من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب. فمعرفة ذلك تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها.
الثالث: الكبر بالقوة: ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط الله عليه من العلل والأمراض، وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز، أو أن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة فمن لا يطيق شوكة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة، فلا
ينبغي أن يفتخر بقوته. ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل، وأي افتخار في صفة يسبقك بها البهائم.
السبب الرابع والخامس: الغنى وكثرة المال: وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار، والتكبر بالمناصب والولايات، وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات الإنسان، وهذا أقبح أنواع الكبر، فلو ذهب ماله أو احترقت داره لعاد ذليلا، وكم في اليهود من يزيد عليه
стр. 72
في الغنى والثروة والتجمل، فَأُفٍّ لشرفٍ يسبقه به يهودي، أو يَأخُذُهُ سارقٌ في لحظةٍ فيعود ذليلًا مفلسًا.
السادس: الكبر بالعلم: وهو أعظم الآفات، وعلاجه بأمرين:
أحدهما: أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عُشْرَهُ من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش وخطره أعظم.
ثانيهما: أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله وحده، وأنه إذا تكبر صار ممقوتا عند الله بغيضا، فهذا ما يزيل التكب ويبعث على التواضع.
وإذا دعته نفسه للتكبر على فاسق أو مبتدع فليتذكر ما سبق من ذنوبه وخطاياه لتصغر نفسه في عينه، وليلاحظ إبهام عاقبته وعاقبة الآخر فلعله يختم له بالسوء ولذاك بالحسنى، حتى يشغله الخوف عن التكبر عليه، ولا يمنعه ترك التكبر عليه أن يكرهه،
стр. 73
ويغضب لفسقه، بل يبغضه ويغضب لربه إذ أَمَرَهُ أن يغضب عليه من غير تكبر عليه.
السابع: التكبر بالورع والعبادة: وذلك فتنة عظيمة على العباد، وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد، قال وهب بن منبه: ((ما تم عقل عبد حتى يكون فيه خصال)) وعد منها خصلة قال:
((بها ساد مجده، وبها علا ذكره أن يرى الناس كُلَّهُمْ خَيْرًا مِنْهُ، وإنما الناس عنده فرقتان: فرقة هي أفضل منه وأرفع، وفرقة هي شر منه وأدنى، فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه، وإن رأى من هو خير منه سره ذلك وتمنى أن يلحق به، وإن رأى من هو شر منه قال: لعل هذا ينجو وأهلك أنا، فلا تراه إلا خائفا من العاقبة، ويقول: لعل بِرَّ هذا باطن فذلك خير له، ولا أدري لعل فيه خُلُقًا كَرِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله فيرحمه الله ويتوب عليه، ويختم له بأحسن الأعمال، وبري ظاهر فذلك شر لي، فلا يأمن فيما أظهره من الطاعة أن يكون دخلها الآفات فأحبطتها))، قال: ((فحينئذ
стр. 74
كمل عقله وساد أهل زمانه)).
والذي يدل على فضيلة هذا الإشفاق قوله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦].
وقد وصف الله تعالى الملائكة ﵈ مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم على العبادات بِالدَّؤُوبِ على الإشفاق فقال تعالى مُخْبرًا عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]
فمتى زال الإشفاق والحذر غلب الأمن من مكر الله، وذلك يوجب الكبر، وهو سبب الهلاك، فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك، والتواضع دليل الخوف، وهو مسعد.
فإذن ما يفسده العباد بإضمار الكبر واحتقار
стр. 75
الخلق أكثر ما يصلحه بظاهر الأعمال.
فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب، إِلَّا أَنَّ النَّفْسَ بعد هذه المعرفة قد تضمر التواضع، وتدعي البراءة من الكبر وهي كاذبة، فإذا وقعت الواقعة عادت إلى طبعها، فعن هذا لا ينبغي أن يُكتفى في المداواة بمجرد المعرفة، بل ينبغي أن تكمل بالعمل، وتجرب بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النفس، وبيانه أن يمتحن النفس بالامتحانات الدالة على استخراج ما في الباطن، والامتحانات كثيرة، فمنها: أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه، فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والشكر له على تَنْبِيهه فذلك يدل على أن فيه كبرًا دفينًا، فليتق الله فيه ويشتغل بعلاجه.
أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه خسة نفسه، وخطر عاقبته وأن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى.
وأما العمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من
стр. 76
الاعتراف بالحق، وأن يطلق اللسان بالحمد والثناء، وَيُقِرَّ على نفسه بالعجز، ويشكره على الاستفادة ويقول: "ما أحسن ما فطنت له، وقد كنت غافلاً عنه فجزاك الله خيرًا كما نبهتني له" فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها.
فإذا واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعًا، وسقط ثِقَلُ الْحَقِّ عَنْ قَلْبِهِ، وطاب له قبوله.
وكل ذلك من أمراض القلوب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك. وقد أهمل الناس طب القلوب واشتغلوا بطب الأجساد مع أن الأجساد قد كتب عليها الموت لا محالة، والقلوب لا تدرك السعادة إلا بسلامتها إذ قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩].
بيان غاية الرياضة في خلق التواضع:
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ كَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ لَهُ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ، فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا، وطرفه يميل إلى النقصان يسمى تَخَاسُسًا وَمَذَلَّةً،
стр. 77
وَالْوَسَطُ يُسَمَّى تَوَاضُعًا، والمحمود أن يتواضع في غير مَذَلَّةٍ وَتَخَاسُسٍ، فإن: كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ.
وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها، فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر، ومن يتأخر عنهم فهو متواضع، أي وضع شيئًا من قدره الذي يستحقه، والعالم إذا دخل عليه دنيء فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه، ثم تقدم وسوى له نعله، وغدا إلى باب الدار خلفه فقد تَخَاسَسَ وَتَذَلَّلَ، وهو أيضًا غير محمود، بل المحمود عند الله العدل، وهو أن يعطي كل ذي حق حقه، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك، وأن لا يرى نفسه خيرًا منه فلا يحتقره، ولا يستصغره، وهو لا يعرف خاتمة أمره (١).
стр. 78
٥ - الغضب: (وهو ثوران دم القلب وغليانه المهيج لإدارة الانتقام). ولا شك أنه من الأخلاق المذمومة إلا فيما يطلب شرعًا كالغضب إذا انتهكت حرمات الله. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى:٣٧).
واعلم أنه لا يخلو إنسان عن غضب، ورسول الله ﵌ كان يغضب، فأصل الغضب لا يعتبر عيباً، ولا يعتبر وجوده مرضاً، ولكن: هناك غضب في الباطل لا يصح، وهناك غضب ظالم فهذا الذي لا يصح، وهناك تسرّع في الغضب وبطء في الفيء فذلك لا يصح، وهناك تصرّفات أثناء الغضب لا يقرّها شرع أو عقل فهذا لا يصح ومن ههنا كان الكلام في الغضب يحتاج إلى تفصيل، فمن المعلوم أنّه لا يستحق السيادة إلاّ حليم، وأنّ الغضب في غير محلّه لا تستقيم معه حياة اجتماعية، ولا علاقات صحيحة، ولا يحتاج الإِنسان
стр. 79
إلى تفكير كثير حتّى يدرك مثل هذه الأمور، مغضبة واحدة قد تفسد علاقة بين جار وجار وزوج وزوجة وبين شريك وشريك، وأخ وأخ.
غضبة واحدة قد تفسد جماعة بأسرها فتصدّع صفّها، أو تعرقل أعمالها أو تشلّ نموّها.
ونموذج الكمال في الرضا والغضب هو رسول الله ﵌ وكان من أخلاقه أنّه لا يغضب لنفسه وكان من وصفه أنّه لا تزيده شدّة الجهل عليه إلا حلماً، وهذا مقام لا يطمع فيه فكل الخلق يحلمون ضمن حدود.
وكان ﵌ يغضب إذا انتهكت حرمات الله فلا يقوم لغضبه شيء وهذا الذي يطالب به كل الخلق للقضاء على المنكر.
روى أبو هريرة ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﵌: أَوْصِنِي قَالَ: «لا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لا تَغْضَبْ» (١).
стр. 80
وقال عبد الله بن مَسْعُودٍ ﵁ قال رسول الله ﵌: «ما تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» قال قُلْنَا: الذي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قال: «ليس بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ (٢) إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (٣).
بيان حقيقة الغضب
اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معّرضاً للفساد والموت، بأسباب في داخل بدنه وأسباب
стр. 81
خارجة عنه، أنعم عليه بما يحميه من الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه.
أما السبب الداخلي: فهو أنه ركبه فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء، ووكل قوى في داخله لجبر ما انكسر وسدِّ ما انثلم ليكون ذلك حافظاً له من الهلاك بهذا السبب.
وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإِنسان: فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور منه فتدفع المهلكات عنه، فخلق الله طبيعة الغضب، وغرزها في الإِنسان وعجنها بطينته. فمهما صدّ عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعمال البدن، كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من
стр. 82
حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها.
وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها. والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به.
ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من التفريط والإِفراط والاعتدال.
أما التفريط: فبفقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له. ولذلك قال الشافعي ﵀: «من استغضب فلم يغضب فهو حمار». فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جداً.
وأما الإِفراط: فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر.
стр. 83
ففقد الغضب مذموم وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية وينطفيء حيث يحسن الحلم وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط الذي وصفه رسول الله ﵌ حيث قال: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» (١).
بيان الأسباب المهيجة للغضب:
قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بدّ من معرفة أسباب الغضب.
(الأسباب المهيجة له هي: الزهو، والعجب، والمزاح، والهزل، والهزؤ، والتعيير، والمماراة، والمضادة، والغدر، وشدة الحرص على حصول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلابد من إزالتها بأضدادها.
стр. 84
فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع، والعجب بمعرفتك نفسك، وتزيل الفخر بأنك من جنس أقل مخلوق إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد وإنما الفخر بالفضائل، والفخر والعجب أكبر الرذائل، وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه، وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة، وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك، وأما التعيير فبالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مر الجواب، وأما شدة الحرص فبالصبر على مر العيش والقناعة بقدر الضرورة طلباً لعز الاستغناء وترفعاً عن ذلة الحاجة وكل خلق من هذه الأخلاق يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل ومشقة.
بيان علاج الغضب بعد هيجانه:
يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم
стр. 85
والعمل:
وأما العلم فهو أمور:
الأول- أن يتفكر فيما ورد في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال، فيرغب في ثوابه، وتمنعه الرغبة في الأجر عن الانتقام وينطفيء عنه غيظه.
الثاني- أن يخوف نفسه بعقاب الله لو أمضى غضبه، وهل يأمن من غضب الله عليه يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى العفو.
الثالث- أن يحذّر نفسه عاقبة العداوة والانتقام، وتشمر العدو لمقابلته والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه، وهو لا يخلو عن المصائب فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة.
الرابع- أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب (١).
стр. 86
وأما العمل:
* فأن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن النبي ﵌ لما رأى رجلاً اشتد به الغضب قال: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (١).
* وإن كنت قائماً فاجلس وإن كنت جالساً فاضطجع.
لحديث أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ لَنَا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ» (٢).
стр. 87
* ويستحب أن يتوضأ بالماء البارد، فإن الغضب من النار والنار لا يطفئها إلا الماء، لقوله ﵌: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (١).
стр. 88
الأساليب التربوية للحفاظ على الهدوء عندما يسيطر على الإنسان شعور الغضب !
الغضب شعور قوي يسيطر على الإنسان وقد يؤدي به لفعل الكثير من الأشياء الخاطئة لذلك لابد أن نحاول الابتعاد عنه باي طريقة.
ولكن ماذا نفعل للحفاظ على الهدوء والتصرف الشرعي السوي؟
١ - الإحساس بأهمية كظم الغيظ:
إن كظم الغيظ والتحكم في الغضب والتصرف تبعاً لما يرضي الله ورسوله ﵌، فضيلة يتميز بها عباد الله الصالحون، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُشَرِّفُ الله تَعَالَى بِهِ الْبُنْيَانَ، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أَنْ تَحْلُمَ عَلَى مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَأَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَن مَّنْ
стр. 89
ظَلَمَكَ» (١).
٢ - التماس العذر وحسن الظن:
عندما نتعرض للإساءة نشعر بالضيق والغضب والإحباط ومن المفيد جداً أن نلتمس العذر للغير إن أمكن ونحسن الظن به وإن أساء التصرف معنا.
٣ - محاولة تفهم مواقف الآخرين وتذكر مناقبهم:
تحت ضغط الظروف قد نميل أحياناً إلى التسرع في إصدار الأحكام بينما التمهل يجنبنا التهور، ويساعدنا على ضبط الأعصاب والتصرف بحكمة مع الآخرين، وأن لا ننسى محاسنهم في لحظة غضب من أجل تصرف خاطئ قد يكون نتج عن إساءة في تقدير الأمور.
стр. 90
٤ - اللين والمرح المحمود:
هو أسلوب فعال للتقليل من التوتر الانفعالي، حيث إن كلمة طيبة وابتسامة لبقة لها تأثيرها الحسن في القلوب قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: «تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لك صَدَقَةٌ» (١).
٥ - الدعاء للمسيء لتصفية ما في الصدور:
ليس الدعاء للمسئ في ظهر الغيب بالأمر السهل ولكن له نتيجة طيبة في تهدئة النفوس وصفاتها وتدريب النفس الأمارة بالسوء علي مقابلة الإساءة بالإحسان.
٦ - العفو عن المسيء والإحسان إليه:
فالحسنة تدفع السيئة والعمل الصالح يدفع العمل السيء وهذا عمل عظيم يحتاج إلي صبر، ومن مواقف السلف الصالح .. أن رجلاً سب ابن عباس ﵄، فلما فرغ قال ابن عباس لخادمه:
стр. 91
هل للرجل حاجة فنقضيها فنكس الرجل رأسه واستحى، إن مقابلة الإساءة بالإحسان تحول العدو إلي ولي حميم وهي تحتاج إلي صبر ومجاهدة للنفس.
٧ - الإعراض عن الجاهلين:
على المسلم أن يكون على مستوى رفيع من الأخلاق لا يتنازل عنه للرد على الجاهلين وإسكاتهم.
قال الأمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
يخاطبني السفيه بكل قبح ... فأكره أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة فأزيد حلماً ... كعود زاده الإحراق طيباً
٨ - التقليل من الكلام والأفعال حين الغضب:
إذا لم يستطع الغاضب التحكم في مشاعر الغضب فإن عليه مراقبة تصرفاته، فهو مسؤول عما يصدر منه من تصرفات ومحاسب عليها في الدنيا
стр. 92
والآخرة .. فعليه التقليل من الكلام ما أمكن، والسكوت هو الأمثل لئلا يتفوه بكلام يندم عليه لا حقاً.
٩ - النقد الذاتي وجهاد النفس:
الدنيا دار عمل ومشقة يقاسي الإنسان الشدائد والهموم، ولنتمكن من مواجهة هذه الشدائد والمحافظة على هدوئنا، علينا أن نقلل من شأن هموم الدنيا وأن نصبر ونحتسب الأجر عند الله، ولندعه دائماً ونقول: اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.
١٠ - الاستعانة بالصبر والصلاة:
إن الصلاة والصبر تحلان أعقد الأمور، بينما يعقّد الغضب أبسط الأمور، فبالاستعانة بالصبر والصلاة على مرضاة الله وطاعته وبحبس النفس عن هواها نحل الصعوبات التي تعترضنا.
стр. 93
١١ - الانسحاب من الصراع وترك مواطن الأذى:
عند التعرض لتصرف مثير للغضب قد نحس بعدم القدرة على ضبط النفس وحفظ اللسان وعدم جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعندئذ لا حل أسلم من ترك موطن الإثارة والانتقال إلى مكان هادئ إلى أن يهدأ غضبنا ونعاود السيطرة على زمام النفس.
تنبيه:
أشد البواعث للغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة وعزة نفس حتى تميل النفس إليه وتستحسنه، وهذا من الجهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل، ويعالج هذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ فإن ذلك منقول عن الأنبياء والعلماء.
стр. 94
(فضيلة الحلم وكظم الغيظ)
إن الحلم هو طمانينة النفس، بحيث لا يحركها الغضب بسهولة ولا يزعجه المكروه بسرعة، فهو الضد الحقيقي للغضب، لأنه المانع من حدوثه، وبعد هيجانه لما كان كظم الغيظ مما يضعفه ويدفعه، فمن هذه الحيثية يكون كظم الغيظ أيضا ضدا له.
فنحن نشير إلى فضيلة الحلم وشرفه، ثم إلى فوائد كظم الغيظ ومنافعه.
أما (الحلم) - فهو أشرف الكمالات النفسانية بعد العلم، بل لا ينفع العلم بدونه أصلا، ولذا كلما يمدح العلم أو يسأل عنه يقارن به، قال رسول الله ﵌: «اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِالْعِلْمِ، وَزَينِي بِالْحِلْمِ» (١).
وقال ﵌: «خَمْسٌ مِنْ
стр. 95
سُنَنِ المُرْسَلِينَ -وعد منها- الحَيَاءُ» (١).
* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَاباً يَسِيراً وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ». قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قال: «تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوا عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ»
قال: فإذا فعلت ذلك فما لي يا رسول الله؟
قال: «أن تُحَاسَبَ حِسَاباً يَسِيراً ويُدخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ» (٢).
* وقال رسول الله ﵌: «أَلَا أُنْبِئَكُمْ بِمَا يُشْرِفُ الله تعالى بِهِ الْبُنْيَانَ وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟»
قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ الله؟
стр. 96
قَالَ: «أن تَحْلُمُ عَلَى مَنْ جَهِلَ عَلَيْك , وَأن تَصِلُ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك» (١).
* وقال رسول الله ﵌: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِالْحِلْمِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٢).
* وقال رسول الله ﵌: «مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَاحِدَةٌ من ثَلاثٍ فَلا يَجنِي مِنِْ عَمَلِهِ: تقوى تحْجُزُهُ عَنْ عن معاصي الله، أَوْ حِلْمٌ يَكُفُ بِهِ سفيها، أَوْ خُلُقٌ يَعيِشُ بِهِ في النَّاسِ» (٣).
стр. 97
* وقال رسول الله ﵌: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ واسْتَكْمَلَ الإِيمانَ: خُلُقٌ يَعيِشُ بِهِ في النَّاسِ، ووَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ محارِمِ الله تعالى، وحِلْمٌ يَرُدُّهُ عَنْ جهْلِ الجاهِل» (١).
وأما كظم الغيظ - فهو وان لم يبلغ مرتبة الحلم فضيلة وشرفا، لأن كظم الغيظ عبارة عن (التحلم) أي: تكلف الحلم - ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب. وهو الحلم الطبيعي. - ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا ولذا قال رسول الله ﵌: «إِنَّما الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ» (٢).
стр. 98
وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولاً وتكلفه. كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم.
فمن لم يكن حليماً بالطبع لا بد له من السعي في كظم الغيظ عند هيجانه، حتى تحصل له صفة الحلم.
وقد مدح الله سبحانه كاظمي الغيظ في محكم كتابه:
فضيلة كظم الغيظ:
ويكفي هذه الآيات في فضيلة كظم الغيظ وهي قول الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]
دلت الآيات على أن الكاظمين من المتقين، وإن مغفرة ربهم تنالهم، وجنته أعدت لهم، فما أفضل هذا الجزاء ... ) (١).
стр. 99
وروى الترمذي في باب كظم الغيظ، أن النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» (١).
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ الله من جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله» (٢).
قال صاحب «فتح الكريم المنان: «فعلينا ترك الغضب، والتحلي بالفضائل، وكظم الغيظ، وتكلُّف الحلم، وإن لم يكن حليماً، فإن استعمال الحلم يذهب الغضب، لأن الحليم من شأنه أنه لا يغضب وإن غضب لا يعمل بمقتضى غضبه».
стр. 100
ومن المشهورين بالحلم:
الأحنف بن قيس فإنه كان يضرب به المثل في الحلم، فكان ذات يوم يحدث الناس إذ جاءه ابنه ومعه أخوه قد قتله ابن عمه والقاتل موثق بالحبال، فمضى في الحديث ولم يلتفت إلى ولده المقتول بل قال لولده الثاني الذي جاء بالقاتل والقتيل: «أطلق ابن عمِّكَ، وجهِّزْ أخاك وادفنْه، ثم اذهبْ إلى إبلي فخذْ منها مائة وأعطِها أُمَّهُ لتخفِّفَ من آلامها» ثم مضى في حديثه مع الناس.
ويروى عن الإمام الشافعي حين أراد أن يختبره الخياط، فخاط ثوباً فجعل أحد كميه طويلاً، وترك الجهة الأخرى بدون كُم، فلما أخذه ولبسه، قال للخياط: «جزاك الله خيراً» وأعطاه أجره مرتين.
ومما يحكى أن معن بن زائدة كان أميراً على العراق، وكان حليماً كريماً يضرب به المثل فسمع به أعرابي فأراد أن يمتحن حلمه.
فقال الأعرابي:
стр. 101
أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال معن: أذكر ولا أنساه.
فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكاً ... وعلمك الجلوس على السرير
فقال معن: .
فقال الأعرابي:
فلست مسلِّماً إن عشت دهراً ... على معنٍ بتسليم الأمير
فقال معن: يا أخا العرب! السلام سنة.
فقال الأعرابي:
سأرحل من بلاد أنت فيها ... ولو جار الزمان على الفقير
فقال معن: يا أخا العرب إن جاورتنا فمرحباً
стр. 102
بك، وإن رحلت فمصحوبًا بالسلامة.
فقال الأعرابي:
فجد لي يا ابن ناقصة بشيء ... فإني قد عزمت على المسير
فقال معن: أعطوه ألف دينار ليستعين بها على سفره.
فأخذها وقال:
قليل ما أتيت به وإني ... لأطمع منك بالمال الكثير
فقال معن: أعطوه ألفاً آخراً.
فأخذها وقال:
سألت الله أن يبقيك ذُخراً ... فمالك في البرية من نظير
فقال معن: أعطوه ألفاً آخراً.
فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين ما جئت إلا
стр. 103
مختبراً حلمك، فقد جمع الله فيك من الحلم ما لو قُسّم على أهل الأرض لكفاهم:
فقال معن: يا غلام، كم أعطيته على نظمه؟
قال: ثلاثة آلاف دينار.
فقال: أعطه على نثره مثلها.
فانظر يا أخي وتأمل في فضائل الحلم وترك الغضب كيف يمثل الشجاعة وعلو الهمة وقوة القلب وضبط النفس (١).
******
стр. 104
النوع الثاني: إخلاص النية في طلب العلم:
ينبغي أن ينوي المتعلم بطلب العلم رضاء الله تعالى والدار الآخرة، ومراقبة الله في السر والعلن، ولزوم الخضوع والخشوع والمحافظة على حقوقه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله، وينوي كذلك إزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال، وإحياء الدين وإبقاء الإسلام، فإن بقاء الإسلام بالعلم.
ولا يقصد به الأغراض الدُّنيَوِيَّة، لأنَّ العلم عبادة، فإن خلصت فيه النِّيَّةُ قُبِلَ وَنَمَتْ بَرَكَتُهُ، وإن قُصِدَ بهِ غَيْرُ وَجْهِ الله تَعَالَى حَبَطَ وَخَسِرَتْ صَفْقَتُهُ.
فاحذر كل الحذر من طلب العلم لأجل الجاه والحشمة وجمع حطام الدنيا.
قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (الشورى:٢٠)
وفي الحديث: «إِنَّ أَوَّلَ الناس يُقْضَى يوم الْقِيَامَةِ
стр. 105
عليه رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها، قال: قَاتَلْتُ فِيكَ حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها، قال: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هو قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّارِ ... » (١). الحديث.
стр. 106
وتصحيح النية يحتاج إلى أربعة أشياء:
١ - أن ينوي بتعلمه الخروج من الجهل؛ لأن الله تعالى قال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر:٩)
٢ - أن ينوي به منفعة الخلق؛ لأن النبي ﵌ قال: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السماوات وَالْأَرَضِينَ حتى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ الناس الخَيْرَ» (١).
٣ - أن ينوي به إحياء العلم، لأن الناس لو تركوا التعلم لذهب العلم ورفعه ذهاب العلماء. كما روى أن النبي ﵌ قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ
стр. 107
انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حتى إذا لم يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (١).
٤ - أن ينوي به أن يعمل به لا بخلافه؛ لأن العلم آلة للعمل وطلب الآلة لا للعمل لغو كما إذا عمل لا بالعلم وهو لغو. وقيل: «العلم بلا عمل وبال، والعمل بلا علم ضلال» (٢).
فينبغي عليك يا طالباً للعلم إخلاص النية لله في طلبك العلم وأن تُعلم أهلك ومن أمكنك تعليمه من المسلمين قاصداً بذلك وجه الله تعالى. نسأل الله تعالى الإخلاص لوجهه الكريم ... آمين.
стр. 108
النوع الثالث: التوبة .
عليك يا طالباً للعلم - وفقك الله - بالتوبة؛ ليحصل لك توفيق العلم، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان، ويعقب الخذلان، وإن الإصرار على الذنوب مما يسود القلوب فتجدها في ظلمة وقساوة لا خلوص فيها ولا صفاوة ولا لذة ولا حلاوة. فيا عجبًا كيف يوفق للعلم من هو في شؤم وقسوة متلطخ بالذنوب والآثام، فلا جرم لا يكاد يجد المصر على العصيان توفيقًا للعلم، وكل ذلك لشؤم الذنوب وترك التوبة (١).
ورحم الله الإمام الشافعي حيث قال:
شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي ... فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ ... وَنورُ اللهِ لا يُهدى لِعاصي
стр. 109
بيان وجوب التوبة وفضلها:
اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار والآيات، وهو واضح بنور البصيرة عند من شرح الله بنور الإيمان صدره، فإن من عرف أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى وأن كل محجوب عنه شقي لا محالة، وعلم أن لا مُبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات، ولا مقرب من لقائه إلا الإقبال على الله بدوام ذكره، وعلم إن الذنوب سبب كونه محجوباً مبعداً عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم. (١)
قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:٣١). وهذا أمر على العموم.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم:٨)
стр. 110
وقال ﵌: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى الله؛ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١).
* ويدل على فضل التوبة:
قول الله تعالى: (إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:٢٢٢)
وقوله ﵌: «لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا» (٢).
مقدمات التوبة:
وقد ذكر الإمام الغزالي ﵀ مقدمات التوبة وهي:
١ - ذكر غاية قبح الذنب.
٢ - ذكر شدة عقوبة الله وأليم سخطه وغضبه الذي لا طاقة لك به.