يكْرهُونَ أَن يَقُول الرجل هُوَ يمشي مَعهَا اسْتَغْفرُوا لَهُ غفر الله تَعَالَى لَكِن وَيكرهُ أَن يقوم الرجل إِذا رأى جَنَازَة غير وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاء الاسلام ثمَّ نسخ بعده وَيكرهُ الْآجر فِي اللَّحْد إِذا كَانَ يَلِي الْمَيِّت أما فِيمَا وَرَاءه لَا يأس بِهِ وَلَا يَنْبَغِي إِخْرَاج الْمَيِّت من الْقَبْر بَعْدَمَا دفن إِلَّا إِذا كَانَت الأَرْض مَغْصُوبَة أَو أخذت بِالشُّفْعَة فَإِن وَقع فِي الْقَبْر مَتَاع فَعلم ذَلِك بَعْدَمَا أهالوا عَلَيْهِ التُّرَاب بنبش وَيسْتَحب فِي الْقَتِيل دَفنه فِي الْمَكَان الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي مَقَابِر أُولَئِكَ الْقَوْم وَإِن نقل قبل الدّفن إِلَى ميل أَو ميلين فَلَا بَأْس بِهِ وَكَذَا لَو مَاتَ فِي غير بَلَده يسْتَحبّ تَركه فَإِن نقل إِلَى مصر آخر لَا بَأْس بِهِ لما رُوِيَ أَن يَعْقُوب ﵇ مَاتَ بِمصْر وَنقل إِلَى الشَّام بعد زمَان وَسعد بن أبي وَقاص ﵁ مَاتَ فِي ضَيْعَة على أَرْبَعَة فراسخ من الْمَدِينَة وَنقل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى الْمَدِينَة بَعْدَمَا دفن وَلَا يَنْبَغِي إِخْرَاجه بعد مُدَّة طَوِيلَة أَو
стр. 218
قَصِيرَة إِلَّا بِعُذْر والعذر مَا قُلْنَاهُ وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَقَول مُحَمَّد فِي الْكتاب لَا بَأْس بِنَقْل الْمَيِّت قدر ميل أَو ميلين بَيَانه أَن النَّقْل من بلد إِلَى بلد مَكْرُوه
امْرَأَة مَاتَ وَلَدهَا فِي غير بَلَدهَا فَدفن فَأَرَادَتْ نبش الْقَبْر وَحمل الْمَيِّت إِلَى بَلَدهَا لَيْسَ لَهَا ذَلِك لما قُلْنَا كُله من الْخَانِية وَفِي الْوَقْف فِي فصل الرِّبَاط والمقابر الْمَيِّت بَعْدَمَا دفن لَا يخرج من غير عذر أَلا ترى أَن كثيرا من الصَّحَابَة ﵃ دفنُوا فِي أَرض الْحَرْب وَلم يحولوا وَلم يخرجُوا وَيجوز إِخْرَاجه بِعُذْر والعذر أَن تكون الأَرْض مغضوبة أَو أَخذهَا الشَّفِيع بِالشُّفْعَة وَيكرهُ أَن يدْفن بِالسِّلَاحِ والجلود والفرو والحشو والخف والقلنسوة من الْمُحِيط وَغَيره
وَعَن عمر ﵁ تكفن الْمَرْأَة فِي خَمْسَة أَثوَاب وَالرجل فِي ثَلَاثَة ﴿وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ أخبر أَن الزِّيَادَة على الْخَمْسَة فِي الْمَرْأَة وعَلى الثَّلَاثَة فِي الرجل من الاعتداء وَفِي خُنْثَى الْهِدَايَة وتكفن كَمَا تكفن الْجَارِيَة يَعْنِي خَمْسَة أَثوَاب لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أُنْثَى فقد أُقِيمَت سنة وَإِن كَانَ ذكرا فقد زَاد على الثَّلَاثَة وَلَا بَأْس بذلك وَالْأولَى فِي خرقَة النِّسَاء أَن تكون بِقدر مَا تصل من الثديين إِلَى الفخذين ليَكُون أستر لَهَا وَلَا بَأْس بنشر الطّيب من الزَّعْفَرَان والورس فِي الرجل وَيكرهُ للرجل الْكَفَن من الْحَرِير والابريسم
стр. 219
والمعصفر وَالْمَرْأَة تكفن فِيهِ
رجل مَاتَ وَلَا شَيْء لَهُ يفترض على النَّاس أَن يكفنوه فَإِن لم يقدروا عَلَيْهِ سَأَلُوا النَّاس ثوبا لَهُ لِأَنَّهُ لَا يقدر على السُّؤَال بِنَفسِهِ خلاف الْحَيّ لِأَنَّهُ يقدر بِنَفسِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى السُّؤَال وَيكرهُ أَن يتَقَدَّم الْجِنَازَة كل الْقَوْم وَإِن يكن بَعضهم أمامها جَازَ وَلَا بَأْس بالركوب فِي الْجِنَازَة إِذا كَانَ بَعيدا عَن الْجِنَازَة وَإِن كَانَ قَرِيبا مِنْهَا يكره لِأَن السَّبِيل فِي إتباع الْجِنَازَة بطرِيق التذلل لَا بطرِيق التكبر وَلَا يتبع الجناز بِنَار
وَذكر فِي وَصَايَا شرح الطَّحَاوِيّ ﵀ شِرَاء الْكَفَن من أُمُور الْحِسْبَة أَنه لَو لم يوص رجل وَلَيْسَ لَهُ وَرَثَة فلأصحابه أَن يبيعوا من مَاله ويشتروا لَهُ كفنا قَالَ وَلَا يصلى على جَنَازَة كَافِر وَلَا يقوم على قَبره لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره﴾ أَي حِين يدْفن رُوِيَ ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ وَهَذَا دَلِيل على أَن الْمُسلم يَنْبَغِي أَن يصلى عَلَيْهِ ويقام على قَبره حَتَّى يدْفن رُوِيَ ذَلِك عَن النَّبِي ﵇ وَذكر فِي أَحْكَام الْجَصَّاص قَالَ إِلَّا أَن يَمُوت الْكَافِر وَلَا ولي لَهُ إِلَّا مُسلم فَإِنَّهُ يدفنه للضَّرُورَة وَلَكِن لَا يُرَاعى فِيهِ سنة فِي الْغسْل والدفن وَلَكِن يغسلهُ غسل الثَّوْب النَّجس وَلَا يَضَعهُ فِي الْقَبْر بل يلقيه كالجيفة الملقاة فِي الْمَزَابِل فَإِن قيل روى أَنه عَلَيْهِ
стр. 220
السَّلَام قَامَ على قبر عبد الله بن أبي سلول الْمُنَافِق قُلْنَا ذَلِك قبل نزُول هَذِه الْآيَة فنسخ فعله ﵇ بِهَذِهِ الْآيَة من أَحْكَام الْجَصَّاص
стр. 221
الْبَاب الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ
فِي إِرَاقَة الْخمر وَقتل الْخِنْزِير
قَالَ وَإِذا اطلع الْمُحْتَسب على خمر الْمُسلم وإراقها لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي إراقتها أما الإراقة فَلِأَنَّهُ نهى عَن الْمُنكر وَأما عدم الضَّمَان فَلِأَنَّهُ محسن وَمَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل وَأَن أراق خمر ذمِّي فَإِن كَانَ غير الْمُحْتَسب فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن إراقها بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا أَو قبل مَا اشْتَرَاهَا فَإِن إراق مُسلم خمر ذمِّي بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَإِن لم يكن المريق محتسبا لِأَنَّهُ لما بَاعهَا مِنْهُ فقد سلطه على إتلافها وَمن سلط غَيره على إِتْلَاف مَاله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي اتلاف كمن قتل دَابَّة غَيره بأَمْره أَو قطع يَد عَبده بِإِذْنِهِ وَلَا يجب عَلَيْهِ الثّمن أَيْضا لِأَن الْمُسلم لَا يُؤْخَذ بِثمن الْخمر وَإِن أتلفهَا بِغَيْر الشِّرَاء ضمن لِأَن الْخمر لَهُم كالخل لنا وَمن أتلف خل الْمُسلم ضمن فَكَذَا إِذا أتلف خمر الذمى وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يضمن لِأَن الْخمر لَيست بِمَال فِي دَار الْإِسْلَام وَجَوَابه لَا يضمن لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ فَلهُ أَن يعْمل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَتَمَامه فِي بَاب الاحتساب على أهل الذِّمَّة وَفِي الْفَصْل الثَّامِن عشر
стр. 222
من سير الذَّخِيرَة وكل مصر من أَمْصَار الْمُسلمين تجمع فِيهِ الْجمع وتقام فِيهِ الْحُدُود فَلَيْسَ لمُسلم وَلَا كَافِر أَن يدْخل فِيهِ خمرًا وَلَا خنزيرا ظَاهرا فَإِن أَدخل فِيهِ مُسلم خمرًا أَو خنزيرا وَقَالَ إِنَّمَا مَرَرْت مجتازا أَو إِنَّمَا أُرِيد أَن أخلل الْخمر أَو قَالَ لَيْسَ هَذَا لي وَإِنَّمَا هِيَ لغيري وَلم يخبر لمن هِيَ فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ رجلا متدينا لَا يتهم على ذَلِك خليت سَبيله وَأمر بِهِ أَن يخلل الْخمر لِأَن ظَاهر حَاله يدل على صدق خَبره وَالْبناء على الظَّاهِر وَاجِب حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه وخصوصا فِيمَا لَا يُمكن الْوُقُوف على حَقِيقَة الْحَال وَإِن كَانَ رجلا يتهم بتناول ذَلِك اريقت خمره وذبحت خنازيره واحرقت بالنَّار لِأَن ظَاهر حَاله يدل على أَن قَصده ارْتِكَاب الْحَرَام فَيمْنَع عَن ذَلِك على سَبِيل النَّهْي عَن الْمُنكر
стр. 223
الْبَاب الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الاحتساب على أَصْحَاب الزروع والباغات
ذكر فِي شرح الْكَرْخِي روى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه يكره أَن يُغير الأَرْض بالعذرة وَكَانَ ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا دفع أرضه مُزَارعَة شَرط على الْمزَارِع أَن يغيرها بالعذرة وروى عَن سعد ﵁ أَنه كَانَ بِغَيْر أرضه بالعذرة وَعَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ يجوز اسْتِعْمَال الْعذرَة فِي الأَرْض وروى عَنهُ أَنه لَا يجوز وَقَالَ مُحَمَّد أَن غلب التُّرَاب عَلَيْهَا جَازَ وَالصَّحِيح أَن يمْنَع إستمعالها إِلَّا أَن يغلب عَلَيْهِ التُّرَاب لِأَن عين النَّجَاسَة يكره الِانْتِفَاع بهَا كَالْخمرِ فَإِذا غلب عَلَيْهِ التُّرَاب زَالَ حكم الْعين وَصَارَت النَّجَاسَة تَابِعَة فَيجوز الِانْتِفَاع بهَا كَالثَّوْبِ النَّجس فَلَمَّا جَازَ الِانْتِفَاع بِهِ جَازَ بَيْعه قَالَ ذكر فِي قوت الْقُلُوب رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فترغبوا فِي الدُّنْيَا
стр. 224
الْبَاب الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الاحتساب على من يفعل فِي جسده أَو شعره أَو فِي اسْمه بِدعَة
الخضاب للرِّجَال بالحمرة سنة فِي اللِّحْيَة وبالسواد إِن كَانَ فِي الْغَزْو لترهيب الْعَدو فَهُوَ مَحْمُود بِاتِّفَاق الْمَشَايِخ وَإِن فعل لتزيين نَفسه عِنْد النِّسَاء وليحبب نَفسه إلَيْهِنَّ فَذَلِك مَكْرُوه عِنْد عَامَّة الْمَشَايِخ ﵏ وبنحوه ورد الْأَثر عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَبَعْضهمْ جوزوا ذَلِك من غير كَرَاهَة وَلَا يَنْبَغِي خضاب الْيَد وَالرجل للذكور صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا بَأْس بِهِ للنِّسَاء من الْمُلْتَقط
وَلَا بَأْس بثقب أذن الطِّفْل من النِّسَاء وَفِيه دَلِيل على أَن ثقب اذن الطِّفْل من الذُّكُور مَكْرُوه فيحتسب على من فعله
التَّسْمِيَة باسم لم يذكرهُ الله تَعَالَى فِي كِتَابه وَلَا نبيه فِي سنته وَلَا سبقه الْمُسلمُونَ تكلمُوا فِيهِ الأولى أَن لايفعل ذَلِك تحرزوا عَن الْبِدْعَة
وَلَا بَأْس إِذا طَالَتْ لحيته أَن يَأْخُذ من أطرفها وَلَا بَأْس بِأَن يقبض على لحيته فَإِن زَاد على قَبضته مِنْهَا شَيْء يسير جزه وَإِن كَانَ مَا زَاد طَويلا تَركه من
стр. 225
الْمُلْتَقط الناصري
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِية رُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ حلقت رَأْسِي فخطأني الْحجام فِي ثَلَاثَة مِنْهَا أَنِّي جَلَست مستديرا الْقبْلَة فَقَالَ اسْتقْبل الْقبْلَة وناولته الْجَانِب الْأَيْسَر فَقَالَ الْأَيْمن واردت أَن أذهب بعد الْحلق فَقَالَ ادفن شعرك فَرَجَعت ودفنته وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَوَائِد كَثِيرَة ثَلَاث عرفت بِاللَّفْظِ وَهِي آدَاب الْحلق
وَالرَّابِعَة علم أَن أَبَا حنيفَة كَانَ محلوقا
وَالْخَامِسَة إِن النَّصِيحَة تسمع وَإِن كَانَت من نَازل فَإِن أَبَا حنيفَة اسْتمع النَّصِيحَة من الحلاق وأطاعه بِمَا أمره الْحجام
وَالسَّادِسَة لَا يستنكف الْعَاقِل أَن تذكر معايبه بَين أخوانه بَعْدَمَا تَابَ مِنْهَا ليعلم بِهِ غَيره فَلَا يسترعيه مِنْهُ أَيْضا كَمَا ذكر أَبُو حنيفَة
وَالسَّابِعَة أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ يعبر بِهِ عَن الْفِعْل بِنَفسِهِ لَا سِيمَا فعل لَا يُمكن أَن يَفْعَله الانسان بِنَفسِهِ فَهُوَ كَفِعْلِهِ بِنَفسِهِ ويعبر بِهِ عَنهُ فَإِن أَبَا حنيفَة قَالَ حلقت رَأْسِي وَمَعْلُوم أَن المُرَاد بِهِ الْأَمر بحلق الرَّأْس فَهَذِهِ الْحَقِيقَة تركت للتعذر وَفِي الْمُلْتَقط وَصلى الشَّافِعِي بَعْدَمَا حلق وعَلى ثَوْبه شعر كثير فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ مَتى بليت فَرُبمَا انحططت إِلَى مَذْهَب الْعرَاق وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَوَائِد كَثِيرَة
أَحدهَا أَن الشَّافِعِي محلوقا
стр. 226
وَالثَّانيَِة أَنه كَانَ يَأْخُذ بمذهبنا فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِنَفسِهِ وَيتْرك مذْهبه
وَالثَّالِثَة أَن الشّعْر المحلوق من الرَّأْس إِذا كَانَ على الثَّوْب لَا يمْنَع عندنَا جَوَاز الصَّلَاة وَإِن كثر
وَالرَّابِعَة أَنه إِنَّمَا سمي الْعَمَل بمذهبنا انحطاطا لَا لِأَنَّهُ يقْدَح فِي مَذْهَبنَا وَلَكِن لَعَلَّه أَنه لما أَخذ بالأسهل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَانَ انحطاطا فِي زَعمه
стр. 227
الْبَاب السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الاحتساب فِي فعل الْبدع من الطَّاعَات وَترك السّنَن
قِرَاءَة الْقُرْآن جَهرا عِنْد قوم مشاغيل لَا يَسْتَمِعُون لَهُ يكره لِأَنَّهُ استخفاف بِالْقُرْآنِ وَلِهَذَا كره بعض مَشَايِخنَا التَّصَدُّق على المتكدي الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن فِي الْأَسْوَاق زجرا لَهُ عَن ذَلِك قِرَاءَة الْفَاتِحَة بعد الْمَكْتُوبَة لأجل الْمُهِمَّات مخافتة أَو جَهرا مَعَ الْجمع مَكْرُوهَة وَكَذَلِكَ قِرَاءَة سُورَة الْكَافِرُونَ مَعَ الْجمع مَكْرُوهَة لِأَنَّهَا بِدعَة لم ينْقل ذَلِك عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين فَإِن قيل ذكر فِي الْفَتَاوَى وَيكرهُ الدُّعَاء عِنْد ختم الْقُرْآن فِي شهر رَمَضَان وَعند ختم الْقُرْآن بِجَمَاعَة لِأَن هَذَا لم ينْقل عَن النَّبِي ﵇ وَلَا عَن الصَّحَابَة وَمَعَ هَذَا رَأينَا أَلا يحْتَسب على من يَدْعُو فَنَقُول قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم الصفار لَوْلَا أَن أهل هَذِه الْبِلَاد قَالُوا أَنه يمنعنا عَن الدُّعَاء وَإِلَّا لمنعتهم عَنهُ
ذكره فِي الْخَانِية أَنه لَا يمْنَع عَن التَّغَنِّي بِقِرَاءَة الْقُرْآن قيل لَا يكره لقَوْله ﵇ من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منا قَالَ أَكثر الْمَشَايِخ هُوَ مَكْرُوه وَلَا يحل الِاسْتِمَاع لِأَن فِيهِ تَشْبِيها بِفعل الفسقة فِي حَال فسقهم وَلِهَذَا كره هَذَا النَّوْع فِي الآذان وَلَا أحب أَن يَقُول الْقَارئ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم أَن الله هُوَ
стр. 228
السَّمِيع الْعَلِيم لِأَنَّهُ يصير فاصلا بَين التَّعَوُّذ وَالْقِرَاءَة وَيَنْبَغِي أَن يكون الْقِرَاءَة مُتَّصِلَة بالتعوذ ذكره بعض مَشَايِخنَا
النقوش فِي الْمِحْرَاب وحائط الْقبْلَة مَكْرُوه لِأَنَّهُ يشغل قلب الْمُصَلِّي إِذا نظر فِيهِ وَرُوِيَ أَنه أهدي إِلَى النَّبِي ﵇ ثوب معلم فصلى فِيهِ ثمَّ نَزعه فَقَالَ كَانَ شغلني علمه عَن ذَلِك وَذكر الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر فِي شرح السّير أَن نقش الْحِيطَان مَكْرُوه قل أَو كثر أما نقش السّقف إِن قل يرخص فِيهِ وَالْكثير مَكْرُوه
إِذا كبروا بعد الصَّلَاة على أثر الصَّلَاة يكره وَأَنه بِدعَة يَعْنِي سوى يَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق
الفقاعي إِذا قَالَ عِنْد فتح الفقاع صلى الله تَعَالَى على مُحَمَّد أَو قَالَ ذكل الطرائقي يَأْثَم وَلَا يُؤجر بِهِ وَبِه أَخذ الْفَقِيه من الْمُلْتَقط وَذكر فِي الخاني الحارس فِي الحراسة إِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله أَو مَا أشبه ذَلِك قَالُوا يكون إِثْمًا لِأَنَّهُ يَأْخُذ بذلك عوضا قَالَ العَبْد وَعِنْدِي أَنه يُثَاب عَلَيْهِ لِأَن الْأجر يَأْخُذهُ على الحراسة لَا على الذّكر لِأَنَّهُ لَو حرس بِكَلَام آخر يسْتَحق الْأجر فَعلم أَنه فِي الذّكر محتسب لامستأجر ولأنا لَو منعناه عَن الذّكر وَأَنه يحْتَاج إِلَى كَلَام يجْهر بِهِ فَلَا يُؤمن عَلَيْهِ أَن يَقع فِي الْغناء وَأَنه حرَام
وَذكر فِي الْمُحِيط فِي بَاب الْأَذَان رُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ إِذا اجْتمع أهل
стр. 229
بَلْدَة على ترك الآذان قاتلناهم وَلَو ترك وَاحِد ضَرَبْنَاهُ وحبسناه وَكَذَلِكَ سَائِر السّنَن وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا امْتَنعُوا عَن إِقَامَة الْفَرْض نَحْو صَلَاة الْجُمُعَة وَسَائِر الْفَرَائِض يُقَاتلُون وَلَو امْتنع وَاحِد ضَربته وَأما السّنَن فنحو صَلَاة الْعِيد وَصَلَاة الْجَمَاعَة وَالْأَذَان فَأَنِّي آمُرهُم وأضربهم وَلَا أقاتلهم لتقع التَّفْرِقَة بَين الْفَرَائِض والنوافل وَالسّنَن وَمُحَمّد رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول الْأَذَان وَصَلَاة الْعِيد وَإِن كَانَت من السّنَن إِلَّا أَنَّهَا من أَعْلَام الدّين فالإصرار على تَركهَا إستخفاف بِالدّينِ فيقاتلون على ذَلِك لهَذَا وَقد نقل عَن مَكْحُول أَنه قَالَ السّنة سنتَانِ سنة أَخذهَا هدى وَتركهَا لَا بَأْس بِهِ وَسنة أَخذهَا هدى وَتركهَا ضَلَالَة كالآذان وَالْإِقَامَة وَصَلَاة الْعِيد وَالْجَمَاعَة يُقَاتلُون على الضَّلَالَة إِلَّا أَن الْوَاحِد إِذا ترك ذَلِك يضْرب وَيحبس لترك سنة مُؤَكدَة وَلَا يُقَاتل لِأَن تَركه لَا يُؤَدِّي إِلَى الاستخفاف بِالدّينِ وَيحرم الترهب وَهُوَ الاعتزال عَن النِّسَاء وَتَحْرِيم غشيانهن على نَفسه وَجعل نَفسه بِمَنْزِلَة الرهبانيين وَأَنه حرَام فِي ديننَا وَقَالَ ﵇ لَا رَهْبَانِيَّة فِي الْإِسْلَام وَقَالَ ﵇ لَيْسَ فِي ديننَا الترهب وَقَالَ من ترهب فَلَيْسَ
стр. 230
منا وَقَالَ ﵇ رَهْبَانِيَّة هَذِه الْأمة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَإِقَامَة الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة من الذَّخِيرَة فِي الْفَصْل الثَّامِن عشر من السّير
وَذكر فِي شرح الْكَرْخِي لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يدانيه إِلَّا بِهِ وأكره أَن يَقُول أَسأَلك بِحَق فلَان أَو بِحَق أنبيائك أَو رسلك أَو بِحَق الْبَيْت والمشعر الْحَرَام وَنَحْوه فِي ذَبَائِح الْمُلْتَقط لَا يمْنَع من التَّكْبِير فِي الْأَسْوَاق أَيَّام الْعشْر وَلَا فِي طَرِيق الْمصلى
стр. 231
الْبَاب السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
فِيمَا تسْقط بِهِ فَرِيضَة الاحتساب
وَهُوَ أَن يكون عَاجِزا عَن إِقَامَته قَالَ رَسُول الله ﷺ ائْتَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر فَإِذا رَأَيْت الدُّنْيَا مُؤثرَة وشحا مُطَاعًا وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ فَعَلَيْك نَفسك فَإِن من بعدكم أَيَّام الصَّبْر والتمسك يَوْمئِذٍ بِمثل الَّذِي انتم عَلَيْهِ كَأَجر خمسين عَاملا قَالُوا يَا رَسُول الله كَأَجر خمسين عَاملا مِنْهُم قَالَ لَا بل كَأَجر خمسين عَاملا مِنْكُم
وَعَن مَسْرُوق فِي قَوْله تَعَالَى إِن أرضي وَاسِعَة قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ الْفَاجِر فَلم تستطيعوا أَن تغيرُوا فانفروا فِي وَجهه
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ من فر من أثنين فقد فر وَمن فر من ثَلَاثَة لم يفر قَالَ سُفْيَان ﵀ سَمِعت ابْن شبْرمَة يَقُول وَهَكَذَا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَانَا رجلَيْنِ أَمر وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة فخافهم فَهُوَ فِي سَعَة من
стр. 232
تَركهم وَقَالَ ﷺ إِذا رَأَيْت الْمُنكر فَلم تستطع لَهُ تغييرا فحسبك أَن تعلم أَنَّك تنكره بقلبك وَعَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ إِذا رَأَيْتُمْ أمرا لَا تَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيره فَاصْبِرُوا حَتَّى يكون الله تَعَالَى هُوَ مغيره قَالَ العَبْد وَهَذَا إِذا لم يسْأَله عَن شَيْء فَإِن سُئِلَ فَلَا يحل لَهُ أَن يُجيب إِلَّا بِالْحَقِّ قيل إِنَّه لما دخل أَبُو إِسْحَاق الفرازي على هَارُون الرشيد بالمعصية كتب إِلَيْهِ يُوسُف بن إسباط أَنَّك قد دخلت على هَذَا الرجل فَلم تَأمره وَلم تَنْهَهُ وَقد رَأَيْت مَا أظهر من الْحَرِير والديباج فَكتب أَبُو إِسْحَاق أَنَّك لم تذكر فِي الْإِسْلَام إِلَّا الْحَرِير والديباح فَأَيْنَ الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال وَأَنه كَانَ يُقَال إِذا خَافَ الْعَالم فَهُوَ فِي سَعَة مَا لم يسْأَل وَإِنِّي لم أسأَل عَن شَيْء
رجل يَدعُوهُ الْأَمِير فيسأله عَن أَشْيَاء فَإِن تكلم بِمَا يُوَافق الْحق يَنَالهُ
стр. 233
الْمَكْرُوه فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم بِخِلَاف الْحق وَهَذَا إِذا لم يخف الْقَتْل أَو تلف بعض جسده أَو أَخذ مَاله فَإِن خَافَ ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ وَالدَّلِيل على أَن الْعَاجِز عَن إِقَامَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِذا سكت عَن ذَلِك وَكره الْمعْصِيَة بِقَلْبِه يعْذر فِيهِ
وَلَا تعم بلية بالعصاة قصَّة الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ أتيت ابْن عَبَّاس ﵁ وَهُوَ يقْرَأ فِي الْمُصحف ويبكي فدنوت مِنْهُ حَتَّى أخذت بلوح الْمُصحف قلت مَا يبكيك قَالَ يبكيني هَذِه الورقات وَهُوَ يقْرَأ سُورَة الْأَعْرَاف وَقَالَ هَل تعرف تَأْوِيله قلت نعم أَن الله تَعَالَى أسكنها قوما من الْيَهُود وابتلاهم بحيتان حرمهَا عَلَيْهِم يَوْم السبت وأحلها لَهُم فِي سَائِر الْأَيَّام فَإِذا كَانَ يَوْم السبت خرجت عَلَيْهِم الْحيتَان وَإِذا ذهب السبت غاصت فِي الْبَحْر حَتَّى يغوص لَهَا الطالبون فَإِن الْقَوْم اجْتَمعُوا وَاخْتلفُوا فِيهَا فَقَالَ فريق أَن الله تَعَالَى حرم عَلَيْكُم يَوْم السبت أكلهَا فصيدوها فِي السبت وكلوها فِي سَائِر الْأَيَّام وَقَالَ الْآخرُونَ بل حرم عَلَيْكُم أَن تصيدوها أَو تنفروها أَو تؤذوها وَالثَّالِث سَاكِت فَكَانَت ثَلَاث فرق فرقة على أَيْمَانهم وَفرْقَة على شمائلهم وَفرْقَة وَسطهمْ فَقَامَتْ الْفرْقَة الْيُمْنَى فَجعلت تنهاهم فِي يَوْم السبت وَجعلت تَقول الله يحذركم وَأما الْفرْقَة الْيُسْرَى فَأَمْسَكت أيديها وكفت ألسنتها وَأما الْوُسْطَى فَوَثَبت على السّمك فَأَخَذته وَجعلت الْفرْقَة
стр. 234
الْأُخْرَى الَّتِي كفت أيديها وَلم تَتَكَلَّم تَقول لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم قَالُوا أَي الَّذين ينهون معذرة إِلَى رَبهم ولعلهم يَتَّقُونَ فَدخل الَّذين أَصَابُوا السّمك الْمَدِينَة وَأبي الْآخرُونَ أَن يدخلُوا مَعَهم الْمَدِينَة فَجعلُوا ينادون من فِيهَا فَلم يجبهم أحد فَقَالُوا لَعَلَّ الله خسف بهم أَو رموا بِالْحِجَارَةِ فأرسلوا رجلا ينظر فحملوا رجلا على سلم فَأَشْرَف عَلَيْهِم فَإِذا هم قردة يتعاوون لَهُم أَذْنَاب قد غير الله من صورهم فصاح أَن الْقَوْم قد صَارُوا قردة فكسروا الْأَبْوَاب ودخلوا مَنَازِلهمْ فَجعلُوا لَا يعْرفُونَ لسانهم وَيَقُولُونَ ألم ننهكم عَن مصية الله تَعَالَى ونوصيكم فيشيرون برؤوسهم أَي بلَى ودموعهم تسيل على خدودهم فَأخْبر الله تَعَالَى أَنه أنجى الَّذين ينهون عَن السوء وَأخذ الَّذين ظلمُوا ثمَّ اخْتلف النَّاس أَنهم كم كَانُوا من الْفرق قَالَ بَعضهم كَانُوا فرْقَتَيْن ناهية وعاصية فنجت الناهية وَهَلَكت العاصية وَقَالَ قوم كَانُوا أَربع فرق صنف يَأْخُذُونَ السّمك وصنف يداهنون وصنف يسكتون ويبغضون وصنف ينهون فنجت الفرقتان الساكتة والناهية وَهَلَكت الفرقتان المداهنة والعاصية كُله من تَفْسِير الْفَقِيه أبي اللَّيْث
стр. 235
وَفِي تَفْسِير الإِمَام نَاصِر الدّين البستي قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ لَيْت شعري مَا فعل الله تَعَالَى بالذين قَالُوا لم تعظون قوما الله مهلكم قَالَ عِكْرِمَة قلت جعلني الله فدَاك نجت أَلا تراهم كَيفَ كَرهُوا ذَلِك وخافوا عَلَيْهِم قَالَ عِكْرِمَة فكساني ابْن عَبَّاس وَقَالَ يمَان بن زياب نجت الناهية والكارهة وَهَلَكت الْخَاطِئَة وَذكر فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَغَيرهَا رجل يقْرَأ الْقُرْآن جَهرا ويلحن فِيهِ وَيسمع غَيره يلحنه فَهَل لَهُ أَن ينهاه على لحنه قيل أَن علم أَنه يَنْفَعهُ ذَلِك يَأْمُرهُ بِهِ وَإِن علم أَنه يعاديه بذلك رخص تَركه لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الائتمار فَإِذا فَاتَ ذَلِك لَا يجب الْأَمر والعزيمة أَن يَأْمُرهُ وَإِن لحق بِهِ ضَرَر لِأَنَّهُ عساه مرَارًا أَن يفتح عَلَيْهِ بَاب التَّوْبَة وَكَذَا إِذا أمره مرَارًا وأدبه وَلم يتأدب بِهِ إِن تَركه فَهُوَ رخصَة وَإِن أمره فَهُوَ عَزِيمَة لِأَن الْإِنْسَان لَا يعرف مَتى يَتُوب عَن الْعِصْيَان
ذكر فِي الْكِفَايَة الشعبية رُوِيَ أَن أَبَا محجن الثَّقَفِيّ كَانَ يدمن شرب الْخمر فحده عمر ﵁ مرّة فَلم ينزجر عَن ذَلِك فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد ثَانِيًا فَلم ينزجر فوكله عمر ﵁ إِلَى سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ
стр. 236
وَكَانَ لسعد صَاحب فِي الْجَيْش فَأمره أَن يحملهُ أَيْنَمَا ذهب فقيده صَاحِبَة وَكَانَ يحملهُ من منزل إِلَى آخر حَتَّى بلغُوا قرب الْقَادِسِيَّة وَكَانَ سعد يخرج كل يَوْم للمحاربة والمبارزة وَكَانَ الْعَدو قدمُوا ثلثمِائة وَسبعين ميلًا بَين يَدي الْمُسلمين فَمَرض سعد يَوْمًا وَلم يسْتَطع أَن يحارب فَصَعدَ السَّطْح وَجعل ينظر من بعيد إِلَى محاربتهم وَكَانَ يرى الْهَزِيمَة على الْمُسلمين فضجر بذلك وَكَانَ يَقُول فِي نَفسه لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَكَانَ أَبُو محجن فِي ذَلِك الْبَيْت فَسمع ذَلِك وَقَالَ لَا مرأة سعد بن أبي وَقاص عَليّ عهد الله تَعَالَى وميثاقه أَن أَذِنت لي حَتَّى أخرج وأحارب عَدو الله تَعَالَى وأعود ثَانِيًا فخلت سَبيله فَقَالَ لَهَا أَبُو محجن أَعْطِنِي فرسا وسلاحا فَأَعْطَتْهُ رمكة بلقاء وَكَانَ مركب سعد ﵁ وَدفعت إِلَيْهِ درعه وَرمحه ومغفرة فجَاء وَحَارب محاربة شَدِيدَة حَتَّى انهزم الْعَدو ثمَّ رَجَعَ وَقيد نَفسه فَنزل سعد من السَّطْح وَقَالَ كَانَت الْهَزِيمَة على الْمُسلمين إِلَّا أَن الله تَعَالَى أظهر رجل على رمكه بلقاء مثل رمكتي هَذِه وَمَعَهُ رمح مثل رُمْحِي وَدرع مثل دِرْعِي فقاتل حَتَّى انهزم الْعَدو ثمَّ رَجَعَ فَقَالَت امْرَأَته ذَلِك الرجل أَبَا محجن فَإِنَّهُ لما سمع الْهَزِيمَة على الْمُسلمين حلف بِاللَّه تَعَالَى ليقاتلن ثمَّ ليرجعن فخليت سَبيله وأعطيته مركبك وسلاحك فَبكى سعد وَكتب إِلَى عمر ﵁ مَا صنع أَبُو محجن فَكتب عمر ﵁
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عمر إِلَى أبي محجن اتَّقِ الله يَا أَبَا
стр. 237
محجن فَلَمَّا رأى أَبُو محجن ذَلِك بَكَى وَقَالَ لسعد إِنِّي تبت إِلَى الله تَعَالَى فَلَا أشْرب الْخمر بعد هَذَا فَإِن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَتَّى الْآن يضربني بِسَوْطِهِ والآن خوفني بِاللَّه تَعَالَى
مَسْأَلَة
إِذا كثرت الْمُنْكَرَات وَلَا يقدر الْمُؤمن على دَفعه فيسكت وَلَا يتَكَلَّم بِشَيْء هَل يَأْثَم أم لَا
الْجَواب
إِذا عجز عَن الاحتساب فَلَا يَأْثَم بِتَرْكِهِ لِأَن التَّكْلِيف بِقدر الوسع وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يكون حَزينًا بذلك مغتما
روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ يَأْتِي على أمتِي زمَان يذوب قلب الْمُؤمن كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء لِكَثْرَة مَا يرى من الْمُنكر وَلَكِن لَا يقدر على دَفعه من الْكِفَايَة الشعبية
مَسْأَلَة
إِذا رأى مُنْكرا فِي الصَّلَاة هَل يتم الصَّلَاة أَو يقطعهَا
الْجَواب
إِذا كَانَ أمرا لَا يفوت بإتمام الصَّلَاة يُتمهَا لَا مَكَان الْجمع بَين العبادتين وَإِن كَانَ يفوت بإتمام الصَّلَاة ينظر إِن كَانَ النَّهْي عَن الْمُنكر لأجل نَفسه فَالْأَفْضَل أَن
стр. 238
يتم الصَّلَاة لِأَن صلَاته أَنْفَع لَهُ من كل مَا سواهُمَا وَلَو قطعهَا جَازَ دفعا للضَّرَر عَن نَفسه نَظِيره إِذا شرع رجل فِي الصَّلَاة بَين يَدَيْهِ شَيْء من مَتَاعه فجَاء سَارِق وإراد أَن يسرقه إِن كَانَ شَيْئا لَا يبلغ فِي قِيمَته درهما يُتمهَا لِأَن مَا دون الدِّرْهَم لَا عِبْرَة لَهُ وَإِن كَانَ درهما جَازَ لَهُ أَن يقطعهَا ثمَّ يَقْضِيهَا إِن كَانَ نفلا دفعا للضر عَنهُ وَلَكِن الْأَفْضَل أَن لَا يقطعهَا لِأَنَّهُ روى أَن تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ أَنه نزل عَن فرسه وَشرع فِي الصَّلَاة فجَاء سَارِق وَركب فرسه وَذهب بِهِ فَقيل لَهُ لم لَا تقطع الصَّلَاة فَقَالَ استحيت من الله تَعَالَى أَن أقطع الصَّلَاة لأجل فرس فيمته اثْنَا عشر ألفا وَإِن كَانَ فِيهِ مصلحَة غَيره فَالْأَفْضَل أَن يقطع الصَّلَاة إِن لم يفعل يَأْثَم كَمَا إِذا رأى أعمى أشرف على سُقُوط فِي بِئْر أَو إنْسَانا يغرق فِي المَاء وَلَا يقدر على الْخُرُوج فَالْوَاجِب على الْمُصَلِّي أَن يقطع الصَّلَاة ويعين أَخَاهُ الْمُسلم حَتَّى يخرج عَن التَّهْلُكَة وَكَذَلِكَ إِذا رأى فِي الصَّلَاة إنْسَانا يسرق مَال غَيره كَانَ لَهُ أَن يقطعهَا ويمنعه مِنْهَا كُله من الْكِفَايَة الشعبية فِي بَاب الْوَدِيعَة قَالَ وَأَن تعجل فِي الصَّلَاة لإِزَالَة مُنكر كَانَ أقرب إِلَى السّنة فَمَا إِذا أتمهَا لقَوْله ﵇ إِنِّي لأَقوم فِي الصَّلَاة أُرِيد أَن أطول فِيهَا فَأَسْمع بكاء الصَّبِي فأتجوز فِي صَلَاتي كَرَاهَة أَن أشق على أمه وَفِي رِوَايَة فأتجوز فِي صَلَاتي مِمَّا أعلم من شدَّة وجد أمه من بكائه من // صَحِيح البُخَارِيّ //
стр. 239
الْبَاب الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الاحتساب على المفرط فِي التَّوَاضُع للنَّاس
يحْتَسب على من سجد لغير الله تَعَالَى أَو انحنى لَهُ أَو قبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ قَالَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر من قبل الأَرْض بَين يَدي السُّلْطَان والأمير وَسجد لَهُ فَإِن كَانَ على وَجه التَّحِيَّة لَا يكفر وَلَكِن يصير آثِما مرتكبا للكبيرة وَإِن سجد بنية الْعِبَادَة للسُّلْطَان وَلم تحضره النِّيَّة فقد كفر
وَفِي الْمُلْتَقط الناصري وَإِذا سجد لغير الله تَعَالَى حَقِيقَة كفر
والانحناء للسُّلْطَان أَو لغيره مَكْرُوه لِأَنَّهُ يشبه فعل الْمَجُوس وتقبيل يَد غير الْعَالم وَغير السُّلْطَان الْعَادِل قيل يكره مُطلقًا وَقيل إِن أَرَادَ تَعْظِيم الْمُسلم لَا يكره وَإِن أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا يكره كَانَ بشر ﵀ يَقُول تَقْبِيل يَد الْمَأْمُون فسق قَالَ العَبْد فَلَو كَانَ بشر حَيا فِي زَمَاننَا وَرَأى أَفعَال أَئِمَّتنَا عِنْد دُخُولهمْ على ذِي سُلْطَان فَمَاذَا يَقُول فِي شَأْنهمْ وَلما كَانَ تَقْبِيل أَيْديهم هَذَا فَكيف يكون تَقْبِيل أَرجُلهم وأسوأ من ذَلِك تَقْبِيل حافر الْفرس إِذا أعْطى السُّلْطَان وَاحِدًا فرسه
وَفِي الْمُلْتَقط الناصري والتواضع لغير الله تَعَالَى حرَام
وَفِي بَاب تَقْبِيل الْيَد من الْكِفَايَة الشعبية إِذا سجد لغير الله تَعَالَى يكفر لِأَن
стр. 240
وضع الْجَبْهَة على الأَرْض لَا يجوز لغير الله تَعَالَى لما رُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﵇ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن النَّاس قد آمنو بك وَأما أَنا فَلَا أُؤْمِن بك حَتَّى تريني برهانا خَالِصا فَقَالَ النَّبِي ﷺ أذهب إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة وَقل لَهَا أَن رَسُول الله تَعَالَى يَدْعُوك فَذهب فَقَالَ لَهَا فتمايلت الشَّجَرَة من أطرافها الْأَرْبَع حَتَّى انقلعت من الأَرْض وَجَاءَت مَعَه إِلَى النَّبِي فَقَالَ لَهَا عودي إِلَى مَكَانك فَعَادَت إِلَى مَكَانهَا وَقَامَ كل عرق مِنْهَا إِلَى مَوْضِعه كَمَا كَانَ فَقَالَ الْأَعرَابِي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله كَمَا أَنِّي سَأَلت مِنْك برهانا خَالِصا فَأذن لي حَتَّى أُصَلِّي لَك صَلَاة الْخمس وأسجد لَك سَجْدَة فَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام لَو جَازَت السَّجْدَة لغير الله تَعَالَى لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن هَذِه عبَادَة خَالِصَة لله تَعَالَى فَمن أَتَاهَا لغير الله تَعَالَى يكفر لِأَنَّهُ أشرك بِهِ
وَفِي فَتَاوَى الْخَانِية قوم يقرأون الْقُرْآن من الْمَصَاحِف أَو يقْرَأ وَاحِد فَدخل عَلَيْهِ وَاحِد من الأجلة والأشراف فَقَامَ الْقَارئ لأَجله قَالُوا إِن دخل عَلَيْهِ عَالم أأبوه أَو أستاذه الَّذِي علمه الْعلم جَازَ لَهُ أَن يقوم لأَجله وَمَا سوى ذَلِك لَا يجوز
مَسْأَلَة
الرُّكُوع لغير الله تَعَالَى وَالسُّجُود لغير الله تَعَالَى وتقبيل يَد غير الْعَالم
стр. 241
وَالسُّلْطَان الْعَادِل يجوز كرها أم لَا
الْجَواب
رُوِيَ أَن مبارزا أسر بالروم على عهد عمر ﵁ وَكَانَ قَوِيا هيوبا فَدَعَاهُ كلب الرّوم وببابه سلم مَمْدُود حَتَّى لَا يدْخل عَلَيْهِ أحد إِلَّا على هَيْئَة الرَّاكِع فَلَمَّا دخل فَرَأى ذَلِك إبي أَن يدْخل عَلَيْهِ على هَيْئَة الرَّاكِع وَقَالُوا لَهُ أَدخل قَالَ إِنِّي أستحي من مُحَمَّد ﷺ أَن أَدخل على كَافِر على هَيْئَة الرَّاكِع فَأمر كلب الرّوم أَدخل حَتَّى فتحُوا السلسلة فَدخل عَلَيْهِ وَتكلم مَعَه فَأطَال الْكَلَام ثمَّ قَالَ كلب الرّوم أَدخل فِي ديننَا حَتَّى أَضَع خَاتمِي على يدك وَأُعْطِيك ولَايَة الرّوم بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى تفعل مَا تشَاء فَقَالَ الرجل ولَايَة الرّوم كم تكون من الدُّنْيَا فَقَالَ كلب الرّوم الثُّلُث أَو الرّبع فَقَالَ الرجل لَو صَارَت الدُّنْيَا كلهَا جوهرا أَحْمَر وأعطوني إِيَّاهَا بَدَلا من أَن لَا أسمع الْأَذَان يَوْمًا مَا قبلت ذَلِك قَالَ كلب الرّوم وَمَا الْأَذَان فَقَالَ هُوَ أَن تَقول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَقَالَ كلب الرّوم أَنه قد ثَبت حب مُحَمَّد فِي قلبه فَلَا يمكننا أَن ندفع ذَلِك عَنهُ فِي هَذِه السَّاعَة ثمَّ أَمر أَن يوضع قدر عَظِيم وَيجْعَل فِيهِ الدّهن فَإِذا أَخذ فِي الغليان يلقى فِيهِ فَلَمَّا أَخذ فِي الغليان فأرادوا أَن يلقوه فِيهِ قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَدخل من هَذَا الْجَانِب وَخرج من الْجَانِب
стр. 242
الآخر بِقدر الله تَعَالَى فتعجبوا من ذَلِك فَأمر كلب الرّوم أَن يحبس فِي بَيت مظلم وَيمْنَع عَنهُ الطَّعَام وَالشرَاب فمنعوا عَنهُ ذَلِك وَكَانُوا يلقون إِلَيْهِ كل يَوْم من الكوة لحم الْخِنْزِير وَالْميتَة فَكَانَ هَؤُلَاءِ يحبونَ أَن يتَنَاوَل من ذَلِك فَلم يفتحوا عَلَيْهِ الْبَاب أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا كَانَ رَأس الْأَرْبَعين دخلُوا عَلَيْهِ ووجدوا ذَلِك كُله مَوْضُوعا لم يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا فَقَالُوا لَهُ لم لَا تَأْكُل هَذَا وَهُوَ حَلَال فِي دين مُحَمَّد ﵇ عِنْد الضَّرُورَة فَقَالَ لَهُم هَل فرحتم بذلك فَقَالُوا نعم قَالَ إِنَّمَا تركت الْأكل لمغايظتكم فَقَالَ لَهُ كلب الرّوم إِن لم تَأْكُل ذَلِك فاسجد لي حَتَّى أخلي سَبِيلك وسبيل من مَعَك من الْأُسَارَى فَقَالَ لَهُ السُّجُود فِي دين مُحَمَّد ﵇ لَا يحل إِلَّا لله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ كلب الرّوم إِذن قبل يَدي حَتَّى أخليك وأخلي من مَعَك فَقَالَ لَا يحل هَذَا إِلَّا للْأَب أَو السُّلْطَان الْعَادِل أَو الْأُسْتَاذ فَقَالَ غذان قبل جبهتي حَتَّى أخلي سَبِيلك قَالَ أفعل ذَلِك بِشَرْط وَاحِد هُوَ أَن أقبل جبهتك فافعل كَمَا أُرِيد فَقَالَ أفعل مَا شِئْت قَالَ فَوضع كمه على جَبهته ثمَّ قبله وَنوى بذلك تَقْبِيل كمه فخلي سَبيله وسبيل من مَعَه من الْأُسَارَى وَأَعْطَاهُ مَالا كثيرا فَكتب إِلَى عمر ﵁ لَو كَانَ هَذَا الرجل فِي بِلَادنَا وعَلى ديننَا لَكنا نعتقد عِبَادَته فَلَمَّا جَاءَ إِلَى عمر ﵁ قَالَ لَهُ لَا تمنح هَذَا المَال لنَفسك وَلَكِن شَارك فِيهِ أَصْحَاب رَسُول الله فَإِنَّهُم محتاجون دلّ على أَحْكَام مِنْهَا هَذِه الْأَشْيَاء فِي حَالَة الْإِكْرَاه أَيْضا لَا يحل مَعَه فعلهَا
стр. 243
وَفِي واقعات الناطفي إِذا قَالَ أهل الْحَرْب للْمُسلمِ أَسجد للْملك وَإِلَّا قتلناك فَالْأَفْضَل لَهُ أَن لَا يسْجد لِأَنَّهُ كفر صُورَة فَالْأَفْضَل للانسان أَن لَا يَأْتِي بِمَا هُوَ كفر صُورَة وَإِن كَانَ فِي حَال الْإِكْرَاه
والانحناء للسُّلْطَان أَو لغيره يكره لِأَنَّهُ يشبه فعل الْمَجُوس وتقبيل يَد غير الْعَالم وَالسُّلْطَان الْعَادِل إِن كَانَ مُسلما وَنوى بِهِ أكرام الْمُسلم لَا بَأْس بِهِ وَإِن أَرَادَ عبَادَة لَهُ أَو ليسأل مِنْهُ شَيْئا من عرض الدُّنْيَا فَهُوَ مَكْرُوه وَكَانَ الصَّدْر الشَّهِيد يُفْتِي بِالْكَرَاهَةِ فِي هَذَا الْفَصْل من غير تَفْضِيل كُله من الْمُحِيط
وَفِي تذكرة الْأَوْلِيَاء نقلست كه توانكري تواضع كرده بود أزبهرما أَو كفت كَفَّارَة آن هزارخنم كردنست
стр. 244
الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ
فِي الْفرق بَين الْمُحْتَسب الْمَنْصُوب وَبَين الْمُحْتَسب المتطوع
رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا رأى أحد مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف فعل أهل الْإِيمَان قَالَ بَعضهم التَّغَيُّر بِالْيَدِ لِلْأُمَرَاءِ وباللسان للْعُلَمَاء وبالقلب للعامة
وَالثَّانِي أَن المتطوع إِذا علم أَنهم يسمعُونَ كَلَامه يجب عَلَيْهِ أَن يَأْمُرهُم وينهاهم وَإِلَّا فَلَا وَلِهَذَا لَو رأى رجل على ثوب مُسلم نَجَاسَة أَكثر من قدر الدِّرْهَم إِن وَقع فِي قلبه أَنه لَو أخبرهُ اشْتغل بِغسْلِهِ لم يَسعهُ أَن لَا يُخبرهُ لِأَن الْإِخْبَار مُفِيد وَإِن وَقع فِي قلبه أَنه لَو أخبرهُ لَا يلْتَفت إِلَى كَلَامه كَانَ فِي سَعَة أَن لَا يُخبرهُ لِأَن الْإِخْبَار لَا يُفِيد
وَأما الْمُحْتَسب الْمَنْصُوب فَإِن علم أَنهم لَا يَسْتَمِعُون يجب عَلَيْهِ الْأَمر
стр. 245
لِأَنَّهُ لأقدر على الْجَبْر على الانقياد بِخِلَاف المتطوع
الثَّالِث حريق وَقع فِي محلّة فهدم إِنْسَان دَار غَيره بِغَيْر أَمر صَاحبهَا حَتَّى انْقَطع الْحَرِيق من دَاره فَهُوَ ضَامِن إِذا لم يفعل بِأَمْر السُّلْطَان لِأَنَّهُ أتلف ملك الْغَيْر لَكِن يعْذر فَيضمن فَلَا يَأْثَم كالمضطر بِأخذ طَعَام غَيره يكره صَاحبه لَا يَأْثَم وَيضمن قَالَ يحْتَسب فِيهِ كالسلطان لِأَنَّهُ نَائِبه فِي إِقَامَة الْحِسْبَة وَهَذَا من الْحِسْبَة لِأَنَّهُ أوقع للضَّرَر الْعَام بتحمل الضَّرَر الْخَاص
وَالرَّابِع أَن المتطوع فِي الْأَمر بالعروف على وُجُوه لَو علم أَنه لَو أمره بِهِ يطيعه يجب عَلَيْهِ إِقَامَة الْحِسْبَة وَلَو علم أَنه لَا يأتمر بأَمْره فَهُوَ على وَجْهَيْن أما أَن يَقع بَينهمَا عَدَاوَة ويصل مِنْهُ إِلَى الْأَمر مَكْرُوه بِقَذْف أَو شتم أَو لَا يَقع فَإِن لم يَقع فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَمر وَإِن شَاءَ ترك وَالْأَمر أفضل إحرازا للثَّواب وَإِن علم أَنه لَو أَمر ضربه أَو شَتمه فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن علم أَنه يصبر على أذاهم فالترك رخصَة وَالْأَمر عَزِيمَة ومجاهدة فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَإِن علم أَنه لَا يُغير فالترك أفضل توقيا عَن الْفِتْنَة وَهَذَا كُله لَا يَتَأَتَّى فِي الْمُحْتَسب الْمَنْصُوب لِأَنَّهُ يقدر على دفع الْمَكْرُوه عَن نَفسه بأعوانه وَأَعْوَان سُلْطَانه
وَالْخَامِس التَّصَرُّف المضر فِي طَرِيق الْعَامَّة لكل وَاحِد أَن يُزِيلهُ لِأَن الْحق للعامة وَالْأولَى أَن يرفع إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يَأْمر بِالْقَلْعِ وَالْحَاكِم فِي هَذَا
стр. 246
هُوَ الْمُحْتَسب لِأَن أَمر الشوارع مفوض إِلَيْهِ
وَالسَّادِس هُوَ أَن الْمَنْصُوب للحسبة لَا يضمن بِإِتْلَاف المعازف عِنْد أبي حنيفَة والمتطوع يضمن عِنْده وَالْحِيلَة أَن لَا يضمن المتطوع أَيْضا أَن يستوهبه من الْمَالِك فَإِن وهبه يكسرهُ وَلَا يضمن إِجْمَاعًا وَعَن ابْن الْمُبَارك أَنه أَتَى على قدم يضْربُونَ بالطنبور فَقَالَ لَهُم هبوا هَذَا لي فدفعوه إِلَيْهِ فَضرب بِهِ الأَرْض وكسره فَقَالُوا يَا شيخ خدعتنا
وَالسَّابِع هُوَ أَن المتطوع يحْتَاج فِي احتسابه إِلَى إخلاص النِّيَّة لِأَنَّهُ قربَة أما الْمَنْصُوب فَهُوَ فرض عَلَيْهِ والرياء لَا يدْخل فِي الْفَرْض
وَذكر فِي الْكِفَايَة الشعبية حكى عَن أبي بكر العياض أَنه خرج إِلَى رِبَاط فَرَأى فتيانا فَوق تِلْكَ يشربون الْخمر فَأَخَذته الحمية وقصدهم فَلَمَّا دنا مِنْهُم سلوا عَلَيْهِ السيوف والسكاكين فهرب مِنْهُم ثمَّ أخْلص النِّيَّة لله تَعَالَى فَعَاد لعيهم فَهَرَبُوا مِنْهُ
стр. 247
الْبَاب الْخَمْسُونَ
فِي بَيَان سَبَب انتساب الاحتساب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
مَعَ أَن سَائِر الصَّحَابَة كَانُوا يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ وَكَانُوا يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَهُوَ مُتَعَدد
الأول رُوِيَ أَن عمر ﵁ أَنه قَالَ حبب إِلَيّ من الدُّنْيَا ثَلَاث الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقد أقيم فِي الله تَعَالَى هَكَذَا ذكر فِي الصَّوْم فِي الصَّيف من يَوَاقِيت الْمَوَاقِيت للْإِمَام نجم الدّين النَّسَفِيّ ﵀
وَالثَّانِي رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن علم الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة يكون بيد عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكل عَادل تَحت لوائه يَوْم الْقِيَامَة
ذكر فِي الْكِفَايَة الشعبية فِي مجْلِس الْمُرْتَد مَتى تقسم أَمْوَاله فَإِن قيل كَيفَ يُقَال أَنه كَانَ عادلا وَقد ظلم ابْنه أبي شحمة لِأَنَّهُ نقل أَنه ضربه حَتَّى مَاتَ وَضرب بعد مَوته مَا بَقِي من جلداته وَضرب الْحَد ليَمُوت وَضرب الْمَيِّت ظلم
стр. 248
فَنَقُول ذكر فِي آخر الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة ذكر المستغفري فِي معرفَة الصَّحَابَة أَن مَا يذكر النَّاس أَن عمر ﵁ ضرب ابْنه أَبَا شحمة حَتَّى مَاتَ وَضرب الْبَاقِي بعد مَوته فَهُوَ كذب قَالُوا هُوَ من أكاذيب مُحَمَّد بن تَمِيم الرَّازِيّ وَكَانَ كثير الأكاذيب ووضاع الْأَحَادِيث وَالصَّحِيح أَنه اندملت جراحه وعاش بعد ذَلِك ثمَّ مَاتَ حتف أَنفه
وَالثَّالِث هُوَ أَن الاحتساب إِزَالَة الْمعاصِي والمنكرات وإزالتها لَا يُمكن إِلَّا بعد إِزَالَة وَسْوَسَة الشَّيْطَان من النَّاس وَأَن عمر ﵁ مَنْصُوص عَلَيْهِ بِأَن الشَّيْطَان يفر من ظله فَكَانَ نِسْبَة الْحِسْبَة إِلَيْهِ أولى
وَالرَّابِع أَن احتساب عمر ﵁ كَانَ يجرى على الأَرْض المتزلزلة رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَنه وَقعت الزلزلة فِي الأَرْض فِي وَقت عمر ﵁ فَخرج مَعَ أَصْحَابه وَضرب بِالدرةِ على الأَرْض فَقَالَ اسكني بِإِذن الله تَعَالَى فسكنت
وَالْخَامِس أَن أمره بِالْمَعْرُوفِ كَانَ ينفذ على المَاء الْجَارِي رُوِيَ أَن النّيل قد غَار مَاؤُهُ فِي زمن عمر ﵁ فَسَأَلَ النَّاس عمر ﵁ بذلك وَقَالَ هَل كَانَ غَار قبل ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة قَالُوا نعم قَالَ وَمَا صَنَعُوا بِهِ فَقَالُوا إِنَّهُم
стр. 249
يوقعون فِيهِ بكرا بثيابها وحليها فينبع المَاء قَالَ فَكتب عمر ﵁ من عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى وَادي النّيل أما أَنا فَلَا أشتغل برسم الْجَاهِلِيَّة وَلَكِن سيري بِإِذن الله تَعَالَى وَأمر أَن تلقى تِلْكَ الرقعة فِي وَادي النّيل فنبع وَهُوَ يسير كَذَلِك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فِي بَاب الحكايات وَالْأَخْبَار المتفرقة من الْكِفَايَة الشعبية
стр. 250
الْبَاب الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ
فِي الملاهي وأواني الْخمر
وَإِذا كسر الْمُحْتَسب ملاهي أَو دنان خمر أَو شقّ زقها لَا يضمن فَإِن فعل ذَلِك غير الْمُحْتَسب فَإِن كَانَ ذَلِك الدن للخمار وَالْعود للْمُغني ذكر مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الكيسانيات لم يضمن فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَو تَركهَا عَاد إِلَى فعله الْقَبِيح بِهِ وَإِن كَانَ لغيره فَعِنْدَ أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَا يضمن أَيْضا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى قلعا لمادة الْمعْصِيَة وشفاء صُدُور الصلحاء وَعَلِيهِ عمل التَّابِعين
وَحكي أَن زاهدا كسر خوابي خمر سُلَيْمَان بن عبد الْملك الْخَلِيفَة فَأتى بِهِ ليعاقبه وَكَانَ للخليفة بغلة تقتل من ظَفرت بِهِ وَاتفقَ رَأْي وزرائه أَن يلقى الزَّاهِد بَين يَدي البغلة لتقتله فألقي إِلَيْهَا فخضعت لَهُ وَلم تقتله فَلَمَّا أَصْبحُوا نظرُوا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ صَحِيح الْوَجْه فَعَلمُوا أَن الله تَعَالَى حفظه فاعتذروا إِلَيْهِ وخلوا سَبيله
следующие страницы →