← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في المِلْكِ) المشترك، (والوقْفِ) المشترك. فإن انهدم حائطهُما أو سقفهُما فطلب أحدهما صاحِبَه ببنائِهِ معه، أجبر. فإن امتنع أخذ الحاكم من مالِهِ النَّقْدِ، وأنفق عليه. فإن لم يكن له عين مالٍ وكان له متاعٌ باعَهُ، وأنفق منه على حصَّته مع الشريك، فإن لم يكن للمتنع نقدٌ ولا عَرْض اقترض الحاكم عليه، وأنفق على حصَّته. وإن أنفقَ الشريكُ بإذن شريكه، أو إذن حاكم، أو بنيّةِ رجوعٍ، رَجَعَ بما أنفق على حصة الشريك، وكان بينَ الشريكين كما كان قبل انهدامِهِ. (وإن هدم الشريكُ البناءَ) المشترك بين الهادم وغيره، (وكان) هدمه له (لخوف سقوطه) أي البناء، (فلا شيء) أي لا ضمانَ (عليهِ) لأنه مُحْسِنٌ، (وإلا) بأن هدم الشريك البناءَ المشتركَ لغيرِ خوف سقوطه (لزمه إعادته) كما كان، لأنه متعد. (وإن أهمل الشريك بناء حائِط بستانٍ اتَّفقَا عليه) أي على البناءِ، (فما تلف من ثمرتِهِ) أي البستان (بسبب إهمالِهِ ضمن) الشريك المهمِل (وحصةَ شريكه) منه. قال في الإِقناع وشرحه: ولو اتّفقا، أي الشريكان، على بناء حائِط بستانٍ فبنى أحدُهما وأهمَلَ الآخر، فما تلف من الثَّمَرَةِ بسبب إهمالِ الآخرِ ضمنه، أي ضمن نصيبَ شريكِهِ منه الذي أهْمَل. قاله الشيخ. انتهى.

стр. 387

كتَاب الحَجْر الحَجْرُ في اللغة التضييق. وفي الشرع (هو منعُ المالكِ من التصرّف في مالِهِ) والأَصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السَّفَهَاءَ أمْوالَكُمْ﴾ أي: أموالَهم، لكن أُضِيفَ إلى الأوْليَاءِ لأنهم قائمون عليها، مُدَبّرون لها، وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية. وإذا ثبَتَ الحجْرُ على هذينِ ثبتَ على المجنونِ من بابِ أوْلى. (وهو) أي الحجر (نوعان): (الأول: الحقّ) أي لحظّ (الغير) أي غيرِ المحجورِ عليه (كالحجْرِ على مُفْلِسٍ) لحق الغرماءِ؛ (وراهنٍ) لحقّ المرتهن حيث لزم الرهن؛ (و) على (مريضٍ) مرضَ الموتِ المخوفَ فيما زاد على الثلثِ من مالِهِ، لحقّ الورثة؛ (و) على (قِنٍّ ومكاتَبٍ) لحق السيّد؛ (و) على (مرتدٍّ) لحقّ المسلمين، لأن تَرِكَتَهُ فيءٌ، فربما تصرّف فيها يقصِدُ به إتلافَها ليفوِّتها على المسلمين، (و) على (مُشْتَرٍ) في المبيع إذا كان شِقْصاً مشفوعاً، (بعد طلب الشفيعِ) لَهُ، لحقّ الشفيع. (الثاني:) الحجر على الإِنسان (لحظّ نفسِهِ) وذلك (كالحجر على صغيرٍ ومجنونٍ وسفيهٍ) وقول الفقهاء في هذا الضرب: "لحظّ نفسِهِ" لأن المصلحةَ تعودُ هنا على المحجور عليه.

стр. 388

ثم الحجرُ على هؤلاءِ كلِّهمْ بأن يُمنَعُوا من التصرُّف في أموالِهِمْ وذِمَمِهِم، ولا يصحّ إلا بإذن الوليّ، لأنه بدونه يفضي إلى ضَيَاع مالهم. [الحجر على المدين] (ولا يطالَبُ المدين، ولا يحجر عليه، بدينٍ لم يحلّ) أما كونه لا يطالَبُ، فلأنَ من شرطِ صحة المطالبة لزومُ الأداء، وهو لا يلزم أداؤه قبل الأجل؛ وأما كونُه لا يُحجَر عليه من أجل ذلك، فلأنَّ المطالبة إذا لم تُستَحقَّ لم يستحق عليه حجر، قال في الفروع. وفي إنظار المُعْسِرِ فضلٌ عظيمٌ، وأبلغ الأخبار عن بُرَيْدةَ مرفوعاً "من أَنْظَرَ مُعْسِراً فله بكل يومٍ مثلُه صدقةً قبل أن يحلّ الدينُ، فإذا حلَّ الدينُ فأنظره فله بكل يومٍ مثليه صدقةً." (١) رواه أحمد ﵁ (لكن لو أراد) من عليه الدينُ (سَفراً طويلاً) فوق مسافة القصر -عند الموفّق وابن أخيه وجماعةٍ، قال في الإِنصاف: ولعلَّه أولى، ولم يقيّدْه به في التنقيح والمنتهى- يحلّ الدينُ المؤجّلُ قبل فراغِهِ، أو بعده، مخوفاً كان أو غيره، وليس به رهن يفي ولا كفيل مليء (فلغريمِهِ مَنْعُه) من السفر لأن عليه ضرراً في تأخيرِ حقِّهِ عن محله في غير جهاد متعيّنٍ (حتى يُوَثِّقَهُ برهنٍ يُحرِزُ أو كفيلٍ مليء) فإذا وثَّقه بأحَدِهِما لم يمنعه، لانتفاءِ الضرر، فلو أراد المدين وضامِنُه معاً السَّفَرَ فله منعُهما، وله منعُ أيِّهما شَاءَ، ولا يملكُ تحليلَهُ إن أَحْرَم. (ولا يحلُّ دينٌ مؤجَّلٌ بجنونٍ، ولا) يحلُّ دينٌ مؤجل (بموتٍ إن وثَّقَ ورثتُهُ) أو غيرهم (بما تقدم،) يعني برهنٍ يُحْرِزُ أو كفيلٍ مليء. (ويجب على مدينٍ قادرٍ وفاءُ دينٍ حال فوراً بطلب ربه) لقوله ﷺ :

стр. 389

"مطلُ الغنِيِّ ظُلمٌ" (١) وبالطلب يتحقق المطل (وإن مَطَلَهُ) أي مَطَل المدينُ ربَّ الدين (حتى شكاه) ربُّ الدين (وَجَبَ على الحاكِمِ) العالِمِ بحالِهِ والجاهِلِ بحالِهِ (أَمْرُهُ بوفائِهِ.) وما غَرِمَ بسببِ مَطْلِهِ فِعلى مُماطِلٍ (٢). (فإن أَبَى) أي إذا أمر الحاكِمُ من عليهِ الدين بوفائِهِ بِطلبِ غريمِهِ فأبى (حَبَسَهُ.) قال في المغني: إذا امتنع الموسرُ من قضاءِ الدينِ فلغريمِهِ ملازَمَتُه، ومطالبته، والإغلاظ عليه بالقول، فيقول: يا ظالمُ. يا معتدي. (ولا يخرجه (٣) حتى يتبين) له (أمره) أي أنه معسرٌ، -أو يبرأُ المدينُ من غريمِهِ بوفاءٍ أو إبراءٍ، أو يَرْضى غريمُه بإخراجِهِ. (فإن كان ذو عُسْرَةٍ وجبت تَخلِيَتُهُ، وحرُمت مطالبته، و) حرم (الحجر عليه ما دام معسراً،) ولو قال غريمُهُ: لا أرضى. (وإن سأل غرماء من) أي: مدينٍ (له مالٌ لا يفي بدينه) الحالِّ، أو سأل بعضُهم (الحاكمَ الحجرَ عليهِ) أي على المدين، (لزمه) أي الحاكِمَ (إجابتهُم) أي إجابةُ الغرماءِ أو بعضِهم، وحجَرَ عليه. قال في شرح المنتهى: وظاهرُ ما تقدم أنه لا بد من سؤالِ من له حقٌّ الحاكمَ في الحجر، وحكمِ الحاكمِ، وهو المذهب. (وسنّ إظهارُ حجرِ) الفَلَس والسَّفَهِ ليعلم الناس بحالِهِمَا فلا يعاملوهما إلاَّ على بصيرة.

стр. 390

فصل [في آثار الحجر] (وفائدة الحجر (١) أحكامٌ أربعةٌ): (أحدها: تعلُّق حق الغرماءِ بالمالِ) لأنه لو لم يكن كذلك لما كان في الحجر عليه فائدةٌ، ولأنّه يباعُ في ديونِهِمْ فكانت حقوقُهُمْ متعلقةً به، كالرهن. إذا ثبت هذا (فلا يصحّ تصرّفه فيه بشيءٍ) حتى ما يتجدد له (٢) من ماله من أرشِ جنايةٍ وإرْثٍ ونحوهما، كوصيةٍ، وصدقة، وهبة؛ (ولو بالعتقِ) والوقفِ. (وإن تصرّف في ذمّتِهِ بشراءٍ أو إقرارٍ صح) لأنّه أهلٌ للتصرّف، والحجرُ متعلقٌ بمالِهِ لا بذمّتِهِ، فوجب صحّةُ تصرفه في ذمته، عملاً بأهليّتِهِ السالمةِ عن معارَضَةِ الحَجْر، (وطولِبَ به) أي بثمنِ مبيعٍ أو إقرارٍ (بَعْدَ فكِّ الحَجْرِ عنه) لأنه حقٌّ عليه. وإن جنى على أحدٍ شاركَ مجنيٌّ عليه الغرماءَ. (الثاني): من الأحكام المتعلقة بالحجر: (إنَّ من وجد عَيْنَ ما باعَهُ) للمفلِسِ، (أو أقرضَهُ) إياهُ، أو أعطاه له رأسَ مالِ سَلَمٍ، أو آجَرَهُ، ولو نفسَه (٣)، ولم يمض من مدتها زمنٌ له أجرة أو نحو ذلك (فهو) أي واجدُ العين التي باعها أو أقرضها أو أعطاها له رأس مال سلم (أحقُّ بها،) أي بعينِ مالِهِ من غيرِهِ.

стр. 391

١ - (بشرط كونِهِ لا يعلَمُ بالحَجْرِ.) فهذا شرط لمن فعل ما ذُكِرَ بعد الحجر. ٢ - (و) بشرط (أن يكون المفلِسُ حياً) إلى حين أخَذِ المبيع، فإذا ماتَ المشتريْ فالبائع أُسْوَةُ الغرماءِ، سواءٌ بفلَسِهِ قبل الموت فَحُجِرَ عليه ثم مات، أو مات فتبيّنَ فلسه، لأن الملك انتقل عن المفلِسِ إلى الورثة، أشبه ما لو باعَهُ. ٣ - (وأن يكون عوضُ العين كله باقياً في ذمته،) فإن أدّى بعض الثمنِ أو الأجرة أو القرض أو السلم، أو أُبْرِئَ منه، فهو أسوة الغرماء في الباقي. ٤ - (وأن تكون) العين (كلها) باقيةً (في ملكِهِ،) فإن تلف جزء منها، كبعضِ أطرافِ العبدِ، أو ذهبتْ عينُهُ، أو جرح، أو وُطِئَتِ البِكْرُ، أو تَلِفُ بعضُ الثوب، أو انهدم بعضُ الدارِ، ونحوه، لم يكن للبائِع الرجوعُ في العينِ، َ ويكون أسوة الغُرَماءِ. وإن باع المشتري بعض المبيع، أو وَهَبه، أو وقَفَهُ، فَكَتَلَفِهِ. ٥ - (وأن تكون) السلعة (بحالها) حين انتقلتْ عَنْهُ، بأن لم تَنْقُصْ من ماليتها لذهابِ صفةٍ مع بقاءِ عِيِنها (ولم تتغير صفتُها بما يُزِيلُ اسمها) كنسجِ غزلٍ، وخبزِ دقيقٍ، وجعلِ دُهْن صابوناً، وجعل شريطٍ إبَراً؛ (ولم تزد زيادةً متصلَةً) كسمن، وكبر، وتعلُّم صنعةٍ تزيد بها القيمة، ككتابةٍ وحدادةٍ وقِصَارَةٍ (١)، (ولم تختلط بغير متميز) عنها، كما لو كانت زيتاً فخلطه بزيتٍ، أو قمحاً فخلطه بقمح، ونحو ذلك. ٦ - (ولم يتعلق بها حقٌّ للغير) كرهن ونحوه.

стр. 392

(فمتى وجد شيء من ذلك) بأن فُقِدَ شرط من هذه الشروط المذكورة (امتنعَ الرجوع) بعين المال. (الثالث) من الأحكام المتعلّقة بحجر المفلس: (يلزم الحاكم قَسْمُ مالِهِ) أي مال المفلس (الذي من جنسِ الدينِ) الذي عليه. (و) يلزم الحاكم (بيعُ ما ليسَ من جنسِهِ) -أي الدين- في سوقِهِ، أو غيرِهِ، بثمنِ مثلِهِ المستقرّ، أو أكثرَ من ثمنِ المثلِ إن حَصَل راغبٌ. ولا يحتاجُ الحاكم إلى استئذانِ المفلِسِ في البيع، لكن يستحب أن يُحْضِرَهُ أو وكيلَه، (ويقسمه) أي الثمنَ، أو المالَ الذي من جنس الدين، فوراً. أمّا كونُ الحاكِمِ يَلْزَمُهُ قَسْم مالِ المفلس الذي من جنس الدين الذي عليه، على غرمائِهِ، فلأنّ هذا هو جلُّ المقصودِ من الحجر الذي طلبه منه الغرماء أو بعضهُم، وأما كونُهُ يلزَمُ ذلك على الفور، فلأنَّ تأخيرهُ مطلٌ، وفيه ظلمٌ لهم. ويكون قَسْمُهُ (على الغرماءِ بِقَدْرِ ديونهم) لأن فيه تسويةً بينَهُمْ، ومراعاةً لِكَمّيّةِ حقوقهم، فلو قضى الحاكم أو المفلسُ بعضَهُمْ لم يصحّ لأنهم شركاؤُهُ، فلم يجز اختصاصُهُ دونَهمْ. (ولا يلزمهم) أي الغرماءَ (بيانُ أن لا غريمَ سواهُمْ) بخلافِ الوَرَثَةِ. ذكره في "الترغيب" و"الفصول" وغيرهما، لئلا يأخذ أحدهم ما لا حقّ له فيه. (ثم) بعد القسمة (إن ظَهَر ربُّ دينٍ حالٍّ) لم تُنْقَضِ القسمة. و (رجع على كل غريمٍ بِقسطِهِ،) لأنه لو كان حاضراً شاركهم، فكذا إذا ظهر. (ويجب) على الحاكم أو أمينِهِ (أن يتركَ له) أي للمفلسِ منْ مالِهِ (ما يحتاجُهُ من مسكنٍ وخادمٍ) صالحينِ لمثله، لأن ذلك مما لا غِنى له عنه، فلم يُبَعْ في دينه، ما لم يكونَا عينَ مالِ غريمٍ، فإنه إن شاء أخَذَهما، ويُشْتَرَى له أو يتركُ له بَدَلُهما.

стр. 393

(و) يجبُ أن يُتْرَكَ للمفلِسِ أيضاً إن كان تاجراً (ما) أيْ شيئاً من ماله (يتّجر به، أو آلة حرفةٍ) فلا يبيعُها لدعاءِ حاجته إليها، كثيابِهِ ومسكنِهِ. (ويجب له) أيضاً أي للمفلس (ولعيالِهِ أدنى نفقةِ مثلِهِمْ من مأكَلٍ ومشْرَبٍ وكسوةٍ) من مالِهِ حتى يُقْسَمَ، وأجرةُ كيَّالٍ ووزّانٍ وحمّالٍ وحافظٍ لم يتبرع من المال. (الرابع) من الأحكام المتعلقةِ بالحجر: (انقطاع الطلبِ عنه) أي عن المفلسِ لقوله تعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ ولأن قوله تعالى "فنظرة" خبَرٌ بمعنى الأمر، أي انظروه إلى يَسَارِه، (فمن أقرضه) أي فمن أقرضَ المفلسَ شيئاً، (أو باعة شيئاً، عالماً بحجره، لم يملكْ طلَبَهُ حتى ينفكَّ حجرُه) لتعلُّقِ حق الغرماءِ حالةَ الحجْرِ بعَيْنِ مالِ المفلس. لكن إذا وجَد البائعُ أو المقرضُ أعيانَ مالِهِما فلهما أخذها. فصل [في الحجر على السفيه والصغير والمجنون] (ومن دَفَعَ ماله) بعقدٍ كبيعٍ ورهنٍ أو لا كعارية ووديعةٍ (١) (إلى محجورٍ عليه لحظّ نفسِهِ كـ (صغيرٍ أو مجنونٍ أو سفيهٍ، فأتلفَهُ، لم يضمنْهُ) لأنه سلَّطَهُ عليه برضاه. ويضمنُ إتلافَ ما لم يُدْفَعْ إليه. (ومن أخذ من أحدهم) أي من الصغيرِ والسفيهِ والمجنونِ (مالاً ضَمِنَهُ) أي الآخذُ (حتى يأخُذَهُ وليُّه. لا) يضمنه (إن أخذه منه ليحفظَهُ. وتَلِفَ ولم يُفَرِّط) أي الآخذُ، لأنه إن فَرَّطَ فقد ضمن، لتفريطه، (كمن

стр. 394

أخذَ مغصوباً) من غاصبِهِ (ليحفظَهُ لربّه) لأن في ذلك إعانةً على ردّ الحقِّ إلى مستحقِّه. (ومن بلغ) من ذكرٍ أو أنثى حالَ كونِهِ (رشيداً، أو بلغ مجنوناً ثم عَقَلَ ورَشَدَ انفكَّ الحجرُ عنه) بلا حكمِ حاكمٍ بفكِّهِ. أما كونُه ينفكّ عن الأوَّل، فلقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنما كان لعجزِهِ عن التصرّف في مالِهِ على وجهِ المصلحةِ، حفظاً له، وببلوغِهِ رشيداً يقدِرُ على ذلك، فيزول الحجرُ بزوالِ سبَبِهِ. وأما كونُهُ ينفكُّ عن الثاني فلأنَّ الحجرَ عليه لجنونِهِ فإذا زالَ وجب زوالُ الحجرِ لزوالَ علَّتَهُ. (ودُفِعَ إليهِ) أي إلى من قلنا ينفكّ الحجر عنه (مالُهُ) لقوله تعالى. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ينفكُّ الحجرُ عنهما (قبل ذلك) أي البلوغِ والعقلِ مع الرُّشْدِ (بحالٍ) ولو صارا شَيْخَيْنِ. [علامات البلوغ] (وبلوغُ الذَّكَر) يحصُل (بـ) واحدٍ من (ثلاثةِ أشياء.): أشار للأوّل بقوله: (إما بالإِمْنَاءِ) أي بإنزالِ المنيّ يَقَظَةً أو مناماً، باحتلامٍ أو جِماعٍ أو غير ذلك. وًأشار للثاني بقوله: (أو بتمامِ خمسَ عشْرَةَ سنةً) أي استكمالِها. وأشار للثالث بقوله: أو نباتِ شعرٍ خشِنٍ) وهو الذي استُحِقَّ أخذُه بالموسى (حول قُبُلِهِ) دون الزَّغَبِ الضعيف، لأنه ينبت للصغير. (وبلوغ الأنثى) يحصل (بذلك) الذي يحصل به البلوغ لِلذَّكَرِ، (و) تزيد عليه (بالحيضِ.)

стр. 395

وحملُها دليل إنزالِهَا. (والرُّشْدُ إصلاحُ المالِ وصونُهُ عما لا فائِدَةَ فيه.) ولا يعطى مالَهُ حتى يُختبر. ويحل الاختبار قبل بلوغٍ بلائقٍ به. ويؤنَسَ رُشْدُهُ. فصل [في الولاية] (وولاية المملوكِ لمالِكِهِ،) لأنه مالُه، (ولو) كان السيدُ (فاسقاً). (وولايةُ الصغيرِ والبالغِ بسفهٍ أو جنونٍ لأبيه) بشرطِ أن يكونَ بالغاً، لأنَّ الولدَ قَدْ يُلْحَقُ بمن لم يثبتْ بلوغُهُ. ومن لم يثبت بلوغُهُ لم ينفكَّ عنهُ الحجْرُ، فلا يكون وليًّا. (فإن لم يكن) له أب (فوصيّه) أي وصيُّ الأبِ إن عدمِ، لأنه نائبُ الأبِ، ولو بجُعْل وثَمَّ متبرِّعٌ. (ثم) بعد الأبِ ووصيِّه تكون الولايةُ على الصغيرِ وعلى من بلغَ مجنوناً أو عاقلاً ثم جُنَّ (الحاكمُ) لأنَّ الولايةَ انقَطَعَتْ من جهة الأبِ، فتكونُ للحاكِمِ، كولايَةِ النكاح، لأنّه وليُّ من لا وليَّ له (فإن عدم الحاكم فأمينٌ يقومُ مقامَهُ) أي مقامَ الحاكِمِ. اختاره الشيخُ تقيُّ الدين، وقال في حاكم عاجز: كالعَدَمِ. (وشُرِطَ في الوليّ الرشد) لأنّ غَيرَ الرشيدِ محجورٌ عليه؛ (والعدالةُ ولو ظاهراً) فلا يحتاجُ الحاكم إلى تعديلِ الأبِ أو وصيَّهِ في ثبوتِ ولايَتهِمَا. وليست الحريّةُ شرطاً فتثبت الولايَةُ للمكاتب على ولده الذي معه في الكتابة، لكن لا تثبتُ له الولاية على ابنه الحرّ.

стр. 396

(والجدُّ) لا ولايةَ له لأنه لا يدلي بنفسه، وإنما يدلي بالأب، فهو كالأخَ. (والأمّ وسائرُ العصباتِ لا ولايةَ لهم) لأن المال محل الخيانة، ومن عَدا المذكورِينَ أوّلاً قاصرٌ عنهم غير مأمونٍ على المال، (إلا بالوصية.) (ويحرم على وليِّ الصغيرِ والمجنونِ والسفيهِ أن يتصرّف في مالِهِمْ إلا بما فيه حظٌّ ومصلحةٌ) فإن تبرّعَ وليُّ الصغيرِ والمجنونِ بهبةٍ أو صدقةٍ، أو حابى بأن اشترى لِمَوْلِيِّهِ بزائدٍ، أو باعَ بنقصانٍ، أو زادَ في الإِنفاق عليهما على نفقتهِما بالمعروفِ، ضَمِنَ الزائِدَ، لأنه مفرّطٌ فيه. (وتصرُّف الثلاثةِ) السفيهِ والصغيرِ والمجنونِ (ببيعٍ أو هبةٍ أو شراءٍ أو عتقٍ أو وقفٍ أو إقرارٍ غيرُ صحيحٍ.) ويصحّ إقرارُ مأذونٍ له، ولو صغيراً، في قدر ما أُذِنَ فيه فقط. وتصح معامَلَةُ قِنٍّ لم يثبتْ كونُهُ مأذوناً له، (لكنِ السفيهُ إن أقرّ بحدٍّ) أي بما يوجبُ الحدَّ كالقذفِ والزِّنا، (أو) أقرّ (بنسبٍ أو طلاقٍ أو قِصاصٍ صحّ) إقراره بذلك (وأُخِذَ به في الحالِ) قال ابن المنذر: وهو إجماعُ من نحفَظُ عنه، لأنه غيرُ متَّهمٍ في نفسِهِ، الحجْرُ إنما يتعلق بمالِهِ (١)، ولا يجب فيما إذا أقرَّ بقصاصٍ مالٌ عفي عليه (٢). (وإن أقر بمالٍ) كالقرضِ وجنايةِ الخطأِ والإِتلاف (أُخِذَ به،) أي بإقراره فلا يلزَمُ إلا (بعد فك الحجرِ عنه) لأنا لو قبَلناه في الحالِ لزالَ معنى الحجرِ.

стр. 397

فصل [في تصرفات الولي] (وللوليّ) أي ولي الصغيرِ والسفيهِ والمجنونِ غيرَ حاكِمٍ وأمينِهِ (معَ الحاجَةِ أن يأكلَ من مالِ موليِّه) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال في شرح المنتهى: وظاهره أنه لا يحلّ له أن يأكل شيئاً مع غناه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. وعنه: لا يجوز. وعلى المذهب إنّما يباحُ له أن يأكل (الأقلَّ من أُجْرَةِ مثلِهِ وكفايتِهِ) يعني أنه لو كانت أجرة مثله عشرةَ دراهمَ في كلِّ شهرٍ، ويكفيه ثمانية، أو كانت أجرةُ مثلِهِ ثمانية، ولا يكفيه إلا عشرة، ليس له أن يأكل في الصورتين إلا ثمانية. ولا يلزَمُهُ عِوَضُ ما أكله إذا أَيْسَرَ. (و) للولي الأكل من مالِ الصَّغيرِ والسَّفيهِ والمجنونِ (مع عَدَمِ الحاجةِ) مع فَرْضِ الحاكمِ (يأكلُ ما فَرَضَ له الحاكِمُ.) ويأكلُ ناظرُ وقفٍ بمعروفٍ، نصًّا، إذا لم يشتَرِطْ الواقفْ له شيئاً. وظاهره: ولو لم يكن محتاجاً. قاله في القواعد. وقال الشيخ: له أَخْذُ أُجْرَةِ عمله مع فقرِهِ. (وللزوجةِ وكلِّ متصرِّفٍ في بيتٍ) كأجيرٍ (أن يتصدَّق) منه (بلا إذنِ صاحِبِهِ بما لا يضرُّ، كرغيفٍ ونحوِهِ) كبيضةٍ، لأنه مما جَرَتِ العادة بالمسامحة فيه، (إلا أن يمنعه) أي التصدقِ الزوجُ (١) (أو يكونَ بخيلاً) فتشكّ في رضاه (فيحرُمُ) عليها الصدقةُ بشيء من مالِهِ، كصدقةِ الرّجُلِ بطعامِ المرْأةِ.

стр. 398

باب الوكَالَة بفتح الواو وكسرها اسمُ مصدرٍ بمعنى التوكيل. (وهي) لغةً التفويض، وشرعاً (استنابَةُ) إنسانٍ (جائِزِ التصرفِ مثلَهُ) أي: إنسان (١) جائز التصرّف (فيما) أي: قولٍ أو فعلٍ (تدخُلُه النيابة،) فالقولُ (كعقدٍ) كبيعٍ ونكاحٍ وشركةٍ ومضاربةٍ ومساقاةٍ ومزارَعةٍ؛ (وفسخٍ) كفسخ أحد الزوجين لعيبٍ، بصاحبه (وطلاقٍ) لأن التوكيلَ إذا جاز في عقد النكاح جازَ في حلِّهِ بطريقِ الأولى؛ (ورجعةٍ) لأن التوكيلَ حيثُ ملَكَ به الأقوى، وهو إنشاء النكاحِ، مَلَكَ به الأضْعَفَ وهو تجديده بالرجعة من باب أولى، (وكتابةٍ، وتدبيرٍ، وصُلْحٍ) لأنه عقدٌ على مالٍ، أشبهَ البيعَ، (وتفرِقَةِ صدقةٍ، و) تفرقة (نذرٍ، و) تفرقة (كفارةٍ، وفعل حجٍّ، و) فعل (عمرةٍ) وتدخلُ ركعتَا الطوافِ فيها تبعاً. و (لا) تصحُّ الوكالةُ (فيما لا تدخله النيابَةُ كصلاةٍ وصومٍ وحَلِفٍ وطهارةٍ من حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ وشهادةٍ واغتنامٍ وقَسْمٍ لزوجاتِ ولعَانٍ وإيلاءٍ وقَسَامَةٍ ودفعَ جزيةٍ. (وتصح الوكالة منجَّزَةً،) كأنْتَ وكيلي الآن، (ومعلَّقةً،) كإذا جاء

стр. 399

المحرّم فقد وكلتك، (ومؤقتة،) كأنت وكيلي في شراءِ كذا وقتَ كذا. (وتنعقد) الوكالة (بكلِّ ما دلَّ عليها من قولِ) كبع عبدي هذا، أو كاتِبْهُ، أو أعتِقْهُ، أو دَبِّرهُ، أو: فَوَّضْتُ إليكَ أمره، أو أقمتك مقامي، أو جعلتُكَ نائباً عني في ذلك، لأنه لفظٌ دل على الإِذن، فصحّ، كلفظها الصريح، (وفعلٍ) قال في الفروع: ودلَّ كلام القاضي على انعقادِهَا بفعل دالٍّ، كبيعٍ (١). وهو ظاهرُ كلامِ الشيخ فيمن دَفَع ثوبَهُ إلى قصّارٍ أو خياط. وهو أظْهَرُ، كالقبول. ويصح قبولٌ بكل قولٍ أو فعلٍ دال عليهِ، ولو متراخياً. (وشُرِطَ) لصحة الوكالة (تعيينُ الوكيلِ) قال القاضي وأصحابُهُ: بأن يقولَ: وكّلتُ فلاناً في كذا (لا عِلْمُه بها) أي لا يشتَرَطُ لصحةِ التصرفِ بالوكالةِ علمُ الوكيلِ بالوكالةِ، فلو باعَ إنسانٌ عبدَ زيدٍ على أنه فضوليٌّ، فبانَ أن سيده وكّله في بيعِهِ قبلَ البيع صحّ، لأن العبْرَةَ بما في نفسِ الأَمْرِ، لا بما في ظنّ المكلف. وله التصرُّفُ بِخَبَرِ من ظَنَّ صدقَهُ. ويضمن ما ترتَّبَ على تصرفه إن أنكر زيدٌ التوكيل. (وتصح) الوكالة في (بيع مالِهِ) أي مال الموكّل (كلِّهِ) لأنه يتصرَّف في مالِهِ فلا غَرَرَ، (أو) يوكِّلَه أن يبيعَ (ما شاءَ) الوكيلُ (منه) أي من مال الموكِّل، لأن التوكيلَ إذا جاز في الجميع، ففي بعضه أولى. (و) تصح الوكالة (بالمطالبَةِ بحقوقِهِ كلِّها، وبالإِبراءِ منها كلِّها، أو ما شاءَ منها) قال في الفروع: وظاهرُ كلامهم في "بعْ من مالي ما شئت" له بيع كلِّ مالِهِ. (ولا تصحُّ) الوكالةُ (إن قال) الموكل لوكيله: (وكلتك في كلِّ قليلٍ

стр. 400

وكثير) قاله الأزْجِي، لأنه يدخل فيه كلُّ شيءٍ من هِبَةِ مالِهِ، وطلاقِ نسائِهِ، وإعتاقِ رقيقِهِ، فيعظم الغَرَرُ والضرر. (وتسمَّى) هذه [الوكالةُ] الوكالَةَ (المفوَّضَةَ). (وللوكيل أن يوكِّل فيما يعجز عنه) مثلُهُ، لكثرته، وفيما لا يتولّى مثلُهُ بنفسِهِ، كالأعمال الدنيّة في حقّ أشرافِ الناسِ المترفِّعين عن فعلِها في العادَةِ، لأن الإِذن إنما ينصرف إلى ما جرت به العادة. و (لا) يملكُ الوكيلُ (أن يعقدَ مع فقيرٍ أو قاطِعِ طريق) إلاَّ أن يأمره الموكِّل، لأن في ذلك -مع عدم إذن الموكل- تفريطاً، (أو يبيعَ مؤجّلاً، أو بمنفعةٍ، أو عَرْضٍ.) أما كونه لا يصحّ إذا باعَ مؤجَّلاً فلأن الموكِّل إذا باع بنفسِهِ، وأطلق انصرف إلى الحلول، فكذا إذا أطلق الوكالة. وأما كونُه لا يصحُّ بمنفعةٍ أو عرْض فلأن الإِطلاق محمولٌ على العرف، والعرْفُ يقتضي أن الثمن إنما يكونُ من النقدين. قال المجد في شرحه: فإن وكله أن يشتري له طعاماً لم يجز له غيرُ شراءِ الحِنْطَةِ، حملاً على العُرْفِ (١)، ذكره القاضي وابن عقيل (أو بغيرِ نقدِ البلد)، أو بنقدٍ غيرِ غالبه إن جمع نقوداً، أو بغير الأصلحِ من نقودهِ إن تساوتْ رواجاً، (إلا بإذن موكّله.) وإن وكّل عبدَ غيرِهِ، ولو في شراءِ نفسِهِ من سيِّدِهِ، صحّ ذلك إن أذن فيه سيده، وإلا فلا، فيما لا يملكه العبد.

стр. 401

فصل [فيما تبطل به الوكالة] (والوكالةُ والشرِكةُ والمساقاةُ والمزارَعَةُ والوديعةُ والجُعَالَة عقودٌ جائزة من الطرفين) لأن غاية ما في كل منها إذْنٌ وبذْلُ نفعٍ، وكلاهما جائز، (لكلٍّ من المتعاقدَينِ فسخُها) أي هذه العقود، كفسخ الإِذن في أكلِ طعامِهِ. (وتبطُلُ كلها) أي العقود المذكورة (بموتِ أحدِهِما أو جنونِهِ) جنوناً مُطْبِقاً، (وبالحجرِ) عليه (لسَفَهٍ) لأن كلاًّ من هذه العقود المذكورة يعتمد الحياةَ، والعقلَ، وعدم الحجر. فإن انتفى ذلك انتفت صحّتُها لانتفاء ما تعتمد عليه، وهو أهليَّةُ التصرف. والمراد ببطلانها بالحجر للسفه (حيثُ اعتُبر) لها (الرُّشْدُ) بأن كان في شيء لا يتصرَّفُ في مثله السفيهُ. أما إن كانت في شيء يسيرٍ يتصرَّف في مثله السفيه بدون إذنِ وليِّهِ، أو كانت الوكالة في طلاقٍ، أو رجعةٍ، أو في تملًّكِ مُبَاحٍ كاستقاء (١) ماءٍ واحتطابِ، فإنها تصح (٢). (وتبطل الوكالة بَطرُوِّ فسقٍ لموكّلٍ ووكيلٍ فيما ينافيه) الفسق فقط (كإيجاب النكاح) لخروجِهِ عن أهليةِ التصرّف، بخلافِ الوكيلِ في قبولِهِ، أو في بيعٍ أو شراءٍ فلا ينعزل بفسقِ موكِّله. (و) تبطل الوكالة أيضاً (بِفَلَسِ موكلٍ فيما حُجِرَ عليه فيه) بأن كانت الوكالة في أعيان مالِهِ، لانقِطاعِ تصرّفه فيه. (و) تبطل الوكالة أيضاً (بِرَدّتِهْ) أي الموكل، لامتناعه من التصرُّفِ في مالِهِ ما دام مرتدًّا. ولا تبطل بردّةِ وكيلٍ إلا فيما ينافيها.

стр. 402

(و) تبطل الوكالة أيضاً (بتدبيرِهِ) أي تدبيرِ السيدِ (أو كتابتِهِ قِنًّا وُكِّل في عتقِهِ) لدلالَةِ ذلك على الرجوعِ عن الوكالة في العتق. (و) تبطل الوكالة أيضاً (بوطئِهِ) أي الموكِّل لا قبلتِهِ (زوجةً وكَّل في طلاقِهَا) لدلالَةِ وطئِهِ على رغبتِهِ فيها، واختيارِهِ إمساكها. وكذلك لو وَطِئَها بعد طلاقِهَا رجعياً كان ارتجاعاً لها. (و) تبطل الوكالة أيضاً (بما يدلّ على الرجوعِ من أحدِهِما) أي الوكيل والموكِّل. ومن صور دلالة رجوع الوكيل ما إذا قبل الوكالة من مالِكِ عبدٍ في عتقِهِ، وكان قد وكّله إنسان في شرائه؛ فإن قبولَ الوكالة في عتقِهِ يدلَّ على رجوعه عن الوكالة الأولى في شرائه. (وينعزل الوكيل بموتِ موكِّلِهِ وبعزلِهِ له) أي للوكيل (ولو لم يعلمْ) كشريكٍ، ومضارِبٍ، لا مودِعٍ (١). (ويكون ما بيده بعد العزل أمانَةً) لا يضمنه إذا تلف بغيرِ تَعَدٍّ منه ولا تفريطٍ، حيث لم يتصرف. وأما ما تلف بتصرّفه فيضمنه. وكذلك عقودُ الأمانات كلُّها كالوديعةِ والرهنِ إذا انتهت أو انفسخت. فصل [في ضمان الوكيل إذا خالف] (وإن باع الوكيلُ بأنقصَ من ثمن المثلِ، أو) بأنقص (مِمّا قدره له موكله، أو اشترى بأزيد) من ثمنِ المثلِ (أو بأكثر مما قدره له، صحّ) البيعُ والشراءُ (وضمن في البيع كلَّ النقص، وفي الشراء كل الزائد) عنٍ مقدَّرِهِ وما لا يُتَغَابَنُ بمثلِهِ عادةً، كأن يعطى لوكيله ثوباً ثمن مثله مائةُ

стр. 403

درهمٍ ليبيعه له، ولم يقدِّر له الثمن، فيبيعه بثمانين، والحال أن مثل الثوب قد يبيعُهُ غيره بخمسةٍ وتسعين درهماً. فهذه الخمسةُ التي نقصت عن ثمن مثلِهِ مما يتغابَنُ الناس بمثله في العادة. فلو أن الوكيل باعَ بمثلِ هذا النقصِ لم يضمن شيئاً لأن التحرز عن مثل هذا عَسِرٌ. لكنه لو باع بنقص لا يُتَغَابَنُ بمثله بين التجارِ، وهو عشرون من مائةٍ، فيضمنُ جميع هذا النقص. (و) من قال لوكيله عن شيء (بعه لزيدٍ، فباعه لغيره) أي غير زيد (لم يصحّ) البيع، قال في المغني: بغير خلاف علمناه، سواءٌ قدَّر له الثمنَ، أو لم يقدِّر، لأنه قد يكون له غرضٌ في تمليكِهِ إياه (١) دون غيره. (ومن أُمِر) من قِبَلِ مالكٍ (بدفعِ شيءٍ) كثوبِ (إلى) قَصَّارٍ أو خيّاطٍ (معيّنٍ) بتعيين الآمر (ليصنعه) بأن يقصُرَهُ أو يخيطه (فَدَفَعَ) المأمورُ الثوبَ إلى من أُمِرَ بدفعه له (ونسيه) فضاع الثوب (لم يضمن) لأنه إنما فعل ما أمر به، ولم يتعدّ ولم يفرط. (وإن أطلق المالك) الإِذن، بأن دفعه إليه، وقال: ادفعه إلى من يقصُرُه أو يخيطُه، (فدفعه) الوكيل (إلى من) أي إلى إنسانٍ (لا يعرفه) أي لا يعرف عينَهُ، كما لو ناوله إياه من وراء سُتْرَةٍ، ولا يعرفُ اْسمَهُ، بأن لم يسأل عنه، ولا دكانَه بأن دفعه بمحلٍّ غير دكانِهِ ولم يسألْ عنه، فضاع الثوب (ضمنه) الوكيل لتفريطه. (والوكيل أمينٌ لا يضمنُ ما تَلِفَ بيده بلا تفريطٍ) لأنه نائبٌ للمالِكِ في اليَدِ والتصرّف، فكان الهلاكُ في يده كالهلاكِ في يد المالكِ، كالمودَعَ.

стр. 404

وكذا حُكْمِ كل من بيده شيء لغيرِهِ على سبيل الأمانة، كالوصيّ ونحوه. وكلامه شاملٌ للوكيل المتبرّعِ، والوكيل بِجُعْلٍ، لأنه (١) لا فرق بين تلف العينِ الموكل فيها، وبين تلف ثمنها، لأنه أمين. (ويصدَّق) الوكيل (بيمينه في التلف) أي تلف العين أو الثمن، (و) يقبل قوله بيمينه (أنه لم يفرِّط،) ولا يكلَّف على ذلك بينةً، لأنّ هذا مما يتعذّر إقامةُ البينة عليه، ولأنه لو كُلِّف ذلك لامتنع الناسُ من الدخولِ في الأماناتِ، مع الحاجة إلى ذلك. ومحلُّ هذا إن ادعى التلف بسبب خفيٍّ كالسرقة ونحوها. وإن ادعاه بسببٍ ظاهرٍ، كحريقٍ ونهبٍ ونحوهما، لا يقبل إلا ببيّنَةٍ تشهد بالحادث. ويقبل قوله في التلف به بيمينه. (و) يقبل قول وكيلٍ (أنه) أي موكله (أذنَ له في البيع مؤجَّلاً، أو بغير نقد البلد) أو بِعرْضٍ (٢)، كالخياط إذا قال: أذنتَ لي في تفصيلِهِ قَبَاءً، وقال المالك: لا بل قميصاً. ولو باع الوكيل السلعة، وقال: بذلك أمرتني، فقال المالك: بل أمرتُكَ برهنها، صُدِّق رَبُّها، فاتَتْ أو لم تَفُتْ، لأن الاختلاف هنا في جنس التصرُّف. (وإن ادعى) الوكيل (الردّ إلى ورثة الموكل مطلقاً) لم يظهر لي معنى قوله مطلقاً (٣) (أو) ادعى الرد (له) أي الموكل (وكان بجعلٍ لم يُقْبَلْ) منه دعوى الرد.

стр. 405

قال في شرح المنتهى: وجُمْلَةُ الأمناءِ على ضربين: أحدهما: من قَبَضَ المالَ لنفع مالكِهِ لا غير، كالمودَع، والوكيل المتبرِّع، فيُقْبَل قوله في الردّ، لأنه لو كُلِّف البينةَ عليهِ لامتنَعَ الناس من دخولهم في الأماناتِ، مع الحاجَةِ، فيلحقهم الضررُ بذلك. الضربُ الثاني: من ينتفِع بقبضِ الأمانة، كالوكيل بِجُعْلٍ، والمضارِبِ، والمرتَهِنِ ونحوهم، فلا يقبل قولهم في الردّ على الأصحّ. نص عليه الإِمام في المضارب، في رواية ابن منصور. (ومن عليه حقٌّ) لآدميٍّ (فادّعى إنسانٌ أنه وكيلٌ ربِّهِ في قبضِهِ،) أو وصيُّهُ، أو أنه أحيل به، (فصدّقه،) أي صدق مدَّعِيَ الوكالةِ أو الوصيّة أو الحوالة، (لم يلزمه) أي من عليه الحقّ (دفعُهُ إليه) أي إلى المدعي لأنه لا يبرأُ بهذا الدفع، لجواز أن ينكرَ ربُّ الحق الوكالَة أو الحوالةَ، أو يظهر حَيًّا في مسألةِ دعوى الوصية، فيرجع على الدافع. (فإن ادّعى) المطالِبُ (موتَهُ) أي موتَ ربِّ الحق، (وأنه وارثه،) ولا وارثَ له غيره، (لزمه) أي لزمَ من عليهِ الحقُّ (دفعهُ) لمدعي الإِرث لربِّ الحق، مع تصديقٍ منه على ذلك. (وإن كذّبه) أي كذب من بيده العينُ المدّعِيَ (حلفَ أنه لا يعلم أنه وارثه، ولم يدفعه) لأن من لزمه الدفعُ مع الإِقرار، لزمته اليمينُ مع الإِنكار. وصفتها أن يحلفَ أنه لا يعلم صحة ما قاله، لأنّ اليمينَ هنا على نفيِ فعل الغير، فكانت على نفي العلم (١).

стр. 406

كتَاب الشَّركَة وفيها لغات: فتح الشين مع كسر الراء، وسكونُها، وكسرُ الشين مع سكونِ الراء (١). وهي جائزة بالإِجماع. الشركة قسمان: القسم الأول: اجتماعٌ في استحقاقٍ، وهو أنواع: الأول: أن يكون في المنافِعِ والرقابِ، كما لو ورث اثنانِ أو جماعة عبداً أو داراً. النوع الثاني: أن تكون في الرقاب فقط، كما لو ورث جماعةٌ عبداً أو نحوَه موصًّى بنفعه. النوع الثالث: أن تكون في المنافع دون الأعيان، كما لو وصّى لاثنينِ أو أكثر بمنفعةِ عبدٍ أو نحوه. النوع الرابع: أن تكون في حقوق الرقاب، كما لو قذف جماعةً يُتَصَوَّرُ زناهم عادةً بكلمةٍ واحدةٍ، فإن طَلَبُوا كلُّهُمْ وجب لهم حدٌّ واحد.

стр. 407

[القسم] الثاني: الشركة في التصرف (وهي خمسةُ أنواعٍ، كلها جائزةٌ ممن يجوز تصرفه). (أحدها: شركة العنان). ولا خلاف في جوازِها، وإنما الخلاف في بعضِ شروطِها. وسميت بذلك، قيل: لأنهما يستويان في المال والتصرُّف، كالفارسين إذا استويا في السير، فإن عِنانَ فرسيهما يكونان سواء، (وهي أن يشترك اثنان فأكثرُ في مالٍ يتَّجِران فيه، ويكون الربحُ بينهما) أو بينهم (بحسب ما يتفقانِ) أو يتفقون عليه. (وشروطها) أي شركة العِنان (أربعة): (الأول: أن يكون رأسُ المال من النقدين المضروبين، الذهبِ والفضةِ، ولو لم يتفق الجنس) فيجوز أن يدفع واحدٌ ذهباً والآخرُ فضةً. (الثاني: أن يكون كلٌّ من المالين) المعقودِ عليهما (معلوماً) فلا تصحّ على مجهولَيْنِ، للغرَرِ. فإن اشتركا في مالٍ مختلِطٍ بينهما شائعاً صح عقد الشركة، إن عَلِمَا قدر ما لكلٍّ منهما فيه. (الثالث: حُضُور المالين) فلا تصحُّ على غائبٍ، ولا على مالٍ في الذمّة. (ولا يشترط) لصحة الشركة (خَلْطُهما،) ولا أن تكونَ أيدي الشريكين عليهما، (ولا) يشترط (الإِذن في التصرف). (الرابع: أن يشترطا) أي الشريكان (لكل واحدٍ منهما جزءاً) مشاعاً (معلوماً من الربح) ولو متفاضلاً لتفاوتهم في قوّة الحِذْقِ، (سواءٌ شَرَطا لكل واحد منهما) ربحاً (على قَدْرِ ماله، أو أقلَّ، أو أكثر لأن الربح مستَحَقٌّ بالعمل، وقد يتفاضلان فيه.

стр. 408

(فمتى فُقِدَ شرط) من هذه الشروط الأربعة المذكورة (فهي فاسدة). (وحيث فَسَدتِ) الشركة (فالربحُ على قدر المالين) في شركة عِنَانٍ وَوُجوهٍ، لأن الربحِ استُحِقَّ بالمالين، فقُسِمَ على قدرهما. وأجرةُ ما يتقبّلان في شركة أبدانٍ بالسوية، (لا على ما شَرَطَا) لفساد الشركة (لكن يرجعُ كل) واحد (منها على صاحِبِه بأجرة نصفِ عمله) لأنَّه عَمِلَ في نصيب شريكِهِ بعقد يبتغي به الفضْلَ في ثاني الحالِ، فوجب أن (١) يقابل العمل فيه عوضاً، كالمضاربة. وكيفيّة ذلك أن يقالَ بالنظر لأحدهما: كم يساوي عملُه؟ فيقال: عشرة، مثلاً. فيرجعُ بخمسة. ويقال عن الآخر: كم يساوي عملُه؟ فيقال: عشرون فيرجع بعشرة. ويقاصُّ منها بالخمسة التي استحقها على شريكه. يبقى عليه خمسة. (وكل عقدٍ لا ضمانَ في صحيحِه لا ضمانَ في فاسِدِه، إلا بالتعدي أو التفريط، كالشركةِ والمضاربةِ والوكالةِ والوديعةِ والرهنِ والهبةِ) والصدقة. وكل عقدٍ لازمٍ يجب الضمانُ في صحيحِهِ يجب الضمانُ في فاسِده, كبيعٍ وإجارةٍ ونكاحٍ وقرضٍ. ومعنى ذلك أن العقد الصحيح إذا لم يكن موجباً للضمانِ فالفاسد من جنسِهِ كذلك. وإن كان موجِباً له مع الصحّة فكذلك مع الفساد. (ولكل من الشريكين) أو الشركاءِ (أن يبيعَ) مال الشركة، (ويشتريَ، ويأخذَ) ثمناً ومُثْمَناً، (ويعطي) ثمناً ومثمناً، (ويطالبَ) بالدين، (ويخاصمَ) فيه، لأن من مَلَكَ قبْضَ شيء مَلَكَ المطالبةَ به

стр. 409

والمخاصمةَ فيه، بدليلِ ما لو وَكَّله في قبضِ دينِهِ، ويحيلَ ويحتالَ، ويردَّ بعيبٍ للحظّ، ولو رضي شريكُهُ به، ويُقِرَّ به، ويقابلَ، وُيؤْجِرَ ويستأجر، (ويفَعلَ كل ما فيه حظٌّ للشركة) كحبسِ غريمٍ ولو أبى الآخر، ويودِعَ لحاجةٍ، ويسافرَ مع أمنٍ. فصل [في شركة المضاربة] (الثاني) من الأنواع الخمسة: (المضاربةُ) وهذه تسميةُ أهلِ العِراقِ، مأخوذةٌ من الضّرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة. وأهل الحجاز يسمونها قِرَاضاً، مأخوذة من قَرَضَ الفأرُ الثوبَ، إذا قطعه، فكأنّ رب المال قَطَع للعامل من مالِهِ قطعة وسلّمها إليه. (وهي) شرعاً (أن يدفع) إنسانٌ (من ماله إلى إنسانٍ آخر) شيئاً، أو يكونَ له تحت يده على سبيلِ الوديعةِ أو الغصبِ مالٌ، ويأذنَ له (ليتّجِرَ فيه، ويكونَ الربحُ بينهما بحسَبِ ما يتفقان) عليه. (وشروطها) أي المضاربة (ثلاثة): (أحدها: أن يكون رأسُ المالِ من النقدين) الذَّهب والفضة (المضروبين)، فلا تصحُّ شركةٌ ولا مضاربةٌ بِنُقْرَةٍ، وهي الفضّة التي لم تُضْرَبْ، ولا بمغشوشةٍ غشًّا كثيراً، ولا بفلوسٍ ولو نافقةً. (الثاني: أن يكون) رأس المال (معيناً،) فلا يصحّ أن يقول: ضارِبْ بما في أَحدِ هذين الكيسين، سواءٌ تساوى ما فيهما أو اختلف، وسواءٌ عَلِما ما فيهما أو جهلاه، لأنها عقدٌ تمنع صحَّتَهُ الجهالةُ، فلم تَجُزْ على غيرِ معيّن، كالبيع، (معلوماً) قدرُه، فلا يصحُّ أن يقول: ضاربْ بهذِهِ الصُّبْرَهِ من الدنانير والدراهم، لأنه لا بدّ من الرجوعِ إلى

стр. 410

رأس المال عند المفاضَلَة، ليعْلَمَ الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل. (ولا يُعتَبر) لصحّة المضاربة (قبضُه) أي العامل لرأسِ المال (بالمجلِسِ، ولا القَبُول) منه، بأن يقول: قبلتُ. فلو أحضر ربُّ المالِ المالَ، وقال له: اتَّجِرْ به، ولك ثلث ربحِهِ، مثلاً، واشترى العاملُ به عَرْضاً في المجلس قبل قبضِهِ وقولِهِ قبلتُ، صحَّت المضاربةُ والشراءُ. ولهذا قال في المنتهى: فتكفي مباشرتهُ. (الثالث: أن يُشْتَرَط للعامل جزء معلومٌ من الربح) أي ربحِ المالِ، كثلثِهِ أو ربعِهِ أو خمسهِ أو سدسِهِ أو سبعِهِ. (فإن فُقِدَ شرطٌ) من هذه الشروط الثلاثةِ (فهي فاسدة). (ويكون للعاملِ) في المضاربةِ الفاسدةِ (أجرةُ مثلِهِ) نصّ عليه، (وما حَصَل من خسارةٍ) في المال (أو ربحٍ، فللمالِكِ) لأنَّهُ نماء مِلْكِهِ. تنبيه: قال الفتوحي في شرح المنتهى: فأما إن رضي المضاربُ بأن يعملَ بغيرِ عوضٍ، مثلَ أن يقول: قارضْتُك والربحُ كله لي، ودَخَلَ على ذلك، فلا شيءَ له، لأنه متبرِّعٌ بعمله، فأشبه ما لو أعانه، أو توكَّل له بغير جُعْلٍ. انتهى. [تصرفات المضارب] (وليس للعاملِ شراءُ من) أي شراءُ رقيق (يعتق على ربّ المال) بغير إذنٍ في ذلك، لأن عليهِ فيه ضرراً، ولأنّ المقصودَ من المضاربة الربحُ حقيقةً أو مظنَّة، وهما منتفيان هنا. فإن اشتراه بإذن رب المال صحّ وعتق، وتنفسخُ المضاربة في قدْرِ ثمنِه، لأنه قد تَلِفَ، ويكون محسوباً على ربّ المال، وإن كان ثمنه كلَّ المالِ انفسخت كلُّها. وإن كان في المالِ ربح رجَع العامل بحصته منه، (فإن فَعَلَ) بأن اشتراه بغير إذن ربّ المالِ صَحَّ الشراء، (وعتَقَ) على ربِّ

стр. 411

المال، لأن القولَ بصحةِ الشراء يوجب عتقه، وإذا صحّ الشراء (و) عتَقَ (ضَمِنَ ثمنه) الذي اشتراه به، لأن التفريطَ منه حَصَل بالشِّراء، (ولو لم يعلم) أنه يعتق على رب المال، لأن مالَ المضاربةِ تَلِفَ بسببه، ولا فرق في الإِتلافِ الموجِبِ للضمانِ بين العلم والجهل. [نفقة المضارب] (ولا نفقةَ للعامل) في مضاربةٍ، لأنه دَخَل على أن له في الربح جزءاً، فلا يستحقُّ غيره، إذ لو استحقها لأفضى إلى اختصاصِهِ به حيث لم يربح سوى النفقة، (إلا بشرطٍ) فقط، نصَّ عليه، كوكيلٍ. (فإن شُرِطَتْ) محدودةً فهي أولى. قال الإمام أحمد: أحبُّ إليّ أن يَشْرُطَ نفقة محدودةً، لأن في تقديرِهَا قطعاً للمنازعة. وإن شُرِطَتْ (مطلقَةً، واختلفا،) بأن تشاحَّا فيها (مثله نفقة مثلِهِ عرفاً من طعامٍ وكسوةٍ،) لأنّ إطلاق النفقةِ يقتضي جميعَ ما هو من ضروراته المعتادة، فكان له النفقةُ والكسوةُ، كالزوجةِ وسائرِ من تجب نفقتُهُ على غيره. (ويملك العامل حصَّتَهُ) المشروطةَ له (من الربحِ بـ) مجرّد (ظهورِهِ قبل القسمة) قال أبو الخطاب: روايةً واحدة (كالمالِكِ) أي كربّ المال، وكما يملك المُسَاقِي حصَّتَهُ بظهورِهَا، لأنّ الشرط صحيح فيثبُتُ مقتضاه، وهو أن يكونَ له جزءٌ من الربحِ، فإذا وجد يجب أن يملكه بحكم الشرط، قياساً على كلِّ شرط صحيحٍ في عقد. و (لا) يملك (الأخْذَ منه إلا بإذنٍ) من ربِّ المال، لأن نصيبه مشاع. وليس له أن يقاسِمَ نفسه. وتحرم قسمتُهُ والعِقدُ باقٍ إلا باتفاقِهما على ذلك. (وحيث فُسِخَتِ) المضاربة (والمال عَرْضٌ، فرضي ربُّه بأَخذِهِ

стр. 412

قَوَّمَهُ) أي مالَ المضاربة، (ودفع للعامل حصَّتَهُ) من الربح الذي ظهر بتقويمِ المالِ، (وإن لم يرضَ) ربُّ المال بأخذ العَرْضِ (فعلى العامل بيعه وقبضُ ثمنِه) لأن عليه ردَّ المال ناضًّا، كما أخذَهُ منه ذهباً أو فضّة. [اختلاف المضارب ورب المال] (والعامل) في المضاربة (أمين) في مالِهَا لأنه يتصرّف في مال لا يختصُّ بنفعِهِ -متعلّق بتصرّف- (١) بإذن مالِكِهِ، فكان أميناً، كالوكيل. وفارق المستعيرَ، فإنه يختصّ بنفع العين المعارة (يُصَدَّقُ بيمينه في قدر رأسِ المال،) سواء كان ربحٌ أم لا، لأن رب المال يدّعي عليه قبض شيءٍ وهو ينكره (٢). والقولُ قولُ المنكِر. (و) يصدّق العاملُ بيمينه أيضاً (في) قدر (الربح) نقله ابن منصور (وعدمه، وفي الهلاكِ والخسرانِ) لأن تأمينه يقتضي ذلك. ومحلّ ذلك إن لم تكن لربّ المال بينةٌ تشهدُ بخلاف ما ذكره العامل (حتى) و (لو أقر) عاملٌ (بالربح) بأن قال: رِبْحُ المالِ ألفٌ، ثم ادعى تلفاً أو خسارةً قُبِلَ قَوْلُه في ذلك. لا غلطاً أو كذباً أو نسياناً أو اقتراضاً تمَّم به رأسَ المالِ، بعد إقراره برأسِ المال لربِّه. (ويقبل قول المالِك) بعد ربحٍ حصل في المال (في قدرِ ما شَرَط للعاملِ) فلو قال: شَرَطْتَ لي نصفَ الربح، وقال المالك: بل ثلثَهُ، فالقول قولُ المالك. نصّ عليه.

стр. 413

فصل [في شركة الوجوه] (الثالث) من الأنواع الخمسة (شركة الوجوهِ، وهي أن يشترك اثنان لا مالَ لهما في ربحِ ما يشتريانِه من الناس في ذِمَمِهِما) بجاهَيْهما. ولا يُشترط لصحتها ذكرُ صِنْفِ ما يشتريانِهِ، ولا قدرِه، ولا مدةِ الشركة، فلو قال أحدهما للآخر: ما اشتريتَ من شيءٍ فبيننا، وقال الآخر كذلك، صح العقد. (ويكون المِلْكُ) لما يشتريانِهِ بجاهيهمَا كما شَرَطا، (و) يكونُ (الربحُ بينهما كما شَرَطَا) من تساوٍ وتفاضُلٍ، لأن أحدهما قد يكون أوثَقَ عندِ التّجارِ، وأبْصَرَ بالتجارة من الآخر، فيجوزُ له أن يشترط زيادةً في الربح في مقابلةِ زيادةِ أوْثَقِيَّتِهِ وزيادة إبصاره (١) بالتجارة. (والخسارةُ) أي الخسرانُ الحاصلُ بتلفٍ، أو بيعٍ بنقصانٍ عما اشترياهُ، أو غيرِ ذلك (على قَدْرِ الملك) في المشتَرَى، فعلى من يملكُ فيه الثلثينِ ثلثا الوَضِيعَةِ، وعلى من يملكُ فيه الثلثَ ثلثُ الوضيعة، ونحو ذلك، سواءٌ كان الربحُ بينهما كذلك أو لم يكن، لأن الخسارةَ عبارة عن نقصانِ المالِ، وهو مختصٌّ بِملاَّكه، فيوزّع بينهما على قدرِ حِصَصِهِما. وتصرُّفُهما كتصرُّف شريكي عِنَان. [شركة الأبدان] (الرابع) من الأنواعِ الخمسةِ: (شركة الأبْدانِ. وهي) نوعان: أحدهما: (أن يشتركا فيما يتملَّكان بأبدانِهِما من المباحِ،

стр. 414

كالاحتشاشِ والاحتطابِ والاصطِيادِ) والتلصُّص على دار الحرب. وأشار للثاني بقوله: (أو يشتركا فيما يتقبّلان في ذِمَمِهِمَا من العَمَل،) كنسجٍ وقِصَارةٍ وخِياطةٍ. ويطالَبانِ بما يتقبّله أحدُهما، ويلزمهما عمله. ولكلِّ طلبُ أجرةٍ. وتلفُها بلا تفريطٍ بيد أحدهما مضمونة (١) عليهما. [شركة المفاوضة] (الخامس) من الأنواع الخمسة: شركة (المفاوضة، وهي أن يفوّض كل) من الشريكين (إلى صاحبه شراءً وبيعاً في الذمّة، ومضاربةً، وتوكيلاً، ومسافرةً بالمال، وارتهاناً،) وضمانَ ما يرى من الأعمال (٢). وهي الجمعُ بين عنانٍ ووجوهٍ وأبدانٍ ومضاربةٍ. (ويصِح دفعُ دابّةٍ أو) دفعُ (عبدٍ) أو دفع آنيةٍ كقِرْبَةٍ وقِدْرٍ وآلةٍ كمحراثٍ ونوْرَجٍ (٣) ومُنْخُلٍ وغِربال (لمن يعمل به) أي بالمدفوعِ (بجزءٍ من أجرته.) نقل أحمدُ بن سعيد عن أحمدَ فيمن دفع عبدَه إلى رجلٍ ليكتسب عليه، ويكونُ له ثلث ذلك أو ربعُه، فجائز. (ومثلُهُ) في الصحة (خياطةُ ثوبِ ونسجُ غزلٍ وحصادُ زرعٍ، ورضاعُ قِنٍّ) مدةً معلومهُ، (واستيفاءُ مالٍ،) وبناءُ دارٍ، ونَجْرُ بابٍ، وطحْنُ قمحٍ (بجزءٍ مشاع مِنْهُ). قال في المغني: وإن دفع ثوبه إلى خَياطٍ ليفعله قمصاناً ليبيعَها، وله نصف ربحِها بحقّ عملِهِ، جاز. نص عليه. لكن لو دفع إليه الثوبَ ونحوه بالثلثِ أو الربعِ، وجعلَ له مَعَ ذلكَ درهماً أو

стр. 415

درهمينِ، لم يصحّ. وما روى الدارَقُطْنِيّ عن النبي ﷺ -أنه "نَهى عن عسْبِ الفَحْلِ وعن قفيزِ الطَّحَّانِ" (١) لا ينافي ذلك، لأنه إذا قدّر له قفيزاً لا يدري الباقي بعد القفيز كم هو فتكون المنفعةُ مجهولةً. (و) يصح (بيعُ) وإجارةُ (متاعٍ) وغزوٌ بدابةٍ مدةً (بجزءٍ) (٢) معلوم (من ربحِهِ) أي المتاع، وبجزءٍ من سهم الدابَّة. (ويصح دفِع دابَّةٍ أو نَحْلٍ أو نحوهما) كعبدٍ وأَمَةٍ وطيرٍ (لمن يقومُ بهما مدةً معلومةً) كسنةٍ ونحوها (بجزءٍ منهما) أي من عينهما كربعٍ وسدسٍ، (والنَّماءُ) الحاصلُ منه (مِلْكٌ لهما) لأنه نَماءُ ملكهما، و (لا) يجوز (إن كان بجزءٍ من النَّماءِ كالدّرّ والنَّسْلِ والصوف والعَسْل) والمِسْك والزَّباد، لحصول نمائه بغير عملٍ منه، (وللعامل أجرهُ مثله) لأنه عمل بعوضٍ لم يسلَّم له.

стр. 416

باب المسَاقاة [وَالمزارعَة وَنحوهَما] مفاعلة من "السقي"، لكونه كان أهمَّ أمرها بالحجاز. (وهي دفع شجرٍ) مغروسٍ (لمن يقومُ بمصالحِهِ) أي الشجر من زِبَارٍ ورفاس (١) وحَرْسٍ وتركيبٍ وغير ذلك (بجزءٍ من ثمره) النامي بعملِهِ المتكرِّرِ كلَّ عامٍ، كالنخلِ واَلكَرْمِ والرمانِ والجَوْزِ والزيتونِ، فلا يصحّ على القطن والمقَاثي (بشرط كون الشجرِ معلوماً) للمالِكِ والعامل برؤيةٍ أو صفةٍ لا يُخْتَلَفُ معها، كالبيع، فلا تصحُّ على: أحد هذين الحائطين؛ (و) بشرط (أن يكونَ له ثمرٌ يؤكل)، قال في الإِقناع: وقال الموفق: يصح على ما لَهُ ورقٌ يُقْصَدُ، كتوتٍ، أوْ لَهُ زَهَرٌ يُقْصَدُ، كَوَرْدٍ ونحوه. وعلى قياسه: شجرٌ له خَشَبٌ يُقْصَدُ، كحُورٍ وصَفْصَافٍ؛ انتهى. ومقتضى ما في المتن أنها لا تتقيد بالنخل والكرم. ومقتضاه أيضاً أنها لا تصحّ على ما لا ثَمَر له مأكول (٢)

стр. 417

كالصفصاف والسرو (١)، ولو كان له زهرٌ مقصود كالياسمينِ ونحوِهِ، وهو المذهب. (وأن يُشترَط للعامل جزءٌ مشاعٌ معلومٌ من ثمره.) ويعتبر كون عاقِدَيْها جائزي التصرّف. والمناصبة والمغارسة: دفعُ الشجرِ بلا غرسٍ مع أرضِهِ لمن يغرِسُه ويعملُ عليه حتى يثمرَ بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ منه، أو من ثمره، أو منهما. (والمزارعة: دفع الأرضِ والحبِّ لمن يزرعه ويقوم بمصالِحِه) أو مزروعٍ ليعمل عليه، (بشرطِ كون البذرِ معلوماً جنسُه) كقمحٍ مثلاً (وقدرُه) أي البذر، لأنها معاقَدَةٌ على عملٍ فلم تجز على غيرِ مقدَّرٍ كالإِجارةِ، (ولو لم يؤكل) كَفُوَّةٍ (٢) (وكونه) أي البذر (من ربّ الأرض، و) بشرط (أن يُشْرَطَ للعاملِ جزءٌ مشاعٌ معلومٌ منه) أي مما يحصل من الغلة. وإن تشارَطَا على أن يأخذَ رب الأرض مثلَ بذرِهِ مما يَخْرُج، ويقتسما الباقي، لم يصح. (ويصح كونُ الأرضِ والبذرِ والبقرِ من واحدٍ، والعملِ من آخرَ.) ولا يصح كون بذرٍ من عاملٍ، أو منهما؛ ولا من أحدِهِما والأرض لهما. وإن قال: اعملْ ولك الخمسان إن لزِمتْك خسارةٌ، وإلا فالربع، لم يصح. (فإن فُقِدَ شرطٌ) من شروط المزارعة والمساقاة (فالمساقاةُ والمزارعةُ فاسدةٌ).

стр. 418

(والثمرةُ) فيما إذا فسدَتِ المساقاة، (والزرعُ) فيما إذا فسدت المزارعة، (لِرَبِّهِ) أي لربّ البذرِ والشجرِ، لأنّه عين ماله ينقَلِبُ من حالٍ إلى حالٍ، كالبيضَةِ إذا صارت فَرْخاً، (وللعامل أجرة مِثْلِهِ) لأنه إنما بَذَلَ منافِعَه بعوضٍ، فلما لم يُسَلَّمْ له رَجَعَ إلى بدله، وهو أجر المثل. هذا إن كان البذْرُ من رب الأرض. وإن كان ربُّ البذر هو العاملَ فعليهِ أُجْرَةُ مثلِ الأرض، لأنّ ربَّها إنما بَذَلَها بعوضٍ، فلمّا لم يسلَّمْ له رَجَعَ بعوَضِ منافعها الفائتة بزرعها، وهو أجرة المثل. تنبيه: يصح توقيت المساقاة. (ولا شيء له) أي العامل (إن فَسَخَ أو هَرَبَ قبل ظهور الثمرة) لأنه رضي بإسقاطِ حقِّهِ فصارَ كعاملِ المضاربةِ إذا فَسَخَ قبل ظهورِ الربحِ، وعامِلِ الجُعَالَةِ إذا فَسَخ قبل تمامِ عمله. وللعامل إن مات أو فَسَخَ ربُّ المساقاةِ قبل ظهورِ الثمرةِ وبعد الشُّروعِ في العَمَلِ أجْرُ عمله. وإن بانَ الشجر مستَحَقًا فله أجر مثله على الغاصب. (وإن فُسِخَ) عقدُ المساقاة بفسخِ أحدهما أو غيرِ ذلك (بعد ظهورِها) أي الثمرةِ، في الشجر المساقى عليه، (فالثمرةُ بينهما على ما شَرَطا. وعلى العاملِ تمامُ العملِ) كما يلزم المضاربَ بيعُ العُروضِ إذا فُسِخَت المضاربة بعد ظهورِ الربح (مما فيه نموٌّ) أي زيادةٌ (أو صلاحٌ لِلثمرةِ) من سقيٍ وإصلاحِ طريقٍ وتشميسٍ وإصلاح محل ٍّوتلقيحٍ وقطعِ حشيشٍ يضرّ. (والجذاذ) أي قطعُ الثمر من الشجر (عليهما) أي على ربِّ المال والعامِلِ (بقدر حصَّتيهِما) نصًّا، ويصحّ شرطه على عاملٍ. (ويتبعان) أي يتبعُ كل منهما (العُرْفَ في الكُلَفِ السلطانيّةِ) التي للسلطانِ عادةٌ بأخذها (ما لم يكن شرطٌ فَيُتَّبَع) الشرطُ، فما عُرِفَ أَخْذُهُ من ربّ المالِ كان

стр. 419

عليه، وما عُرِفَ أخْذُه من العامِلِ كان عليه. ذكَرَه الشيخ تقيّ الدين. قال: وما طُلِبَ من قريةٍ مِنْ وظائِفَ سلطانيّةٍ ونحوِها فعلى قدر الأموال. وإن وُضِعَتْ على الزرْعِ فعلى ربِّه، أو على العَقَارِ فعلى ربِّه، ما لم يشترطْهُ على مستأجِرٍ. وإن وُضِعَ مطلقاً فالعادةُ. ذكره في الفروع.

стр. 420

باب الإجَارَة مشتقة من الأجْرِ. وهو العِوَضُ. ومنه سمي الثَّوَابُ أجراً. وهي عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ مدةً معلومةً، من عينٍ معيَّنَةٍ أو موصوفةٍ في الذّمةِ؛ أو عملٍ معلومٍ بعوضٍ معلومٍ، والانتفاع تابع. وهي، والمساقاة، والمزارعة، والعرايا، والشفعة، والكتابة، والسَّلَمُ، ونحوها، من الرُّخَص المستقرّ حكمها على خلاف القياس. وأركانُها ثلاثة: العاقدان، والعوضان، والصيغة. (وشروطها) أي شروط صحتها (ثلاثة): الأول: (معرفة المنفعة) لأنها هي المعقودُ عليها. فاشتُرِطَ العلم بها، كالبيع. (و) الثاني: (معرفة الأجرة) لأنه عوضٌ في عقدِ معاوَضَةٍ، فوجَبَ أن يكون معلوماً كالثمن. (و) الثالث: (كون النفع مباحاً،) فلا تصحّ الإِجارةُ على الزّنا والزَّمْر والغناء والنِّياحَةِ، (يُسْتَوفى دون الأجْزَاءِ) فلا تصحّ إجارةُ ما لا ينتفَعُ بِهِ مع بقاءِ عينِهِ، كالمطعومِ والمشروبِ ونحوِهِ، (فتصحّ إجارة كلِّ ما أمكن الانتفاعُ بهِ مع بقاءِ عينِه) كالدور والحوانيت (إذا قُدِّرت منفعَتُهُ) أي المؤجَر (بالعملِ كركوبِ الدابَّةِ لمحلٍّ معيَّنٍ، أو قُدِّرَتْ) المنفعة

стр. 421

(بالأمَدِ وإن طال) الأمد (حيث كان يغلِبُ على الظنّ بقاءُ العين) إلى انقضاءِ مدة الإِجارة. (فصل) [في أنواع الإِجارة] (والإِجارة) حيث أطلقت (ضربان): (الأول): أن تقع (على) منفعةِ (عينٍ،) ولها صورتان: إحداهما: أن تكونَ إلى أمدٍ معلومٍ، والأخرى أن تكون لعملٍ معلوم. وستأتيان. ثم العين تارةً تكون معينةً، كاستأجرت منكَ هذا العبد ليخدمني سنةً بكذا، أو ليخيط لي هذا الثوبَ بكذا، وتارةً تكون موصوفةً في الذمّة، كاستأجرت منكَ بعيراً صفته كذا وكذا، لأركبه سنةً بكذا وكذا، أو إلى بلدِ كذا بكذا. ولكل من القسمين شروط. وبدأ بالموصوفة فقال: (فإن كانت موصوفةً) أي غير مُشَخَّصَةٍ (اشتُرِط) فيها (استقصاء صفات السَّلَمِ) لأن الأغراض تختلف باختلاف الصِّفاتِ، فلو لم توصفْ بصفاتِ السلَم أدى ذلك إلى التنازع، فإذا استُقْصِيَتْ صفات السلَم كان ذلك أَقْطَعَ للنزاعِ، وأَبْعَدَ من الغَرَرِ (وكيفية السير من هْمِلاجٍ) بكسر الهاء. والَهمْلَجَة مِشْيَةٌ معروفة، (وغيرِهِ) أي وغيرِ هملاجٍ و (لا) يشترط ذكر (الذكورة والأنوثة والنوع) فلا يشترط إن كانَ فرساً أن يقول: عربياً أو بِرْذَوْناً، ولا أن يقول حِجْراً أو حصاناً. وإن كان جَمَلاً لم يُشترَطْ أن يقول: بُخْتِياً أو من العِرَاب، لأن التفاوتَ بين ذلك يسير. ويشترط مع ذلك ذِكْرُ توابع الراكِبِ العرفية، كزادٍ وأثاثٍ ونحوه.

стр. 422

وإن اكتراها كل يومٍ أو شهرٍ بدرهمٍ صح. (وإن كانت) العينُ المؤجرة (معيَّنةً اشتُرِطَ) لصحة إجارتها (معرفتُها والقدرةُ على تسليمِها) فلا يصحُّ استئجارُ ديكٍ ليوقظه. (و) شُرِطَ (كون المؤجِرِ يملك نَفْعَها) بأن كانت المنفعةُ في تصرّفه؛ (وصحةُ بيعِها) فالكُوْبَةُ (١) لا يصحُّ بيعُها فلا تصح إجارتها (سوى حُرٍّ، ووقْفٍ، وأُمِّ وَلَدٍ) فإنه لا يصحُّ أن يُبَاعُوا، ويصحّ أن يُؤْجَرُوْا؛ (واشتمالُها) أي العين المؤجرةِ (على النفعِ المقصودِ منها، فلا تصحُّ في) دابَّةٍ (زَمِنَةٍ لحملٍ، و) لا أرضٍ (سَبِخَةٍ لزَرْعٍ.) الضرب (الثاني): من صنفي الإِجارة: أن يَقَعَ العَقْدُ (على منفعةٍ في الذمّةِ، فيشترَطُ ضبطُها) أي المنفعة (بما) أي بوصفٍ (لا يختلِف) بهِ العملُ (كخياطةِ ثوبِ بصفةِ كذا) يَذْكُر جِنْسَهُ وقدْرَه وصفةَ الخياطة، (وبناء حائط يذكُرُ طوَلَه وعرضَه وسَمْكَهُ) بفتح السين وبسكون الميم، أي ثخانَتَهُ، وهو في الحائِطِ بمنزلة العُمْقِ في غير المنتصب، قاله في الحاشية. (و) يذْكر (آلَتُهُ) فيقول: من حجارةٍ أو آجرَ أو لَبِنٍ، وبالطينِ أو الجِصِّ ونحوِهِ مما يختلف به الغَرَض. فلو عمله ثم سقط فله الأُجْرَةُ، لأنه وفي بالعمل، إلا إن كانَ سقوطُه بتفريطِهِ بأنْ بناهُ محلولاً أو نحوَه فعليه إعادتُهُ وغُرْمُ ما تَلِفَ. فائدة: يصح الاستئجار لتطْيِينِ الأرض والسطحِ والحيطانِ وتجصيصِها. ولا يصحُّ على عملٍ معيَّنٍ، لأن الطينَ يختلفُ في الرّقّةِ والغِلَظِ، والأرض تختلف، منها العالي والنازل. وكذلك الحيطان والأسطحة. فلذلك لم تصح إلا على مدّة. وإن استأجره لضربِ لَبِنٍ احتاجَ إلى تعيين عددٍ، وذكرِ القالَب،

стр. 423

وموضِعِ الضرب، لأنه يختلف باعتبار الماء والتراب. فإن كان هناك قالبٌ معروف لا يختلف جاز. وإن قدَّره بالطولِ والعَرْضِ والسَّمكِ جاز. ولا يكتفى بمشاهدة قالبِ الضرب إذا لم يكن معروفاً، لأنه قد يتلف. (و) يشترط أيضاً (أن لا يُجْمَعَ بين تقديرِ المدةِ والعمل كـ) قوله عن ثوب: استأجرتُك (لتخيطه في يوم) لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاءِ اليومِ، فإن استُعمِل في بقيتِهِ فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركاً للعمل في بعض زمنه، فيكون ذلك غَرَراً يمكن التحرّز منه، فلم يصحّ العقد معه. [الإِجارة على الطاعات] (و) يشترط أيضاً (كون العمل) المعقود عليه (لا يُشترطُ أن يكون فاعِلُهُ مسلماً، فلا تصح) الإِجارة (لأذانٍ وإقامةٍ وإمامةٍ وتعليمِ قرآنٍ وفقهٍ وحديثٍ ونيابةٍ في حجٍّ وقضاءٍ. ولا يقع إلاَّ قربةً لفاعِلِهِ. ويحرُمُ أخذ الأجرة عليه) لأنّ من شرط هذه الأفعالِ كونُها قربةً إلى الله ﵎، فلم يَجُزْ أخذُ الأجرةِ عليها، كما لو استأجَر إنساناً يصلي خلفَهُ الجمعةَ أو التراويح. (وتجوز الجعالة) على ذلك، كأخذِهِ عليه بلا شرطٍ. وكذا حكمُ رقيةٍ. وتصح الإِجارة على تعليمِ الخطِّ والحسابِ والشّعرِ المباحِ، فإن نسيه في المجلِسِ أعاد تعليمَهُ، وإلاَّ فَلَا.

стр. 424

فصل (وللمستأجر) عيناً (استيفاء النفع) الذي وقع عليه عقد الإِجارة (بنفسِهِ، وبمن يقوم مقامه) في الاستيفاء، ولو شَرَطَ المُتَواجِران أنّ المستأجِر يستوفي المنفعة بنفسِهِ، لبطلان الشرط، (لكنْ بشرطِ كونه) أي القائم مقامِ المستأجر (مثلَهُ) أي مثل المستأجِرِ (في الضَّرَرِ أو دونَهُ) فيه، فتعتبر مماثلةُ راكب في طولٍ وقِصرٍ وغيرِه، لا في معرفة ركوبٍ. فائدة: قال في الطُّرُقِ الحُكْميّة: وله ضَرْبُها إذا حَرَنَتْ في السير، بغير إذنٍ. وله إيداعها في الخان إذا قَدِمَ بَلداً وأراد المضيّ في حاجةٍ، بلا إذنٍ، وغَسْلُ الثوبِ المستأجر مدة معينة إذا اتَّسخ، بلا إذن. وله هدْمُ الحائِطِ ليخرج السيلُ إذا خاف هَدْمَ الدارِ. وكذلك لو وقع الحريقُ في الدارِ فبادرَ وهدَمَها على النارِ لئلا تسري، ولا يضمن. انتهى ملخَّصاً. [التزامات المؤجر] (وعلى المُؤْجِرِ كلُّ ما جرتْ به العادة) والعُرْف أنه عليه (من آلةِ المركوبِ) كزِمامِه ورَحْلِهِ وحِزَامِهِ، ليتمكن من التصرّف فيه به. قال في المغني: والبُرَةِ التي في أنف البعيرِ إن كانت العادة جاريةً بينهم بها، (و) على المؤْجِرِ (القَوْدُ) للمركوبِ (والسَّوْقُ والشَّيْلُ والحطّ) ولزومُ الدابّة لنزولٍ للحاجَةٍ وواجبٍ كصلاةٍ مفروضةٍ، (وترميمُ الدَّارِ) المؤْجَرَةِ (بإصلاح المنكسرْ وإقامة المائِلِ) من سقفٍ وبناءِ حائطٍ وبلاطٍ وعملِ بابٍ (وتطيينِ السَّطح، وتنظيفِهِ من الثلج ونحوِهِ) كإصلاح بِرْكَةٍ في الدار، أو أحواضٍ بالحمّام، وإصلاح مجاري المياه، وسلاليم للأسطحة. [التزامات المستأجر] (وعلى المستأجِرِ المَحْمِلُ) قال في القاموس: والمَحْمِلُ كمَجْلِسٍ

стр. 425

شُقَّتَانِ على البعير يُحمَل فيهما العَدِيلانِ، (والمِظَلَّةُ) قال في القاموسِ: والمظلة، بالكسر والفتح، الكبير من الأخبية (١)، والوطاء فوق الرَّحْلِ، وحَبْلُ القِرَانِ بين المحِمْلَيْنِ، والدَّليل (٢). (و) على مكترٍ حماماً أو داراً (تفريغُ البالوعةِ والكنيفِ، وكنْسُ الدَّارِ من) القُمَامَةِ و (الزِّبْلِ ونحوِهِ) كالرمادِ (إن حصل بفعْلِهِ) أي بفعل المكتري، كما لو طَرَحَ فيها جيفاً أو تراباً أو غيرهما. فصل [فيما تنفسخ به الإِجارة] (والإِجارة عقدٌ لازم) من الطرفين، ليس لواحدٍ منهما فسخُها بلا موجِبٍ، لأنها عقد معاوضةٍ فكان لازماً، كالبيع. (لا تنفسخُ بموتِ المتعَاقدين،) أو أحدِهِمَا، لأنها عقدٌ لازم. (ولا) تنفسخ الإِجارة (بتلفِ المحمولِ) أي الراكب. قال الزركشيّ: هذا هو المنصوص. وعليه الأصحاب، إلاَّ أبا محمد، يعني الموفّق. قال في الإِنصاف: والصحيحُ من المذهب أن الإِجارة لا تنفسخُ بموتِ الراكبِ مطلقاً. قدّمه في الفروع. ومعنى قوله مطلقاً أي سواءٌ كان له مَنْ يقوم مقامه في استيفاءِ المنفعةِ، أوْ لا، وسواء كان هو المكتري، كما لو أكترى دابةً لركوب نفسه، فمات، أو غيرِهِ، كمن اكترى دابَّةً لركوبِ عبدِهِ فماتْ العبْد، قال في الإِقناع وشرحه: ولا ينفسخ بموتِ راكبٍ ولو لم يكنْ له من يقومُ
следующие страницы →