باب إحيَاء الموَات
وهو مشتقٌّ من الموت.
والموَات في اصطلاح الفقهاء (هي الأرضُ الخرابُ الدارِسَةُ التي لم يَجْرِ عليها ملكٌ لأَحدٍ، ولم يوجد فيها أَثرُ عمارة، أو وُجِدَ فيها أثر مِلكٍ وعمارةٍ). قال في "المغني": بغير خلافٍ بين القائلين بالإحياء. انتهى.
وإن تردّد في جَرَيَانِ الملك عليهِ، أو كان به أثَرُ ملكٍ غير جاهليٍّ (كالِخرَب التي ذهبت أنهارُها واندرَسَتْ آثارُها ولم يُعْلَم لها مالك) أي لم يعلمَ أنها الآن مملوكة لأحد، أو كان بها أثرُ مِلْكٍ جاهليٍّ قديمٍ، أو أَثرُ ملكٍ جاهليٍّ قريبٍ.
(فمن أحيا شيئاً من ذلك، ولو كان) المحيي للأرضِ (ذمِّيًّا، أو) كان الإحياءُ (بلا إذنِ الإمامِ، ملكه.) وحيثُ قلنا بملك المحيي لما أحياهُ فإنه يملكه (بما فيه من معدنٍ جامدٍ) باطنٍ (كذهبٍ وفضّةٍ وحديدٍ) ونُحاسٍ ورصاصٍ، (و) من معدنٍ جامدٍ ظاهرٍ كـ (كحُلٍ) وزَرْنِيخٍ وكِبريتٍ، لأنه مَلَكَ الأرضَ بجميع أجزائِها وطبقاتها، وهذا منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية. ويفارقُ الكنزَ، فإنه لا يملك ما فيها من كنزٍ، لأنه مَوْدُوعٌ فيها، وليس من أَجْزَائِها.
стр. 457
(ولا خراجَ عليه) أي على من أحيا أرضاً عَنْوَةً (إلا إن كَانَ المُحْيي (ذميّاً،) فعليه الخراج، لأنها للمسلمين، فلا تُقَرُّ في يد غيرِهِمْ بدونِ خراجٍ، كغيرِ المَوَاتِ.
فأمَّا غَيْرُ العنوةِ، وهي أرضُ الصُّلحِ، وما أسلَمَ أهله عليه، إذا أحيا الذِّمِّيُّ فيه مواتاً فكالمسلم.
و (لا) يدخل في مِلكِ المحيي (ما فيه) أي ما في المُحْيا (من معدِنٍ جارٍ، كنفطٍ وقارٍ) وملحٍ بل يكون أحقَّ به.
(ومن حفرَ بئراً بالسابلة ليرتَفِقَ بها كالسفارة) والمنتجعين يحفرون البئر (لشربِهِمْ و) شربِ (دوابّهم، فهم) أي المحتفرون (أحقُّ بمائها) أي ماءِ البئرِ التي احتفروها (ما أَقاموا) أي مدة إقامتهم عليها، يعني أنّهم لا يملكونها. ووجهه أنهم جازِمُونَ بانتقالِهِمْ عنها وتركِهَا لمن ينزل منزلتهم. بخلاف الحافِرِ للتملُّك.
(وبعد رحيلهم) أي رحيلِ الحافرين لها (تكونُ) البئرُ (سبيلاً للمسلمين،) لأنه ليس أحدٌ ممن لم يحفرْها أولى بها من الآخر.
(فإن عادوا) أي الحافرونَ لها (كانوا أحقّ بها من غيرِهِمْ) لأنهم لم يحفِرُوها إلا من أجلِ أنفسهم، ومن عادَتِهِمُ الرحيلُ والرجوعُ، فلم تَزُلْ أحقّيتهم بذلك.
فصل [فيما يحصل به الإِحياء]
(ويحصل إحياءُ الأرض المواتِ إما بحائطٍ منيعٍ) سواءٌ أرادَها للبناء، أو للزرع، أو حظيرة للغنمِ أو للخشب، أو غيرها. نص عليها. والمراد بالحائط المنيع أن يمنع ما وراءه. ولا يعتبر مع ذلك تَسْقِيفٌ.
стр. 458
(أو إجراء ماءٍ) بأن يسوق إليها ماءً من بئرٍ أو نهرٍ (لا تُزْرَعُ إلا به) أي بالماء المسوق إليها، أو مَنْع ماءٍ لا تزرع معه، (أو غَرْس شَجَرٍ) في الأرض الموات، كما لو كانت لا تَصْلُحُ للغراسِ، لكثرةِ أحجارها، أو نحوها فينقّيها ويغرسها، (أو حَفْر بئرٍ) أو نهرٍ (فيها).
(فإن تحجّر مواتاً، بأن أدار حولَهُ أحجاراً،) أو تُرَاباً، أو شوكاً، أو حائطاً غيرَ منيع، (أو حَفَرَ بئراً لم يَصِلْ ماءَها (١)، أو سقى (٢) شجراً مباحاً كزيتونٍ، ونحوِهِ، أو أصلحه ولم يُرَكِّبْهُ) (٣) كما لو حَرَثَ الأرْضَ، أو خَنْدقَ حولَها، أو أقْطَعَهُ له الإِمامُ ليُحيِيَهُ فلم يُحْيِه، (لم يملكه) بذلك، لأنّ الملك إنما يكونُ بالإِحياء، ولم يوجد، (لكنه أحقُّ به من غيرِهِ. و) كذا (وارثُهُ بعده) يعني أنه يكون أحقّ به من غيره.
(فإن أعطاهُ) أي المحيي المحيا (لأحدٍ) غيرِهِ (كان له) أي إذا نَزَلَ شخصٌ عن أرضٍ خراجيةٍ (٤) لآخَرَ فيكونُ المنزولُ له أحقّ بها وَوَرَثَتُهُ من بعده، وليس للِإمام أخذُها منه.
وكذا النزولُ عن الوظائِفِ (٥) إذا كان المنزولُ له أهلاً.
(ومن سَبَقَ إلى مباحٍ) فأخذه (فهو له، كصيدٍ، وعَنْبَرٍ، ولؤلؤٍ،
стр. 459
ومرجانٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ) ومِسْكٍ وعَسَلِ نحلٍ، وطَرْفَاءٍ، وقَصَبٍ، وغير ذلك من النبات (ومَنْبُوذٍ رَغْبَةً عنه) كعظْم به شيءٌ من لحم رُغِبَ عنه، ونثَارٍ في عرس، ونحوه، وما يتركه الحصَّادُ من الزرع.
(والمِلْكُ مقصورٌ فيه على القدْرِ المأخوذ) فلا يملِك ما لا يحوزه، ولا يمنَعُ غيرَهُ منه.
وإن سبق إليه اثنان قُسِمَ بينهما.
стр. 460
باب الجُعَالَة
بتثليث الجيم.
(وهي الجعالةُ شرعاً (جَعْلُ) أي تسميةُ (مالٍ معلومٍ) إن كان من مالِ مسلمٍ لا إن كان من مال حربيٍّ، فإنه لا يشترطَ فيه العلم، (لمن) متعلقٌ بجعلٍ (يَعْمَلُ له) أي للجاعل (عملاً مباحاً، ولو) كان العملُ (مجهولاً) كمن خاط لي ثوباً فله كذا، أو مدة ولو مجهولة (١) (كقوله: من ردَّ لُقَطَتي، أو: بني لي هذا الحائط، أو: أذَنَ بهذا المسجد، شهراً (٢)، فله كذا) أو: من فَعَله ممن لي عليهم الدينُ، فهو بريء من كذا؛ (فمن فعل العَمَل) المجعولَ عليه الجُعْلُ (بعد أن بَلَغَهُ الجعل استحقَّه كله) لأن العقد استقرَّ بتمام العملِ، فاستَحَقَّ ما جُعِلَ، له كالربح في المضاربة.
(وإن بَلَغَهُ) الجَعْلُ (في أثناءِ العمل استحق حِصَّة تَمَامهِ) أي إن أتمه بنيّةِ الجُعْل فإنه يستحق من الجعل بقِسْطِ ما بقي من العمل فقط، لأن عَمَلَهُ قبل بلوغِهِ الجعلُ وقع غير مأذونٍ فيهِ، فلم يستحقّ عنه عِوَضاً، لأنه بَذَلَ منافعه متبرعاً.
стр. 461
(و) إن بَلَغَهُ الجَعْلُ (بعد فرِاغ العمل لم يستحقّ) العاملُ (شيئاً).
(وإن فَسَخَ الجاعلُ) بعد شروعِ عاملٍ في العملِ، (قبل تمامِ العمل، لَزِمَهُ) أي الجاعل (أجرةُ المِثْلِ)، لأنَّه عَمِلَ بعوضٍ، فلم يسلّمْ له، فكان له أجرة مثله.
وعُلِمَ مما تقدّم أنه إذا عمل شيئاً بعد الفسخ أنه لا أُجرة له، لأنه عملٌ غير مأذونٍ فيه. (وإن فَسَخَ العامِلُ) قبل تمام العمل (فلا شيءَ له،) لأنه أسقط حقّ نفسِهِ، حيثُ لم يأتِ بما شُرِطَ عليه، كعاملِ المضاربة.
(ومَنْ عَمِلَ) مِنْ مُعِدٍّ لآخذ الأجرةِ، كالملاّح والمُكارِي والحجّام والقصّار والخيّاط والدلاّل والكيّال والوزّان (لغيرِهِ عملاً) مما ذُكِرَ ونحوِهِ (بإذنه) أي بإذن ربه (من غير) تقديرِ (أجرةٍ أو جُعَالَةٍ فله) أي العامل (أجرةُ المثل،) لدلالة العُرْفِ على ذلك.
(و) من عمل لغيره عملاً (بغيرِ إذنه فلا شيءَ له) لأنه بَذَلَ منفعته من غير عِوَضٍ، فلم يستحقه، ولئلا يلزم الإِنسانَ ما لم يلتزمْهُ ولم تطبْ نفسه به، (إلاَّ في مسألتين):
(إحداهما: أن يُخَلِّصَ متاعَ غيرِهِ) ولو قناً (من مَهْلَكَةِ) بحرٍ أو فلاةٍ يُظَنُ هلاكُه في تركِهِ، (فله أجرةُ مثله).
(الثانية: أن يردّ رقيقاً آبقاً) من قنٍّ، أو مدبرٍ، أو أمِّ وَلَدٍ إن لم يكن الرادُّ الإِمام، (لسيّدِهِ، فله ما قدّرَهُ الشارع) في ردّه، (وهو) أي ما قدره له الشارع (دينارٌ أو اثنا عَشَرَ درهماً) سواء ردّه من داخل المِصْرِ، أو خارجِهِ، قربت المسافةُ أو بَعُدَتْ، وسواءٌ كان يساوي المقدارَ أوْ لا، وسواء كان الرادُّ زوجاً للرقيق، أو ذا رَحِمٍ.
وإن مات السيّد قبل وصولِ المدبّر وأمّ الولد عَتَقَا، ولا شيءَ لرادِّهِمَا.
стр. 462
باب اللُقَطَة
وهي مال أو مختصٌّ، كخمرة الخلاّل، ضائعٌ أو ما في معناه، كالمتروكِ قصداً، كالمالِ المدفونِ لغير حربيٌّ.
ومن أُخِذَ متاعهُ وتُرِكَ بَدَله فلقطة.
(وهي) أي اللقطة (ثلاثة أقسامٍ): قسم يجوز التقاطه وُيمْلَكُ به، وقسْم لا يجوزُ التقاطه، ولا يُمْلَك بتعريفه، وقسم يجوز التقاطه، ويُمْلَكُ بتعريفه.
(أحدها: ما لا تَتْبَعُه هِمَّةُ أوساطِ الناسِ) يعني ما لا يَهُمُّونَ في طلبه. قال في القاموس: والهِمَّة، بالكسر وتُفْتَح، ما همّ به من أمرٍ ليُفْعَل. انتهى. وذلك (كسوطٍ) وهو الذي يُضْرَبُ به، وفي شرح المهذّب: هو فوقَ القضيبِ ودونَ العَصَا. (ورغيفٍ) وتمرة، وكلَّ ما لا خَطَرَ له، كخرقةٍ وحبلٍ لا تتبعه الهمَّة، (ونحوهما) كشِسْعٍ (١)، (فهذا يُمْلَكُ بالالتقاط) ويباحُ الانتفاعُ به، لما رَوَى جابرٌ قال: "رخص النبيّ ﷺ في العَصَا والسَّوطِ والحَبْلِ يلتَقِطُهُ الرجل ينتفع به." (٢) رواه أبو داود.
стр. 463
(ولا يلزم تعريفه).
(لكن إن وَجَدَ ربَّه) الذي سقط منه (دَفَعَهُ) له وجوباً (إن كان) ما التقطه (باقياً، وإلا) بأن تلف (لم يلزَمْهُ) أي الملتقطَ (شيءٌ).
(ومن ترك دابَّته تَرْكَ إياسٍ بمَهْلَكَةٍ أو فلاةٍ لانقطاعها) بعجْزِها عن المشي، (أو بعجزِهِ) أي مالكها (عن عَلْفِهَا) بأن لم يجد ما يعلِفُها، فترَكَها (ملكها آخذُها) قال في "المغني": ومن تَرَكَ دابَّةً بمهلكةٍ فأخَذَها إنسانٌ فأطعمها وسقاها وخلّصها مَلَكَها، وبه قال الليْثُ والحسنُ بن صالحٍ وإسحاق، إلاَّ أن يكون تَرَكَها ليرجِعَ إليها، وضلَّت عنه. (وكذا) أي وكالقول فيما تقدم من كون آخِذِه يملكُه بأَخذه يقال فيـ (ـما يلقى في البحر) من سفينةٍ (خوفاً من الغرق) أي من أجل ذلك، لأن هذا مالٌ ألقاه صاحبه، فيما يتلَفُ بتركِهِ فيه اختياراً منه، فَمَلَكَهُ من أخَذَهُ، كالذي ألقاه رغبةً عنه.
والقسم (الثاني)، من أقسام اللقطة، وهو الذي لا يجوز التقاطُهُ، ولا يُملك بتعريفِهِ (الضوالّ التي تمتنع عن صغارِ السباع) كالأسَد الصّغير، والذئبِ وابن آوى: وامتناعُها إما لكِبَرِ جُثَّتها (كالإبل والبَقَر، والخيل، والبغالِ، والحمير الأهلية (١)، و) إما لسرعةِ عَدْوِها أي ركضها (كالظباء،) وإما لطيرانها كالطير، وإما بِنَابِها كفهد. (فـ) غير الآبق (٢) (يحرم التقاطها) لقول النبي ﷺ لما سئل عن ضالة الإِبل: "مالَكَ وَلَها؟ دَعْها، فإنَّ معَها حذاءها" أي أخفافَهَا "وسقاءَهَا" أي فمها "تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجَرَ، حتّى يَجِدَها رَبها" (٣).
стр. 464
(وتُضْمَنُ، كالغصب،) ولو كان الملتقطُ لها الإِمامُ أو نائِبُهُ إذا أخذَها على سبيلِ الالتقاط، لا على سبيل الحفظ. (ولا يزول الضَّمانُ) أي ضمان ما حَرُمَ التقاطه، عن آخِذِهِ (إلا بدفعها للِإمام أو نائبِهِ) لأن للِإمام النَّظَرَ في ضوالِّ الناس، فيقومُ مقامَ المالِكِ، (أو يردَّها) أي اللقطةَ المذكورة (إلى مكانها بإذنه) أي الإِمام أو نائِبِهِ.
(ومن كَتَم شيئاً منها) أي مما لا يجوز التقاطه، عن ربِّه، ثم أقرَّ بِهِ (أو قامت به بينة، فتلف، لزمه قيمتُهُ) أي المتلقطَ الذي لا يجوز التقاطه (مَرتَيْنِ) لربَهِ. قال في المحرر: ومن التقطَهُ وكَتَمَهُ حتى تلف، ضمنه بقيمته مَرَّتَيْنِ.
(وإن تَبعَ شيءٌ منها) أي من الضوالَّ المذكورة (دوابَّهُ فَطَرَدهُ) فلا ضمانَ عليه، (أو دَخَلَ) شيءٌ (منها دارَهُ فأخرج، لم يضمنه حيث لم يأخذه) ولم تَثْبُتْ يَدُهُ عليه.
القسم (الثالث) من أقسام اللَّقطة، وهو ما يجوز التقاطُهُ ويملك بتعريفِه المعتبر شرعاً (كالذَّهَبِ والفضَّةِ والمتاعِ) كالثِّيابِ والفُرُشِ والأواني وآلاتِ الحِرَفِ ونحوِهَا (وما لا يمتنع من صغارِ السِّباع كالغَنَمِ والفُصْلانِ) بضمّ الفاء وكسرها، جمع فَصِيلٍ، وهو ولد الناقةِ إذا فُصِلَ عن أُمهِ (والعجاجيل) جمع عِجْلٍ (١)، وهوَ وَلَدُ البقرة (والإِوَزّ والدجاج) والخشبةِ الصغيرة، وقطعة الحديد، والنحاس، والرصاص، والزّقِّ من الدُّهن أو العَسَل، والغِرَارَة من الحبّ (٢) أو الورق، أو الكتُبُ، وما جرى مجرى ذلك، والمريضِ من الإِبل ونحوها كالصغير (فهذه يجوز التقاطُها
стр. 465
لمن وَثقَ من نفسِهِ الأمانَةَ والقُدْرَةَ على تعريفها) ولا فرق في ذلك بين الإِمام وغيره.
(والأفضلُ) للِإنسانِ (مَعَ ذلك) أي مع الأمانة والقدرة على تعريفها (تركُها) ولو وجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ، لأن في الالتقاط تعريضاً لِنفسِهِ لأكل الحرام، وتضييعِ الواجبِ من تعريفِها وأداءِ الأمانة فيها، فكان تركُ ذلكَ أولى وأَسْلَمَ، كوِلَايَةِ مالِ اليتيم (١).
(فإن أخذها) أي اللقطةَ الملتقِطُ (ثم ردّها إلى موضِعِها) فتلفتْ (ضَمِنَ) فرط أو لم يفرّط، إلا أن يكون ردها إلى موضِعِها بإذن الإِمام أو نائِبِه، فلا يضمنها.
فصل
(وهذا القسم الأخيرُ) من أقسامِ اللَّقَطَةِ المتقدمِ ذكرُها (ثلاثةُ أنواعٍ): (أحدها: ما التقطه من حيوانٍ) مأكول كالفصيلِ والشاةِ والدجاجةِ، (فليزمه) أي الملتقطَ (خيرُ ثلاثة أمورٍ: أكلُهُ بقيمتِهِ) في الحالِ، والأصل في ذلك قوله ﷺ لما سُئِلَ عن الشاة فقال: "خذها فإنما هيَ لَكَ أو لأخيكَ أو للذَئب" فَجَعَلها له في الحال، لأنه سوّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها، ولأن في أكلِ الحيوان إغناءً من الإِنفاق عليه، وحِرَاسةً لماليّتِهِ على صاحِبِه، فإنه إذا جاء يأخذ قيمته بكمالها، (أو
стр. 466
بيعُهُ) أي الحيوان (وحفظُ ثمنه) ولو لم يأذن في ذلك الإِمام، لأنه إذا جاز أكلُهُ بغير إذنه فبيعُهُ أولى (أو حفظهُ وينفِقُ عليه) الملتقط (من مالِهِ) لما في ذلك من حفظِهِ على مالِكِهِ عيناً ومالاً.
فإن ترك الإِنفاقَ عليه حتى تلف ضمنه، لأنه مفرّط.
(وله) أي للملتقط (الرجوعُ) على مالِكِهِ إن وجده (بما أنفقَ إن نَوَاهُ) أي الرجوعُ، وإلاَّ فلا، (فإن استوتْ الأمورُ الثلاثة) في نظر الملتقط فلم يظهر له أن أَحَدَها أحظّ (خُير) بين الثلاثةِ لجوازِ كلٍّ منها، وعَدَمِ ظهورِ الأحظّ في أحدها.
(الثاني): ما التُقِطَ (مما يُخْشى فسادُهُ) بتبقيته، كالبطيخ والخضراوات ونحوِهَا. (فيلزمه) أي الملتقط (فعلُ الأصلح من بيعِهِ) بقيمَتِهِ وحفْظِ ثمنه من غير إذنِ حاكمٍ لأنه مال أبيح للملتقط أكله، فأُبيحَ له بيعُه. وعنه يبيعُ اليسيرَ كمالِهِ، ويرفَعُ الكثيرَ للحاكم، (أو أكلِهِ بقيمته) لأن في كل منهما حفظاً لماليته على مالكِهِ، ويحفَظُ صفاتِهِ في الصورتين، ليدفع لمن وَصَفَهُ ثمنه أو قيمتَهُ (أو تجفيفِ ما) أي شيء (يجَفَفُ) كالعنب والرُّطَبِ، لأن ذلك أمانةٌ بيده، وفعل الأحظِّ في الأمانة متعيّنٌ. وإن احتاجَ في تجفيفِهِ إلى غرامةٍ باعَ بعضَهُ في ذلك.
(فإن استوت الثلاثَةُ) في نظر الملتقط (خُيِّر) بينها فأيَّها فعل جاز له. وإن تَرَكَه حتى تلف ضمنه، لأنه فرّط في حفظ ما بيده أمانةً، كالوديعة. قال في "المغني": ويقتضي قول أصحابِنَا أن العُروضَ لا تُمْلَكُ بالتعريف أنّ هذا كلَّه لا يجوزُ له أكلُهُ، لكن يخير بين الصدقةِ بِهِ وبين بيعه.
(الثالث: باقي المال) أي ما عدا الضَّرْبَينِ المذكورين من المالِ، كالأثمانِ والمتاع ونحوها، (ويلزمه) أي الملتقط (التعريفُ في الجميع)
стр. 467
من حيوانٍ وغيره، سواءٌ أراد الملتقطُ تملّكها أو حفظَها لصاحبها (فوراً) لظاهر الأمر، إذ مقتضاهُ الفورُ، ولأن صاحبها يطلبها عَقِبَ ضياعِهَا، فإذا عُرِّفت إذًا كان أقربَ إلى وصولها إليه (نهاراً) لأن النهارَ مجمعُ الناس وملتقاهم، (أولَ كل يومٍ) قبل اشتغالِ الناس في معايِشِهِمْ، (مدَّةَ أسبوع) أي سبعةَ أيام، لأن الطلب فيه أكثر.
(ثم) يعرفها بعد الأسبوع (عادةً) أي بالنظر إلى عادةِ الناس في ذلكَ. (مدَّةَ حولٍ) كامل.
وأول الحول من الالتقاط.
(وتعريفها) أي صفته (بأن يناديَ عليها في الأسواق) عند اجتماع الناس (وأبوابِ المساجِدِ) أوقاتَ الصلواتِ، وكُرِهَ داخِلَها: (مَنْ ضاعَ منه شيء أو نفقة؟) قال في المحرر: ولا يَصِفُها، بل يقول: من ضاع منه شيء أو نفقة؟ وفي المغني: السادس (١) في كيفية التعريف: وهو أن يذكُرَ جنسَها لا غُير، فيقول: من ضاعَ منه ذهبٌ، أو فضةٌ، أو دنانيرُ، أو دراهم، أو ثيابٌ، ونحو ذلك. انتهى. لكن اتفقوا على أنه لا يصفها.
(وأجرة المنادي على الملتقط) نصّ عليه، لأنه سببٌ في العمل، فكانت أجرته عليه، كما لو اكترى شخصاً يقلع له مباحاً.
وإن أخّر التعريفَ عن حولِ التعريفِ أو بعضَه لغيرِ عذر أَثِمَ، ولم يملكها بالتعريف بعد الحول، كالتقاطِها بنيّةِ التملّك، أو لم يُرِدْ تعريفاً.
وليس خوفُهُ أن يأخُذَها سلطانٌ جائِرٌ أو يطالِبَهُ بأكثر عذراً في تركِ تعريفها حتى يملكها بدونه.
(فإذا عرّفها حولاً) كاملاً (ولم تعرف) فيه، وهي مما يجوز
стр. 468
التقاطه، (دخلتْ في ملكِهِ قهراً عليه) غنيًّا كان الملتقط أو فقيراً.
ولقطة الحرم كلُقَطَةِ الحلّ (١).
(فيتصرّف فيها بما شاء بشرط ضمانِها) لربِّها إذا جاء ووصفها.
فصل
(ويحرم تصرُّفه) أي الملتقط (فيها) أي في اللقطة بعد التعريف (حتى يَعْرِفَ وِعَاءَهَا) وهو كيسُها ونحوُه، كالخرقة التي تكون مشدودةً فيها، أو القِدْرِ أو الزّقِّ الذي يكون فيه المائع، واللُّفافةِ التي تكون فيها الثياب، (و) حتى يَعْرِفَ (وِكَاءَهَا) أي اللقطة (وهو ما يُشَدُّ به الوعاء أي الكيس أو الزقُّ ونحوُهما، هل هو سَيْرٌ أو خيط؟ وهل هو من إبريسَم أو كتّان؟ (و) حتى يعرِفَ (عِفَاصَها) بكسر العين المهملة (وهو صِفَةُ الشّدّ) هل هو عقدة أو عقدتانٍ وأُنشُوطَةٌ أو غيرها، والأُنشُوطة قال في القاموس: كأنْبُوبة، عقدةٌ يسهل انحلالها كعقدة التَّكَّة، انتهى، (و) حتى (يعرف قَدْرَها) بالعدّ والوزنِ أو الكيلِ بمعيارِها الشرعي (وجِنسَها وصفتها) التي تتميّز بها من الجنس، وهي نوعُها ولونُها، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد: "إعرِفْ عِفَاصَها وَوِكَاءها ثم كُلْها" رواه والترمذي (٢).
(ومتى وَصَفَها) أي اللقطة (طالِبُها) أي مدعي ضَيَاعِها، بصفتها التي أُمِرَ الملتقط أن يعرفَها (يوماً من الدَّهْر) في حول التعريفِ أو بعدَهُ
стр. 469
(لزم) الملتقِطَ (دفعُها) أي اللقطة (إليه، بنمائِهِا المتّصل، وأما) النماء (المنفصل بعد حولِ التعريفِ فـ) إنه يكون مِلكاً (لواجِدِها)، لأنه مَلَكَ اللقطة بانفصال الحول، فنماؤها إذن نماء ملكه.
(وإن تلفت) اللقطة (أو نقصت) أو ضاعت (في حول التعريف) بيد الملتقط (ولم يفرّط لم يضمن) لأنها أمانة بيده، فلم تُضمَن بغير تفريطٍ، كالوديعة.
(و) إن تلفت (بعد الحول) أي حول التعريف، فإنه (يَضمَنُ) الملتقطُ اللقطة (مطلقاً) أي سواءٌ فرّط أو لم يفرّط، لأنها دخلت في مِلْكِهِ، فكان تَلَفُها من ماله. قال في المغني: وتُمْلَكُ اللقطة ملكاً مُراعًى يزول بمجيء صاحبها، ويَضْمَنُ له بدلَها إن تعذّر ردّها.
(وإن أدركها ربُّها بعدَ الحولِ مبيعةً أو موهوبةً) بعد الحول والتعريف، وهي بيد من انتقلت إليه (لم يكنْ له) أي لربّها (إلا البَدَل) لأن تصرُّف الملتَقِطِ وَقَعَ صحيحاً لكونها صارت في ملكه.
(ومن وجد في حيوانٍ نقداً) كما لو اشترى إنسان شاةً، فذبحها، فوجد في بطنها دنانيرَ أو دراهم (أو درةً) (١) أو عَنْبَرةً (فلقطة لواجِدِهِ، يلزَمُهُ تعريفُهُ) ويُبْدَأ بالبائع، لاحتمال أن يكون ذلك من مالِهِ، فإن لم يُعرَفْ كان لواجده.
(ومن استيقظ من نومٍ أو إغماءٍ فوجَدَ في ثوبِهِ) أو كيسِهِ (مالاً) دراهمَ أو غيرَها (لا يدري مَنْ صَرَّهُ) له أو وضَعَهُ له (فهو له.)
ولا تعريف عليه لأن قرينة الحال تقتضي تمليكه له.
(ولا يبرأ من أَخَذَ من نائِمٍ شيئاً إلّا بتسليمِهِ له بعد انتباهِهِ.) قال
стр. 470
في الإِنصاف: وكذلك الساهي. انتهى. ووجه ذلك أن الأخذ في حالةٍ من هاتين الحالتين موجِبٌ لضمان المأخوذِ على آخذِهِ، لوجود التعدّي، لأنه إما سارقٌ أو غاصب، فلا يبرأ من عهدته إلاَّ بردِّه على مالِكِه في حالةٍ يصحّ قبضه له فيها. والله أعلم.
стр. 471
باب اللَّقيط
[اللقيط] فَعِيلٌ بمعنى المفعول، كقَتيلٍ وجَريحٍ وطَرِيحٍ.
(وهو) أي اللَّقيط شرعاً (طِفلٌ يوجدَ لا يعرف نَسَبُهُ، ولا) يُعْرَفُ (رقُه) طُرِحَ في شارِعٍ أو غيرِهِ، أو ضلّ ما بين ولادتِهِ إلى سنّ التمييز.
(والتقاطُهُ) أي اللقيط شرعاً (والإِنفاق عليهِ فَرْضُ كفاية) كإطعامِهِ إذا اضطُرَّ وإنجائِهِ من الغرق، فلو تَرَكَهُ جميعُ من رآه أَثِمَ الجميع. (وُيحْكَمُ بإسلامه وحُرِّيَتِهِ) إلا أن يوجد في بلد أهل الحرب، ولا مُسْلِمَ فيه، أو فيه مسلمٌ كتاجرٍ وأسيرٍ، فكافرٌ رقيق، لأن الدارَ لهم.
وإن كثر المسلمون فمسلمٌ، أو في بلد إسلامٍ كل أهله أهلُ ذمةٍ، فكافرٌ.
وإن كان بها مسلم يمكن كونه منه فمسلم.
(وُينْفَقُ عليه مما معه إن كان) معه شيء، لأن نفقته واجبة في مالِهِ.
وما وُجِدَ معه فهو له، لأن الطفل يَمْلِكُ، وله يَدٌ صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث، ويصحّ أن يشتريَ له وليُّه ويبيع من ماله.
(فإن لم يكن) معه شيء (فـ) نفقته (من بيت المال، فإن) لم يكن بيتُ مالٍ، أو (تعذَّر) الأخذ منه (اقتَرَضَ عليه) أي على بيتِ المالِ
стр. 472
(الحاكمُ) قاله الحارثي. نقله عنه في الإنصاف. قال في شرح المنتهى: ظاهره ولو مع وجودِ متبرِّعٍ بها، لأنه أمكن الإِنفاق عليه بدون منَّةٍ تلحَقُهُ في المستقبل. أشبه الأخذ لها من بيت المال.
(فإن تعذر) الاقتراض عليه (فعلى من علم بحالِهِ) الإِنفاق عليه لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ولأن في تركِ الإِنفاق عليه هلاكَهُ، وحفظُهُ من ذلك واجب، كإنقاذِهِ من الغرق.
ولا يرجعُ إذَنْ منفقٌ بما أَنفَقَ، لوجوبِهِ عليه. فهي فرضُ كفايةٍ.
(والأحقُّ بحضانتِهِ) أي اللَّقيط (واجدُهُ إن كان حرًّا) تامّ الحرية، لأن كلاً من القِنّ والمدبّر والمعلقِ عتقُهُ بِصَفَةٍ وأمِّ الولدِ منافِعُهُ مستحَقَّةٌ لسيّدهِ، فلا يُذْهِبُها في غيرِ نفعِهِ إلاَّ بإذنه. وكذلك المكاتَب. فإنه ليس له التبرّع بمالِهِ ولا بمنافِعِهِ إلا بإذنِ سيّده في ذلك. وكذلك المبعَّض، فإنه لا يتمكّن من استكمال الحضانة. (مكلفاً) لأنّ غيرَ المكلّف لا يلي أَمْرَ نفسِهِ، فلا يلي أمر غيره. (رشيداً) فلا يُقَرُّ في يد سفيهٍ. جَزَمَ به في الهداية والمهذّب والمستوعِب والتلخيص، وغيرهم. وفي المنتهى (أميناً عدلاً) لأن عمر ﵁ أقرّ اللقيط في يد أبي جميلة، حين قال له عَرِيفُهُ إنه رجلٌ صالِحٌ، ولأنه سَبَقَ إليه، فكان أولى به.
(ولو) لم يُعْلَمْ باطنُ حالِهِ كفى كونه عدلاً (ظاهراً) (١) لأن هذا حكمُهُ حكم العدل باطناً وظاهراً في لَقطة المال، والولاية، والنكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام، ولأن الأصل في المسلمين العدالة. ولذلك قال عمر ﵁: المسلمون عدول بعضهم على بعض.
стр. 473
فصل [في ميراث اللقيط]
(وميراثُ اللقيط وديته إن قُتِلَ لِبَيْتِ المال.) ومحلّ ذلك إن لم يكن له وارثٌ كغيرِ اللقيطِ، لأنه مسلم لا وارثَ له، فكان مالُه ودِيَتُه لبيت المال.
فإن كانت له زوجةٌ فلها الربع، والباقي لبيت المال. وإن كانت لقيطةٌ لها زوجٌ فله النصف، والباقي لبيت المال. وإن كان له بنتٌ أو ذو رحمٍ كبنت بنتٍ أو ابن بنتٍ أخَذَ جميعَ المالِ، لأن الردّ وذا الرحم مقدّم على بيت المال.
ويخيّر الإمامُ في عمدٍ بين أخذها والقِصَاصِ.
وإن قُطِعَ طَرَفُه عمداً انتُظِرَ بلوغُهُ ورُشْدُهُ، إلا أن يكون فقيراً فليزَمُ الإمامَ العفوُ على مالٍ ينفقُ عليهِ منه.
[ما يثبت به نسب اللقيط]
(وإن ادّعاه) أي ادعى أن اللقيطَ وَلَدُهُ (مَنْ) أي إنسان (يمكنُ كونُهُ) أي كون اللقيطِ (منه) أي المقرّ (من ذكرٍ أو أنثى، أُلحِقَ) أي اللقيطُ (بِهِ) أي بالمقرّ (ولو) كان اللقيطُ (ميتاً) لأن الإقرار بالنسب مصلحةٌ محضةٌ للقيط، لاتصالِ نسبِهِ، ولا مضرَّةَ على غيرِهِ فيه، فَقُبِلَ، كما لو أقَرَّ له بمال. وهذا بلا خلافٍ في المذهب، فيما إذا كان المِقرُّ رجلاً حراً مسلماً يمكِنُ كونُهُ منه. نص عليه أحمد في رواية جماعة.
(وثبت نسبُهُ) أي اللقيط بهذا الإِقرار (و) ثبت (إرثُهُ) أيضاً.
(وإن ادعاه) أي ادعى أن اللقيطَ ابن (اثنانِ) أي رجلانِ (فأكثر، معاً، قُدِّم) به (من له بينة) لأن البينة علامةٌ ظاهرةٌ واضحةٌ على إظهار الحقِّ لمن قامت له.
(فإن لم تكن) لواحدٍ منهم بينة أو أقَامَ كلٌّ واحدٍ منهم بيّنة بأنه
стр. 474
ولده (عُرِضَ) أي اللقيطِ مع كل مدّعٍ موجود، أو أقاربِهِ إن ماتَ، (على القَافَةِ).
والقَافَةُ قومٌ يعرفون الأنساب (١) بالشَّبَهِ. ولا يختص ذلك بقبيلةٍ معيّنةٍ، بل من عُرِفَتْ منه المَعْرِفَةُ بذلك، وتكرَّرَتْ منه الإصَابَةُ فهو قائف. قال في المغني: وقيل: أكثرُ ما يكونُ ذلك في بني مُدْلِجٍ رَهْطٍ مُجَزَّزٍ (بجيم وزايين).
(فإن ألحقته) القافَةُ بواحدٍ لحقه.
وإن ألحقته (بالجميعِ لَحِقَهُمْ) قال في المغني: هذا قولُ أنسٍ وعطاءٍ ويزيدَ بن عبد الملك والأوزاعي والليثِ والشافعي وأبي ثور.
(وإن ادَّعاه أكثرُ من واحدٍ وأشكلَ أمرُهُ) على القافة بأن قالوا: لم يظهرْ لنا شيءٌ أو قالوا: أشكَلَ علينا حالُهُ، أو نحو ذلك، بأن اختلف قائفان فيه أو اثنان أو ثلاثة (ضاعَ نَسَبُهُ) في هذه الصور كلها في الأصحّ، لأنه لا دليل، ولا مرجَّح لبعض من يدّعيه، أشْبَهَ من لم يُدَّعَ نسبه.
ويؤخذ باثنينِ خالفَهُما ثالثٌ، كبيطارَيْنِ وطبيبين خالفَهُمَا طبيبٌ في عيب.
(ويكفي) في ذلك (قائفٌ واحد) لأنه حَكَمٌ ويكفي في الحكم قولُ واحدٍ.
(وهو كالحاكم فيكفي مجرّد خَبَرِهِ (٢). ومتى حكَم الحاكمُ حُكماً لم يُنْقَضْ بمخالفة غيرِهِ له، وكذلك لو ألحقَتْهُ بواحدٍ، ثم عادت فألحقته بغيره (٣).
стр. 475
وإن أقام الآخرُ بيِّنَةً أنه ولده حُكِمَ له به، وسقط قول القائف، لأنه بدل، فيسقط بوجودِ الأصل، كالتيمم مع الماء، قاله في المغني. (بشرط كونِهِ) أي القائف (مكلَّفاً ذكَراً) لأن القِيافَةَ حُكْمٌ، مستندُها النظر والاستدلال، فاعتُبرت الذكررة فيه، كالقضاء (١) (عَدْلاً) لأن الفاسق لا يقبل قولُه.
وعُلِمَ من اشتراطِ عدالتِهِ اشتراطُ إسلامه، لأن العدل لا يكون إلاَّ مسلماً. (حرًّا) قال في المغني: لأن قوله حُكْمٌ، والحكم تعتبر له هذه الشروط. انتهى (مجرّباً في الإِصابة) لأنه أمرٌ عِلْمِيٌّ فلا بدّ من العلم بعلمه له، وذلك لا يُعرَف بغير التجربة له فيه.
قال القاضي في كيفيّة التجربة: هو أن يُتْرَكَ اللقيطُ مع عشرةٍ من الرجال غيرِ من يدَّعيه، فإن ألحقه بواحدٍ منهم سقط قولُه، لأنه تبَيَّن خطَؤُهُ، وإن لم يُلْحِقُهُ بواحدٍ منهم أريناه إيّاه مع عشرين، فيهم مدّعيه، فإن ألَحَقَهُ به لَحِقَهُ.
(تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أوله كتاب الوقف)
стр. 476
نَيْلُ المَآرِب
بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
للشَّيخِ عَبد القَادِرْ بْن عُمَر الشَّيْبَانِي
المشهُور بابْن أبى تغلب
عَلى مذهَب الإمَام المبجّل أحمَد بْن حنبَل ﵁
الجُزءُ الثَّانِي
حَقَّقَهُ
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر
مكتبة الفلاح
стр. 477
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
مكتبة الفلاح - الكويت
ص. ب ٤٨٤٨ - الكويت - شارع بيروت - عمارة الحساوي
مقابل بريد حولي - تليفون ٥٤٧٧٨٤
стр. 478
نَيْلُ المَآرِب
بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
стр. 479
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 480
كتَاب الوَقف
وهو مصدر وَقَفَ الإِنسان الشيءَ يَقِفُهُ بمعنى حَبَسَهُ وأحْبَسَه، ولا يقال أوقفه إلا في لغة شاذة عكس أحْبَسَه (١).
وهو مما اختصّ به المسلمون. قال الشافعي: ولم تحبّس أهلُ الجاهلية.
ثم الوقف شرعاً تحبيس مالكٍ مطلقِ التصرف مالَهُ المنتَفَعَ به، مع بقاءِ عينه، بقطع تصرفِهِ وغيرِه في رقبته بنوعٍ من أنواع التصرفات، تحبيساً يصرفُ رَيْعَه إلى جهةِ بِرٍّ، تقرباً إلى الله (٢).
و (يحصل) الوقف حكماً (بأحد أمرين):
الأول: (بالفعل، مع دليلٍ يدل عليه) أي على الوقف عرفاً، كما يحصل ذلك بالقول لاشتراكِهِما في الدلالة عليه، في أصح الروايتين، (كأن يبني) إنسانٌ (بنياناً على هيئة المسجد، ويأذَن إذناً عامًّا) أي لمن
стр. 481
شاءَ الصلاةَ فيه من المسلمين، (بالصلاةِ فيه) حتى لو كان المكانُ المأذونُ في الصلاة فيه أسفَلَ بيتِهِ، أو عُلْوَهُ أو وسطه، فإنه يصح وإن لم يذكر استطراقاً، ويَسْتَطْرِقُ، (أو يجعلَ أرضَهُ) مهيَّأة لأن تكونَ (مقبَرَةً ويأذنَ إذناً عامًّا بالدفنِ فيها،) لأنَّ الإذنَ الخاصَّ قد يقعُ على غيرِ الموقوفِ، فلا يفيدُ دلالةَ الوقفِ. قاله الحارثي.
(و) الثاني: (بالقول) روايةً واحدة.
والإشارةُ المفهمِةُ من الأخرس كالقول.
(وله) أي للوقف باللفظ (صريحٌ وكناية).
(فصريحُهُ) ثلاثةُ ألفاظٍ (١) (وقفتُ وحبستُ وسبَّلْتُ.)
فمن أتى بكلمةٍ من هذه الكلمات صحّ بها الوقفُ، لعدم احتمالِ غيرِهِ، بعُرْفِ الاستعمالِ المنضمِّ إليه عُرْفُ الشرع، لأن النبي ﷺ قال: "إن شئت حبَّسْتَ أصْلَها وسبَّلْتَ ثَمَرَتها" (٢) فصارت هذه الألفاظُ في الوقفِ صريحةً فيه، كلفظ التطليق في الطلاق.
(وكنايَتُهُ) أي الوقف، ثلاثة ألفاظٍ: (تصدّقْتُ، وحرَّمْتُ، وأبَّدْتُ.)
وإنما كانت هذه الألفاظُ كنايةً، لعدم خَلَاصِ كلّ لفظٍ منها عن اشتراكٍ، فإن الصدقة تُسْتَعْمَلُ في الزكاة، وهي ظاهرةٌ في صدقة
стр. 482
التطوعِ، والتحريم صريحٌ في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره. (فلا بد فيها) أي الكناية (من نيّة الوقف) فمتى أتى مالِكٌ بأحد هذه الكناياتِ الثلاثِ، واعترفَ أنه نوى بها الوقْفَ، لزم في الحكم، لأنها بالنيّة صارتْ ظاهرة فيه.
وإن قال: ما أردتُ بها الوقف، قُبِلَ قوله، لأنه أعلم بما في ضميرِهِ، لعدم الاطلاع على ما في الضمائر (ما لم يقل) الواقف بلفظٍ من ألفاظ الكناية بلا نيّةٍ، تصدَّقْتُ بداري (على قبيلة كذا أو) على (طائفة كذا)، أو يقرِنِ الكنايةَ بأحدِ الألفاظِ الخمسةِ: كتصدّقْتُ. صدقةً موقوفةً، أو تصدقت صدقَةً محبَّسَةً، أو تصدقت صدقة مسبّلةً، أو تصدقت صدقةً محرَّمةً، أو تصدقتُ صدقةً مؤبّدةً. أو قرنَ الكنايَةَ بحكمِ الوقفْ، كألّا تُباعَ، أو لا توهبَ، أو لا تورثَ، لأنّ ذلك كله لا يُستَعْمَل في سوى الوقف، فانتفت الشركة.
فصل [في شروط صحة الوقف]
(وشروط الوقف) المعتبرةُ له (سبعة):
(أحدها: كونُه) أي الواقف (من مالكٍ) فلا يصحّ أن يقف الإِنسان ملك غيره بغيرِ إذنِهِ، (جائزِ التصرُّفِ) فلا يصحّ من محجورٍ عليه، ولا من مجنون، (أو من يقوم مقامَهُ) أي مقامَ جائِزِ التصرّف كوكيله فيه.
(الثاني) من شروط صحة الوقف: (كونُ الموقوفِ عيناً يصح بيعُها) فلا يصحُّ وقفُ أمِّ ولدٍ، وكلبٍ، ومرهونٍ. (وُينتَفَعُ بها) ما يعد انتفاعاً مباحاً، مع بقاء عينِها، فلا يصحّ وقفُ مطعومٍ ومشروبٍ غيرِ الماءِ، ولا
стр. 483
وقفُ دهنٍ وشمعٍ) لشعل (وأثمانٍ (١) وقناديلِ نقدٍ (٢) على المساجِدِ ولا على غيرها) قال في الإِقناع: ولو وقف قنديلَ نقدٍ على مسجدٍ أو نحوِهِ لم يصحّ وقفُه، وهو باق على ملك صاحبِهِ، فيزكّيه.
ولو تصدق بدهنٍ على مسجدٍ ليوقَدَ فيه جاز، وهو من باب الوقف. قاله الشيخ.
(الثالث) من شروط صحة الوقف: (كونُهُ على جهة بِرٍّ) وهو اسم جامعٌ للخير، وأصلُه طاعةُ الله تعالى. والمراد اشتراطُ معنَى القُرْبة في الصَّرْفِ إلى الموقوفِ عليه، لأن الوقف قُرْبَةٌ وصدقة، فلا بد من وجودِهَا فيما لأجله الوقف، إذ هو المقصود (وقربةٍ كالمساكين، والمساجد، والقناطر، والأقارب،) لأنه شُرِعَ لتحصيلِ الثَّواب، فإذا لم يكن على برٍّ لم يحصل (٣) المقصود الذي شُرِع من أجله، َ (فلا يصحُّ) الوقف (على الكنائِسِ) جمع كنيسةٍ. قال في القاموس: الكنيسة معبد اليهودِ أو النصارى أو الكُفَّار. انتهى، (ولا على اليهودِ والنصارى، ولا) يصح الوقف أيضاً (على جنسِ الأغنياءِ أو الفسّاق) أو قطّاع الطريق، ولا على التنوير على القبرِ، وتبخيرِهِ، ولا على من يقيم عنده أو يخدمه، أو يزوره. قاله في الرعاية.
(أما لو وقفَ على ذمّيٍّ) معيّنٍ (أو فاسقٍ) معينٍ (أو غنيّ معيّن صحّ).
وإن وقَف على غيره واستثنى غلّته، أو بعضَها، له أو لولده، أو الأكلَ منه، أو الانتفاعَ لنفسه أو لأهله، أو أنه يطعم صديقَهُ مدّةَ حياتِهِ أو مدةً معينةً صح.
стр. 484
(الرابع) من شروط صحة الوقف: (كونه على معيّن) من جهة أو شخص (غَيْرَ نفسِه) عند الأكثر، وينصرف إلى من بَعْدَهُ في الحال. وعنه: يصح. قال المنقّح في التنقيح: اختاره جماعة، وعليه العملُ. وهو أظهر، (يصحّ أن يَمْلِكَ فلا يصح الوقفُ على) شيءٍ (مجهولٍ، كرجلٍ،) لصدقه على كل رجلٍ (ومسجدٍ) لصدقه على كل مسجد. قال في الإِنصاف عن كون الوقفِ لا يصح (١) على رجل ومسجد: بلا نزاع. انتهى (أو على) مبهمٍ، كقوله: وقفت داري على (أحد هذين) الرجلين، أو على أحد ابنيّ هذين، أو على أحدِ هذين المسجدين، أو على إحدى هاتين القبيلتين، لتردده، كما لو قال: بعتك أحدَ هذين الثوبينِ، أو وهبتك أحدَهما.
(ولا يصحّ) الوقف (على نفسه، ولا) يصحّ الوقف (على من لا يملك، كالرقيق)، وأم الولد، (ولو) كان الرقيق (مكاتباً).
(ولا) يصحُّ الوقف على (الملائكة، والجن، والبهائم، والأموات).
(ولا) يصح الوقف (على الحمل استقلالاً بل) يصح الوقفُ عليه (تبعاً.)
فإن قيل: قد جوّزتُم الوقفَ على المساجد والسقاياتِ وأشباهِها، وهي لا تملِكُ؟ قلنا: الوقفُ هناك على المسلمين، إلاَّ أنه عُيِّن في نفعٍ خاص لهم.
(الخامس) من شروط صحة الوقف: (كونُ الوقفِ منجزاً) أي غير معلقٍ أو مؤقّتٍ أو مشروطٍ فيه الخيارُ أو نحوه، كأن يبيعَهُ أو يَهَبَهُ أو يحوِّلَهُ عن جِهَتِهِ متى شاء، (فلا يصح تعليقُه) على شرطِ الخيارِ، سواء
стр. 485
كان التعليقُ لابتدائِهِ، كقوله: إذا قدمَ زيدٌ، أو وُلِدَ لي ولد، أو جاءَ رمضانُ، فداري وقف على كذا؛ أو كان التعليقُ لانتهائِهِ، كقوله: داري وقفٌ على كذا إلى أن يحضرَ زيدٌ، أو يولَدَ لي ولد، أو نحو ذلك، (إلاَّ) إن علّق الوقفَ (بموتهِ) بأن قال: هو وقفٌ بعد موتي، فإنه يصحّ، (فيلزم) الوقف (من حين الوقفيّة) أي من حين قوله: هو وقفٌ بعد موتي (إن خَرَج من الثُّلث) أي ثلثِ مالِ الواقفِ، لأنه في حكم الوصيّة. فإن خَرَجَ من الثلث لم يكن لأحدٍ من الورثةِ، ولا من غيرهم، رد شيءٍ منه. وإن زاد على الثُّلُثِ لزم الوقفُ منة في قدرِ الثُّلُثِ، ووُقِفَ الزائِدُ على إجازة الورثة.
(السادس) من شروط صحة الوقف: (أن لا يشرُط فيه)، أي الوقف، (ما) أي شيءٍ (ينافيه) أي الوقف، (كقوله)، أي الواقف: (وقفتُ على كذا) أي هذا الجملَ مثلاً (على أن أبيعَه، أو) على أن (أهَبَهُ متى شئتُ، أو) قال: وقفت هذا الجملَ (بشرطِ الخيارِ لي) مدةً معلومةً أو مجهولةً، (أو) قال: وقفتُ هذا الكرمَ على المساكينِ (بشرطِ أن أحوِّلَهُ) أي الوقف (من جهةٍ إلى جهة) كمِنْ جهةِ المساكينِ إلى جهَةِ أبناءِ السبيل.
(السابع) من شروط صحة الوقف: (أن يقفه على التأبيد، فلا يصحّ: وقفتُهُ شهراً) أو يوماً، أو سنةً (أو إلى سنةٍ أو نحوها) كإلي شهر.
(ولا يُشترط) لصحةِ الوقفِ (تعيينُ الجهةِ) الموقوفِ عليها، (فلو قال: وقفتُ كذا) كداري أو بستاني، (وسكتَ،) ولم يعيّن جهةً (صحّ) الوقفُ (وكانَ) الموقوفُ (لورثَتِهِ) أي الواقف (من النسبِ) يقتسمونه (على قدرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ) ويقعُ الحجْبُ بينهم، كالميراث (١).
стр. 486
فصل
(ويلزم الوقفَ بمجرّدِهِ) أي بمجرّد اللفظ، كالعتق.
ولا يُشتَرط للزومِهِ إخراجُه عن يد الواقفِ، ولا فيما على شخصٍ معينٍ قَبَولُه للوقفِ.
ولا يَبْطُلَ بردّه.
(ويملكه) أي يملك غلَّتَهُ (الموقوفُ عليهِ) بمجرد الوقفِ. (فَيَنظُرُ فيهِ هو) أي الموقوفُ عليه إن كان أهلاً للنظر (أو وليُّه) إن كان الموقوفُ عليه صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً (ما لم يشرُط الواقف ناظراً، فيتعيّن) الناظر الذي عيّنه الواقف.
(ويتعيّن صرفه) أي الوقف (إلى الجهةِ التي وُقِفَ عليها في الحال) فلو سبّل ماءً للشُّرب لم يَجُزِ الوضوءُ به. قال الشيخ تقي الدين: يصح تغييرُ شرطِ الواقفِ إلى ما هو أصلَحُ منه، وإن اختلفَ باختلافِ الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاءِ والصوفيةِ، واحتاجَ الناسُ إلى الجهاد، يُصْرَفُ للجند. انتهى. (ما لم يستثنِ الواقفُ منفعتَه) أي منفعة ما وقفه (أو غلَّتهُ له أو لولده) أي ولد الواقف، أو لأهلِهِ (أو لصديقِهِ مدةَ حياتِهِ، أو مدةً معلومةٍ، فيعُمَل بذلك.) فلو مات من استثنى نفعَ ما وقَفَهُ مدة معيّنةً في أثنائها، فلورثتِهِ. ويصحّ إجارة المدةِ المستثنى نفعُها من الموقوفِ عليه وغيرِه.
(وحيثُ انقطعتِ الجهةُ والواقفُ حيٌّ بأن وقَفَ على أولادهِ وأولادِ زيدٍ فقط، فانقرضوا في حياته، (رَجَعَ) الوقفُ (إليه) أي إلى الواقِفِ (وَقْفاً) عليه. قال ابن الزاغوني في الواضح: الخلافُ في الرجوع إلى الأقارب، أو إلى بيتِ المال، أو إلى المساكين، مختصٌّ بما إذا مات الواقفُ، أمّا إن كان حيًّا، فانقطعت الجهة، فهل يعود الوقْفُ إلى مِلكِهِ،
стр. 487
أو إلى عصبتِهِ؟ فيه روايتان. انتهى وجزم في المنتهى والإِقناع بما في المتن.
(ومن وقَفَ على الفقراءِ فافتقَرَ، تناوَل منه.) قال في شرح المنتهى: والمراد بقوله: تناوَلَ منه. جوازُ التناوُلِ منه، لا تعيُّنُهُ. ووجهُ ذلك وجودُ الوصفِ الذي هو الفقر فيه.
(ولا يصح عتقُ الرقيق الموقوفِ بحالٍ) لأنه تعلَّقَ به حقّ من يؤولُ الوقفُ إليه، ولأن الوقفَ عِقدٌ لازمٌ لا يمكن إبطاله، وفي القولِ بنفوذِ عتقِهِ إبطالٌ له.
وإن كان بعضُهُ غيرَ موقوفٍ، فأعتقَه مالِكهُ صح فيه، ولم يَسْرِ إلى الموقوفِ، لأنه إذا لم يعتق بالمباشرة، فعدَمُ عتقِهِ بالسرايةِ من باب أولى.
(لكن لو وَطِئَ الأمَةَ الموقوفةَ عليه حَرُمَ) لأن ملكه لها ناقص، ولا يُؤْمَنُ حَبَلُها فتنقص، أو تتلف، أو تخرجُ من الوقف بأن تصير أمّ ولد.
(فإن حملت) منه (صارت أمّ ولد) له (تعتُقُ بموتهِ،) وولدُه حرٌّ، للشبهة، وعليه قيمته تُصْرَفُ في مثلِهِ لأنها بدل عن الوقف. (وتجب قيمتُها في تركتِهِ) لأنه أتلَفَها على من بعده من البطون (يُشترى بها) أي بقيمتها الواجبة باستيلادِهَا، وبقيمةٍ وجَبَتْ بتلفها أو بعضها، (مثلُها) يكون وقفاً مكانَها، أو شقصُ أمةٍ يصير وقفاً بالشراء.
فصل [في مصرف الوقف]
(وُيرْجَعُ) بالبناء للمفعول (في مصرِفِ الوقْفِ) عند التنازُعِ في
стр. 488
شيء من أمره (إلى شرطِ الواقف) كقوله: شرطْتُ لزيدٍ كذا، ولعمرٍو كذا، لأن عُمَرَ ﵁ شَرَط في وقْفِهِ شروطاً (١)، ولو لم يجِب اتباعُ شَرْطِهِ لم يكن في اشتراطِهِ فائدة، ولأن الزبير وَقَفَ على وَلَدِهِ، وجَعَل للمردودةِ من بنأتِهِ أن تسكن، غير مُضِرَّةٍ ولا مُضرًّا بها، فإذا استغنتْ بزوجٍ فلا حقّ لها فيه (٢). ولأن الوقفَ متلقًّى من جهته، فاتُّبِعَ شرطُه. ونصُّه كنصّ الشارع.
(فإن جُهِل) شرط الواقفِ كما لو قامت بيّنة بالوقفِ دون شَرطِه (عُمِلَ بالعادةِ الجاريةِ) المستمرّة إن كانت.
(فإن لم تكن) عادةٌ جارية (فبالعُرْفِ) المستمرّ في الوقف، في مقادير الصَّرْف، كفقهاء المدارس لأن الغالب وقوعُ الشرط على وَقْفِهِ.
(فإن لم يكنِ) عرف (فالتساوي بين المستحقّين،) لأن التشريك ثابتٌ، والتفضيلُ لم يثبت.
فإن لم تُعرف أربابُ الوقفِ جُعِل كوقفٍ مطلقٍ لم يذكر مصرِفُه. ذكره في التلخيصِ.
(وُيرجَعُ إلى شرطِه) أي الواقف (في الترتيب بين البطون) كجعل استحقاقِ بطنٍ مرتَّباً على الآخر كأن يقفَ على أولاده ثم أولادِهم، (أو الاشتراك) كأن يقف على أولاده وأولادهم.
(و) يُرْجَعُ إلى شرطه (في إيجارِ الوقفِ وعدمه،) أي عدم الإِيجار، (وفي قدر مدة الإِيجارِ، فلا يزادُ) في الإِجارة (على ما قدّر) الواقف، فإذا شرط أن لا يؤجر أكثر من سنةٍ لم تَجُزِ الزيادة عليها، لكن عند الضرورة يُزَادُ بحسبها.
стр. 489
(ونصُّ الواقف كنص الشارع، يجبُ العملُ بجميعِ ما شَرَطَه ما لم يُفْضِ) العمل بشرطِهِ (إلى الإِخلال بالمقصود) الشرعي، (فَيُعْمَل به) أي بشرطِهِ (فيما إذا شَرَط أن لا ينزلَ في الوقفِ فاسقٌ) ولا مبتدعٌ، (ولا شرّيرٌ). قال الشيخ: الجهاتُ الدينيّة مثل الخوانك (١) والمدارِسِ وغيرها لا يجوز أن ينزل فيها فاسقٌ، سواء كان فسقُهُ بظلمِهِ الخلقَ وتعدّيه عليهم، بقولهِ وفعلِهِ من نحو سبٍّ أو ضربٍ، أو كان فسقُهُ بتعدّيه حدودَ الله تعالى، يعني ولو لم يَشرطه الواقفَ، وهو صحيح. قاله في الإِقناع وشرحه، (ولا ذو جاهٍ).
(وإن خصّصَ) الواقفُ (مقبرةً) أو رباطاً (أو مدرسةً: أو إمامتَها بأهل مذهبٍ، أو) بأهلِ (بلدٍ، أو) بأهل (٢) (قبيلةٍ، تخصّصتْ) بهم. قال في الإِنصاف: ولو خصص المدرسة بأهل مذهبٍ أو قبيلةٍ تخصصت. وكذلك الرّباط والخانْكَاهُ.
والمقبرة كذلك.
وهو المذهب. جَزَمَ به في التلخيص وغيره.
(لا المصلين بها) يعني لو خصص واقفُ المَدرسةِ المصلين بها بذي مذهبٍ، بأن قال: ليصليَ فيهِ الحنابلةُ أو الحنفية أو المالكيةُ أو الشافعيةُ فقَط، لم تختص بأهلِ ذلك المذهب على الصحيح.
(ولا) يُعْمَلُ بشرطه (إن شَرَط عدم استحقاق من ارتَكَبَ طريق الصلاح.) قال الشيخ: إذا اشتَرَطَ استحقاق رَيْعِ الوقف للعُزُوبَة فالمتأهِّل أحقًّ من المتعزِّب إذا استويا في سائر الصفات. وقال: إذا وقف على الفقراءِ فأقاربُ الواقِفِ الفقراءُ أحَقُّ من الفقراءِ الأجانب مع
стр. 490
التساوي في الحاجة، وإذا قُدِّر وجودُ فقيرٍ مضطرٍّ كان دفع ضرورته واجباً. وإذا لم تندفع ضرورتُه إلا بتشقيصِ كفايةِ أقارب الواقفِ من غير ضرورةٍ تَحْصُل لهم تعيَّنَ ذلك.
فصل [في ناظر الوقف]
(وُيرْجَعُ) بالبناء للمفعولِ (إلى شرطِهِ) أي الواقف (في الناظر) (١) في الوقف، سواء شَرَطَهُ لنفسه، أو للموقوفِ عليه، أو لغيرهما، إمّا بالتعيينِ، كَفُلانٍ، أو بالوصف، كالأرْشَد أو الأعلم أو الأكبر.
فمن وُجِدَ فيه الشرْطُ ثبت له النظر، عملاً بالشرط.
(ويشترط في الناظر خمسةُ أشياءَ):
الأول: (الإِسلام) قَطَع في الإِنصاف والتنقيح باشتراط الإِسلام في الناظر، من غير تفصيلٍ فيه (٢). قال في المغني: ومتى كان النَّظَر للموقوفِ عليه، إما بِجَعْلِ الواقِفِ ذلك له، أو لكونهِ أحقَّ بذلك، رجلاً كان أو امرأة، عدلاً كانَ أو فاسقاً، لأنه ينظُرُ لنفسه، فكان له ذلك في هذه الأحوال، كالمُطْلَق (٣). انتهى. وجَزَمَ في المنتهى بما في المتن ولم يقيد.
стр. 491
(و) الثاني: (التكليف) لأن غير المكلف لا ينظر في ملكِهِ المُطْلَق (١)، ففي الوقف أولى.
فإن لم يشترِطِ الواقفُ ناظراً، وكان الموقوفُ عليه صغيراً أو مجنوناً قام وليُّه في المالِ مقامَهُ في النظر، إلى أن يصير أهلاً.
(و) الثالث: (الكفايةُ لِلتَصرفِ).
(و) الرابع: (الخِبْرَةُ به) أي بالتصرف.
(و) الخامس: (القوة عليه،) لأن مراعاةَ حِفْظِ الوقفِ مطلوبةٌ شرعاً. فإن لم يكن الناظر متَّصِفاً بهذه الصفات لم يمكنه مراعاةُ حفظِ الوقف.
(فإن كان) الناظرُ المشروطُ له النظرُ من الواقِفِ، أو ممن وقف عليه الوقفُ (ضعيفاً ضُمَّ إليه قويٌ أمين) يَنْحَفِظُ به الوقفُ، ولم تُزَلْ يده، لأنه أمكن الجمع بين الحقّين.
(ولا تشترط الذُّكورةُ ولا العدالة) في الناظِرِ (حيث كانَ) النظرُ (بِجَعْلِ الواقِفِ له).
(فإن كانَ) نصْبُ الناظِرِ (من غيرِهِ) أي غير الواقف (فلا بدّ فيه من العدالة).
(فإن لم يشترط الواقف ناظراً فالنظر للموقوفِ عليه مطلقاً) أي سواء كان عدلاً أو فاسقاً (حيثُ كان) آدمياً معيناً كزيدٍ أو جمعاً (محصوراً) كأولادهِ، وأولادِ أولادهِ، كلُّ واحدٍ منهم ينظرُ على حِصته، كالملْكِ المُطْلَق.
(وإلا) بأن كان الموقوفُ عليهِ غيرَ محصورٍ، كالوقفِ على جهةٍ لا
стр. 492
تنحصر، كالفقراء، والمساكين، والعلماء، والقُرَّاءِ، أو على مسجدٍ، أو مدرسةٍ، أو رِباطٍ، أو قنطرة، ونحو ذلك (فـ) نَظَرهُ (للحاكمِ) أو نائبه (١).
(ولا نَظَرَ لحاكمٍ مع ناظرٍ خاصٍّ) قال في الفروع: ولا نَظَرَ لغيرِهِ معه. أطْلَقَهُ الأصحاب، (لكنْ له) أي للحاكم (أن يَعْتَرِضَ عليه) أي على الناظر الخاصّ (إن فَعَلَ ما لا يَسُوغُ) فِعْلُه، أي لا يجوز.
وله ضَمُّ أمينٍ مع تفريطِهِ، أو تُهْمَتِهِ، ليحصل المقصود.
ولا اعتراضَ لأهْلِ الوَقْفِ على ناظرٍ أمينٍ.
[تصرفات ناظر الوقف]
(ووظيفة الناظِرِ حفظ الوقْفِ، وعمارَتُهُ، وإيجارُه، وزَرْعُهُ، والمخاصَمَة فيهِ، وتحصيلُ رَيْعِهِ) من أجرةٍ أو زرعٍ أو ثمرٍ، (والاجتهادُ في تنميته، وصَرْفُ الرَّيْعِ في جهاتِهِ من عمارةٍ وإصلاحٍ وإعطاءِ المستحقّين) وشراءِ طعامٍ أو شرابٍ شَرَطَه الواقِف، لأنّ الناظرَ هو الذي يلي الوقفَ وحفظَه وحفظَ رَيْعِهِ وتنفيذَ شرطِ واقِفِه.
(وإن آجَرَهُ) أي آجر الناظرُ الوقفَ (بأنقصَ) من أجرةِ المثلِ (صحّ) العقد (وضَمِنَ النَّقْصَ) إن كان المستحق غيرَهُ، لأنه متصرِّفٌ في مالِ غيرِهِ على وجهِ الحفظِ، فضَمِنَ ما نَقَصَه بعقدِهِ، كالوكيلِ إذا آجَرَ بأنْقَصَ من أجرةِ المثل، أو باعَ بدونِ ثمنِ المثلِ.
ولا بدّ في النقص المضمونِ أن يكون أكثر مما لا يُتغابَنُ (٢) به في العادة، كما قيل في الوكيل.
(وله) أي لناظرِ الوقفِ (الأكلُ بمعروفٍ) نصًّا.
стр. 493
وظاهرُهُ (ولو لم يكن محتاجاً) قاله في "القواعد". وقال الشيخ: له أخذُ أجرةِ عملِهِ مع فقرِهِ.
(وله) أي الناظر (التقريرُ في وظائِفِهِ) ذكروه في ناظِرِ المسجد. فيُنَصِّبُ من يقوم بوظائِفِه من إمامٍ ومؤذّنٍ وقيِّمٍ، وغيرهم.
[الوظائف الموقوف عليها]
(ومن قُرِّرَ) بالبناء للمفعول (في وظيفةٍ تقريراً على وَفْقِ الشرعِ حَرُمَ) على الناظِرِ وغيرِهِ (إخراجُهُ منها بلا مُوجِبِ شرعيٍّ) يقتضي ذلك.
فائدة: لو تصادقَ المستحقّونَ لوقفٍ علىَ شيءٍ من مصارِفِهِ ومقاديرِ استحقاقِهِمْ فيه ونحوِ ذلك، ثم ظَهَرَ كتابُ وقفٍ منافٍ لما وَقَعَ التصادق عليه، عُمِلَ بما في كتابِ الوقفِ ولَغَا التصادُقُ. أفتى بذلك ابن رجب.
(ومن نَزَلَ عن وظيفةٍ بيدِهِ لمن هو أهلٌ لها) أي للوظيفة (صح) النزولُ، (وكانَ) المنزولُ له (أحقَّ بها) من غيرِهِ (١). (وما يأخُذهُ الفقهاءُ من الوقف فكالرِّزقِ من بيت المال، لا كَجُعْلٍ ولا كأجْرَةٍ) في أصحّ الأقوال الثلاثة. ولذلك لا يشترط العلمُ بالقَدْر.
وينبني على هذا أن القائلَ بالمنعِ من أخذِ الأُجرةِ على نوعِ القُرَب لا يُمنَعُ من أخذ المشروطِ في الوقف. قاله الحارثي في الناظر. وقال الشيخ تقيّ الدين: وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً وأجرةً، بل رِزْقٌ للإعانة على الطاعة. وكذلك المالُ الموقوفُ على أعمالِ البرّ، والموصى به، أو المنذورُ له ليس كالأُجرةِ والجُعْلِ -انتهى. قاله في شرحي الإِقناع والمنتهى. قلت: وعلى الأقوال الثلاثةِ، حيثُ كان
стр. 494
الاستحقاقُ بشرطٍ فلا بدّ من وجودهِ انتهى. يعني إذا لم يكن الوقفُ من بيتِ المال، فإن كان منه، كأوقافِ السَّلاطينِ من بيتِ المال فليس بوقفٍ حقيقيٍّ، بل كلُّ من جازَ لَهُ الأكلُ من بيتِ المالِ جازَ لَهُ الأكل منها، كما أفتى به صاحب المنتهى موافقةً للشيخ الرمليِّ وغيرِهِ في وقفِ جامِعِ [ابن] طولون ونحوه. انتهى.
فصل [في ألفاظ الواقف في الموقوف عليهم]
(ومن وَقَفَ على وَلَدِهِ) ثم المساكِين، (أو) وَقَفَ على (ولد غيرِه) كعلى وَلَدِ زيدٍ ثم المساكين، دخل الأولادُ (الموجودون) حالةَ الوقفِ (فَقَطْ) نصَّا (١)، (من ذكورٍ وإناثٍ) وخُنَاثى، لأنّ اللفظ شملهم (بالسويّة من غير تفضيلٍ) لأنه شرَّك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية، كما لو أقرَّ لهم بشيءٍ، وكولد الأمِّ في الميراث (٢) (ودخل أولادُ الذُّكور خاصّةً) وُجِدُوا حالة الوقف أوْ لا.
(وإن قال): وقفت (على أولادي، دخل أولاده الموجودون) حال الوقف، (ومن يُوَلَد لهم)، أي لأولاده الموجودين، (لا) أولادُهُ (الحادِثون تبعاً) (٣).
(و) لو قال: وقفت (على ولدي ومن يُولَد لي، دخلِ) أولادُهُ
стр. 495
(الموجودون و) أولادُه (الحادِثِونَ تبعاً) للموجودين.
(ومن وقف) شيئاً. على عَقِبِهِ، أو) وقفه على (نَسْلِهِ، أو) وقف على (وَلَدِ ولدِهِ، أو) وقف على (ذُرِّيَّتِهِ دخل الذكور والإِناث) من أولاده، (لا أولادُ الإِناث (١)، إلا بقرينةٍ،). كما لو قال: ومن ماتَ فنصيبُه لولَدِه، وكقوله: على أنّ لولَد البنات سهماً، ولولد الذُّكورِ سَهْمَانِ.
وعدم دخول ولد البنات في الصور المتقدّمة مع عدم القرينة. اختاره الأكثر. نقله في الفروع.
(ومن وقف) شيئاً (على بنيه، أو على بني فلان، فللذكور خاصّةً) لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقةً، لقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.
ولا يدخل فيه الخُنْثَى لأنه لا يُعلم كونه ذَكَراً. وعلى هذا لو وقف على بناتِهِ اختصّ بهنّ، ولم يدخل فيه الذكورُ ولا الخناثى، لأنه لا يُعْلم كونهنّ إناثاً. ويصح على ولده ومن يولد له.
(ويكره هنا) أي في الوقف (أن يفضّل بعضَ أولاده على بعضٍ لغير سببٍ) شرعيّ، لأنه يؤدّي إلى التقاطع.
(والسنة أن لا يزادَ ذَكَرٌ على أنثى.) واختار الموفق، وتبعه في الشرح والمبدِعِ وغيرِهِ: يستحب أن يقسمه بينهم للذكر مثلُ حظّ الأنثَيَيْنِ على حسب قسمة الله تعالى الميراثَ، كالعطية. والذكر في مظنّة الحاجةِ غالباً بوجوب حقوقٍ تترتّبُ عليه، بخلاف الأنثى. (فإن كان لبعضهم) أي لبعضِ أولَادِهِ (عيالٌ أو بِهِ حاجَةٌ) كمسكنة (أو [كان] عاجزاً (٢) عن التكسّب) كأعمى ونحوه، (أو خصّ) أو فضّل (المشتغلين