← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الشيخ: الموعظة لا شك أنها شرط ولابد منها وخطبة بلا موعظة ليست بشيء وأما اشتراط حمد الله لعل القول بأنه لابد منه يؤيده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه كلما ذكر الناس أنه خطب يقولون حمد الله وأثنى عليه فملازمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للحمد والثناء يدل على أنه لابد منه ثم إن الخطبة إذا لم تبدأ بالحمد كانت بتراء لا بركة فيها فالقول باشتراط الحمد قول قوي لكن لا يشترط له صيغة معينة بأن تقول الحمد الله بل لو قلت أحمد الله وأستعيذه أو أحمد الله وأثني عليه أو اللهم لك الحمد كفى وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يظهر أنها شرط وقد سبق أن التعليل الذي ذكره المؤلف في اشتراطها تعليل عليل فالصواب أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليست بشرط. السائل: لو اقتصر الإنسان على خطبة واحدة فيه محظور أم لا؟ الشيخ: لابد من خطبتين. السائل: ما حكم الجلسة بين الخطبتين؟ الشيخ: الجلوس أفضل وإن بقي قائماً فلابد أن يأتي بما يدل على أنه افتتح الخطبة الثانية لئلا يظن أنه سكت لمانع من الكلام ثم استمر. فصل القارئ: وسننها ثلاث عشرة أن يخطب على منبر أو موضع عال لأن النبي ﷺ كان يخطب على منبره ولأنه أبلغ في الإعلام.

стр. 702

الشيخ: التعليل الثاني يدل على أنه كلما كان الشيء أبلغ في الإعلام كان أولى وعلى هذا فاستعمال مكبر الصوت في خطبة الجمعة أولى من عدم استعماله وقد كان أول ما خرج نزاع بين الناس هل يجوز أو لا يجوز فبعضهم قال إنه لا يجوز استعمال مكبر الصوت في الخطبة لأنه يشبه أبواق اليهود ومنعوا من أن توضع في مساجدهم وهكذا كل شيء يخرج جديداً على الناس تجد الناس يتنازعون فيه ثم يستقر الأمر على ما فيه الخير فالصواب أن استعمال مكبر الصوت من الأمور المطلوبة لأنه أبلغ في الإعلام وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رأى الأذان قال له (ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك) وأمر عمه العباس بن عبد المطلب في غزوة الطائف أن ينادي الصحابة الذين أدبروا لأنه كان جهوري الصوت فدل هذا على أن ما قصد به الإعلام كان كلما ارتفع الصوت فيه فهو أولى فإذا قال قائل إذاً ما فائدة كونه على منبر أو موضع عال نقول الفائدة عظيمة وهي المشاهدة لأن كون الناس يرون الخطيب وانفعالاته وتأثراته أبلغ مما إذا سمعوا صوته فقط وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خطب احمرت عيناه واشتد غضبه وعلا صوته فلابد أن يتأثر وهذا لا يحصل إلا إذا كان على موضع عال ولهذا إذا جاءت نسخة من حال الخطيب قولية أو مرئية لم يكن تأثيرها كتأثير الخطيب حين يشاهد الآن، يخطب الخطيب أمام الناس خطبة يتأثر الناس منها كثيراً فإذا سمعوها مسجلة في الشريط لم يتأثروا بها ذاك التأثر بل قد يقول القائل هل هذه هي الخطبة التي سمعناها من فلان لعلها خطبة كانت قديمة لأنه لم يتأثر كذلك أيضاً لو شاهدناه عبر التلفاز وهو يخطب هل تكون مشاهدتنا له كمشاهدتنا له مباشرة؟ لا ولهذا نقول يسن أن يكون على موضع عالٍ ليراه الناس ولكن ما رأيكم في قوم حاضرين يشاهدون الخطيب لكن بأعينهم أو يشاهدون المعلم لكن بأعينهم يستفيدون؟ ما يستفيدون أبداً ما يستفيد إلا إذا أراد

стр. 703

الله أن ينتبه القلب. القارئ: الثاني أن يسلم عقيب صعوده إذا أقبل عليهم لأن جابراً قال كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلم عليهم رواه ابن ماجه. الشيخ: قال الفقهاء ﵏ يسلم على من حول الباب لو دخل لأنه مر بهم ثم يسلم إذا أقبل على الناس السلام العام وهل يجب رد هذا السلام؟ فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. هل يجب إن سمعنا خطيباً يسلم عبر الراديو أن نرد ﵇؟ لا، لأنه لا يسلم علينا. هل يجب إذا سمعنا مذيعاً عبر الراديو يسلم يقول أيها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة والله؟ نعم لأنه يسلم على المستمعين ونحن مستمعون لكن الرد الذي لا يُسمع وما الفائدة منه؟ حصول الدعاء يعني أننا ندعو له الآن لكنه فرض كفاية ويبقى النظر هل نحن نعلم أن أحداً من الناس أسقط عنا هذا الفرض ورد السلام؟ ما نعلم إذاً الأصل شغل الذمة حتى نعلم براءتها وحينئذٍ نرد السلام. إذا كان المُسلِّم غير مسلم لأن بعض الإذاعات يكون المذيعون غير مسلمين هل نرد؟ نعم فماذا نقول؟ وعليكم وإذا قال السلام عليكم باللام الواضحة نقول عليكم السلام. القارئ: الثالث أن يجلس إذا سلم عليهم لأن ابن عمر قال كان النبي ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب رواه أبو داود. الرابع أن يخطب قائما لأن جابر بن سمرة قال إن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب رواه مسلم وأبو داود وليس ذلك بشرط لأن المقصود يحصل بدونه. الخامس أن يجلس بينهما لما رويناه وليس بواجب لأنها جلسة للاستراحة وليس فيها ذكر مشروع فأشبهت الأولى.

стр. 704

السادس أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا لما روى الحكم بن حزن قال (وفدت على رسول الله ﷺ فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً على سيف أو قوس أو عصا فحمد الله وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات) رواه أبو داود ولأن ذلك أمكن له فإن لم يكن معه شيء أمسك شماله بيمينه أو أرسلهما عند جنبيه وسكنهما. الشيخ: هذا السادس أن يعتمد أي الخطيب على سيف أو قوس أو عصا يعني أو غيرهما مما يعتمد عليه لأن ذلك أمكن له وأقوى في التحمل لئلا يتعب جسمه ولأنه في الغالب أقوى في إطلاق الكلمات مما لو وقف بدون اعتماد ولهذا اختلف العلماء هل اعتماده على سيف أو قوس أو عصا هل هو مقصود بعينه أو مقصود لغيره؟ من العلماء من قال إنه مقصود بعينه وأنه ينبغي أن يعتمد على سيف أو قوس إظهاراً لعزة المسلمين وأن الإسلام انتصر بالسيف الذي فيه قطع الرقاب والقوس الذي فيه إرسال السهام ومنهم من قال إن هذا مقصود لغيره والمقصود هو الاتكاء سواء على هذا أو على هذا وأن النبي ﷺ اتكأ على هذه دون قصد وإنما وقع اتفاقاً فقط وفي هذا أيضاً دليل على أن الخطيب في الجمعة ليس كالخطيب في غير الجمعة، الخطيب في غير الجمعة يتحرك وإذا جاء ذكر الله رفع أصبعه إلى السماء وإذا جاء شيء فيه انفعال قال هكذا بيده وهز يده وما أشبه ذلك لكن في الجمعة لا ولهذا جاءني قبل سنتين تقريباً رجل عامي قال والله خطبنا واحد وقام يهوشن قلت له كيف؟ قال يقول كذا وكذا وإما يلتفت هنا وإما يلتفت هنا نعم هذا غير مشروع هذا وإن كان يحمس الناس لكن في غير هذا الموضع لأن المقصود هنا الموعظة ولهذا قال المؤلف ﵀ أمسك شماله بيمينه كيف؟ كذا شماله بيمينه لكن ما هو على الصدر أو أرسلهما عند جنبيه وأسكنهما يعني ما يتحرك. السائل: إذاً تسقط الورقة؟ الشيخ: لا يخطبون من ورقة ولهذا قالوا لا بأس أن يخطب من صحيفة ما كانوا يعتدون بهذا.

стр. 705

السائل: في بعض البلدان إذا أذن الأذان الأول يقوم الإمام يقول ترجمة الخطبة بغير العربية حتى إذا جاء وقت الأذان الثاني يخطب بالعربي. الشيخ: أنا أرى أنه إذا كان يخطب في قوم لسانهم غير عربي أن يخطب بلسانهم ولا حاجة للخطبة العربية لأن التعبد باللسان العربي ليس وارداً إلا في القرآن وإذا كنا نريد أن نبين لهؤلاء فليكن بلسانهم قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) وأي فائدة في أن يتكلم بلسان هؤلاء القوم ثم يأتي به بالعربية ليس فيه فائدة إلا إطالة الوقت عليهم وإملالهم وهذا غير مطلوب. السائل: بالنسبة للدرس قبل الخطبة في بعض البلاد كأنه واجب عندهم أنه ينبغي أن يقوم الخطيب أو غيره بإلقاء درس قبل الخطبة؟ الشيخ: هذا غلط بدعة تذهب فائدة السنة لأنه إن كان في موضوع الخطبة فلا فائدة منه وإن كان في غير موضوع الخطبة صار حديث الناس والتهوا به عن الخطبة فضاعت الفائدة. السائل: قول النبي ﷺ للأعمى (هل تسمع النداء) قال نعم قال (فأجب) هل نقول ذلك لمن يسمعه بمكبر الصوت؟ الشيخ: لا هذا يقاس بما لو أذن المؤذن من غير مكبر الصوت كما أن العكس كذلك لو كان الإنسان قريباً ولا يسمع المؤذن لصممه مثلاً هل يجيب أو لا يجيب؟ يجب والله أعلم. القارئ: السابع أن يقصد تلقاء وجهه لأن في التفاته إلى أحد جانبيه إعراضاً عمن في الجانب الآخر. الثامن أن يرفع صوته لأن جابراً قال كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم ولأنه أبلغ في الإسماع.

стр. 706

الشيخ: هذا من آداب الخطبة أن يرفع صوته وأن يكون متأثراً بالخطبة ليكون مؤثرا لقول جابر كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم يعني العدو ومساكم ثم يقول (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله) يقول (أما بعد) وليس يقول ثم أما بعد كما أحدثها المحدثون نسمع بعض الإخوان يقول ثم أما بعد وهذه الثُّم جاءت من كيسه ولا وجه لها هنا لأن أما بعد كلام مستأنف وقد قيل إنها يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر لكن هذا فيه نظر لأنه لو كان يؤتى بها من أسلوب إلى آخر لكان يأتي بها كلما أتى بموضوع ولكنه يؤتى بها للدخول إلى موضوع الخطبة أو الكلام هذا هو الصحيح يؤتى بها للدخول في الموضوع وقوله (أما بعدُ) مبني على الضم لحذف المضاف إليه. (فإن خير الحديث كتاب الله) لا شك فكتاب الله حديث وهو خير الحديث خيره من كل وجه خيرية مطلقة.

стр. 707

(وخير الهدي) يعني السلوك والمنهج (هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فصار عندنا الآن شريعة وعندنا ما يحصل به الشريعة الكتاب تحصل به الشريعة والشريعة منهاج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالكتاب خير الحديث كتاب الله وفي هذا الحديث دليل على أن القرآن يسمى حديثاً وقد قال الله تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها) شر الأمور جمع أمر والمراد به أمور الدين أما أمور الدنيا فالحادث فيها ليس ببدعة شرعية وقوله (وكل بدعة ضلالة) كل بدعة يعني كل محدثة ضلالة لأن البدعة هي ما ابتدع وأحدث ضلالة حتى وإن زعم صاحبها أنه على هدى وأنه يريد الخير فإنها ضلالة لا تزيده من الله إلا بعدا فإن قال قائل كيف نجمع بين هذا الحديث الذي يعلنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخطبة وبين قوله ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) قلنا الحمد لله أن ما صح عن رسول الله ﷺ لا يمكن أن يقع فيه تناقض وإنما التناقض في الفهم فالبدعة التي أراد الرسول ﵊ هي بدعة الدين أن يأتي الإنسان بدين لم يشرع سواء كان عقيدة أو قول أو فعل والسنة التي قال فيها رسول الله ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة) المراد بها الفعل يعني تنفيذ السنة بدليل أن النبي ﷺ قالها حينما جاء الرجل بصرة أثقلت يده بعد أن حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصدقة فإن هذا سن العمل بهذه السنة فكان أول الناس والناس له تبع أو يقال المراد بالسنة ما كان وسيلة لأمر مشروع كسنة تنقيط المصحف وإعرابه وجمعه وبناء المدارس وما أشبه ذلك هذه لا شك أنها سنة حسنة وإن كان لم يوجد أصلها في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبذلك تلتئم الأدلة هنا يقول (إن خير الحديث كتاب الله) ونسمع بعض إخواننا

стр. 708

يقول فإن أصدق الحديث كتاب الله فإن صحت هذه الجملة بهذا اللفظ عن الرسول ﵊ فعلى العين والرأس وإن لم تصح فإنه قد بخس الحديث حقه لأن الخيرية خيرية مطلقة في الصدق في الخبر والعدل في الحكم وإصلاح المنهج وغير ذلك والصدق إنما يكون وصفاً للكلام فقط وليس لكل كلام بل للخبر من الكلام. السائل: بعضهم يقول إن أحسن؟ الشيخ: إن أحسن أقرب إلى قوله إن خير. القارئ: التاسع أن يكون في خطبته مترسلاً معربا مبيناً من غير عجلة ولا تمطيط لأنه أبلغ وأحسن. الشيخ: صحيح هذا لا شك أنه من المستحب إذا ترسل الخطبة وصار أيضاً أحياناً يفعل ما يوجب الانتباه بأن يزيد في قوة الصوت أو ما أشبه ذلك فهذا أيضاً من الأمور المطلوبة. القارئ: العاشر تقصير الخطبة لما روى عمار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة) رواه مسلم. الشيخ: هذا أيضاً من السنة أن يقصِّر الخطبة إلا إذا استدعت الحاجة أحياناً إلى التطويل بأن كان الموضوع يحتاج إلى بسط أو إلى زيادة إيضاح وما أشبه ذلك فعلى ما تدعو الحاجة إليه وإلا فالأفضل التقصير. القارئ: الحادي عشر ترتيبها يبدأ بالحمد لله ثم بالصلاة على رسوله ثم يعظ لأنه أحسن والنبي ﷺ كان يبدأ بالحمد لله وقال (كل كلام ذي بالٍ لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر).

стр. 709

الشيخ: لم يذكر المؤلف التشهد ولم يذكر الآية أين يكون موضعها وقد جرت عادة الخطباء أن تكون الآية في آخر الخطبة لتكون كالدليل لما سبق ومن ثم تختار الآية المناسبة للخطبة فمثلاً إذا كان يدعو إلى فعل الخير أتى بالآيات التي تدل بالحث على فعل الخير ولم يذكر التشهد ولكن هذا يعتبر تقصيراً من المؤلف ﵀ وإلا فالتشهد أمر مطلوب في الخطبة كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أصحابه خطبة الحاجة وفيها وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله والتشهد في الخطبة كالحمد في الخطبة بل إن بعض العلماء قال إن التشهد فيها ركن وأنه لا تصح خطبة ليس فيها تشهد. السائل: بعض الناس الآن إذا انتهى الإمام من صلاة الجمعة قام ويتكلم ويعظ الناس فهل هذا جائز؟ الشيخ: هذا بارك الله فيك إذا كان ممنوعاً من قبل ولاة الأمور فالواجب السمع والطاعة وإذا لم يكن ممنوعاً فتركه أولى حتى إن الإمام أحمد قال لا يستمع إليه إلا أن يكون كتاباً من السلطان ولأن هذه الموعظة إما أن تكون في موضوع الخطبة فلا داعي لها وربما يكون فيها شيء من لمز الخطيب وأنه لم يوفِ بالمقصود وإن كانت خارجة عن موضوع الخطبة مسحت موضوع الخطبة من أفهام الناس وصار الذي في أذهانهم ما قيل بعد الصلاة فلهذا فيها ضرر كما أن فيها ضرراً أيضاً من وجه آخر وهي أن بعض الناس قد يكون له حاجة في الخروج من المسجد لكنه يخجل من أن يقوم أمام الناس فتجده محصوراً متعباً في مدافعة الأخبثين ولكنه لا يستطيع أن يخرج أمام الناس بسبب من الأسباب ثم يقال إنها إذا بقيت هذه الكلمة راتبة كل جمعة صارت الجمعة لها ثلاث خطب خطبتان قبلها وخطبة بعدها وهذا تغيير للهيئة والصفة التي جاءت بها السنة. القارئ: الثاني عشر أن يدعو للمسلمين لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيها أولى وإن دعا للسلطان فحسن لأن صلاحه نفع للمسلمين فالدعاء له دعاء لهم.

стр. 710

الشيخ: الدعاء للمسلمين لا ينبغي أن يكون سنة راتبة لو صح الحديث أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة لأخذنا به لكنه ضعيف وعلى هذا فالدعاء للمسلمين لا ينبغي أن يكون دائماً في كل خطبة وكذلك الدعاء للسلطان لكن يفعله أحياناً. وإذا كان الدعاء للسلطان لا يرضي بعض الناس فيُدعى وإن لم يرضَ لأن بعض الناس نسأل الله العافية إذا رأى من السلطان انحرافاً قال لا تدعو له ادعو عليه بأن الله يهلكه وهذا غلط ادعو له بالهداية لأن الدعاء له كما قال المؤلف دعاء للمسلمين عموماً إذ بصلاحه صلاح الرعية غالباً. القارئ: الثالث عشر أن يؤذن لها إذا جلس الإمام على المنبر لأن الله تعالى قال (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) يعني الأذان قال السائب كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث رواه البخاري وهذا النداء الأوسط هو الذي يتعلق به وجوب السعي وتحريم البيع لأنه الذي كان مشروعاً حين نزول الآية فتعلقت الأحكام به ويسن الأذان الأول في أول الوقت لأن عثمان سنه وعملت به الأمة بعده وهو مشروع للإعلام بالوقت والثاني للإعلام بالخطبة والإقامة للإعلام بقيام الصلاة.

стр. 711

الشيخ: قوله ﵀ يسن الأذان الأول في أول الوقت وأول الوقت عند الحنابلة في صلاة الجمعة عند ارتفاع الشمس قيد رمح وعلى هذا فيكون المشروع في الأذان الأول يوم الجمعة أن يكون بعد ارتفاع الشمس بمقدار رمح لكن الأذان في هذا الوقت لا يفيد كثيراً لأنه لن يستجيب إلا النادر وكذلك على العكس من ذلك من لا يؤذن الأذان الأول إلا إذا زالت الشمس ثم بعد دقيقتين أو ثلاث يأتي الإمام ويؤذن الأذان الثاني هذا لا قيمة له في الواقع فأحسن ما يكون أن يكون قبل الوقت بساعة أو نحوها أي قبل الزوال بساعة أو نحوها حتى يتهيأ الناس للحضور إذا أذن الأذان الثاني. وقوله وكثر الناس زاد النداء الثالث كيف النداء الثالث؟ الإقامة حسبت لأنها تعتبر نداءً لكنها حسبت تبعاً وهذا الذي ظنه بعض الناس أي أنه يؤذن عند دخول الوقت الذي هو الزوال ثم يحضر الإمام فيؤذن مرة ثانية يشبه ما روي في أذان بلال وابن أم مكتوم في رمضان أنه ليس بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا فإن هذه الرواية شاذة ولا تستقيم وذلك لقول النبي ﷺ في أذان بلال (ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم) وإذا كان لإيقاظ النائم حتى يتسحر ولإرجاع القائم حتى يتسحر فهل يمكن أن يحصل هذا وليس بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا؟ لا يمكن ولذلك لا شك أن بين أذانيهما وقتاً يتسع للسُّحور. السائل: هل يدعو للإمام أن يطيل الله عمره ولو كان عنده منكرات أو يدعو له بالهداية؟ الشيخ: لا، يدعو الله تعالى أن يطيل عمره في طاعته ولكن إذا قال اللهم اهدِ الإمام أحسن لأن الناس قد لا يتفطنون لقوله أطل عمره في طاعته أو قد يظنون أن هذا الداعي يحابي الإمام وليس له هم إلا أن يطيل عمر الإمام لكن إذا دعا له بالهداية والتوفيق وصلاح البطانة والاستقامة فهذا أحسن. فصل

стр. 712

القارئ: ولا يشترط للجمعة إذن الإمام لأن علي ﵁ صلى بالناس وعثمان ﵁ محصور ولأنها من فرائض الأعيان فلم يعتبر لها إذن الإمام كالظهر قال أحمد وقعت الفتنة بالشام تسع سنين فكانوا يجمِّعون لكن إن أمكن استئذانه فهو أكمل وأفضل وعنه أنها شرط لأنه لا يقيمها في كل عصر إلا الأئمة. الشيخ: والصحيح أنها ليست بشرط وأنها لو أقيمت الجمعة بغير إذن الإمام في مكان تقام فيه الجمعة فإنها صحيحة لكن إذا قال الإمام لا يقيم أحد الجمعة إلا بإذني فحينئذٍ يتعين أن يستأذن حفظاً للنظام وعدم التلاعب لأنه لو لم يرجع إليه لصار كل أهل حي يريدون أن يقيموا في مسجدهم جمعة فتحصل الفوضى أما كونها شرطاً لصحة الصلاة بحيث لا تصح الصلاة إلا بإذنه ففي النفس منه شيء. فصل القارئ: وتصلى خلف كل بر وفاجر لحديث جابر ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة وتختص بإمام واحد فتركها خلف الفاجر يفضي إلى الإخلال بها فلم يجز ذلك كالجهاد ولهذا أبيح فعلها في الطرق ومواضع الغصب صيانة لها عن الفوات. الشيخ: يعني لا يشترط في إمام الجمعة أن يكون عدلاً بل تصح خلف كل بَرٍّ وفاجر وعلل المؤلف ﵀ ذلك: أولاً بحديث جابر السابق أن نصلي خلف كل بر وفاجر. والثاني أن هذا من عمل المسلمين فإن المسلمين ما زالوا يصلون خلف الأئمة الذين يقيمون الجمعة وهم ليسوا على بِر. والثالث أنها من شعائر الإسلام الظاهرة وظاهر كلام المؤلف أن ما كان من شعائر الإسلام الظاهرة فإنه يصح من البر والفاجر وعليه فيصح أذان الفاجر لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة ومن ثم قال العلماء إنه يشترط في الأذان أن يكون المؤذن عدلاً ولو ظاهرا. الرابع أنها تختص بإمام واحد فلو قلنا لا تصلى خلف فاجر لزم أن لا تقام الجمعة أبداً إذا كان الإمام فاجراً.

стр. 713

ويقول يجوز فعلها في الطرق ومواضع الغصب صيانة لها عن الفوات الصحيح أن هذا ليس من خصائص الجمعة وأن الصلاة في الطريق صحيحة والنهي عن الصلاة في الطريق ضعيف وأما مواضع الغصب يعني مثل أن تكون الأرض مغصوبة حول المسجد فيصلى فيها الجمعة فلا بأس والصحيح أنه حتى غير الجمعة وأن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة لكنه يأثم حيث منعها صاحبها وأما الصلاة فصحيحة لأن النهي لم يرد عن الصلاة بل النهي ورد عن الغصب فالجهة إذاً منفكة لو قيل لا تصلي في مكان حرام فصلى في مكان غصب بطلت الصلاة لكن لم يأتِ هكذا بل قيل لا تغصب (إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم) فالنهي إذاً ليس عن الصلاة ولكن عن الاغتصاب، اغتصاب الأرض فهو أمر خارج ولهذا كان القول الراجح في جميع المغصوبات كثوب السترة وماء الوضوء وما أشبه ذلك الصحيح أن عدم الغصب ليس شرطاً للصحة. السائل: الصلاة في المسجد الضرار ما حكمه؟ الشيخ: الصلاة في مسجد الضرار لا تصح لأن الله نهى عنه قال (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً). ومسجد الضرار ليس كالمغصوب ولهذا أرض مسجد الضرار حلال ليست حراماً لكن الصلاة فيه منهي عنها فلو صلى في مسجد الضرار بطلت صلاته. السائل: بعض المساجد مبنية على أرض مغصوبة والباني له الأوقاف فبعض الناس يتحرج من الصلاة فيه؟ الشيخ: على كل حال القول الصحيح أنه تصح الصلاة والإثم على من غصبه. فصل القارئ: وإذا فرغ من الخطبة نزل فأقيمت الصلاة فصلى بهم ركعتين يقرأ في كل ركعة بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وسورة معها ويجهر بالقراءة للإجماع ونقل الخلف عن السلف.

стр. 714

الشيخ: هذا من خصائص الجمعة أنه يجهر فيها بالقراءة والحكمة والله أعلم اجتماع الخلق الكثير وتأكيد الاجتماع لكونهم على قارئ واحد ولهذا يسن الجهر بالقراءة النهارية في الجمعة وفي العيد وفي الكسوف وفي الاستسقاء لأنها صلوات يجتمع فيها الناس فيكون أكبر عدد ممكن على إمام واحد بخلاف السرية فإن السرية هذا يقرأ سورة وهذا يقرأ سورة ولا يجتمعون وكذلك أيضاً الليل يجهر فيه بالقراءة في الجماعة من أجل اجتماع القلب على قراءة واحدة. القارئ: ومهما قرأ به بعد أم الكتاب فيها أجزأه إلا أن المستحب أن يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين أو بـ (سبح) و (الغاشية) لما روى أبو هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بسورة الجمعة والمنافقين في الجمعة وعن النعمان بن بشير قال كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين والجمعة بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) رواهما مسلم. فصل القارئ: ومتى أمكن الغنى بجمعة واحدة في المصر لم يجز أكثر منها لأن النبي ﷺ وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة وإن احتيج إلى أكثر منها جاز لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير فصار إجماعا ولأنها صلاة عيد فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة في غيرها. الشيخ: المؤلف ﵀ استدل على جواز التعدد للحاجة: أولاً بفعل المسلمين فإن المسلمين منذ القرن الثالث يصلون عدة جمع وأخذ الناس ذلك صاغراً عن كابر وهذه حجة. الثاني قال ولأنها صلاة عيد فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى مصلى العيد وخلَّف علي بن أبي طالب يصلي بالضعفة في المسجد وهذا أصل.

стр. 715

القارئ: وإن استُغْنِيَ بجمعتين لم تجز الثالثة فإن صليت في موضعين من غير حاجة وإحداهما جمعة الإمام فهي الصحيحة ويحتمل أن السابقة هي الصحيحة لأنه لم يتقدمها ما يفسدها وبعد صحتها لا يفسدها ما بعدها والأول أولى لأن في تصحيح غير جمعة الإمام افتئاتاً عليه وتبطيلاً لجمعته ومتى أراد أربعون نفساً إفساد صلاة الإمام والناس أمكنهم ذلك. الشيخ: هذا تبع التعليل الأول يعني يقول يحتمل أن السابقة هي الصحيحة ولكن بماذا يكون السبق هل هو بالتقدم الزمني في تكبيرة الإحرام أو بالتقدم الزمني في إقامة الجمعة الصحيح الثاني والمذهب الأول لكن يقول الشيخ ﵀ إن الأول هو الصحيح الأول أولى وعلل ذلك قال لأن في تصحيح غير جمعة الإمام افتياتاً عليه وتبطيلاً لجمعته ومتى أراد أربعون نفساً إفساد صلاة الإمام والناس أمكنهم ذلك ماذا يصنعون؟ يسبقون بالصلاة يجتمع ناس مثلاً في مسجد حي من الأحياء ويقول الإمام مثلاً والجماعة الآن يصلون في الجامع الكبير كل أهل البلد إلا القليل تعالوا نحن أربعون نفراً نريد نصلي الجمعة في مسجدنا ونريد أن سبق جمعة الإمام لكي تكون صلاة الإمام والناس كلهم صلاة باطلة وهذا تعليل جيد لأن بعض أهل الشر يفعلون هذا يقول ما دام الصحيحة هي السابقة بالإحرام تعال فإذا صلوا جمعتهم خطب الخطيب وصلوا الجمعة وذهبوا إلى المسجد الكبير الذي فيه الإمام نادوا بأعلى أصواتهم أيها الناس إن جمعتكم باطلة لأنكم مسبوقون وهذا ربما يقع على كل حال الصحيح أنه ما باشرها الإمام أو أذن فيها فإن تساوتا في الإذن أو عدمه فالسابقة ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا. القارئ: فإن لم يكن لإحداهما مزية فالسابقة هي الصحيحة لما ذكرنا وتفسد الثانية وإن وقعتا معاً فهما باطلتان لأنه لا يمكن تصحيحهما ولا تعيين إحداهما بالصحة فبطلتا كما لو جمع بين أختين.

стр. 716

الشيخ: يعني كما لو جمع بين أختين في عقد واحد بأن قال أبوهما زوجتك ابنتيَّ فإنه لا يصح العقد واعلموا أن هذه المسألة هي مسألة فرضية في الواقع لأنه من يدرك ولا سيما في زمنهم ﵏ أن هاتين الجمعتين كانتا تكبيرة الإحرام فيهما واحدة في آن واحد هذا بعيد لكن إن وقع. القارئ: كما لو جمع بين أختين وعليهم إقامة جمعة ثالثة لأنه مصر لم تصلِّ فيه جمعة صحيحة وإن علم سبق إحداهما وجهلت فعلى الجميع الظهر لأن كل واحد لم يتيقن براءة ذمته من الصلاة وليس لهم إقامة الجمعة لأن المصر قد صليت فيه جمعة صحيحة. الشيخ: إذاً سوف يصلي هؤلاء جمعتين وظهرين. القارئ: وإن جهل الحال فسدتا وهل لهم إقامة الجمعة على وجهين أحدهما لا يقيمونها للشك في شرط إقامتها والثاني لهم ذلك لأننا لا نعلم المانع من صحتها والأصل عدمه وذكر القاضي وجهاً في إقامتها مع العلم بسبق إحداهما لأنه لما تعذر تصحيح إحداهما بعينها صارت كالمعدومة. الشيخ: والصحيح في هذه المسائل أنه إذا أقيمت بالفعل فإن الإنسان يتحرى المسجد الأول الذي تقام فيه الجمعة فيصلي فيه فإذا امتلأ صلى فيما أقيمت فيه الجمعة بعده وذلك لأن الضرر إنما كان في الزائد فالأول الذي وضع أولاً هو مسجد جمعة فيحرص الإنسان على أن يصلي فيه فإن امتلأ ففي المسجد الذي كان بعده فإن امتلأ ففي الثالث وإن شق عليه أو كان لا يعلم فيصلي في أي مسجد وتصح الصلاة أما أن نلزم العامة بإعادة الصلاة ونقول صلاتكم باطلة فهذا فيه مشقة على الناس تندفع بتيسير هذا الإسلام. القارئ: ولو أحرم بالجمعة فعلم أنها قد أقيمت في مكان آخر لم يكن له إتمامها وهل يبني عليها ظهراً أو يستأنفها؟ على وجهين أصحهما استئنافها لأن ما مضى منها لم يكن جائزاً له فعله ويعتبر السبق بالإحرام لأنه متى أحرم بإحداهما حرم الإحرام بالأخرى للغنى عنها.

стр. 717

الشيخ: وقد سبق لنا أن الصحيح أن المعتبر الأسبق إقامة وأن المسجد الذي كانت تقام فيه الجمعة هو الأصل والثاني هو الذي جاء كمسجد الضرار. السائل: إن كان إمام المسجد الأول صوفي فإن تمكن الشباب الملتزم من إقامة جمعة ولو كانت زائدة فهل يجوز لهم؟ الشيخ: لا ما يجوز يقال هذا الصوفي إن كان رجلاً خارجاً عن الإسلام فالواجب إزالته وإن كانت صوفيته لا تخرجه وقد نصب من ولاة الأمور فلا يجوز الاختلاف عليه. فصل القارئ: ولا يجوز لمن تجب عليه الجمعة السفر بعد دخول وقتها لأنه يتركها بعد وجوبها عليه فلم يجز كما لو تركها لتجارة إلا أن يخاف فوت الرفقة فأما قبل الوقت فيجوز للجهاد لما روى ابن عباس قال بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فقدم أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله ثم ألحقهم قال فلما صلى رسول الله ﷺ رآه فقال (ما منعك أن تغدو مع أصحابك) فقال أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال رسول الله ﷺ (لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم) من المسند وهل يجوز لغير الجهاد؟ فيه روايتان إحداهما يجوز لأن عمر قال الجمعة لا تحبس عن سفر ولأنها لم تجب فأشبه السفر من الليل والثانية لا يجوز لما روى ... الدارقطني في الأفراد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال (من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره).

стр. 718

الشيخ: الحديث الأول حديث ابن عباس في قصة بعث عبد الله بن رواحة قد يعارض في استدلال المؤلف فيقال إن وقت الجمعة كوقت الظهر لا يدخل إلا بعد الزوال يعني إلا إذا زالت الشمس وعلى هذا فيكون سفر عبد الله بن رواحة قبل دخول الوقت والصحيح أنه يجوز أن يسافر ما لم يؤذن لها فإن أذن لها فإنه لا يجوز أن يسافر لقول الله ﵎ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) فأوجب الله السعي عند أذان الجمعة وأما قبل ذلك فإنه لا يلزمه البقاء خصوصاً مثل أوقاتنا الآن إذا كان يمكنه أن يأتي بأهل طريق بحيث يعرج على بعض البلاد ويقيم فيها الجمعة. السائل: الاعتراض على استدلال المؤلف على حديث ابن عباس ما فهمته؟ الشيخ: عبد الله بن رواحة بعثه الرسول ﷺ في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فقدم أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع الرسول فهنا ذهبت السرية بعد دخول وقت الجمعة لأن على المشهور من المذهب يدخل وقتها إذا ارتفعت الشمس قيد رمح فيقول المؤلف يجوز للجهاد فنقول من يقول إنه دخل وقت الجمعة. فصل

стр. 719

القارئ: ويجب السعي بالنداء الثاني لما ذكرنا إلا لمن منزله في بعد فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون به مدركاً للجمعة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ويستحب التبكير بالسعي لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) متفق عليه وقال علقمة خرجت مع عبد الله يوم الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة) رواه ابن ماجه. الشيخ: في الحديث الأول من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة هل المراد بذلك أن يكون عليه جنابة بحيث يجامع أهله ثم يغتسل أو المراد غسل الجنابة يعني كغُسلها؟ الثاني هو المراد وقوله (ثم راح فكأنما قرب) لفظ الرواية بدون (في الساعة الأولى) ولهذا يحتاج إلى التخريج لأنها عندي (في الأولى) مصححه والذي أحفظه من البخاري أنه ليس فيها في الأولى (من راح فكأنما قرب) وهذا الرواح ليس معناه الذهاب بعد زوال الشمس وإنما المراد به مطلق الذهاب كما هو اللغة المشهورة عندنا الآن نقول فلان راح ولو كان في الليل فلان راح لكذا ولو كان في أول النهار فقوله (من راح) يراد به المشي أي مطلق الرواح خلافاً لمن فهم أن المراد من راح أي بعد زوال الشمس وعلى هذا فتكون الساعات كلها في خلال ربع ساعة وهذا بعيد فالصواب أن المراد (راح) أي ذهب فهي على مطلق الرواح.

стр. 720

وفيه أيضاً تفاوت الأجر بتفاوت العمل فيؤخذ منه حكمة الله في المجازاة وأن الجزاء من جنس العمل أما لم كان هذا التفاوت؟ فهذا ليس إلينا لأن تقدير الأجور والثواب عند الله وليس لنا من الأمر شيء فلا يقال لماذا كان الأول كأنما قرب بدنة والأخير كأنما قرب بيضة لأن هذا أمر يرجع إلى الله وليس لنا إلا مطلق التسليم. وفيه أيضاً لماذا خص الكبش الأقرن؟ قالوا لأن الكبش الأقرن في الغالب يكون أقوى وأكبر حجماً فيميز على غيره ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أضحيته يختار الأقرن. وقد استدل بعض العلماء بجواز الأضحية بالدجاج قال لأنه قال (فكأنما قرب دجاجة) فجعلها في مصاف بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم فتجوز التضحية بالدجاجة بالديك فيقال له إذن جَوِّز الأضحية بالبيضة لأنه قال (فكأنما قرب بيضة) وهو استدلال غريب لكن بعض الناس يأخذ بظاهر اللفظ ولا ينظر إلى النصوص الأخرى الدالة على أن الأضاحي إنما هي من بهيمة الأنعام لقوله ﷺ (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) وفي الحديث أيضاً أن الملائكة تستمع إلى الخطبة فبينما هي على أبواب المساجد مساجد الجمع فإنه إذا جاء الإمام تركت الكتابة وأنصتت للخطبة فإن قال قائل أي فائدة للملائكة بسماع الخطبة؟ قلنا إن وجودهم بركة وخير ويكون هذا من باب زيادة النعمة على مصلي الجمعة أن الملائكة تحضر وتستمع ثم هي إذا سمعت تعظيم الله في هذه الخطبة وتلاوة آياته وموعظة المسلمين لا شك أنهم يزدادون إيماناً وإن كانوا هم على أعلى ما يكونوا من الإيمان لكن كلما قوي الإيمان كان أكمل. وفيه أيضاً في الحديث تسخير الله لبني آدم الملائكة تسخر لهم تقف على أبواب المساجد تكتب كل من جاء الأول فالأول يعني كأنهم جنود جندهم الله ليكتبوا الأول فالأول.

стр. 721

وفي هذا دليل على أن الخطبة تسمى ذكراً ونستفيد من هذه الفائدة وجوب حضور الخطبة واستماعها لقول الله تعالى (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) فنقول (إلى ذكر الله) أي إلى الخطبة فيستدل به على وجوب حضور خطبة الجمعة والاستماع إليها. وفي حديث علقمة مع عبد الله بن مسعود ﵁ دليل على حرص الصحابة على التقدم في الجمعة وعلى تأسفهم إذا وجدوا غيرهم قد سبقهم لقول ابن مسعود (رابع أربعة) كأنه انتقد نفسه وأحب أن يكون هو الأول والمراد تقدم الإنسان في نفسه لا بمنديله ولا بكتابه ولا بكرسي المصاحف كما يفعل بعض الناس اليوم تجده يضع المنديل بعضهم يضع المسواك بعضهم يضع المفاتيح وما أبلغ أمنه إذا وضع المفاتيح لأنه يخشى أن يأتي إنسان يأخذ المفاتيح ويقول الحمد لله مفتاح سيارة ومفتاح باب لكن مع ذلك عندهم قوة أمن فالمراد بالتقدم إلى الجمعة أن يتقدم الإنسان بنفسه ولهذا اختلف العلماء ﵏ في جواز وضع الشيء في المكان ليحجزه لنفسه؟ فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من منعه فمن أجازه قال إن النبي ﷺ أذن ببناء الخيمة في المسجد وهذا نوع من الحجز لأن مكان الخيمة لن يصلي فيه أحد ولن يستقر فيه إلا صاحبه ومنهم من منع ذلك وقال إنه لا يجوز وأن هذا تحجر لمكانٍ غيرُه أحق به منه والراجح التفصيل في هذا أنه إذا وضع هذا الشيء ليحجز به المكان وهو قد خرج من المسجد لعذر وسيعود بعد انتهاء عذره فإن هذا لا بأس به لحاجة الإنسان إلى الخروج وإن كان وضع هذا المكان وخرج إلى بيته وأهله ومتجره فهذا جناية على من سبق لأنه أحق بهذا المكان منه. السائل: الذي ذكرته في زيادة الساعة الأولى قال محقق الكافي طبعة دار الفكر الشيخ سليم يوسف وهذه الزيادة انفرد بها مالك في الموطأ والحديث منسوب للشيخين وهذه الزيادة ليست عندهما فلم نثبتها في المتن وليست عندنا في الأصل.

стр. 722

الشيخ: لكن إذا قيل كيف نعرف أنها الأولى؟ نقول لأنه لما قال ومن راح في الثانية فيكون قوله من راح يعني في الأولى ومن راح يعني في الثانية فهو وإن لم تكن موجودة لفظاً فبقية الحديث يدل عليها. القارئ: ويستحب أن يأتيها ماشياً ليكون أعظم للأجر وعليه سكينة ووقار لقول النبي ﷺ (لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار) متفق عليه ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته. الشيخ: أما كون الأفضل أن يأتيها ماشياً فكما قال المؤلف ﵀ لأجل أن ينال أجر الخطا. وأما قوله ﵀ ويقارب بين خطاه ففي هذا نظر لأن المقاربة بين الخطا أمر يقصد ولو كان من الأمور المشروعة لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما قوله ﷺ (لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ويحط بها عنه خطيئة) فالمراد الخطوة المعتادة وأما أن يقصر خطاه بزيادة الأجر ففي هذا نظر ظاهر. وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (عليكم السكينة والوقار) الفرق بينهما أن الوقار في الظاهر والسكينة في الباطن قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) فيكون ساكن القلب مطمئناً وقوراً بحيث لا يتحرك حركات تخالف الوقار والمروءة. فصل القارئ: ويستحب أن يغتسل ويتطيب ويتنظف بقطع الشعر وقص الظفر وإزالة الرائحة لما روى أبو سعيد أن رسول الله ﷺ قال (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج) فلا يفرق بين اثنين ثم صلى ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) رواه البخاري. الشيخ: قوله يستحب أن يغتسل سيأتي رواية أخرى عن أحمد أن الغسل واجب وقوله ويتطيب بماذا يتطيب؟ بالطيب البخور أو الدهن والدهن أبقى.

стр. 723

وقوله ويتنظف بيَّن التنظيف بقوله بقطع الشعر وقص الظفر وإزالة الرائحة، قطع الشعر الذي يسن قطعه مثل الشارب والأبط والعانة ولا تترك هذه الأشياء الثلاثة فوق أربعين يوماً لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقتها ولو جعل الإنسان لنفسه موعداً معيناً حتى لا ينسى لكان حسناً مثل أن يتخذ أول جمعة في الشهر أو آخر جمعة أو ثاني جمعة أو ثالث جمعة من كل شهر لا تعبداً لله بهذا التوقيت ولكن لأجل أن لا ينسى لأن الإنسان إذا ترك التوقيت نسي فزاد على أربعين إلا إذا طال الشعر أو الظفر قبل الأربعين فتزال من حيث تطول. القارئ: وعنه أن الغسل واجب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس طيبا) رواه مسلم. الشيخ: المؤلف ﵀ أخطأ في هذا الحديث من وجهين الوجه الأول أنه قال لما روي وهذه صيغة تدل على التضعيف. الثاني أنه قال رواه مسلم مع أن الجملة الأولى منه (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) قال في البلوغ إنه أخرجها السبعة كل أصحاب السنن والصحيح أخرجوها البخاري ومسلم والإمام أحمد كلهم أخرجوا هذا الحديث (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وهذا هو الصحيح أنه واجب ويدل عليه أمور الأول لفظ (واجب) صريح في الوجوب وقد صدرت من أعلم الخلق بالشرط ومن أعلم الخلق بما يقول ومن أعلم الخلق بمدلولات الألفاظ ومن أفصح الخلق ومن أنصح الخلق فلا يمكن أن يطلق مثل هذا اللفظ وهو يريد من الأمة أن يدعوه إذا شاؤوا فهو صريح في الوجوب ومعلوم أن هذه العبارة لو وجدت في مصنف من المصنفات للفقهاء ما شك القارئ أن المصنف يرى أنه واجب فكيف وقد صدرت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 724

الثاني أن الرسول ﷺ قال (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) والأصل في الأمر الوجوب لأن الله هدد المخالف فقال (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الثالث أن الصحابة فهموا الوجوب فإن عثمان بن عفان ﵁ أتى وعمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة وكأنه عرَّض به فقال والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت فقال والوضوء أيضاً وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فلامه على ذلك ولا موجب لصرفه عن الوجوب ليس فيه إلا حديث سمرة المرسل الركيك اللفظ وهو قوله (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) هذا الكلام بمجرد ما تسمعه تكاد تجزم أنه لم يخرج من مشكاة النبوة كلام ركيك وبعيد أن يكون الرسول قد قاله ﵊ على ما في الخلاف من حديث الحسن عن سمرة ونقول أيضاً إيجاب ذلك على الناس أحوط من عدم الإيجاب وقد قال النبي ﷺ من (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). فإن قال قائل هل وجوبه كوجوب الغسل من حدث بحيث لو لم يفعل لم تصح صلاته؟ فالجواب لا لأن الصحابة يكاد يكون إجماعاً بينهم في قصة عمر أنه أي الاغتسال ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو واجب للصلاة وليس شرطاً فيها. فإن قال قائل وهل يجزئ الغسل بعد الصلاة؟ فالجواب لا لأن الغسل للجمعة أي لصلاة الجمعة وإذا انتهت الصلاة فلا فائدة من الغسل لأنه انتهى المقصود.

стр. 725

أما السواك وأن يمس طيباً فهذا ليس بواجب بالاتفاق على أن أحد رواته ونسيت من هو وأظنه أبا سعيد قال أما الغسل فواجب وأما السواك فلا أدري وكأنه توقف لأن السواك لا يحصل به من التنظيف كما يحصل من الاغتسال ويتأكد الاغتسال في أيام الصيف وأيام الحر التي يكثر فيها العرق وتفوح الرائحة ولهذا توسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال إن غسل الجمعة واجب على من فيه رائحة لا تزول إلا بالاغتسال لكن العموم أولى أعني عموم الوجوب أولى من القول بالتقييد. السائل: ما إذا كانت الرائحة طبيعية لا يمكن أن تزول بالغسل؟ الشيخ: إذا كانت الرائحة طبيعة فلا يمكن أن تزول بالغسل لكن من الممكن أن يدهن بأطياب قوية تخفف الرائحة لأنه يوجد أطياب لها رائحة قوية تخفف الرائحة. السائل: بعض العطور التي يضعها الرجل قد تؤذي رجلاً آخر؟ الشيخ: إذا كان يؤذي أكثر الناس فلا يستعمله. القارئ: والمذهب الأول لأن رسول الله ﷺ قال (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) قال الترمذي هذا حديث حسن والخبر الأول أريد به تأكيد الاستحباب ولذلك ذكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين. الشيخ: هذا غير مسلم ليسا واجبين وإذا سلمنا بإجماع العلماء يعني مثلا بأن العلماء أجمعوا على أن السواك والطيب غير واجبين فنقول خرج هذا بالإجماع أنه ليس بواجب ودلالة الاقتران ضعيفة ولم يقل بها إلا نفر قليل من العلماء ولهذا كان القول الصحيح أن الخيل حلال وإن كانت مقرونة في القرآن بالحمير والبغال. القارئ: ووقت الغسل بعد الفجر لقوله (يوم الجمعة) والأفضل فعله عند الرواح لأنه أبلغ في المقصود ولا يصح إلا بنية لأنه عبادة.

стр. 726

الشيخ: قوله ﵀ وقت الغسل بعد الفجر هذا فيه احتمال لا شك لأن اليوم الشرعي يدخل بطلوع الفجر لكن لو أخره إلى ما بعد طلوع الشمس لكان أحسن لأنه إذا أخره حتى طلوع الشمس كان اغتساله في اليوم قطعاً وقبل طلوع الشمس أمر مشكوك فيه. وقوله ولا يصح إلا بنية لأنه من العبادة وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات). القارئ: فإن اغتسل للجمعة والجنابة أجزأه وإن اغتسل للجنابة وحدها احتمل أن يجزئه لقوله ﵇ (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) ولأن المقصود التنظيف وهو حاصل واحتمل أن لا يجزئه لقوله ﵇ (وليس للمرء من عمله إلا ما نواه). الشيخ: الظاهر أنه روى الحديث بالمعنى (ليس للمرء من عمله إلا ما نواه) لأنه قريب من معنى (وإنما لكل امرئ ما نوى) والذي يظهر أنه يجزئ إذا نوى عن الجنابة وغاب عن ذهنه نية الغسل للجمعة فإنه يجزئه. لكن لو نوى للجمعة دون الجنابة هل يجزئه أو لا؟ لا يجزئه لأن غسل الجنابة عن حدث ولابد من رفعه بالنية وغسل الجمعة تنظيف وليس عن حدث ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى. لو نواهما جميعاً؟ صح كما لو نوى بالراتبة تحية المسجد مع الراتبة وإن اغتسل أولاً عن الجنابة ثم عاد واغتسل للجمعة يجزئ أم لا؟ يجزئ بل قال الفقهاء إنه أكمل أن يغتسل للواجب أولاً ثم للمسنون ثانياً وقال ابن حزم ﵀ لا يجزئ أحدهما عن الآخر بل لابد أن يغتسل أولاً للجنابة ثم ثانياً للجمعة وبناءً على هذا يكون إعادة الغسل مرتين يكون أحوط من وجه آخر إتقاءً لهذا القول الذي ذهب إليه ابن حزم وإن كنا نرى أنه قول ضعيف لكنه قد قيل. وأما قول المؤلف لقول النبي ﷺ (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) فقد سبق أن معناه كغسل الجنابة. فصل

стр. 727

القارئ: وإذا أتى المسجد كره له أن يتخطى الناس لقوله ﵇ (ولم يفرق بين اثنين) إلا أن يكون إماماً ولا يجد طريقا فلا بأس بالتخطي لأنه موضع حاجة ومن لم يجد موضعاً إلا فرجة لا يصل إليها إلا بتخطي الرجل والرجلين فلا بأس فإن تركوا أول المسجد فارغاً وجلسوا دونه فلا بأس بتخطيهم لأنهم ضيعوا حق نفوسهم وإن ازدحم الناس في المسجد وداخله اتساع فلم يجد الداخل لنفسه موضعاً فعلم أنهم إذا قاموا تقدموا جلس حتى يقوموا وإن لم يرجو ذلك فله تخطيهم لأنه موضع حاجة. الشيخ: قول المؤلف ﵀ كره أن يتخطى الناس في الاقتصار على الكراهة نظر لأن النبي ﷺ رأى رجلاً يتخطى الناس فقال له (اجلس فقد آذيت) والأمر للوجوب ولا سيما أنه علل ذلك بالأذية وأذية المسلمين محرمة ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الخطبة فإنه مع أذيتهم بالتخطي يوجب أن تنشغل قلوبهم عن استماع الخطبة. أما ما ذكره من الإمام إذا لم يكن له باب من قبلة المسجد فنعم لأن تخطيه لحاجة وأما ما ذكره ممن رأى فرجة تركها من تقدم ففي النفس من هذا شيء لأن ظاهر الحديث في الرجل الذي يتخطى الناس العموم فهي قضية عين تحتمل أن الرجل يتخطى لفرجة ويحتمل أنه يتخطى لعله يجد فرجة لذلك لا نرى أن يتخطى لأجل الفرجة لكن نرى أن من تقدموا فلا ينبغي لهم أن يدعوا فرجاً كما نراه بعض الأحيان تجد في الصفوف الأولى متسعات يعني تكاد تقول كل رجل بينه وبين أخيه ما يسع لرجل آخر وهذا تضييق للمسجد ومنع لغيرهم ممن يأتي ليتخذ مكاناً. السائل: كيف نجيب على قولهم الذين يقولون إن قوله ﷺ (واجب) هذا يرد في اللغة العربية كقولهم حافظت علي واجباً ويقولون إن الرسول ﷺ لسان عربي مبين فهو من أهل اللغة فهو يأتي ما تدل عليه اللغة.

стр. 728

الشيخ: وهل إن كلمة واجب في اللغة لا تأتي إلا للمستحب؟ لا، وما هو الأصل؟ الأصل أنها تأتي للواجب فإذا كان الأصل أن تأتي للواجب فالواجب إجراء النصوص على ظاهرها ثم إن قول حققك علي واجب أولاً من قال إن هذه عبارة موروثة عن العرب قد تكون هذه عبارة عرفية ثم إن حق المسلم على المسلم واجب الأصل فيه الوجوب هذا الأصل ولهذا من استثنى من الحقوق الخمسة التي جمعها الرسول في قوله (حق المسلم على المسلم) خمسة من استثنى واحداً منها بأنه للاستحباب طولب بالدليل. السائل: من يقول غسل الجمعة لا يرفع الحدث مع أن الغسل واجب وغسل الجنابة واجب وهو يرفع الحدث فكلاهما واجب؟ الشيخ: نعم لكن غسل الجنابة عن حدث فإذا نوى ذلك اختفى، وغسل الجمعة للنظافة ليس عن حدث وأما وجوبه فهو واجب للنظافة فكيف يرفع حدثاً لم ينوه. القارئ: وليس لأحد أن يقيم غيره ويجلس مكانه لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال (لا يقيم الرجل الرجلَ من مقعده ويجلس فيه) متفق عليه وإن قام له رجل من مكانه وأجلسه فيه جاز لأن الحق له لكن إن كان المنتقل ينتقل إلى موضع أبعد من موضعه كره لما فيه من الإثار بالقربى. ولو قدم رجل غلامه فجلس في موضعه فإذا جاء قام الغلام وجلس مكانه فلا بأس به كان ابن سيرين يفعله وإن فرش له مصلى لم يكن لغيره الجلوس عليه وهل لغيره رفعه والجلوس في موضعه؟ فيه وجهان. وإن قام الجالس من موضعه لحاجة ثم عاد إليه فهو أحق به لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) رواه مسلم وإن نعس فأمكنه التحول إلى مكان لا يتخطى فيه أحداً استحب له ذلك لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره) من المسند وهو حديث صحيح. الشيخ: هذه مسائل في هذا القطعة:

стр. 729

المسألة الأولى أنه لا يجوز أن يقيم غيره ويجلس مكانه واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا يقيم الرجل رجلاً من مقعده ويجلس فيه) متفق عليه والنفي هنا بمعنى النهي وإذا جاء النفي بمعنى النهي فهو أبلغ في الزجر عنه لأن التقدير أن هذا أمر معلوم بحيث صار سجية وطبيعة بأن الإنسان لا يقيم غيره وظاهر كلام المؤلف أنه لا يقيم أخاه الصغير ولا ابنه ولا الصبي الصغير لعموم قوله وليس لأحد أن يقيم غيره ويجلس مكانه وهذا حق أنه لا يجوز أن يقيم الإنسان غيره ويجلس مكانه مهما كان هذا الغير. المسألة الثانية إذا قام له الرجل من مكانه وأجلسه فيه فهل له أن يقبل؟ الجواب نعم له أن يقبل لأن الحق للجالس الأول فإذا أسقطه فلا بأس. المسألة الثالثة هل للإنسان أن يقدم غيره في المكان الفاضل ويتأخر إلى المكان المفضول؟ يقول المؤلف إن هذا مكروه لما فيه من الإيثار بالقرب وهذا صحيح يعني لا ينبغي للإنسان أن يوثر غيره بالقربى لأنه سيحتاج إليها إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة أكبر مثل أن يؤثر أباه أو أحداً له فضل على الناس بمال أو علم أو ما أشبه هذا ويريد أن يؤثره تشجيعاً له ولغيره فهذا يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل. المسالة الرابعة إذا قدم أحداً يجلس في مكان فاضل حتى يحضر سواء كان غلامه أو ابنه الصغير أو غيرهما فهل له ذلك؟ يقول المؤلف إنه لا بأس واستدل بفعل ابن سيرين وابن سيرين من التابعين وفعله ليس بحجة وقوله ليس بحجة لأن العلماء اختلفوا في قول الصحابي هل يكون حجة أم لا فضلاً عن قول التابعي ولهذا نرى أن في النفس شيئاً وذلك أن هذا الذي قدم فجلس لم يتقدم لنيل الفضل له وإنما تقدم لنيل الفضل لغيره وغيره ليس له حق أن يتقدم في المكان الفاضل ويتأخر من سبقه بالمجيء فهو يشبه التحجر بقطعة المنديل أو بالسجادة أو ما اشبه ذلك.

стр. 730

المسالة الخامسة هل له أن يفرش شيئاً في مكان ليصلي فيه إذا حضر؟ المذهب أن ذلك جائز وليس لغيره أن يجلس فيه لأن هذا المصلى للذي فرشه ولا يجوز أن يصلي عليه فيتصرف في مال غيره لكن هل للغير أن يرفعه؟ يقول المؤلف إن فيه وجهين: الوجه الأول أن له أن يرفعه لأن هذا وضعه بغير حق والوجه الثاني ليس له أن يرفعه والمذهب أنه ليس له أن يرفعه إلا إذا أقيمت الصلاة ولا شك أنه لو رفعه سوف يكون بينه وبين صاحبه خصومة وشجار وعداوة وينظر كل واحد منهما إلى الآخر نظرة غضب ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح لكن ينصح هذا الرجل الذي يضع مصلى أو غيره يحجزه عن الناس الذين هم أحق به منه ينصح ويقال يا أخي لا تفعل هذا لأنك إذا فعلت حرمت غيرك المكان الفاضل وإذا فعلت فإنك تعتمد على أنك قد وضعت مكاناً لك في مقدم المسجد فتتهاون في الحضور والتقدم كما هو الشأن الآن فيما يشاهد الناس أن الذين يحجزون في الأماكن المتقدمة تجدهم لا يأتون إلا في آخر الناس لأنه يرى أنه قد ضمن لنفسه أن يكون في الصف الأول فيتأخر أما إذا قام من مجلسه لعذر ثم رجع فإنه أحق بمكانه وله أن يقيم من جلس فيه لكن ينغي له إذا خرج لعذر أن يضع في مكانه شيئاً يدل على أنه سيرجع لئلا يجلس فيه أحد فيحصل النزاع إذا رجع وقال قم عن مكاني وكلما حصل به درء المشاجرة بين المسلمين فهو خير. المسألة الأخيرة إذا نعس فالأفضل أن يتحول إلى مكان آخر واستدل له المؤلف بحديث في المسند وقال إنه حديث صحيح وربما يشهد له أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما نام في السفر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمرهم أن يتحولوا إلى مكان آخر فارتحلوا إلى مكان آخر ولكن إذا لزم من هذا أن يتخطى رقاب الناس فنقول له لا تتخطى تبقى في مكانك وتحاول طرد النعاس بالتسوك أو تغيير الجلوس مثلاً أو إذا كان لا يؤثر على من إلى جانبه بالتحدث إليه قليلاً يعني قبل مجيء الإمام المهم أنه يحاول أن يطرد النعاس.

стр. 731

السائل: مجيء الإنسان مبكراً ولكنه متعب ويأتي فيضع مثلاً سجادة أو كتاب في موضعه ثم ينام في غير موضعه لكنه في المسجد؟ الشيخ: ما دام في المسجد فلا بأس. السائل: إذا قام رجل من مكانه يؤثر رجلاً فهل الأفضل قبول ذلك أم ينصحه أن لا يؤثر غيره؟ الشيخ: يقول إذا آثر غيره فهل الأفضل للمؤثَر أن يقول يا فلان لا تؤثر أحداً في مكانك الفاضل أو أن يقبل تحوله عنه وإيثاره؟ ينظر للمصلحة لأنك لو قلت له إنه لا ينبغي أن تفعل هذا ورددت إيثاره إياك صار في نفسه شيء لأنه ما قام إلا ليكرمك وأنت إذا رددته أهنته فالذي أرى أنك تقبل هذا الإيثار ثم بعد ذلك تنصحه. فصل القارئ: ويتستحب الدنو من الإمام لقول رسول الله ﷺ (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) رواه ابن ماجة والنسائي وإن حضر قبل الخطبة اشتغل بالتنفل أو ذكر الله وقراءة القرآن ويكثر من الدعاء لعله يوافق ساعة الإجابة ويكثر من الصلاة على رسول الله ﷺ ويقرأ سورة الكهف لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي الفتنة). فصل

стр. 732

القارئ: فإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل فإذا أخذ في الخطبة حرم الكلام لقول النبي ﷺ (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) متفق عليه، وروى ثعلبة بن مالك أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر ولم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا وعنه لا يحرم الكلام لما روى أنس قال بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فادعو الله أن يسقينا وذكر الحديث متفق عليه والأول أولى وهذا يحتمل أنه في تكليم الخطيب دون غيره لأنه لا يشتغل بتكليمه عن سماع خطبته. الشيخ: الصواب المتعين في هذا أن الكلام حال خطبة الجمعة محرم ولا إشكال في هذا وأستغرب أن يكون للإمام أحمد ﵀ رواية في عدم التحريم لأنه ﵁ ورحمه من المتمسكين بالسنة والسنة في هذا واضحة وما أوردوه استدلالاً فإنه لا دليل فيه لأن هذا الرجل يكلم الخطيب فلا يشتغل بتكليمه عن سماع الخطبة إذ أن الخطيب سوف يكلمه ولا يخطب على تكليمه ويستثنى من ذلك ما إذا دعت الضرورة إلى الكلام كما لو تكلم لإنقاذ معصوم من هلكه فإن ذلك جائز مثل أن يرى شخصاً يخشى أن يسقط في بئر أو نحوه فيتكلم فهنا الكلام جائز بل هو واجب لأنه لإنقاذ معصوم.

стр. 733

وهل يتكلم جواباً لسؤال أو رداً لسلام؟ الجواب لا يرد السلام ولكن إذا انتهت الخطبة يقول للمسلم إنه لا يحل لك أن تسلم ولا يحل لغيرك أن يجيبك على سلامك لأن لا يتهمه بالكبرياء وليفهم الحكم فهو إذا أخبره بهذا استفاد فائدتين الفائدة الأولى له والفائدة الثانية لمن لم يجبه الفائدة لمن لم يجبه أنه يدفع عن نفسه تهمة الكبر والفائدة لمن لم يسلم أنه يعرف الحكم حتى لا يعود مرة ثانية ويسلم وهل يسكت المتكلم نقول أما بالاشارة فنعم وأما بالعبارة فلا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) واللغو أن لا يدرك أجر الجمعة وعلى هذا فيكون معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ومن لغا فلا جمعة له) يعني أنه لا يدرك فضلها وليس المعنى أن صلاته تبطل بل صلاته صحيحة مجزئة ولا أظن في ذلك خلافاً لكن أجر الجمعة الخاص لا يناله لأنه لغا وفي مسند الإمام أحمد (أن الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول أنصت لا جمعة له). السائل: عندما نسمع ذكر الرسول ﵊ في الخطبة فإننا نصلي عليه؟

стр. 734

الشيخ: لو صليت عليه هل هذا كلام أو دعاء؟ دعاء ثبت لوجود سببه فأنت تقول اللهم صلِّ وسلم عليه بحيث لا تشوش على من حولك أو تقول آمين لأن تأمينك على صلاة الخطيب بمنزلة دعائك أنت إذ أن المؤمِّن على دعاء يستمع إليه داعٍ ودليل هذا قوله في قصة موسى وهارون (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) والداعي موسى لكن قالوا إن هارون كان يؤمن فقال الله (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) فأنت إذا سمعت أحداً يصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنت تستمع إليه وقلت آمين كفى. السائل: مما لا شك فيه أن ما وجد سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يفعله ولا الصحابة ولا السلف الصالح أنه مخالف للسنة هل ثبت عن السلف أنهم كانوا يرفعون أيديهم بين الخطبتين؟ الشيخ: يقولون ما ثبت بطريق العموم ولم ينقل فعدم النقل ليس نقلاً للعدم ومن المعلوم أن هذه الساعة ساعة إجابة وأن من آداب الدعاء رفع اليدين فإذا رفع أحد يديه فإننا لا ننكر عليه لأن هذا الوقت وقت إجابة وهذا هو الذي يتبين به إطلاق أن عدم النقل ليس نقلاً للعدم معناه ما ثبت بعموم أو نحوه فلا يحتاج إلى أن ينقل العمل به لأن الأصل أنهم يعملون به ويقال عدم النقل ليس نقلاً للعدم نعم لو نقل أنهم لا يفعلون حينها نقول لا تفعل ادعو الله بدون رفع اليدين كما تقول ربي اغفر لي في الصلاة وأنت لا ترفع يديك. السائل: ما حكم رفع اليدين في الخطبة؟

стр. 735

الشيخ: رفع اليدين في الخطبة أنكره الصحابة على بشر بن مروان لكن قد ثبت رفع اليدين في الخطبة في حال الاستسقاء وفي حال الاستصحاء وفي غير ذلك لا تُرفع الأيدي لا الخطيب ولا المستمع. السائل: ذكر بعض العلماء أنه إذا ورد النص العام فإنه لا يعمل بجزء منه إلا إذا ثبت عن السلف العمل به؟ الشيخ: نعم هذه قاعدة مهدومة لأن الأصل هو العمل والأصل أن العام شامل لجميع أفراده لقول النبي ﷺ حين ذكر التشهد (وعلى عباد الله الصالحين) قال (إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض). القارئ: والبعيد والقريب سواء في ذلك وقد روي عن عثمان أنه قال إن للمنصت الذي لا يسمع من الخطبة مثل ما للسامع إلا أن للبعيد أن يذكر الله ويقرأ القرآن سرا وليس له الجهر ولا المذاكرة في الفقه لأن النبي ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة والإمام يخطب وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة.

стр. 736

الشيخ: يقول ﵀ القريب والبعيد في هذا سواء يعني كل من في المسجد لا يجوز لهم الكلام لكن من لم يسمع فله أن يذكر الله أو يسبح أو يقرأ القرآن أو يطالع في الفقه بشرط أن لا يشوش على غيره فإن شوش على غيره فإنه يمنع ربما يكون مثلاً إنسان يقلب الكتاب ويسمع له صوت ويشوش على الناس فهذا يمنع ولو كان بعيداً ثم إن المؤلف ﵀ استدل بنهي النبي ﷺ عن التحلق يوم الجمعة في اللفظ الأول التحلق والإمام يخطب وفي الثاني التحلق قبل الصلاة فيحتمل أنه أراد بما قبل الصلاة وقت الخطبة ويحتمل أنه أراد ما هو أوسع يعني حتى ما قبل ذلك فإن كان الأول فالنهي ظاهر لأن الناس إذا تحلقوا والإمام يخطب غفلوا عما يقول الخطيب وإن كان الثاني فإنه يحمل على ما إذا كان التحلق يضيق على من سبق إلى المسجد لأن يوم الجمعة يتقدم الناس فإذا كان هناك تحلق فإنه يضيق على المصلين الذين قدموا للجمعة من وجه وربما يشوش عليهم بالأصوات من وجه آخر فلهذا نهى عن التحلق أما لو كان هناك حلقة بعد صلاة الفجر يوم الجمعة وتنتهي قبل أن يبدأ حضور الناس فهذه لا نهي فيها. القارئ: ومن يسمع متكلماً لم ينهه بالقول للخبر ولكن يشير إليه ويضع أصبعه على فيه وإن وجب الكلام مثل تحذير ضرير شيئاً مخوفاً فعليه الكلام لأنه لحق آدمي فكان مقدماً على غيره ومن سأله الإمام عن شيء فعليه إجابته لأن النبي ﷺ سأل الداخل (أصليت) فأجابه وسأل عمر عثمان فأجابه. الشيخ: إن سأله الإمام يقول فعليه الإجابة وجوباً أو استحباباً؟ إن كان الإمام ممن يصر على ما يتكلم به فإجابته واجبة لأنه لو لم يجبه لأعاد عليهم الطلب مرة ثانية وربما زجره وإن كان الإمام من أهل اليسر والتسهيل فإن الإجابة لا تجب إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة عامة كما لو انقطع تيار الكهرباء مثلاً أو مكبر الصوت وقال يا فلان أصلح هذا فهنا قال يجب أن يجيبه لأن لا تتعطل المصلحة.

стр. 737

قصة عمر مع عثمان ما هي؟ تأخر وقال أيضاً لم أزد على أن توضأت فقال له عمر والوضوء أيضاً وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل). القارئ: وفي رد السلام وتشميت العاطس روايتان إحداهما يفعله لأنه لحق آدمي فأشبه تحذير الضرير والأخرى لا يفعله لأن المُسلِّم سَلَّم في غير موضعه والتشميت سنة لا يترك لها الإنصات الواجب. الشيخ: الصحيح أنه لا يجوز لا رد السلام ولا تشميت العاطس ولو حمى وذلك لأن الاستماع إلى الخطبة أهم وإذا كان من نهى عن منكر يلغو فهذا مثله وكما قال المؤلف المسلِّم سلَّم في غير وقت تسليم لأن هذا وقت لا يسلم فيه على أحد. القارئ: ولا يتصدق على سائل والإمام يخطب وإذا لم يسمع الخطبة فلا بأس أن يشرب الماء. الشيخ: وإن كان يسمع ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرب لكن يقال إن احتاج وعطش عطشاً يشغله عن استماع الخطبة فلا بأس أن يقوم ويشرب. فصل في كلام الخطيب القارئ: ولا يحرم الكلام على الخاطب لأن النبي ﷺ كان يتكلم وعمر سأل عثمان أية ساعة هذه فإذا وصل الخطيب إلى الدعاء ففيه وجهان أحدهما يباح الكلام لأنه فرغ من الخطبة والثاني لا يباح لأنه تابع للخطبة أشبه التطويل في الموعظة. الشيخ: الوجه الثاني هو الصحيح أنه ما دام الخطيب لم يسكت فإن الواجب الإنصات. وظاهر كلام المؤلف لا يحرم الكلام مع الخاطب فللخاطب أن يتكلم بما شاء متى شاء وليس كذلك بل لا يتكلم إلا لمصلحة أو حاجة حتى الخطيب لا يتكلم إلا لمصلحة أو حاجة فأما لدون مصلحة أو حاجة فلا يجوز أن يتكلم فلو دخل أحد قد أوصاه الخطيب بشيء فلما دخل قال له اشتريت الذي وصيتك عليه وهو يخطب هذا لا يصح لكن لحاجة أو مصلحة لا بأس. فصل

стр. 738

القارئ: ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما لما روى جابر قال دخل رجل والنبي ﷺ يخطب قال (صليت يا فلان) قال لا قال (فصلِّ ركعتين) متفق عليه زاد مسلم ثم قال (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما). الشيخ: هذا الحديث استدل به بعض العلماء على وجوب تحية المسجد وعلل ذلك بأن الانشغال في التحية يستلزم الانشغال عن سماع الخطبة وسماع الخطبة واجب ولا ينشغل عن واجب إلا بواجب وفيه أيضاً دليل على تقديم الواجب على السنة والمستحب لقوله (وليتجوز فيهما) لأن الأمر بالتجوز من أجل التفرغ لاستماع الخطبة مع أن تطويل الإنسان في صلاة النفل بكثرة الدعاء والقراءة أفضل لكن لهذا العارض أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتجوز فيؤخذ من هذا القاعدة المعروفة أن الواجب مقدم على النفل إذا كان من جنسه أما إذا كان من غير جنسه فله تفصيلات. فصل القارئ: ويسن أن يصلي بعد الجمعة أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصلِّ بعدها أربعا) رواه مسلم وإن شاء صلى ركعتين لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه وإن شاء صلى ستا لأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ كان يفعله.

стр. 739

الشيخ: هذه ثلاث صفات ركعتان وأربع وست لكن الرواية الثانية عن ابن عمر تحتاج إلى تخريج لأن المعروف أنه كان يصلي ركعتين في بيته فمن العلماء من قال إنه مخير كما مشى عليه المؤلف ومنهم من قال يسن ركعتان فقط ومنهم من قال يسن أربع ركعات ومنهم من قال إن صلاها في المسجد فأربع وإن صلاها في البيت فركعتان قال لأن السنة الفعلية أن الرسول صلى في البيت ركعتين والسنة القولية قال (فليصلِّ بعدها أربعاً) فيحمل هذا على ما إذا كان في المسجد وأما في البيت فلا يزيد على ما صلاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أن الأحوط أن يصلي أربعاً سواءً في البيت أو في المسجد لأن قول الرسول ﷺ مقدم على فعله وبعض العلماء قال يصلي ستاً لا لهذا الحديث الذي أشار إليه المؤلف حديث ابن عمر ولكن قال نجمع بين القول والفعل فالقول أربع والفعل ركعتان والجميع ست ركعات والأمر في هذا واسع لكن الذي تطمئن إليه النفس أنه يصلي أربعا سواءً في المسجد أو في بيته إلا إذا صح حديث ابن عمر أن الرسول ﷺ كان يصلي ستاً فالأخذ بالأكثر هو الأفضل. القارئ: ويستحب أن يفصل بين الجمعة والركوع بكلام أو رجوع إلى منزله لما روى السائب بن يزيد قال قال لي معاوية إذا صليت صلاة الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج قال كان النبي ﷺ يأمرنا بذلك رواه مسلم.

стр. 740

الشيخ: نعم فيسن أن يفصل بين الفرض وسنته سواءً الجمعة وغير الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه أما الكلام فصريح (حتى تتكلم أو تخرج) وأما الانتقال من المكان فلأنه يحصل به الفصل بين الفرض والسنة إلا إذا كان لا مكان مثل أيام الزحام في المسجد الحرام والمسجد النبوي فلا بأس أن يصلي في مكانه على أن الأفضل أن يصلي الإنسان النوافل في البيت حتى في المسجدين المسجد الحرام والمسجد النبوي لأن النبي ﷺ كان يصلي النوافل في بيته وقال (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة). السائل: هل الكلام هنا التسبيح أو كلام الآدميين؟ الشيخ: الظاهر والله أعلم أنه ما يحصل به التمييز سواءً كان تسبيحاً طويلاً أو كلام آدميين يعني يطول التسبيح ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم يقوم يصلي. فصل القارئ: ويستحب أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (١) تَنْزِيلُ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) لأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) رواه مسلم قال أحمد ولا أحب أن يداوم عليها لأن لا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة.
следующие страницы →