← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96844

المسائل الماردينية

ابن تيمية

Полный текст (252 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(فصل) وأما الكلب: فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: أنه نجس كلُّهُ، حتى شعرء، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنه طاهر، حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه. والثالث: أن ريقه نجس وشعره طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة في المشهور عنه، [وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه] (١)، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا أرجح الأقوال. [فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك؛ وإذا ولغ في الماء أريق، وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام، كقول مالك وغيره، ومنهم من يقول: يُراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ فأما إن كان اللبن كثيرًا، فالصحيح أنه لا ينجس] (٢). وله في الشعور النابتة [على محل نجس] (٣) ثلاث روايات: إحداها: أن جميعها طاهر، حتى شعر الكلب والخنزير؛ وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز. والثانية: أن جميعها نجس، كقول الشافعي. والثالثة: أن شعر الميتة أن كانت طاهرة في الحياة [فَطاهر] (٤)،

стр. 107

كالشاة [ونحوها] (١)؛ وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس كالكلب والخنزير، وهذه الرواية هي [المنصورة] (٢) عند أكثر أصحابه. والقول الراجح: هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما، بخلاف الريق. وعلى هذا: فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه، كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز تنجيس شيء، ولا تحريمه إلا بدليل، كما قال تعالى: [﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣) [الأنعام ١١٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ وقال النبي ﷺ : "إن من أعظم [المسلمين بالمسلمين] (٤) جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحُرِّم من أجل مسألته" (٥) وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعًا -ومنهم من يجعله موقوفًا- أنه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما

стр. 108

حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (١). فإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبعًا، أولاهن بالتراب" (٢)، وفي الحديث الآخر: "إذا ولغ الكلب" (٣)، فأحاديثه كلها ليس فيها إلا ذكر الولوغ، لم يذكر سائر الأجزاء، فتنجيسها إنما هو بالقياس. فإذا قيل: إن البول أعظم من الريق، كان هذا متجهًا، وأما إلحاق الشعر بالريق، فلا يسوغ؛ لأن الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر، فإنه نابت على ظهره؛ والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا، فإن جمهورهم يقول: إن شعر الميتة طاهر، بخلاف ريقها، والشافعي وأكثرهم يقولون: إن الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر. فغاية شعر الكلب أن يكون [نابتًا] (٤) في منبت نجس، كالزرع النابت في الأرض النجسة، فإذا كان الزرع طاهرًا، فالشعر أولى بالطهارة؛ لأن الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة، بخلاف الشعر، فإن فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ظهور ذلك.

стр. 109

فمن قال من أصحاب أحمد، كابن عقيل وغيره: إن الزرع طاهر، فالشعر عنده أولى؛ ومن قال: إن الزرع نجس، فإن الفرق بينهما ما ذكر، فإن الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة، وهذا أيضًا حجة في المسألة، فإن الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهي النبي ﷺ عنها (١)، فإذا حُبِست حتى تطيب كانت حلالًا باتفاق المسلمين؛

стр. 110

لأنها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها، فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال عادت طاهرة، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلًا، فلم يكن لتنجيسه معنى. وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة -كما سنذكره إن شاء تعالى- وكل حيوان قيل بنجاشه، فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب. فإذا قيل بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (١)، إلا الهر (٢)، وما دونها في [الخلقة] (٣)؛ كما هو مذهب كثير من علماء أهل العراق، وهو أشهر الروايتين عن أحمد؛ فإن الكلام

стр. 111

في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع: هل يكون نجسًا؟ على روايتين عن أحمد إحداهما: أنه طاهر، وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة ومالك والشافعي؛ والرواية الثانية: أنه نجس، كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد، والقول بطهارة ذلك هو الصواب، كما تقدم. وأيضًا: فالنبي ﷺ رخَّص في اقتناء الكلب الذي يكون للصيد والماشية والحرث (١)، ولابد لمن اقتناه من أن تصيبه رطوبة شعره، كما [يصيبه رطوبة] (٢) البغل والحمار وغير ذلك؛ فالقول بنجاسة شعورها -والحال هذه- من الحرج المرفوع عن الأمة. وأيضًا: فإن لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله في أظهر أقوال العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر أحدًا بغسله ذلك، فقد عفا عن لعاب الكلب في موضع الحاجة وأمر بغسل في غير موضع الحاجة؛ فدلَّ على أن الشارع [وافق] (٣) [على] (٤) مصلحة الخلق وحاجتهم (٥).

стр. 112

(فصل) وأما عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنس ذلك، كالحافر ونحوه، وشعرها وريشها ووبرها. ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال: أحدها: نجاسة الجميع، كقول الشافعي المشهور عنه، وذلك روايةٌ عن أحمد. والثاني: أن العظام ونحوها نجسة، والشعور ونحوها طاهرة، وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد. والثالث: أن جميع طاهر، كقول أبي حنيفة، وهو قول في مذهب مالك وأحمد، وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأن الأصل فيها الطهارة، ولا دليل على النجاسة. وأيضًا: فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث، فتدخل في آية التحليل، وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث، لا لفظًا ولا معنى، فإن الله تعالى حرم الميتة. وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظًا ولا معنى: أما اللفظ فلأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، لا يدخل فيها الشعور وما أشبها؛ وذلك لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات؛ فحياة الحيوان: خاصتها الحس والحركة الإرادية؛ وحياة النبات: خاصتها النمو والاغتذاء.

стр. 113

وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، إنما هو ما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية، فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧]، فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين. [وإنما] (١) الميتة المحرمة: [ما فارقها] (٢) الحس والحركة الإرادية، [وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات، لا من جنس حياة الحيوان] (٣)، فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع؛ وليس فيه حسٌّ، ولا [يتحرك بإرادته] (٤)، فلا تحله الحياة الحيوانية، حتى يموت بمفارقتها، فلا وجه لتنجيسه. وأيضًا: فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة؛ فإن النبي ﷺ : سئل عن قوم [يجُّبُّون] (٥) [أسنمة] (٦)

стр. 114

الإبل وأليات الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت" (١)

стр. 115

رواه أبو داود وغيره، وهذا متفق عليه بين العلماء، فلو كان حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة، فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جُّزَّ من الحيوان كان طاهرًا حلالًا، علم أنه ليس مثل اللحم. وأيضًا: فقد ثبت أن النبي ﷺ أعطى شعره لما حلق رأسه المسلمين (١)؛ وكان النبي ﷺ يستنجي ويستجمر، فمَن سَوى بين الشعر والبول والعذرة، فقد أخطأ خطأ بينًا. وأما العظام ونحوها؛ فإذا قيل: هي داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم، قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائله، كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم، وعند جمهور العلماء، مع أنها ميتة موتًا حيوانيًا، وقد ثبت في

стр. 116

الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إذا وقع اللباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (١)، ومن نجس هذا قال في أحد القولين: إنه لا ينجس المائعات الواقعة فيها، لهذا الحديث. وإذا كان كذلك عُلِم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يحبس فيه دمٌ سائل، وما لا يحتبس فيه دمٌ سائل فلا ينجس، فالعظم أو نحوه أولى بعدم التنجيس من هذا، فإن العظم ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل. ومما يبين صحة قول الجمهور: أن الله سبحانه إنما حرَّم علينا الدم المسفوح، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإذا عُفيَ عن الدم غير المسفوح، مع أن جنس الدم خبيث، علم أن الله سبحانه فرَّق بين الدم [المصروف] (٢) الذي [يسيل] (٣)، وبين غيره. ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم

стр. 117

في القدور بَيِّنه، ويأكلون ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، كما أخبرت بذلك عائشة، ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق، كما يفعل اليهود، والله تعالى حرَّم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة؛ وحرَّم النبي ما صيد بعرض المعراض، وقال: "إنه وقيذ" (١)، دون ما صيد بحده؛ والفرق بينهما إنما هو سفح الدم؛ فيدل على أن سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث، بأن ذكر عليه غير اسم الله، كان الخُبْثُ هنا من جهة أخرى؛ فإن التحريم يكون تارة لوجود الدم، وتارة لفساد التذكية، كذكاة المجوس والمرتد، والذكاة في غير المحل. وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظِّلْف ونحو ذلك، ليس فيه دم مسفوح، فلا وجه لتنجيسه. وهذا قول جمهور السلف، قال الزهري: كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل (٢)؛ وقد رُويَ في العاج حديث معروف، لكن فيه نظر ليس هذا موضعه، فإنا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك. وأيضًا: فقد ثبت في الصحيح عن النبيِّ ﷺ أنه قال -في شاة

стр. 118

ميمونة-: "هلَّا أخذتم إهابها فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حَرُم أكلها (١) " وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه، ولكن ذكره ابن عيينة عنه، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك، وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه، وذكر أن الزهري وغيره، كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ؛ لأجل هذا الحديث. وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بالعظام، وغيرها بطريق الأولى، لكن إذا قيل: إن رسول الله ﷺ بعد ذلك حرم الانتفاع بالجلود حتى تدبغ (٢)، أو قيل: إنها لا تطهر بالدباغ، لم يلزم تحريم

стр. 119

العظام ونحوها، لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم، كما في سائر أجزائها؛ والنبي ﷺ جعل دباغة ذكاته، لأن الدباغ ينشف رطوباته، فدل ذلك على أن سبب التنجيس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة؛ وما كان فيه منها فإنه يجف وييبس، وهو يبقى ويحفظ أعظم من الجلد، فهو أولى بالطهارة من الجلد. والعلماء تنازعوا في الدباغ، هل يطهر؟ فمذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما: أنه لا يطهر؛ ومذهب أبي حنيفة والشافعي

стр. 120

والجمهور: أنه يطهر؛ وإلى هذا القول رجع أحمد، كما ذكر ذلك أحمد ابن [الحسين] (١) الترمذي عنه. وحديث ابن عكيم يدل على أن النبي ﷺ نهاهم أن ينتفعوا من الميتة بإهاب أو عصب (٢)؛ بعد أن كان أذن لهم في ذلك؛ لكن هذا

стр. 121

قد يكون قبل الدباغ، فيكون قد رخص فيه، فإن حديث الزهري

стр. 122

الصحيح: يبين أنه كان قد رخص في جلود الميتة قبل الدباغ، فيكون قد رخص لهم في ذلك، ثم لما نهي عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهاهم عن ذلك؛ ولهذا قالت طائفه من أهل اللغه: إِن الإهاب اسم لما لم يدبغ (١)، ولهذا قرن معه العصب، والعصب لا يدبغ (٢).

стр. 123

(فصل) وأما لبن الميتة وإنْفَحَتُها (١): [ففيهما] (٢) قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: أن ذلك طاهر، كقول أبي حنيفة وغيره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والثاني: أنه نجس، كقول مالك والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد. وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس، فإن [ذبائح] (٣) المجوس حرام عند جماهير السلف والخلف، وقد قيل: إن ذلك مجمعٌ عليه بين الصحابة، فإذا صنعوا جبنًا، والجبن يصنع بالإنفحة، كان فيه هذان القولان. والأظهر: أن جبنهم حلال، وأن إِنْفَحَة الميتة ولبنها طاهرة: وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض الحجازيين [وفيه نظر] (٤)، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم، ولم يكونوا بأرض الحجاز، ويدل على ذلك: أن سلمان الفارسي -وكان نائب عمر بن

стр. 124

الخطاب على المدائن، وكان يدعوا الفرس إلى الإسلام- قد ثبت عنه: أنه سئل عن شىء من السمن والجبن والفِراء؛ فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (١)، وقد رواه أبو داود مرفوعًا إلى النبي ﷺ . ومعلومٌ أنه لم يكن السؤال من جبن المسلمين وأهل الكتاب فإن هذا أمره بيِّن، وإنما كان السؤال عن جبن المجوس؛ فدلَّ ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلها، وإذا كان قد روي ذلك عن النبي ﷺ انقطع النزاع بقول النبي ﷺ . وأيضًا: فاللبن والإِنفَحَةُ لم يموتا، وإنما نَجَّسهما من نَجَّسهما لكونهما من وعاء نجس، فيكون مائعًا في وعاء نجس، فالتنجيس مبنيٌّ على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجسًا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا. فيقال أولًا: لا نسلم أن المائع يَنجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته، لا على نجاسته. ويُقال ثانيًا: الملاقاة [في] (٢) الباطن لا حكم لها، كما قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في [بطنه] (٣).

стр. 125

(فصل) وأما سؤر البغل والحمار: فأكثر العلماء يجوزون التوضأ به، كمالك والشافعي، وأحمد في إحدى [الروايات] (١) عنه، والرواية الأخرى: أنه مشكوك فيه، كقول أبي حنيفة، فيتوضأ به ويتيمم، والثالثة: أنه نجس؛ لأنه متولد من باطن حيوان نجس، فيكون نجسًا كلعاب الكلب، لكن النبي ﷺ قال في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢)، فعلَّل طهارة سؤرها بكونها من الطوافين علينا

стр. 126

والطوافات، وهذا يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجة من يبيح سؤر [البغل] (١) والحمار، فإن الحاجة داعية إلى ذلك (٢).

стр. 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 128

والمانع يقول: ذلك مثل سؤر الكلب، فإنه مع إباحة قنيته لما يحتاج فيه إليه نهى عن سؤره. والمرِّخص يقول: الكلب إباحته للحاجة، ولهذا حَرَّم ثمنه، بخلاف البغل والحمار، فإن بيعهما جائز باتفاق المسلمين؛ والمسألة مبنية على آثار السباع وما لا يؤكل لحمه (١).

стр. 129

(فصل) وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: أحدها: المنع، كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد. والثاني: الجواز، كقول أبي حنيفة، وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد. والقول الثالث في مذهب أحمد: أن ذلك يجوز للحاجة، كما في طهارة فم الهرة بريقها، وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم، ونحو ذلك، والسنة قد جاءت بالأمر بالتطهير بالماء في قوله لأسماء: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (١). وقوله في آنية المجوس: "ارحضوها ثم اغسلوها بالماء" (٢)

стр. 130

وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: "صبوا على بوله ذَنوبا من ماء" (١)، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًا بأن تزال كل نجاسة بالماء، وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع: منها: الاستجمار بالحجارة. ومنها قوله في النعلين: "ثم ليُدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهورًا" (٢)، ومنها قوله في ذيل الثوب: "يطهره ما بعده" (٣). ومنها: أن الكلاب كانت تقبل و [تدبر] (٤) وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لم يكونوا يغسلون ذلك (٥).

стр. 131

ومنها: قوله: في الهر "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١) مع أن الهرة في العادة تأكل الفأر، ولم يكن هناك قناة ونحوها ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء فإن طهورها ريقها. ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين. وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه زال بذلك حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من إفساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها. والذين قالوا: لا يزول إلا بالماء، منهم من قال: إن هذا تعبد، وليس الأمر كذلك، فإن صاحب الشريعة أمر بالماء في قضايا معينة [لتعينه] (٢)، لأن إزالتها بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها، وإزالتها بالجامدات كانت متعذرة، كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء، فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ماءُ وَرْدٍ وخلٍّ وغير ذلك لم يأمرهم بإفساده، فكيف إذا لم يكن عندهم؟ ومنهم من قال: إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق غيره به؛ وليس الأمر كذلك، بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الأنية من النجاسة كالماء وأبلغ، والاستحالة

стр. 132

أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه، كما قال، لأسماء: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" (١)، وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح. ومنهم من قال: كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجسه بالملاقاة، لكن رخص في الماء للحاجة، فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان فلا يُقاس عليها. وكلا المقدمتين باطل: فليست إزالتها على خلاف القياس، بل القياس أن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. وقولهم: إنه ينجس بالملاقاة ممنوع، ومن سلَّم فرَّق بين الوارد والمورود عليه، أو بين البخاري والواقف. ولو قيل: إنها على خلاف القياس؛ فالصواب: أن ما خالف القياس يُقاس عليه، إذا عرفت علته، إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق، واعتبار طهارة الخبث بطهارة الحدث ضعيف، فإن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل، واشترط فيها النية عند الجمهور. وأما طهارة الخبث فإنها من باب التروك، فمقصودها اجتناب الخبيث، ولهذا لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم؛ ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد:

стр. 133

إنه يعتبر فيها النية فهو قول شاذ مخالف للإجماع السابق، مع مخالفته أئمة المذاهب، وإنما قيل مثل هذا من ضيق المجال في المناظرة، فإن المنازع لهم في مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة الخبث، فمنعوا الحكم [في الأصل] (١)، وهذا ليس بشيء. ولهذا كان أصح [أقوال] (٢) العلماء: أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلًا أو ناسيًا فلا إعادة عليه، كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه: لأن النبي ﷺ خلع نعليه في الصلاة للأذى الذي كان فيهما (٣)، ولم يستأنف الصلاة، وكذلك في الحديث الآخر لما وجد في ثوبه نجاسة أمرهم بغسله ولم يعد الصلاة. وذلك لأن ما كان مقصوده اجتناب [المحظور] (٤) إذا فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا فلا إثم عليه، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله : "قد فعلت"، رواه مسلم في صحيحه. ولهذا كان أقوى الأقوال: أن ما فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة، كالكلام ناسيًا، والأكل ناسيًا، واللباس، والطيب ناسيًا، وكذلك إذا فعل المحلوف

стр. 134

عليه ناسيًا. وفي هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه، وحينئذ فإذا زال الخبث بأي طريق كان، حصل المقصود، ولكن إن زال بفعل العبد [ونيته] (١) أثيب على ذلك، وإذا عدمت بغير فعله ولا نيته، فقد زالت المفسدة، [لم يكن] (٢) له ثواب، [ولا] (٣) عليه عقاب.

стр. 135

(فصل) وأما الصلاة في النعل ونحوه: مثل الجُمْجُم والمداس والزربول وغير ذلك فلا يكره، بل هو مستحب؛ لما ثبت في الصحيح عن أنس عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي في نعليه" (١)، وفي السنن عن أبي سعيد، عنه ﷺ أنه قال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم فخالفوهم وصلوا في الخفاف والنعال" (٢)، فأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود، وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين، وأما إذا تيقن نجاستها فلا يصلي فيها حتى تطهر، لكن الصحيح أنه إذا دُلِكَ النعل بالأرض [طهره بالدَلْك] (٣)، كما جاءت به السنة، سواء كانت النجاسة عذرة أو غير عذرة، فإن أسفل النعل محل تتكرر ملاقاة النجاسات له، فهو بمنزلة السبيلين فلما كانت إزالة الخبث عنها بالحجارة ثابتة بالسنة المتواترة، فكذلك هذا، وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه، ولو تيقن بعد الصلاة أنه كان نجسًا فلا إعادة عليه على الصحيح، وكذلك غيره: كالبدن والثياب والأرض (٤).

стр. 136

(فصل) وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون [رؤية] (١) الهلال غيم، أو قتر فللعلماء فيه عدة أقوال، وهي مذهب [في] (٢) أحمد وغيره: [أحدها] (٣): أن صومه منهي عنه، ثم هل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين. وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي، وأحمد، في إحدى [الروايات عنهم،] (٤) واختار ذلك طائفة من أصحابه، كأبي الخطاب [وابن عقيل] (٥) وأبي القاسمم بن مندة الأصفهاني وغيرهم. والقول الثاني: أن صيامه واجب، كاختيار الخرقي والقاضي وغيرهما من أصحاب أحمد، وهذا يُقال: أنه أشهر الروايات عن أحمد، لكن الثابت عن أحمد، لمن عرف نصوصه وألفاظه: أنه كان يستحب صيام يوم الغيم، اتباعًا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس، بل كان يفعله احتياطًا (٦)، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطًا، ونقل ذلك عن

стр. 137

عمر، وعلي، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأسماء،

стр. 138

وغيرهم (١)، ومنهم من كان لا يصومه، مثل كثير من الصحابة (٢)؛ ومنهم من كان ينهى عنه كعمار بن ياسر وغيره، فأحمد ﵁ كان يصومه احتياطًا. وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه، لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه، [ونصروا] (٣) ذلك [القول] (٤) (٥). و [القول الثالث] (٦): أنه يجوز صومه ويجوز فطره، وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه،

стр. 139

وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأكثرهم، وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز، فإن شاء أمسك وإن شاء أكل حتى [يتيقن] (١) طلوع الفجر. وكذلك إذا شك، هل أحدث أم لا؟ إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، وكذلك إذا شك، هل حال حول الزكاة أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة أو مائة وعشرون؟ فأدى الزكاة. وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الآحتياط ليس بواجب ولا محرم. ثم إذا صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة، بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان، وإلا فلا، فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أصح [الروايات أو] (٢) الروايتين عنه، وهي التي نقلها المروزي وغيره، وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر، واختيار أبي البركات وغيرهما. والقول الثاني: أنه لا يجزيه إلا بنية من رمضان، كإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها القاضي وجماعة من أصحابه (٣). وأصل هذه المسألة (٤): أن تعيين النية لشهر رمضان، هل هو واجب؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد.

стр. 140

أحدها: أنه لا يجزيه إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة أو معلقة، أو بنية النفل والنذر، لم يجزئه ذلك، كالمشهور من مذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات. والثانية: يجزئه مطلقًا، كمذهب أبي حنيفة. والثالثة: أنه [لا] (١) يجزي بنية مطلقة، لا بنية [تعيين] (٢) غيره رمضان، وهذه الرواية الثالثة عن أحمد، وهي اختيار الخرقي وأبي البركات. وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدًا من رمضان، فلابد من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلًا أو صومًا مطلقًا، لم [يجزئه] (٣)، لأن الله أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه، فإن لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته. وأما إذا كان لم يعلم أن غدًا من شهر رمضان فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن أوجب التعيين عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين، فإذا قيل: إنه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة أو معلقة، أجزأه. وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعًا ثم تبين أنه كان من شهر رمضان، فالأشبه أنه يجزيه أيضًا، كمن كان لرجل عنده وديعة، ولم،

стр. 141

يعلم ذلك فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ثم تبين له أنه حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان، بل يقول له: ذلك الذي وصل إليك هو حقٌّ كان لك عندي، والله [يعلم حقائق] (١) الأمور. والرواية التي تروى عن أحمد [فيه] (٢): أن الناس تبع للإمام في نيته على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون". وقد تنازع الناس في الهلال، هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره أحد، أو لا يسمى هلالًا حتى يستهل به الناس ويعلموه؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم، أو في يوم الغيم مطلقًا، هل هو يوم شك؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: أنه ليس بشك، بل الشك إذا أمكنت رؤيته، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم. والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه. والثالث: أنه من رمضان حكمًا، فلا يكون يوم شك، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.

стр. 142

وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر، هل يصوم ويفطر وحده، أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، أو يصوم وحده ويفطر مع الناس؟ على ثلاثة أقوال [معروفة] (١) في مذهب أحمد وغيره.

стр. 143

(فصل) وأما الجنب سواء كان رجلًا أو امرأة: فإنه إذا عَدِمَ الماء أو خاف الضرر باستعماله، فإن كان لا يمكنه دخول الحمام لعدم الأجرة، أو لغير ذلك فإنه يصلي بالتيمم، ولا يكره للرجل وطء امرأته لذلك، بل له أن يطأها، كما له أن يطأها في السفر، وإن صليا بالتيمم. وإذا أمكن الرجل أو المرأة أن يغتسل ويصلي خارج الحمام فعل ذلك، فإن لم يمكن ذلك مثل أن لا يستيقظ أول الفجر، وإن اشتغل بطلب الماء خرج الوقت، وإن طلب حطبًا يسخن به الماء، أو ذهب إلى الحمام، فات الوقت، فإنه يصلي [هنا] (١) بالتيمم عند جمهور العلماء، إلا بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: يشتغل بتحصيل الطهارة، وإن فات الوقت، وهكذا قالوا في اشتغاله بخياطة اللباس، وتعلم دلائل القبلة ونحو ذلك. وهذا القول خطأ، فإن قياس هذا القول: أن المسافر يؤخر الصلاة في تحصيل الماء حتى يصلي بعد الوقت بالوضوء، وأن العريان يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باللباس. وهذا خلاف إجماع المسلمين، بل على العبد أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، وما عجز عنه من واجبات الصلاة سقط عنه.

стр. 144

وأما إذا استيقظ آخر الوقت، [أو] (١) إن اشتغل باستقاء الماء من البئر خرج الوقت، أو إن ذهب إلى الحمام للغسل خرج الوقت، [فهذا يغتسل] (٢) عند جمهور العلماء، ومالك ﵀ يقول: بل يصلي بالتيمم؛ محافظة على الوقت، والجمهور يقولون: إذا استيقظ آخر الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة بالطهارة، والوقت في حقه من حين استيقظ، وهو ما يمكنه فعل الصلاة فيه، كما أمر؛ وقد قال النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (٣). فالوقت المأمور بالصلاة فيه في حق النائم هو إذا استيقظ، لا ما قبل ذلك، وفي حق الناسي إذا ذكر، والله أعلم (٤).

стр. 145

(فصل) وأما إن كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام، لكن إن دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت، إما لكونه مقهورًا مثل الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي، ومثل المرأة التي معها أولادها، فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك، فهؤلاء لابد لهم من أحد أمور: إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت، [وإما أن يصلوا خارج الحمام بعد خروج الوقت، وإما أن يصلوا خارج الحمام بالتيمم] (١)، وبكل قول من هذه الأقوال يفتي طائفة. لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام؛ لأن الصلاة في الحمام منهي عنها (٢)، وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك؛ ولا يمكن الخروج عن هذين النهيين إلا بالصلاة بالتيمم في الوقت خارج الحمام (٣).
следующие страницы →