Полный текст (2 447 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الشيخ: يقول ﵀ القريب والبعيد في هذا سواء يعني كل من في المسجد لا يجوز لهم الكلام لكن من لم يسمع فله أن يذكر الله أو يسبح أو يقرأ القرآن أو يطالع في الفقه بشرط أن لا يشوش على غيره فإن شوش على غيره فإنه يمنع ربما يكون مثلاً إنسان يقلب الكتاب ويسمع له صوت ويشوش على الناس فهذا يمنع ولو كان بعيداً ثم إن المؤلف ﵀ استدل بنهي النبي ﷺ عن التحلق يوم الجمعة في اللفظ الأول التحلق والإمام يخطب وفي الثاني التحلق قبل الصلاة فيحتمل أنه أراد بما قبل الصلاة وقت الخطبة ويحتمل أنه أراد ما هو أوسع يعني حتى ما قبل ذلك فإن كان الأول فالنهي ظاهر لأن الناس إذا تحلقوا والإمام يخطب غفلوا عما يقول الخطيب وإن كان الثاني فإنه يحمل على ما إذا كان التحلق يضيق على من سبق إلى المسجد لأن يوم الجمعة يتقدم الناس فإذا كان هناك تحلق فإنه يضيق على المصلين الذين قدموا للجمعة من وجه وربما يشوش عليهم بالأصوات من وجه آخر فلهذا نهى عن التحلق أما لو كان هناك حلقة بعد صلاة الفجر يوم الجمعة وتنتهي قبل أن يبدأ حضور الناس فهذه لا نهي فيها.
القارئ: ومن يسمع متكلماً لم ينهه بالقول للخبر ولكن يشير إليه ويضع أصبعه على فيه وإن وجب الكلام مثل تحذير ضرير شيئاً مخوفاً فعليه الكلام لأنه لحق آدمي فكان مقدماً على غيره ومن سأله الإمام عن شيء فعليه إجابته لأن النبي ﷺ سأل الداخل (أصليت) فأجابه وسأل عمر عثمان فأجابه.
الشيخ: إن سأله الإمام يقول فعليه الإجابة وجوباً أو استحباباً؟ إن كان الإمام ممن يصر على ما يتكلم به فإجابته واجبة لأنه لو لم يجبه لأعاد عليهم الطلب مرة ثانية وربما زجره وإن كان الإمام من أهل اليسر والتسهيل فإن الإجابة لا تجب إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة عامة كما لو انقطع تيار الكهرباء مثلاً أو مكبر الصوت وقال يا فلان أصلح هذا فهنا قال يجب أن يجيبه لأن لا تتعطل المصلحة.
стр. 737
قصة عمر مع عثمان ما هي؟ تأخر وقال أيضاً لم أزد على أن توضأت فقال له عمر والوضوء أيضاً وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل).
القارئ: وفي رد السلام وتشميت العاطس روايتان إحداهما يفعله لأنه لحق آدمي فأشبه تحذير الضرير والأخرى لا يفعله لأن المُسلِّم سَلَّم في غير موضعه والتشميت سنة لا يترك لها الإنصات الواجب.
الشيخ: الصحيح أنه لا يجوز لا رد السلام ولا تشميت العاطس ولو حمى وذلك لأن الاستماع إلى الخطبة أهم وإذا كان من نهى عن منكر يلغو فهذا مثله وكما قال المؤلف المسلِّم سلَّم في غير وقت تسليم لأن هذا وقت لا يسلم فيه على أحد.
القارئ: ولا يتصدق على سائل والإمام يخطب وإذا لم يسمع الخطبة فلا بأس أن يشرب الماء.
الشيخ: وإن كان يسمع ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرب لكن يقال إن احتاج وعطش عطشاً يشغله عن استماع الخطبة فلا بأس أن يقوم ويشرب.
فصل
في كلام الخطيب
القارئ: ولا يحرم الكلام على الخاطب لأن النبي ﷺ كان يتكلم وعمر سأل عثمان أية ساعة هذه فإذا وصل الخطيب إلى الدعاء ففيه وجهان أحدهما يباح الكلام لأنه فرغ من الخطبة والثاني لا يباح لأنه تابع للخطبة أشبه التطويل في الموعظة.
الشيخ: الوجه الثاني هو الصحيح أنه ما دام الخطيب لم يسكت فإن الواجب الإنصات.
وظاهر كلام المؤلف لا يحرم الكلام مع الخاطب فللخاطب أن يتكلم بما شاء متى شاء وليس كذلك بل لا يتكلم إلا لمصلحة أو حاجة حتى الخطيب لا يتكلم إلا لمصلحة أو حاجة فأما لدون مصلحة أو حاجة فلا يجوز أن يتكلم فلو دخل أحد قد أوصاه الخطيب بشيء فلما دخل قال له اشتريت الذي وصيتك عليه وهو يخطب هذا لا يصح لكن لحاجة أو مصلحة لا بأس.
فصل
стр. 738
القارئ: ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما لما روى جابر قال دخل رجل والنبي ﷺ يخطب قال (صليت يا فلان) قال لا قال (فصلِّ ركعتين) متفق عليه زاد مسلم ثم قال (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما).
الشيخ: هذا الحديث استدل به بعض العلماء على وجوب تحية المسجد وعلل ذلك بأن الانشغال في التحية يستلزم الانشغال عن سماع الخطبة وسماع الخطبة واجب ولا ينشغل عن واجب إلا بواجب وفيه أيضاً دليل على تقديم الواجب على السنة والمستحب لقوله (وليتجوز فيهما) لأن الأمر بالتجوز من أجل التفرغ لاستماع الخطبة مع أن تطويل الإنسان في صلاة النفل بكثرة الدعاء والقراءة أفضل لكن لهذا العارض أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتجوز فيؤخذ من هذا القاعدة المعروفة أن الواجب مقدم على النفل إذا كان من جنسه أما إذا كان من غير جنسه فله تفصيلات.
فصل
القارئ: ويسن أن يصلي بعد الجمعة أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصلِّ بعدها أربعا) رواه مسلم وإن شاء صلى ركعتين لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه وإن شاء صلى ستا لأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ كان يفعله.
стр. 739
الشيخ: هذه ثلاث صفات ركعتان وأربع وست لكن الرواية الثانية عن ابن عمر تحتاج إلى تخريج لأن المعروف أنه كان يصلي ركعتين في بيته فمن العلماء من قال إنه مخير كما مشى عليه المؤلف ومنهم من قال يسن ركعتان فقط ومنهم من قال يسن أربع ركعات ومنهم من قال إن صلاها في المسجد فأربع وإن صلاها في البيت فركعتان قال لأن السنة الفعلية أن الرسول صلى في البيت ركعتين والسنة القولية قال (فليصلِّ بعدها أربعاً) فيحمل هذا على ما إذا كان في المسجد وأما في البيت فلا يزيد على ما صلاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أن الأحوط أن يصلي أربعاً سواءً في البيت أو في المسجد لأن قول الرسول ﷺ مقدم على فعله وبعض العلماء قال يصلي ستاً لا لهذا الحديث الذي أشار إليه المؤلف حديث ابن عمر ولكن قال نجمع بين القول والفعل فالقول أربع والفعل ركعتان والجميع ست ركعات والأمر في هذا واسع لكن الذي تطمئن إليه النفس أنه يصلي أربعا سواءً في المسجد أو في بيته إلا إذا صح حديث ابن عمر أن الرسول ﷺ كان يصلي ستاً فالأخذ بالأكثر هو الأفضل.
القارئ: ويستحب أن يفصل بين الجمعة والركوع بكلام أو رجوع إلى منزله لما روى السائب بن يزيد قال قال لي معاوية إذا صليت صلاة الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج قال كان النبي ﷺ يأمرنا بذلك رواه مسلم.
стр. 740
الشيخ: نعم فيسن أن يفصل بين الفرض وسنته سواءً الجمعة وغير الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه أما الكلام فصريح (حتى تتكلم أو تخرج) وأما الانتقال من المكان فلأنه يحصل به الفصل بين الفرض والسنة إلا إذا كان لا مكان مثل أيام الزحام في المسجد الحرام والمسجد النبوي فلا بأس أن يصلي في مكانه على أن الأفضل أن يصلي الإنسان النوافل في البيت حتى في المسجدين المسجد الحرام والمسجد النبوي لأن النبي ﷺ كان يصلي النوافل في بيته وقال (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
السائل: هل الكلام هنا التسبيح أو كلام الآدميين؟
الشيخ: الظاهر والله أعلم أنه ما يحصل به التمييز سواءً كان تسبيحاً طويلاً أو كلام آدميين يعني يطول التسبيح ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم يقوم يصلي.
فصل
القارئ: ويستحب أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (١) تَنْزِيلُ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) لأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) رواه مسلم قال أحمد ولا أحب أن يداوم عليها لأن لا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة.
стр. 741
الشيخ: كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين كاملتين لأن فيهما مبدأ خلق الإنسان وأحواله ومنتهاه فيذكر الناس يوم الجمعة ببدء الخلق لأن يوم الجمعة بدء فيه خلق آدم وبأحوالهم وبمنتهى أمرهم لأن يوم الجمعة تقوم فيه الساعة لا لأن تنزيل فيها السجدة ولهذا يغلط بعض الأئمة يظن أن فجر يوم الجمعة يسن فيه السجدة بأي سورة وهذا غلط كما أن بعض الأئمة يفصل إحدى السورتين إما سورة السجدة وإما سورة الإنسان وهذا أيضاً غلط كما أن بعضهم يقرأ نصف (الم تنزيل) السجدة ونصف (هل أتى) وهذا أيضاً غلط فيقال إما أن تفعل السنة كما وردت وإما فاقرأ ما تيسر لك أما أن تفصم عرى السنة وتقسم ظهرها فهذا لا يليق بك فإما أن تقرأ السورتين كاملتين وإما أن تدعهما وتقرأ غيرهما وأما قول الإمام أحمد لا أحب أن يداوم ففيه نظر لأنه قد ورد عن النبي ﵊ أنه كان يديم ذلك وخشية ظن الناس أنها مفضلة بسجدة أو أن هذا أمر واجب هذا يزول بما إذا أخلف الإنسان في السنة مرة أو في الشهر مرة أو قال للناس أنه ليس بواجب.
السائل: المسبوق في فجر الجمعة وفاتته ركعة هل يقرأ الإنسان أم السجدة؟
الشيخ: لا يقرأ السجدة لأنها فاتته السجدة إنما شرعت في الركعة الأولى وهذا الداخل فاتته الركعة الأولى إلا على قول من يقول إنما يقضيه أول صلاته فيقرأها وعلى هذا فيقرأ ما تيسير.
فصل
القارئ: فإذا اتفق عيد في يوم جمعة فصلوا العيد لم تلزمهم الجمعة ويصلون ظهرا لما روى زيد ابن أرقم قال شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم فصلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال (من شاء أن يجمِّع فليجمِّع) وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون إن شاء الله) رواهما أبو داود.
стр. 742
وتجب الجمعة على الإمام لقول النبي ﷺ (إنا مجمعون) ولأن تركه لها منع لمن يريدها من الناس وعنه لا يجب لأن ابن الزبير لم يصلها وكان إماماً ولأن الجمعة إذا سقطت عن المأمومين سقطت عن الإمام كحالة السفر فإن عجل الجمعة في وقت العيد أجزأته عن العيد والظهر في ظاهر كلامه لما روى عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما وصلاهما ركعتين فلم يزد عليهما حتى صلى العصر وبلغ فعله ابن عباس فقال أصاب السنة.
стр. 743
الشيخ: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فتصلى العيد في وقتها والجمعة في وقتها هكذا جاءت السنة كما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير هذا بالنسبة للإمام يصلي العيد والجمعة وأما غير الإمام فمن حضر العيد سقط عنه حضور الجمعة سقوط حضور لا سقوط وجوب بمعنى أنه لو حضر لعد من أهل الجمعة ومن أهل وجوبها وانعقدت به الجمعة ومن لم يحضر وجب عليه حضور الجمعة لئلا يفوته عيد ولكن من حضر صلاة العيد وقلنا لا يجب عليك حضور الجمعة فهل يصلي الظهر أو لا؟ قال بعض العلماء لا يجب عليه صلاة الظهر والصحيح أن الظهر تجب عليه لأن الظهر صلاة أوجبها الله تعالى بالزوال وجعل الجمعة تحل محلها في وقتها فإذا لم يصلها هذا الرجل وجب عليه أن يصلي الظهر لأن سبب فرضها وهو الزوال قائم فوجب عليه أن يصلي فالصواب في هذه المسألة أن نقول الإمام يجب عليه أن يصلي صلاة العيد وصلاة الجمعة ومن حضر معه صلاة العيد فهو بالخيار إن شاء حضر الجمعة وإن شاء لم يحضر ولكن يجب عليه أن يصلي الظهر ولو قدمت الجمعة في وقت صلاة العيد فالمذهب تجزئ لأن وقتها يدخل من ارتفاع الشمس قيد رمح أعني وقت الجمعة فإذا قدمها فلا بأس لكن يلزم من ذلك أن تكون الخطبة قبل الصلاة بخلاف صلاة العيد فإن الخطبة تكون بعدها وهذا المذهب وأما على رأي الجمهور وهو أن الجمعة لا تصح إلا بعد الزوال فإنها لا تتأتى هذه الصورة أي أن يقدم الجمعة في مكان العيد لأن الجمعة لا تصح إلا بعد الزوال والأقرب أن يقال كما أشرنا أولاً تصلى العيد في وقتها والجمعة في وقتها ومن حضر العيد فهو بالخيار بالنسبة للجمعة لكن تجب عليه صلاة الظهر.
السائل: من حضر العيد ولم يحضر الجمعة فكيف تصلى الظهر؟
الشيخ: لا تقام الجماعة في المساجد يصلونه في بيوتهم لأن إقامة الجماعة في المساجد هذه يحصل فيها تضارب وخلاف، وإن شاء الله يحصل بذلك أجر الجماعة ما دام أسقطه الله عنه.
стр. 744
السائل: رجل صلى في فجر الجمعة بالسجدة والإنسان فأنكر عليه رجل وقال لا تقرأ بهما لكي تخفف على الناس فما رأيكم؟
الشيخ: نحن نقول أتمها وقوله من أجل التخفيف على الناس نقول لا أحد أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ كما قال أنس بن مالك ما صليت وراء إمامٍ قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان الصحابة يقرؤون بسورة يوسف وسورة المؤمنين وغيرها من السور الطوال فمن أتى بالسنة فهو مخفف مهما كان والذي يثقل على الناس هو من أتى بما يخالف السنة أما من أتى بالسنة فهي خفيفة.
السائل: أيهما أفضل الخطبة مع التقصير في القراءة أم تقصير الخطبة وتطويل القراءة ما السنة في ذلك؟
الشيخ: قال النبي ﷺ (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) تقصير الخطبة أفضل أولاً دفع المشقة عن الناس والثاني إذا كانت الخطبة قصيرة وعاها الناس وأحاطوا بها وإذا كانت طويلة لا سيما إن كانت المواضيع مختلفة تشتت على الناس أما الصلاة فكلما طال وقوف الإنسان بين يدي الله وطالت مناجاته مع الله فهو أفضل لا شك.
السائل: في بعض الأماكن ربما لا يسمح في المسجد تقام فيه موعظة إلا يوم الجمعة في الخطبة؟
الشيخ: قصر قصر أحسن صحيح بعض الناس يقول الخطيب يقعد ساعة في الخطبة أو ساعة وربع لماذا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أعوذ بالله هذا خلاف السنة تماماً.
السائل: إذا دعا الإمام في الخطبة فالعوام عموماً يأمنون من وراء الخطيب هل نقول يحرم كلامهم؟
стр. 745
الشيخ: لا هذا ليس كلاماً هذا دعاء لأن معنى آمين اللهم استجب وهذا مما يدل على قوة متابعتهم لخطيبهم ولهذا تجد الذي ينعس ما يقول آمين بقي علينا رفع الصوت الفقهاء يقولون يأمن سراً والآن كما تسمعون بعض الأحيان يرفعون أصواتهم والإنسان يعني يخاف الله إنه يقول لهم لا ترفعون أصواتكم مع أن الحامل لهم على هذا هو قوة الرجاء والإلحاح على الله أما لو أنهم رفعوا أصواتاً منكرة بأن كانوا يرفعون أصواتهم رفعاً بيناً فهذا ينكر عليهم لكن رفعاً يعتبر ابتغى إلى ذلك قواماً ما يقدر الإنسان ينهاهم عن هذا الشيء لكن الفقهاء يقولون يسن سراً.
السائل: بعض الإخوة استشكل وضع مصليات خاصة للنساء في بعض المساجد يصلين فيها في رمضان وكان الصفوف بين النساء والرجال غير متصلة فربما كأن النساء في مبنى منفصل في نفس المسجد بعيد بحيث المسجد محيط به؟
الشيخ: ما في بأس.
باب
صلاة العيدين
القارئ: وهي فرض على الكفاية لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يداومون عليها ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرضاً كالجهاد ولا تجب على الأعيان لأن النبي ﷺ ذكر للأعرابي خمس صلوات فقال هل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع) متفق عليه.
الشيخ: وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء القول الأول ما ذكره المؤلف ولم يذكر سواه أنها فرض كفاية.
والقول الثاني أنها سنة واستدل هؤلاء بما استدل به المؤلف على نفي وجوبها على الأعيان وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للأعرابي حين قال هل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع).
стр. 746
والقول الثالث أنها فرض على الأعيان وهذا القول أرجح الأقوال أنها فرض على الأعيان لأن النبي ﷺ أمر بها وأمر بها حتى النساء مع أنه لم يأمر النساء بصلاة جماعة قط أمر بها حتى النساء وأن تتجنب الحيض المصلى وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أقرب الأقوال إلى الصواب أنها فرض عين وأن من تخلف عنها لغير عذر فهو آثم ولما فيها من المصلحة العظيمة وإظاهر الشعيرة وأما حديث هل علي غيرها قال: (لا إلا أن تطوع) فهذا بناءً على أن صلاة العيد لا تجب كل يوم وإنما تجب لسبب وما كان واجباً لسبب فإنه لا ينافي أن يقال إنه لا يجب كما تجب الصلوات الخمس.
القارئ: فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان.
الشيخ: نعم صحيح.
القارئ: ويشترط لوجوبها ما يشترط للجمعة لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة ولا يشترط لصحتها الاستيطان ولا العدد لأن أنساً كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولأنهما في حق من انتفت فيه شروط الوجوب تطوع فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع وقال القاضي كلام أحمد ﵁ يقتضي أن في اشتراط الاستيطان والعدد وإذن الإمام روايتين.
الشيخ: والظاهر أنه لابد من ذلك ويدل لهذا أن الرسول ﵊ كان يسافر ويصادفه يوم العيد ولا يصلي العيد فلابد من أن يكون الإنسان مستوطناً في قرية أو مدينة لكن إذا أقيمت صلاة العيد ولو كنت مسافراً وجب عليك حضورها ووجب عليك أيضاً أن تصليها.
فصل
القارئ: ووقتها من حين ترتفع الشمس ويزول وقت النهي إلى الزوال.
الشيخ: اشترط المؤلف أن ترتفع الشمس ويزول وقت النهي ومتى يزول؟ إذا كان الارتفاع قيد رمح.
стр. 747
القارئ: فإن لم يعلم بها إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ أن ركباً جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدو إلى مصلاهم رواه أبو داود.
الشيخ: وهذ أحد الأقسام في قضاء الصلوات من الصلوات من إذا فاتت تقضي أي وقت مثل الصلوات الخمس ومن الصلوات من إذا فاتت لا تقضى ويقضي بدلها مثل الجمعة وكذلك الوتر على القول الراجح فإنه يشفع بركعة ومن الصلوات من إذا فات وقته قضي بعينه في وقت آخر مساوي لوقته الأول كصلاة العيد ومن الصلوات من إذا فاتت لا تقضى كصلاة الكسوف فإنها إذا انجلت الشمس لا تصلى.
القارئ: ويسن تقديم الأضحى وتأخير الفطر لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كان يقدم الأضحى ويؤخر الفطر ولأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها ولا تجوز التضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية.
الشيخ: وهذه من الحكمة وهي مراعاة العبادات بعضها مع بعض فتأخير صلاة الفطر مراعاة لاتساع وقت إخراج الفطرة وتعجيل صلاة الأضحى مراعاة لاتساع وقت التضحية.
السائل: بعض الناس إذا فاتته الصلاة المكتوبة يصليها على وقتها في اليوم التالي هل لهذا القول مستند؟
الشيخ: هذا غلط وأبداً لا مستند له ولا أعلم قائلاً به الصلاة إذا فاتت لعذر تقضى متى زال العذر (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
السائل: في صلاة العيدين قلتم أن صلاة العيد فرض على الرجال فهل هذا مراد أم أن النساء يدخلن في الوجوب؟
الشيخ: مراد فالنساء ليس فرض عين عليهن مع أنه لو قال قائل أنه فرض عليهن لم يبعد لأن الرسول أمر به حتى الحيض وذوات الخدور وأخرجنا النساء من الوجوب لأن الأصل أن المرأة ليست من أهل الجماعة فيكون أمرها هنا على الاستحباب.
стр. 748
السائل: ماهو الوقت الذي يحل فيه الذبح في الأضحية هل ينتظر إلى انتهاء الصلاة أو الوقت الذي يحل فيه الصلاة؟
الشيخ: لا، لابد أن ينتظر الصلاة ومن لا يصلون ينتظرون تقديراً متى ارتفعت الشمس قيد رمح وأنه حضر الإمام وصلى يعني في مقدار ربع ساعة بعد ارتفاعها قيد رمح يكون قد أدى الصلاة.
فصل
القارئ: ويسن أن يأكل في الفطر قبل الصلاة ويمسك في الأضحى حتى يصلي لما روى بريدة قال كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي رواه الترمذي ويفطر على تمرات وتر لما روى أنس قال كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات رواه البخاري وفي لفظ ويأكلهن وترا.
الشيخ: هذا أيضاً من السنة في عيد الفطر أن يأكل تمرات وترا وفي عيد الأضحى أن لا يأكل حتى يضحي فيأكل من أضحيته.
وفي هذا الحديث دليل على أن الرسول ﷺ لا يستعمل الوتر في أكله وإلا ما احتاج أن ينص على قوله ويأكلهن وترا فأما قول بعض الناس إذا صببت له شاهي أو قهوة مرتين يقول أوتر فهذا لا أصل له نعم الشراب ورد أن الرسول ﵊ كان يتنفس فيه ثلاثاً وأظن ورد فيه الأمر بذلك لكن تقصد الإيتار في الأكل غير صحيح والدليل هذا الحديث يأكلهن وتراً فإن قال قائل لعل هذا من باب التوكيد قلنا نعم التوكيد يحتاج إلى بناءٍ على أصل فهل الأصل أن الرسول يأكل وتراً يعني يأكل لقمات وتراً التمر وتراً وغير ذلك من الأشياء وتراً هذا خلاف الظاهر.
فصل
في مكان إقامة صلاة العيد
القارئ: والسنة أن يصليها في المصلى لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يفعلونها فيه.
الشيخ: عبارة غير المؤلف والسنة أن يصليها في الصحراء وهذا هو الأصح لأنه في المصلى إذا قال قائل أين المصلى قد يكون مصلى في وسط البلد يضعون لهم شيئاً يصلون فيه فالسنة أن يصليها في الصحراء إظهاراً لهذه الشريعة.
стр. 749
القارئ: ويستحب أن يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في الجامع لأن علياً ﵁ استخلف أبا مسعود البدري يصلي بضعفة الناس في المسجد وهل يصلي المستخلف ركعتين أو أربعاً؟ على روايتين بناءً على اختلاف الروايات في فعل أبي مسعود فقد رُوي أنه صلى بهم ركعتين ورُوي أنه صلى بهم أربعاً.
الشيخ: والصواب أنه لا يصلي إلا ركعتين ولا يصح قياسه على الجمعة لأن الجمعة إنما كانت أربعاً إذا فاتت الإنسان لأن هذا الوقت وقت الظهر فإذا فاتت الجمعة صلى الظهر أما هذه فليس لها بدل ولهذا كان القول الراجح أنه إذا فاتت الإنسان فإنه لا يقضيها يعني مثلاً لو جئت والإمام قد انتهى من صلاة العيد فلا تصلِّ.
القارئ: وإن كان عذر من مطر أو نحوه صلى في المسجد لما روى أبو هريرة ﵁ قال أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد رواه أبو داود.
فصل
في غسل العيد
القارئ: ويسن الاغتسال للعيد والطيب والتنظف والسواك وأن يلبس أحسن ثيابه لما روي أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع (إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك) فعلل ذلك بأنه يوم عيد ولأن هذا يوم يشرع فيه الاجتماع للصلاة فأشبه الجمعة وقد رُوي أن النبي ﷺ كان يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة رواه ابن عبد البر إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة.
стр. 750
الشيخ: هذا الفصل بين فيه المؤلف ﵀ أن الإنسان ينبغي له أن يغتسل ويتطيب ويتنظف بإزالة ما يؤذي من الروائح ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كالجمعة لأن هذا يوم يجتمع فيه المسلمون فينبغي أن يكون الإنسان على أحسن هيئة قالوا ولأنه إذا سن في يوم الجمعة وهي عيد أسبوع متكرر ففي عيد العام من باب أولى لعدم المشقة فإذا أمكن للإنسان أن يخرج متطيباً متنظفاً لابساً أحسن ثيابه فهذا طيِّب.
أما الاغتسال فلا يجسر الإنسان على القول باستحبابه لعدم وروده صريحاً والعبادات ليس فيها قياس لكن إن توقف التنظف على الاغتسال فهو يكون هنا مسنوناً لغيره وليس مسنوناً لذاته.
وأما قوله إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه فهذا يتناقض مع الأثر الذي رواه ابن عبد البر أن الرسول ﷺ يعتم ويلبس بردة لأن الرسول كان يعتكف ومع ذلك يتجمل والصواب أن المعتكف كغيره يخرج متجملاً متنظفاً أولاً لأنه لا دليل على استثنائه وثانياً لأنه أبعد عن الرياء فإن الإنسان قد يغويه الشيطان ويدخل في قلبه الرياء.
السائل: إذا قلنا باستحباب الغسل للعيد فمتى يكون أول وقته؟
الشيخ: إذا أراد أن يخرج بعد صلاة الفجر.
السائل: هل يسوَّر المصلى ويجعل له خطوط باتجاه القبلة؟
الشيخ: إذا خيف أن يمتهن فإنه يسوَّر لأن بعض المصليات صار الناس يمتهنونها يخرجون في أيام الصيف إليها ويجلسون فيها لأنها نظيفة يجلسون فيها يتحدثون باللغو ويشربون الدخان ويلعبون أشياء غير مرضية فلهذا حجَّرها الناس.
فصل
في التبكير إلى صلاة العيد
стр. 751
القارئ: ويستحب أن يبكر إليها المأموم ماشياً مظهراً للتكبير لأن علياً ﵁ قال من السنة أن يأتي العيد ماشيا رواه الترمذي وقال حديث حسن ولأنه أعظم للأجر ويتأخر الإمام إلى وقت الصلاة لأن النبي ﷺ كان يفعله ولأن الإمام ينتظر ولا ينتظر وإذا غدا من طريق رجع من غيره لأن جابراً قال كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري.
الشيخ: هذا أيضاً من الأشياء المستحبة في صلاة العيد أن يخرج إليها مبكراً من حين أن يصلي الفجر حسب ما تيسر له وأن يكون مظهراً للتكبير المطلق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد هذا في غير الإمام أما الإمام فيسن له أن يتأخر لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذلك في الجمعة وأما ما يفعله بعض الناس من أئمة الجمع من التقدم إلى المسجد والجلوس حتى يأتي وقت الزوال فهذا خلاف السنة لا شك فبقاء الإمام في بيته أفضل من تقدمه في الجمعة أو في العيد.
وأما مخالفة الطريق فهو سنة واختلف العلماء في علته بعد الاتفاق على أن المؤمن لا يسأل عن علة الحكم الذي ثبت عن النبي ﷺ لأن كل ما فعله الرسول فهو حكمة لا شك لكن الحكمة والله أعلم إظهار الشعائر في أسواق البلد كلها لأنهم لو كان الناس لا يأتون إلا من الجهة التي يسهل فيها الخروج لامتلأت الأسواق من هذه الجهة وخلت الأسواق من الجهة الأخرى فكان في مخالفة الطريق إظهار للشعائر.
وقيل لأجل أن يشهد له طريقان الأول والثاني.
стр. 752
وقيل من أجل أن يعطي الفقراء الذين يوجدون على الطرقات في هذا وهذا ولكن المعنى الأول أقرب وهو إظهار الشعائر وألحق بعض العلماء في ذلك صلاة الجمعة وقالوا يسن فيها مخالفة الطريق وألحق آخرون صلاة الجماعة وقالوا يسن فيها مخالفة الطريق وألحق في ذلك بعض العلماء كل عبادة حتى لو ذهبت لزيارة قريب أو لعيادة مريض قالوا فيسن أن يخالف الطريق وكل هذه الأقوال ضعيفة وذلك لأن العبادات مبناها على التوقيف وإذا كان الشيء قد وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله علم أن فعله ليس بسنة ومن المعلوم أن الجمعة موجودة في عهد الرسول ﵊ والجماعة كذلك وعيادة المرضى كذلك ولم يرشد الأمة إلى مخالفة الطريق في هذا فالسنة عدم تقصد مخالفة الطريق إلا في العيدين لكن لو حصل هذا اتفاقاً بدون قصد فإنه لا ينهى عنه.
السائل: قدوم الإمام متأخراً كيف ننزله في حديث (من أتى في الساعة الأولى) الحديث؟
الشيخ: مستثنى بفعل الرسول ﵊ والظاهر أنه يأخذ أتم الأجر لأنه لم يتخلف إلا للمتابعة ويحتمل أن يقال إنه ينقص من هذا الوجه كما نقصت الحائض مع تركها للصلاة بأمر الله ويقال أنت أيها الإمام لك ما هو أفضل من ذلك وهو قيادة هذا الجمع وتوجيه هذا الجمع وإرشادهم وتعليمهم.
فصل
في خروج النساء إلى العيد
القارئ: قال ابن حامد ويستحب خروج النساء لما روت أم عطية قالت أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين متفق عليه قال القاضي وظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب ولا يلبسن ثوب شهرة ولا يتطيبن لقول النبي ﷺ (وليخرجن تفلات).
стр. 753
الشيخ: هذا الفصل فيه بيان حكم خروج النساء إلى صلاة العيد فبين ﵀ أن ذلك مستحب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك ولكن إذا كانت المرأة حائضاً فإنها تعتزل المصلى كما في الحديث واشترط لذلك أن لا يلبسن ثياب شهرة وأن لا يتطيبن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وليخرجن تفلات) أي غير متجملات ولا متطيبات فإن فعلن ذلك كان خروجهن حراماً لما في ذلك من الفتنة.
ويستفاد من هذا الحديث أي حديث أم عطية ﵂ أن المسلمين في صلاة العيد يدعون الله لقوله ودعوة المسلمين والظاهر أن هذا في خطبة العيد لأنها هي التي يكون فيها الدعاء عاماً.
ويستفاد منه أن مصلى العيد مسجد لأنه ذكر شيئاً من لوازم ذلك وهو أن الحيض يعتزلن المصلى ولو لم يكن له أحكام المساجد لم يعتزلن المصلى ويتفرع على ذلك لو أن الرجل لو أتى إلى مصلى العيد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم مسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فإن قال قائل إن النبي ﷺ خرج إلى صلاة عيد فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما قلنا نعم لم يصلِّ قبلهما لأنه بادر بصلاة العيد فأغنت عن تحية المسجد وإذا أردتم أن تستدلوا بمثل هذا الاستدلال فنقول لكم أيضاً الجمعة ليس فيها تحية مسجد لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي الجمعة ولا يصلي قبلها ولا بعدها فالصواب أن مصلى العيد مسجد وأن له أحكام المساجد في كل شيء فيحرم على الجنب أن يمكث فيه ويحرم فيه البيع والشراء ويحرم على المرأة الحائض أن تجلس فيه.
فصل
في الأذان والإقامة لصلاة العيد
стр. 754
القارئ: وليس لها أذان ولا إقامة لما روى عطاء قال أخبرني جابر أن لا أذان للصلاة يوم الفطر ولا إقامة ولا نداء ولا شيء لا نداء يومئذ ولا إقامة متفق عليه وقال جابر بن سمرة صليت مع رسول الله ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بلا أذان ولا إقامة رواه مسلم
الشيخ: هذا أيضاً من أحكام صلاة العيد أنه ليس لها أذان ولا إقامة لأنها ليست كالفرائض المتعينة وقال بعض العلماء إنه ينادى لها الصلاة جامعة قياساً على الكسوف لكن هذا قياس مع الفارق وهو أيضاً صادم للنص أما كونه قياساً مع الفارق فلأن الكسوف يأتي بغتة وربما يكون الناس في غفلة فيحتاجون إلى التنبيه لقولهم الصلاة جامعة وأما العيد فإنه لا يأتي بغفلة يكون معروفاً إن كان عيد الفطر فهو إذا تم رمضان فما بعده العيد وإن كان عيد الأضحى فقد سبق العلم به من قبل وأما النص فلأن صلاة العيد وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينقل أنه كان ينادي لها بهذا أي بقوله الصلاة جامعة وعلى هذا فلا يشرع أن ينادي لها الصلاة جامعة لكن لو فرض أن ثبوت العيد لم يكن إلا بعد طلوع الشمس فهل لنا أن نمشي في الأسواق ننبه الناس الجواب نعم لا بأس أما أن نأتي بصيغة استعملت في الكسوف في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونضعها في هذا المكان فلا.
فصل
في فرائض وسنن صلاة العيد
القارئ: وصلاة العيد ركعتان يقرأ في كل ركعة منهما بالحمد لله وسورة ويجهر بالقراءة بلا خلاف قال عمر ﵁ صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وقد خاب من افترى رواه الإمام أحمد في المسند ويسن أن يقرأ فيهما بـ (سَبِّحِ) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) لحديث النعمان بن بشير ومهما قرأ أجزأه.
стр. 755
الشيخ: أو يقرأ فيهما (ق) و (اقْتَرَبَتِ) لأن هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قرأ (ق) و (اقْتَرَبَتِ) لكن ينبغي أن يلاحظ حال الناس في هذه الحال إذا كان هناك برد يؤذي الناس فلا يقرأ (ق) و (اقْتَرَبَتِ) لأن ذلك يشق عليهم كذلك إذا كان الحر شديداً كما لو لم يعلم بالعيد إلا بعد أن ارتفعت الشمس فلا يطيل عليهم أيضاً بقراءة ق واقتربت وكذلك أيضاً لو خاف من نزول مطر بأن تكون السماء مغيمة فالمهم أنه من السنة أن يقرأ في ركعتي العيد (ق) و (اقْتَرَبَتِ) ولكن ينبغي له أن يراعي أحوال الناس، في الفطر لو أطال لا بأس لكن في الأضحى إذا أطال فقد يشق على الناس بتأخيرهم عن ذبح ضحاياهم.
القارئ: ويكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال (التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة الركوع) رواه أبو داود واعتدنا بتكبيرة الإحرام لأنها في حال القيام ولم نعتد بتكبيرة القيام لأنها قبله.
الشيخ: أظن هذا واضح، الجملة الأولى فيها تكبيرات سبع أضفنا تكبيرة الإحرام إلى الست الزوائد لأنها أي تكبيرة الإحرام تكون في حال القيام وفي الثانية خمس تكبيرات ولم نضف إليها تكبيرة القيام لأن تكبيرة القيام تكون قبل استتمام القيام فليست من تكبيرات القيام.
القارئ: ويسن أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي عن عمر ﵁ أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد رواه الأثرم.
стр. 756
الشيخ: أما تكبيرة الجنائز فواضح أنه يرفع مع كل تكبيرة لتمييز الانتقال بالفعل كما يميز بالقول فإن كل تكبيرة بعدها ذكر غير التكبيرة الأولى فلابد من تميز الانتقال بالقول وبالفعل ولهذا كان من السنة أن يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وقد صح ذلك عن ابن عمر موقوفاً وكذلك مرفوعاً كما حققه الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشية فتح الباري وأما العيد فكذلك أيضاً يسن رفع اليدين في التكبير لأن هذا تكبير في حال القيام فأشبه تكبيرة الإحرام وهذا من جهة القياس أما السنة فقد وردت في ذلك أيضاً لكنه يحتاج إلى تخريج كما سيكون ذلك إن شاء الله تعالى.
القارئ: ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين وإن أحب قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما لأنه يجمع بين ما ذكرناه وموضع التكبير بعد الاستفتاح وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين وعنه أنه قبل الاستفتاح أيضا اختارها الخلال وصاحبه والأول أولى لأن الاستفتاح لافتتاح الصلاة فيكون في أولها والاستعاذة للقراءة فتكون في أولها وعنه أنه يوالي بين القراءتين يجعلها في الأولى بعد التكبير وفي الثانية قبله لما روى علقمة أن عبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنى فكيف التكبير فيه فقال عبد الله تبدأ وتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي ﷺ ثم تدعو وتكبر إلى أن قال وتركع ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وذكر الحديث فقال أبو موسى وحذيفة صدق ووجه الأولى أنه تكبير في إحدى ركعتي العيد فكان قبل القراءة كالأولى.
стр. 757
الشيخ: قوله كالأولى يعني كالركعة الأولى وهذا هو المعمول به الآن أن التكبير في الثانية يكون في أولها ولا يكون في آخرها وأما القول الثاني فيكون التكبير في آخرها من أجل أن تتساوى لها القراءتان وهذا التعليل كما تعلمون عليل لأن توالي القراءتين مستحيل إذ بين القراءة الأولى والثانية ركوع وسجود وقعود وقيام فالصواب أن التكبيرة في الثانية كالتكبيرة في الأولى يكون في الأول.
فصل
في السهو عن بعض التكبيرات
القارئ: وتكبيرات العيد الزوائد والذكر بينها سنة لا يؤثر تركها عمداً وإن والى بين التكبير كان جائزا وإن نسي التكبير حتى شرع في القراءة لم يعد إليه لأنه سنة فلا يعود إليها بعد شروعه في القراءة كالاستفتاح.
الشيخ: إذاً لو والى بين التكبير فقال الله أكبر الله أكبر الله أكبر فلا بأس وإن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه بينها فحسن.
السائل: بعض البلاد يكون مصلى العيد فيها غير ثابت فكل عيد يكون في مكان آخر فهل يأخذ حكم المسجد؟
الشيخ: ظاهر الأحاديث أن المراد بمصلى العيد الذي ثبت لأن مصلى العيد في عهد الرسول ﵊ ثابت أما المصلى المتنقل فيحتاج إلى تأمل.
السائل: قد يقول قائل أن منع الحيّض لأن لا يلوثوا المصلى لا لأنه مسجد؟
الشيخ: هذا لا يصح ولا يشترط في المصلى أن يكون مسوراً ما دام معد للصلاة فيه فهو مصلى.
السائل: ما ضابط اعتزال الحيَّض عن المصلى؟
الشيخ: ضابطه إن كان مسوراً كما هو الغالب في مصليات العيد الآن فأن لا تدخل من داخل السور وإن كان غير مسور فأن لا تكون في المكان الذي يصلي فيه الناس غالباً.
فصل
في خطبتي العيد
القارئ: فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة لأن النبي ﷺ فعل ذلك ويفارق خطبتي الجمعة في أربعة أشياء أحدها أن محلهما بعد الصلاة لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه.
стр. 758
الثاني أنه يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع ويكثر التكبير في أضعاف الخطبة لما روى سعد مؤذن النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير بين خطبتي العيدين.
الثالث أن يحثهم في الفطر على إخراج الفطرة ويبين لهم ما يخرجونه ووقته وجنسه وفي الأضحى يرغبهم في الأضحية ويبين لهم ما يجزئ فيها ووقت ذبحها ويحثهم على الإطعام منها لأنه وقت هذا النسك فيشرع تبيينه.
الرابع أنهما سنة لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما لما روى عبد الله بن السائب قال شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب) رواه أبو داود ويستحب أن يجلس عقيب صعوده ليستريح وقيل لا يجلس لأن الجلوس في الجمعة لموضع الأذان ولا أذان ههنا.
الشيخ: وهذا هو الصحيح أنه لا يجلس هذا الفصل فيه مسائل بيَّن فيها المؤلف ﵀ ما تفارق فيه خطبة العيدين خطبتي الجمعة فبيَّن أن محلها بعد الصلاة وهذا أمر متفق عليه ولا إشكال فيه وقد قدمها بعض ولاة بني أمية فأنكر عليه الصحابة وقال لا يصح هذا فتعلل بأن الناس ينفرون عن سماع الخطبة بعد الصلاة ولكن هذه العلة عليلة والصواب أن محلها بعد الصلاة في كل حال والفرق بينها وبين خطبة الجمعة أن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة والشرط يتقدم المشروط أما هذا فهو تكميل والتكميل يكون بعد الأصل.
الثاني أنه يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع وهذا محل خلاف بين العلماء فمنهم من قال بذلك لكنه روي بحديث في صحته نظر لأنه مرسل وبعض العلماء يقول يبدأ خطبتي العيد بالاستفتاح بالحمد كسائر الخطب لأن هذا هو سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 759
الفرق الثالث أنه يحثهم في الفطر على إخراج زكاة الفطر وفي الأضحى يبين لهم الأضحية أما الأول ففيه نظر لأنه إذا بين أحكام زكاة الفطر في هذا الوقت فقد فات وقتها لأنه لا يجوز تأخير إخراجها إلى ما بعد الصلاة والصواب أن بيان أحكام زكاة الفطر إنما يكون في آخر خطبة من خطب رمضان أما في خطبة صلاة عيد الفطر فلا وجه له أما الأضحية فنعم يبين لهم ما يجب عليهم فيها لأن وقتها لم يفت بعد ولكن قد يقول قائل إن هذا ليس فرقاً بين خطبة الجمعة وخطبة العيد لأن ذكر هذه الأشياء في خطبة العيد من أجل المناسبة خطبة الجمعة أيضاً ينبغي أن تكون مناسبة للوقت ولحال الناس وحينئذٍ فقد اجتمعت خطبة العيد وخطبة الجمعة في المعنى فلا فرق.
стр. 760
الرابع أنهما سنة يعني خطبتي العيدين لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما ثم ذكر الأثر أما كونهما سنة فهذا هو الظاهر لأنهما كما قلنا أولاً من باب التكميل في الصلاة وهما يشبهان من بعض الوجوه خطبة صلاة الكسوف وخطبة صلاة الكسوف سنة وأما كونه لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما ففيه نظر بل هما في الاستماع والإنصات كخطبتي الجمعة لأننا لو قلنا لك أن تتكلم وتخاطب غيرك والناس يستمعون إلى الخطبة لزم من ذلك إيذاء المسلمين ولهذا قال الفقهاء ﵏ هما في تحريم الكلام كخطبتي الجمعة لكن للإنسان أن يقوم وينصرف بخلاف خطبتي الجمعة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ليستمعهما لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) وبقي عليه فرق أهم من ذلك كله وهو أن خطبة العيد واحدة وخطبتي الجمعة اثنتان وذلك أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يخطب مرتين إلا في حديث ضعيف وأكثر الأدلة تدل على أنه يخطب خطبة واحدة لكن إذا خشي الإنسان من أذىً يلحقه في ذلك وكانت عادة أهل البلد أن يخطبوا خطبتين فليخطب خطبتين لأن هذا قد ورد فيه هذا الحديث وإن كان ضعيفاً ولأنه عادة الناس.
فصل
في التنفل
القارئ: ولا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها في موضع الصلاة لا في المسجد ولا في المصلى إماماً كان أو مأموما لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها متفق عليه ولا بأس أن يصلي بعد رجوعه لما روى أبو سعيد قال كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين رواه ابن ماجه.
стр. 761
الشيخ: هذا الحديث في حكم التنفل في مصلى العيد المؤلف ﵀ قال لا يتنفل وكلمة لا يتنفل يحتمل أن تكون للتحريم ويحتمل أن تكون للكراهة لكن الظاهر أن مراده الكراهة وما استدل به على الكراهة لا يدل عليها في الواقع كون الرسول لم يفعل يدل على أن الفعل ليس بسنة لكن لا يدل على أن الفعل مكروه وفرق بين أن نقول الفعل ليس بسنة أو أن نقول الفعل مكروه والذي يظهر أنه لا دلالة في الحديث اطلاقاً على ما ذهب إليه المؤلف لأن النبي ﷺ لم يصلِّ قبلهما حيث أنه شرع في الصلاة فلا حاجة أن يصلي قبلهما ولا بعدهما لأنه لما انتهت الخطبة انصرف ولهذا نقول إن الإنسان إذا دخل إلى مصلى العيد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان بعد ارتفاع الشمس قيد رمح فقد زال وقت النهي ولا إشكال وإن كان قبل ذلك فوقت النهي باق لكن القول الراجح أن ما كان له سبب من التطوع فإنه لا ينهى عنه وقد سبق بحث هذه المسألة وعلى هذا فنقول من جاء إلى مصلى العيد قبل طلوع الشمس أو بعد طلوع الشمس فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين صحيح أنه إذا صلى ركعتين تحية المسجد فإنه لا يسن أن يتنفل يعني لا نقول قم صلِّ حتى يحضر الإمام كما نقول ذلك في صلاة الجمعة بل نقول اقتصر على تحية المسجد وأما بعد الرجوع فإن صح حديث ابن ماجة هذا فهو ظاهر أنه يصلي ركعتين وإن لم يصح فالظاهر والله أعلم أن الرسول صلى ركعتي الضحى لأنه أحياناً يصلي ركعتي الضحى.
فصل
فيمن فاته بعض التكبيرات
стр. 762
القارئ: ومن سبق بالتكبير أو ببعضه لم يقضه لأنه سنة فات محلها وقال ابن عقيل يأتي به لأن محله القيام وقد أدركه وإن أدركه في الركوع تبعه ولم يقض التكبير وجهاً واحدا وإن أدركه في التشهد قام إذا سلم الإمام فقضى ركعتين يكبر فيهما وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب وفي صفة القضاء ثلاث روايات إحداهن يقضيها على صفتها لحديث أنس ولأنه قضى صلاة فكان على صفتها كغيرها الثانية يصليها أربعاً بسلام واحد إن أحب أو بسلامين لما روى الأثرم عن عبد الله بن مسعود قال من فاته العيد فليصل أربعا ولأنها صلاة عيد فإذا فاتت صليت أربعاً كالجمعة الثالثة هو مخير بين ركعين وأربع لأنه تطوع نهار فكانت الخيرة إليه فيه كالضحى.
الشيخ: هذا الفصل تضمن مسائل:
أولاً إذا سبق الإنسان بالتكبير أو ببعضه بالتكبير بأن أتى بعد انتهاء التكبير كله فهنا إذا دخل مع الإمام لابد أن يكبر تكبيرة الإحرام هل يقضي هذا التكبير يقول المؤلف ﵀ لا يقضيه لأنه سنة فات محلها ونحن نقول أيضاً لا يقضيه لأنه سنة فات محلها ولأن الإمام يقرأ وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نقرأ والإمام يقرأ إلا في فاتحة الكتاب فيكون التعليل من وجهين الوجه أنه سنة فات محلها والوجه الثاني يقرأ.
وقال ابن عقيل يأتي به لأن محله قيام وقد أدركه فيقال نعم هو محل القيام لا شك لكن أدركه محله لانشغاله بمتابعة إمامه فقول ابن عقيل ﵀ ضعيف.
إن أدركه في الركوع تبعه ولم يقض التكبير وجهاً واحداً لأنه فاته محله حقيقة فلا يقضيه وجهاً واحداً يقول وإن أدركه في التشهد قام إذا سلم الإمام فصلى ركعتين يكبر فيهما يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام وستاً زوائد وفي الثانية خمساً زوائد.
وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب وقوله إن أحب يدل على أن قضاء الصلاة ليس بواجب وهو كذلك لكن في صفة القضاء ثلاثة أقوال:
стр. 763
الأول وهي رواية عن أحمد أن يقضيها على صفتها وهذا أصح الأقوال الثلاثة إذا قلنا بالقضاء وذلك لأن القضاء يحكي الأداء.
الثانية أن يقضيها أربعاً إما بسلامين أو بسلام واحد وذكر فيه الأثر عن ابن مسعود لكنه قول ضعيف ولا يصح قياسه على الجمعة لأن الجمعة إذا فاتت بقي فرض الوقت وهو الظهر أما هنا فليس للوقت فرض والثالث أنه مخير بين أن يقضيها ركعتين أو أربع ركعات وهذه أيضاً ضعيفة فالصواب أننا إذا قلنا بالقضاء فإنه يقضيها على صفتها وهذا هو المشهور من المذهب لكن الصحيح أنه لا يقضيها لا على صفتها ولا أربعاً لا بسلام واحد ولا بسلامين وذلك لأنها صلاة شرعت على وجه الاجتماع فلا تشرع على وجه الانفراد ولا يرد علينا قضاء الجمعة لأن الجمعة لا تقضى أيضاً وإنما تصلى فريضة الوقت وهي الظهر.
فصل
في التكبير يوم الفطر
القارئ: ويشرع التكبير في العيدين.
الشيخ: هذا العنوان غلط كيف يقول في التكبير يوم الفطر والمؤلف يقول في العيدين هذا ما يصلح.
القارئ: ويشرع التكبير في العيدين لقول الله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) وعن علي ﵁ أنه كان يكبر حتى يسمع أهل الطريق قال القاضي والتكبير في الفطر مطلق غير مقيد على ظاهر كلامه يعني لا يختص بأدبار الصلوات وقال أبو الخطاب يكبر من غروب الشمس إلى خروج الإمام إلى الصلاة وهل يكبر بعد صلاة العيد على روايتين.
الشيخ: التكبير سنة في عيد الفطر لأمر الله تعالى به لقوله (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) ولكنه مطلق ليس مقيداً بأدبار الصلوات فيكبر من غروب الشمس إلى شروع الإمام في الصلاة ويجهر به في الأسواق والبيوت والمساجد وأما النساء فلا تجهر به بل تقوله سراً.
فصل
في التكبير يوم الأضحى
القارئ: فأما التكبير في الأضحى فهو على ضربين مطلق ومقيد.
стр. 764
فأما المطلق فالتكبير في جميع الأوقات من أول العشر إلى آخر أيام التشريق وأما المقيد فهو التكبير في أدبار الصلوات من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق قيل لأحمد بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق قال بالإجماع عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ وقد روي عن جابر أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال (الله أكبر) ومد التكبير إلى آخر أيام التشريق وصفة التكبير المشروع الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد لأن هذا يروى عن علي وابن مسعود ﵄ قال أبو عبد الله اختياري تكبير ابن مسعود وذكر مثل هذا ولأن في حديث جابر أن النبي ﷺ كبر تكبيرتين ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعاً كتكبير الأذان.
стр. 765
الشيخ: ومن العلماء من قال يكبر ثلاثاً لأنه وتر والله وتر يحب الوتر وأرى أن الأمر في هذا واسع إن شاء كبر ثلاثاً الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد وإن شاء كبر مرتين وإن شاء كبر ثلاثاً واثنتين يكون المجموع خمساً أي وتراً فالأمر في هذا واسع إنما فهمنا من كلام المؤلف ﵀ أن التكبير المطلق من أول دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق والمقيد من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق فيجتمع من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق فيها مطلق ومقيد وقال غيره من أصحابنا ﵏ المطلق من أول أيام ذي الحجة إلى غروب الشمس في اليوم التاسع ثم يبدأ التكبير المطلق بليلة العيد إلى أن يأتي الإمام أما بعد ذلك فليس فيه إلا مقيد وعلى هذا القول يجتمع فيما بين فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر مطلق ومقيد وينفرد المطلق بما قبل فجر يوم عرفة ابتداءً من أول شهر ذي الحجة وينفرد المقيد بما بعد صلاة العيد إلى عصر آخر أيام التشريق وفرق أيضاً بعض العلماء بابتداء المقيد فقال للمحلين من فجر يوم عرفة وللمحرمين بالحج من ظهر يوم العيد وقالوا لأنه من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم العيد يكون الإنسان مشتغلاً بالتلبية إذ أن تلبية الحاج لا تنقطع إلا إذا شرع في رمي جمرة العقبة وكما قلت لكم الأمر في هذا واسع حتى لو أن الإنسان لم يكبر التكبير المقيد وجعل بعد الصلاة الأذكار المعروفة ثم بعد ذلك كبر فلا حرج كلها ذكر لله.
السائل: سنية التكبير هل من فعل الرسول ﷺ أو من فعل الصحابة؟
стр. 766
الشيخ: لا هو داخل في عموم قوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وقالوا إن شهر ذي الحجة هو الشهر الذي يكون فيه الذبح فصار التكبير منه وبعض العلماء يقول لا يبتدئ التكبير إلا إذا رأى الذبائح لقوله (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ) فلا يبتدئ بالتكبير إلا إذا رأى الذبائح مثل يأتي للمبيع ويرى فيها الغنم والإبل والبقر تباع للأضحية فيكبر فوجه كونه سنة العمل كما قال الإمام أحمد إجماع الناس هذا عمل من قديم.
فصل
في موضع التكبير المقيد
القارئ: وموضعه عقيب أدبار الصلوات المفروضات ولا يشرع عقيب النوافل لأنه لا أذان لها فلم يكبر بعهدها كصلاة الجنازة وإن سبق الرجل ببعض الفريضة كبر إذا سلم وإن صلاها كلها وحده ففيه روايتان إحداهما يكبر لأنه ذكر مشروع للمسبوق فأشبه التسليمة الثانية والثانية لا يكبر لأن ابن عمر كان لا يكبر إذا صلى وحده وقال ابن مسعود إنما التكبير على من صلى في الجماعة ولأنه مخصوص بوقت فخص بالجماعة كالخطبة والمسافر كالمقيم في التكبير والمرأة كالرجل قال البخاري النساء كن يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز مع الرجال في المسجد ويخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال وعن أحمد ﵁ أنها لا تكبر ومن فاتته صلاة في أيام التكبير فقضاها فيها كبر وإن قضاها بعدها لم يكبر لأن التكبير مقيد بالوقت.
الشيخ: التكبير المقيد أدبار الصلوات المفروضة ولكن هل يكون قبل الاستغفار وقبل اللهم أنت السلام ومنك السلام أو بعده نقول يكون بعد ذلك أي بعد أن يستغفر ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام.
وإذا كان مسبوقاً ببعض الفريضة كبر إذا سلم.
стр. 767
وإن فاتته الفريضة مع الجماعة ففيه روايتان إحداهما يكبر والثانية لا يكبر وكما قلنا أولاً إن الأمر في هذا واسع فإذا كبر فلا بأس ولا ينهى عنه وإذا لم يكبر فلا بأس ولا يؤمر به.
أما قول المسافر كالمقيم فصحيح والمرأة كالرجل لكنها تخفض صوتها ولا سيما إذا كان عندها رجال من غير محارمها.
أما إذا قضى الصلاة بعد خروج وقتها فإن كان في زمن التكبير كبر وإن كان بعد انتهاء زمن التكبير فإنه لا يكبر لأنه فات وقته فلو أنه ذكر ليلة أربعة عشر أنه صلى عصر يوم الثالث عشر بغير وضوء فهنا يجب عليه القضاء فقضى في ليلة الرابع عشر فإنه لا يكبر لأنه فات وقت التكبير كما قال المؤلف ﵀.
فصل
القارئ: ويكبر مستقبل القبلة فإن أحدث قبل التكبير لم يكبر لأن الحدث يقطع الصلاة.
الشيخ: والصحيح أنه يكبر فلو أحدث إنسان فيه ريح ضيقت عليه من حين ما سلم أطلقها فإنه يكبر لأنه لا يشترط للتكبير أن يكون على طهارة نعم لو أنه طال الوقت وانفصل التكبير عن الصلاة فهنا نقول سنة فات محلها.
القارئ: وإن نسي التكبير استقبل القبلة وكبر ما لم يخرج من المسجد ويستحب الاجتهاد في العمل الصالح في أيام العشر لما روي عن النبي ﷺ أنه قال (ما العمل الصالح في أيام أفضل منه في العشر) قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) أخرجه البخاري.
الشيخ: الأمر كما قال المؤلف أنه ينبغي في الأيام العشر أن يجتهد في كل عمل صالح ومن ذلك الصوم والعجب من بعض طلبة العلم أنهم قالوا إنه لا يشرع الصوم في هذه الأيام وقال بعضهم إنه حرام فجعلها كأيام العيدين وأيام التشريق والعلة قالوا إن عائشة تقول ما رأيته صام العشر قط فيقال الرد على هذا من وجوه:
الوجه الأول أن أم المؤمنين حفصة أخبرت أنه كان يصومها قال الإمام أحمد والمثبت مقدم على النافي.
стр. 768
ثانياً أن الصوم من العمل الصالح وقد قال النبي ﷺ (ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من هذه الأيام العشر) ولا يخفى على أحد أن الصوم من العمل الصالح بل من أفضل الأعمال الصالحة حتى إن الله جل وعلا اختصه لنفسه قال (الصوم لي) فيدخل في العموم وقد بينا فيما سبق أن العموم ثابت شامل لكل أفراده بنص السنة حيث قال ﵊ في قول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (إنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض).
ثالثاً أن يقال الكراهة أو التحريم تحتاج إلى دليل مستقل وعدم الفعل لا يتضمن النهي
فلو فرض أنه ليس في السنة (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله) فإنا نقول تحتاج الكراهة إلى دليل لأن عدم فعل الرسول لها لا يدل على الكراهة بل يدل على أن السنة تركها لكن إذا كان هناك أدلة تقتضي أن السنة الصوم فإنه يؤخذ بها.
стр. 769
باب
صلاة الكسوف
القارئ: وهي سنة مؤكدة عند كسوف الشمس أو القمر.
الشيخ: باب صلاة الكسوف هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه لا إلى زمنه لكن صلاة الظهر من باب إضافة الشيء إلى زمنه إذا لم نقل إن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة والكسوف هو احتجاب ضوء الشمس أو القمر بما جعله الله تعالى حجاباً فالشمس تنحجب بالقمر يحول بينها وبين الأرض والقمر ينحجب بالأرض تحول بينه وبين الشمس وذلك أن نور القمر مستفاد من الشمس فإذا وجد حائل يمنع منه انحجب النور وكسف القمر ولهذا تجدون الهلال أول ما يهل تجدونه ليس فيه نور لأن الجزء المقابل للشمس من القمر قليل جداً وكلما قرب من الشمس قلت المواجهة فَقَلَّ النور وتمام المواجهة في ليالي الإبدار ولهذا لا يمكن يوجد كسوف القمر إلا في ليالي الإبدار ولا خسوف الشمس إلا في ليالي الاستسرار أي في آخر الشهر حيث يمكن أن يحول القمر بين الأرض وبين الشمس وأما قول بعض العلماء في الخسوف إنه ذهاب ضوء أحد النيرين أو بعضه ففيه نظر لأنه لا يذهب لكن يكون هناك حجاب ثم إن للكسوف سببين سبب كوني وسبب شرعي أما السبب الكوني فهو ما ذكرنا لكم وهو هذا السبب الحسي كسوف القمر سببه أن الأرض تحول بينه وبين الشمس كسوف الشمس أن القمر يحول بينها وبين الأرض السبب الشرعي لا نعلمه نحن لكن علمناه رسول الله ﷺ حيث قال (إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده).
وقول المؤلف عن صلاة الكسوف إنها سنة مؤكدة أفادنا ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى أنها ليست بواجبة.
والفائدة الثانية أنها ليست بسنة مطلقة.
стр. 770
والفائدة الثالثة أنها سنة مؤكدة والسنة المؤكدة أقوى من السنة المطلقة وقد اصطلح الحنفيون أصحاب أبي حنيفة على تسمية الواجب بالسنة المؤكدة فإذا قالوا سنة مؤكدة فهي بمعنى واجبة لكن عند الحنابلة وأكثر الأصوليين أن السنة المؤكدة هي التي يطلب فعلها بالتأكيد والصحيح أن صلاة الكسوف واجبة ودليل الوجوب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج فزعاً يجر رداءه وأمر بالصلاة حتى قال (الصلاة جامعة) واجتمع الناس كلهم وصلى تلك الصلاة الطويلة وعرض عليه ما عرض من آيات الله من الجنة والنار وأمر في بعض ألفاظ الحديث بالفزع إلى الصلاة كأن عدواً أغار على المسلمين ففزعوا لدفعه وأمر بالصدقة والاستغفار والتكبير والعتق وكل هذه القرائن تدل على أن صلاتها واجبة وعلى الأقل أن نقول إنها فرض كفاية لا فرض عين أما أن يحصل الكسوف أو الخسوف ويبقى الناس في دنياهم بيعاً وشراءً وتمتعاً وترفهاً وكأن شيئاً لم يكن فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم المبالاة وعدم انصياع الناس إلى تخويف الله فالصحيح أنها فرض وأقل ما نقول إنها فرض كفاية فإن قال قائل أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر الصلوات الخمس للأعرابي وقال هل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع) قلنا بلى لكن مراد النبي ﵊ بذلك الصلاة اليومية المتكررة أما الصلاة التي لها سبب فهذه مقرونة بأسبابها.
القارئ: لما روى أبو مسعود قال قال رسول الله ﷺ (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف الله بهما عباده وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
стр. 771
الشيخ: إنما قال (لموت أحد من الناس) لأن الشمس كسفت في عهد الرسول ﵊ حين مات ابنه إبراهيم وابنه إبراهيم مات وله ستة عشر شهراً وحزن عليه الرسول ﵊ وفاضت عيناه وقال (العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك أو قال بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فقال الناس كسفت لموت إبراهيم لأن عندهم عقيدة فاسدة في الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا إذا مات عظيم أو ولد عظيم فأبطل النبي ﷺ هذه العقيدة لأنه لا أثر للحوادث الأرضية على الأحوال الفلكية الأحوال الفلكية عُلْيا مهما حدث في الأرض فإنه لا يؤثر فيها لكن قد يعاقب الله أهل الأرض بأحوال فلكية كالصواعق والبَرَد وما أشبه ذلك لكن أن تكون سبباً فاعلاً ما يحدث في الأرض حتى يتغير الجو هذا ليس بصحيح أبداً.
واستفدنا من قوله (فإذا رأيتم منها شيئاً) أنه لو قدر أن الشمس كسفت بعد أن غابت فإنه لا صلاة ولو كسفت قبل أن تخرج فلا صلاة ولو كان هناك غيم ثقيل حجب رؤيتها عنا فلا صلاة حتى وإن علمنا بتقرير الفلكين أن هناك كسوفاً فإننا لا نأخذ بقولهم حتى نرى إذا رأيتموه وقد يحجب الله رؤية الشمس كاسفة أو القمر رحمة بالناس فيكون هذا حجاباً من الله أن يخوف هؤلاء القوم فلا تلزم الصلاة في هذه الحال.
стр. 772
وقوله (حتى ينكشف) هل هي تعليل أو غاية؟ هل المعنى صلوا وادعوا لينكشف ما بكم أو استمروا في ذلك حتى ينكشف؟ هذا فيه احتمال فإن قلنا لينكشف فمعناه أننا نكتفي بأقل صلاة لأننا أوجدنا السبب وإذا قلنا حتى ينكشف فإننا نصلي حتى ينكشف وعلى هذا فإذا علمنا أن الكسوف سيطول وقته فحينئذٍ نطيل في الصلاة إذا جعلنا حتى للغاية وإذا انتهينا من الصلاة ولم ينجلِ؟ فهنا اختلف العلماء منهم من يقول تعاد الصلاة ومنهم من يقول لا تعاد أما إذا جعلناها للتعليل فمن المعلوم أن أدنى صلاة تكون سبباً فيجزئ من ذلك ركعتان مثلاً ولو خفيفتين ولكن الأظهر أنها للغاية وأننا مأمورون أن نصلي حتى ينكشف ما بنا.
القارئ: وعن عائشة ﵂ قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً فنادى الصلاة جامعة وخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات متفق عليهما.
الشيخ: هذا أيضاً من آيات الله الشرعية أن صلى صلاة لا نظير لها صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان والصلوات الأخرى في كل ركعة ركوع واحد وسجودان لكن لما كانت هذه الصلاة سببها آية كونية جعلها النبي ﷺ آية شرعية خارجة عن المألوف والمعهود.
القارئ: وتجوز جماعة وفرادى لإطلاق الأمر بها في حديث أبي مسعود والجماعة أفضل لفعل النبي ﷺ لها في جماعة وينادى لها الصلاة جامعة للحديث وتفعل في المسجد للخبر ولأن في وقتها ضيقا فلو خرجوا إلى المصلى خيف فواتها.
الشيخ: هذه مسائل:
أولاً أن كونها جماعة أفضل لأن النبي ﷺ نادى لها قال (الصلاة جامعة) وجمَّع بهم صلوات الله وسلامه عليه.
وفيه أيضاً أنه لو أدوها فرادى لم يكن هناك مظهر خوف من الناس لأن كل إنسان يصلي في بيته ولا يدروا عنه.
стр. 773
وفي قوله تفعل في المسجد دون مصلى يعني مصلى العيد بل تفعل في المسجد ولكن هل تفعل في كل مسجد كما هو حال الناس اليوم أو في الجوامع؟ الجواب الثاني تفعل في جوامع هذا هو الأفضل لكن إذا خيف أن يتكاسل الناس عنها إذا قيل صلوا في الجوامع فلا بأس أن تصلى في كل مسجد.
وقوله (الصلاة جامعة) أهي بالنصب أو بالرفع؟ يجوز الوجهان الصلاةَ جامعةً أي احضروا الصلاة جامعة ويجوز الصلاةُ جامعةٌ على أنها مبتدأ وخبر.
فصل
في صفة صلاة الكسوف
القارئ: وصفتها أن يكبر للإحرام ويستفتح ثم يقرأ الفاتحة وسورة البقرة أو نحوها ثم يركع فيسبح نحواً من مائة آية ثم يرفع فيسمع ويُحَمِّد ويقرأ الفاتحة وآل عمران أو نحوها ثم يركع فيسبح نحواً من سبعين آية ثم يرفع فيسمع ويحمد ثم يسجد سجدتين يسبح فيهما نحواً من الركوع ثم يقوم إلى الثانية فيقرأ الفاتحة وسورة النساء ثم يركع ويسبح نحواً من خمسين آية ثم يرفع فيسمع ويحمد ويقرأ الفاتحة وسورة المائدة ثم يركع فيسبح نحواً من أربعين آية ثم يرفع ويسمع ويحمد ثم يسجد سجدتين نحواً من ركوعه ويتشهد ويسلم وليس هذا التقدير في القراءة والتسبيح منقولاً عن أحمد ﵁ ولا هو متعين وما قرأ به بعد أم الكتاب فيها أجزأه.
الشيخ: المؤلف ﵀ معروف أنه مؤلف للكتابة على مذهب الإمام أحمد لكن لورعه لما ذكر هذا التقدير قال إنه ليس منصوصاً عن الإمام أحمد لئلا يظن الظان أن هذا منصوص عليه من كلام الإمام أحمد ولكنه ليس منصوصاً عليه وعلى حسب تقدير المؤلف يكون الإنسان قرأ في صلاة الكسوف ستة أجزاء وربع تقريباً فإذا قال قائل هذا تطويل على الناس قلنا من طال عليه القيام فليجلس ولن نفوت المصلحة العامة من أجل هذا وأيضاً هي سنة إذا قلنا هي فرض كفاية صارت فيما زاد عمن تحصل بهم الكفاية سنة فإذا شاء انصرف.
стр. 774
القارئ: لكن يستحب ذلك ليقارب فعل النبي ﷺ فيما روت عائشة ﵂ قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فقرأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعاً طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم قام فقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس متفق عليه وفي رواية أخرى فرأيت أنه قرأ في الأولى بسورة البقرة وفي الثانية سورة آل عمران.
الشيخ: قولها فرأيت يعني ظننت فرأى هنا بمعنى ظن.
القارئ: ويجهر بالقراءة ليلاً كان أو نهاراً لأن عائشة روت أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف رواه أبو داود، ولأنها صلاة شرع لها الجمع الكثير فسن لها الجهر كالعيد.
الشيخ: فإن قال قائل كيف تقدر بسورة البقرة وهو قد جهر بها لأنه يلزم من جهره بها أن تكون مسموعة معلومة قلنا قد نعلم أن الإمام يقرأ جهراً ولكن لا ندري ماذا يقول لبعدنا عنه وهذا كثيراً ما يقع فلا يلزم من سماع الإمام أنه يجهر أن نسمع كل كلمة يقولها حتى نقول إنه قرأ بشيء معين.
والمؤلف ﵀ استدل على أن القراءة جهر بحديث عائشة وعلل ذلك بأنها صلاة شرع لها الجمع الكثير فسن لها الجهر كالعيد وكالجمعة أيضاً وهذا يدل على أنه إذا كانت الصلاة مما يجتمع له فإنه يجهر بها وذلك لأنه أقوى في الاتحاد إذ أن هؤلاء الجمع الكثير ينصتون لإمام واحد وهذه والله أعلم هي الحكمة من كون بعض الصلوات النهارية جهرية لأنها تجمع الناس الكثير فيكون سكوتهم وإنصاتهم لهذا الإمام المعين أقوى في الاتحاد على هذا الإمام.
стр. 775
القارئ: وإن صلى في كل ركعة ثلاث ركوعات على نحو ما ذكرنا جاز لأن عائشة روت أن رسول الله ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات رواه مسلم.
الشيخ: على كل حال هذا الحديث لا يصح سواء من حديث ابن عباس أو من حديث عائشة لا يصح عن النبي ﷺ أن يصلى في كل ركعة ثلاث ركوعات ووجه ذلك أن الكسوف بالاتفاق لم يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا مرة واحدة والثابت في الصحيحين أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وما عدا ذلك فإنه شاذ لا يصح ومعروف أن من شروط صحة الحديث أن لا يكون شاذاً فكل ما روي عن النبي ﵊ أنه صلى أكثر من ركوعين في كل ركعة فهو حديث لا يصح نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
القارئ: وإن جعل في كل ركعة أربع ركوعات جاز أيضاً لأنه يروى عن علي وابن عباس عن النبي ﷺ والمختار الأول لأنه أصح وأشهر.
الشيخ: ما هو الأول؟ ركوعان في كل ركعة هذا هو الأصح لكن روى مسلم في صحيحه عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه صلى في كسوف ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وفعل علي ﵁ مما يحتج به وكأنه ﵁ رأى الزيادة لأنه ظن أن الكسوف سيستمر طويلاً فزاد ولكنا نختار كما اختار المؤلف ﵀ أن يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان فقط.
القارئ: ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي فإن فاتت لم تقضَ لقول النبي ﷺ (صلوا حتى يكشف الله ما بكم) وإن تجلت وهو في الصلاة أتمها وخففها وإن سلم قبل انجلائها لم يصلِّ أخرى واشتغل بالذكر والدعاء وإن استترت بغيم صلى لأن الأصل بقاء الكسوف وإن غابت كاسفة فهو كانجلائها لأنه ذهب وقت الانتفاع بنورها وإن طلعت الشمس والقمر خاسف فكذلك لما ذكرنا وإن غاب ليلاً.
следующие страницы →