← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96844

المسائل الماردينية

ابن تيمية

Полный текст (252 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يعلم ذلك فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ثم تبين له أنه حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان، بل يقول له: ذلك الذي وصل إليك هو حقٌّ كان لك عندي، والله [يعلم حقائق] (١) الأمور. والرواية التي تروى عن أحمد [فيه] (٢): أن الناس تبع للإمام في نيته على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون". وقد تنازع الناس في الهلال، هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره أحد، أو لا يسمى هلالًا حتى يستهل به الناس ويعلموه؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم، أو في يوم الغيم مطلقًا، هل هو يوم شك؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: أنه ليس بشك، بل الشك إذا أمكنت رؤيته، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم. والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه. والثالث: أنه من رمضان حكمًا، فلا يكون يوم شك، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.

стр. 142

وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر، هل يصوم ويفطر وحده، أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، أو يصوم وحده ويفطر مع الناس؟ على ثلاثة أقوال [معروفة] (١) في مذهب أحمد وغيره.

стр. 143

(فصل) وأما الجنب سواء كان رجلًا أو امرأة: فإنه إذا عَدِمَ الماء أو خاف الضرر باستعماله، فإن كان لا يمكنه دخول الحمام لعدم الأجرة، أو لغير ذلك فإنه يصلي بالتيمم، ولا يكره للرجل وطء امرأته لذلك، بل له أن يطأها، كما له أن يطأها في السفر، وإن صليا بالتيمم. وإذا أمكن الرجل أو المرأة أن يغتسل ويصلي خارج الحمام فعل ذلك، فإن لم يمكن ذلك مثل أن لا يستيقظ أول الفجر، وإن اشتغل بطلب الماء خرج الوقت، وإن طلب حطبًا يسخن به الماء، أو ذهب إلى الحمام، فات الوقت، فإنه يصلي [هنا] (١) بالتيمم عند جمهور العلماء، إلا بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: يشتغل بتحصيل الطهارة، وإن فات الوقت، وهكذا قالوا في اشتغاله بخياطة اللباس، وتعلم دلائل القبلة ونحو ذلك. وهذا القول خطأ، فإن قياس هذا القول: أن المسافر يؤخر الصلاة في تحصيل الماء حتى يصلي بعد الوقت بالوضوء، وأن العريان يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باللباس. وهذا خلاف إجماع المسلمين، بل على العبد أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، وما عجز عنه من واجبات الصلاة سقط عنه.

стр. 144

وأما إذا استيقظ آخر الوقت، [أو] (١) إن اشتغل باستقاء الماء من البئر خرج الوقت، أو إن ذهب إلى الحمام للغسل خرج الوقت، [فهذا يغتسل] (٢) عند جمهور العلماء، ومالك ﵀ يقول: بل يصلي بالتيمم؛ محافظة على الوقت، والجمهور يقولون: إذا استيقظ آخر الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة بالطهارة، والوقت في حقه من حين استيقظ، وهو ما يمكنه فعل الصلاة فيه، كما أمر؛ وقد قال النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (٣). فالوقت المأمور بالصلاة فيه في حق النائم هو إذا استيقظ، لا ما قبل ذلك، وفي حق الناسي إذا ذكر، والله أعلم (٤).

стр. 145

(فصل) وأما إن كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام، لكن إن دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت، إما لكونه مقهورًا مثل الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي، ومثل المرأة التي معها أولادها، فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك، فهؤلاء لابد لهم من أحد أمور: إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت، [وإما أن يصلوا خارج الحمام بعد خروج الوقت، وإما أن يصلوا خارج الحمام بالتيمم] (١)، وبكل قول من هذه الأقوال يفتي طائفة. لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام؛ لأن الصلاة في الحمام منهي عنها (٢)، وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك؛ ولا يمكن الخروج عن هذين النهيين إلا بالصلاة بالتيمم في الوقت خارج الحمام (٣).

стр. 146

وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا في موضع نجس في الوقت، أو في موضع طاهر بعد الوقت [إذا اغتسل] (١)، أو يصلي [بالتيمم] (٢) في [المكان النجس] (٣) في الوقت؟ فهذا أولى: لأن كلًّا من ذينك منهي عنه. وتنازع الفقهاء فيمن حبس في موضع نجس وصلى فيه، هل يعيد؟ على قولين أصحهما: أنه لا إعادة عليه، بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء: أن من يصلي في الوقت كما أمر بحسب الإمكان، فلا إعادة عليه، سواء كان الحذر نادرًا أو معتادًا. فإن الله تعالى لم يوجب على العبد الصلاة المعينة مرتين، إلا إذا كان قد حصل منه إخلال بواجب، أو بفعل محرم، فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان، فلم يأمره بها مرتين، ولا أمر الله تعالى أحدًا أن يصلي الصلاة ويعيدها، بل حيث أمره بالإعادة لم يأمره بذلك ابتداءً، كمن صلى بلا وضوء ناسيًا، فإن هذا لم يكن مأمورًا بتلك الصلاة، بل اعتقد أنه مأمور خطأ منه، وإنما أمره الله تعالى أن يصلي بالطهارة؛ فإن صلى بغير طهارة كان عليه الإعادة؛ كما أمر النبي ﷺ الذي توضأ وترك موضع ظفر من قدمه لم يصبه الماء أن يعيد الوضوء والصلاة (٤)، وكما أمر المسيء في صلاته أن يعيد

стр. 147

الصلاة (١) وكما أمر المصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة (٢).

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 149

فأما العاجز عن الطهارة [و] (١) الستار [و] (٢) استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، أو عن إكمال الركوع والسجود، أو عن قراءة الفاتحة ونحو هؤلاء، ممن يكون عاجزًا عن [بعض] (٣) واجباتها، فإن هذا يفعل ما قدر عليه، ولا إعادة عليه، كما قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] وكما قال النبي ﷺ :"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (٤) (٥).

стр. 150

(فصل) وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور: ففيه نزاع مشهور وتفضيلُ: ليس هذا موضع بسطه؛ لكن أوسط الأقوال في هؤلاء: أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع، يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك. وأقل مراتب الإنكار: هجره، لينتهي عن فجوره وبدعته. ولهذا فرَّق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر، فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت، فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا يُنكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة. ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى، بخلاف من أظهر الكفر، فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته، لما في ذلك من النهي عن المنكر، لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته. فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة، وجب ذلك، لكن إذا ولَّاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح

стр. 151

وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيج خير الخيرين، إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا، فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته، لم يَجُز ذلك بل يصلي خلفه، ما لا [يمكن] (١) [فعله] (٢) إلا خلفه، كالجمع والأعياد والجماعة، إذا لم يكن هناك إمام غيره؛ ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج (٣) والمختار بن أبي عبيد الثقفي (٤) وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم إفسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. ولهذا كان التاركون للجمعات والجماعات خلف أئمة الجَوْر

стр. 152

مطلقًا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ إذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، فهو موضع اجتهاد للعلماء. منهم من قال: إنه يعيد؛ لأنه فعل ما لا يشرع بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًّا عنها، فيعيدها. ومنهم من قال: لا يعيد؛ لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع عند نداء الجمعة، وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه: كالجمعة، فهنا لا تعاد الصلاة وإعادتها من فعل أهل البدع. وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل: إن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، أعيدت الجمعة خلفه وإلا لم تعد، وليس كذلك، بل النزاع في الإعادة، حيث يُنهى الرجل عن الصلاة. فأما إذا أمر بالصلاة خلفه، فالصحيح هنا: أنه لا إعادة عليه، لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين. وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس صلاة الجمعة خلفه، ومن قال: إنه يكفر. أمر بالإعادة؛ لأنها صلاة خلف كافر، لكن هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء، والناس مضطربون في هذه المسألة، وقد حُكِيَ عن مالك فيها روايتان وعن الشافعي فيها قولان، وعن الإمام أحمد أيضًا

стр. 153

فيها روايتان، وكذلك أهل الكلام، فذكروا للأشعري فيها [قولين] (١)، وغالب مذاهب الأئمة فيها تفصيل. وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، فيقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد، لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بَلَغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفِّر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي ﵌

стр. 154

وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، فأما التفريق بين نوع، وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة الإسلام. وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره عن الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض. فإنه يقال لمن فرَّق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل. قيل له: فتنازع الناس في محمد ﵌، هل رأى ربه، أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟ وفي كثير من معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث، وهي من المسائل الاعتقادية العلمية، وما كفر فيها أحد بالاتفاق، ووجوب الصلاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر: هي مسائل [علمية] (١)، والمنكر لها يكفر بالاتفاق. وإن قال: الأصول هي المسائل القطعية. قيل [له] (٢): كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل

стр. 155

[العلم] (١) ليست قطعية، [وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية] (٢). وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول ﵌، وتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية، فضلًا عن أن تكون قطعية، لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته، وقد ثبت في [الصحيح] (٣) عن النبي ﵌ حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين؛ فأمر الله تعالى البر برد ما أخذ منه والبحر برد ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب؛ فغفر الله تعالى له" (٤) فهذا [ظاهره] (٥) شك في قدرة الله تعالى وفي المعاد، بل ظن أنه لا يعود، وأنه لا يقدر الله تعالى عليه إذا فعل ذلك، وغفر الله له. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية. على هذا التفصيل بين النوع والعين، ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك، ولم يفهموا غَوْر قولهم،

стр. 156

فطائفة تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقًا، حتي تجعل الخلاف في تكفير المرجئة والشيعة [المفضِّلة] (١) لعلي، وربما رجحت التكفير والتخليد [في النار] (٢)، وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام، بل لا يختلف قوله: أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليًّا على عثمان، بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر [الجهمية] (٣) المنكرين لأسماء الله تعالى وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ﵌ ظاهر بينة، ولأن حقيقة قولهم: تعطيل الخالق، وكان قد ابتُلِيَ بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل (٤). وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله، والذي يعاقب مخالفه أعظم عن الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه؛ ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول

стр. 157

الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم [يجيبوهم] (١) ويكفرون من لم [يجبهم] (٢) حتى إنهم كانوا إذا افتكوا الأسير لا يطلقونه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق وغير ذلك ولا يولون متوليًا، ولا يعطون رزقًا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ترحم عليهم، واستغفر لهم لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال ذلك لهم (٣). وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد -حين قال القرآن مخلوق-: كفرت بالله العظيم. بين [ذلك] (٤): أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرَّح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد في القدري: إن جحد علم الله كفر، ولفظ بعضهم: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا.

стр. 158

وشئل أحمد عن القدري، هل يكفر؟ فقال: إن جحد العلم كفر (١)، وحينئذ فجاحد العلم هو من جنس الجهمية. وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكفِّ ضرره عن الناس كما يُقتل المحارب، وان لم يكن في نفس الأمر كافرًا، فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره، قد يكون على هذا الوجه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما نبهنا عليها تنبيهًا (٢).

стр. 159

(فصل) وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلي خلفه إلا من هو مثله، فلا يصلي خلف الألثغ الذي يبدل حرفًا بحرف، إلا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم، كما هو عادة كثير من الناس، فهذا فيه وجهان: منهم من قال: لا يصلي خلفه، ولا تصح صلاته في نفسه؛ لأنه أبدل حرفًا بحرف، فإن مخرج الضاد [الشفتان مع حافتي اللسان وأطراف الأسنان العليا] (١)، ومخرج الظاء طرف اللسان، فإذا قال: ولا الظالين، كان معناه: ظل يفعل كذا. والوجه الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وحس أحدهما من جنس حس الآخر، لتشابه المخرجين، والقارئ إنما يقصد الضلال المخالف للهدى، وهو الذي يفهمه المستمع. فأما المعنى المأخوذ من "ظل" فلا يخطر ببال أحد، وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتًا ومخرجًا وسمعًا، كإبدال الراء بالغين، فإن هذا لا يحصل به مقصود القراءة (٢) (٣).

стр. 160

(فصل) وأما المرأة الحائض إذا انقطع دمها: فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إن كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيممت، كما هو مذهب جمهور العلماء: مالك والشافعي وأحمد. وهذا معنى ما يروى عن الصحابة، حيث رُوي عن بضعة عشر من الصحابة، منهم الخلفاء، أنهم قالوا في المعتدة: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، والقرآن يدل على ذلك. قال الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قال مجاهد: "حتى يطهرن": ينقطع الدم، "فإذا تطهرن"، أي: اغتسلن بالماء (١)، وهو كما قال مجاهد.

стр. 161

وإنما ذكر الله تعالى غايتين على قراءة الجمهور؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى يَطهُرنَ﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا التحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا، بشرط الاغتسال، لا يبقى محرمًا على الإطلاق، فلهذا قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فقوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإن نكحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقه، لا لأجل الطلاق الثالث، فإن طلقها جاز للأول أن يتزوجها. وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: غسلن فروجهن بالماء، وهذا ليس بشيء (١)، لأنه تعالى قد

стр. 162

قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فالتطهير في كتاب الله تعالى هو الاغتسال. وأما قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهذا يدخل فيه المتوضئ والمغتسل والمستنجي، لكن التطهر المقرون بالحيض كالتطهر المقرون بالجنابة، المراد به الاغتسال. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: إذا اغتسلت، أو مضى

стр. 163

عليها وقت الصلاة، أو انقطع الدم لعشرة أيام، حلَّت، بناء على أنه يحكم بطهارتها في هذه الأحوال (١). وقول الجمهور: هو الصواب، كما تقدم والله أعلم (٢).

стр. 164

(فصل) (١) وأما عادم الماء إذا لم يجد ترابًا وعنده رمل: فإنه يتيمم به ويصلي ولا إعادة عليه، عند جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد، في أظهر الروايتين عنه (٢)؛ لأن النبي صلى الله عليه تعالى

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 166

وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره (١)، وكثير من الطرق التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه يسافرون بها قد لا يوجد فيها إلا رمل؛ وحمل التراب بدعة. لم يفعله أحد [من المسافرين ولا أحد] (٢) من السلف. فعلم أنه كان عند أحدهم مسجده وطهوره، والله أعلم.

стр. 167

(فصل) وأما إذا استيقظ وعليه غسل وقد ضاق الوقت [فقد تقدم جوابها، وأما المسافر إذا وصل إلى ماء، وقد ضاق الوقت] (١)، فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء، كذلك لو كان هنالك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلًا حتى يخرج الوقت، أو يمكن حفر الماء [ولا يحفر] (٢) حتى يخرج الوقت، فإنه يصلي بالتيمم. وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد: إنه يغتسل ويصلي بعد خروج الوقت، لاشتغاله بتحصيل الشرط، وهذا ضعيف؛ لأن المسلم أمر أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، فإن المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضًا عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة، وليس له أن يؤخر الصلاة حتى يصل إلى الماء، وقد ضاق الوقت بحيث لا يمكنه الاغتسال والصلاة حتى يخرج الوقت، بل إذا فعل ذلك كان عاصيًا بالاتفاق، وحينئذ فإذا وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت، ففرضه: إنما هو الصلاة بالتيمم في الوقت، وليس هو مأمور بهذا الاستعمال الذي يفوت معه الوقت، بخلاف المستيقظ آخر الوقت، والماء حاضر، فإن هذا مأمور أن يغتسل ويصلي، ووقته من حين استيقظ، لا من حين طلع الفجر، بخلاف من كان يقظان عند طلوع الفجر، أو عند زوال الشمس، مقيمًا كان أو مسافرًا، فإن الوقت في حقه من حينئذ، والله أعلم (٣).

стр. 168

(فصل) وأما إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج ويصلي خارج الحمام في الوقت، فلم يمكنه إلا أن يصلي في الحمام، أو تفوت الصلاة: فالصلاة في الحمام خير من تفويت الصلاة، فإن الصلاة في الحمام كالصلاة في الحش والمواضع النجسة ونحو ذلك، ومن كان في موضع نجس ولم يمكنه أن يخرج منه حتى يفوت الوقت، فإنه يصلي فيه ولا يفوت الوقت؛ لأن مراعاة الوقت مقدمة على مراعاة جميع الواجبات. وأما إن كان يعلم أنه إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت، فقد تقدمت هذه المسألة. والأظهر: أنه يصلي بالتيمم، فإن الصلاة بالتيمم خير من الصلاة في الأماكن التي نُهي عنها، وعن الصلاة بعد خروج الوقت (١).

стр. 169

(فصل) وأما المني: فالصحيح: أنه طاهر، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وقد قيل: إنه نجس يجزئ فركه، كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية أخرى، وهل يعفى عن يسيره كالدم، أو لا يعفى عنه كالبول؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. وقد قيل: إنه يجب غسله، كقول مالك: والأول هو الصواب. فإنه من المعلوم أن الصحابة كانوا يحتلمون على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن المني يصيب بدن أحدهم وثيابه، وهذا مما تعم به البلوى، فلو كان ذلك نجسًا لكان يجب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم بإزالة ذلك من أبدانهم وثيابهم، كما أمرهم بالاستنجاء وكما أمر الحائض بأن تغسل دم الحيض من ثوبها، بل إصابة المني [للثياب والبدن] (١) أعظم بكثير من إصابة دم الحيض لثوب الحائض. ومن المعلوم: أنه لم ينقل أحد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر أحدًا من الصحابة أن يغسل المني من بدنه ولا ثيابه، فعلم يقينًا أن هذا لم يكن واجبًا، وهذا قاطع لمن تدبره. وأما كون عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تغسله، تارة من ثوب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (٢)، وتفركه تارة (٣)، فهذا لا

стр. 170

يقتضي نجاسته، فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ. وهكذا قال غير واحد من الصحابة، كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وغيرهما: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، أمطه عنك ولو بإذخرة" (١)، وسواء كان الرجل مستنجيًا أو مستجمرًا فإن منيه طاهر. ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد: إن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر، فقوله ضعيف؛ فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون، ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا قليل جدًّا، بل كان كثير منهم لا يعرفون الاستنجاء بل أنكروه، ومع هذا فلم يأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أحدًا منهم بغسل أثر منيه، بل ولا فركه، والاستنجاء بالأحجار، هل هو مطهر أو مجفف؟ فيه قولان معروفان. فإن قيل: هو مطهر فلا كلام. وإن قيل: هو مجفف وأنه يعفى عن أثره للحاجة، فإنه يعفى عنه في محله، وفيما يشق الاحتراز عنه، والمني يشق الاحتراز عنه، فألحق بالمخرج (٢).

стр. 171

(فصل) وأما آستحالة النجاسة، كرماد السرجين النجس، والزبل النجس، يستحيل ترابًا، فقد تقدمت هذه المسألة: وقد ذكرنا أن فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما: أن ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة، وأهل الظاهر وغيرهم؛ وذكرنا أن هذا القول هو الراجح. وأما الأرض إذا أصابتها نجاسة، فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: إنها تطهر، وإن لم يقل بالاستحالة. وفي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال. والصواب: الطهارة في الجميع؛ كما تقدم (١).

стр. 172

(فصل) وأما الخف إذا كان فيه خرق يسير: ففيه نزاع مشهور. فأكثر الفقهاء: على أنه يجوز المسح عليه، كقول أبي حنيفة ومالك. والقول الثاني: لا يجوز، كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد قالوا: لأن ما ظهر من القدم فرضه الغسل، وما استتر فرضه المسح، ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل منه. والقول الأول: أرجح؛ فإن الرخصة عامة، ولفظ الخف يتناول ما فيه الخرق، وما لا خرق فيه، لا سيما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرق خف أحدهم، ولا يمكنه إصلاحه في السفر فإن [لم] (١) يجز المسح عليه لم يحصل مقصود الرخصة. وأيضًا: فإن جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة، وعن يسير النجاسة التي يشق الاحتراز عنها، فالخرق اليسير في الخف كذلك. وقول القائل: إن ما ظهر فرضه الغسل: ممنوع؛ فإن الماسح على الخف لا يستوعبه بالمسح، كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه [دون أسفله وعقبه] (٢)، وذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح

стр. 173

بعض الخف كافٍ عما يُحاذي المسموح به وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجز غسل ذلك الموضع ولا مسحه، ولو كان على ظهر القدم لم يجب مسح كل جزء من ظهر القدم، وباب المسح على الخفين مما قد جاءت السنة فيه بالرخصة، حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم وغير ذلك، فلا يجوز أن [يتناقض] (١) مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق (٢) (٣).

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 175

(فصل) (١) وأما التيمم للنجاسة بالبدن أو الثوب. فالتيمم لنجاسة الثوب لم نعلم قائلًا به من العلماء، بل كلهم متفقون على أن النجاسة في الثوب لا يتيمم لها. وأما النجاسة في البدن فهل يتيمم لها؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد أحدهما: لا يتيمم لها، وهذا قول جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة والشافعي؛ لأن التيمم إنما جاء في طهارة الحدث، دون طهارة الخبث. والثاني: يتيمم لها: لأنها طهارة شرعية متعلقة بالبدن، فأشبهت طهارة الحدث. وقول الجمهور أصح؛ لأنه لو شرع التيمم لذلك لشرع للمستحاضة ولمن به سلس البول، ولمن عجز عن الاستنجاء. وقد عُلِم أن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة بالتيمم، وعمر بن الخطاب صلى وجرحه يثعب (٢) دمًا (٣) ولم يتيمم، فلو كان التيمم كالماء لكان تيممه

стр. 176

للنجاسة كغسلها بالماء، بل لو كان يتيمم ويصلي لما كان عاجزًا عن إزالة النجاسة ولسقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم، ولأن إزالة النجاسة طهارة حسية، وهي من باب التروك، كما تقدم. وقد رجحنا أنها تزول بكل مزيل والتيمم إنما أقيم مقام الماء المختص بطهارة الحدث.

стр. 177

(فصل) وأما صلاة المأموم قدام الإمام، ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل: إنها تكره، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي. والثاني: أنها لا تصح مطلقًا، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما. والثالث: أنها تصح مع العذر، دون غيره، مثل ما إذا كانت زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيرًا له من تركه للصلاة، وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها. وذلك لأن ترك المتقدم على الإمام: غايته أن يكون واجبًا من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر، وإن كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس والطهارة واستقبال المقبلة وغير ذلك. وأما الجماعة فإنه يجلس في [الأوتار] (١) لمتابعة الإمام، ولو فعل ذلك منفردًا عمْدًا بَطُلت صلاته، وإذا أدركه ساجدًا أو قاعدًا كبر وسجد معه وقعد معه؛ لأجل المتابعة، مع أنه لا يعتد له بذلك،

стр. 178

ويسجد لسهو الإمام، وإن كان هو لم يسه. وأيضا ففي صلاة الخوف [يستدير] (١)، ويعمل العمل الكثير، ويفارق الإمام قبل السلام، ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام، وغير ذلك مما يفعله لأجل الجماعة، ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته. وأبلغ من ذلك: أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث أن الإمام الراتب إذا صلى جالسًا صلى المأمومون جلوسًا؛ لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب لأجل المتابعة، كما استفاضت السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" (٢). والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قيل: لا يؤم القاعد القائم، وأن ذلك من خصائص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كقول مالك ومحمد بن الحسن. وقيل: يؤمهم ويقومون، وأن الأمر بالقعود منسوخ، كقول أبي حنيفة والشافعي. وقيل: بل ذلك محكم، وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كأسيد بن حضير وغيره،

стр. 179

وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وغيرهما. وعلى هذا فلو صلوا قيامًا ففي صحة صلاتهم قولان. والمقصود هنا: أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان، فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بإمامه إلا قدامه، فغاية ما في هذا: أنه يترك الموقف لأجل الجماعة، وهذا أخف من غيره، ومثل هذا: أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده، فلو لم يجد من يصافه، صلى وحده خلف الصف، ولم يدع الجماعة [ولم يجذب أحدًا يصلي معه] (١) كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها، فإنها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة، وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان، لا عند العجز عن المصافة (٢).

стр. 180

(فصل) وأما [صلاة] (١) المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في المسجد وبينهما حائل. فإن كانت الصفوف متصلة جاز ذلك باتفاق الأئمة، وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن، ففيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: المنع، كقول أبي حنيفة. والثاني: الجواز، كقول الشافعي، وإن كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق، ففيه عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز في المسجد دون غيره، وقيل: يجوز للحاجة، ولا يجوز بدون الحاجة، ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقًا، مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة، أو تكون المقصورة التي فيها الإمام مغلقة، ونحو ذلك، فهذا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة كما تقدم. فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر، وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال (٢).
следующие страницы →