← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(بالأمَدِ وإن طال) الأمد (حيث كان يغلِبُ على الظنّ بقاءُ العين) إلى انقضاءِ مدة الإِجارة. (فصل) [في أنواع الإِجارة] (والإِجارة) حيث أطلقت (ضربان): (الأول): أن تقع (على) منفعةِ (عينٍ،) ولها صورتان: إحداهما: أن تكونَ إلى أمدٍ معلومٍ، والأخرى أن تكون لعملٍ معلوم. وستأتيان. ثم العين تارةً تكون معينةً، كاستأجرت منكَ هذا العبد ليخدمني سنةً بكذا، أو ليخيط لي هذا الثوبَ بكذا، وتارةً تكون موصوفةً في الذمّة، كاستأجرت منكَ بعيراً صفته كذا وكذا، لأركبه سنةً بكذا وكذا، أو إلى بلدِ كذا بكذا. ولكل من القسمين شروط. وبدأ بالموصوفة فقال: (فإن كانت موصوفةً) أي غير مُشَخَّصَةٍ (اشتُرِط) فيها (استقصاء صفات السَّلَمِ) لأن الأغراض تختلف باختلاف الصِّفاتِ، فلو لم توصفْ بصفاتِ السلَم أدى ذلك إلى التنازع، فإذا استُقْصِيَتْ صفات السلَم كان ذلك أَقْطَعَ للنزاعِ، وأَبْعَدَ من الغَرَرِ (وكيفية السير من هْمِلاجٍ) بكسر الهاء. والَهمْلَجَة مِشْيَةٌ معروفة، (وغيرِهِ) أي وغيرِ هملاجٍ و (لا) يشترط ذكر (الذكورة والأنوثة والنوع) فلا يشترط إن كانَ فرساً أن يقول: عربياً أو بِرْذَوْناً، ولا أن يقول حِجْراً أو حصاناً. وإن كان جَمَلاً لم يُشترَطْ أن يقول: بُخْتِياً أو من العِرَاب، لأن التفاوتَ بين ذلك يسير. ويشترط مع ذلك ذِكْرُ توابع الراكِبِ العرفية، كزادٍ وأثاثٍ ونحوه.

стр. 422

وإن اكتراها كل يومٍ أو شهرٍ بدرهمٍ صح. (وإن كانت) العينُ المؤجرة (معيَّنةً اشتُرِطَ) لصحة إجارتها (معرفتُها والقدرةُ على تسليمِها) فلا يصحُّ استئجارُ ديكٍ ليوقظه. (و) شُرِطَ (كون المؤجِرِ يملك نَفْعَها) بأن كانت المنفعةُ في تصرّفه؛ (وصحةُ بيعِها) فالكُوْبَةُ (١) لا يصحُّ بيعُها فلا تصح إجارتها (سوى حُرٍّ، ووقْفٍ، وأُمِّ وَلَدٍ) فإنه لا يصحُّ أن يُبَاعُوا، ويصحّ أن يُؤْجَرُوْا؛ (واشتمالُها) أي العين المؤجرةِ (على النفعِ المقصودِ منها، فلا تصحُّ في) دابَّةٍ (زَمِنَةٍ لحملٍ، و) لا أرضٍ (سَبِخَةٍ لزَرْعٍ.) الضرب (الثاني): من صنفي الإِجارة: أن يَقَعَ العَقْدُ (على منفعةٍ في الذمّةِ، فيشترَطُ ضبطُها) أي المنفعة (بما) أي بوصفٍ (لا يختلِف) بهِ العملُ (كخياطةِ ثوبِ بصفةِ كذا) يَذْكُر جِنْسَهُ وقدْرَه وصفةَ الخياطة، (وبناء حائط يذكُرُ طوَلَه وعرضَه وسَمْكَهُ) بفتح السين وبسكون الميم، أي ثخانَتَهُ، وهو في الحائِطِ بمنزلة العُمْقِ في غير المنتصب، قاله في الحاشية. (و) يذْكر (آلَتُهُ) فيقول: من حجارةٍ أو آجرَ أو لَبِنٍ، وبالطينِ أو الجِصِّ ونحوِهِ مما يختلف به الغَرَض. فلو عمله ثم سقط فله الأُجْرَةُ، لأنه وفي بالعمل، إلا إن كانَ سقوطُه بتفريطِهِ بأنْ بناهُ محلولاً أو نحوَه فعليه إعادتُهُ وغُرْمُ ما تَلِفَ. فائدة: يصح الاستئجار لتطْيِينِ الأرض والسطحِ والحيطانِ وتجصيصِها. ولا يصحُّ على عملٍ معيَّنٍ، لأن الطينَ يختلفُ في الرّقّةِ والغِلَظِ، والأرض تختلف، منها العالي والنازل. وكذلك الحيطان والأسطحة. فلذلك لم تصح إلا على مدّة. وإن استأجره لضربِ لَبِنٍ احتاجَ إلى تعيين عددٍ، وذكرِ القالَب،

стр. 423

وموضِعِ الضرب، لأنه يختلف باعتبار الماء والتراب. فإن كان هناك قالبٌ معروف لا يختلف جاز. وإن قدَّره بالطولِ والعَرْضِ والسَّمكِ جاز. ولا يكتفى بمشاهدة قالبِ الضرب إذا لم يكن معروفاً، لأنه قد يتلف. (و) يشترط أيضاً (أن لا يُجْمَعَ بين تقديرِ المدةِ والعمل كـ) قوله عن ثوب: استأجرتُك (لتخيطه في يوم) لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاءِ اليومِ، فإن استُعمِل في بقيتِهِ فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركاً للعمل في بعض زمنه، فيكون ذلك غَرَراً يمكن التحرّز منه، فلم يصحّ العقد معه. [الإِجارة على الطاعات] (و) يشترط أيضاً (كون العمل) المعقود عليه (لا يُشترطُ أن يكون فاعِلُهُ مسلماً، فلا تصح) الإِجارة (لأذانٍ وإقامةٍ وإمامةٍ وتعليمِ قرآنٍ وفقهٍ وحديثٍ ونيابةٍ في حجٍّ وقضاءٍ. ولا يقع إلاَّ قربةً لفاعِلِهِ. ويحرُمُ أخذ الأجرة عليه) لأنّ من شرط هذه الأفعالِ كونُها قربةً إلى الله ﵎، فلم يَجُزْ أخذُ الأجرةِ عليها، كما لو استأجَر إنساناً يصلي خلفَهُ الجمعةَ أو التراويح. (وتجوز الجعالة) على ذلك، كأخذِهِ عليه بلا شرطٍ. وكذا حكمُ رقيةٍ. وتصح الإِجارة على تعليمِ الخطِّ والحسابِ والشّعرِ المباحِ، فإن نسيه في المجلِسِ أعاد تعليمَهُ، وإلاَّ فَلَا.

стр. 424

فصل (وللمستأجر) عيناً (استيفاء النفع) الذي وقع عليه عقد الإِجارة (بنفسِهِ، وبمن يقوم مقامه) في الاستيفاء، ولو شَرَطَ المُتَواجِران أنّ المستأجِر يستوفي المنفعة بنفسِهِ، لبطلان الشرط، (لكنْ بشرطِ كونه) أي القائم مقامِ المستأجر (مثلَهُ) أي مثل المستأجِرِ (في الضَّرَرِ أو دونَهُ) فيه، فتعتبر مماثلةُ راكب في طولٍ وقِصرٍ وغيرِه، لا في معرفة ركوبٍ. فائدة: قال في الطُّرُقِ الحُكْميّة: وله ضَرْبُها إذا حَرَنَتْ في السير، بغير إذنٍ. وله إيداعها في الخان إذا قَدِمَ بَلداً وأراد المضيّ في حاجةٍ، بلا إذنٍ، وغَسْلُ الثوبِ المستأجر مدة معينة إذا اتَّسخ، بلا إذن. وله هدْمُ الحائِطِ ليخرج السيلُ إذا خاف هَدْمَ الدارِ. وكذلك لو وقع الحريقُ في الدارِ فبادرَ وهدَمَها على النارِ لئلا تسري، ولا يضمن. انتهى ملخَّصاً. [التزامات المؤجر] (وعلى المُؤْجِرِ كلُّ ما جرتْ به العادة) والعُرْف أنه عليه (من آلةِ المركوبِ) كزِمامِه ورَحْلِهِ وحِزَامِهِ، ليتمكن من التصرّف فيه به. قال في المغني: والبُرَةِ التي في أنف البعيرِ إن كانت العادة جاريةً بينهم بها، (و) على المؤْجِرِ (القَوْدُ) للمركوبِ (والسَّوْقُ والشَّيْلُ والحطّ) ولزومُ الدابّة لنزولٍ للحاجَةٍ وواجبٍ كصلاةٍ مفروضةٍ، (وترميمُ الدَّارِ) المؤْجَرَةِ (بإصلاح المنكسرْ وإقامة المائِلِ) من سقفٍ وبناءِ حائطٍ وبلاطٍ وعملِ بابٍ (وتطيينِ السَّطح، وتنظيفِهِ من الثلج ونحوِهِ) كإصلاح بِرْكَةٍ في الدار، أو أحواضٍ بالحمّام، وإصلاح مجاري المياه، وسلاليم للأسطحة. [التزامات المستأجر] (وعلى المستأجِرِ المَحْمِلُ) قال في القاموس: والمَحْمِلُ كمَجْلِسٍ

стр. 425

شُقَّتَانِ على البعير يُحمَل فيهما العَدِيلانِ، (والمِظَلَّةُ) قال في القاموسِ: والمظلة، بالكسر والفتح، الكبير من الأخبية (١)، والوطاء فوق الرَّحْلِ، وحَبْلُ القِرَانِ بين المحِمْلَيْنِ، والدَّليل (٢). (و) على مكترٍ حماماً أو داراً (تفريغُ البالوعةِ والكنيفِ، وكنْسُ الدَّارِ من) القُمَامَةِ و (الزِّبْلِ ونحوِهِ) كالرمادِ (إن حصل بفعْلِهِ) أي بفعل المكتري، كما لو طَرَحَ فيها جيفاً أو تراباً أو غيرهما. فصل [فيما تنفسخ به الإِجارة] (والإِجارة عقدٌ لازم) من الطرفين، ليس لواحدٍ منهما فسخُها بلا موجِبٍ، لأنها عقد معاوضةٍ فكان لازماً، كالبيع. (لا تنفسخُ بموتِ المتعَاقدين،) أو أحدِهِمَا، لأنها عقدٌ لازم. (ولا) تنفسخ الإِجارة (بتلفِ المحمولِ) أي الراكب. قال الزركشيّ: هذا هو المنصوص. وعليه الأصحاب، إلاَّ أبا محمد، يعني الموفّق. قال في الإِنصاف: والصحيحُ من المذهب أن الإِجارة لا تنفسخُ بموتِ الراكبِ مطلقاً. قدّمه في الفروع. ومعنى قوله مطلقاً أي سواءٌ كان له مَنْ يقوم مقامه في استيفاءِ المنفعةِ، أوْ لا، وسواء كان هو المكتري، كما لو أكترى دابةً لركوب نفسه، فمات، أو غيرِهِ، كمن اكترى دابَّةً لركوبِ عبدِهِ فماتْ العبْد، قال في الإِقناع وشرحه: ولا ينفسخ بموتِ راكبٍ ولو لم يكنْ له من يقومُ

стр. 426

مقامَهُ في استيفاءِ المنفعةِ، بأن لم يكن له وارثٌ، أو كان غائباً كمن يموت بطريقِ مكَّة، لأن المعقودَ عليهِ إنما هو منفعةُ الدابةِ دونَ الراكبِ، انتهى. (ولا) تنفسخ الإِجارة (بوقْفِ العين المؤجرة، ولا بانتقال المِلْكِ فيها بنحو هبةٍ وبيعٍ) وإرثٍ ووصيةٍ ونكاحٍ وخُلْعٍ وطلاقٍ وصُلحٍ. (ولمشترٍ لم يعلم) أن المبيعَ مُؤْجَرٌ (الفسخ أو الإِمضاءً) أي الخيارُ بين أن يفسخَ البَيْعَ أو يُمْضِيَهُ مجاناً. (والأجرة) عن المدة التي المشتري مالك لها فيها (له) أي للمشتري. (وتنفسخ) الإِجارة (بتلفِ كلِّ العين المؤجرةِ المعينةِ) كما لو استأجَر عبداً فمات، أو داراً فانهدمت قبل مضيِّ شيء من المدّة، سواءٌ قبضها المستأجر أم لا، لأن المنفعة زالتْ بتلفِ المعقودِ عليه، وقبضُها إنما يكون باستيفائِها، أو التمكُّن منه، ولم يحصل من ذلك شيء، فانفسخ العقد. (و) تنفسخ (بموت المرتِضعِ) المكترى لرضاعِهِ، وفيه التفصيل الجاري في إجارةِ العينِ المعيّنة فيما إذا ماتَ قبلَ المدّة، وبعدَ مضيِّ زمنٍ منها له أجرة. (و) تنفسخ الإِجارة (بِهْدمِ الدارِ) المؤجّرة. [الحكم عند تعذر استيفاء المنافع] (ومتى تعذّر استيفاءُ النفعِ) من العين المؤْجَرَةِ (ولو) كان المتعذّر (بعضَهُ) أي النفع (من جِهَةِ المؤجر) كما لو حَوّل مالكُ العين المستأجرة مستأجِرَها منها قبل انقضاءِ مدة الإِجارة، من غير اختيارِ المستأجر، أو امتنعَ من تسليمِ الدابة في أثناء المدّة، أو في أثناء المسافة، أو الأجيرُ

стр. 427

من تكميل العمل (فلا شيء له) على المستأجر، حتى مما سَكَنَ قبل أن يحوّله المؤجر. (و) إن كان تعذُّر النفعِ بالعينِ (من جهة المستأجِرِ فعليه جميع الأجْرَةِ،) فإن لم يسْكُن مستأجرٌ، لعذرٍ أوْ لا، أو تحوّل في أثناءِ المدّة، فعليه الأجرة. (وإن تعذَّر) استيفاءُ النفعِ من العينِ المؤْجَرَةِ (بغير فعل أحدهما) أي المؤجرِ والمستأجرِ، (كشرودِ) الدابة (المؤجَرَةِ، وهدْمِ الدارِ، وجب من الأجرة بقدْرِ ما استوفى) من النفع قبل حصول ما ذكر. (وإن هرَب المُؤْجِرُ وترك بهائمَهُ) التي أكراها، وله مالٌ، أَنفَقَ عليها منه حاكمٌ. وإن لم يكن له مال (وأنفَقَ عليها المستأجرُ بنيَةِ الرجوعِ رَجَعَ) على مالِكِها، ولو لم يستأذِنْ حاكماً. قال في الإِقناع: ولا يُعتبر الإِشهاد على نية الرجوع. صحّحه في القواعد. وإذا رَجَع واختلفا فيما أنفق، وكان الحاكِمُ قَدَّر النفقة بالمعروف (١) قُبِل قولُ المكتري في ذلك دون ما زاد، وإن لم يقدِّر له قُبِل قوله في قدر النفقة بالمعروفِ. انتهى، (لأن النفقة على المؤْجِرِ، كالمُعِير) فإذا انقضت الإِجارة باعَ البهائمَ حاكمٌ ووفَى المكتري ما أنفقَهُ عليها، لأن في ذلك تخليصاً لذمة الغائبِ، وإيفاء لصاحبِ النفقة.

стр. 428

فصل [في الأجير الخاص والأجير المشترك] (والأجيرُ قسمان): (خاصٌّ: وهو من قُدِّر نفعُه بالزمن) بأن استؤجر لخدمةٍ أو عملٍ في بناءٍ أو خياطةٍ، يوماً، أو أسبوعاً، ونحوه. (ومشتركٌ: وهو من قُدِّر نفعُه بالعمل) كخياطةِ ثوبِ، وبناءِ حائطٍ، وحمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ معينٍ، ويتقبَّلُ الأعمالَ للجماعة في وقتٍ واحدٍ. (فالخاصّ لا يضمنُ ما تلفَ بيدهِ إلاَّ إن فرط) بأن يقصر في حفظِهِ، فيضمنُه كغيرِ الأجير، أو يتعمد الإِتلافِ. (و) الأجير (المشتَرَكُ يضمنُ ما تَلِفَ بفعلِهِ) أي بجنايةِ يدِه. فالحائِك إذا أفسَدَ حِيَاكَتَهُ ضامِنٌ لما أفسد نَصَّ على هذه المسألة (من تخريقٍ، و) كذا الخياطُ ضامِن لما أفسد في الثوبِ من (غلطٍ في تفصيلٍ) ونحوِه، والطبّاخُ يضمنُ ما أتلفه أو أفسده من طبيخِهِ، والخبّاز لما أتلفه أو أفسده من خُبْزِهِ، والملاَّحُ يضمن ما تلف من يده أو حَذْفِهِ أو ما يعالج به السفينة، والجمال ضامِنٌ لما تلف بِقَوْده وَسَوْقِهِ، (وبزَلَقِهِ) أو عثرته، (وبسقوطِه عن دابتِهِ،) ويضمن أيضاً ما حصَلَ من نقصٍ بخطئه في فعلِهِ، كما لو أمره أن يصبغ ثوبه أحمرَ فصَبَغه أسود، وكما لو أمَرَ الخيّاط بتفصيلِهِ قميصَ رجلٍ ففصّله قميصَ امرأةٍ. (و) يضمن أيضاً ما تلف (بانقطاعِ حبلِهِ) الذي يشدّ به حِمْلَهُ. و (لا) ضمان عليه في (ما تلف بِحرْزِه) أي منه، بنحو سَرِقَةٍ، (أو) تلف بغير فعله إن لم يفرّط). ولا أجرة له فيما عمله وتلف قبل تسليمه لربِّه، سواءٌ عمله في بيت المستأجر أو في بيتِهِ.

стр. 429

فائدة: إذا استأجَرَ إنسانٌ قصّاباً ليذبَحَ له شاةٍ مثلاً، فَذَبَحها ولم يسمِّ عمداً ضمنها، فإن تَرَكَهَا سهواً حلَّتْ، ولا ضمان. [ضمان الطبيب ونحوه] (ولا يضمنُ حجامٌ وختانٌ وبَيْطَارٌ) وطبيبٌ ونحوهم (خاصًّا كان أو مشْتَرَكاً.) ذكر في المتن لعدم الضمان شرطين: أشار للأول بقوله: (إن كان حاذقاً) في الصنعة، (ولم تَجْنِ يَدُهُ) فإذا جَنَتْ يده ولو خطأً، مثل أن يجاوز قطع الخِتَانِ إلى الحَشَفَةِ أو إلى بعضِها، أو قطع في غيرِ محلِّ القطع، وأشباهِ ذلك، ضَمِنَ. وأشار للشرط الثاني بقوله: (وَأَذِنَ فيه مكلّفٌ أو وليّه) أي وليّ غيرِ المكلّف (١) فإن خَتَنَ صغيراً بغير إذن وليِّه ضَمِن سرايته، أو قَطَعَ سِلْعَةً (٢) من مكلف بغير إذنه ضمن السراية. ولا ضمانَ على راعٍ فيما تلف من الماشية إذا (لم يتعدّ أو يفرِّط) في حفظِها، فإنْ فرّط (بنومِ، أو غيبتها عنه) أو أسْرَفَ في ضربها، أو ضَرَبها في غيرِ موضِعِ الضربِ، أو من غيرِ حاجةٍ إليه، أو سلَكَ بها موضعاً تتعرض فيه للتلف، وما أشبه ذلك، ضَمِنَ الراعي التالفَ. قال في المبدع: بغير خلافٍ. وإذا اختلفا في التعدِّي وعدمِه فقولُ الراعي بيمينه. وإذا اختلفا في كونِهِ تعدّياً رُجِعَ إلى أهلِ الخِبْرةِ. (ولا يصحّ أن يرعاها بجزءٍ من نمائِها) بل بجزءٍ منها مدّةً معلومة.

стр. 430

فصل تجب أجرةٌ في إجارةِ عينٍ ولو مدّةً لا تلي العقدَ، أو إجارة ذمّةٍ، بعقدٍ، سواء أشتَرَطَ فيه الحلول، أو أَطْلَقَ العقدَ، كما يجب للبائِع الثمنُ بعقدِ البيعِ. (وتستقرّ الأجرة) كاملةً (بفراغِ العَمَلِ) إن كانت العينُ بيد مستأجرٍ، كطبّاخٍ استُؤْجِرَ لطبخِ شيءٍ في بيت المستأجِرِ فطبَخَهُ وفرغَ منه، وإلا فَبِدَفْعِ غيرِ ما بيدِ مستأجرٍ معمولاً، كما لو اتفقا على أن الطَّبَّاخَ يطبخ ما استُؤْجِر على طبخِهِ في دارِهِ فيستحقّ الأجرة عند دفعه إلى المستأجر. (و) تستقرُّ الأجرة كاملةً في ذمة المستأجرِ أيضاً فيما إذا كانت الإِجارة على مدّةٍ (بانتهاءِ المدة) حيثُ سلِّمَتْ إليه العينُ التي وقعت الإِجارة عليها، ولا حاجِزَ له عن الانتفاع، ولو لم ينتفع. (وكذا) تستقرّ الأجرة أيضاً (ببذلِ تسليمِ العينِ) المعيّنة لعملٍ في الذمّة، (إذا مضتْ مدّةٌ يمكنُ استيفاءُ المنفعةِ فيها، ولم تُسْتَوْفَ) كما لو قال: اكتريتُ منكَ هذه الدابَّةَ لأركبها إلى بلدِ كذا، ذهابا ًوإياباً، بكذا، وسلمها إليه المؤجر، ومضتْ مدَّةٌ يمكنُ فيها ذهابُه إلى ذلك البلد ورجوعه على العادة، ولم يفعلْ. نَقَلَ ذلكَ في المغني عن الأصحاب. (ويصحّ شرطُ تعجيلِ الأُجرة) على محلّ استحقاقِها، كما لو أَجَرهُ دارَهْ سنة خمسٍ في سنة ثلاثٍ، وشرَطَ عليه تعجيلَ الأجرة في يومِ العقدِ؛ (وتأخيرِها) كما لو شرط المستأجرْ على المؤجِرِ أن لا تحلّ عليه الأجرةُ إلا عند ابتداءِ سنة سبعٍ. (وإن اختلافا) أي المؤجِرُ والمستأجِرُ (في قدْرِها) أي الأُجرة، ولا بيّنةَ لأحدهما، أو لهما بينة، (تحالفا) فيحلف المؤجِرُ: ما آجرتك بكذا،

стр. 431

وإنما آجرتك بكذا، ثم المستأجرُ: ما استأجرتُ بكذا، وإنما استأجرتُ بكذا. فإن نَكَلَ أحدُهما لزمه ما قال صاحبه بيمينه. (و) إن لم يرض أحدهما بقول صاحبه (تفاسَخَا) بلا حكمِ حاكمٍ. (فإن كان قد استوفى) المستأجرُ (ما لَهُ أجرةٌ فأجرةُ المثل) أي مثلِ تلك العينِ في مدة الاستيفاءِ. (والمستأجرُ أمينٌ لا يضمن) ما تلف (ولو شرَطَ على نفسِهِ الضمانَ، إلا) بالتعدي أو (بالتفريط). (وُيقْبَل قوله) بيمينه (في أنه لم يفرّط، أو) ادّعى المستأجر (أن ما استأجَرَهُ) من دابّةٍ أو رقيقٍ (أبَقَ أو شَرَدَ، أو مرِض أو مات) وكانت دعواه في المدة أو بعدَها، قُبِل قوله بيمينه، لأنه مؤتمن، والأصل عدم الانتفاع. (وإن شرط) مؤجر الدابّة (عليه) أي على مستأجِرِها (أن لا يسيرَ بها في الليل، أو) شرط عليه أن لا يسير بها (وقت القائلة، أو) شرط عليه أن (لا يتأخّر بها عن القافلة، ونحوَ ذلك مما فيه غرضٌ صحيح) للمؤجر، (فخالف) أي خالف المستأجرُ ما شُرطَ عليه (ضمن) لمخالفته الشرط. (ومتى انقضت مدَّةُ الإِجارة) الصحيحة (رَفَعَ المستأجِرُ يده) عن العين المستأجَرَةِ، (ولم يلزمْهُ الردُّ، ولا مؤنته، كالمودَع) بخلاف العارِية. وتكون بعد انقضاء مدة الإِجارة في يده أمانةً، وإن تلفت من غير تفريط فلا ضمان عليه.

стр. 432

باب المُسَابقَة وهي المجاراة بين الحيوان ونحوه، (وهي جائزة في السُّفُن والمزاريق والطيور وغيرها) كالرماح والأحجار (وعلى الأقدامِ وبكلِّ الحيواناتِ) كالخيلِ والإِبلِ والبغالِ والحميرِ والبقرِ والفِيَلة. أما جواز المسابَقَةِ فقد أجمع عليه المسلمون في الجملة. (لكن لا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ إلا في مسابقة الخيلِ، والإِبل، والسِّهام) أي النُّشّاب والنَّبْل. إذا تقرّر هذا فإنما تصح المسابقة إذا كان فيها جُعْلٌ (بشروط خمسة): (أحدها: تعيين المركوبَيْنِ) في المسابقة، (أو الرامِيَيْنِ) في المناضلة، (بالرؤية) فيهما، سواءٌ كانا اثنين، أو جماعتين، لا الراكبين ولا القوسينِ. الشرط (الثاني: اتحاد المركوبين) في المسابقة، (أو القوسَينِ) في المناضَلة (بالنوع،) فلا يصح بين عربيٍّ وهجينٍ، ولا قوسٍ عربيٍّ وفارسيّ. والعربيّ قوسُ النُّبْلِ، والفارسيّ قوس النشاب. قاله الأزهري. الشرط (الثالث: تحديد المسافة) والغايةِ (بما جَرَتْ به العادة،) وذلك إمَّا بالمشاهدة، أو بالذَّرْعِ، لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد.

стр. 433

وإما تقييدُ ذلك بما جَرَتْ به عادة الرُّمَاةِ فلانّ المدى الذي تتعذر الإِصابة فيه غالباً، وهو ما زاد على ثلثمائة ذراع، يفوتُ به الغرض المقصود بالرمي. وقد قيل: إنه ما رمى في أربعمائة ذراعٍ إلا عُقْبَةُ بن عامرٍ الجُهَنِيُّ الشرط (الرابع: علم العِوَضِ) لأنه مالٌ في عقدٍ، فوجب العلم به، كسائِرِ العقود. ويحصل علمه بالمشاهدة أو بالوصف المميِّز له. ويجوز أن يكون حالاًّ ومؤجَّلاً، كالثمن في البيع؛ (وإباحتهُ) أي العوض، لأنه عوضٌ في عقدٍ، فاشتُرِطت إباحته، كبقية العقود. الشرط (الخامس: الخروج عن شَبَهِ القِمارِ) بكسر القاف (بأن يكون العِوَضُ من واحدٍ، فإن أخرجَا معاً) بأن أخرج كل من المتسابقين شيئاً (لم يجزْ إلا بِمُحَلِّلٍ لا يُخْرِجُ شيئاً (١) ولا يجوز) كون المحلِّل (أكثرَ من واحدٍ يكافئُ مركوبُه مركوبيهما) في المسابقة، (أو رميُه رمْيَيْهِما) في المناضلة. (فإن سبقَا معاً) أي سبق المخرجانِ المحلِّل ولم يسبق أحدُهما الآخرَ (أَحْرَزَا سَبَقَيْهِمَا) أي أحرزَ كلُّ واحد منهما ما أخرجَه، لأنه لا سابقَ فيهما، ولا شيءَ للمحلِّل لأنه لم يسبق واحداً منهما، (ولم يأخذا

стр. 434

من المحلِّل شيئاً) لأنه لم يشترط عليه لمن سبقه شيئاً. (وإن سبَق أحدُهما) أي أحدُ المخرِجَيْنِ صاحبَه، (أو سَبَقَ المحلّلُ أحرز السَّبَقَيْنِ،) لأنهما قد جعلاه لمن سبق. (والمسابقة جُعَالة لا يؤخذ بِعِوَضِها رَهْنٌ ولا كفيل) لأنه جُعْلٌ على ما لا يتحقق القُدْرَةُ على تسليمِهِ، وهو السَّبْقُ والإِصابة، فلا يجوز أخذ الرهن أو الكفيلِ به، كالجعل على ردّ الآبق (١). (ولكلٍّ) من المتعاقدين (فسخُها ما لم يَظْهَرِ الفضلُ لصاحبه) فيُمتنع عليه. وتبطل بموت أحدِهما، أو أحدِ المركوبين. ويحصل سَبْقٌ في خيلٍ متماثلتي العنقِ برأسٍ، وفي مختلفتيهما وإبلٍ بكَتِف.

стр. 435

كتَاب العَاريَة بتخفيفِ الياء وتشديدِها: العَيْنُ المأخوذةُ للانتفاعِ بها بلا عِوَض. (وهي مستحبّة) لكونها من البرّ والمعروف، (منعقدةٌ بكل قولٍ أو فعلٍ يدل عليها) كأعرتُك هذه الدابَّة لتركبها إلى كذا، أو خُذْها تحتك، أو استرحْ عليها، ونحو ذلك، وبدفعه دابتَه لرفيقِهِ عند تعبِهِ، وتغطيتِهِ بكسائه إذا بَرَد، ونحو ذلك. وإنما تصحّ (بشروطٍ ثلاثةٍ): الأول: (كونُ العينِ منتفعاً بها مع بقائِها) كالدورِ والرقيقِ والدوابّ واللباس والأواني، بخلافِ ما لا يُنْتَفَع بها إلا مع تَلَفِ عينها، كالأطعمةِ والأشربةِ ونحوِها. لكن إن أعطاها بلفظِ الإِعارةِ، فقال ابن عقيل: احتملَ أن يكون إباحةَ الانتفاعِ بها على وجهِ الإتلاف. ذكره عنه المَجْدُ في "شرح الهداية" واقتصر عليه. (و) الشرط الثاني: (كون النفع) في العين المعارة الذي أباحه له المعير (مباحاً) شرعاً للمستعير، لأن الإِعارة إنما تبيح له ما أباحَهُ الشارع، فلا يصحّ أن يستعير إناءً من أحدِ النَّقْدَين ليشرب فيه ولا حُلِيًّا محرماً على رجلٍ ليلبسه. (و) الشرط الثالث: (كون المعير أهلاً للتبرّع) شرعاً لأن الإِعارة

стр. 436

نوعٌ من التبرّع، لكونهِ منه ما هو إباحةَ عينٍ، كالإِذنِ في أكلِ طعامٍ، والإِعارةُ إباحةُ منفعةٍ. والشرط الرابع: كون المستعيرِ أهلاً للتبرُّع له بتلك العينِ المعارة، بأن يكونَ يصحُّ منه قبولُ هبة تلك العين المعارة. زاد هذا الشرطَ في المنتهى. (وللمعيرِ الرجوعُ في عاريتِه أيَّ وقت شاءَ)، ولو قَبْلَ أَمدٍ عَيَّنَهُ (ما لم يضرَّ بالمستعيرِ، فمن أعارَ سفينةً لحملٍ، أو أرضاً لدفن) ميتٍ (أو زَرْعٍ، لم يرجع حتى تُرسِيَ السفينة،) وله الرجوع قبل دخولها البحر (ويبلى الميتُ) ويصير رميماً. قاله ابن البنّاء. لما فيهِ من هَتْكِ حرمته. وقال المَجْدُ في شرحه: بأن يصير رميماً ولم يبقَ شيء من العظام في الموضع المستعار، وعبارةُ المقنع وتبعها في المنتهى وغيره: حتى يبلى. قال في المبدع: وقال ابن البنّاء: لا يرجعُ حتى يصيرَ رميماً. ومقتضاه أنهما قولان. ولعل الخلاف لفظيٌّ كما يعلم من كتب اللغة. قال في الصَّحاح: والرميم البالي. وقال ابن الجوزي: يُخْرِج عظامَه، ويأخُذُ أرْضَهُ، ولا أجرة له. (ويُحْصَدَ الزرع) عند أوانِهِ. فإن بَذَلَ له المعيرُ قيمةَ الزرع ليملكَه لم يكنْ له ذلك، نصًّا، لأن له وقتاً ينتهي إليه، إلا أن يُحْصَدَ قَصِيلاً، فإن على المستعيرِ قَطْعَهُ في وقتٍ جرت العادةُ بقطعِهِ فيه، لعدم الضَّرَرِ إذَنْ. (ولا أجرةَ له منذُ رَجَعَ إلاَّ في الزرع) فإن له أجرةَ مثلِ الأرض المعُارَةَ من حينِ رَجَعَ إلى حين الحصاد، لوجوب تَبْقِيَتهِ في أرض المعير إلى أوانِ حَصَادهِ قهراً عليه.

стр. 437

فصل (والمستعير في) حكم (استيفاءِ النَّفْعِ) من العين المعارَةِ، بنفسِهِ وبمن يقوم مقامه، فإذا استعارَ أرضاً للزرعِ فله أن يباشِرَ زرعها بنفسِهِ، أو بمن يقومُ مقامَه، وكذا إذا استأجرها لبناءٍ (كالمستأجِرِ) لأنه مَلَكَ التصرّف فيها بإذن مالِكِها، فوجب أن يملكَ ما يقتضيه الإِذْنُ، كالمستأجر فعلى هذا إذا أعاره أرضاً لِغَرْسٍ وبناءٍ فله أن يزرع فيها ما شاء، وإن استعارها لغرسٍ أو بناءٍ فليس له الآخر، لأن ضررهما مختلف (إلا أنه) أي المستعير (لا يعير) ما استعاره (ولا يؤجِر) لأنه لا يملك منافِعَهُ، فلا يصحّ أن يُبيحَها أو يبيعَها (إلا بإذن المالك) فإن أعار أو آجَرَ فعليه أُجْرَةُ مثلِها لربِّها، إن لم يكن المستعير الثاني عالماً بالحال، فتكون عليه، أو آجَرَ بغير إذنِهِ فتلفت العين عند الثاني ضمَّنَ المالكُ أَيَّهما شاء. [ضمان العارية] (وإذا قبضَ المستعيرُ العاريّة فهي مضمونةٌ عليه بمثل مثليٍّ) يعني أن العاريّة إذا كانت من ذواتِ الأمثال، كما لو استعارَ صَنْجَةً من نحاسٍ لا صِناعةَ فيها، ليزن بها، فتلفتْ، فإنه يضمنها بمثلِ وزنِها من نوعها، (وقيمةِ متقوِّمٍ يوم تَلَفٍ) لأن قيمتَها بَدَلٌ عنها، فوجَبَ عند تلفِها، كما يجبُ عند إتلافها، ولأنه يومٌ يتحقَّقُ فيه فواتُها فوجبَ اعتبار الضَّمانِ به، ويلغو شرطُ عدم ضمانِها، كشرطِ ضمانِ أمانةٍ كوديعةٍ (فرَّط أوْ لا، لكن لا ضمانَ في أربعِ مسائلَ إلاَّ بالتفريط): الأولى: (فيما إذا كانتِ العاريّة وقْفاً ككتبِ علمٍ) وأدراعٍ موقوفةٍ على الغُزاةِ إذا استعارَها لينظرَ فيها، أو ليلبِسَها عند قتالِ الكفّار (وسلاحٍ) كسيفٍ ورمحٍ. (و) الثانية: (فيما إذا أعارَها المستأجِرُ.)

стр. 438

والثالثة: ما أشار إليها بقوله: (أو بَلِيَتْ فيما أعيرَتْ له) باستعمالٍ بمعروفٍ، كما لو تَلِفَ الثوبُ المستعارُ بِلُبْسِهِ، أو ذَهَبَ خَمَلُ المِنْشَفَة أو القَطِيفة. والرابعة: ما أشار إليها بقوله: (أو أركبَ) إنسانٌ (دابتَه) إنساناً (منقطعاً لله تعالى، فتلفت) الدابة (تحته،) أي تَحْتَ المنقطع، (لم يضمن) تَلَفَها، لأنها بيد صاحِبِها، لكون الراكِبِ لم ينفردْ بحفظِها، أَشْبَهَ ما لو غطَّى ضيفَهُ بلحافٍ، فَحُرِقَ عليه، فإنه لا يضمنه، كرديفِ رَبِّها، أي كما لو أردَفَ إنساناً خلفه على دابّتِهِ، فتلفتْ تحتهما. (ومن استعارَ لِيَرْهَنَ فالمرتَهِنُ أمينٌ) لا يضمن إلا بالتعدّي أو التفريطِ. (ويضمنُ) العينَ (المستعيرُ) سواء تلفتْ تحت يدِهِ أو تحت يَدِ المرتهن. (ومن سلّم لشريكه الدابةَ) المشتركَةَ (ولم يستعملها) فتلفتْ بلا تفريطٍ لم يضمنْ، (أو استعمَلها) الشريكُ (في مقابَلةِ عَلَفِها بإذنِ شريكِه وتلفت بلا تفريطٍ) أو تعدٍّ بأن ساقَها فَوْقَ العادةِ ونحوه (لم يضمنْ) قال في شرح الإِقناع: وإنْ سلَّمها إليه لركوبِهَا لمصلحته، وقضاءِ حوائِجِهِ عليها، فعارية. انتهى.

стр. 439

كتَاب الغصب (وهو) أي الغصب (الاستيلاءُ) أي استيلاءُ غير حربيٍّ، بفعلٍ يُعَدّ استيلاءً (عرفاً، على حق الغير، عدواناً) بغير حقٍّ على سبيل الظلم (١) وهو محرّم إجماعاً. وسنده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ والغصب من الباطل. (ويلزم الغاصبَ رد مَا غَصَبَهُ بنَمائِهِ) المتصِلِ والمنفصل، كالولد، والسِّمَنِ، (ولو غَرِم على ردِّه أضعافَ قيمتِهِ) أي قيمةِ المغصوب، لكونِهِ بنى عليهِ، بأن يكونَ غَصَبَ حجَراً، أو خشباً قيمتهُ درهمٌ فبنى عليه بناءً، ويحتاجُ في إخراجِهِ إلى غُرُمِ خمسة دراهم، أو بُعْدٍ، بأن حَمَل مغصوباً قيمته درهمٌ إلى بلد بعيدة بحيث تكون أجرةُ حَمْلِهِ في ردّه إلى البلدِ المغصوبِ منهُ أضعافَ قيمَتِهِ، أو خَلْطٍ بمتميِّزٍ ونحوه. (وإن سمَّرَ) الغاصب (بالمسامِير) المغصوبةِ (باباً) أو غيره (قَلَعَها)

стр. 440

وجوباً (وردّها) ولا أثر لضرِرِه، لأنه حصل بتعدّيهِ، كما لو غَصَبَ فصيلاً، وأدخله دارَهُ فَكَبِرَ، وصار لا يمكن إخراجه لضيق بابها عليه، فإنه يُنْقَضُ مجاناً وُيخْرَجُ الفصيل. (وإن زَرَع) الغاصبُ (الأرضَ) المغصوبة ثم ردَّها وقد حَصَدَ زرعه (فليس لربّها) أي الأرض (بعد حصدِهِ) الزرع (إلاَّ الأجرة) أي أجرةً المثلِ عن الأرضِ إلى حينِ تسليم الغاصبِ لها، يعني أنه لا يكونُ لربّ الأرضِ حقٌّ في زرعِ الغاصبِ بعد حصادِهِ بتملَّكٍ ولا غيرِهِ، لأنه انفصل عن ملكه. (وقَبْلَ الحَصْدِ) أي حصد الزرع (يخيَّرُ) مالكُ الأرض (بينَ تركِهِ) أي تَرْكِ الزَرْع في أرضِهِ إلى الحصاد (بأجرته) أي أجرة المثل، (أو تملُّكِهِ) أي الزرع (بنفقتِهِ، وهي مثل البَذْرِ، وعِوَضُ لواحِقِهِ) من حرثٍ وسقيٍ ونحوِهما. وعنه: بقيمتِهِ زرعاً فله أُجْرَةُ أرضِهِ إلى تسليمه. (وإن غَرَسَ) الغاصب (أو بني في الأرض أُلْزِمَ بقلعِ غرسِهِ أو بنائِهِ،) وتسويتها، وأرشِ نقصِها، وأجرتِها إلى وقت تسليمها، (حتى ولو كان) الغاصب (أحد الشريكينِ) في الأرض، أو لم يغصبْها الغارسُ أو الباني فيها، (وفَعَلَهُ) أي الغرسَ أو البناءَ (بغير إذنِ شريكه.) أما كونُ الغاصبِ يؤخذ بقلعِ غرسِهِ أو بنائِهِ إذا طولبَ بذلك من قِبَلِ ربّ الأرضِ فلما رُوِيَ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" رواه الترمذي. فصل [ضمان المغصوب] (وعلى الغاصبِ أرشُ نقصِ المغصوب) ولو رائحةَ مِسْكٍ ونحوه، سواء نقص بيد الغاصبِ أو غيرِه. فيقوَّمُ صحيحاً وناقصاً، ويغرم الغاصبُ

стр. 441

ما بينهما، لأنّه ضمانُ مالٍ من غير جنايةٍ، فكان الواجبُ ما نقص. (و) يضمن الغاصب (أجرتَهُ) أي المغصوب (مدّةَ مُقَامِهِ بيده) أي الغاصب. قال في الإِقناع: وإن كان للمغصوبِ منفعة تصحّ إجارتُها فعلى الغاصبِ أجرةُ مثله مدة مقامه في يده، استوفى المنافعَ، أو تركَها تذهب. (فإن تلف) المغصوب بأن كان حيواناً فماتَ، أو متاعاً فاحترق، ونحوَه، وشَمَلَ كلامه لو غصبَهُ مريضاً فمات في يده بذلك المرض، ضَمِنَهُ، كما جزم به الحارثي، واقتصر عليه في الإِنصاف، أو أتلفَهُ الغاصبُ أو غيره ولو بلا غصبٍ (ضمن) الغاصبُ أو من تلفَ بيدِه (المثليَّ) وهو كلُّ مكيلٍ أو موزونٍ لا صناعةَ فيه مباحةً يصح السَّلَمُ فيه (بمثله). فإن أعْوَزَ المثلُ فقيمة مثلِهِ يوم إعوازِهِ فإن قدر على المثل [قبل دفع القيمة] (١) لا بعدَ أَخْذِها، وَجَب. ويضمن الغاصب (المتقوِّمَ) التالفَ، وهو كل ما ليس مكيلاً ولا موزوناً (بقيمتِهِ يومَ تلفِهِ في بلدِ غَصْبِهِ) من نقدِ موضعِ الضمانِ بمقتضى التعدّي. (ويضمن) الغاصبُ (مصاغاً) تالفاً إذا كان (مباحاً) كحليّ النساء المتخذ (من ذهبِ أو فضةٍ بالأكثرِ من قيمتِهِ أو وزنِهِ) فإن زادت قيمتُه على وزنِهِ أَخَذ القيمةَ لأجل الصناعة، وإن زاد الوزنُ على القيمةِ أخذ به. (و) يضمنُ المصاغَ (المحرَّمَ) الصناعةِ (بوزنِهِ) من جنسه. (وُيقْبَل قول الغاصبِ) مع عدم البينةِ (في قيمةِ المغصوبِ) التالِف، بأن قال الغاصب: قيمته عشرة، وقال المالك: اثنا عشر، فقول الغاصب، لأنه غارم.

стр. 442

(و) يقبل قول الغاصب (في قدره) أي المغصوب. (وَيَضْمَنُ) أي الغاصبُ (جنايَتَهُ) أي جناية الرقيقِ المغصوبِ (وإتلافَهُ) أي قيمة ما يتلفه، ولو كانت الجنايةُ على ربِّه أو مالِهِ (بالأقلِّ من الأرشِ أو قيمتِهِ) أي أرش الجناية، أو قيمة العبد. كما يفديه سيده. (وإن أَطَعَمَ الغاصبُ ما غصَبَهُ) من خبزٍ أو لحمٍ أو غيرِهما أحداً (وحتّى ولو لمالكِهِ) أو قنِّهِ أو دابَّتِهِ، أو دَفَعَه الغاصبُ لمالكِهِ بقرضٍ أو شراءٍ أو هبةٍ أو صدقةٍ، أو أباحَهُ له (ولم يعلمْ) (١) المالكُ (لم يبرأِ الغاصب). (وإن علم الآكلُ حقيقة الحال استقرَّ الضمانُ عليه) أي على آكلِهِ، لكونه أتلفَ مال غيرِهِ بغير إذنه عالماً من غير تغريرٍ. وللمالكِ تضمينُ الغاصب له، لأنه حال بينه وبين مالِهِ، وتضمين آكلِهِ لأنه قَبضَهُ من يد ضامِنِهِ، وأتلفه بغير إذن مالكه. وللغاصب إذا غرّمه المالك بدل الطعامِ الرجوعُ على الآكِلِ لاستقرار الضمان عليه. (ومن اشترى أرضاً فغرَسَ) فيها (أو بني فيها فخرجت مستَحَقَّةً للغير) أي تبيّن أنه ليس لبائِعِها ولايةُ بيعها (وقُلِعَ غرسُهُ) أي غَرْسُ المشتري (أو بناؤه) لكونه وُضِعَ بغير حقٍّ (رجع) المشتري (على البائع بجميع ما غَرِمه) بسبب ذلك، من ثمنٍ أقبضَه، وأجرة غارسٍ وبانٍ، وثمن مُؤَنٍ مستهلكةٍ، وأرشِ نقصٍ بقلعٍ، ونحو ذلك، لأنه ببيعه إياها غرَّه وأوهَمَهُ أنها ملكُهُ، وكان ذلك سبباً في بنائه وغَرْسِهِ، فرجع عليه بما غَرِمَهُ. قال الفتوحي: وعُلِمَ من ذلك أن لمستحقِّ الأرض قلعَ الغِراس والبناء، من غير ضمانِ، لأنه وُضِعَ في ملكه بغير إذنه، فكان له قلعه مجاناً، كغرس الغاصب.

стр. 443

فصل [في الإِتلافات] (ومن أتْلَفَ ولو سهواً مالاً) محترماً (لغيرهِ) أي لغير المتلف، بلا إذنِهِ، وكان المتلِف مكلفاً ملتزِماً، والمال لمعصومٍ غيرِ ابنِهِ (ضمنه،) أي ضمنَ ما أتلفه. (وإن أُكرِه) شخصٌ (على الإِتلاف) أي إتلافِ مالِ غيره المضمون، (ضمن من أكرهَهُ) ولو على إتلاف مالِ نفسِهِ. (وإن فَتَح) إنسان (قفصاً عن طائرٍ أو حل قِنًّا) من قيدٍ (أو أسيراً أو حيواناً مربوطاً، فذهبَ، أو حلّ) إنسان (وِكاءَ زِقٍّ فيه) شيء (مائعٌ) أو جامدٌ، فأذابَتُه الشمس، أو بَقيَ بعد حلَّه فألقته ريحٌ (فاندفَقَ) وخرج منه شيء، أو لم يزل يميلُ شيئاً فشيئاً حتى سقط فاندَفق، أو خرج ما فيه قليلاً قليلاً (ضمنه) أي ضمن المتعدي بفتحِ القفصِ أو حلَّ ما تقدم. (ولو بقي الحيوانُ) الذي حله، (أو الطائرُ) الذي فتح عنه القفص، واقفين بعد ذلك (حتى نفرّهما آخر) فذهبا (ضمِن المنفِّر) أي اختص ضمانُهما بالمنفِّر، لأن سببه أخصُّ، فاختصّ الضمان به، كدافعِ الواقع في البئرِ مع حافِرِها. (ومن أوقفَ دابَّةً) له أو لغيره (بطريقٍ، ولو) كان الطريق (واسعاً)، نصًّا، أو ربطها به، (أو تركَ) إنسانٌ (بها) أي بطريقٍ، ولو واسعاً (نحو طينٍ أو خشبةٍ) كعمودٍ أو حجرٍ أو كيسِ دراهِمَ، أو أسند خشبةً إلى حائط (ضمن) ذلك الإِنسانُ (ما تلِفَ بذلك) أي بسبب فعلِهِ،، لأنه مُتَعَدٍّ بذلك. (لكن لو كانت الدابَّةُ بطريق واسعٍ فضربَها) إنسان (فرفسته، فلا ضمان) على واضِعِها، لعدم حاجة الضَّارِبِ إلى ضربها. قال في الإِقناع: ومن

стр. 444

ضرب دابَّةً مربوطةً في طريقٍ ضيَقٍ، فرفستْهُ، فمات، ضمنه صاحبها. ذكره في "الفنون" انتهى. (ومن اقتنى كلباً عقوراً) ولو لصيدٍ أو ماشيةٍ، (أو) اقتنى كلباً (أسودَ بَهِيماً، أو) اقتنى (أسداً أو ذئباً) أو نَمِراً، أو هرًّا تأكل الطيور وتَقْلِبُ القدورَ عادةً، (أو جارحاً، فأتلفَ شيئاً ضمنه) المقتني، لأنه المتسبّب في ذلك. وعُلِمَ مما تقدم أنه لو حصل شيء من ذلك في بيتِ إنسانٍ من غيرِ اقتنائِهِ ولا اختياره، فأفسدَ شيئاً، لم يضمنْهُ، لأنه لم يحصل الإِفساد بسببه. قال في الشرح: فإذا اقتنى حماماً أو غيرَه، من الطَّير فأرسله نهاراً، فَلَقَطَ حبًّا، لم يضمنه، لأن العادة إرساله، انتهى (لا إن دخل دارَ ربَّه) أي ربِّ الأسدِ والنّمرِ ونحوه (بلا إذنه) فإنه لا يضمن. (ومن أجَّجَ ناراً،) أي أوقدها حتى صارت تلتهب، (بملكِهِ)، أو سقى ملكَهُ (فتعدَّتِ النّارُ) أو الماءُ (إلى ملكِ غيرِهِ بتفريطِهِ ضَمِنَ) بأن أجّج ناراً تسري في العادة لكثرتها، أو في ريحٍ شديدة تحملها، أو فتحَ ماء كثيراً يتعدى مثله، أو ترك النارَ مؤجَّجَةً ونام، و (لا) يضمن (إن طَرَتْ ريح (١)). (ومن اضطجع في مسجدٍ، أو) جَلَسَ، أو اضطجع (في طريقٍ) واسعٍ، فعثر به حيوان لم يضمن ما تلفَ بِهِ، (أو وضعَ حجراً بطينٍ في الطريقِ ليطأ عليه الناس، لم يضمن) لأنَّ في هذا ونحوِهِ نفعاً للمسلمين.

стр. 445

فصل [ضمان ما تتلفه البهائم] (ولا يضمنُ ربُّ بهيمةٍ غير ضارِيةٍ ما أتلفْتهُ نهاراً من الأمْوالِ والأبدانِ) إذا لم تكنْ يَدُهُ عليها، فإن كانت، ضمن. (ويضمن راكبٌ) لدابةٍ (وسائقٌ وقائدٌ) لها (قادرٌ على التصرف فيها) جنايةَ يدِها، وفَمِها، ووطءٍ بِرِجْلِها، لا ما نَفَحَتْ بها من غير سببٍ، ما لم يكْبَحْهَا زيادةً على العادة، أو يضربْ وجهَهَا. (وإن تعدَّد راكب) على الدَّابةَ بأن كان عليها اثنان أو ثلاثة (ضَمِنَ الأوّل) ما يضمنُهُ الراكب المنفرد، لأنه المتصرف فيها القادر على كفِّها. (أو مَنْ خَلْفَهُ إن انفرد بتدبيرِها) لصغر الراكبِ، أو مَرَضِهِ، أو عماه، ونحوه. (وإن اشتركا) أي الراكبان (في تدبيرِها، أو لم يكن) معها (إلا قائد وسائق، اشتركا في الضّمان) لأنّ كل واحدٍ من الراكبين المشترِكين في تدبيرها، أو من السائِقِ والقائِدِ، لو انفردَ ضَمِنَ، فإذا اجتمعا ضَمِنَا. ويشارك راكب معهما أو معد أحدهما. وإبلٌ وبِغَالٌ مُقَطّرةٌ كواحدةٍ، على قائِدِها الضمانُ. ويشارك سائق في أوّلها في جميعها، وفي آخرها في الأخيرةِ فقط، وفيما بينهما فيما باشَرَ سَوْقَهُ وما بعده. (ويضمن ربّها) أي الدابة (ما أتلفْته) من زرعٍ وشجرٍ وخَرْقِ ثوبٍ، أو نَقَصَتْهُ بمضْغُها إياه، أو وطئِها عليه، ونحوه، (ليلاً) فقط، لأنّ العَادة من أهل المواشي إرسالُها نهاراً للرعي، وحفظُها ليلاً. وعادةُ أهلِ الحوائِطِ حفظها نهاراً فإذا أفسدتْ شيئاً ليلاً كان من ضمان من هي بيده. ومحلّ ذلك (إن كان بتفريطِهِ) في حفظِها، بتركه في وقت عادته،

стр. 446

لا إن أفسدت شيئاً نهاراً، إلا غاصباً، لتعديه. (وكذا) يضمن (مستعيرُها، ومستأجِرُها، ومن يحفظها). [دفع الصائل (الدفاع المشروع) وإتلاف المحرمات] (ومن قَتَلَ) حيواناً (صائلاً) أي واثباً (عليه، ولو) كان الصائلُ (آدميًّا) صغيراً أو كبيراً، عاقلاً أو مجنوناً، حراً أو عبداً، حال كون القاتِلِ (دافعاً عن نفسِهِ) أي نفسِ القاتل، (أو مالِهِ)، ومحلّ عدم الضمان في الصائل إذا لم يندفعَ بغيرِ القتل، (أو أتلفَ) إنسانٌ، ولو صغيراً، بكسرٍ أو حَرْقٍ أو غيرهما (مزماراً أو آلةَ لهوٍ) كطُنبورٍ وعودٍ ودُفٍّ بصُنُوجٍ أو حِلَقٍ أو أتْلَفَ نَرْداً أو شَطْرَنجاً، أو صَليباً (أو كَسَرَ إناءَ فِضَّةٍ، أوَ إناءَ ذهبٍ أو) كَسَرَ أو شَقَّ إناءً (فيهِ خمرٌ مأمورٌ بإراقتها) وهي ما عدا خَمْرَ الخلاّلِ أو خمرَ الذمّيّ المستترة (١)، فإن إناءها غيرُ مضمونٍ، سواءٌ قَدِرَ على إراقتها بدونه أو لا (٢)، (أو كَسَرَ حُلِيًّا محرَّماً) على ذَكَرٍ لم يستعمله ولم يتخذه مالكه يصلح للنساء (٣). وأما إذا أتلفه فقد تقدَّم أن محرّم الصناعة يضمن بمثلِهِ وزناً (أو أتلف آلة سحرٍ، أو) آلة (تعزيمٍ، أو تنجيمٍ، أو صُوَرَ خيالٍ، أو أتلفَ كُتباً مبتدَعَةً مُضِلَّةً) أو كتُبَ أكاذيبَ أو سخائِفَ لأهل الضلالِ، والبَطالَة، أو كُتُبَ كفرٍ، (أو أتلفَ كتباً فيها أحاديثٌ رديئةٌ (٤) لم يضمن في الجميع) "أي لم يضمن المتلف ما أتلفه من ذلك" (٥)، قال في شرح المنتهى: وظاهره ولو كان معها غيرها.

стр. 447

باب الشّفعَة وهي شرعاً استحقاقُ الشريكِ انتزاعَ حصةِ شريكِه ممن انتقلت إليه بعوضٍ ماليٍّ إن كان المنتقَل إليه مثل الشريكِ أو دونه (١). (لا شفعة لكافرٍ على مسلمٍ). (وتثبث) الشفعة (للشريك فيما انتقل عنه مِلْك شريكِهِ بشروطٍ خمسة): (أحدها: كونه) أي الشِّقْصُ المنتقِلُ عن الشريك (مبيعاً) لأن الشفيع يأخذه بمثل الثَّمن الذي انتقل به، ولا يمكن هذا في غير المبيع، وإنما أُلْحِقَ بالبيع الصلحُ بمعناه، والصلحُ عن الجناياتِ الموجبةِ للمالِ، والهبةُ المشروطُ فيها ثوابٌ معلوم، لأن ذلك كلّه بيعٌ في الحقيقة، لكن بألفاظٍ أُخَر، (فلا شفعةَ فيما انتقل ملكُه عنه بغير بيعٍ) كصداق، وعوضِ خلعٍ، وصلحٍ عن قَوَدٍ، ولا فيما أخذه أجرةً، أو ثمناً في سَلَم، أو عوضاً في كتابة. (الثانى) من شروط الشفعة: (كونه) أي الشقص المبيع (مشاعاً) أي غير مُفْرَزٍ، وكونه (من عقارٍ) ينقسم إجباراً على من لم يطلب القِسْمة

стр. 448

ممن له فيه جزء (فلا شفعةَ للجارِ) في مقسومٍ محدودٍ، ولا فيما لا تجب قسمته، كحمامٍ صغيرٍ، وبئرٍ وطريقٍ وعِرَاصٍ ضيقة، (ولا فيما ليس بعقارٍ كشجر) وحيوان (وبناء مفردٍ وجوهرٍ وسيفٍ وسكينٍ وزرعٍ وثمرٍ) وكل منقولٍ (١) (ويؤخذ الغراس والبناء تبعاً للأرض)، قال في "المغني": بغير خلافٍ في المذهب، ولا يعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلاف. (الثالث) من شروط الأخذ بالشفعة: (طلَبُ الشفعةِ ساعةَ يعلم) بالبيع، وإلاّ بطلَتْ (فإن أخر) الشفيعُ (الطلبَ لغير عذرٍ سقطت،) ولعذرٍ كشدةِ جوعٍ وعطش حتى يأكل أو يشرب، أو لطهارةٍ، أو إغلاقِ باب، أو لِيخرجَ من حمامٍ، أو ليقضيَ حاجَتَهُ، أو ليؤذِّنَ أو يقيم، أو ليشهدَ الصلاةَ في جماعةٍ يخافُ فَوْتها، ونحوه، إلا أن يكون المشتري حاضراً عنده في هذه الأحوال إلا الصلاةَ، أو أخَّر الطلبَ والإشهادَ عليه عجزاً، كمريضٍ ومحبوسٍ ظلماً، أو لإظهار زيادة ثمنٍ، أو نقصِ مبيعٍ، أو هبةٍ، أو أنَّ المشتريَ غيرُه، أو لتكذيبِ مُخْبِرٍ لا يُقْبَلُ خبرُه، فعلى شفعته، لأنه إما معذورٌ وإما غيرُ عالم بالحالِ على وجهِهِ، كما لو لم يعلمْ مطلقاً. وتَسقط إن كذَّبَ مخبراً مقبولاً. (والجهلُ بالحكمِ عذرٌ)، قال في الإقناع: فإن أخَّر الطلب مع إمكانه ولو جهلاً باستحقاقه أو جهلاً بأن التأخير مسقط لها ومثله لا يجهله وسقطت (٢).

стр. 449

(الرابع) من شروط الأخذ بالشفعة: (أخذُ جميع) الشقصِ (المبيعِ) لئلا ينضرَّ المشتري بتبعيضِ الصفقةِ في حقّهِ بأخذ بعض المبيع، (فـ) لهذَا (إن طلب) الشفيعُ (أخذَ البعضِ) أي بعض الشقصِ المبيع دون باقيهِ (مع بقاءِ الكلِّ) أي كل المبيع (سقطتْ) شفعتُهُ. وإن تلف بعضُه أخذَ باقيه بحصّته من ثمنه. (والشفعة بين الشفعاءِ على قدر أملاكهم) لأن ذلك حق يستفاد بسبب الملك فكان على قدر الأملاك، كالغلّة، فدارٌ بين ثلاثةٍ: نصف، وثلث، وسدس، فباع رب الثلث، فالمسألة من ستة: الثلث يقسم على أربعة: لصاحبِ النصف ثلاثةٌ، ولصاحب السدس واحد. (الخامس) من شروط الأخذ بالشفعة: (سَبْقُ ملكِ الشفيع لرقبة العقارِ) أي سبق ملكِهِ لجزءٍ من رقبةِ ما مِنْهُ الشقصُ المبيعُ على زمنِ البيع، لأن الشفعة ثبتت لدفعِ الضرر عن الشريك، فإذا لم يكن له مِلِكٌ سابقٌ (١) فلا ضرر عليه، (فلا شفعةَ لأحدِ اثنينِ اشتَرَيَا عقاراً معاً) أي صفقةً، على الآخر، لأنه لا مَزِيَّة لأحدهما على الآخر، لاستوائهما في البيع في زمنٍ واحدٍ، لأن شرط الأخذ سَبْقُ الملك، وهو معدوم هنا. (وتصرُّف المشتري) في الشقصِ المشفوعِ (بعد أخذِ) أي طلبِ (الشفيعِ بالشفعة باطل) لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأَصحّ. (و) تصرّف المشتري في الشقص (قبله) أي قبل الطلبِ، بوقفٍ، أو هِبَةٍ، أو صدقة، أو بما لا تجب به شفعةٌ ابتداءٌ، كجعله مهراً، أو عوضاً في خلع، أو صلحاً عن دم عمدٍ (صحيحٌ) مسقطٌ للشفعة. (ويلزم الشفيعَ أن يدفعَ للمشتري الثمنَ الذي وقع عليه العقد، فإن كان) الثمن (مثليًّا) فيُدْفَعُ له (مثله أو) كان الثمن (متقوّماً فـ) يدفع (قيمتَهُ) والمراد به قيمتُهُ وقتَ الشراءِ، لأنه وقتُ استحقاقِ الأخذ. (فإن جُهِلَ الثمن) أو

стр. 450

قدرُه، كما لو كان صُبْرَةَ نقدٍ فتلفت، أو اختلطت بما لا تتميّز عنه (و) الحال أنه (لا حيلةَ) في ذلك على إسقاط الشفعة (سقطت الشفعة،) كما لو علم قدرَ الثمنِ عند الشراءِ ثم نسي، لأن الشفعة لا تُستحَقُّ بغير بدل (١) ذلك، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدّعيه. فإن اتّهَمَهُ حلَّفه. (وكذا) تسقط الشفعة (إن عجز الشفيع ولو عن بعض الثمن،) لأن في أخذِهِ بدونِ دفع جميع الثمن إضراراً بالمشتري، ولا يُزال الضرر بالضرر، (وانتُظِرَ ثلاثةَ أيام، ولم يأتِ به) أي بلياليهن. قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب، حتى يثبت عجزُه. نص عليه.

стр. 451

باب يذكر فيهِ أحكَام (الوَديعَة) وهي فَعِيلَةُ من وَدَعَ الشيءَ، إذا تركه، لأنها تكون متروكةً عند المودَعَ. (يشترط لصحتها كونُها من جائزِ التصرُّفِ لمثله) أي: جائِز التصرف، (فلو أُودَعَ) إنسانٌ جائزُ التصرُّفِ (مالَه لصغيرٍ أو مجنونٍ أو سفيهٍ (١)) أو قنٍ (فأتلفه) الصغيرُ أو المجنونُ أو السفيهُ أو القنُّ (فلا ضمانَ) عليهم، ولا على أوليائِهمْ، ولو فرّطوا، لأن المالك هو المفرِّطُ في مالِهِ بتسليمِه إلى أحد هؤلاءِ. هذا في مسألة التلف. وأما مسألة الإتلاف، فإنه يُضْمَنُ ما أتْلَفَ مكلف غيرُ حرٍّ في رقبته. (وإن أودعَهُ) أي أودع جائِزَ التصرف (أحدُهم) فاعلُ أوْدع، شيئاً (صار) المودَعُ (ضامناً). (ولا يبرأ إلا بردّه) أيْ رَدِّ المودَعِ الشيءَ (لوليّهِ) الناظرِ في مالِهِ، كما لو كان عليه له دينٌ في الذمة. ويضمنها إن تلفَتْ، ما لم يكن الصغيرُ مأذوناً له في الإيداع، أو يخفْ هلاكَها معه إن لم يأخذها منه.

стр. 452

[حفظ الوديعة] (ويلزمُ المودَعَ) بفتح الدال (حفظُ الوديعةِ في حرز مثلها) عرفاً، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا﴾ ولا يمكن أَداؤُها إلا بحفظِها. وحِرْزُها كحرزِ سَرقَةٍ. (بنفسِهِ، أو بمن يقوم مقامه كزوجته وعبده) وخازنِهِ. (وإن دفعها المودَعُ (لعذرٍ) كمنْ حَضَرَهُ الموتُ، أو أراد سفراً وليس السفر حفظاً لها، (إلى أجنبيٍّ) ثقةٍ، فتلفتْ، (لم يضمن) لأنه لم يتعد، ولم يفرِّط. وإن لم يكن له عذرٌ حين دفعها إلى الأجنبيِّ ضمن. (وإن نهاه مالكُها عن إخراجِهِا من الحرْزِ، فأخرجها) المودَعُ منه (لطَرَيَانِ) أي حصول (شيءٍ الغالبُ منه الهلاكُ) كالنهب، والحريق، فتلفت في المحلِّ المنقول إليه (لم يضمن) المودَعُ بنقلها شيئاً إن وضعها في حرز مثلِها أو فوقه. فإن تعذّر عليه إحرازها بمثل الحرز الأول، فأحرزها في دونهِ، لم يضمنها. (وإن تركها) مع غِشْيانِ ما الغالبُ منهُ الهلاكُ بالمكان الذي هي به (ولم يخرجها، أو أخرجها) منه (لغير خوفٍ،) -ويحرمان (١) - فتلفت بالأمر المخوف أو غيره (ضمِن). (فإن قال له) مالكها: (لا تخرجْها ولو خفت عليها، فحصل خوفٌ وأخرجَهَا) خوفاً عليها، (أوْ لا) أي: أو لم يخرجها مع حصول الخوف، فتلفت مع إخراجها أو وتركها، (لم يضمن) لنهي (٢) مالِكِها عن إخراجها

стр. 453

معَ خوفِ الهلاكِ فيه، فيكون مأذوناً في تركها في تلك الحالِ، فلم يضمنْ، لامتثالِهِ أمْرَ صاحِبها. (وإن ألقاها عند هجومِ ناهبٍ ونحوِهِ) كقطّاع الطريقِ (إخفاءً لها لم يضمن) لأن هذا عادةُ الناسِ في حَفظ أموالهم. (وإن لم يعلفْ) أو يَسْقِ المودَعُ (البهيمةَ) المودَعَة (حتى ماتتْ) جوعاً أو عطَشاً (ضمنها،) لأن العَلْفَ من كمال الحفظ الذي التزمه بالاستيداع، لا إن نهاه مالِكُها عن علْفها فتركه حتى ماتت، فإنه لا ضمانَ عليه لمالكها. ويحرُمُ ترك عَلْفِها مطلقاً. فصل (وإذا أرادَ المودَع السفر) أو لم يُرِدْ سفراً، وخاف عليها عنده من غرَقٍ أو نهبٍ أو نحوِهما (ردّ الوديعةَ، إلى مالِكِها، أو إلى من يحفظُ مَالَه) أي مال مالِكِها (عادةٌ، أو إلى وكيله) أي وكيلِ مالِكِها إن كان. (فإن تعذَّرَ) بأن لم يجد الذي عنده الوديعةُ مالِكَها ولا وكيلَه، (ولم يخف عليها مَعَهُ في السًفَر سافَرَ بها، ولا ضمان). (فإن خافَ عليها دَفَعَها للحاكم) المأمونِ. (فإن تعذَّر) الحاكم (فلِثقةٍ) أي فليدفعها لثقةٍ. (ولا يضمنُ مسافرٌ أُودِعَ) في سفره وديعةً، (فسافَرَ بها، فتلفت بالسَّفَر) لأن إيداعَ المالكِ في هذهِ الحالةِ يقتضي الإِذن في السفر بالوديعة. (وإن تعدّى المودَعُ في الوديعةِ بأن) كانتْ دابّةً فـ (ركبها لا لِسَقْيِها، أو) كانت ثياباً فـ (لبسها لا لخوفٍ من عِثٍّ) -جمعُ عُثَّة بضمّ العين المهملة، سُوسَةٌ تَلْحَسُ الصوف- ويضمن إن لم ينشرها، (أو أخرجَ

стр. 454

الدراهمَ) المودعَةَ (لينفقها، أو لينظُرُ إليها، ثم ردّها) إلى وعائها ولو بنيّةِ الأمانة، أو كَسَرَ خَتْمَها، (أو حلَّ كيسَها فقط) أي من غير إخراجٍ لها، (حرُمَ عليه) ذلك (وصار ضامناً، ووجب عليه ردُّها فوراً، ولا تعودُ أمانَةٌ بغير عقدٍ متجدَّدٍ). قال ابن رجب في القاعدة الخامسة والأربعين: "إذا تعدَّى في الوديعةِ بطلتْ، ولم يجزْ له الإمساكُ ووجب الرد على الفورِ". ولأنّها أمانةٌ محصنةٌ، وقد زالتْ بالتعدِّي، فلا تعودُ بدون عقدٍ متجدّدٍ. (وصحّ) قول المالكِ للمودَعِ: (كلّما خُنْتَ ثم عُدْتَ إلى الأمانة فأنت أمين.) فصل (والمودَعُ أمينٌ) لأنّ الله تعالى سماها أمانةً بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (لا يضمن إلا إن تعدَّى أو فرَّطَ أو خانَ) في الوديعة. (ويُقْبَلُ قوله) أي المودع (بيمينهِ في عدم ذلك) أي عدمِ التعدي والتفريطِ والخيانةِ. (و) يقبل قوله بيمينه (في أنها تلفت، أو أنكَ أذنْتَ لي في دفعها لفلانٍ وفَعَلْتُ) أي ودفعتُها إليه، مع إنكار المالك الإِذن في دفعها. نصَّ عليه أحمد. وهو من المفردات. ووجهُ ذلك أنه ادّعى دفعاً يبرأُ به من الوديعة، فكان القولُ قولَه فيه، كما لو ادعى ردَّها على مالكها. (وإن ادّعى الردَّ بعد مَطْلِهِ) أي تأخير دفعها إلى مستحِقِّها (بلا عذرٍ، أو ادّعى ورثتُهُ) أي ورثةُ المودَع (الردّ) ولو لمالكٍ (لم يقبلْ إلا ببيّنةٍ) أمّا كون ورثة المودَع لا يقبلُ قولُهُمْ في الدفع إلى المالِكِ ولا إلى غيرِه إلا ببيّنةٍ فلأنهم غير مؤتمنين عليها من قبل مالِكِها.

стр. 455

(وكذا كلُّ أمينٍ). (وحيث أخَّر ردَّها) أي الأمانة، أو أخّر مالاً أُمِرَ بدفعِهِ (بعد طلبٍ) من مستحقِّه، (بلا عذرٍ) في التأخير، (ولم يكنْ لحملها مؤنةٌ ضمن) المؤخِّرُ لكونهِ أَمْسَكَ مال غيرِهِ بغير إذنِهِ بفعلٍ محرّمٍ، أشبَهَ الغاصبَ. ويُمْهَلُ لأكلٍ، ونومٍ، وهضمِ طعامٍ، ونحوه. (وإن أُكْرِهَ) مودَعٌ (على دَفْعِها) أًي الوديعة، (لغيرِ رَبِّها، لم يضمن) كما لو غُلِبَ على أخذِها منهُ قهراً، لأن الإكراه عذرٌ يبيح له دفعها. (وإن قال) شخص عن آخر: (له عندي ألفُ وديعةً، ثم قال) المُقِرّ: (قَبَضَهَا) مني، (أو تلفَتْ قبل ذلك، أو) قال: (ظننتُها) أي الألف (باقيةً ثم علمتُ تَلَفَها، صُدِّقَ بيمينه،) لأنها إذا ثبتت الوديعة ثبتت أحكامُها. (ولا ضمان). (وإن قال: قبضتُ منه ألفاً وديعةً، فتلفت) الألفُ، (فقال) المُقَرُّ له: (بل) قبضتَها مني (غصباً، أو) قبضتها مني (عاريةً، ضَمِنَ) ما أقرّ به.

стр. 456

باب إحيَاء الموَات وهو مشتقٌّ من الموت. والموَات في اصطلاح الفقهاء (هي الأرضُ الخرابُ الدارِسَةُ التي لم يَجْرِ عليها ملكٌ لأَحدٍ، ولم يوجد فيها أَثرُ عمارة، أو وُجِدَ فيها أثر مِلكٍ وعمارةٍ). قال في "المغني": بغير خلافٍ بين القائلين بالإحياء. انتهى. وإن تردّد في جَرَيَانِ الملك عليهِ، أو كان به أثَرُ ملكٍ غير جاهليٍّ (كالِخرَب التي ذهبت أنهارُها واندرَسَتْ آثارُها ولم يُعْلَم لها مالك) أي لم يعلمَ أنها الآن مملوكة لأحد، أو كان بها أثرُ مِلْكٍ جاهليٍّ قديمٍ، أو أَثرُ ملكٍ جاهليٍّ قريبٍ. (فمن أحيا شيئاً من ذلك، ولو كان) المحيي للأرضِ (ذمِّيًّا، أو) كان الإحياءُ (بلا إذنِ الإمامِ، ملكه.) وحيثُ قلنا بملك المحيي لما أحياهُ فإنه يملكه (بما فيه من معدنٍ جامدٍ) باطنٍ (كذهبٍ وفضّةٍ وحديدٍ) ونُحاسٍ ورصاصٍ، (و) من معدنٍ جامدٍ ظاهرٍ كـ (كحُلٍ) وزَرْنِيخٍ وكِبريتٍ، لأنه مَلَكَ الأرضَ بجميع أجزائِها وطبقاتها، وهذا منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية. ويفارقُ الكنزَ، فإنه لا يملك ما فيها من كنزٍ، لأنه مَوْدُوعٌ فيها، وليس من أَجْزَائِها.

стр. 457

(ولا خراجَ عليه) أي على من أحيا أرضاً عَنْوَةً (إلا إن كَانَ المُحْيي (ذميّاً،) فعليه الخراج، لأنها للمسلمين، فلا تُقَرُّ في يد غيرِهِمْ بدونِ خراجٍ، كغيرِ المَوَاتِ. فأمَّا غَيْرُ العنوةِ، وهي أرضُ الصُّلحِ، وما أسلَمَ أهله عليه، إذا أحيا الذِّمِّيُّ فيه مواتاً فكالمسلم. و (لا) يدخل في مِلكِ المحيي (ما فيه) أي ما في المُحْيا (من معدِنٍ جارٍ، كنفطٍ وقارٍ) وملحٍ بل يكون أحقَّ به. (ومن حفرَ بئراً بالسابلة ليرتَفِقَ بها كالسفارة) والمنتجعين يحفرون البئر (لشربِهِمْ و) شربِ (دوابّهم، فهم) أي المحتفرون (أحقُّ بمائها) أي ماءِ البئرِ التي احتفروها (ما أَقاموا) أي مدة إقامتهم عليها، يعني أنّهم لا يملكونها. ووجهه أنهم جازِمُونَ بانتقالِهِمْ عنها وتركِهَا لمن ينزل منزلتهم. بخلاف الحافِرِ للتملُّك. (وبعد رحيلهم) أي رحيلِ الحافرين لها (تكونُ) البئرُ (سبيلاً للمسلمين،) لأنه ليس أحدٌ ممن لم يحفرْها أولى بها من الآخر. (فإن عادوا) أي الحافرونَ لها (كانوا أحقّ بها من غيرِهِمْ) لأنهم لم يحفِرُوها إلا من أجلِ أنفسهم، ومن عادَتِهِمُ الرحيلُ والرجوعُ، فلم تَزُلْ أحقّيتهم بذلك. فصل [فيما يحصل به الإِحياء] (ويحصل إحياءُ الأرض المواتِ إما بحائطٍ منيعٍ) سواءٌ أرادَها للبناء، أو للزرع، أو حظيرة للغنمِ أو للخشب، أو غيرها. نص عليها. والمراد بالحائط المنيع أن يمنع ما وراءه. ولا يعتبر مع ذلك تَسْقِيفٌ.

стр. 458

(أو إجراء ماءٍ) بأن يسوق إليها ماءً من بئرٍ أو نهرٍ (لا تُزْرَعُ إلا به) أي بالماء المسوق إليها، أو مَنْع ماءٍ لا تزرع معه، (أو غَرْس شَجَرٍ) في الأرض الموات، كما لو كانت لا تَصْلُحُ للغراسِ، لكثرةِ أحجارها، أو نحوها فينقّيها ويغرسها، (أو حَفْر بئرٍ) أو نهرٍ (فيها). (فإن تحجّر مواتاً، بأن أدار حولَهُ أحجاراً،) أو تُرَاباً، أو شوكاً، أو حائطاً غيرَ منيع، (أو حَفَرَ بئراً لم يَصِلْ ماءَها (١)، أو سقى (٢) شجراً مباحاً كزيتونٍ، ونحوِهِ، أو أصلحه ولم يُرَكِّبْهُ) (٣) كما لو حَرَثَ الأرْضَ، أو خَنْدقَ حولَها، أو أقْطَعَهُ له الإِمامُ ليُحيِيَهُ فلم يُحْيِه، (لم يملكه) بذلك، لأنّ الملك إنما يكونُ بالإِحياء، ولم يوجد، (لكنه أحقُّ به من غيرِهِ. و) كذا (وارثُهُ بعده) يعني أنه يكون أحقّ به من غيره. (فإن أعطاهُ) أي المحيي المحيا (لأحدٍ) غيرِهِ (كان له) أي إذا نَزَلَ شخصٌ عن أرضٍ خراجيةٍ (٤) لآخَرَ فيكونُ المنزولُ له أحقّ بها وَوَرَثَتُهُ من بعده، وليس للِإمام أخذُها منه. وكذا النزولُ عن الوظائِفِ (٥) إذا كان المنزولُ له أهلاً. (ومن سَبَقَ إلى مباحٍ) فأخذه (فهو له، كصيدٍ، وعَنْبَرٍ، ولؤلؤٍ،

стр. 459

ومرجانٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ) ومِسْكٍ وعَسَلِ نحلٍ، وطَرْفَاءٍ، وقَصَبٍ، وغير ذلك من النبات (ومَنْبُوذٍ رَغْبَةً عنه) كعظْم به شيءٌ من لحم رُغِبَ عنه، ونثَارٍ في عرس، ونحوه، وما يتركه الحصَّادُ من الزرع. (والمِلْكُ مقصورٌ فيه على القدْرِ المأخوذ) فلا يملِك ما لا يحوزه، ولا يمنَعُ غيرَهُ منه. وإن سبق إليه اثنان قُسِمَ بينهما.

стр. 460

باب الجُعَالَة بتثليث الجيم. (وهي الجعالةُ شرعاً (جَعْلُ) أي تسميةُ (مالٍ معلومٍ) إن كان من مالِ مسلمٍ لا إن كان من مال حربيٍّ، فإنه لا يشترطَ فيه العلم، (لمن) متعلقٌ بجعلٍ (يَعْمَلُ له) أي للجاعل (عملاً مباحاً، ولو) كان العملُ (مجهولاً) كمن خاط لي ثوباً فله كذا، أو مدة ولو مجهولة (١) (كقوله: من ردَّ لُقَطَتي، أو: بني لي هذا الحائط، أو: أذَنَ بهذا المسجد، شهراً (٢)، فله كذا) أو: من فَعَله ممن لي عليهم الدينُ، فهو بريء من كذا؛ (فمن فعل العَمَل) المجعولَ عليه الجُعْلُ (بعد أن بَلَغَهُ الجعل استحقَّه كله) لأن العقد استقرَّ بتمام العملِ، فاستَحَقَّ ما جُعِلَ، له كالربح في المضاربة. (وإن بَلَغَهُ) الجَعْلُ (في أثناءِ العمل استحق حِصَّة تَمَامهِ) أي إن أتمه بنيّةِ الجُعْل فإنه يستحق من الجعل بقِسْطِ ما بقي من العمل فقط، لأن عَمَلَهُ قبل بلوغِهِ الجعلُ وقع غير مأذونٍ فيهِ، فلم يستحقّ عنه عِوَضاً، لأنه بَذَلَ منافعه متبرعاً.
следующие страницы →