← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96879

الأخلاق الزكية في آداب الطالب المرضية

أحمد بن يوسف الأهدل

Полный текст (237 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

آداب الطالب مع شيخه، وفيه عشرة أنواع: وقد ذكر العلامة أبي إسحاق إبراهيم ابن جماعة الكناني -رحمه الله تعالى- جملة من الآداب التي ينبغي لطالب العلم التحلي بها مع شيخه وما هنا مأخوذ منها مع بعض تصرفٍ. النوع الأول: اختيار الشيخ: يَنْبَغِي لطالبِ العلم أَنْ يقدم النظر ويَسْتَخِيرَ الله فِي مَنْ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليماً وأجود تفهيماً، ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في روع أو دين أو عدم خُلق جميل. قال بعض السَّلَف: «هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».

стр. 142

وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق. قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: «مَنْ تَفَقَّهَ مِنْ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الأَحْكَامَ». وكان بعضهم يقول: «من أعظم البلية تشيخ الصحيفة» أي الذين تعلموا من الصحف، وفي هذا المعنى قالوا: «من كان شيخه كتابه، كان خطأه أكثر من صوابه» (١). ****** النوع الثاني: التواضع والإجلال للشيخ: ينبغي لطالب العلم أن يتواضع فإن العلم لا ينال إلا بالتواضع، وتواضع الطالب لشيخه رفعة، وذله عزَّ، وخضوعه له فخر، فعلى الطالب أن يتحرى رضا شيخه، ويبالغ في حرمته، ويتقرب إلى

стр. 143

الله بخدمته ويعلم أن تواضعه له رفعة. وقد أخذ سيدنا ابن عباس ﵄ مع جلالته وقرابته للمصطفى ﵌ بركاب سيدنا زيد بن ثابت ﵁ لكونه شيخه، وقال: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا». فقبل زيدٌ يده، وقال: «هكذا أُمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا ﵌» (١). قال الإمام الشَّافعي -رحمه الله تعالى -: «لا يطلُبُ أَحدٌ هذا العلم بِالمُلكِ وعِزِّ النَّفسِ فيفلح , ولكن من طلبهُ بِذُلِّ النَّفسِ وضيقِ العيشِ وخدمةِ العُلماءِ أَفلحَ». وقال أَيضًا: «لا يُدْرَكُ الْعِلْمُ إلاَّ بِالصَّبْرِ عَلَى الذُّلِّ». وقال أَيضًا: «كُنتُ أَصفحُ الورقة بين يدي مالكٍ ﵀ صفحًا رفيقًا هيبةً لهُ. لئلا يسمع وقعها».

стр. 144

وقال الرَّبيعُ -رحمه الله تعالى-: «وَالله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشَّافعيُّ ينظُرُ إلَيَّ هيبةً لهُ» (١). وعن كعب الأحبار قال: «ثلاثة نجد في الكتاب يحق علينا أن نكرمهم، وأن نُشَرِّفهم، وأن نوسّع عليهم في المجالس، ذو السِّن، وذو السلطان لسلطانه، وحامل الكتاب» (٢). قال أبو عبد الله يحيى بن عبد الملك الموصلي: «رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له، والتوقير له، وإذا رفع أحد صوته صاحوا به. وكان إلى الأدمة ما هو» (٣). * وإذا خاطب الطالبُ المحدث عَظَّمة في خطابه، بنسبته إياه إلى العلم. مثل أن يقول له: «أيها العالم، أو أيها الحافظ، ونحو ذلك» (٤).

стр. 145

وقال بعض السلف: «كان الرجلُ يَجْلِسُ إلى الحسن ثلاث سنين، فلا يَسْأَلُهُ عن شيءٍ هيبة له». وعن عبد الرحمن بن حَرْمَلَة الأسْلَمي قال: «ما كان إنسان يجترىء على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذِنَه كما يُسْتأذن الأمير» وكان ابن شهاب يقول: «جالستُ سعيد بن المسيب ست سنين، تَحُاكُّ رُكبتِي ركبتَه، لا أقدر منه على حديث، إلا أَني أقول: قالوا اليوم كذا، وقالوا اليوم كذا، فيتكلم». وقال ابن الخياط يمدح مالك بن أنس: يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَع هَيْبَةً ... والسائلون نَواكسُ الأذْقَان نُور الوقار وعِزُّ سلطانِ التُّقَى ... فهو المَهِيب وليس ذا سُلطان قال إسحاق الشهيدي: «كنتُ أرى يحيى القطًّان يصلي العصر، ثم يستندُ إلى أصل مَنارَة مسجده، فيقف بين يديه، عليُّ بن المَديني،

стр. 146

والشَّاذَكُوني، وعَمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين وغيرُهم، يسألونه عن الحديث -وهم قيام على أرجلهم- إلى أن تَحينَ صلاةُ المغرب. لا يقولُ لواحدٍ منهم: أجلس، ولا يجلسون هَيْبَةً وإعظاماً» (١). ****** النوع الثالث: معرفة حق الشيخ: ينبغي لطالب العلم أن يعرف للشيخ حقه، ولا ينسى له فضله، ومن ذلك أن يعظم حرمته، ويرد غيبته، ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس. وينبغي أن يدعو له مدة حياته، ويرعى ذريته وأقاربه بعد وفاته، ويعتمد زيارة قبره والاستغفار له والصدقة عنه ويتأدب بآدابه، ولا يدع الإقتداء به. قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: وينبغي أن ينظر معلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته, ورجحانه على أكثر طبقته , فهو أقرب إلى انتفاعه به ,

стр. 147

ورسوخ ما سمعه منه في ذهنه. وقد كان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال: «اللهمَّ اُسْتُرْ عَيْبَ مُعَلِّمِي عَنِّي، وَلاَ تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي» (١). قال علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-: «لا يَعْرِفُ فَضْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ إلا أَهْلُ الْفَضْلِ» (٢). وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- قال: «من حقِّ العالم عليك أن تُسلِّم على القومِ عامَّةً وتخُصَّهُ بِالتَّحيَّة، وأن تجلس أَمامهُ، ولا تُشيرنَّ عندهُ بِيدك، ولا تعمدنَّ بِعينك غيرهُ، ولا تقُولنَّ: قال فُلانٌ خلاف قوله، ولا تغتابنَّ عندهُ أَحدًا، ولا تُسارَّ في مجلسه، ولا تأخُذ بِثوبِه، ولا تُلحَّ عليه إذا كسل، ولا تشبع من طُول صحبته، فإِنَّما هُو كالنَّخلة تنتظرُ متى يسقُطُ عليك منها شيءٌ» (٣).

стр. 148

وكان شعبة يقول: «كل من سمعت له حديثاً فأنا له عبداٌ» (١). فيتأكد على طالب العلم أن ينشر فضائل شيخه. * التحذير من انتقاص العلماء، والحث على إكرامهم، وتعظيم حُرُماتهم . قال بعض الحكماء: «إذَا اصْطَنَعَتْ المَعْرُوفَ فَاسْتُرْهُ، وَإِذَا صُنِعَ إلَيْك فَانْشُرْهُ». قال الإمام النووي ﵀ تعال- في المجموع: فصلٌ في النَّهيِ الأكيد، والوعيد الشَّديد، لمن يُؤذي أو ينتقِصُ الفُقهاء، والمُتفقِّهِين، والحثُّ على إكرامهم، وتعظِيمِ حُرُماتهم. قَالَ الله تَعَالَى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:٣٢) وَقَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ

стр. 149

خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج:٣٠) وَقَالَ تَعَالَى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:٨٨) وَقَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:٥٨) وثبت فِي صحيحِ البُخارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﵌: «إِنَّ الله قال: من عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» (١). وروى الخطيبُ البغداديُّ عن الشَّافعيِّ، وأبِي حنيفة ﵄ قالا: «إن لم تكُن الفُقهاءُ أولياء الله فليس لله ولِيٌّ». وفي كلامِ الشَّافعيِّ: «الفُقهاءُ العاملُون». وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «مَنْ

стр. 150

آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذى رَسُولَ الله ﵌ وَمَنْ آذَى رَسُولَ الله ﵌ فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى ». ونقل الإمام النووي عن الإمَامُ الْحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرٍ ﵀ أنه قال: «اعلم يا أَخي وفَّقني الله وإِيَّاك لمرضاته، وجعلنا ممَّن يخشاهُ ويتَّقيه حَقَّ تُقاته، أَنَّ لُحُوم العُلماء مسمُومةٌ، وعادة الله في هتك أَستارِ مُنتقصهِم معلُومةٌ، وأَنَّ من أَطلقَ لسانهُ فِي العُلماء بِالثَّلبِ بلاهُ الله قبل موته بِموت القلبِ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (١). (النور:٦٣) ****** النوع الرابع: الصبر على جفوة الشيخ: ينبغي لطالب العلم أن يصبِر على جفوةٍ تصدُرُ من شيخه أو سُوءِ خُلُقٍ، ولا يصدّه ذلك عن ملازمته

стр. 151

وحسنِ عقيدته، ويتأوّلُ أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع، وينسب الموجب إليه، ويجعل العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته. فعن الزهري قال: «كان أبو سلمة يماري ابن عباس فحُرم بذلك علماً كثيراً». وقال أبو عمر: روينا من وجوه كثيرة عن أبي سلمة أنه قال: «لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علماً كثيراً» (١). قال الإمام النووي ﵀ تعالي- في المجموع: «وينبغي أن يصبِر على جفوة شيخه، وسُوء خُلُقه، ولا يصُدُّهُ ذلك عن مُلازمته واعتقاد كماله، ويتأوّل لأفعاله الَّتي ظاهرُها الفسادُ تأوِيلاتٍ صحِيحةً، فما يعجزُ عن ذلك إلا قليلُ التَّوفيق.

стр. 152

وإذا جفاهُ الشَّيخُ ابتدأ هو بِالاعتذارِ، وأَظهر أنَّ الذَّنب لهُ، والعتب عليهِ، فذلك أَنفعُ لهُ دينًا ودنيا، وأبقى لقلب شيخه. وقد قالُوا: من لم يصبِر على ذُلِّ التَّعَلُّمِ بقي عُمُرَهُ فِي عماية الجهالة، ومن صبر عليه آلَ أمرُهُ إلى عِزِّ الآخرة والدُّنيا. ومنه الأثرُ المشهُورُ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: «ذُلِلْتُ طَالِبًا فَعُزِّزْتُ مَطْلُوبًا» (١). وكان الشافعي يقول: كان يختلف إلى الأعمش رجلان، أحدهما كان الحديث من شأنه، والآخرُ لم يكن الحديث من شأنه، فغضب الأعمش يوماً على الذي من شأنه الحديث، فقال الآخر: «لو غضب عليّ كما غضب عليك لم أعُدْ إليه فقال الأعمش: إذن هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خُلُقي» وقال الشافعي: «قيل لسفيان بن عيينة: إن

стр. 153

قومًا يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم؟ يوشك أن يذهبوا ويتركوك. قال: هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خُلُقي» (١). وقال بعضهم: أصْبِرْ لِدَائِك إنْ جَفَوْت طَبِيبَهُ ... وَاصْبِرْ لِجَهْلِك إنْ جَفَوْت مُعَلِّمَا وقال الإمام الشافعي (٢) - رحمه الله تعالى - اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ ... فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ (٣) في نَفَراتِهِ وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً ... تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ

стр. 154

* وقد رجَّح كثيرٌ من الحكماء حقَّ العالم على حقِّ الوالد حتَّى قال بعضهم (١): يَا فَاخِرًا لِلسَّفَاهِ بِالسَّلَفِ ... وَتَارِكًا لِلْعَلاءِ وَالشَّرَفِ آبَاءُ أَجْسَادِنَا هُمْ سَبَبٌ ... لأنْ جُعِلْنَا عَرَائِضَ التَّلَفِ مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ كَانَ خَيْرَ أَبٍ ... ذَاكَ أَبُو الرُّوحِ لا أَبُو النُّطَفِ ****** النوع الخامس: الشكر للشيخ: ينبغي على الطالب أن يشكر الشيخ على توفيقه على ما فيه فضيلة وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة أو على كسل يعتريه أو قصور يعانيه أو غير ذلك مما فيه إيقافه عليه، وتوبيخه هو عين إرشاده وصلاحه، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به، ونظره إليه، فإن شكر الطالب

стр. 155

أميل إلى قلب الشيخ، وأبعث على الاعتناء بمصالحه. وإذا أوقفه الشيخ على دقيقة من أدب أو نقيصة صدرت منه وكان يعرفه من قبل فلا يظهر أنه كان عارفاً به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك، واعتنائه بأمره، فإن كان له في ذلك عذر، وكان إعلام الشيخ به أصلح، فلا بأس به. ****** النوع السادس: آداب الدخول على الشيخ: ينبغي على الطالب ألا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف، ولا يكرر الاستئذان، وإن شك في علم الشيخ به فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات، وإذا أذن وكانوا جماعة يقدم أفضلهم وأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم سلم عليه الأفضل فالأفضل. قال الإمام النووي ﵀ تعالي- في

стр. 156

المجموع: «وألا يدخُل عليه بِغير إذنٍ، وإِذا دخل جماعةٌ قدَّمُوا أفضلهُم وأَسنَّهُم، وأَن يدخُل كامل الهيبة، فارِغ القلبِ من الشَّواغلِ، مُتطهِّرًا مُتنظِّفًا بِسواكٍ، وقصِّ شارِبٍ وظُفرٍ، وإِزالة كرِيه رائحةٍ، ويُسلِّم على الحاضرِين كُلِّهِم بِصَوتٍ يُسمعُهُم إسماعًا مُحقَّقًا، ويخُصَّ الشَّيخ بِزِيادة إكرامٍ، وكذلك يُسلِّم إذا انصرف، ففي الحديث الأمرُ بذلك، ولا التفات إلى من أنكرهُ» (١). * أدب الاستئذان على العلماء: وإذا وجد الطالبُ شيخه نائماً فلا ينبغي له أن يستأذن عليه، بل يجلس وينتظر استيقاظه، أو ينصرف إن شاء. قال أبو عُبيد القاسم بن سلاّم: «ما استأذنت قط على محدث كنت أنتظره حتى يخرج اليَّ. وتأوَّلتَ قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ

стр. 157

خَيْراً لَهُمْ) (١). (الحجرات:٥) وعن ابن عباس ﵄ قال: «وجدت عامة علم رسول الله ﵌ عند هذا الحي من الأنصار. إن كنتُ لأقيل بباب أحدهم ولو شئتُ أن يُؤُذَن لي عليه لأُذِن لي عليه، ولكن أبتغي بذاك طيب نفسه» وكان ابن عباس ﵄ يأتي الرجل من أصحاب النبي ﵌ يريد أن يسأله عن الحديث. فيقال له: «إنه نائم، فيضطجع على الباب. فيقال له: ألا نوقظه؟ فيقول: لا» (٢). وكان الزهري يقول: «إن كنتُ لآتي باب عروة، فأجلس، ثم أنصرف فلا أدخل - ولو شئت أن أدخل لدخلت - إعظاماً له» (٣).

стр. 158

* كيفية الوقوف على باب العالم للاستئذان: إذا كان باب دار المحدث مفتوحاً، فينبغي للطالب أن يقف قريباً منه، ويستأذن. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الْبَصَرُ فَلا إِذْنَ» (١). * جواز طرق الباب وصفته: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كانت أبواب النبي ﵌ تقرع (٢) بالاظافير» (٣). وإذا حضر جماعة من الطلبة قدموا أسنهم * وإذا حضر جماعة من الطلبة باب المحدث وأذن لهم في الدخول، فينبغي أن يقدموا أسنهم ويدخلوه أمامهم، فان ذلك هو السنة:

стр. 159

فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال: «البركة مع أكابركم» (١). قال يعقوب بن سفيان: بلغني أن الحسن وعليًا، ابني صالح كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي، فلم ير قط الحسن مع علي في مجلس إلا جلس علي دونه، ولم يكن يتكلم مع الحسن إذا اجتمعا في مجلس (٢). * وإن قَدَّمَ الأكبرُ على نفسه مَنْ كان أعلم منه جاز ذلك ، وكان حَسَناً: قال الحسين بن منصور: «كنت مع يحيى بن يحيى، وإسحاق - يعني ابن راهويه- يومًا نعود مريضًا، فلما حاذينا الباب تأخّر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم. فقال يحيى لإسحاق: تقدم أنت.

стр. 160

قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني. قال: نعم أنا أكبر منك، وأنت أعلم مني، فَتقَدَّمَ إسحاقُ (١). ****** النوع السابع: آداب جلسة الدرس: ينبغي على الطالب أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب بتواضع وخضوع وسكون وخشوع، ويصغي إلى الشيخ ناظراً إليه، ولا يلتفت من غير ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أوقدامه بغير حاجة ولا سيما عند بحثه له أو عند كلامه معه، ولا يفتح فاه، ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض براحته، أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبك بيديه أو يبعث بإزاره، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة أو يجعل يده عليها، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه، ولا كثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك

стр. 161

منه أو ما فيه بذاءة أو يتضمن سوء مخاطبة، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يتنخم ما أمكنه، ولا يلفظ النخامة من فيه، بل يأخذها من فيه بمنديل، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه، إذا عطس خفض صوته جهده، وستر وجهه بمنديل أو نحوه، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده (١). فعَنْ أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ» (٢).

стр. 162

النوع الثامن: التلطف في السؤال والجواب: ينبغي على الطالب أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان. وَقَدْ قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «بِمَ نِلْت هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ وَقَلْبٍ عُقُولٍ» (١). وأنشد المبرِّدُ عن أبي سليمان الغنويِّ: فَسَلْ الْفَقِيهَ تَكُنْ فَقِيهًا مِثْلَهُ ... لا خَيْرَ فِي عِلْمٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرِ وَإِذَا تَعَسَّرَتْ الأمُورُ فَأَرْجِهَا ... وَعَلَيْك بِالأمْرِ الَّذِي لَمْ يَعْسِرِ وإذا ذكر الشيخ شيئاً فلا يقل هكذا قلت أو خطر لي أو سمعت أو هكذا قال فلان بخلاف ما قلت، ويشير عليه بخلاف رأيه، فيرى أنه أعلم بالصواب من شيخه، فالحذر الحذر من سوء الأدب مع شيخه، بل يأخذ رأيه ببشر ظاهر، وإن لم يكن الشيخ مصيباً لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك

стр. 163

الحال، فإن العصمة في البشر مقصورة على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في المجموع: «ولا يسألهُ عن شيءٍ في غير موضعه إلا أَن يعلم من حاله أَنَّهُ لا يكرهُهُ. ولا يُلحَّ فِي السُّؤَال إلحاحًا مُضجرًا، ويغتنم سُؤالهُ عند طيبِ نفسه وفراغه، ويتلطَّف في سُؤاله، ويُحسن خِطابهُ، ولا يستحي من السُّؤَال عمَّا أُشكل عليه، بل يستوضحُهُ أكمل استيضاحٍ، فمن رَقَّ وجهُهُ رَقَّ علمُهُ، ومن رَقَّ وجهُهُ عند السُّؤال ظهر نقصُهُ عند اجتماع الرِّجال» (١). ****** النوع التاسع: الإصغاء والالتفات إلى الشيخ: ينبغي على الطالب إذا سمع الشيخ يذكر حكماً في مسألة أو فائدة أو يحكي حكاية أو ينشد شعراً وهو يحفظ ذلك أصغى إليه إصغاء مستفيد له في

стр. 164

الحال متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط. قال عطاء (١): «أني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أي لا أحسن منه شيئاً». وعن الضحاك بن مُزاحم قال: أول باب من العلم: الصمتُ. والثاني: استماعهُ. والثالث: العملُ به. والرابع: نشرهُ وتعليمُه (٢). قال معاذ بن سعيد: «كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه فقال عطاء: سبحان الله ما هذه الأخلاق ما هذه الأحلام إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا اعلم منه فأريهم من نفسي أني لا أحسن منه شيئا».

стр. 165

وعن عطاء قال: «إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمع، ولقد سمعتُه قبل أنْ يُولدَ». وقال خالد بن صفوان: «إذا رأيتَ محدّثاً يحدث حديثاً قد سمعته، أو يخبرُ خبراً قد علمته، فلا تشاركه فيه، حرصاً على أن تعلِّم من حَضَركَ أنك قد علمته، فإن ذلك خِفَّةٌ وسوءُ أدب» (١). قال بعض الفضلاء: ولا تُشارك في الحديث أهلَهُ ... وإن عرفتَ فَرعهُ وأصلَهُ ****** النوع العاشر: آداب المشي مع الشيخ: ينبغي على الطالب إذا مشى مع شيخه فليكن أمامه بالليل وخلفه بالنهار إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها، ويتقدم عليه في المواطئ

стр. 166

المجهولة الحال كوحل (١) أو المواطئ الخطيرة، ويحتذر من ترشيش ثياب الشيخ، وإذا كان في زحمة صانه عنها بيديه، إما من قدامه أو من ورائه، وإذا صادف الشيخ في طريقه بدأه بالسلام، ويقصد بالسلام إن كان بعيداً، ولا يناديه ولا يسلم عليه من بعيد ولا من روائه بل يقرب منه ويتقدم عليه ثم يسلم. * ولا ينبغي لطالب العلم أن يسأل شيخه وهو قائم ولا وهو يمشي لأن لكل مقام مقالاً وللحديث مواضع مخصوصة دون الطرقات، والأماكن الدَنيّة. وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يكره أن يُسأل وهو يمشي. قال بشر بن الحارث: سأل رجل ابن المبارك عن حديث -وهو يمشي- فقال: ليس هذا من توقير العلم. قال بشر فاستحسنتُه جداً (٢).

стр. 167

القسم الثالث: آداب الطالب مع دروسه: وفيه ثمانية أنواع:

стр. 168

النوع الأول: الابتداء بكتاب الله العزيز: فعلى الطالب أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلاً بِكِتَابِ الله الْعَزِيزِ فَيُتْقِنَهُ حِفْظًا، وَيَجْتَهِدَ فِي إتْقَانِ تَفْسِيرِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها. قال الأمام النووي -رحمه الله تعالى-: «كَانَ السَّلَفُ لاَ يُعَلِّمُونَ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ إلاَ لِمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَإِذَا حَفِظَهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْ الاِشْتِغَالِ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا اشْتِغَالاً يُؤَدِّي إلَى نِسْيَانِ شَيْءٍ مِنْهُ. أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ» (١). قال بعض السلف: «كنا إذا جالسنا الأوزاعيَّ فرأى فينا حَدَثاً قال: يا غلام، قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم قال اقرأ: (يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: ١١]

стр. 169

وإن قال: لا، قال: اذهب تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم». فإذا رزقه الله تعالى حفظ كتابه فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث أو غيره من العلوم اشتغالاً يؤدي إلى نسيانه. (١) ... فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» (٢). ... ثم يحفظ من كل فن مختصراً ويشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ وليحذر من الاعتماد في ذلك على الكتب أبداً، بل يعتمد في كل فن من هو أحسن

стр. 170

تعليماً له) (١). قال الأمام النووي -رحمه الله تعالى-: «وَيَبْدَأُ بِالأهَمِّ، وَمِنْ أَهَمِّهَا الْفِقْهُ وَالنَّحْوُ، ثُمَّ الْحَدِيثُ وَالأصُولُ، ثُمَّ الْبَاقِي عَلَى مَا تَيَسَّرَ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِاسْتِشْرَاحِ مَحْفُوظَاتِهِ، وَيَعْتَمِدُ مِنْ الشُّيُوخِ فِي كُلِّ فَنٍّ أَكْمَلَهُمْ» (٢). قال الماوردي -رحمه الله تعالى-: «وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلُومِ أَوَائِلَ تُؤَدِّي إلَى أَوَاخِرِهَا، وَمَدَاخِلَ تُفْضِي إلَى حَقَائِقِهَا. فَلْيَبْتَدِئْ طَالِبُ الْعِلْمِ بِأَوَائِلِهَا لِيَنْتَهِيَ إلَى أَوَاخِرِهَا، وَبِمَدَاخِلِهَا لِتُفْضِيَ إلَى حَقَائِقِهَا. وَلا يَطْلُبُ الآخِرَ قَبْلَ الأوَّلِ، وَلا الْحَقِيقَةَ قَبْلَ المَدْخَلِ. فَلا يُدْرِكُ الآخِرَ وَلا يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ ; لأنَّ الْبِنَاءَ عَلَى غَيْرِ أُسٍّ لا يُبْنَى، وَالثَّمَرُ مِنْ غَيْرِ غَرْسٍ لا يُجْنَى» (٣). ******

стр. 171

النوع الثاني: التصحيح قبل الحفظ: ينبغي على الطالب العلم أن يصحح ما يقرؤه قبل حفظه تصحيحاً متقناً إما على شيخه أو على غيره مما يعينه ثم يحفظه بعد ذلك حفظاً محكماً ثم يتعاهده في أوقات يقررها. قال الأمام النووي رحمه الله تعالى: «وَيَعْتَنِيَ بِتَصْحِيحِ دَرْسِهِ الَّذِي يَتَحَفَّظُهُ، تَصْحِيحًا مُتْقَنًا عَلَى الشَّيْخِ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ حِفْظًا مُحْكَمًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُكَرِّرُهُ مَرَّاتٍ لِيَرْسَخَ رُسُوخًا مُتَأَكَّدًا، ثُمَّ يُرَاعِيه بِحَيْثُ لاَ يَزَالُ مَحْفُوظًا جَيِّدًا. وَيُدَاوِمُ عَلَى تَكْرَارِ مَحْفُوظَاتِهِ، وَلاَ يَحْفَظُ ابْتِدَاءً مِنْ الْكُتُبِ اسْتِقْلاَلاً، بَلْ يُصَحِّحُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَالاِسْتِقْلاَلُ بِذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْمَفَاسِدِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: «مَنْ تَفَقَّهَ مِنْ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الأحْكَامَ» (١).

стр. 172

وذكر العلامة محمد السفاريني الحنبلي - رحمه الله تعالى - في غذاء الألباب مراتب التعلم وحرمانه فقال: «وَاعْلَمْ أَنَّ لِلتَّعَلُّمِ سِتَّ مَرَاتِبَ: (أَوَّلُهَا): حُسْنُ السُّؤَالِ. (ثَانِيهَا): حُسْنُ الْإِنْصَاتِ وَالاِسْتِمَاعِ. (ثَالِثُهَا): حُسْنُ الْفَهْمِ. (رَابِعُهَا): الْحِفْظُ. (خَامِسُهَا): التَّعْلِيمُ. (سَادِسُهَا): وَهِيَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلُ بِهِ وَمُرَاعَاةُ حُدُودِهِ. وَحِرْمَانُ الْعِلْمِ يَكُونُ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا): تَرْكُ السُّؤَالِ. (الثَّانِي): سُوءُ الإنْصَاتِ وَعَدَمُ إلْقَاءِ السَّمْعِ. (الثَّالِثُ): سُوءُ الْفَهْمِ.

стр. 173

(الرَّابِعُ): عَدَمُ الْحِفْظِ. (الْخَامِسُ): عَدَمُ نَشْرِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَمَنْ خَزَّنَ عِلْمَهُ وَلَمْ يَنْشُرْهُ ابْتَلاهُ الله بِنِسْيَانِهِ جَزَاءً وِفَاقًا. (السَّادِسُ): عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ يُوجِبُ تَذَكُّرَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَمُرَاعَاتَهُ وَالنَّظَرَ فِيهِ، فَإِذَا أَهْمَلَ الْعَمَلَ بِهِ نَسِيَهُ». قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ العِلمِ بالعَمَلِ بِهِ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «العِلمُ يَهتِفُ بِالعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاّ ارْتَحَلَ، فَمَا اسْتَدَرَّ الْعِلْمُ وَاسْتُجْلِبَ بِمِثْلِ العَمَلِ بِهِ». انتهى (١). ****** النوع الثالث: الاشتغال بعلم الحديث: ينبغي على الطالب أن يبكر بسماع الحديث

стр. 174

ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه ويعتني أولاً بصحيحي البخاري ومسلم ثم بقية الكتب. ... قال الإمام الشافعي (١) -رحمه الله تعالى-: «إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله ﵌ -جزاهم الله خيراً- حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل». ومن شعره في هذا المعنى: كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: «ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق القوام، باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه

стр. 175

وسلم ما أمكنه، وتوظيف السُّنَن على نفسه، فإن الله تعالى يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)» [الأحزاب: ٢١] وقال بعض السلف: «ينبغي للرجل إذا سمع شيئاً من آداب النبي ﷺ أن يتمسّك به». وكان الثوري يقول: «إن استطعت الاَّ تَحُكَّ رأسك إلا بأَثَر فافعل». وقال الحسن: «كان الرجل يطلب العلم، فلا يَلْبَث أن يُرَى ذلك في تَخَشُّعه وهَدْيه ولسانه وبصره ويده» (١)﴾ وكان بعض السلف يقول: «إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله» (٢).

стр. 176

النوع الرابع: الانتقال إلى المبسوطات: ينبغي على الطالب إذا شرح محفوظاته المختصرات وضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد انتقل إلى بحث المبسوطات مع المطالعة الدائمة وتعليق ما يمر به أو يسمعه من الفوائد النفسية والمسائل الدقيقة من جميع أنواع العلوم. قال الأمام النووي -رحمه الله تعالى-: «وَإِذَا بَحَثَ المُخْتَصَرَاتِ، انْتَقَلَ إلَى بَحْثٍ أَكْبَرَ مِنْهَا مَعَ المُطَالَعَةِ المُتْقَنَةِ، وَالْعِنَايَةِ الدَّائِمَةِ المُحْكَمَةِ، وَتَعْلِيقِ مَا يَرَاهُ مِنْ النَّفَائِسِ وَالْغَرَائِبِ وَحَلِّ المُشْكِلاَتِ مِمَّا يَرَاهُ فِي المُطَالَعَةِ أَوْ يَسْمَعُهُ مِنْ الشَّيْخِ. وَلاَ يَحْتَقِرَنَّ فَائِدَةً يَرَاهَا أَوْ يَسْمَعُهَا فِي أَيِّ فَنٍّ كَانَتْ، بَلْ يُبَادِرُ إلَى كِتَابَتِهَا ثُمَّ يُوَاظِبُ عَلَى مُطَالَعَةِ مَا كَتَبَهُ» (١). ولذا قيل (٢):

стр. 177

العلمُ صيدٌ والكتابةُ قَيْدُه ... قَيِّد صيودَك بالحبال الواثقةْ فمن الحماقة أن تصيدَ غزالةً ... وتفكها بين الخلائق طالقة وقد نظم بعضهم ما تضمنه هذان البيتان في قوله: قيد بخطك ما أبداه فكرك من ... نتائج تعجب الحذاق الفضلا فما نتائج فكر المرء بارزة ... في كل وقت إذا ما شاءها فعلا وينبغي على طالب العلم أن يغتنم وقت فراغه ونشاطه، وزمن عافيته وشبابه، ونباهة خاطره، وقلة شواغله قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة. وليحذر من نظر نفسه بعين الجمال والاستغناء عن المشايخ فإن ذلك عين الجهل وقلة المعرفة وما

стр. 178

يفوته أكثر مما حصله. وقد قال بعضهم: «لا يزال الرجل عالماً ما تعلم فإذا ترك التعلم فهو أجهل ما يكون» (١). قال الأمام الماوردي -رحمه الله تعالى-: «الشُّرُوطُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا عِلْمُ الطَّالِبِ وَيَنْتَهِي مَعَهَا كَمَالُ الرَّاغِبِ مَعَ مَا يُلاحَظُ بِهِ مِنْ التَّوْفِيقِ وَيَمُدُّ بِهِ مِنْ الْمَعُونَةِ فَتِسْعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْعَقْلُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ حَقَائِقَ الأمُورِ. وَالثَّانِي: الْفِطْنَةُ الَّتِي يَتَصَوَّرُ بِهَا غَوَامِضَ الْعُلُومِ. وَالثَّالِثُ: الذَّكَاءُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ حِفْظُ مَا تَصَوَّرَهُ وَفَهْمُ مَا عَلِمَهُ. وَالرَّابِعُ: الشَّهْوَةُ الَّتِي يَدُومُ بِهَا الطَّلَبُ وَلا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْمَلَلُ.

стр. 179

وَالْخَامِسُ: الاِكْتِفَاءُ بِمَادَّةٍ تُغْنِيهِ عَنْ كَلَفِ الطَّلَبِ. وَالسَّادِسُ: الْفَرَاغُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ التَّوَفُّرُ وَيَحْصُلُ بِهِ الاِسْتِكْثَارُ. وَالسَّابِعُ: عَدَمُ الْقَوَاطِعِ المُذْهِلَةِ مِنْ هُمُومٍ، وَأَمْرَاضٍ. وَالثَّامِنُ: طُولُ الْعُمُرِ وَاتِّسَاعُ الْمُدَّةِ ; لِيَنْتَهِيَ بِالاِسْتِكْثَارِ إلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَالتَّاسِعُ: الظَّفَرُ بِعَالِمٍ سَمْحٍ بِعِلْمِهِ مُتَأَنٍّ فِي تَعْلِيمِهِ. فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ التِّسْعَةَ فَهُوَ أَسْعَدُ طَالِبٍ، وَأَنْجَحُ مُتَعَلِّمٍ». وَقَدْ قَالَ بعض الحكماء: «يَحْتَاجُ طَالِبُ الْعِلْمِ إلَى أَرْبَعٍ: مُدَّةٌ، وَجِدَّةٌ، وَقَرِيحَةٌ، وَشَهْوَةٌ. وَتَمَامُهَا فِي الْخَامِسَةِ مُعَلِّمٌ نَاصِحٌ» (١).

стр. 180

وقال ﵀ أيضاً-: «واعلم أَنَّ الْعِلْمَ عِوَضٌ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ، وَمُغْنٍ عَنْ كُلِّ شَهْوَةٍ». قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: «مَنْ تَفَرَّدَ بِالْعِلْمِ لَمْ تُوحِشْهُ خَلْوَةٌ، وَمَنْ تَسَلَّى بِالْكُتُبِ لَمْ تَفُتْهُ سَلْوَةٌ. وَمَنْ آنَسَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، لَمْ تُوحِشْهُ مُفَارَقَةُ الأخْوَانِ» (١). ومما أنشده الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في حلاوة العلم (٢): سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي ... مِنْ وَصْلِ غَانِيةٍ وَطيبِ عِنَاقِ وصريرُ أقلامي على صفحاتها ... أحلى من الدَّوْكاءِ والعُشَّاقِ وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا ... نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي وتمايلي طرباً لحلِّ عويصةٍ ... في الدَّرْسِ أَشْهَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِ
следующие страницы →