← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96844

المسائل الماردينية

ابن تيمية

Полный текст (252 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

حديث بئر بضاعة صحيح؛ وهو في المسند أيضًا عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" وهذا اللفظُ عامٌّ في القليل والكثير وهو عامٌّ في جميع النجاسات. وأما إذا تغيَّر بالنجاسة فإنما حُرِّم استعماله لأن جِرم النجاسة باقٍ ففي استعماله استعمالُها بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة. ومما يُبيِّن ذلك: أنه لو وَقَع خمر في ماء واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن شاربًا للخمر؛ ولم يجب عليه حدُّ الخمر إذا لم يَبقَ شيءٌ من طعمها ولونها وريحها؛ ولَو صُبَّ لبن امرأة في ماء واستحالت حتى لم يَبقَ له أثر وشرب طفل من ذلك الماء لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضًا: فإن هذا باقٍ على أوصاف خِلْقَتِهِ؛ فيدخل في عموم

стр. 75

قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة: لا طعمه ولا لونه ولا ريحه. فإن قيل: فإن النبيَّ ﷺ قد نهى عن البول في الماء الدائم، وعن الاغتسال فيه (١). قيل: نَهيُهُ عن البول في الماء الدائم لا يَدل على أنه يَنجُس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يَدل على ذلك بل قد يكون نَهْيُهُ [سدًّا للذريعة] (٢)؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه، فإنه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول فكان نهيه سدًّا للذريعة، [أو يُقال: إنه مكروه بمجرد الطبع، لا لأجل أنه ينجسه] (٣) (٤). وأيضًا: [فيَدل] (٥) نهيُهُ عن البَوْل في الماء الدائم أنه يَعُمُّ القليل والكثير، فيُقال لصاحب القُلَّتَيْن: [أتُجَوِّز] (٦) بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمتُهُ فقد نقضت دليلك. وكذلك يُقال لمن فرَّق بين ما يمكن نزحُهُ وما لا يُمكن: أتُسَوِّغ للحجاج أن يبولوا في المصانع (٧) المبنيَّة بطريق مكة إن جوزته خالفت

стр. 76

ظاهر النصر؛ فإن هذا ماءٌ دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير، وإلا نقضت قولك. وكذلك يُقال للمقدِّر بعشرة أذرع: إذا كان [لأهل القرية] (١) غديرٌ مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوِّغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سَوَّغتُهُ خالفت ظاهر النص؛ وإلا نقضت قولك. [فإذا كان النص بل والإجماع، دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول؛ بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير: كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلًا بالنهي فلم يَجُز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يُقال: إنه ﷺ إنما نهى عن البول فيه، لأن البول يُنَجسه فإن هذا خلاف النص والإجماع] (٢). وأما من فرَّق بين البول فيه وبين صبِّ البول، فقوله ظاهر الفساد فإنَّ صبَّ البول أبلغ من أن [يُنْهى] (٣) عنه من مجرد البول؛ إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يَبول، وأما صبُّ الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. فإن قيل: ففي حديث القلتين أنه سُئِل عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما يَنُوبُ من السِّباع والدواب، فقال: "إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث" وفي لفظٍ: "لم يُنجسه شيء" (٤)؟

стр. 77

قيل: حديث القلتين [فيه كلام قد بُسِط في غير هذا الموضع؛ وبُيِّن أنه من كلام ابن عمر، لا من كلام النبي ﷺ ] (١)، فإذا صحَّ فمنطوقه موافق لغيره، وهو أن الماء إذا بلغ القلتين لم ينجسه شيء؛ وأما مفهومه -إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد- فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه، لا لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت [عنه] (٢) مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق. وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين يَنجس، بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود، [والمقدار الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة، بخلاف القليل فإنه قد يغيره، وذلك إذا ما صال عنه فإنه لا يحمل النجاسة في العادة؛ فلا ينجسه، وما دونه قد يحمل وقد لا يحمل فإن حملها تنجس، وإلا فلا، وحمل النجاسة هو كونها محمولة فيه؛

стр. 78

ويحقق ذلك] (١) أيضًا أن النبي ﷺ لم يذكر هذا التقدير ابتداء؛ وإنما ذكره في جواب مَن سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب؛ والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة بالاتفاق، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فإنه خصَّ هذه الصورة بالنهي، لأنها هي الواقعة، [لا] (٢) لأن التحريم يختص بها. وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [فذكر] (٣) الرهن في هذه الصورة للحاجة [لا للكثرة] (٤) مع أنه قد ثبت أن النبي ﷺ مات ودرعه [مرهون (٥)] (٦)، فهذا رهنٌ في الحضر، فكذلك قوله: "إذا بلغ الماء قلتين"، في جواب سائل معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان ذلك المسئول عنه كثيرًا قد بلغ قلتين؛ ومن شأن الكثير أنه لا يحمل الخبث، فلا يبقى الخبث فيه محمولًا، [بل يستحيل الخبث فيه] (٧) لكثرته، بيَّن لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه؛ فلا ينجس. ودلَّ كلامه على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولًا فحيث كان الخبث محمولًا موجودًا في الماء كان نجسًا؛ وحيث كان الخبث

стр. 79

مستهلكًا [فيه] (١) غير محمول في الماء، كان باقيًا على طهارته. [والمنازع يقول: المؤثر في التنجيس في القليل ولو مطلقًا هو نفس الملاقاة، وهي موجودة لحمل الخبث كان القليل والكثير سواءً في ذلك، وكونه لا يحمل الخبث ليس هو لعجزه عنه، كما يظنه بعض الناس؛ فإنه لو كان كذلك لكان القليل أولى أن يحمله] (٢)؛ فصار حديث القلتين موافقًا لقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٣)، والتقدير: فيه لبيان أنه في صورة [السؤال] (٤) لم ينجس، لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين، فإنه يحمل الخبث؛ فإن هذا مخالفة للحس، إذ ما دون القلتين قد يحمل الخبث وقد لا يحمله، فإن كان الخبث كثيرًا وكان الماء يسيرًا يحمل الخبث، وإن كان الخبث يسيرًا، والماء كثيرًا لم يحمل الخبث، بخلاف القلتين، فإنه لا يحمل في العادة الخبث الذي سألوه عنه. ونكتة الجواب: أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله: أمر حِسي يُعرف بالحس، فإنه إذا كان الخبث موجودًا فيه كان محمولًا؛ وإن كان مستهلكًا لم يكن محمولًا، فإذا عُلِم كثرة الماء، وضعف الملاقي، علم أنه لا يحمل الخبث. والدليل على هذا: اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث؛ فصار قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ولم ينجسه

стр. 80

شيء" كقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وهو إنما أراد: إذا لم يتغير في الموضعين؛ وأما إذا كان قليلًا فقد يحمل الخبث لضعفه، وعلى هذا يخرج أمره بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعًا إحداهن بالتراب، والأمر بإراقته. فإن قوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه -أو فليغسله- سبعًا أولاهن بالتراب" (١)، كقوله: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٢). فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس، وهو الواحد من آنية المياه؛ فكذلك تلك الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء، وذلك: أن الكلب يلغ بلسانه بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج، فلا يحيله الماء القليل بل يبقى فيكون ذلك الخبث محمولًا في ماء يسير في ذلك الماء، [فيراق ذلك الماء] (٣) لأجل كَون الخبث محمولًا فيه [لما يروى في ذلك] (٤) ويغسل الإناء الذي لاقاه الخبث. وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر؛ فإن الخمر إذا انقلبت في الدن بإذن الله تعالى، كانت ظاهرة باتفاق

стр. 81

العلماء، وكذلك جوانب الدن فهناك يغسل الإناء، وهنا لا يغسل، لأن الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر. وأيضًا فإن النبي ﷺ لو أراد الفصل بين [المقدار] (١) الذي ينجس بمجرد الملاقاة، و [بين] (٢) ما لا ينجس إلا بالتغير، لقال: إذا لم يبلغ قلتين نجس، وما بلغهما لا ينجس إلا بالتغير، أو نحو ذلك من الكلام الذي يدل على ذلك. [فإن] (٣) مجرد قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، مع أن الكثير ينجس بالتغير بالاتفاق، فلا يدل على أن هذا هو المقصود، بل يدل على أنه في العادة لا يحمل الأخباث، فلا تنجسه، فهو إخبار عن انتفاء سبب التنجيس، وبيان لكون المنجس في نفس الأمر هو حمل الخبث، والله أعلم.

стр. 82

[(فصل)] (١) [وأما نهيه ﷺ أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا، فهو لا يقتضي تنجيس الماء بالاتفاق، بل قد يكون لأنه يؤثر في الماء أثرًا، وأنه قد يفضي إلى التأثير؛ وليس ذلك بأعظم من النهي عن البول في الماء الدائم، وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس. وأيضًا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (٢). فَعُلم أن ذلك الغسل ليس مسببًا عن النجاسة، بل هو معلَّل بمبيت الشيطان على خيشومه. والحديث المعروف: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٣)، يمكن أن يراد به ذلك (٤)، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار] (٥).

стр. 83

وأما نهيه عن الاغتسال فيه بعد البول، فهذا إن صحَّ عن النبي ﷺ فهو كنهيه عن البول في المستحم، وقوله: "فإن عامة الوسواس منه" (١)، فإنه إذا بال في المستحم ثم اغتسل حصل له وسواس، وربما

стр. 84

[يبقى] (١) شيء عن أجزاء البول فعاد عليه رشاشها. وكذلك إذا بال في [ماء] (٢) ثم اغتسل فيه؛ فقد يغتسل قبل

стр. 85

الاستحالة، مع بقاء أجزاء البول، فنهى عنه لذلك. ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم -إن صحَّ- يتعلق بمسألة الماء المستعمل، وهذا قد يكون لما فيه من تقدير الماء على غيره، لا لأجل نجاسته، ولا [لصيرورته] (١) مستعملًا، فإنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: " [إن] (٢) الماء لا [يجنب] (٣) (٤).

стр. 86

(فصل) وأما بول ما يؤكل لحمه و [روث ذلك] (١)، [فأكثر] (٢) السلف على أن ذلك ليس بنجس، وهو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما (٣)؛ ويقال: أنه لم يذهب [أحد] (٤) من [الصحابة] (٥) إلى [تنجيس] (٦) ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول محدث، لا سلف له عن الصحابة.

стр. 87

وقد بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنا فيه بضعة عشر دليلًا شرعيًا على أن ذلك ليس بنجس (١). والقائل بتنجيس ذلك ليس معه على نجاسته دليل شرعي أصلًا؛ فإن غاية ما آعتمدوا عليه: قوله ﷺ : "تنزهوا من البول، [فإن عامة عذاب القبر منه] (٢) (٣)؛

стр. 88

و [ظنوا] (١) أن هذا عام في جميع الأبوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدمي؛ ودليله قوله: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه". ومعلوم أن عامة عذاب القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يصيبه إلا نادرًا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : أنه أمر العُرنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام بإبل [الصدقة] (٢)، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها (٣). ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال مع حدثان عهدهم بالإسلام. ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبًا؛ و [لا يَجُوز] (٤) تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلال طاهر، مع أن التداوي بالخبائث، قد ثبت فيه النهي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة. وأيضًا، فقد ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ كان يصلي في

стр. 89

مرابض الغنم (١)؛ وأنه أذن بالصلاة في مرابض الغنم (٢)؛ من غير اشتراط حائل، ولو كانت أبعارها نجسة لكانت مرابضها كحشوش بني آدم، وكان النهي عن الصلاة فيها مطلقًا، ولا يُصلى فيها إلا مع الحائل المانع؛ فلما جاءت السنة بالرخصة في ذلك، كان [مَن] (٣) سوى بين أبوال الآدميين وأبوال الغنم مخالفًا للسنة. وأيضًا، فقد طاف النبي ﷺ بالبيت على [بعير] (٤)، مع إمكان أن يبول البعير. وأيضًا، فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحب من البول و [أخثاء] (٥) (٦) البقر. وأيضًا، فالأصل في الأعيان: الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة، إذ ليس في ذلك نص، ولا إجماع، ولا قياس صحيح (٧).

стр. 90

(فصل) وأما طين الشوارع، فمبنيٌّ على أصل، وهو: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة، ثم ذهبت بالشمس أو الريح ونحو ذلك، هل تطهر الأرض؟ على قولين للفقهاء، وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد [وغيرهما] (١). أحدهما: أنها تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، ولكن عند أبي حنيفة يصلي عليها ولا يتيمم بها؛ والصحيح: أنه يصلي عليها ويتمم بها، وهذا هو الصواب؛ لأنه قد ثبت في (٢) الصحيح عن ابن عمر: أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (٣). ومن المعلوم: أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسلها، وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح: من أنه أمرهم أن يصبوا على بول الأعرابي الذي بال في المسجد ذَنوبًا من ماء (٤)، فإن هذا يحصل به تعجيل تطهير الأرض، وهذا مقصود، بخلاف ما إذا لم يصب الماء، فإن النجاسة تبقى [إلي] (٥) أن تستحيل.

стр. 91

وأيضًا: ففي السنن: أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد بهما أذى، فليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور" (١)؛ وفي "السنن" أيضًا: أنه سُئِل عن المرأة تجر

стр. 92

ذيلها على المكان القذر، ثم على المكان الطاهر، فقال: "يطهره ما

стр. 93

بعده" (١)؛ وقد نصَّ أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني، "ونصَّ في إحدى الروايتين عنه على الأخذ بالحديث الأول، وهو قول من يقول به من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما. فإذا كان النبي ﷺ قد جعل التراب يطهر أسفل النعل وأسفل

стр. 94

الذيل، وسماه طهورًا، فلأن يطهر نفسه بطريق الأولى والأخرى، فالنجاسة إذا استحالت في التراب فصارت ترابًا، [لم يبق] (١) نجاسة (٢). وأيضًا: فقد تنازع العلماء فيما إذا استحالت حقيقة النجاسة، واتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله تعالى بدون قصد صاحبها، وصارت خلًا أنها تطهر، ولهم فيها إذا قصد التخليل نزاع وتفصيل، والصحيح: أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٣)، كما ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ لما صحَّ من نهي النبي ﷺ عن تخليلها، ولأن حبسها معصية، والطهارة نعمة، والمعصية لا تكون سببًا للنعمة. وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحًا في الملاحة، أو

стр. 95

صارت رمادًا، أو صارت الميتة والدم والصديد ترابًا، كتراب المقبرة؛ فهذا فيه قولان في مذهب مالك وأحمد. أحدهما: أن ذلك طاهر، كمذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر. والثاني: أنه نجس كمذهب الشافعي (١).

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 97

والصواب: أن ذلك كله طاهر إذ لم يبق شيء من أثر النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ لأن الله أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، وذلك يتبع صفات الأعيان وحقائقها؛ فإذا كانت العين ملحًا أو خلًا دخلت في الطيبات التي أباحها الله تعالى، ولم تدخل في الخبائث التي حرمها الله، وكذلك الرماد والتراب وغير ذلك، لا يدخل في نصوص التحريم. [ثم] (١)، وإذا لم يتناولها أدلة التحريم لا لفظًا ولا معنى لم يجز القول [بتحريمه] (٢)، [ولا] (٣) [تنجيسه] (٤)، [فيكون طاهرًا] (٥)، وإذا كان هذا في غير التراب، فالتراب أولى بذلك. وحينئذ فطين الشوارع إذا قَدَّر أنه لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر؛ وإن تيقن أن النجاسة فيه، فهذا يُعف عن يسيره، فإن

стр. 98

الصحابة -رضوان الله عليهم- كان أحدهم يخوض في الوحل، ثم يدخل المسجد، فيصلي، ولا يغسل رجليه؛ وهذا معروف عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من الصحابة [كما تقدم] (١). وقد حكاه عنهم مالك مطلقًا، وذكر أنه لو كان في الطين عَذرة منبثة لعُفيَ عن ذلك، وهكذا قال غيره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه يعفى عن يسير طين الشوارع، مع تيقن نجاسته، والله تعالى أعلم (٢).

стр. 99

(فصل) وأما المائعات: كالزيت والسمن وغيرهما كالخل، واللبن وغيرهما؛ إذا وقعت فيه نجاسة، مثل الفأرة الميتة ونحوها من [النجاسة أو] (١) النجاسات، ففي ذلك قولان للعلماء: أحدهما: أن حكم ذلك حكم الماء، وهذا قول الزهري وغيره من السلف، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويُذكَر [رواية] (٢) عن مالك في بعض المواضع، وهذا هو أصل قول أبي حنيفة، حيث قاس الماء على المائعات. والثاني: أن المائعات تنجس بوقوع النجاسة فيها، بخلاف الماء فإنه يُفرق بين قليله وكثيره، وهذا مذهب الشافعي، وهو الرواية الأخرى عن مالك وأحمد. وفيها قول ثالث: وهو رواية عن أحمد، وهو الفرق بين المائعات المائية وغيرها، فخل التمر يُلحق بالماء، وخل العنب لا يُلحق به. وعلى القول الأول: إذا كان الزيت كثيرًا، مثل أن يكون قلتين فإنه لا ينجس إلا بالتغير، كما نصَّ على ذلك أحمد: في كلب وَلَغَ في زيت كثير، فقال: لا ينجس. وإن كان المائع قليلًا انبنى على النزاع المتقدم في الماء القليل، فمن قال: إن الماء القليل لا ينجس إلا بالتغير، قال ذلك في الزيت

стр. 100

وغيره؛ وبذلك أفتى الزهري لما [سُئِل] (١) عن الفأرة أو غيرها من الدواب تموت في سمن أو غيره من الأدهان؟ فقال: تُلقى وما قَرُبَ منها، ويؤكل، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وسواء كان جامدًا أو مائعًا؛ وقد ذكر ذلك البخاري عنه في صحيحه لمعنى سنذكره إن شاء الله تعالى. ومن قال: إن المائع القليل ينجس بوقوع النجاسة، قال: إنه كالماء، فإنه يطهر بالمكاثرة كما يطهر الماء بالمكاثرة، فإذا صُبَّ عليه زيت كثير طهر الجميع. والقول بان المائعات [لا] (٢) تنجس كما لا ينجس الماء: هو القول الراجح بل هي أولي بعدم [التنجيس] (٣) من الماء؛ وذلك أن الله تعالى أحل لنا الطيبات وحرَّم علينا الخبائث، والأطعمة والأشربة، من الأدهان والألبان والزيت والخلول والأطعمة المائعة هي: من الطيبات التي أحلها الله لنا؛ فإذا لم يظهر فيها صفة الخبث، لا لونه ولا طعمه ولا ريحه ولا شيء من أجزائه، كانت على حالها في الطيب، فلا يجوز أن تجعل من الخبائث المحرمة، مع أن صفاتها صفات [الطيبات] (٤) لا صفات [الخبائث] (٥)؛ فإن الفرق بين [الطيبات] (٦)، و [الخبائث] (٧) بالصفات المميزة بينهما؛ ولأجل تلك

стр. 101

الصفات حرَّم هذا وأحل هذا؛ وإذا كان هذا الخبث وقع منه قطرة كقطرة دم أو قطرة خمر، وقد استحالت، واللبن باقٍ على صفته، والزيت باقٍ على صفته، لم يكن لتحريم ذلك وجه، فإن تلك قد استهلكت واستحالت ولم يبقَ لها حقيقة يترتب عليها شيء من أحكام الدم والخمر. وإنما كانت أولى بالطهارة من الماء لأن الشارع رخَّص في إراقة الماء وإتلافه، حيث لم يُرخص في إتلاف المائعات، كالاستنجاء فإنه يستنجي بالماء دون هذه، وكذلك إزالة سائر النجاسات بالماء. وأما استعمال المائعات في ذلك فلا يصح سواء قيل: تزول النجاسة أو لا تزول، ولهذا قال من قال من العلماء: إن الماء يُراق إذا وَلَغَ فيه الكلب، ولا تراق آنية الطعام والشراب. وأيضًا، فإن الماء أسرع تغيرًا بالنجاسة من الملح؛ والنجاسة أشد استحالة في غير الماء منها في المائعات؛ فالمائعات أبعد عن قبول التنجيس حسًّا وشرعًا من الماء، فحيث لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن لا تنجس. وأيضًا، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن النبي ﷺ : أنه سُئِل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم" (١)، فأجابهم النبي ﷺ جوابًا عامًا مطلقًا بأن يلقوها وما

стр. 102

حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم: هل كان جامدًا أو مائعًا؟ وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، يتنزل منزلة عموم في المقال، مع أن الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائبًا، وقد قيل: إنه لا يكون إلا ذائبًا، والغالب على السمن أنه لا يبلغ القلتين، مع أنه لم يستفصل: هل كان قليلًا أو كثيرًا؟ فإن قيل: فقد روي في الحديث: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكُلوا سمنكم، وإن كان مائعًا فلا تقربوه" (١)، رواه أبو داود وغيره. قيل: هذه الزيادة؛ التي أعتمد عليها من فرَّق بين الجامد والمائع، واعتقدوا أنها ثابتة من كلام النبي ﷺ ، وكانوا في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم.

стр. 103

وقد ضعَّف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري. وصحَّح هذه الزيادة، لكن قد تبين لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث، ليست من كلام النبي ﷺ ، وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا، ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي ﷺ ، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها، بعد أن كنا نفتي بها أولًا، "فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل (١). والبخاري والترمذي -رحمة الله عليهما- وغيرهما من أئمة الحديث قد بينوا لنا: أنها باطلة، وأن معمرًا غلط في روايته لها عن الزهري، وكان معمر كثير الغلط؛ والإثبات من أصحاب الزهري كمالك ويونس وابن عيينة خالفوه في ذلك؛ وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا، فجعله عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة، وإنما هو عن [عبيد الله بن] (٢) عبد الله [عباس عن] (٣) ميمونة؛ ورُوي عنه في بعض طرقه أنه قال: "إن كان مائعًا فاستصبحوا به"، وفي بعضها: "فلا تقربوه". والبخاري بيَّن غلطه في هذا، بأن ذكر في صحيحه عن يونس عن الزهري نفسه: أنه سئل عن فأرة: وقعت في السمن؟ فقال: إن كان جامدًا أو مائعًا، قليلًا أو كثيرًا، تلقى وما قَرُب منها، ويؤكل؛

стр. 104

لأن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن؟، فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم". فالزهري -الذي مدار الحديث عليه- قد أفتى في الجامد والمائع بأن تلقى الفأرة وما قرب منها ويؤكل، واستدل بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه، فتبين أن من ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط. وأيضًا: فالجمود والميعان أمرٌ لا ينضبط، بل يقع الاشتباه في كثير من الأطعمة، هل تلحق الجامد أو المائع؟ والشارع لا يفصل بين الحلال والحرام إلا بفصل مبين لا اشتباه فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، والمحرمات مما يتقون، فلا بد أن يبين لهم المحرمات [تبيانًا] (١) فاصلًا بينها وبين الحلال. وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وأيضًا فإذا كانت الخمر -التي هي أم الخبائث- إذا انقلبت بنفسها حَلَّت باتفاق المسلمين، فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب، وإذا قدر أن قطرة خمر وقعت في خل مسلم بغير اختياره، فاستحالت، كانت أولى بالطهارة. فإن قيل: الخمر لما نجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة، بخلاف غيرها، والخمر إذا قُصِد تخليلها لم تطهر.

стр. 105

قيل: في الجواب عن الأول: إن جميع النجاسات نجست بالاستحالة؛ فإن الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب، وهي طاهرة ثم تستحيل دمًا وبولًا وغائطًا، فتنجس، وكذلك الحيوان يكون طاهرًا، فإذا مات احتبست فيه الفضلات، وصار حاله بعد الموت خلاف حاله حال الحياة، فتنجس، ولهذا يطهر الجلد بالدباغ عند الجمهور، وسواء قيل: إن الدباغ كالحياة، أو قيل: إنه كالذكاة، فإن ذلك قولين مشهورين للعلماء، والسنة تدل على أن الدباغ كالذكاة؛ وأما قصد تخليله فذلك أن حبس الخمر حرام، سواء حبست لقصد التخليل أو لا؛ والطهارة نعمة، فلا تثبت النعمة بالفعل المحرم (١).

стр. 106

(فصل) وأما الكلب: فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: أنه نجس كلُّهُ، حتى شعرء، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنه طاهر، حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه. والثالث: أن ريقه نجس وشعره طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة في المشهور عنه، [وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه] (١)، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا أرجح الأقوال. [فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك؛ وإذا ولغ في الماء أريق، وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام، كقول مالك وغيره، ومنهم من يقول: يُراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ فأما إن كان اللبن كثيرًا، فالصحيح أنه لا ينجس] (٢). وله في الشعور النابتة [على محل نجس] (٣) ثلاث روايات: إحداها: أن جميعها طاهر، حتى شعر الكلب والخنزير؛ وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز. والثانية: أن جميعها نجس، كقول الشافعي. والثالثة: أن شعر الميتة أن كانت طاهرة في الحياة [فَطاهر] (٤)،

стр. 107

كالشاة [ونحوها] (١)؛ وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس كالكلب والخنزير، وهذه الرواية هي [المنصورة] (٢) عند أكثر أصحابه. والقول الراجح: هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما، بخلاف الريق. وعلى هذا: فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه، كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز تنجيس شيء، ولا تحريمه إلا بدليل، كما قال تعالى: [﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣) [الأنعام ١١٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ وقال النبي ﷺ : "إن من أعظم [المسلمين بالمسلمين] (٤) جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحُرِّم من أجل مسألته" (٥) وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعًا -ومنهم من يجعله موقوفًا- أنه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما

стр. 108

حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (١). فإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبعًا، أولاهن بالتراب" (٢)، وفي الحديث الآخر: "إذا ولغ الكلب" (٣)، فأحاديثه كلها ليس فيها إلا ذكر الولوغ، لم يذكر سائر الأجزاء، فتنجيسها إنما هو بالقياس. فإذا قيل: إن البول أعظم من الريق، كان هذا متجهًا، وأما إلحاق الشعر بالريق، فلا يسوغ؛ لأن الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر، فإنه نابت على ظهره؛ والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا، فإن جمهورهم يقول: إن شعر الميتة طاهر، بخلاف ريقها، والشافعي وأكثرهم يقولون: إن الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر. فغاية شعر الكلب أن يكون [نابتًا] (٤) في منبت نجس، كالزرع النابت في الأرض النجسة، فإذا كان الزرع طاهرًا، فالشعر أولى بالطهارة؛ لأن الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة، بخلاف الشعر، فإن فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ظهور ذلك.

стр. 109

فمن قال من أصحاب أحمد، كابن عقيل وغيره: إن الزرع طاهر، فالشعر عنده أولى؛ ومن قال: إن الزرع نجس، فإن الفرق بينهما ما ذكر، فإن الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة، وهذا أيضًا حجة في المسألة، فإن الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهي النبي ﷺ عنها (١)، فإذا حُبِست حتى تطيب كانت حلالًا باتفاق المسلمين؛

стр. 110

لأنها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها، فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال عادت طاهرة، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلًا، فلم يكن لتنجيسه معنى. وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة -كما سنذكره إن شاء تعالى- وكل حيوان قيل بنجاشه، فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب. فإذا قيل بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (١)، إلا الهر (٢)، وما دونها في [الخلقة] (٣)؛ كما هو مذهب كثير من علماء أهل العراق، وهو أشهر الروايتين عن أحمد؛ فإن الكلام
следующие страницы →