وتصحيح النية يحتاج إلى أربعة أشياء:
١ - أن ينوي بتعلمه الخروج من الجهل؛ لأن الله تعالى قال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر:٩)
٢ - أن ينوي به منفعة الخلق؛ لأن النبي ﵌ قال: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السماوات وَالْأَرَضِينَ حتى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ الناس الخَيْرَ» (١).
٣ - أن ينوي به إحياء العلم، لأن الناس لو تركوا التعلم لذهب العلم ورفعه ذهاب العلماء. كما روى أن النبي ﵌ قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ
стр. 107
انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حتى إذا لم يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (١).
٤ - أن ينوي به أن يعمل به لا بخلافه؛ لأن العلم آلة للعمل وطلب الآلة لا للعمل لغو كما إذا عمل لا بالعلم وهو لغو. وقيل: «العلم بلا عمل وبال، والعمل بلا علم ضلال» (٢).
فينبغي عليك يا طالباً للعلم إخلاص النية لله في طلبك العلم وأن تُعلم أهلك ومن أمكنك تعليمه من المسلمين قاصداً بذلك وجه الله تعالى. نسأل الله تعالى الإخلاص لوجهه الكريم ... آمين.
стр. 108
النوع الثالث: التوبة .
عليك يا طالباً للعلم - وفقك الله - بالتوبة؛ ليحصل لك توفيق العلم، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان، ويعقب الخذلان، وإن الإصرار على الذنوب مما يسود القلوب فتجدها في ظلمة وقساوة لا خلوص فيها ولا صفاوة ولا لذة ولا حلاوة. فيا عجبًا كيف يوفق للعلم من هو في شؤم وقسوة متلطخ بالذنوب والآثام، فلا جرم لا يكاد يجد المصر على العصيان توفيقًا للعلم، وكل ذلك لشؤم الذنوب وترك التوبة (١).
ورحم الله الإمام الشافعي حيث قال:
شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي ... فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ ... وَنورُ اللهِ لا يُهدى لِعاصي
стр. 109
بيان وجوب التوبة وفضلها:
اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار والآيات، وهو واضح بنور البصيرة عند من شرح الله بنور الإيمان صدره، فإن من عرف أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى وأن كل محجوب عنه شقي لا محالة، وعلم أن لا مُبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات، ولا مقرب من لقائه إلا الإقبال على الله بدوام ذكره، وعلم إن الذنوب سبب كونه محجوباً مبعداً عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم. (١)
قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:٣١). وهذا أمر على العموم.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم:٨)
стр. 110
وقال ﵌: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى الله؛ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١).
* ويدل على فضل التوبة:
قول الله تعالى: (إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:٢٢٢)
وقوله ﵌: «لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا» (٢).
مقدمات التوبة:
وقد ذكر الإمام الغزالي ﵀ مقدمات التوبة وهي:
١ - ذكر غاية قبح الذنب.
٢ - ذكر شدة عقوبة الله وأليم سخطه وغضبه الذي لا طاقة لك به.
стр. 111
٣ - ذكر ضعفك وقلة حيائك في ذلك فإن من لا يحتمل حر شمس ولا لطمة شرطي ولا قرص نملة كيف يتحمل حر نار جهنم وضرب مقامع الزبانية - نعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سخطه وعذابه. (١).
وقد ذكر لي شيخي العلامة أحمد بن جابر جبران - رحمه الله تعالى - حقيقة التوبة وهي: الإقلاع في الحال، والندم على فعل المعصية، والعزم ألاَّ تعود إليها حتى يعود اللبن في الضرع، وإن تعلقت بحق آدمي لابد من الاستحلال منه.
قال الإمام الغزالي-رحمه الله تعالى-في «بداية الهداية»: واعلم أنك تعص الله بجوارحك، وهي نعمة من الله عليك وأمانة لديك، فاستعانتك بنعمة الله على معصيته غاية الكفران، وخيانتك في أمانة استودعكها الله غاية الطغيان، فأعضاؤك رعاياك فانظر كيف ترعاها.
стр. 112
«فكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
واعلم أن جميع أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق تفضحك به على رؤوس الخلائق. قال الله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النور:٢٤)
وقال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يّس:٦٥) فاحفظ جميع بدنك من المعاصي» (١).
وقال ﵀ في «منهاج العابدين»: فإن قلت: إنما يمنعني من التوبة أني أعلم من نفسي أني أعود إلى الذنب ولا أثبت على التوبة فلا فائدة في ذلك! ... فاعلم أن هذا من غرور الشيطان، ومن أين لك هذا العلم؟ فعسى أن تموت تائباً قبل أن تعود إلى الذنب.
стр. 113
وأما الخوف من العود فعليك العزم والصدق في ذلك، وعلى الله الإتمام فإن أتم فذلك المقصود من فضله، وإن لم يتم فقد غُفرت ذنوبك السالفة كلها وتخلصت منها وتطهرت وليس عليك إلا هذا الذنب الذي أحدثته الآن. وهذا هو الربح العظيم فلا يمنعك خوف العود عن التوبة فإنك من التوبة أبداً بين إحدى الحسنيين» (١).
وقد قال ﵌ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ.
стр. 114
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ (١) فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» (٢).
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: «لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْب مِائَة مَرَّة أَوْ أَلْف مَرَّة أَوْ أَكْثَر , وَتَابَ فِي كُلّ مَرَّة , قُبِلَتْ تَوْبَته, وَسَقَطَتْ ذُنُوبه, وَلَوْ تَابَ عَنْ الْجَمِيع تَوْبَة وَاحِدَة بَعْد جَمِيعهَا صَحَّتْ تَوْبَته» (٣).
* قال المزني: دَخلتُ على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت؟. قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقًا ولكأس المنية شاربًا، وعلى الله جل ذكره واردًا،
стр. 115
ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وأنشأ يقول:
خف الله وأرجوه لكل عظيمة ... ولا تطع النفس اللجوج فتندما
وكن بين هاتين من الخوف والرجا ... وأبشر بعفو الله إن كنت مسلماً
ولمّا قسى قلبي وضاقت مذاهِبي ... جَعَلتُ الرجا مني لعفوك سُلَّماً
إليك - إله الخلق - أرفع رغبتي ... وإن كنت ياذا المن والجود مجرماً
تَعاظَمنَي ذَنبي فَلَمّا قَرَنتُهُ ... بعفوكَ رَبيّ كان عَفوُك أَعظَما (١).
стр. 116
قصة عن أحد الصالحين:
قال الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى-: بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني -رحمه الله تعالى- وكان من الراسخين في العلم العاملين به أنه قال: دعوت الله سبحانه ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحاً ثم تعجبت في نفسي فقلت: سبحان الله حاجة دعوت الله فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن، فرأيت فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول لي: أتعجب من ذلك أتدري ماذا تسأل الله؟ إنما تسأل الله سبحانه أن يحبك، أما سمعت قوله ﷻ : (إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:٢٢٢) أفهذه حاجة هينة.
فانظر إلى هؤلاء الأئمة واهتمامهم ومواظبتهم على صلاح قلوبهم والتزود لمعادهم، فناقش نفسك وحاسبها وسارع إلى التوبة بادر فإن الأجل مكتوم والدنيا غرور والنفس والشيطان عدوان، وتضرع إلى الله سبحانه وابتهل إليه واذكر حال أبينا آدم -عليه
стр. 117
السلام- الذي خلقه الله بيده ونفخ من روحه لم يذنب إلا ذنباً واحداً فنزل به ما نزل حتى أنه فيما روى بكى على ذنبه مئتي سنة حتى قبل الله توبته وغفر ذنبه الواحد. هذا حاله مع نبيه وصفيه في ذنب واحد فكيف حال الغير في ذنوب لا تحصى وهذا تضرع التائب فكيف المصر المتعسف. وقد أحسن من قال:
يخاف على نفسه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب (١)
نسأل الله التوبة النصوح بوجهه الكريم ... آمين.
стр. 118
النوع الرابع: التحليِّ بمحاسن الأخلاق:
وبعد التنزه عن المعاصي يكون التحلي بمحاسن الأخلاق من باب التخلية والتحلية.
روى البخاري ﵀ في كتاب بدء الوحي من صحيحه حديث السيدة عائشة ﵂ في كيف بدأ الوحي؟، وفيه قالت: «حتى جَاءَهُ الحَقُّ وهو في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فقال: اقْرَأْ ــ إلى أن قالت ــ فَرَجَعَ بها رسول الله ﵌ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ على خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فقال: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُوهُ حتى ذَهَبَ عنه الرَّوْعُ، فقال لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: لقد خَشِيتُ على نَفْسِي. فقالت خَدِيجَةُ: كَلَّا والله ما يُخْزِيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ على نَوَائِبِ الحَقِّ» (١). (الحديث (رقم ٣). والكَلَّ هو من لا
стр. 119
يستقل بأمر نفسه، كما في قوله تعالى: (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ) (النحل:٧٦)
فلما خشي رسول الله ﵌ على نفسه لما جاءه المَلَك أول مرة، بشَّرته السيدة خديجة ﵂ بأن الله لا يخزيه أبداً.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الفتح: (ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبداً بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفته به) (١).
يدل هذا الحديث على أن التمسك بمكارم الأخلاق مظنة التوفيق، وأن الله تعالى لا يخزي من حَسُن خُلُقِه في نفسه ومع الناس بل يوفقه سبحانه
стр. 120
ويسدِّدُه، ولهذا فقد قدّمت بذكر هذا الحديث لأنبِّه طالب العلم خاصة ــ وكل مسلم عامة ــ على أهمية التمسك بمكارم الأخلاق ومجاهدة النفس في اكتسابها إن كانت عارية عنها، فإنها مظنة التوفيق، وطالب العلم أحوج الناس إلى عون الله تعالى وتوفيقه، فإن الطالب قد يضل في اختيار المعلم أو الكتاب فيهلك أو يضيع بعض عمره سدى حتى يهتدي للمعلم الصالح والكتاب النافع، وقد يكون ضلالُهُ في طلب العلم عقوبةً قدريةً له من الله على فساد ِ قصده أو خبثِ سريرته، وقد يسلك الطالب سبيل الضلالة ويعتقده الحق عقوبة من الله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ) (فاطر:٨)
وقال تعالى: (وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ) (ابراهيم:٢٧)
فلا نجاة إذن إلا بالاستقامة ليكون الطالب
стр. 121
من أهل الوعد المذكورين في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:١٧)، وفي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:٦٩)
والتحلي بمحاسن الأخلاق يشتمل على التحلي بما ظهر منها ومابطن:
فالمكارم الظاهرة: يأتي على رأسها الحياء فإنه أساسها بل أساس الخيرات كلها، ثم بر الوالدين، وصلة الأرحام، والرفق بالناس، والعفو واحتمال الأذى، وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، والجود والكرم، وغيرها.
وأما المكارم الباطنة: فأولها الإخلاص، ثم الصدق، والتوكل، والصبر، وقصر الأمل، والزهد والورع، والحلم والأناة، والتواضع، وإحسان الظن بالمسلمين، وغيرها.
وإذا كان هناك خُلُق مما ذكرناه ينبغي التنبيه
стр. 122
عليه على وجه الخصوص في هذا المقام فهو التواضع: وضده الكبر والتعالي على الناس والعُجب والفخر.
فقد قال النووي في آداب المتعلم: (وينبغي له أن يتواضع للعلم والمعلِّم، فبتواضعه يناله، وقد أُمرنا بالتواضع مُطلقا فهنا أولى، وقد قالوا: العلم حرب للمتعالي كالسيل حرب للمكان العالي. وينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويأتمر بأمره كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح، وهذا أَوْلى لتفاوت مرتبتهما) (١).
وإنما أردنا التنبيه على التواضع خاصة لأن الكبر والعُجب يضادان التعلم، وإذا ابتلي بهما طالب العلم انقطع وحُرِمَ العلم، فإن الكبر يجعل معلمه يرغب عن تعليمه، كما أن العُجب يجعل الطالب يستغني عن طلب المزيد من العلم، وكلاهما يمنعانه من قبول العلم ممن هو دونه في رتبة ٍ أو سِنّ ٍ أو شرف ٍ. فصار التواضع خير زاد له في طلب العلم.
стр. 123
قال البخاري ﵀: (وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مُسْتَحْي ولا مُستكبر). أما المستكبر فقد بيّنا سبب عدم تعلُّمِه، وأما المُسْتَحي فالمقصود به الحياء المذموم الذي يمنع الطالب من السؤال عما ينبغي السؤال عنه ليتعلم، ولهذا فقد أعقب البخاري قول مجاهد هذا بقولٍ لعائشة ﵂ ليبين المراد بالحياء المذكور في قول مجاهد وأنه المذموم الذي يمنع من التعلم، فقال البخاري: (وقالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (١).
النوع الخامس: المبادرة إلى تحصيل العلم في أوقات الشباب:
من أَجَلِّ نعمِ الله تعالى على عبد ٍ أن يوفِّقه لطلب العلم في الصِّغر، لما للتعلم في الصِّغر من فوائد هامة، منها: ــ
стр. 124
أـ أن الصغير أفرغ قلبًا ووقتًا، فيرسخ في نفسه ما يتلقاه من العلم، ومن هنا قيل: إن التعلم في الصِّغر كالنقش على الحجر، وإن التعلم في الكِبَر كالنقش على الماء. والصغير أقدر على الحفظ من الكبير.
ب ــ أن التفقه في الدين لابد له من طول المدة، أي التعلم لزمن طويل، نظراً لكثرة العلوم الشرعية وتشعبها وطولها، فكان التعلم في الصِّغر أعون على الإلمام بهذه العلوم بتفصيلاتها، التي يعسر الإلمام بها إذا ما تعلَّم في الكِبَر.
ولأهمية التعلم في الصِّغر لم يخل كتاب من الكتب التي تكلمت في موضوع العلم من التنبيه عليه، ومن هذا: ــ
أـ ما ذكره البخاري قال: (قال عمر ﵁: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا). قال البخاري: وبعد أن تسودوا، وقد تعلمَّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه
стр. 125
وآله وسلم في كِبَر سنِّهم (١). أهـ
والمقصود بالسيادة في قول عمر ﵁: الرياسة والولاية، وقد حَضَّ سيدنا عمر على التفقّه قبلها لسببين، الأول: أن الولاية عادة ما تمنع من التعلم نظراً لشدة انشغال صاحبها مع أَنَفَتِه عن التعلم، والسبب الثاني: أن الجهل قبيح من صاحب الولاية مُهْلِك له ولغيره إذا سَاسَ الناس بغير علم. فإذا كان الصواب والأوْلي هو التعلم قبل السيادة فإن هذا لا يكون إلا في الصِّغر.
ولئلا يفهم أحد من قول سيدنا عمر أن السيادة مانعة من التفقه بإطلاق فقد عقَّب البخاري عليه قائلا: (وبعد أن تسودوا) فمن فاته العلم قبل السيادة فلا يفوتنّه بعدها، ودَلّل البخاري على هذا بقوله (وقد تعلم أصحاب النبي ﵌ في كِبَر
стр. 126
سِنّهم) فبيَّن أن كِبَر السن ليس مانعاً من التعلم وإن كان الأوْلى الشروع في هذا في الصِّغر.
قال الحافظ ابن حجر في شرح قول سيدنا عمر ﵁: (وقد فسّره أبو عبيد في كتابه «غريب الحديث» فقال: معناه تفقهوا وأنتم صغار، قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقوا جُهّالا) (١).
ب ــ وقال الخطيب البغدادي (ينبغي لمن اتسع وقته، وأصَحَّ الله له جسمه، وحَبَّب إليه الخروج عن طبقة الجاهلين، وألقى في قلبه العزيمة على التفقه في الدين أن يغتنم المبادرة إلى ذلك خوفا من حدوث أمر يقطعه عنه، وتجدد حال تمنعه منه. ثم روى الخطيب بإسناده أن رسول الله ﵌ قال لرجل وهو يعظه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ
стр. 127
وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ») (١).
فينبغي على الطالب أَن يُبَادِرَ شبابَهُ وأَوقَاتَ عُمرِهِ إلى التَّحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها.
فعليك أن تغتنم الشباب والصحة فاجعل الاجتِهَادَ غنِيمَةَ صِحَّتك، والعمل فُرصة فراغك، فليس كُلُّ الزَّمَانِ مُسْتَسْعَدًا، ولاما فات مُستَدرَكًا.
فعَنْ الرَّبِيعِ قَالَ: «لَمْ أَرَ الشَّافِعِيَّ آكِلاً بِنَهَارٍ، وَلاَ نَائِمًا بِلَيْلٍ، لاِهْتِمَامِهِ بِالتَّصْنِيفِ» (٢).
قَالَ بَعضُ الشُّعراء (٣):
إذَا هَبَّتْ رِيَاحُك فَاغْتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ
стр. 128
وَلا تَغْفُلْ عَنْ الإحْسَانِ فِيهَا ... فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
وَإِنْ دَرَّتْ نِيَاقُك فَاحْتَلِبْهَا ... فَمَا تَدْرِي الْفَصِيلُ لِمَنْ يَكُونُ
وينبغِي أَن يغتنم التَّحصيل في وقت الفراغِ والنَّشاط، وحال الشَّبابِ وقُوَّة البدن، ونباهة الخَاطِرِ، وقِلَّة الشَّواغلِ، قبل عوارِضِ البطالة، وارتفاع المنزِلة.
قال الشَّافِعِيُّ -رحمه الله تعالى-: «تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ، فَإِذَا رَأَسْتَ فَلاَ سَبِيلَ إلَى التَّفَقُّهِ» (١).
وقد قيل: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك» (٢).
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «الْعِلْمُ إذَا أَعْطَيْته كُلَّك أَعْطَاك بَعْضَهُ» (٣).
стр. 129
وقال بعضهم: «طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر» (١).
وقال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى- (٢):
لن يبلغ العلم جميعاً أحداً ... لا ولو حاوله ألف سنة
إنما العلم عميق بحره ... فخذوا من كل شيء أحسنه
قال الإمام برهان الإسلام الزرنوجي -رحمه الله تعالى-: «لابد من الجد والمواظبة والملازمة لطالب العلم. وإليه الإشارة في القرآن الكريم بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:٦٩)، وقوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) (مريم:١٢)
وقد قيل: من طلب شيئًا وجدَّ وجَدَ، ومن قرع الباب ولَجّ ولج.
وقيل: بقدر ما [تتعنى] تنال ما تتمنى» (٣).
стр. 130
النوع السادس: نظام الأوقات للتعليم والتعلم:
فعلى طالب العلم أن يقسم أوقات ليله ونهاره ويغتنم ما بقي من عمره. ...
قال بعضهم: «أجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل» (١).
******
النوع السابع: أكل القدر اليسر من الحلال:
من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملل أكل القدر اليسير من الحلال.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى -: «مَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً» وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر
стр. 131
الأسقام البدنية (١). والأولى أن يكون أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي ﵌ قال: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (٢). فإن زاد على ذلك فالزيادة إسراف خارج عن السنة.
وقد قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (لأعراف:٣١)
******
النوع الثامن: الأخذ بالورع:
فينبغي على طالب العلم أَن يَأخُذ نفسهُ بِالورعِ فِي جَمِيعِ شَأْنِهِ، ويتحرَّى الحلال فِي طعامه وشرابِه ولباسه ومسكنه وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم ونوره والنفع به.
******
стр. 132
النوع التاسع: تقليل النوم:
فعلى طالب العلم أَن يُقلِّل نومهُ، ما لم يلحقهُ ضررٌ فِي بدنه وذِهنهِ، ولا يزيد في نومه في اليوم الليلة على «ثمان ساعات» وهو ثلث الزمان.
******
النوع العاشر: يستحب أن يكون عازباً:
قال الخطيب البغداديُّ في كتابِه «الجامع لآداب الرَّاوي والسَّامع»: يُستحبُّ للطَّالب أَن يكُون عزبًا مَا أَمكنهُ، لِئَلاَ يقطعهُ الاشتغالُ بحُقُوق الزَّوجة، والاهتمام بالمعيشة، عن إكمال طلب العلمِ.
وعن إبراهيم بن أَدهم ﵀ -قال: «مَنْ تَعَوَّدَ أَفْخَاذَ النِّسَاءِ لَمْ يَفْلَحْ»
وعن سُفيان الثَّوريِّ ﵀ قال: «إذَا تَزَوَّجَ الْفَقِيهُ فَقَدْ رَكِبَ الْبَحْرَ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَقَدْ كُسِرَ بِهِ».
стр. 133
وقال سُفيانُ لِرَجُلٍ: «تَزَوَّجْتَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ: مَا تَدْرِي مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ»
وعن بِشْرٍ الحافي- ﵀: «مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّسَاءِ فَلْيَتَّقِ الله لاَ يَأْلَفُ أَفْخَاذَهُنَّ» (١).
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في المجموع: (قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا، فَإِنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّكَاحِ اُسْتُحِبَّ لَهُ تَرْكُهُ، وَكَذَا إنْ احْتَاجَ وَعَزَّ عَنْ مُؤْنَتِهِ) (٢).
******
النوع الحادي عشر: ترك المعاشرة لغيره الجنس:
ينبغي على الطالب أن يترك العشرة فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم ولا سيما لغير الجنس وخصوصًا لمن كثر لعبه وقلت فكرته فإن الطباع سراقة وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة. والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده
стр. 134
أو يستفيد منه (١).
******
النوع الثاني عشر: عدم العجب بالعلم
قال سيدنا عُمَرُ بن الخطَّابِ ﵁: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ، وَلْيَتَوَاضَعْ لَكُمْ مَنْ تُعَلِّمُونَهُ، وَلاتَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ؛ فَلايَقُومُ عِلْمُكُمْ بِجَهْلِكُمْ» (٢).
وقال بعضُ السَّلف: «مَنْ تَكَبَّرَ بِعِلْمِهِ وَتَرَفَّعَ وَضَعَهُ الله بِهِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ بِعِلْمِهِ رَفَعَهُ بِهِ» (٣).
قال بعض الفضلاء:
مَنْ شَاءَ عَيْشًا هَنِيئًا يَسْتَفِيدُ بِهِ ... فِي دِينِهِ ثُمَّ فِي دُنْيَاهُ إقْبَالا
فَلْيَنْظُرَنَّ إلَى مَنْ فَوْقَهُ أَدَبًا ... وَلْيَنْظُرَنَّ إلَى مَنْ دُونَهُ مَالا
стр. 135
قال الإمام الماورديّ -رحمه الله تعالى-: وقلَّمَا تَجِدُ بِالعلمِ مُعجبًا وَبِمَا أَدركَ مُفتَخِرًا، إلا مَن كان فيه مُقلاً ومُقصِّرًا، لأنَّهُ قد يجهلُ قدرهُ، ويحسبُ أَنَّهُ نال بِالدُّخُول فيه أَكثرهُ. فأَمَّا من كان فيه مُتَوَجِّهًا وَمِنهُ مُستَكثِرًا فَهُوَ يعلمُ مِنْ بُعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته، ما يَصُدُّهُ عن العُجب بِه.
قال الشَّعبِيُّ: العلمُ ثلاثةُ أَشبار:
١ - فمن نال مِنهُ شِبرًا شمخ بِأَنفه وظنَّ أَنَّهُ نالهُ.
٢ - ومن نال الشِّبر الثَّانِي صَغَرَت إليه نَفسُهُ وعَلِمَ أَنَّهُ لم ينلهُ.
٣ - وأَمَّا الشِّبرُ الثَّالثُ فهيهات لا ينالُهُ أَحدٌ أَبدًا (١).
قال الإمام الماورديّ -رحمه الله تعالى-: وممَّا أُنذرُك بِه من حالِي أَنَّني صنَّفت فِي الْبُيُوعِ كِتَابًا جمعت
لَعَلَى ما كُنت عليه مِن المسائِلِ إلَى وَقتِي، فَكَانَ ذَلِكَ زَاجِرَ نَصِيحَةٍ، ونَذِيرَ عِظَةٍ، تَذَلَّلَ بِهَا قِيَادُ النَّفسِ، وانخَفَضَ لَهَا جَنَاحُ العُجبِ، تَوفِيقًا مُنِحتَهُ ورُشدًا أُوتِيتَهُ (١). انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-
******
النوع الثالث عشر: تجنب اللعب وكثرة المزاح .
يجب على طالب العلم أن يتجنّب اللعب والعبث والتبذُّل في المجالس، بالسخف والضحك والقهقهة، وإدْمان المزاح والإكثار منه، فإنما يُسْتَجاز من المزاح يسيرهُ ونادره وطَريفه الذي لا يَخرج عن حد الأدب وطريقة العلم. فأما مُتَّصِلُه وفاحشة وسخيفه وما أَوغَرَ منه الصدور، وجَلَب الشرَّ، فإنه مذموم. وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ويزيل المروءة.
وكان الإمام مالك -رحمه الله تعالى- يقول: «إن حقًا على من طلب العلم أن يكون له وقار
стр. 138
وسكينة وخشية، وأن يكون مُتَّبعًا لأَثَر مَن مضى قبله» (١).
وعن علي ﵁ قال: «إذا تعلمتم العلم فاكظموا عليه، ولا تخلطوه بضحك وباطل، فتمجه القلوب» (٢).
******
النوع الرابع عشر: العمل بالعلم:
وليكُن على طالبِ العلم العملُ بعلمه، وحثُّ النَّفسِ على أَن تَأتَمِرَ بِما يأمُرُ بِه، ولا يكُن مِمَّن قال الله تعالى فيهِم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة:٥)
[قال عليُّ بن أَبِي طَالِبٍ ﵁: «إنَّمَا زَهِدَ النَّاسُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ قِلَّةِ انْتِفَاعِ مَنْ عَلِمَ بِمَا عَلِمَ».
القسم الثاني: آداب الطالب مع شيخه، وفيه عشرة أنواع:
стр. 141
آداب الطالب مع شيخه، وفيه عشرة أنواع:
وقد ذكر العلامة أبي إسحاق إبراهيم ابن جماعة الكناني -رحمه الله تعالى- جملة من الآداب التي ينبغي لطالب العلم التحلي بها مع شيخه وما هنا مأخوذ منها مع بعض تصرفٍ.
النوع الأول: اختيار الشيخ:
يَنْبَغِي لطالبِ العلم أَنْ يقدم النظر ويَسْتَخِيرَ الله فِي مَنْ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليماً وأجود تفهيماً، ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في روع أو دين أو عدم خُلق جميل.
قال بعض السَّلَف: «هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».
стр. 142
وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: «مَنْ تَفَقَّهَ مِنْ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الأَحْكَامَ».
وكان بعضهم يقول: «من أعظم البلية تشيخ الصحيفة» أي الذين تعلموا من الصحف، وفي هذا المعنى قالوا: «من كان شيخه كتابه، كان خطأه أكثر من صوابه» (١).
******
النوع الثاني: التواضع والإجلال للشيخ:
ينبغي لطالب العلم أن يتواضع فإن العلم لا ينال إلا بالتواضع، وتواضع الطالب لشيخه رفعة، وذله عزَّ، وخضوعه له فخر، فعلى الطالب أن يتحرى رضا شيخه، ويبالغ في حرمته، ويتقرب إلى
стр. 143
الله بخدمته ويعلم أن تواضعه له رفعة.
وقد أخذ سيدنا ابن عباس ﵄ مع جلالته وقرابته للمصطفى ﵌ بركاب سيدنا زيد بن ثابت ﵁ لكونه شيخه، وقال: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا». فقبل زيدٌ يده، وقال: «هكذا أُمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا ﵌» (١).
قال الإمام الشَّافعي -رحمه الله تعالى -: «لا يطلُبُ أَحدٌ هذا العلم بِالمُلكِ وعِزِّ النَّفسِ فيفلح , ولكن من طلبهُ بِذُلِّ النَّفسِ وضيقِ العيشِ وخدمةِ العُلماءِ أَفلحَ».
وقال أَيضًا: «لا يُدْرَكُ الْعِلْمُ إلاَّ بِالصَّبْرِ عَلَى الذُّلِّ».
وقال أَيضًا: «كُنتُ أَصفحُ الورقة بين يدي مالكٍ ﵀ صفحًا رفيقًا هيبةً لهُ. لئلا يسمع وقعها».
стр. 144
وقال الرَّبيعُ -رحمه الله تعالى-: «وَالله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشَّافعيُّ ينظُرُ إلَيَّ هيبةً لهُ» (١).
وعن كعب الأحبار قال: «ثلاثة نجد في الكتاب يحق علينا أن نكرمهم، وأن نُشَرِّفهم، وأن نوسّع عليهم في المجالس، ذو السِّن، وذو السلطان لسلطانه، وحامل الكتاب» (٢).
قال أبو عبد الله يحيى بن عبد الملك الموصلي: «رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له، والتوقير له، وإذا رفع أحد صوته صاحوا به. وكان إلى الأدمة ما هو» (٣).
* وإذا خاطب الطالبُ المحدث عَظَّمة في خطابه، بنسبته إياه إلى العلم. مثل أن يقول له: «أيها العالم، أو أيها الحافظ، ونحو ذلك» (٤).
стр. 145
وقال بعض السلف: «كان الرجلُ يَجْلِسُ إلى الحسن ثلاث سنين، فلا يَسْأَلُهُ عن شيءٍ هيبة له».
وعن عبد الرحمن بن حَرْمَلَة الأسْلَمي قال: «ما كان إنسان يجترىء على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذِنَه كما يُسْتأذن الأمير»
وكان ابن شهاب يقول: «جالستُ سعيد بن المسيب ست سنين، تَحُاكُّ رُكبتِي ركبتَه، لا أقدر منه على حديث، إلا أَني أقول: قالوا اليوم كذا، وقالوا اليوم كذا، فيتكلم».
وقال ابن الخياط يمدح مالك بن أنس:
يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَع هَيْبَةً ... والسائلون نَواكسُ الأذْقَان
نُور الوقار وعِزُّ سلطانِ التُّقَى ... فهو المَهِيب وليس ذا سُلطان
قال إسحاق الشهيدي: «كنتُ أرى يحيى القطًّان يصلي العصر، ثم يستندُ إلى أصل مَنارَة مسجده، فيقف بين يديه، عليُّ بن المَديني،