Полный текст (219 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وكل حق وَجب صرفه فِي مصَالح الْمُسلمين فَهُوَ حق على بَيت المَال، فَإِذا صرف فِي جِهَته كَانَ مُضَافا إِلَى بَيت المَال سَوَاء أخرج من حرز أم لَا. وكل مَا صَار من أَمْوَال الْمُسلمين إِلَى عماله أَو خرج مِنْهَا من أَيْديهم، فَحكم بَيت المَال جَار عَلَيْهِ فِي دخله وخرجه. أما مَا يسْتَحقّهُ مُسلم معِين أَو قوم مخصوصون من الْمُسلمين: كأربعة أَخْمَاس الْغَنِيمَة، وزكوات الْأَمْوَال، فَلَيْسَتْ فِي حُقُوق بَيت المَال؛ لِأَن الْغَنِيمَة مُسْتَحقَّة لمن حضر الْوَاقِعَة، وَالزَّكَاة لأصناف مَخْصُوصَة فَلَا يجوز صرفهَا فِي غَيرهم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: زَكَاة الْأَمْوَال الظَّاهِرَة، كاعتبار الزروع، وَالثِّمَار وصدقات الْمَوَاشِي من حُقُوق المَال يصرفهَا الإِمَام بِرَأْيهِ. وَكَذَلِكَ مَا يُؤْخَذ من أَمْوَال الْمُسلمين فِي تجاراتهم ومعايشهم من المكوس (٥١ / أ) والضرائب، فَإِن ذَلِك كُله ظلم بَين، وحيف مُتَعَيّن، وَلَيْسَ من بَيت المَال فِي شَيْء.
فصل (٩)
١٣٤ - إِذا ضَاقَ بَيت المَال عَن مصارفه، قدم مِنْهَا مَا يضر بِتَأْخِيرِهِ دينا عَلَيْهِ، كأرزاق الْجند وَنَحْوهَا.
стр. 107
فَإِن ضَاقَ عَن جَمِيع مصارفه فللسلطان أَن يقترض على بَيت المَال مَا يصرفهُ فِي مصارفه، وَهُوَ يُوفي ذَلِك إِذا اجْتمعت أَمْوَاله، وعَلى من ولي بعده أَمر الْمُسلمين قَضَاء ذَلِك إِن لم يتَّفق للمقرض قَضَاؤُهُ. وَإِن فضل مَال بَيت المَال عَن مصارفه: فقد قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: يدّخر الْفَاضِل لما يَنُوب الْمُسلمين من حَادث. وَمذهب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى: يصرف فِيمَا فِيهِ صَلَاح الْمُسلمين من الْجند وَعمارَة الْحُصُون، وَتَحْصِيل السِّلَاح والكراع وَغير ذَلِك من مصالحهم.
стр. 108
الْبَاب الْحَادِي عشر فِي فضل الْجِهَاد، ومقدماته، وَمن يتأهل لَهُ من حماته
١٣٥ - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لاهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله وَلَا يَرْغَبُوا بانفسهم عَن نَفسه ذَلِك بأنّهم لَا يصيبهم ظما وَلَا نصبٌ وَلَا مخمصةٌ فِي سَبِيل الله وَلَا يطؤن موطئاً يغِيظ الكفّار وَلَا ينالون من عدوٍ نيلاً إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عملٍ ٌ صالحٌ انّ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما﴾
стр. 109
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾
وَعَن النَّبِي [ ﷺ ] : " أفضل عمل الْمُؤمن، الْجِهَاد فِي سَبِيل الله ". وَسُئِلَ [ ﷺ ] : أَي النَّاس أفضل؟ فَقَالَ " مُؤمن يُجَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله ". وَقَالَ: " من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمهما على النَّار ". وَقَالَ: " الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله كالقانت الصَّائِم الَّذِي لَا يفتر حَتَّى يرجع إِلَى أَهله بِمَا رَجَعَ من أجر أَو وغنيمة أَو يتوفاه فيدخله الْجنَّة ".
стр. 110
وَقَالَ [ ﷺ ] : " عينان لَا تمسهما النَّار: عين بَكت من خشيَة (٥٢ / أ) الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله ". وَقَالَ [ ﷺ ] : " لغزوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ".
فصل (١)
١٣٦ - الْأَصَح أَن الْجِهَاد فِي عهد رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ فرض كِفَايَة، كَمَا هُوَ الْآن، لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كافّة فلولا نفرمن كل فرقةٍ مِنْهُم طائفةٌ﴾ وَقيل: كَانَ فرض عين على كل من كَانَ من أهل الْجِهَاد، لقَوْله تَعَالَى ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ وَأجِيب بِأَن ذَلِك يحمل على وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يصير فرض عين، وَعَلِيهِ قَوْله [ ﷺ ] : " واذا استنفرتم فانفروا ".
стр. 111
فصل (٢)
١٣٧ - الْجِهَاد قِسْمَانِ: فرض كِفَايَة، وَفرض عين. الْقسم الأول: فرض الْكِفَايَة:
١٣٨ - وَهُوَ الَّذِي إِذا قَامَ بِهِ من فِيهِ الْكِفَايَة سقط الْوُجُوب عَن البَاقِينَ، فَإِذا (٥٢ / ب) كَانَ الْكفَّار مستقرين فِي بِلَادهمْ لم يقصدوا بِلَاد الْإِسْلَام، وَلم يتَعَرَّضُوا لَهَا، فجهادهم فرض كِفَايَة: إِذا قَامَ بِهِ بعض الْمُسلمين سقط الْإِثْم عَن البَاقِينَ. ثمَّ إِن كَانَ الْمُسلمُونَ مستظهرين على عدوهم فَأَقل مَا يُجزئ فِي كل سنة غَزْوَة، فَلَا يجوز خلو دين الْإِسْلَام عَنْهَا، إِمَّا بِنَفس الإِمَام أَو نَائِبه فِي سَرِيَّة أَو جَيش وَنَحْوه، فَإِن عطل السُّلْطَان سنة من غير عذر أَثم، وَإِن دعت الْحَاجة إِلَى أَكثر من غَزْوَة فِي السّنة وَجب بِقدر الْحَاجة. وَإِن دعت الْحَاجة إِلَى تَأْخِيره عَن السّنة لضعف الْمُسلمين - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - أَو لقلَّة عَددهمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عدوهم أَو غير ذَلِك من الْأَعْذَار أَو إِلَى هدنة الْكفَّار، جَازَ تَأْخِيره عَن السّنة بِقدر الْحَاجة بذلك الْعذر لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] هادن قُريْشًا عشر سِنِين.
стр. 112
الْقسم الثَّانِي: الْجِهَاد الَّذِي هُوَ فرض الْعين:
١٣٩ - وَهُوَ الَّذِي يجب (٥٣ / أ) على كل أحد يُعينهُ، وَلَا يُجزئ فِيهِ أحد عَن أحد، وَهُوَ إِذا نزل الْكفَّار على بلد، فَإِن الْجِهَاد قد صَار فرض عين على كل قَادر عَلَيْهِ من أهل ذَلِك الْبَلَد، فَيجب عَلَيْهِم الدّفع والتهييء وَالتَّأَهُّب لذَلِك بِمَا يُمكنهُم، يَسْتَوِي فِي ذَلِك السَّيِّد وَالْعَبْد، والبالغ والمراهق، وَلَا يجب فِي الْحَال اسْتِئْذَان العَبْد سَيّده وَلَا الْوَلَد وَالِده، وَلَا من عَلَيْهِ الدّين صَاحبه، بل تجب الْمُبَادرَة إِلَيْهِ بِقدر الْحَاجة، فَإِن لم يكن فِي أهل ذَلِك الْبَلَد كِفَايَة فِي دفع الْعَدو النَّازِل بهم، وَجب على كل من قرب مِنْهُم النفير إِلَيْهِم ومساعدتهم على دفع الْعَدو عَنْهُم، ثمَّ على ذَلِك الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ كَذَلِك إِلَى أَن تحصل الْكِفَايَة، فَإِذا حصل سقط الْإِثْم عَن بَاقِي الْمُسلمين، وَلَا يعطل الْوُجُوب لعدم المركوب لمن دونه مَسَافَة الْقصر، بل يجب عَلَيْهِ النفير إِلَيْهِم، وَإِن كَانَ رَاجِلا وَكَانَ قَادِرًا على الْمَشْي (٥٣ / ب) . وَكَذَلِكَ إِذا أسر الْكفَّار مُسلما وَجب علينا النهوض إِلَيْهِم لخلاصه إِذا توقعنا خلاصه بذلك.
فصل (٣)
١٤٠ - الْجِهَاد الَّذِي هُوَ على الْكِفَايَة: إِنَّمَا يجب على الْمُسلمين، الْبَالِغين، الذُّكُور، الْعُقَلَاء، الْأَحْرَار، والأصحاء المستطيعين، وَمَتى فقد هَذِه الْأَوْصَاف السَّبْعَة لم تجب عَلَيْهِ.
стр. 113
فَلذَلِك لَا يجب: على أهل الذِّمَّة، وَالصبيان، والمجانين، وَالنِّسَاء، وَالْعَبِيد والمرضى بِمَا يمْنَع الْقِتَال، والفقراء العاجزين عَن مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من سلَاح وَغَيره لَهُم ولعيالهم فِي سفرهم. وَلَا يجوز اسْتِئْجَار الْمُسلم على الْجِهَاد، لِأَنَّهُ إِذا حضر الْقِتَال تعين عَلَيْهِ، فَيصير الْجِهَاد فِي حَقه فرض عين، وَفرض الْعين لَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ.
١٤١ - وَلَيْسَ مَا يَأْخُذهُ الأجناد من الْعَطاء والإقطاع أُجْرَة وَلَا مَا تَأْخُذهُ المتطوعة بِالْجِهَادِ من الصَّدقَات أجره، وَلكنه حق لَهُم، وَجعل لما أرصدوا نُفُوسهم لَهُ. (٥٤ / أ) أما الْجعَالَة على الْجِهَاد، وَأخذ الْجعل عَلَيْهِ: فجوزه مَالك وَأَبُو حنيفَة لما رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " للغازي أجره، وللجاعل أجره وَأجر الْغَازِي ". وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز الْغَزْو بِجعْل، لِأَن الْجِهَاد يتَعَيَّن عَلَيْهِ بالحضور، فَلَا يجوز أَخذ الْجعل عَلَيْهِ.
стр. 114
فصل (٤)
١٤٢ - يسْتَحبّ للسُّلْطَان وَغَيره أَن يرغب النَّاس فِي الْجِهَاد، وَأَن يبْذل لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من سلَاح وَغَيره.
١٤٣ - وَيكرهُ الْغَزْو بِغَيْر إِذن السُّلْطَان أَو الْأَمِير النَّائِب من جِهَته.
١٤٤ - وَلَا يجوز لمن عَلَيْهِ دين حَال أَن يُجَاهد بِغَيْر إِذن غَرِيمه، فَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا جَازَ، وَقيل: إِن قَامَ بِهِ كَفِيل جَازَ. وَقيل: إِن كَانَ من الأجناد المرتزقة جَازَ.
١٤٥ - وَلَا يجوز لمن أحد أَبَوَيْهِ أَو جده مُسلم أَن يُجَاهد بِغَيْر إِذْنه، فَإِن أذن الْأَب الْمُسلم أَو صَاحب الدّين ثمَّ رَجَعَ قبل حُضُور الْوَقْعَة رجعُوا، إِلَّا إِذا كَانَ (٥٤ / ب) فِي رجوعهم كسر قُلُوب الْمُسلمين أَو تخذيلهم فَلَا يجوز لَهُم ذَلِك. أما بعد حُضُور الْوَاقِعَة وَقيام الْقِتَال فَيجب المصابرة وَيحرم الرُّجُوع.
فصل (٥)
١٤٦ - لَا يستعان فِي الْجِهَاد بمشرك أَو ذمِّي إِلَّا إِذا علم السُّلْطَان حسن رَأْيه فِي الْمُسلمين وَأمن من خيانتهم، وَكَانَ الْمُسلمُونَ قَادِرين عَلَيْهِم لَو اتَّفقُوا مَعَ الْعَدو.
стр. 115
فَإِذا وجدت هَذِه الشُّرُوط الثَّلَاثَة جَازَت الِاسْتِعَانَة بهم. وَقيل: لَا يجوز استصحابهم فِي الْجَيْش مَعَ موافقتهم الْعَدو فِي المعتقد، فعلى هَذَا تكون الشُّرُوط أَرْبَعَة.
فصل (٦)
١٤٧ - يسْتَحبّ للسُّلْطَان إِذا أَرَادَ غزَاة أَن يورّي بغَيْرهَا؛ اقْتِدَاء برَسُول الله [ ﷺ ] ؛ وَلِأَن ذَلِك من مكايد الحروب، إِلَّا إِذا دعت الْحَاجة إِلَى اظهاره لبعد الشقة وكلفة ذَلِك السّفر وَنَحْو ذَلِك. وَيسْتَحب أَن يبْعَث الجواسيس والطلائع قبل الْخُرُوج وَبعده، ليطلع على أَخْبَار الْعَدو وقوته. (٥٥ / أ) ويبث الجواسيس فِي عَسْكَر الْعَدو أَيْضا إِن أمكن ليطلع على أخبارهم حَالا فحالا، فَيعلم مِنْهُم رُؤَسَاء الْعَدو، وعددهم؛ وفرسانهم، وَيُوجه إِلَيْهِم بضروب من الخداع، وتقوية الأطماع إِن أمكن. وَمن خدع الْحَرْب أَن ينشئ إِلَيْهِم كتبا وأجوبة مزورة
стр. 116
واخباراً مدلسة، وَيكْتب على السِّهَام وَيَرْمِي بهَا إِلَيْهِم، ويبث فِي عَسْكَرهمْ مَا يَنْفَعهُ فعله، وكل ذَلِك وَردت بِهِ السّنة. وَقَالَ [ ﷺ ] : " الْحَرْب خدعة " وَبِالْجُمْلَةِ، فَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْحِيَل فِي حُصُول الظفر أَولا، وَيكون الْقِتَال آخر مَا يرتكبه فِي نيل ظفره، فَإِن الْحَبل فِي الحروب وجودة الرَّأْي أبلغ من الْقِتَال، لِأَن الرَّأْي أصل والقتال فرع عَلَيْهِ، وَعنهُ يصدر، وَقد أَجَاد أَبُو الطّيب فِي قَوْله:
(الرَّأْي قبل شجاعة الشجعان ... هُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي)
((٥٥ / ب) فَإِذا هما اجْتمعَا لنفسٍ حرةٍ ... بلغت من العلياء كل مَكَان)
(ولربما طعن الْفَتى أقرانه ... بِالرَّأْيِ قبل تطاعن الفرسان)
стр. 117
فصل (٧)
١٤٨ - إِذا بعث السُّلْطَان أَو نَائِبه جَيْشًا أَو سَرِيَّة، فالسنّة أَن يُؤمر عَلَيْهَا أَمِيرا، ويعقد لَهَا الرَّايَة، ويوصيه بتقوى الله، ويوصيه بجيشه أَو سريته خيرا، كَذَلِك كَانَ يفعل رَسُول الله [ ﷺ ] ؛ وَلِأَنَّهُ أجمع لكلمتهم ورأيهم.
стр. 118
وَيَنْبَغِي أَن يكون أَمِير الْجَيْش أَو السّريَّة أَو الثغر ذَا شجاعة وبسالة، ورأي وحزم، كَمَا قدمنَا فِي بَاب الْإِمَارَة. وَإِذا مَاتَ أَمِير الْجَيْش أَو السّريَّة أَو الثغر وخافوا ضيَاعه، وَجب عَلَيْهِم أَن يؤمروا أحدهم كَمَا فعل أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ] فِي غزَاة مُؤْتَة لما تَأمر خَالِد بن الْوَلِيد ﵁، وَرَضي بِهِ النَّبِي [ ﷺ ] . فَإِن كَانَ السُّلْطَان مَعَ الْجَيْش، فالسّنة أَن يعْقد لنَفسِهِ ولأجناده الرَّايَات والألوية (٥٦ / أ) ، وَأَن يكون لكل قوم راية يعْرفُونَ بهَا، ويرجعون إِلَيْهَا، وَتَكون الرَّايَات مُخْتَلفَة الألوان والأشكال، وَقد نبهت على ذَلِك وشرحته فِي كتاب " مُسْتَند الأجناد فِي آلَات الْجِهَاد ". وَيَنْبَغِي أَن يكون صَاحب الرَّايَة: من أثبت النَّاس جنَانًا، وأصدقهم بَأْسا، وأربطهم جأشاً، وأصبرهم على مُلَابسَة الْأَهْوَال، وَدفع الْأَبْطَال، لِأَن الرَّايَة هِيَ مرد الْجَيْش وعلامة أَهله.
فصل (٨)
١٤٩ - السنّة أَن يكون الْخُرُوج للْجِهَاد بكرَة يَوْم الْخَمِيس اقْتِدَاء برَسُول الله [ ﷺ ] ، فَإِن فَاتَهُ الْخَمِيس فالإثنين أَو السبت. وَيسْتَحب أَن
стр. 119
يستنصر بالصلحاء والضعفاء ويسألهم الدُّعَاء، لقَوْله [ ﷺ ] " إِنَّمَا تنْصرُونَ وترزقون بضعفائكم ". ويجتهد عِنْد ارادة سَفَره فِي تَقْدِيم مَا يُرْضِي الله تَعَالَى من رد الْمَظَالِم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وأفعال الْبر، وَأَن يسْتَخْلف على الرّعية الْمُخلفين بعده من هُوَ (٥٦ / ب) أصلح لَهُم، فَفِي الحَدِيث ورد جَمِيع ذَلِك، وقصدنا اختصاره لاختصار الْكتاب.
فصل (٩)
١٥٠ - السّنة للسُّلْطَان أَو نَائِبه أَن يعرض من مَعَه فِي الْجَيْش من الْمُقَاتلَة المرتبين فِي الدِّيوَان والمتطوعين من غَيرهم، ويتصفح أَحْوَالهم فِي خيولهم، وعددهم وأسلحتهم، ودوابهم وأتباعهم. وَلَا يَأْذَن لمخذّل، وَلَا لمن يرجف الْمُسلمين، وَلَا لمن يتَوَهَّم أَنه عين لِلْعَدو. والمخذّل: من يخوف النَّاس بِكَثْرَة الْعَدو أَو ضعف الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك. والمرجف: من يَحْكِي مَا يضعف بِهِ قُلُوب الْمُسلمين من قتل كَبِير فيهم أَو كسر سَرِيَّة مِنْهُم أَو هزيمَة بَعضهم أَو مجىء مدد لِلْعَدو.
стр. 120
فَإِن حضر المخذل أَو المرجف الصَّفّ، وقاتلوا، فلاشيء لَهُم من الْغَنِيمَة. وَلَا يَأْذَن لطفل وَلَا مَجْنُون، وَيجوز الْإِذْن للمراهق وَالْمَرْأَة إِذا كَانَ فيهمَا جلادة وغناء فِي الْحَرْب أَو نفع للمجاهدين من حفظ مَتَاع أَو خدمَة أَو مداواة جرحى أَو معالجة مرضى، فقد دلّت السّنة الصَّحِيحَة (٥٧ / أ) على ذَلِك.
فصل (١٠)
١٥١ - يَنْبَغِي أَن لَا يدْخل الْحَرْب من الْخَيل وَالدَّوَاب ضَعِيفا وَلَا كسيراً وَلَا حطيما كَبِيرا وَلَا ضرعاً صَغِيرا لِأَنَّهَا لَا تغني، وَرُبمَا كَانَ دُخُولهَا وَهنا على الْجَيْش لوهن صَاحبهَا بِسَبَبِهَا. ويتفقد مَا يحمل وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من صَلَاح وَمؤنَة. ويتفقد السِّلَاح والآلات الْمُحْتَاج إِلَيْهَا.
стр. 121
وَيكرهُ الْأَجْرَاس فِي أَعْنَاق الدَّوَابّ لقَوْله [ ﷺ ] " لَا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا كلب أَو جرس ". وَنهى أَن تقلد الْخَيل الأوتار، فَقيل: لكيلا تخنق بهَا عِنْد الجري. وَقيل: لأَنهم كَانُوا يعلقون فِيهَا الْأَجْرَاس.
فصل (١١)
١٥٦ - يجب على مقدم الْجَيْش أَن يرفق بهم فِي السّير إِلَّا لضَرُورَة إِلَى خِلَافه، لِأَن الرِّفْق بهم أحفظ لقوتهم، وَأبقى لدوابهم. وسير آخر اللَّيْل مُسْتَحبّ وَسنة، وَيكرهُ فِي أَوله. وعَلى الْمُقدم فيهم أَن يهتم لجيشه بتحصيل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من زَاد وعلوفة، وتيسير (٥٧ / ب) ذَلِك عَلَيْهِم بالإعانة على جلبة إِلَى مَوَاطِن حاجاتهم إِلَيْهِ، وتسهيل مَوَاضِع مِيَاههمْ. ويتحرى فِي سيرهم ونزولهم مَا هُوَ أرْفق بهم وبدوابهم، لِكَثْرَة المرعى والمياه، وَمَا يكون، أيسر سلوكاً، وأسهل مسيرًا، وأحرس أكنافا.
стр. 122
فصل (١٢)
١٥٣ - على أَمِير الْجَيْش أَن يَأْخُذهُمْ بِحُقُوق الله الْمعينَة، وحدوده المبينة، وَإِقَامَة شَعَائِر أَحْكَام الدّين، والإنصاف بَين المتشاجرين، وإعانة المظلومين على الظَّالِمين، فَفِي الحَدِيث: (مَا أفسد جيشٌ إِلَّا سلط عَلَيْهِ الرَّعْلَة، وَلَا غلّ جيشٌ إِلَّا قذف الله فِي قُلُوبهم الرعب، وَلَا زنا جَيش قطّ إِلَّا سلّط عَلَيْهِم الموتان) . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁: أَيهَا النَّاس، اعْمَلُوا صَالحا قبل الْغَزْو، فَإِنَّمَا تقاتلون بأعمالكم، وَلِأَن من عرض نَفسه للقاء وَالْقَتْل فِي سَبيله فَهُوَ جدير بِأَن يصلح عمله، وَيحسن خاتمته، وَيقبل على الله بكليته، لينال إِحْدَى الحسنيين: إِمَّا شَهَادَة (٥٨ / أ) على حسن عمل، أَو سَلامَة وغنيمة مَعَ طول أجل.
فصل (١٣)
١٥٤ - يَنْبَغِي لأهل الْجَيْش أَلا يشتغلوا بِمَا يشغل قُلُوبهم من تِجَارَة أَو زراعة أَو بِنَاء رباع للمباهاة؛ لِأَن ذَلِك كُله يشغل عَن صدق النِّيَّة فِي الْجِهَاد، ويصد عَن المصابرة عِنْد اللِّقَاء ويفتر الْعَزْم عَن طلب الشَّهَادَة.
стр. 123
وَفِي الحَدِيث: " إِن نبيّاً من الْأَنْبِيَاء غزا، فَقَالَ: لَا يغزون مَعَ رجل بنى بِنَاء لم يكلمهُ، وَلَا رجل تزوج امْرَأَة لم يدْخل بهَا، وَلَا رجل زرع زرعا لم يحصده ".
فصل (١٤)
١٥٥ - على مقدم الْجَيْش أَن يحسن سياسته وحراسته؛ بِحِفْظ المكامن والتحرز من غرو الْعَدو، وَأَن يحوط سوادهم بحرس يحرسهم فِي أَوْقَات الرَّاحَة والدعة فِي نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ. وَلَا يحتقر الْعَدو، وَإِن كَانَ ذليلاً، وَلَا يأمنه وَإِن كَانَ حَقِيرًا، فكم أسهر برغوث بطلاً جسيماً، وَمنع الرقاد ملكا عَظِيما. وَفِي الحَدِيث: (الحزم سوء الظَّن) . ولبعض الشُّعَرَاء:
(٥٨ / ب) فَلَا تحقرن عدوا رماك ... وَإِن كَانَ فِي ساعديه قصر)
(فَإِن السيوف تجزّ الرّقاب ... وتعجز عَمَّا تنَال الإبر)
стр. 124
وَكَذَلِكَ يتحَرَّى فِي منازلتهم الْعَدو؛ وَمَا هُوَ أرْفق بهم مقَاما، وَأكْثر ماءاً، وَأَعْدل هواءاً وأحرس أكنافا، وَأقرب إِلَى الظفر، وأعون على الْعَدو. ويراعي مصلحَة ضعيفهم وقويهم، وأميرهم وسوقيهم، فَإِن بَعضهم عون لبَعض.
فصل (١٥)
١٥٦ - يسْتَحبّ أَن يشاور أهل التجارب والرأي فِيمَا أعضل، وَيرجع إِلَى ذَوي الحزم وَالْعلم فِيمَا أشكل، وَيَأْخُذ مَا عِنْدهم، فَإِن ذَلِك أقرب إِلَى الحزم وَالظفر، وَأبْعد عَن الْخَطَأ والخطر. قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه [ ﷺ ] : ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ .
قَالَ الْحسن: كَانَ وَالله غَنِيا عَن مشاورتهم، وَلَكِن أَرَادَ أَن يسن للْأمة، وَعنهُ: مَا تشَاور قوم إِلَّا هُدُوا لأَرْشَد أُمُورهم. وَقيل: من كثرت مشاورته، حمدت إمارته.
стр. 125
وَلِأَن فِي المشورة تطييب الْقُلُوب (٥٩ / أ) ، واجتماع الْكَلِمَة، وَظُهُور الحكم، وَرب رَأْي صَحِيح لَا يبديه صَاحبه قبل أَن يسْأَل عَنهُ، وَلَا سِيمَا مَعَ الْمُلُوك والعظماء، لما فِي النُّفُوس من مهابتهم وتعظيمهم، وَلِأَن الْأَدَب مَعَهم يَقْتَضِي ذَلِك، فَإِذا بسطوا بِسَاط الْمُشَاورَة انْشَرَحَ الصَّدْر لإِظْهَار الرَّأْي.
والحكماء يعدون المشورة من أساس المملكة وقواعد السلطنة وَمَا زَالَت الْمُشَاورَة من عادات الْأَنْبِيَاء، حَتَّى أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵊ أَمر بِذبح وَلَده عَزمَة، وَمَعَ ذَلِك لم يدع مشاورته مَعَ صباه. قَالَ بعض الْحُكَمَاء: يَنْبَغِي للْملك أَن يستشير خَالِيا، فَإِنَّهُ أحزم فِي الرَّأْي، وَأبْعد عَن غائلة الحقد من بعض على بعض، ثمَّ يظْهر ذَلِك للْجَمَاعَة، وَيرجع إِلَى مَا يتَرَجَّح أَنه الصَّوَاب. وَقيل: من طلب الرُّخْصَة عِنْد المشورة أَخطَأ رَأْيه، أَو فِي المداواة زَاد مَرضه، أَو فِي الْفتيا أَثم. وَقيل: أصدق الْخَبَر تصدقك المشورة.
стр. 126
الْبَاب الثَّانِي عشر فِي كَيْفيَّة الْقِتَال (٥٩ / ب) وَالصَّبْر على مقارعة الْأَبْطَال
١٥٧ - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ وَقَالَ بعض الْعلمَاء: جمع الله تَعَالَى لنا فِي هَذِه الْآيَة جَمِيع آدَاب الحروب. أول مَا يبْدَأ السُّلْطَان أَو نَائِبه بِقِتَال من يَلِيهِ من الْكفَّار، لقَوْله
стр. 127
تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظةً وَاعْمَلُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
ثمَّ كَذَلِك الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. وَإِذا دخل الْجَيْش دَار الْحَرْب أَمر بالتعبئة لَهُ، والتحصن بِلبْس آلاته، وسلاحه، كَمَا فعل النَّبِي [ ﷺ ] بِأَصْحَابِهِ ببدر؛ وَلِأَن ذَلِك أحوط، وأهيب عِنْد نزُول الْعَدو. وَأَن يَجْعَل لكل طَائِفَة شعاراً يعْرفُونَ بِهِ، ليتميز الْمُسلم عَن الْكَافِر عِنْد اللِّقَاء. وَكَانَ شعار الْمُسلمين يَوْم بدر (حم لَا ينْصرُونَ) وَفِي غَزْوَة أُخْرَى (يَا مَنْصُور (٦٠ / أ) أمت)
стр. 128
فصل (١)
١٥٨ - وَلَا يُقَاتل من لم تبلغه الدعْوَة الإسلامية - شرفها الله تَعَالَى وعظمها - حَتَّى يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام قبل الْقِتَال، فَإِن كَانُوا مِمَّن بلغتهم الدعْوَة اسْتحبَّ ذَلِك قبل الْقِتَال، وَلَا يجب؛ لأَنهم قد علموه فَيجوز بياتهم أَيْضا، ثمَّ إِن كَانُوا مِمَّن لَا يقرونَ بالجزية: كعباد الْأَوْثَان، وَالْمَلَائِكَة، والأصنام، قَاتلهم إِلَى أَن يسلمُوا، وَلَا يقبل مِنْهُم غير ذَلِك. وتسبى نِسَاؤُهُم، وَأَوْلَادهمْ، وتنهب أَمْوَالهم. وَإِن كَانَ مِمَّن يقر بالجزية: كاليهود، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس، قَاتلهم إِلَى أَن يسلمُوا أَو يبذلوا الْجِزْيَة ويلتزموا أَحْكَام الذِّمَّة، وحكمهم فِي السَّبي والنهب إِذا قوتلوا كغيرهم.
فصل (٢)
١٥٩ - ويرتب زعيم الْجَيْش جَيْشه عِنْد المصاف، كَمَا فعل رَسُول الله [ ﷺ ] يَوْم بدر، ويعول فِي كل جِهَة (٦٠ / ب) على من يرَاهُ كُفؤًا لَهَا ويرتب
стр. 129
الكمين من كل جِهَة يخْشَى فِيهَا من كمين؛ كَمَا فعل رَسُول الله [ ﷺ ] فِي أحد، ويمد كل جِهَة يمِيل الْعَدو عَلَيْهَا بمدد، يقويها بِهِ. وَيُقَوِّي نفوس الْجَيْش بِذكر أَسبَاب الظفر والنصر وبتقليل الْعَدو وَضَعفه وتخاذله واختلافه وَشبه ذَلِك، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ يريكموهم إِذا لتقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا﴾
١٦٠ - ويحرض النَّاس على الْقِتَال، وَالصَّبْر عَلَيْهِ، والثبات لَهُ، وَيذكر مَا أعد الله تَعَالَى لَهُم من علو الدَّرَجَات، وعظيم القربات، وأنواع الكرامات. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ وَلِأَن رَسُول الله [ ﷺ ] خرج يَوْم بدر من الْعَريش يحرض النَّاس على الْجِهَاد فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يقاتلهم الْيَوْم رجل فَيقْتل (٦١ / أ) صَابِرًا محتسباً مُقبلا غير مُدبر إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة ".
стр. 130
وَقَالَ فِي موطن آخر: " إِذا لقيتموهم فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف ". وَبِالْجُمْلَةِ، ففضائل ذَلِك لَا تحصى فيذكر مِنْهُ مَا يحضر، ويرغب أهل الْآخِرَة بِمَا عِنْد الله تَعَالَى من الْأجر وَالثَّوَاب الجزيل، ويرغب أهل الدُّنْيَا بالنصر وَالْغنيمَة وَالنَّفْل، كَمَا سَيذكرُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى؛ لِأَن الله تَعَالَى جمع بَينهمَا فِي ترغيبه فِي الْقِتَال فَقَالَ: ﴿وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا﴾ وَقيل: ثَوَاب الدُّنْيَا، الْغَنِيمَة. وثواب الْآخِرَة، الْجنَّة.
فصل (٣)
١٦١ - وَيَنْبَغِي أَن يُوصي الْجَيْش جَمِيعه أَنه إِن حصلت - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - هزيمَة فموعدنا مَوضِع كَذَا، وَإِن حصلت أُخْرَى فموعدنا كَذَا، ليتقوى الْجَيْش بعضه بِبَعْض عِنْد اجتماعه، إِمَّا لِكَثْرَة الْقِتَال أَو للتحصن (٦١ / ب) من بيات أَو غَلَبَة.
стр. 131
فصل (٤)
١٦٢ - يسْتَحبّ عِنْد التقاء الصفين: الدُّعَاء، والاستنصار، والإكثار من ذكر الله تَعَالَى وَالتَّكْبِير من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت، لِأَن الله تَعَالَى علق رَجَاء الْفَلاح بذلك فَقَالَ: ﴿واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَاخْبَرْ عَن جَيش طالوت أَنهم لما دعوا الله تَعَالَى بِالصبرِ والثبات والنصر، هزموا أعداءهم. وَمن دُعَاء النَّبِي [ ﷺ ] عِنْد لِقَاء الْعَدو: (اللَّهُمَّ منزل الْكتاب، ومجرى السَّحَاب، وهازم الْأَحْزَاب، اهزمهم وَانْصُرْنَا عَلَيْهِم.) وَقَالَ لما نزل خَيْبَر: (الله أكبر، خربَتْ خَيْبَر) وَكَانَ إِذا لم يُقَاتل أول النَّهَار، آخر الْقِتَال حَتَّى تَزُول الشَّمْس، وتهب الرِّيَاح، وَينزل النَّصْر. وَهَذَا على حسب الْأَحْوَال وَمَا يَقْتَضِيهِ الْوَقْت.
стр. 132
فصل (٥)
١٦٣ - الأَصْل الْأَعْظَم أَن يَنْوِي كل مُجَاهِد بقتاله نصر دين الله وإعلاء كَلمته، وَإِبْطَال مَا يُخَالف الْإِسْلَام، وَأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا، فبذلك يحصل الْأجر وَالثَّوَاب (٦٢ / أ) الجزيل، ويسهل عَلَيْهِ مَا يلاقيه فِي نَفسه وَمَاله. وليحذر فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي تبَاع فِيهَا الْأَرْوَاح، وتنال فِيهَا الأرباح، أَن يقْصد بجهاده مغنما، أَو إقطاعاً، أَو حمية لغير الله تَعَالَى، أَو إِظْهَار شجاعة أَو رِيَاء أَو سمعة، فَإِن ذَلِك خسران ظَاهر وغبن متظاهر. فقد صَحَّ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه سُئِلَ عَن الرجل يُقَاتل للمغنم، وَيُقَاتل للذّكر، وَيُقَاتل ليرى مَكَانَهُ، فَمن فِي سَبِيل؟ فَقَالَ: " من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا، فَهُوَ فِي سَبِيل الله ". فَدلَّ بذلك أَن مَا سواهُ لَيْسَ فِي سَبِيل الله.
فصل (٦)
١٦٤ - مصابرة الْعَدو عِنْد التقاء الصفين وجلاد الجمعين، من أعظم القربات وَأفضل الْعِبَادَات، والآيات وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك وفضله كثير
стр. 133
كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا﴾ وَكَقَوْلِه: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ انفسهم واموالهم بِأَن لَهُم الجنّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التّوراية وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ ﴿٦٢ / ب﴾ وَكَقَوْلِه [ ﷺ ] : " الْجنَّة تَحت ظلال السيوف ". قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ الدنو من الْقرن حَتَّى يعلوه ظلّ سَيْفه وَلَا يولي عَنهُ.
فصل (٧)
١٦٥ - يَنْبَغِي أَن يتحفظ بسلاحه لوقت الْحَاجة إِلَيْهِ، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ يَوْم بدر: " إِذا أكثبوكم فَعَلَيْكُم بالنّبل، واستبقوا نبلكم ".
стр. 134
مَعْنَاهُ: وَلَا ترموهم على بعد فيضيع عَلَيْكُم نبلكم، بل إِذا دنوا مِنْكُم وقاربوكم، فارموهم، وَفِي رِوَايَة: " إِذا أكثبوكم فارموهم، وَلَا تسلّوا السيوف حَتَّى يغشوكم " وَمن عجز عَن الْقِتَال لإثخان جراحه أَو عدم سلَاح، أَو مرض مَانع أَو تلف فرسه وَلم يقدر على الْقِتَال رَاجِلا، جَازَ لَهُ أَن ينْصَرف لهَذِهِ الْأَعْذَار، وَيَنْوِي بانصرافه أَنه متحرف لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة لِئَلَّا يكون مولّياً.
فصل (٨)
١٦٦ - إِذا لم يزدْ عدد الْكفَّار على مثلي عدد الْمُسلمين مَعَ تقاربهم فِي الْقُوَّة والضعف، فالهزيمة حرَام، ومعصية كَبِيرَة، تسْقط الْعَدَالَة (٦٣ / أ) إِلَّا أَن يكون متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة؛ لِأَن الله
стр. 135
تَعَالَى أوجب على الْمِائَة أَن يثبتوا للمائتين، وعَلى الْألف أَن يثبتوا للألفين، فَمن انهزم من غير عذر - كَمَا قدمنَا - فقد ارْتكب كَبِيرَة، وباء بغضب من الله، نَعُوذ بِاللَّه من غَضَبه. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن يولهّم يومئذٍ دبره إِلَّا متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فئةٍ فقد بَاء بغضبٍ من الله وماويه جهنّم وَبئسَ الْمصير﴾
فدلت الْآيَة على أَن الْهَزِيمَة من غير عذر من الْكَبَائِر الْعِظَام، وموبقات الآثام. والمتحرف لِلْقِتَالِ: هُوَ الَّذِي يستجر الْعَدو إِلَى مَوضِع أعون على الْقِتَال، أَو لكمين رتّبه، أَو ليكمن لَهُم فِي مَوضِع هُوَ أَشد عَلَيْهِم كالتحول من متسع إِلَى مضيق لَهُم، أَو مضيق لَهُ إِلَى متسع عَلَيْهِ، أَو لاستقبال شمس أَو ريح وَشبه ذَلِك. والمتحيز إِلَى فِئَة: هُوَ الَّذِي ينْصَرف لقصد طَائِفَة يستنجدها أَو ينجدها أَو شبه ذَلِك. هَذَا كُله عِنْد الْقُدْرَة على الْقِتَال. فَإِن عجز عَن الْقِتَال (٦٢ / ب) مُطلقًا - كَمَا قدمْنَاهُ - جَازَ الِانْصِرَاف، إِلَّا أَن يكون فِي انْصِرَافه هزيمَة الْمُسلمين وخذلانهم دون ثباته.
стр. 136
فصل (٩)
١٦٧ - إِذا زَاد عدد الْكفَّار على ضعف عدد الْمُسلمين مَعَ تقاربهم فِي الْقُوَّة والضعف، كَمَا إِذا التقى ألف من أبطالنا بِثَلَاثَة آلَاف أَو أَلفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ من أبطالهم مثلا. فقد قيل: لَا تجوز الْهَزِيمَة بِحَال. وَالأَصَح: جَوَاز ذَلِك. لَكِن إِن ظنُّوا الظفر بالعدو إِن ثبتوا، فَيَنْبَغِي الثَّبَات، وَإِن غلب على ظنهم الْهَلَاك إِن ثبتوا وَجب الْفِرَار حَقنا لدماء الْمُسلمين، وإبقاء عَلَيْهِم، إِلَّا أَن يكون فِي ثباتهم نكاية بالكفار فَلَا يجب الْفِرَار.
فصل (١٠)
١٦٨ - أما إِذا لم يتقاربوا فِي الْقُوَّة والضعف، كألف من أبطالنا فِي قبالة أَلفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ من ضعفائهم، فَإِنَّهُ لَا تجوز الْهَزِيمَة بِحَال. وَكَذَا لَو كَانَ ألف من ضعفائنا فِي قبالة ألف وَتِسْعمِائَة أَو خَمْسمِائَة من أبطالهم، فَالْأَصَحّ: جَوَاز الْهَزِيمَة مُرَاعَاة (٦٤ / أ) للأوصاف فِي الْقُوَّة والضعف، وَهَذَا كُله فِي التقاء الْجَمَاعَة مَعَ الْجَمَاعَة لقُوَّة بَعضهم بِبَعْض لَا فِي الْوَاحِد.
стр. 137
أما الْمُسلم الْوَاحِد، فَيجوز لَهُ الْهَزِيمَة من الْكَافرين، وَلَا يجب عَلَيْهِ ملاقاتهما، لما قدمْنَاهُ من قُوَّة الْجَمَاعَة بَعضهم بِبَعْض، إِلَّا أَن يعلم من نَفسه الْقُوَّة عَلَيْهِمَا، وَيجوز للنِّسَاء وَالصبيان الْهَزِيمَة بِكُل حَال؛ لأَنهم لَيْسُوا من أهل الْقِتَال.
فصل (١١)
١٦٩ - لَا يجوز لزعيم الْجَيْش من سُلْطَان أَو غَيره أَن يبارز بِنَفسِهِ؛ لما فِي ذَلِك من وَهن الْجَيْش بمصابه إِن أُصِيب. وَإِنَّمَا بارز النَّبِي [ ﷺ ] أُبيَّ بن خلف يَوْم أحد وَقَتله؛ لِأَنَّهُ كَانَ واثقاً بنصر الله تَعَالَى لَهُ، بِخِلَاف غَيره من زعماء الجيوش.
١٧٠ - أما غير زعيم الْجَيْش فَيجوز لَهُ المبارزة إِذا علم من نَفسه بلَاء فِي الْحَرْب وَقُوَّة على قراع الْأَبْطَال، وَيجوز لَهُ الدُّعَاء إِلَيْهَا، والاجابة إِلَى من دَعَاهُ إِلَيْهَا أَيْضا. (٦٤ / ب) وَالْمُسْتَحب أَلا يبارز وَلَا يُجيب من دَعَاهُ إِلَّا باذن زعيم الْجَيْش؛ لِأَن لَهُ نظرا فِي تعْيين الْأَبْطَال.
стр. 138
وَلما خرج يَوْم بدر عتبَة والوليد ودعوا إِلَى المبارزة، أَمر النَّبِي [ ﷺ ] عليا وَحَمْزَة وَعبيدَة بن الْحَارِث فبرزوا إِلَيْهِم، فَقتل حَمْزَة عتبَة، وَقتل عَليّ الْوَلِيد، وأثخن كل وَاحِد من عُبَيْدَة وَشَيْبَة صَاحبه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز أَن يبتدأ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهَا، فَإِن دَعَا الْكَافِر إِلَى المبارزة اسْتحبَّ لمن عرف فِي نَفسه الْقُوَّة أَن يجِيبه. فَإِن شَرط الْكَافِر أَن لَا يقاتله غَيره، وَفِي لَهُ بذلك إِلَّا أَن ينهزم أَو يثخن الْمُسلم، فَإِن شَرط أَن يتَعَرَّض لَهُ حَتَّى يرجع إِلَى الصَّفّ، وَفِي لَهُ بِشُرُوطِهِ.
فصل (١٢)
١٧١ - يجوز للْمُسلمِ أَن يقتل من ظفر بِهِ من الْكفَّار الْمُحَاربين سَوَاء كَانَ مُقَاتِلًا أَو غير مقَاتل، وَسَوَاء كَانَ مُقبلا أَو مُدبرا؛ لقَوْله تَعَالَى:
стр. 139
(٦٥ / أ) ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد﴾
١٧٢ - وَيكرهُ الْمُسلم أَن يقتل أَبَاهُ الْكَافِر أَو قَرِيبه، إِلَّا إِذا ذكر الله تَعَالَى أَو رَسُوله بِسوء، أَو كَانَ فِي بَقَائِهِ هزيمَة للْمُسلمين، فَحِينَئِذٍ يقْتله، وَلَا يكره لَهُ ذَلِك.
١٧٣ - وَالأَصَح: أَن الراهب وَالشَّيْخ الضَّعِيف وَالْأَعْمَى والمزمن، يقتلُون أَيْضا بِكُل حَال، وَقيل: إِن لم يكن لَهُم رَأْي فِي الْحَرْب، وَلم يقاتلوا لم يقتلُوا، أما إِذا قَاتلُوا أَو كَانَ لَهُم رَأْي فِي الْحَرْب قتلوا بِلَا خلاف؛ لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] لم يُنكر على قَاتل دُرَيْد بن الصمَّة يَوْم هوَازن، وَكَانَ لَهُ مائَة وَعِشْرُونَ سنة؛ وَقيل: وَسِتُّونَ سنة، لِأَنَّهُ كَانَ صَاحب رَأْي فِي الْحَرْب، وَكَانَ قد أَشَارَ عَلَيْهِم أَلا يصحبوا الذَّرَارِي.
١٧٤ - وَلَا يجوز قتل نسَاء الْكفَّار، وَلَا ذَرَارِيهمْ إِلَّا إِذا قَاتلُوا أَو تترس بهم الْكفَّار، ودعت الضَّرُورَة إِلَى قَتلهمْ (٦٥ / ب) ورميهم، وَسَيَأْتِي حكمهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 140
١٧٥ - وَلَا يجوز قتل رَسُول الْكفَّار؛ لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ لرَسُول " لَوْلَا أَن الرَّسُول لَا يقتل لضَرَبْت عُنُقك "؛ وَلِأَن انتظام الْمصَالح يمْنَع ذَلِك.
فصل (١٣)
١٧٦ - يجوز محاصرة الْكفَّار فِي حصونهم وقلاعهم، وَأخذ الْبعُوث عَلَيْهِم، وَتَشْديد الْأَمر عِنْد الدُّخُول وَالْخُرُوج، وَقطع الْميرَة، وتغوير الْمِيَاه، وَقطع الْأَنْهَار وَالْأَشْجَار، واضرام النَّار، وَالرَّمْي بالنفط أَو المنجنيق، وتخريب مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿واحصروهم﴾ . وَلِأَن النَّبِي [ ﷺ ] حاصر الطَّائِف، ورماه بالمنجنيق، وَحرق كرومه وَحصر بني النَّضِير، وَحرق نَخْلهمْ. فَإِن غلب على ظَنّه حُصُول ذَلِك للْمُسلمين وَلم تدع لذَلِك حَاجَة فَالْأولى أَن لَا يَفْعَله.
стр. 141
وَيقتل الْخَنَازِير، وتراق الْخُمُور، ويتلف (٦٦ / أ) كل مَالا يجوز أَن ينْتَفع بِهِ من كتبهمْ.
١٧٧ - وَلَا يجوز عقر الْخَيل وَلَا إِتْلَاف غَيرهَا من الْحَيَوَان الْمُحْتَرَم إِلَّا لحَاجَة إِلَى ذَلِك لمأكله أَو دفع عَدو. فَإِن غنمنا مِنْهُم الْخَيل وَغَيرهَا من الْحَيَوَان فلحقونا وعجزنا عَن دفعهم، وخفنا أَن يتقووا بذلك علينا، جَازَ لنا عقر الْحَيَوَان واتلاف المَال. أما النِّسَاء وَالصبيان فَلَا نقتلهم، وَإِن خفنا لُحُوق الْكفَّار واستردادهم منا
فصل (١٤)
١٧٨ - إِذا حاصر الْمُسلمُونَ قلعة، فَطلب أَهلهَا أَن ينزلُوا على حكم حَاكم، جَازَ، بِشَرْط أَن يكون عدلا ثِقَة مَأْمُونا، وَلَا يحكم إِلَّا بِمَا فِيهِ الْحَظ للْمُسلمين، كَمَا حكم سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة لما سَأَلُوا أَن ينزلُوا على حكمه. فَحكم بقتل مقاتلهم وَسبي ذَرَارِيهمْ. وَلَا يمْنَع من محاصرة حصونهم، ورميهم بالنَّار والمجانيق إِلَّا أَن يكون
стр. 142
أَسِير مُسلم أَو تَاجر أَو نِسَاؤُهُم وأطفالهم وَاحْتمل إصابتهم؛ لِأَن ذَلِك يصير وَسِيلَة إِلَى ترك (٦٦ / ب) مقاتلهم فِيهَا.
فصل (١٥)
١٧٩ - إِذا تترس الْكفَّار فِي حَال الْقِتَال بأسرى الْمُسلمين أَو الذميين لم يجز رميهم إِلَّا إِذا كَانَ الْكَفّ عَنْهُم يضر بِالْمُسْلِمين، وتكثر نكاية الْكفَّار فيهم، فَحِينَئِذٍ يجوز رميهم على قصد قتال الْكفَّار، ويتوقى الْمُسلمين بِقدر الْإِمْكَان. وَمن أصَاب فِي هَذِه الْحَالة مُسلما فيهم فَقتله، ثمَّ علم بقتْله لم يجب عَلَيْهِ الْقصاص، وَلَا دِيَة، إِذا لم يعلم عِنْد الرَّمْي أَن عين الْمَقْصُود بِالرَّمْي كَانَ مُسلما، وَإِنَّمَا تجب الْكَفَّارَة. وَحكم الْأُسَارَى والسبي، وَالْأكل من أَمْوَال الْكفَّار فِي دَار الْحَرْب وَمَا يتَعَلَّق بذلك يذكر فِي بَاب الْغَنَائِم مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فصل (١٦)
١٨٠ - إِذا فتح الله تَعَالَى بنصر الْمُسلمين على عدوهم، وَفتح بِلَادهمْ، وَلم يخشوا مَا يخَاف، فَيُسْتَحَب الْإِقَامَة ثَلَاثًا فِي مَكَان النَّصْر، لما روى أَبُو طَلْحَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا ظهر على قوم أَقَامَ بالعرصة ثَلَاثًا.
стр. 143
وسر ذَلِك، وَالله (٦٧ / أ) تَعَالَى أعلم: إراحة الْأَبدَان، وتذاكر النِّعْمَة بالنصر، وتجديد الشُّكْر عَلَيْهِ، واظهار الْقُوَّة، وَالْجَلد على الْأَعْدَاء. وَيكرهُ نقل رُؤُوس قَتْلَى الْكفَّار. وَقيل إِن كَانَ فِي نقلهَا نكاية لم يكره بل يسْتَحبّ.
فصل (١٧)
١٨١ - يسْتَحبّ تلقي الْغُزَاة، لوُرُود السّنة بذلك، وَكَانَ الصَّحَابَة يخرجُون لتلقي رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا قدم من غَزْوَة، وَيسْتَحب للغازي والحاج وَغَيرهمَا من الْمُسَافِرين إِذا أشرف على بَلَده أَن يُحَرك دَابَّته قليلاٍ، وَيَقُول: " آيبون تائبون، عَابِدُونَ، لربنا حامدون، صدق الله وعده، وَنصر عَبده، وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده ". وَيسْتَحب أَن يدْخل الْبَلَد ضحى، وَأَن يبْدَأ بِالْمَسْجِدِ، فَيصَلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، اقْتِدَاء برَسُول الله [ ﷺ ] .
стр. 144
الْبَاب الثَّالِث عشر فِي الْغَنِيمَة، وأقسامها، وتفاصيل أَحْكَامهَا
١٨٢ - (٦٧ / ب) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْمَلُوا أنّما غَنِمْتُم من شيءٍ فان لله خمسه وَلِلرَّسُولِ ولذى الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا يَوْم الْفرْقَان﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا وَاتَّقوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا غَنِمْتُم﴾ اشارة وتنبيه على اخراج الْخمس. وَقَالَ [ ﷺ ] : " أحلّت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبلي ". وَقسم [ ﷺ ] غَنَائِم: بدر، وخيبر، وهوازن بَين الْمُسلمين كَمَا سنذكر.
стр. 145
وَقسم الصَّحَابَة غَنَائِم الشَّام وَالْعراق. وَأول غنيمَة قسمت فِي الْإِسْلَام: غنيمَة بدر بعد أَن جعلهَا الله تَعَالَى لرَسُوله فَقَسمهَا بَين أَصْحَابه. وَأول غنيمَة خمست غنيمَة بني قينقاع، وَكَانَت فِي نصف شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة بعد وقْعَة بدر بقريب من شهر. وَالْغنيمَة فعيلة بِمَعْنى مغنومة، وَهُوَ صفة للأموال أَي أَمْوَال مغنومة، واشتقاقها فِي اللُّغَة من الْغنم، وَهُوَ الْفَائِدَة (٦٨ / أ) وَقد تسمى الْغَنَائِم أنفالاً، وَالنَّفْل الزِّيَادَة. وَكَانَت فِي شرع من قبلنَا لَا تحل لأحد، بل تجمع الْغَنَائِم فِي مَكَان فتنزل نَار من السَّمَاء فتأكلها، فَخص الله تَعَالَى هَذِه الْأمة بحلها لَهُم، تكريماً لرَسُول الله [ ﷺ ] .
فصل (١)
الْغَنِيمَة فِي الشَّرْع: مَا أَخذه الْمُسلمُونَ من الْكفَّار قهرا، إِمَّا بِقِتَال، أَو بايجاف خيل أَو ركاب أَو بمصافّ أَو بحصار أَو كمين، فَكل ذَلِك
следующие страницы →