← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96844

المسائل الماردينية

ابن تيمية

Полный текст (252 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

للنجاسة كغسلها بالماء، بل لو كان يتيمم ويصلي لما كان عاجزًا عن إزالة النجاسة ولسقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم، ولأن إزالة النجاسة طهارة حسية، وهي من باب التروك، كما تقدم. وقد رجحنا أنها تزول بكل مزيل والتيمم إنما أقيم مقام الماء المختص بطهارة الحدث.

стр. 177

(فصل) وأما صلاة المأموم قدام الإمام، ففيها ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل: إنها تكره، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، والقول القديم للشافعي. والثاني: أنها لا تصح مطلقًا، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما. والثالث: أنها تصح مع العذر، دون غيره، مثل ما إذا كانت زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام، فتكون صلاته قدام الإمام خيرًا له من تركه للصلاة، وهذا قول طائفة من العلماء، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها. وذلك لأن ترك المتقدم على الإمام: غايته أن يكون واجبًا من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر، وإن كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط، ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس والطهارة واستقبال المقبلة وغير ذلك. وأما الجماعة فإنه يجلس في [الأوتار] (١) لمتابعة الإمام، ولو فعل ذلك منفردًا عمْدًا بَطُلت صلاته، وإذا أدركه ساجدًا أو قاعدًا كبر وسجد معه وقعد معه؛ لأجل المتابعة، مع أنه لا يعتد له بذلك،

стр. 178

ويسجد لسهو الإمام، وإن كان هو لم يسه. وأيضا ففي صلاة الخوف [يستدير] (١)، ويعمل العمل الكثير، ويفارق الإمام قبل السلام، ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام، وغير ذلك مما يفعله لأجل الجماعة، ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته. وأبلغ من ذلك: أن مذهب أكثر البصريين وأكثر أهل الحديث أن الإمام الراتب إذا صلى جالسًا صلى المأمومون جلوسًا؛ لأجل متابعته فيتركون القيام الواجب لأجل المتابعة، كما استفاضت السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" (٢). والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قيل: لا يؤم القاعد القائم، وأن ذلك من خصائص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كقول مالك ومحمد بن الحسن. وقيل: يؤمهم ويقومون، وأن الأمر بالقعود منسوخ، كقول أبي حنيفة والشافعي. وقيل: بل ذلك محكم، وقد فعله غير واحد من الصحابة بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كأسيد بن حضير وغيره،

стр. 179

وهذا مذهب حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وغيرهما. وعلى هذا فلو صلوا قيامًا ففي صحة صلاتهم قولان. والمقصود هنا: أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان، فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بإمامه إلا قدامه، فغاية ما في هذا: أنه يترك الموقف لأجل الجماعة، وهذا أخف من غيره، ومثل هذا: أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده، فلو لم يجد من يصافه، صلى وحده خلف الصف، ولم يدع الجماعة [ولم يجذب أحدًا يصلي معه] (١) كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها، فإنها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة، وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان، لا عند العجز عن المصافة (٢).

стр. 180

(فصل) وأما [صلاة] (١) المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو في المسجد وبينهما حائل. فإن كانت الصفوف متصلة جاز ذلك باتفاق الأئمة، وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن، ففيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: المنع، كقول أبي حنيفة. والثاني: الجواز، كقول الشافعي، وإن كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق، ففيه عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز في المسجد دون غيره، وقيل: يجوز للحاجة، ولا يجوز بدون الحاجة، ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقًا، مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة، أو تكون المقصورة التي فيها الإمام مغلقة، ونحو ذلك، فهذا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة كما تقدم. فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر، وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال (٢).

стр. 181

(فصل) وأما إذا كان بالقرية أقل من أربعين رجلًا، فإنهم يصلون ظهرًا عند أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد في المشهور عنه وكذلك أبو حنيفة لكنه يشترط المصر، لكن الشافعي وأحمد وأكثر العلماء يقولون: إن كانوا أربعين صلوا جمعة (١).

стр. 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 183

[مسألة] (١) وأما الجماعة فقد قيل: إنها سنة، وقيل: واجبة على الكفاية، وقيل: إنها [واجبة] (٢) على الأعيان. وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أمر بها في حال الخوف، ففي حال الأمن أولى وأوكد. وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وهذا أمر بها. وأيضًا فقد ثبت في الصحيح: أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرخص له أن يصلى في بيته، فقال: "هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم. فقال له النبي ﷺ : "ما أجد لك رخصة" (٣)، وابن أم مكتوم كان رجلًا صالحًا، فيه نزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١ - ٢] وكان من المهاجرين، ولم يكن في المهاجرين من يتخلف عنها إلا منافق، فعلم أن لا رخصة لمؤمن في تركها. وأيضًا فقد ثبت في الصحاح: أن النبي صلى الله تعالى عليه

стр. 184

وسلم قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر وجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق، ومعي رجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار" (١)، وفي رواية: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" (٢)، فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة ما في بيوتهم من النساء والأطفال، فإن تعذيب أولئك لا يجوز: لأنه لا جماعة عليهم. ومن قال: إن هذا كان في الجمعة، أو كان لأجل نفاقهم؛ فقوله ضعيف؛ فإن المنافقين لم يكن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقتلهم على النفاق، بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر. فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم، والحديث قد بيَّن فيه التخلف عن صلاة العشاء والفجر. وقد تقدم حديث ابن أم مكتوم، وأنه لم يرخص له في التخلف عن الجماعة. [وأيضًا فإن الجماعة يترك لها أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها، فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات؛ لأنه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب] (٣).

стр. 185

(فصل) وإذا ترك الجماعة من غير عذر، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: تصح صلاته، لقوله ﵌: "تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة" (١). والثاني: لا تصح لما في السنن عن النبي ﵌ أنه قال: "من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له" (٢)، ولقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في

стр. 186

المسجد" (١) وقد قوَّاه عبد الحق الإشبيلي. وأيضًا فإذا كانت واجبة فمن يترك واجبًا في الصلاة لم تصح صلاته، وحديث التفضيل محمول على حال العذر، كما في قوله ﵌: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد" (٢). وهذا عام في الفرض والنفل؛ وإلانسان ليس له أن يصلي الفرض قاعدًا أو نائمًا إلا في حال العذر، وليس له أن يتطوع نائمًا عند جماهير السلف والخلف، إلا وجهًا في مذهب الشافعي وأحمد. ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعًا بدعة لم يفعل أحد من السلف.

стр. 187

وقوله ﵌: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم" (١)، يدل على أنه [يكتب] (٢) له لأجل نيته، وإن كان لم يعمل عادته قبل المرض والسفر. فهذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر، وكان معتادًا لها كتب له أجر الجماعة، وأن لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين إنما له بنفس الفعل صلاة منفرد، وكذلك المريض إذا صلى قاعدًا أو مضجعًا. وعلى هذا القول: فإذا صلى الرجل وحده، وأمكنه أن يصلي بعد ذلك في جماعة فعل ذلك، وإن لم يمكنه فعل الجماعة استغفر الله تعالى كمن فاتته الجمعة وصلى ظهرًا، وإذا قصد الرجل الجماعة فوجدهم قد صلوا كان له أجر من صلى في جماعة كما وردت به السنة عن النبي ﵌ (٣). وإذا [أدرك] (٤) مع الإمام ركعة فقد أدرك الجماعة، وإن أدرك أقل من ركعة فله بنيته أجر الجماعة، لكن هل يكون مدركًا للجماعة، أو يكون بمنزلة من صلى وحده؟ فيه قولان للعلماء في مذهب

стр. 188

الشافعي وأحمد: أحدهما: أن يكون كمن صلى جماعة، كقول أبي حنيفة. والثاني: يكون كمن صلى منفردًا، كقول مالك، وهذا أصح لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). ولهذا قال الشافعي وأحمد ومالك وجمهور العلماء: إنه لا يكون محركًا للجمعة ألا بإدراك ركعة، ولكن أبو حنيفة ومن وافقه يقولون: إنه يكون مدركًا لها إذا أدركهم في التشهد. ومن فوائد النزاع في ذلك: أن المسافر إذا صلى خلف المقيم أتم الصلاة، إذا أدرك ركعة فإن أدرك أقل من ركعة، فعلى القولَيْن المتقدمَيْن. والصحيح: أنه لا يكون مدركًا للجمعة ولا للجماعة إلا بإدراك ركعة، وما دون ذلك لا يعتد له به، وإنما يفعله متابعة للإمام [وهو] (٢) بعد سلام الإمام كالمنفرد باتفاق الأئمة، والله أعلم (٣).

стр. 189

(فصل) وأما تضمين حديقته أو بستانه الذي فيه النخيل والأعناب وغير ذلك من الأشجار لمن يقوم عليها ويزرع أرضها بعوض معلوم. فمن العلماء من نهى عن ذلك، واعتقد أنه داخل في نهي النبي ﷺ عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها (١). ثم من هؤلاء من جوَّز ذلك، إذا كان البياض هو المقصود والشجر تابع، كما يذكر عن مالك، ومن هؤلاء من يجوز الاحتيال على ذلك، بأن يؤجر الأرض، ويساقي على الشجر بجزء من الخارج منه. ولكن هذا إن شرط فيه أحد العقدين في الآخر لم يصح، وإن لم يشترط كان لرب البستان أن يلزمه بالأجرة عن الأرض بدون المساقاة، وأكثر مقصود الضامن هو الثمر، وهو جزء كبير من مقصوده، وقد يكون المكان وقفًا أو مال يتيم، فلا يجوز المحاباة في مساقاتِه. وهذه الحيلة -وإن كان القاضي أبو يعلي ذكرها في كتابه إبطال الحيل موافقة لغيره- فالمنصوص عن أحمد أنها باطلة. وقد بينا بطلان الحيل التي يكون ظاهره مخالفًا لباطنها، ويكون

стр. 190

المقصود بها فعل ما حرم الله ورسوله، كالحيل على الربا، وعلى أسقاط الشفعة وغير ذلك، بالأدلة الكثيرة في غير هذا الموضع (١). ومن العلماء من جوَّز الضمان للأرض والشجر مطلقًا، وإن كان الشجر مقصودًا، كما ذكر ذلك ابن عقيل وهذا القول أصح، وله مأخذان: أحدهما: أنه إذا اجتمع الشجر والأرض، فتجوز الإجارة لهما جميعًا لتعذر التفريق بينهما في العادة. والمأخذ الثاني: أن هذه الصورة لم تدخل في نهي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن رب الأرض لم يبع ثمره، بل آجر أصلًا، والفرق بينهما من وجوه: أحدها: أنه لو استأجر الأرض جاز، ولو اشترى الزرع قبل اشتداد الحب بشرط البقاء لم يجز، فكذلك يفرق في الشجر. الثاني: أن البائع عليه السقي وغيره، مما فيه صلاح الثمرة حتى

стр. 191

يكمل صلاحها، وليس على المشتري شيء من ذلك. وأما الضامن والمستأجر، فإنه هو الذي يقوم بالسقي والعمل، حتى تحصل الثمرة أو الزرع فاشتراء الثمرة اشتراء للعنب والرطب، فإن البائع عليه تمام العمل حتى يصلح، بخلاف من دفع إليها الحديقة، وكان هو القائم عليها. الثالث: أنه لو دفع البستان إلى من يعمل عليه بنصف ثمره وزرعه، كان هذا مساقاة ومزارعة، واستحق نصف الثمر والزرع بعمله، وليس هذا اشتراء للحب والثمر. الرابع: أنه لو أعار أرضه لمن يزرعها، أو أعطى شجرته لمن يستغلها ثم يدفعها إليه، كان هذا من جنس العارية، لا من جنس هبة الأعيان. الخامس: أن ثمرة الشجر من مغل الوقف، كمنفعة الأرض ولبن الظئر، واستئجار الظئر جائز بالكتاب والسنة والإجماع، واللبن لما كان يحدث شيئًا بعد شيء، صح عقد الإجارة عليه، كما يصح على المنافع وإن كان أعيانًا. ولهذا يجوز ملك إجارة الماشية بلبنها، فإجارة البستان لمن يستغله بعمله هو من هذا الباب، ليس هو من باب الشراء. وإذا قيل: إن في ذلك غررًا، قيل: هو كالغرر في الإجارة، فإنه إذا أستأجر أرضًا ليزرعها، فإنما مقصوده الزرع، فقد يحصل، وقد لا يحصل. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه ضمن حديقة أسيد بن

стр. 192

حضير بعد موته ثلاث سنين، وأخذ الضمان فصرفه في دَيْنهِ (١)، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة. وأيضًا فإن أرض العنوة لما فتحها المسلمون دفعها عمر إليهم -وفيها النخيل والأعناب- لمن يعمل عليها بالخراج، وهذه إجارة عند أكثر العلماء (٢).

стр. 193

(فصل) وأما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك، [فإنه يسقط] (١) عن صاحبه إذا كان الإمام عادلًا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء، فإن كان ظالمًا لا يصرفه في مصارفه فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها، فإن أكره على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر، فإنها تجزيه في هذه الصورة عند أكثر العلماء، وهم في هذه الحالة ظلموا مستحقيها، كولي اليتيم، وناظر الوقف، إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه (٢).

стр. 194

(فصل) أما الزكاة في المساقاة والمزارعة. فهذا مبنيٌّ على أصل، وهو: أن المزارعة والمساقاة هل هي جائزة أم لا؟ على قولين مشهورين: أحدهما: قول من قال: إنها لا تجوز، [اعتقدوا] (١) أنها نوع من الإجارة بعوض مجهول، ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقًا، كأبي حنيفة. ومنهم من استثني ما تدعو إليه الحاجة: فجوزوا المساقاة للحاجة؛ لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض، وجوزوا المزارعة على الأرض التي فيها شجر، تبعًا للمساقاة، إما مطلقًا، كقول الشافعي، وإما إذا كان البياض قدر الثلث فما دونه، كقول مالك. ثم منهم من جوز المساقاة مطلقًا، كقول مالك والشافعي في القديم؛ وفي الجديد [قصر] (٢) الجواز على النخل والعنب. والقول الثاني: قول من يُجَوِّز المساقاة والمزارعة، ويقولون: إن هذا مشاركة، وهو جنس غير جنس الإجارة التي يشترط فيها معرفة قدر النفع والأجرة، فإن العمل في هذه العقود ليس بمقصود، بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ولكن هذا شارك بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وهكذا المضاربة.

стр. 195

وعلى هذا فإذا افترق أصحاب هذه العقود وجب للعامل قسط مثله من الربح، إما ثلث الربح وإما نصفه، ولم تجب أجرة المثل للعامل وهذا القول هو الصواب المقطوع به، وعليه إجماع الصحابة. والقول بجواز المساقاة والمزارعة: قول جمهور السلف: من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهو مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وفقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهوية ومحمد بن إسحق بن خزيمة وأبي بكر بن المنذر والخطابي وغيرهم. والصواب: أن المزارعة أحل من المؤاجرة بثمن مسمى؛ لأنها أقرب إلى العدل وأبعد عن الخطر، فإن الذي نهى عنه النبي ﷺ من العقود، [منه] (١) ما يدخل في جنس الربا المحرم في القرآن، ومنه ما يدخل في جنس الميسر الذي هو القمار؛ وبيع الغرر هو من نوع القمار والميسر، فالأجرة، والثمن إذا كانت غررًا، مثل ما لم يُوصف، ولم يُرَ، ولم يُعلم جنسه كان ذلك غررًا وقمارًا. ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول الزرع له، فإذا أُعطِيَ الأجرة المسمَّاة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين. وأما المستأجر فما يدري: هل يحصل له الزرع أم لا؟ بخلاف المزارعة، فإنهما يشتركان في المغنم، وفي الحرمان، كما في

стр. 196

المضاربة، فإن حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل اشتركا في الحرمان، وكان ذهاب نفع مال هذا في مقابلة ذهاب نفع بدن هذا، ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من [النماء] (١)، لا في المضاربة ولا في المساقاة ولا في المزارعة؛ لأن ذلك مخالف للعدل، اذ قد يحصل لأحدهما شيء والآخر لا يحصل له شيء، وهذا هو الذى نهى عنه رسول الله ﷺ فى الأحاديث التى رُوي فيها: أنه نهى عن المخابرة (٢)، أو عن كرى الأرض أو عن المزارعة كحديث رافع بن خديج (٣) وغيره؛ فإن ذلك قد جاء مفسرًا، فإنهم

стр. 197

كانوا يعاملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك، ولهذا قال الليث بن سعد: إن الذي نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك أمر إذا نظر فيه ذو العلم بالحلال والحرام [علم] (١) أنه لا يجوز، فأما المزارعة فجائزة بلا ريب، سواء كان البذر من المالك أو العامل أو منهما، وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة أو غير ذلك (٢). هذا أصح الأقوال في هذه المسألة، وكذلك كل ما كان من هذا الجنس: مثل أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها

стр. 198

والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نخله إلى من يقوم عليها، والصوف واللبن والولد والعسل بينهما. فإذا عرف هذان القولان في المزارعة، فمن قال من العلماء: إن المزارعة باطلة قال: الزرع كله لرب الأرض، إذا كان البذر منه، أو للعامل إذا كان البذر منه، ومن كان له الزرع كان عليه العشر. وأما من قال: إن رب الأرض يستحق جزءًا مشاعًا من الزرع، فإن عليه عشره باتفاق الأئمة، ولم يقل أحد من المسلمين: إن رب الأرض يقاسم العامل، ويكون العشر كله على العامل، فمن قال هذا فقد خالف إجماع المسلمين (١).

стр. 199

(فصل) وأما بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه: كاللفت والجزر والقلقاس، والفجل والثوم، والبصل، وشِبْهِ ذلك ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجوز، كما هو المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، قالوا: لأن هذه أعيان [غائبة] (١) لم تر، ولم توصف، فلا يجوز بيعها، كغيرها من الأعيان الغائبة، وذلك داخل في نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر. والثاني: أن بيع ذلك جائز، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول هو الصواب لوجوه: منها: أن هذا ليس من الغرر، بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على المغيب في الأرض، كما يستدلون بما يظهر في العقار من ظواهره على بواطنه، وكما يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم. الثاني: أن العلم في المبيع يشترط في كل شيء بحسبه، فما ظهر بعضه وخفي بعضه، وكان في إظهار باطنه مشقة وحرج، اكتفي بظاهره كالعقار، فإنه لا يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان، وكذلك الحيوان. وأمثال ذلك.

стр. 200

الثالث: [أن] (١) ما [احتيج] (٢) إلى بيعه، فإنه يوسع فيه ما لا يوسع في غيره، فيبيحه الشارع للحاجة، مع قيام السبب الحاضر، كما أرخص في العرايا بخرصها، وأقام الخرص مقام الكيل عند الحاجة، ولم يجعل ذلك من المزابنة التي نهى عنها، فإن المزابنة هي بيع المال بجنسه مجازفة، إذا كان ربويًا بالاتفاق، وإن كان غيره ربوي فعلى قولين. وكذلك رخَّص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ابتياع الثمر [بعد بدو] (٣) صلاحه بشرط [السبقية] (٤) مع أن تمام الثمرة لم يخلق بعد ولم يُر، فجعل ما لم يوجد ولم يعلم تابعًا لذلك والناس محتاجون إلى بيع هذه النباتات في الأرض. ومما يشبه ذلك: بيع المقاثي: كمقاثي البطيخ والخيار والقثاء وغير ذلك. فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم من يقول: لا يجوز بيعها إلا لقطة لقطة، وكتير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم قالوا: إنه يجوز بيعها مطلقًا على الوجه المعتاد، وهذا هو الصواب، فإن بيعها لا يمكن في العادة إلا على هذا الوجه، وبيعها لقطة لقطة إما متعذر وإما متعسر، فإنه لا يتميز لقطة عن لقطة، إذ أكثر ذلك لا يمكن التقاطه ويمكن تأخيره، فبيع المقاثي بعد ظهور

стр. 201

صلاحها كبيع ثمرة البستان بعد بدو صلاحها، وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد، ولم يُر؛ ولهذا إذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحًا لباقيها باتفاق العلماء، ويكون صلاحها كسائر ما في البستان من ذلك النوع في أظهر قولي جمهورهم، بل يكون صلاحًا لجميع ثمر البستان الذي جرت العادة أن يباع جملة واحدة، في أحد قولي العلماء. وهذه المسائل وغيرها مما ذكرناه في هذا الجواب مبسوطة في غير هذا الموضع (١).

стр. 202

(فصل) وإما أذا أسلم في حنطة فاعتاض عنها بشعير ونحو ذلك، فهذه فيها قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثانية: يجوز الاعتياض عنه في الجملة، إذا كان بسعر الوقت أو أقل، وهذا هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حيث جوَّز إذا أسلم في شيء أن يأخذ عوضًا بقيمته، ولا يربح مرتين، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، حيث جوَّز أخذ الشعير عن الحنطة إذا لم يكن أعلى من قيمة الحنطة، وقال بقول ابن عباس في ذلك، ومذهب مالك: يجوز الاعتياض عن الطعام والعرض [بعوض] (١). والأولون احتجوا بما في السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" (٢)، قالوا:

стр. 203

وهذا يقتضي أنه لا يبيع دين السلم، لا من صاحبه ولا من غيره. والقول، الثاني: أصح، وهو قول ابن عباس، ولا يعرف له في الصحابة مخالف؛ وذلك لأن دين [السلم] (١) دين ثابت، فجاز الاعتياض عنه، كبدل القرض، وكالثمن في البيع؛ ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر. وأما الحديث: ففي إسناده نظر، فإن صح، فالمراد به: أنه لا يجعل دين السلم سلفًا في شيء آخر، ولهذا قال: "فلا يصرفه إلى غيره"، أي: لا يصرفه إلى سلف آخر، وهذا لا يجوز؛ لأنه يتضمن الربح فيما لم يضمن وكذلك إذا اعتاض عن ثمن المبيع والقرض، فإنما يعتاض عنه بسعره لما في السنن عن ابن عمر: ﵄ أنهم سألوا النبي صلى الله تعالي عليه وسلم، فقالوا: إنا نبيع الإبل بالبقيع بالذهب، ونقبض الورق، ونبيع بالورق ونقبض الذهب؟ فقال: "لا (٢) بأس إذا كان بسعر يومه، إذا افترقتما وليس بينكما شيء" (٣) فجوَّز الاعتياض بالسعر؛ لئلا يربح فيما لم يضمن.

стр. 204

فإن قيل: فبائع دين السلم يبيع ذلك، فنهى عن بيع ما لم يقبض. قيل: النهى إنما كان في الأعيان لا في الديون.

стр. 205

(فصل) وأما إذا اكترى أرضًا للزرع فأصابته آفة. فهذه مسألة وضع الجوائح في الثمر، فإن اشترى ثمرًا [قد بدا صلاحه] (١) فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه، فإنه يتلف من ضمان البائع عند فقهاء المدينة: كمالك وغيره، وفقهاء الحديث: كأحمد وغيره، وهو قول معلَّق للشافعي، فإن الشافعي علَّق القول بصحة الحديث (٢).

стр. 206

والحديث قد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (١)، والاعتبار يؤيد هذا القول، فإن المبيع تلف قبل تمكن المشتري من قبضه، فأشبه ما لو تلفت منافع العين المؤجرة قبل التمكن من استيفائها. فإذا قيل: هذه الثمرة تلفت بعد القبض، قيل: قبض الثمرة التي لم يكمل صلاحها من جنس قبض المنافع، فإن المقصود: إنما هو جذاذها بعد كمال الصلاح، ولهذا إذا شرط المشتري في قبضها [بعد كمال الصلاح] (٢) كانت من ضمانه. وقد تنازع الفقهاء: هل يجوز له أن يبيعها قبل الجذاذ؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد:

стр. 207

أحدهما: لا يجوز، لأنه بيع للمبيع قبل قبضه، إذ لو كانت مقبوضة لكانت من ضمانه. والثاني: يجوز بيعها، وهو الصحيح. لأنه قبضها القبض المبيح للتصرف، وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان، كقبض العين المؤجرة فإنه إذا قبضها صار له التصرف في المنافع وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجر. لكن تنازع الفقهاء، هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به؟ على ثلاثة أقوال: هي ثلاث روايات عن أحمد، قيل: يجوز كقول الشافعي، وقيل: لا يجوز، كقول أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه ربح ما لم يضمن؛ لأن المنافع لم يضمنها. وقيل: إن أحدث فيها عمارة جاز، وإلا فلا. والأول: أصح، لأنها مضمونة عليه بالقبض، بمعنى أنه إذا لم يستوفها تلفت من ضمانه لا من ضمان المؤجر، كلما لو تلفت الثمرة بعد صلاحها والتمكن من جذاذها، ولكن إذا تلفت العين المؤجرة كانت المنافع تالفة من ضمان المؤجر؛ لأن المستأجر لم يتمكن من استيفائها، [فيُفرق] (١) بين ما قبل التمكن وبعده (٢).

стр. 208

(فصل) وأما إذا استأجر أرضًا للازدراع فأصابتها آفة، فإذا تلف الزرع بعد تمكن المستأجر من أخذه، مثل أن يكون في البيدر، فيسرقه اللص أو يؤخر حصاده عن وقته حتى يتلف، فهنا يجب على المستأجر الأجرة. وأما إذا كانت الآفة مانعة من الزرع، فهنا لا أجرة عليه بلا نزاع. وأما إذا نبت الزرع، ولكن الآفة منعته من تمام صلاحه، مثل نار أو ريح أو برد، أو غير ذلك مما يفسده، بحيث لو كان هناك زرع غيره لأتلفته، فهنا فيه قولان: أظهرهما: أن يكون من ضمان المؤجر؛ لأن هذه الآفة أتلفت المنفعة المقصودة بالعقد؛ لأن المقصود بالعقد هو المنفعة التي يثبت بها الزرع حتى يتمكن من حصاده، فإذا حصل للأرض ما يمنع هذه المنفعة مطلقًا، بطل المقصود قبل التمكن من استيفائه، ومثل هذا ما لو صارت الأرض سبخة فتلف الزرع أو كانت إلى جانب بحر أو نهر فأتلف الماء تلك الأرض قبل كمال الزرع ونحو ذلك، ففي هذه الصور كلها تتلف من ضمان المؤجر، وليس على المستأجر أجرة ما تعطل الانتفاع به، كما لو ماتت الدابة المستأجرة، أو انقطع الماء، ولم يمكن الانتفاع بها في شيء من المنفعة المقصودة بالعقد، وأمثال هذه الصور.

стр. 209

وليس هذا مثل أن يسرق ماله أو يحترق من الدار؛ فإن المنفعة المقصودة بالعقد لم تتغير، فإنه يمكن أن ينتفع بها هو وغيره، بأن يحفظها من اللص، أو الحريق. ونظير ذلك: أن يتلف المال الذي اكترى الدابة لحمله، فإن الأجرة عليه، بخلاف ما إذا كانت الآفة مانعة من الانتفاع مطلقًا له ولغيره، فإن هذا بمنزلة موت الدابة واحتراق الدار المؤجرة. ونظير سرقة متاعه من الدار: أن يسرق سارق زرعه، وأما إذا جاء جيش عام فأفسد الزرع، فهذا آفة سماوية، فإن هذا لا يمكن تضمينه ولا الاحتراز منه. ونظيره: أن يجيء جيش عام فيخرج الناس من مساكنهم التي يسكنونها (١).

стр. 210

(فصل) وأما إجبار الأب لابنته البكر [البالغة] (١) على النكاح: ففيه قولان مشهوران، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه يجبر البكر البالغ، كما هو مذهب مالك والشافعي، وهو اختيار الخرَقي والقاضي وأصحابه. والثاني: لا يجبرها، كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو اختيار أبي بكر [عبد العزيز بن جعفر] (٢). وهذا القول هو الصواب. والناس متنازعون في مناط الإجبار: هل هو البكارة، أو الصغر أو مجموعهما، أو كل منهما؟ على أربعة أقوال، وهي أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره. والصحيح: أن مناط الإجبار: هو الصغر، وأن البكر البالغ، لا يجبرها أحد على النكاح، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر"، فقيل له: البكر تستحي، فقال: "إذنها صماتها" (٣)، وفي لفظ في الصحيح: "والبكر يستأذنها أبوها" (٤)، فهذا نهي النبي

стр. 211

صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا تنكح حتى تستأذن"، وهذا يتناول الأب وغيره، وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة، وأن الأب نفسه يستأذنها. وأيضًا: فإن الأب ليس له أن يتصرف في مالها، فكيف يجوز أن يتصرف في بضعها، مع كراهتها ورشدها؟! وأيضًا: فإن الصغر سبب للحجر بالنص والإجماع، فتعليل الإجبار به تعليل بعلة ثابتة بالنص والإجماع. وأما جعل البكارة موجبة للحجر، فهذا مخالف [لأصول] (١) الإسلام فإن الشارع لم يجعل البكارة سببًا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها، فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له بالشرع. وأيضًا: فالذين قالوا بالإجبار: اضطربوا فيما إذا عينت كفؤًا، وعَيَّن الأب كفؤًا آخر، هل يؤخذ بتعيينها أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد، فمن جعل العبرة بتعيينها نقض

стр. 212

أصله، ومن جعل العبرة بتعيين الأب، كان في قوله من الفساد والضرر ما لا يخفى. فإن قيل: قد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها"، وفي رواية: "الثيب أحق بنفسها من وليها" (١)، فلما جعل الثيب أحق بنفسها من وليها دل على أن البكر ليست أحق، وليس ذلك إلا للأب والجد، وهذا عمدة المجبرين وهم تركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسكوا بدليل خطابه، ولم يعلموا مراد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. [وذلك أن] (٢) قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، يعم كل ولي، وهم يخصونه بالأب والجد. الثاني: [قوله:] (٣) "والبكر تستأذن"، و [هم] (٤) لا يوجبون استئذانها، بل قالوا: هو مستحب، حتى طرَّد بعضهم قياسه، وقالوا: لما كان مستحبًا اكتفى فيه بالسكوت، وادعى أنه حيث يجب استئذان البكر فلابد من النطق. وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مخالف

стр. 213

لإجماع المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه قد ثبت بالسنة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء: أنه إذا زوج البكر أخوها أو عمها، فإنه يستأذنها، وإذنها صماتها. وأما المفهوم: فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فرَّق بين البكر والثيب، كما قال في الحديث الآخر: "لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر"، فذكر في هذه لفظ الإذن، وفي هذه لفظ [الأمر] (١)، وجعل إذن هذه: الصمات، كما أن إذن تلك: النطق. فهذان هما الفرقان اللذان فرَّق بهما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين البكر والثيب، لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار، وذلك لأن البكر لما كانت تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها، بل تخطب إلى وليها، ووليها يستأذنها، فتأذن له، لا تأمره ابتداء، بل تأذن له إذا استأذنها، وإذنها صماتها. وأما الثيب فقد زال عنها حياء [البكر] (٢) فتتكلم بالنكاح، فتخطب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها، فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها، فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذن للبكر، فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي ﷺ . وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح، فهذا مخالف [للأصول] (٣) و [المعقول] (٤)، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يكرهها

стр. 214

على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟! (١). ثم إنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين، فقد أمر الله ببعث حكم من أهله وحكم من أهلها، والحكمان كما سماهما الله هما حكمان عند أهل المدينة، وهو أحد القولين للشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة. والقول الآخر: هما وكيلان، والأول أصح؛ لأن الوكيل ليس بحكم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل ولا يختص بحال الشقاق، ولا يحتاج في ذلك إلى نص خاص، ولكن إذا وقع الشقاق، فلابد من ولي يتولى أمرهما؛ لتعذر اختصاص أحدهما بالحكم على الآخر، فأمر الله تعالى أن يجعل أمرهما إلى اثنين من أهلهما، يفعلان ما هو الأصلح، من [جمع أو] (٢) تفريق بعوض، أو بغيره (٣).

стр. 215

وهنا يملك الحكم الواحد مع الآخر: الطلاق بدون إذن الرجل. ويملك الحكم الآخر مع الأول: [بذل] (١) العوض من مالها، بدون إذنها؛ لكونهما صارا وليين لهما. وطرد هذا القول: أن الأب يُطلِّق على ابنه الصغير والمجنون، إذا رأى المصلحة، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وكذلك يخالع عن ابنته، إذا رأى المصلحة لها. وأبلغ من ذلك: أنه إذا طلقها قبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف الصداق، إذا قيل: هو الذي بيده عقدة النكاح، كما هو قول مالك وأحمد، في إحدى الروايتين عنه، والقرآن يدل على صحة هذا القول، وليس الصداق كسائر مالها، فإنه وجب في الأصل نحلة، وبضعها عاد إليها من غير نقص، وكان إلحاق الطلاق بالفسوخ، فوجب أن لا يتنصف، لكن الشارع جبرها بتنصيف الصداق لما حصل لها من الانكسار به، ولهذا جعل ذلك عوضًا عن المتعة، عن ابن عمر والشافعي وأحمد في إحدى الروايات، فأوجبوا المتعة لكل
следующие страницы →