Полный текст (2 086 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٣٧٩)
متى صحت الحوالة برئت ذمة المحيل من المحال به , وليس للمحتال الرجوع عليه. (م ١١٨١)
مجلة الأحكام العدلية (ص ١٣٠ , ١٣٢)
إذا أحال المحيل حوالة مطلقة , فإن لم يكن له عند المحال عليه دين , يرجع المحال عليه على المحيل بعد الأداء , وإن كان له دين على المحال عليه , يكون تقاصا بدينه بعد الأداء. (٦٩١)
كما يكون المحال عليه بريئا من الدين بأداء المحال به أو بحوالته إياها على آخر أو بإبراء المحال له إياه.
كذلك يبرأ من الدين لو وهبه المحال به أو تصدق به عليه وقبل ذلك. (م٦٩٩)
بدائع الصنائع (٦ / ١٧) , ١٨
الحوالة لها أحكام (منها) ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال.
إذا كانت الحوالة بأمر المحيل , ولم يكن على المحال عليه دين مثله للمحيل , لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة , فعليه تخليصه منها.
أسنى المطالب (٢ / ٢٣٢) (المحيل يبرأ بالحوالة) عن دين المحتال , والمحال عليه يبرأ عن دين المحيل (ويلزم الدين) المحال به (المحال عليه) للمحتال , لأن ذلك هو فائدة الحوالة. .
(فإن أفلس) المحال عليه (أو مات) مفلسا (أو جحد) الحوالة أو دين المحيل وحلف (فلا رجوع) للمحتال (على المحيل) كما لا رجوع له فيما لو اشترى شيئا وغبن فيه أو أخذ عوضا عن دينه وتلف عنده , ولأنه أوجب في الخبر اتباع المحال عليه مطلقا , ولأنه لو كان له الرجوع لما كان لذكر الملاءة في الخبر فائدة , لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به , فعلم بذكرها أن الحق انتقل انتقالا لا رجوع به.
المبدع (٤ / ٢٧٠)
(والحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه) لما بينا أنها مشتقة من التحويل , وحيث صحت الحوالة , برئت ذمة المحيل , وانتقل الحق إلى ذمة المحال عليه (فلا يملك المحتال الرجوع عليه) أي على المحيل (بحال) لأن الحق انتقل , فلا يعود بعد انتقاله.
هذا إذا اجتمعت شروطها , ورضي بها المحتال ولم يشترط اليسار , سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت , أو جحد الحق ولا بينة به وحلف عليه في قول الجماهير.
الإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢ / ١٩)
مسألة: إذا أحاله بحقه على رجل له عليه دين , وهو مليء في الظاهر , لا يعلم المحيل منه فلسا , فإنه يصير كالقابض , ولا يرجع على المحيل بحال.
وقال أبو حنيفة يرجع عليه إذا كان المحال عليه مفلسا أو جحد الحق وحلف , ولم يكن للمحتال بينة.
وزاد أبو يوسف ومحمد أو يحجر الحاكم عليه للفلس.
ودليلنا: قوله ﷺ : ومن أحيل على مليء فليتبع فأطلق ولم يقيد.
ولأنها حوالة برئت ذمة المحيل بها , فلم يجز له الرجوع على المحيل به أصله إذا لم يتغير حاله , ولا يلزم عليه الغرر , لأن الذمة لا تبرأ معه.
ولأن عقد الحوالة إذا انبرم فإن بقاءه يمنع رجوع المحتال على المحيل أصله ما ذكرناه , وفي الغرر لم ينبرم.
ولأن الحوالة سبب تسقط المطالبة بالدين وتبدله فوجب أن يسقط به حق الرجوع كالقبض والأبراء.
стр. 247
التنفيذ
تنتهي الحوالة بالتنفيذ والأداء باتفاق الفقهاء.
стр. 248
تنتهي الحوالة بالتنفيذ , وذلك بأداء المحال عليه المال إلى المحال.
وهذا أمر بدهي لأن الغرض من الحوالة تحقق وهو الأداء.
стр. 249
مرشد الحيران (ص ٢٣٨ , ٢٣٩ , ٢٤٢)
إذا سقط الدين المقيدة به الحوالة , وتبينت براءة المحتال عليه بأمر سابق عليها بطلت الحوالة.
فلو أحال البائع غريما له على المشتري بالثمن , ثم استحق المبيع للغير بطلت الحوالة , وعاد الدين على المحيل. (م ٩٠٠)
يبرأ المحتال عليه بتأدية الدين المحال به أو بإحالته المحتال على غيره , وقبول ذلك الغير الحوالة. (م ٩١٠)
إذا أبرأ المحتال المحتال عليه سقط الدين , وبرئ المحتال عليه منه ولو لم يقبل , بحيث لو كان غير مديون للمحيل فلا يرجع عليه بشيء (م٩١١) .
إذا وهب المحتال الدين للمحتال عليه وقبل الهبة , فقد ملك الدين.
فإن كان مديونا للمحيل سقط عنه الدين قصاصا , وإن لم يكن مديونا للمحيل كان له ولورثته الحق في مطالبته به. (م ٩١٢) .
لا يرجع المحتال بدينه على المحيل إلا إذا اشترط في الحوالة خيار الرجوع للمحتال , أو فسخت الحوالة بهلاك المال المحال به.
وهلاكه في الحوالة المطلقة يكون بأحد أمرين , أولهما: أن يجحد المحال عليه الحوالة ولا بينة لكل من المحيل والمحتال.
ثانيهما: أن يموت المحتال عليه مفلسا ولم يترك عينا تفي بأداء المحال به ولا دينا كذلك ولا كفيلا بجميع الدين.
فلو ترك دينا ولو على مفلس فلا تبطل الحوالة. (م ٨٧٩) .
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٣٧٨ , ٣٧٩)
لا تبطل الحوالة بموت المحال عليه , سواء خلف تركة أم لا. (م ١١٧٤) .
لا تبطل الحوالة بإفلاس المحال عليه بعد الحوالة. (م ١١٧٥) .
لا تبطل الحوالة بجحود المحال عليه الدين إذا كان المحتال عالما بالدين أو صدقه المحيل فيه أو ثبت ببينة ماتت , وإلا فلا يقبل قول المحيل , ولا يبرأ بذلك من الدين , ويرجع المحال عليه به (م ١١٧٦) .
تبطل الحوالة إذا بطل العقد الذي أوجب دين المحتال أو الدين المحال عليه.
مثلا: لو تبايعا , فأحال المشتري البائع بالثمن على مدينه أو أحال البائع غريما على المشتري بالثمن , ثم بان بطلان البيع بثبوت استحقاق المبيع ونحوه ببينة أو باتفاقهم جميعا , بطلت في الصورتين. (م ١١٨٤) .
مجلة الأحكام العدلية (ص ١٣٢)
كما يكون المحال عليه بريئا من الدين بأداء المحال به أو بحوالته إياها على آخر أو بإبراء المحال له إياه , كذلك يبرأ من الدين لو وهبه المحال به أو تصدق به عليه وقبل ذلك. (م ٦٩٩) .
لو توفي المحال له فورثه المحال عليه لا يبقى حكم الحوالة. (م ٧٠٠)
بدائع الصنائع (٦ / ١٨ , ١٩)
حكم الحوالة ينتهي بأشياء: (منها) فسخ الحوالة.
لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال , فكانت محتملة للفسخ , ومتى فسخ تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) التوى عند علمائنا.
وعند الشافعي حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى , ولا تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) أداء المحال عليه المال إلى المحال.
فإذا أدى المال خرج عن الحوالة , إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهائها. (ومنه) أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. (ومنها) أن يتصدق به عليه ويقبله.
لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. (ومنها) أن يموت المحال فيرثه المحال عليه.
(ومنها) أن يبرئه من المال.
أسنى المطالب (٢ / ٢٣٢)
(وإن فسخ العقد) أي عقد البيع بعيب أو إقالة أو تحالف أو غيرهما (وقد أحيل) البائع (بالثمن بطلت الحوالة) لارتفاع الثمن بانفساخ العقد سواء أكان الفسخ بعد قبض المبيع ومال الحوالة أو قبله.
الكافي لابن عبد البر (ص ٤٠١)
الحوالة تحول الذمم. وتفسير معناها: أن يكون رجل له على آخر دين , ولذلك الرجل دين على رجل آخر , فيحيل الطالب له على الذي له عليه مثل دينه , فإذا استحال عليه ورضي نقل ذمته إلى ذمة الآخر برئ المحيل من الدين , ولم يكن عليه منه تبعة , وصار الحق على المحال عليه , ولا رجوع له على المحيل أبدا , أفلس المحال عليه أو مات معدما , إلا أن يكون قد غره من رجل معدم أو مفلس لا يعلم رب الحق بعدمه , فإن كان ذلك , فحينئذ يكون له الرجوع على من كان له عليه الحق أولا.
وإن علم بعدمه ورضي بالحوالة عليه , فلا رجوع له على الأول بوجه من الوجوه.
الدر المختار (مع رد المحتار) (٤ / ٢٩١ وما بعدها)
(وبرئ المحيل من الدين) والمطالبة جميعا (بالقبول) من المحتال لحوالة (ولا يرجع المحتال على المحيل إلا بالتوى) هلاك المال , لأن براءته مقيدة بسلامة حقه.
وقيده في البحر بأن لا يكون المحيل هو المحتال عليه ثانيا (وهو) بأحد أمرين (أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف ولا بينة له) أي لمحتال ومحيل (أو يموت) المحال عليه (مفلسا) بغير عين ودين وكفيل.
وقالا بهما وبأن فلسه الحاكم.
стр. 250
الإبراء
تنتهي الحولة بالإبراء باتفاق الفقهاء.
стр. 251
تنتهي الحوالة بالإبراء , وذلك إذا أبرأ المحال المحال عليه من دين الحوالة , حيث يسقط حقه في دين الحوالة , والساقط لا يعود.
وفي حكم الإبراء أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله.
стр. 252
مرشد الحيران (ص ٢٣٨ , ٢٣٩ , ٢٤٢)
إذا سقط الدين المقيدة به الحوالة , وتبينت براءة المحتال عليه بأمر سابق عليها بطلت الحوالة.
فلو أحال البائع غريما له على المشتري بالثمن , ثم استحق المبيع للغير بطلت الحوالة , وعاد الدين على المحيل. (م ٩٠٠)
يبرأ المحتال عليه بتأدية الدين المحال به أو بإحالته المحتال على غيره , وقبول ذلك الغير الحوالة. (م ٩١٠)
إذا أبرأ المحتال المحتال عليه سقط الدين , وبرئ المحتال عليه منه ولو لم يقبل , بحيث لو كان غير مديون للمحيل فلا يرجع عليه بشيء (م٩١١) .
إذا وهب المحتال الدين للمحتال عليه وقبل الهبة , فقد ملك الدين.
فإن كان مديونا للمحيل سقط عنه الدين قصاصا , وإن لم يكن مديونا للمحيل كان له ولورثته الحق في مطالبته به. (م ٩١٢) .
لا يرجع المحتال بدينه على المحيل إلا إذا اشترط في الحوالة خيار الرجوع للمحتال , أو فسخت الحوالة بهلاك المال المحال به.
وهلاكه في الحوالة المطلقة يكون بأحد أمرين , أولهما: أن يجحد المحال عليه الحوالة ولا بينة لكل من المحيل والمحتال.
ثانيهما: أن يموت المحتال عليه مفلسا ولم يترك عينا تفي بأداء المحال به ولا دينا كذلك ولا كفيلا بجميع الدين.
فلو ترك دينا ولو على مفلس فلا تبطل الحوالة. (م ٨٧٩) .
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٣٧٨ , ٣٧٩)
لا تبطل الحوالة بموت المحال عليه , سواء خلف تركة أم لا. (م ١١٧٤) .
لا تبطل الحوالة بإفلاس المحال عليه بعد الحوالة. (م ١١٧٥) .
لا تبطل الحوالة بجحود المحال عليه الدين إذا كان المحتال عالما بالدين أو صدقه المحيل فيه أو ثبت ببينة ماتت , وإلا فلا يقبل قول المحيل , ولا يبرأ بذلك من الدين , ويرجع المحال عليه به (م ١١٧٦) .
تبطل الحوالة إذا بطل العقد الذي أوجب دين المحتال أو الدين المحال عليه.
مثلا: لو تبايعا , فأحال المشتري البائع بالثمن على مدينه أو أحال البائع غريما على المشتري بالثمن , ثم بان بطلان البيع بثبوت استحقاق المبيع ونحوه ببينة أو باتفاقهم جميعا , بطلت في الصورتين. (م ١١٨٤) .
مجلة الأحكام العدلية (ص ١٣٢)
كما يكون المحال عليه بريئا من الدين بأداء المحال به أو بحوالته إياها على آخر أو بإبراء المحال له إياه , كذلك يبرأ من الدين لو وهبه المحال به أو تصدق به عليه وقبل ذلك. (م ٦٩٩) .
لو توفي المحال له فورثه المحال عليه لا يبقى حكم الحوالة. (م ٧٠٠)
بدائع الصنائع (٦ / ١٨ , ١٩)
حكم الحوالة ينتهي بأشياء: (منها) فسخ الحوالة.
لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال , فكانت محتملة للفسخ , ومتى فسخ تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) التوى عند علمائنا.
وعند الشافعي حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى , ولا تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) أداء المحال عليه المال إلى المحال.
فإذا أدى المال خرج عن الحوالة , إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهائها. (ومنه) أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. (ومنها) أن يتصدق به عليه ويقبله.
لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. (ومنها) أن يموت المحال فيرثه المحال عليه.
(ومنها) أن يبرئه من المال.
أسنى المطالب (٢ / ٢٣٢)
(وإن فسخ العقد) أي عقد البيع بعيب أو إقالة أو تحالف أو غيرهما (وقد أحيل) البائع (بالثمن بطلت الحوالة) لارتفاع الثمن بانفساخ العقد سواء أكان الفسخ بعد قبض المبيع ومال الحوالة أو قبله.
الكافي لابن عبد البر (ص ٤٠١)
الحوالة تحول الذمم. وتفسير معناها: أن يكون رجل له على آخر دين , ولذلك الرجل دين على رجل آخر , فيحيل الطالب له على الذي له عليه مثل دينه , فإذا استحال عليه ورضي نقل ذمته إلى ذمة الآخر برئ المحيل من الدين , ولم يكن عليه منه تبعة , وصار الحق على المحال عليه , ولا رجوع له على المحيل أبدا , أفلس المحال عليه أو مات معدما , إلا أن يكون قد غره من رجل معدم أو مفلس لا يعلم رب الحق بعدمه , فإن كان ذلك , فحينئذ يكون له الرجوع على من كان له عليه الحق أولا.
وإن علم بعدمه ورضي بالحوالة عليه , فلا رجوع له على الأول بوجه من الوجوه.
الدر المختار (مع رد المحتار) (٤ / ٢٩١ وما بعدها)
(وبرئ المحيل من الدين) والمطالبة جميعا (بالقبول) من المحتال لحوالة (ولا يرجع المحتال على المحيل إلا بالتوى) هلاك المال , لأن براءته مقيدة بسلامة حقه.
وقيده في البحر بأن لا يكون المحيل هو المحتال عليه ثانيا (وهو) بأحد أمرين (أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف ولا بينة له) أي لمحتال ومحيل (أو يموت) المحال عليه (مفلسا) بغير عين ودين وكفيل.
وقالا بهما وبأن فلسه الحاكم.
стр. 253
الإقالة
تنتهي الحوالة عند الحنفية وبعض الشافعية بالإقالة.
стр. 254
تنتهي الحوالة عند الحنفية وبعض الشافعية بالإقالة , وذلك إذا تراضى المحيل والمحال على فسخ الحوالة , لأن العقد حقهما , ولأصحاب الحق إسقاطه بالتراضي.
أما المحال عليه , فإنه لا يملك إبطال الحوالة بإرادته المنفردة , كما أنه لا قيمة لاعتراضه على الإقالة إذا تراضى الطرفان الآخران عليها , لأن الحق لهما فيها دونه. وكذلك لا يملك المحيل بمفرده إبطال الحوالة بعد ثبوتها لأنها عقد لازم.
стр. 255
مرشد الحيران (ص ٢٣٨ , ٢٣٩ , ٢٤٢)
إذا سقط الدين المقيدة به الحوالة , وتبينت براءة المحتال عليه بأمر سابق عليها بطلت الحوالة.
فلو أحال البائع غريما له على المشتري بالثمن , ثم استحق المبيع للغير بطلت الحوالة , وعاد الدين على المحيل. (م ٩٠٠)
يبرأ المحتال عليه بتأدية الدين المحال به أو بإحالته المحتال على غيره , وقبول ذلك الغير الحوالة. (م ٩١٠)
إذا أبرأ المحتال المحتال عليه سقط الدين , وبرئ المحتال عليه منه ولو لم يقبل , بحيث لو كان غير مديون للمحيل فلا يرجع عليه بشيء (م٩١١) .
إذا وهب المحتال الدين للمحتال عليه وقبل الهبة , فقد ملك الدين.
فإن كان مديونا للمحيل سقط عنه الدين قصاصا , وإن لم يكن مديونا للمحيل كان له ولورثته الحق في مطالبته به. (م ٩١٢) .
لا يرجع المحتال بدينه على المحيل إلا إذا اشترط في الحوالة خيار الرجوع للمحتال , أو فسخت الحوالة بهلاك المال المحال به.
وهلاكه في الحوالة المطلقة يكون بأحد أمرين , أولهما: أن يجحد المحال عليه الحوالة ولا بينة لكل من المحيل والمحتال.
ثانيهما: أن يموت المحتال عليه مفلسا ولم يترك عينا تفي بأداء المحال به ولا دينا كذلك ولا كفيلا بجميع الدين.
فلو ترك دينا ولو على مفلس فلا تبطل الحوالة. (م ٨٧٩) .
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٣٧٨ , ٣٧٩)
لا تبطل الحوالة بموت المحال عليه , سواء خلف تركة أم لا. (م ١١٧٤) .
لا تبطل الحوالة بإفلاس المحال عليه بعد الحوالة. (م ١١٧٥) .
لا تبطل الحوالة بجحود المحال عليه الدين إذا كان المحتال عالما بالدين أو صدقه المحيل فيه أو ثبت ببينة ماتت , وإلا فلا يقبل قول المحيل , ولا يبرأ بذلك من الدين , ويرجع المحال عليه به (م ١١٧٦) .
تبطل الحوالة إذا بطل العقد الذي أوجب دين المحتال أو الدين المحال عليه.
مثلا: لو تبايعا , فأحال المشتري البائع بالثمن على مدينه أو أحال البائع غريما على المشتري بالثمن , ثم بان بطلان البيع بثبوت استحقاق المبيع ونحوه ببينة أو باتفاقهم جميعا , بطلت في الصورتين. (م ١١٨٤) .
مجلة الأحكام العدلية (ص ١٣٢)
كما يكون المحال عليه بريئا من الدين بأداء المحال به أو بحوالته إياها على آخر أو بإبراء المحال له إياه , كذلك يبرأ من الدين لو وهبه المحال به أو تصدق به عليه وقبل ذلك. (م ٦٩٩) .
لو توفي المحال له فورثه المحال عليه لا يبقى حكم الحوالة. (م ٧٠٠)
بدائع الصنائع (٦ / ١٨ , ١٩)
حكم الحوالة ينتهي بأشياء: (منها) فسخ الحوالة.
لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال , فكانت محتملة للفسخ , ومتى فسخ تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) التوى عند علمائنا.
وعند الشافعي حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى , ولا تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) أداء المحال عليه المال إلى المحال.
فإذا أدى المال خرج عن الحوالة , إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهائها. (ومنه) أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. (ومنها) أن يتصدق به عليه ويقبله.
لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. (ومنها) أن يموت المحال فيرثه المحال عليه.
(ومنها) أن يبرئه من المال.
أسنى المطالب (٢ / ٢٣٢)
(وإن فسخ العقد) أي عقد البيع بعيب أو إقالة أو تحالف أو غيرهما (وقد أحيل) البائع (بالثمن بطلت الحوالة) لارتفاع الثمن بانفساخ العقد سواء أكان الفسخ بعد قبض المبيع ومال الحوالة أو قبله.
الكافي لابن عبد البر (ص ٤٠١)
الحوالة تحول الذمم. وتفسير معناها: أن يكون رجل له على آخر دين , ولذلك الرجل دين على رجل آخر , فيحيل الطالب له على الذي له عليه مثل دينه , فإذا استحال عليه ورضي نقل ذمته إلى ذمة الآخر برئ المحيل من الدين , ولم يكن عليه منه تبعة , وصار الحق على المحال عليه , ولا رجوع له على المحيل أبدا , أفلس المحال عليه أو مات معدما , إلا أن يكون قد غره من رجل معدم أو مفلس لا يعلم رب الحق بعدمه , فإن كان ذلك , فحينئذ يكون له الرجوع على من كان له عليه الحق أولا.
وإن علم بعدمه ورضي بالحوالة عليه , فلا رجوع له على الأول بوجه من الوجوه.
الدر المختار (مع رد المحتار) (٤ / ٢٩١ وما بعدها)
(وبرئ المحيل من الدين) والمطالبة جميعا (بالقبول) من المحتال لحوالة (ولا يرجع المحتال على المحيل إلا بالتوى) هلاك المال , لأن براءته مقيدة بسلامة حقه.
وقيده في البحر بأن لا يكون المحيل هو المحتال عليه ثانيا (وهو) بأحد أمرين (أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف ولا بينة له) أي لمحتال ومحيل (أو يموت) المحال عليه (مفلسا) بغير عين ودين وكفيل.
وقالا بهما وبأن فلسه الحاكم.
стр. 256
التوى
تنتهي الحوالة عند الحنفية بالتوى , وهو عجز المحتال عن الوصول إلى حقه من المحال عليه.
стр. 257
تنتهي الحوالة عند الحنفية بالتوى , وهو عجز المحتال عن الوصول إلى حقه من المحال عليه , لموته مفلسا قبل الأداء , أو جحده الحوالة دون بينة , ونحو ذلك من الأسباب.
فعندها تنتهي الحوالة للعجز عن تنفيذها , ويرجع المحال على المحيل بدينه.
أما جمهور الفقهاء فإنهم يرون براءة ذمة المحيل بالحوالة دون توقف على سلامة حق المحتال , فلا يعود الحق إلى المحيل أبدا سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غيرها.
فلو كان المحال عليه مفلسا عند الحوالة , وجهله المحال , فلا رجوع له على المحيل لأنه مقصر بترك البحث , فأشبه من اشترى شيئا هو مغبون فيه فإن شرط المحال يسار المحال عليه , فبان معسرا , رجع على المحيل عند الحنابلة والمالكية لقول النبي ﷺ : المسلمون عند شروطهم.
стр. 258
مرشد الحيران (ص ٢٣٨ , ٢٣٩ , ٢٤٢)
إذا سقط الدين المقيدة به الحوالة , وتبينت براءة المحتال عليه بأمر سابق عليها بطلت الحوالة.
فلو أحال البائع غريما له على المشتري بالثمن , ثم استحق المبيع للغير بطلت الحوالة , وعاد الدين على المحيل. (م ٩٠٠)
يبرأ المحتال عليه بتأدية الدين المحال به أو بإحالته المحتال على غيره , وقبول ذلك الغير الحوالة. (م ٩١٠)
إذا أبرأ المحتال المحتال عليه سقط الدين , وبرئ المحتال عليه منه ولو لم يقبل , بحيث لو كان غير مديون للمحيل فلا يرجع عليه بشيء (م٩١١) .
إذا وهب المحتال الدين للمحتال عليه وقبل الهبة , فقد ملك الدين.
فإن كان مديونا للمحيل سقط عنه الدين قصاصا , وإن لم يكن مديونا للمحيل كان له ولورثته الحق في مطالبته به. (م ٩١٢) .
لا يرجع المحتال بدينه على المحيل إلا إذا اشترط في الحوالة خيار الرجوع للمحتال , أو فسخت الحوالة بهلاك المال المحال به.
وهلاكه في الحوالة المطلقة يكون بأحد أمرين , أولهما: أن يجحد المحال عليه الحوالة ولا بينة لكل من المحيل والمحتال.
ثانيهما: أن يموت المحتال عليه مفلسا ولم يترك عينا تفي بأداء المحال به ولا دينا كذلك ولا كفيلا بجميع الدين.
فلو ترك دينا ولو على مفلس فلا تبطل الحوالة. (م ٨٧٩) .
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٣٧٨ , ٣٧٩)
لا تبطل الحوالة بموت المحال عليه , سواء خلف تركة أم لا. (م ١١٧٤) .
لا تبطل الحوالة بإفلاس المحال عليه بعد الحوالة. (م ١١٧٥) .
لا تبطل الحوالة بجحود المحال عليه الدين إذا كان المحتال عالما بالدين أو صدقه المحيل فيه أو ثبت ببينة ماتت , وإلا فلا يقبل قول المحيل , ولا يبرأ بذلك من الدين , ويرجع المحال عليه به (م ١١٧٦) .
تبطل الحوالة إذا بطل العقد الذي أوجب دين المحتال أو الدين المحال عليه.
مثلا: لو تبايعا , فأحال المشتري البائع بالثمن على مدينه أو أحال البائع غريما على المشتري بالثمن , ثم بان بطلان البيع بثبوت استحقاق المبيع ونحوه ببينة أو باتفاقهم جميعا , بطلت في الصورتين. (م ١١٨٤) .
مجلة الأحكام العدلية (ص ١٣٢)
كما يكون المحال عليه بريئا من الدين بأداء المحال به أو بحوالته إياها على آخر أو بإبراء المحال له إياه , كذلك يبرأ من الدين لو وهبه المحال به أو تصدق به عليه وقبل ذلك. (م ٦٩٩) .
لو توفي المحال له فورثه المحال عليه لا يبقى حكم الحوالة. (م ٧٠٠)
بدائع الصنائع (٦ / ١٨ , ١٩)
حكم الحوالة ينتهي بأشياء: (منها) فسخ الحوالة.
لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال , فكانت محتملة للفسخ , ومتى فسخ تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) التوى عند علمائنا.
وعند الشافعي حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى , ولا تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) أداء المحال عليه المال إلى المحال.
فإذا أدى المال خرج عن الحوالة , إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهائها. (ومنه) أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. (ومنها) أن يتصدق به عليه ويقبله.
لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. (ومنها) أن يموت المحال فيرثه المحال عليه.
(ومنها) أن يبرئه من المال.
أسنى المطالب (٢ / ٢٣٢)
(وإن فسخ العقد) أي عقد البيع بعيب أو إقالة أو تحالف أو غيرهما (وقد أحيل) البائع (بالثمن بطلت الحوالة) لارتفاع الثمن بانفساخ العقد سواء أكان الفسخ بعد قبض المبيع ومال الحوالة أو قبله.
الكافي لابن عبد البر (ص ٤٠١)
الحوالة تحول الذمم. وتفسير معناها: أن يكون رجل له على آخر دين , ولذلك الرجل دين على رجل آخر , فيحيل الطالب له على الذي له عليه مثل دينه , فإذا استحال عليه ورضي نقل ذمته إلى ذمة الآخر برئ المحيل من الدين , ولم يكن عليه منه تبعة , وصار الحق على المحال عليه , ولا رجوع له على المحيل أبدا , أفلس المحال عليه أو مات معدما , إلا أن يكون قد غره من رجل معدم أو مفلس لا يعلم رب الحق بعدمه , فإن كان ذلك , فحينئذ يكون له الرجوع على من كان له عليه الحق أولا.
وإن علم بعدمه ورضي بالحوالة عليه , فلا رجوع له على الأول بوجه من الوجوه.
الدر المختار (مع رد المحتار) (٤ / ٢٩١ وما بعدها)
(وبرئ المحيل من الدين) والمطالبة جميعا (بالقبول) من المحتال لحوالة (ولا يرجع المحتال على المحيل إلا بالتوى) هلاك المال , لأن براءته مقيدة بسلامة حقه.
وقيده في البحر بأن لا يكون المحيل هو المحتال عليه ثانيا (وهو) بأحد أمرين (أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف ولا بينة له) أي لمحتال ومحيل (أو يموت) المحال عليه (مفلسا) بغير عين ودين وكفيل.
وقالا بهما وبأن فلسه الحاكم.
стр. 259
الفسخ
تنتهي الحوالة عند الحنفية بفسخها ممن ثبت له خيار الشرط فيها.
стр. 260
تنتهي الحوالة بفسخها ممن ثبت له خيار الشرط فيها - وهو المحال أو المحال عليه - في مدة الخيار.
وهذا على مذهب الحنفية المجيزين لخيار الشرط في الحوالة لمن يجب رضاه فيها.
стр. 261
مرشد الحيران (ص ٢٣٨ , ٢٣٩ , ٢٤٢)
إذا سقط الدين المقيدة به الحوالة , وتبينت براءة المحتال عليه بأمر سابق عليها بطلت الحوالة.
فلو أحال البائع غريما له على المشتري بالثمن , ثم استحق المبيع للغير بطلت الحوالة , وعاد الدين على المحيل. (م ٩٠٠)
يبرأ المحتال عليه بتأدية الدين المحال به أو بإحالته المحتال على غيره , وقبول ذلك الغير الحوالة. (م ٩١٠)
إذا أبرأ المحتال المحتال عليه سقط الدين , وبرئ المحتال عليه منه ولو لم يقبل , بحيث لو كان غير مديون للمحيل فلا يرجع عليه بشيء (م٩١١) .
إذا وهب المحتال الدين للمحتال عليه وقبل الهبة , فقد ملك الدين.
فإن كان مديونا للمحيل سقط عنه الدين قصاصا , وإن لم يكن مديونا للمحيل كان له ولورثته الحق في مطالبته به. (م ٩١٢) .
لا يرجع المحتال بدينه على المحيل إلا إذا اشترط في الحوالة خيار الرجوع للمحتال , أو فسخت الحوالة بهلاك المال المحال به.
وهلاكه في الحوالة المطلقة يكون بأحد أمرين , أولهما: أن يجحد المحال عليه الحوالة ولا بينة لكل من المحيل والمحتال.
ثانيهما: أن يموت المحتال عليه مفلسا ولم يترك عينا تفي بأداء المحال به ولا دينا كذلك ولا كفيلا بجميع الدين.
فلو ترك دينا ولو على مفلس فلا تبطل الحوالة. (م ٨٧٩) .
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد (ص ٣٧٨ , ٣٧٩)
لا تبطل الحوالة بموت المحال عليه , سواء خلف تركة أم لا. (م ١١٧٤) .
لا تبطل الحوالة بإفلاس المحال عليه بعد الحوالة. (م ١١٧٥) .
لا تبطل الحوالة بجحود المحال عليه الدين إذا كان المحتال عالما بالدين أو صدقه المحيل فيه أو ثبت ببينة ماتت , وإلا فلا يقبل قول المحيل , ولا يبرأ بذلك من الدين , ويرجع المحال عليه به (م ١١٧٦) .
تبطل الحوالة إذا بطل العقد الذي أوجب دين المحتال أو الدين المحال عليه.
مثلا: لو تبايعا , فأحال المشتري البائع بالثمن على مدينه أو أحال البائع غريما على المشتري بالثمن , ثم بان بطلان البيع بثبوت استحقاق المبيع ونحوه ببينة أو باتفاقهم جميعا , بطلت في الصورتين. (م ١١٨٤) .
مجلة الأحكام العدلية (ص ١٣٢)
كما يكون المحال عليه بريئا من الدين بأداء المحال به أو بحوالته إياها على آخر أو بإبراء المحال له إياه , كذلك يبرأ من الدين لو وهبه المحال به أو تصدق به عليه وقبل ذلك. (م ٦٩٩) .
لو توفي المحال له فورثه المحال عليه لا يبقى حكم الحوالة. (م ٧٠٠)
بدائع الصنائع (٦ / ١٨ , ١٩)
حكم الحوالة ينتهي بأشياء: (منها) فسخ الحوالة.
لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال , فكانت محتملة للفسخ , ومتى فسخ تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) التوى عند علمائنا.
وعند الشافعي حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى , ولا تعود المطالبة إلى المحيل. (ومنها) أداء المحال عليه المال إلى المحال.
فإذا أدى المال خرج عن الحوالة , إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهائها. (ومنه) أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. (ومنها) أن يتصدق به عليه ويقبله.
لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. (ومنها) أن يموت المحال فيرثه المحال عليه.
(ومنها) أن يبرئه من المال.
أسنى المطالب (٢ / ٢٣٢)
(وإن فسخ العقد) أي عقد البيع بعيب أو إقالة أو تحالف أو غيرهما (وقد أحيل) البائع (بالثمن بطلت الحوالة) لارتفاع الثمن بانفساخ العقد سواء أكان الفسخ بعد قبض المبيع ومال الحوالة أو قبله.
الكافي لابن عبد البر (ص ٤٠١)
الحوالة تحول الذمم. وتفسير معناها: أن يكون رجل له على آخر دين , ولذلك الرجل دين على رجل آخر , فيحيل الطالب له على الذي له عليه مثل دينه , فإذا استحال عليه ورضي نقل ذمته إلى ذمة الآخر برئ المحيل من الدين , ولم يكن عليه منه تبعة , وصار الحق على المحال عليه , ولا رجوع له على المحيل أبدا , أفلس المحال عليه أو مات معدما , إلا أن يكون قد غره من رجل معدم أو مفلس لا يعلم رب الحق بعدمه , فإن كان ذلك , فحينئذ يكون له الرجوع على من كان له عليه الحق أولا.
وإن علم بعدمه ورضي بالحوالة عليه , فلا رجوع له على الأول بوجه من الوجوه.
الدر المختار (مع رد المحتار) (٤ / ٢٩١ وما بعدها)
(وبرئ المحيل من الدين) والمطالبة جميعا (بالقبول) من المحتال لحوالة (ولا يرجع المحتال على المحيل إلا بالتوى) هلاك المال , لأن براءته مقيدة بسلامة حقه.
وقيده في البحر بأن لا يكون المحيل هو المحتال عليه ثانيا (وهو) بأحد أمرين (أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف ولا بينة له) أي لمحتال ومحيل (أو يموت) المحال عليه (مفلسا) بغير عين ودين وكفيل.
وقالا بهما وبأن فلسه الحاكم.
стр. 262
الاستصناع
стр. 263
تعريف الاستصناع
الاستصناع هو عقد يشترى به شيء مما يصنع صنعا يلتزم البائع بتقديمه مصنوعا بمواد من عنده بأوصاف معينة , وبثمن محدد يدفع عند التعاقد , أو بعد التسليم أو عند أجل معين.
стр. 264
تعريف الاستصناع
الاستصناع في اللغة طلب الصنعة , كما أن الاستغفار طلب المغفرة , والاستمهال طلب المهلة.
فكل من طلب من آخر أن يصنع له شيئا فذلك استصناع لغوي , فمن طلب من النجار أن يصنع له خزانة مثلا فذلك استصناع لغة , سواء أتى الطالب للصنعة بالخشب والمواد من عنده , أو كانت من عند النجار , وسواء كان ذلك بمقابل مادي , أو على سبيل التبرع.
والاستصناع اصطلاحا أن يقول إنسان لصانع: اصنع لي الشيء الفلاني ويذكر جنسه وصفاته , والمواد من عند الصانع , مقابل كذا وكذا من المال أعطيك إياه الآن , أو بعد التسليم , أو عند أجل معين. فيقبل الصانع ذلك.
ويتضح من التعريف أن:
- المبيع هو الشيء المطلوب صنعه في الذمة وتكون أوصافه محددة مميزة عن غيره. فهو يشبه السلم لأن المبيع ملتزم عند العقد في ذمة البائع.
- الاستصناع فيه طلب الصنع وهو العمل وما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعا , فكان مأخذ الاسم دليلا عليه كما يقول الكاساني ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلما , وهذا العقد يسمى استصناعا. لذلك فإن المنتوجات الطبيعية (كالثمار والبقول والحبوب) إذا أريد بيعها قبل وجودها فطريقها بيع السلم لا الاستصناع.
- تكون مواد الصنع من الصانع لا من المستصنع فإذا كانت من المستصنع فإن العقد يكون إجارة لا استصناعا. فكل ما يحتاج إليه من مواد أساسية أو كمالية يقدمه الصانع البائع من عنده لأنه محسوب حسابه في الثمن.
- يكون الثمن معلوما ومحددا ويصح أن يعطيه المستصنع للصانع مقدما عند التعاقد , ويصح أن يعطيه قدرا منه والباقي عند استلام الشيء المصنوع , ويصح أن يؤخره إلى يتسلم المصنوع.
ويسمى طالب الصنعة: المستصنع , وقد يسمى الآمر لأنه أمر بالصنع.
ويسمى الطرف الثاني: مستصنعا إليه , أو صانعا , سواء كان ممن يتولى الصناعة بنفسه , أو يتولاها عماله في مصنعه.
ويسمي الشيء المصنوع: المستصنع فيه.
ويسمى المقابل المادي: البدل النقدي , وقد يسميه بعض الفقهاء الثمن.
ويقابل مصطلح الاستصناع في القوانين الوضعية: المقاولة , حيث تكون المواد من الصانع , أما حيث تكون المواد من صاحب العمل فهي مقاولة ولكنها ليست استصناعا , بل هي من قبيل الإجارة.
صور من التعامل شبيهة بالاستصناع , وليست استصناعا
توجد صور من التعامل شبيهة بالاستصناع , وليست استصناعا. من ذلك ما يلي:
١ - أن يأتي طالب الصنعة بالمواد من عند نفسه , ويطلب من الصانع أن يصنع منها الشيء الذي يريده , مقابل أجر معين , كما لو أحضر قماشا , وطلب من الخياط أن يصنعه له ثوبا , أو أحضر خشبا وطلب من النجار أن يصنع له منه غرفة نوم. فهذه إجارة وليست استصناعا.
ولو جرى العرف على أن الأجير يضع مواد تافهة من عنده , مما يحتاج إليه المصنوع , بقي العقد إجارة ولم يدخل في الاستصناع , كالخياط يخيط بخيط وأزرار من عنده , أو الصباغ يصبغ بأصباغ من عنده , أو النجار يدخل في صناعة الأثاث المسامير والأصماغ اللاصقة من عنده.
٢ - أن يكلف طالب الصنعة الصانع أن يشترى المواد على حسابه الخاص (أي حساب طالب الصنعة) ويقدم له بها فواتير ليدفع ثمنها , ثم يصنع له من تلك المواد شيئا محددا مقابل أجر معلوم. فهذه إجارة أيضا وليست استصناعا.
٣ - أن يشترى إنسان من الصانع أو التاجر شيئا مصنوعا معينا , مقابل ثمن معجل أو مؤجل. فهذا بيع وليس استصناعا.
٤ - أن يشتري الطالب من الصانع أو التاجر شيئا في ذمة البائع معلوما جنسه ونوعه ووصفه وقدره , كأثاث معلوم الصفات , ولا يشترط أنه من عمل الصانع نفسه , على أن يسلم البضاعة عند أجل معين , ويدفع الثمن المعلوم مقدما. فهذا سلم في المصنوعات , وليس استصناعا.
стр. 265
جاء في بدائع الصنائع للكاساني (٦ / ٢٦٧٧)
صورة الاستصناع أن يقول إنسان لصانع من خفاف أو صفار أو غيرهما: اعمل لي خفا , أو آنية , من أديم , أو نحاس , من عندك , بثمن كذا , ويبين نوعه وقدره وصفته. فيقول الصانع: نعم.
وقال البابرتي في العناية (٧ / ١١٤) :
الاستصناع أن يجيء إنسان إلى صانع فيقول: اصنع لي شيئا صورته كذا , وقدره كذا , بكذا وكذا درهما , ويسلم إليه جميع الدراهم أو بعضها أو لا يسلم.
وقال ابن عابدين في حاشيته المسماة رد المحتار على الدر المختار (٤ / ٢١٢) :
الاستصناع شرعا طلب العمل من الصانع في شيء خاص على وجه مخصوص يعلم مما يأتي.
وجاء في مجلة الأحكام العدلية (المادة ١٢٤) :
الاستصناع عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة.
وجاء في مجلة الأحكام العدلية (المادة ٣٨٨) :
(ومن أمثلته) : إذا قال شخص لآخر من أهل الصنائع: اصنع لي الشيء الفلاني بكذا قرشا , وقبل الصانع ذلك , انعقد البيع استصناعا.
وجاء في كتاب الفروع لابن مفلح الحنبلي
استصناع سلعة يعني يشتري منه سلعة ويطلب منه أن يصنعها له , مثل أن يشتري منه ثوبا ليس عنده , وانما يصنعه له بعد العقد.
وجاء في المبسوط للسرخسي (١٥ / ٨٤ , ٨٥)
إذا أسلم حديدا إلى حداد ليصنعه إناء مسمى بأجر مسمى , فإنه جائز ولا خيار فيه إذا كان مثل ما سمى , لأن ثبات الخيار للفسخ ليعود إليه رأسماله فيندفع الضرر به , وذلك لا يتأتى ها هنا , فإنه بعد اتصال عمله بالحديد لا وجه لفسخ العقد فيه , فأما في الاستصناع فالمعقود عليه العين , وفسخ العقد فيه ممكن.
وجاء في بدائع الصنائع للكاساني (٦ / ٢٦٨١)
فإن سلم حديدا إلى حداد , ليعمل له إناء معلوما بأجر معلوم , أو جلدا إلى خفاف ليعمل له خفا معلوما , بأجر معلوم , فذلك جائز , ولا خيار فيه , لأن هذا ليس باستصناع , بل هو استئجار , فكان جائزا. فإن عمل كما أمر استحق الأجر , وإن فسد فله أن يضمنه حديدا مثله , لأنه لما أفسده فكأنه أخذ حديدا له واتخذ آنية من غير إذنه والإناء للصانع , لأن المضمونات تملك بالضمان.
وجاء في العناية شرح الهداية (٧ / ١١٦) :
إن قيل أي فرق بين الاستصناع وبين عقد الإجارة مع الصباغ , فإن في الصبغ العمل والعين , كما في الاستصناع , وذلك إجارة محضة؟
أجيب: بأن الصبغ (أي عمل الصباغ) أصل , والصبغ (أي المادة الملونة التي يصبغ بها) آلته , فكان المقصود فيه العمل , وذلك إجارة وردت على العمل في عين المستأجر , وها هنا (أي في الاستصناع) الأصل هو العين المستصنع المملوك للصانع , فيكون بيعا , ولما لم يكن له وجود من حيث وصفه , إلا بالعمل , أشبه الإجارة.
وجاء في الفتاوى الهندية (٤ / ٤٥٥ , ٤٥٦) :
إذا استأجر أجيرا ليخيط له ثوبا كان السلك والإبرة على الخياط. . . ولو استأجر وراقا (أي ناسخا للكتب الخطية) , فإن شرط عليه الحبر والبياض (أي الورق) فاشتراط الحبر جائز واشتراط البياض فاسد كذا في خزانة المفتين.
وجاء في الفتاوى الهندية أيضا (٤ / ٥١٧) :
الاستصناع أن يكون العين والعمل من الصانع , فأما إن كانت العين من المستصنع لا من الصانع , فإنه يكون إجارة ولا يكون استصناعا. كذا في المحيط.
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب المالكية:
وفي الإجارة يعمل بالعرف في كون الخيط على الخياط أو على رب الثوب , فيقضى بما جرى به العرف في هذه الأشياء , إذ العرف قاعدة من قواعد الشرع.
стр. 266
دليل مشروعية الاستصناع
يرى جمهور الفقهاء أن مقتضى القياس والقواعد العامة ألا يجوز الاستصناع , وعلى كل من أراد الحصول على المصنوع على الصفة المعينة التي يريدها أن يتعاقد مع الصانع بصيغة الإجارة أو صيغة السلم. ولذلك يكون الاستصناع عند الجمهور قسما من أقسام السلم , ويشترط فيه ما يشترط في السلم.
ويرى الحنفية أن الاستصناع جائز استحسانا على غير القياس , لأن القياس يقتضى منعه لأنه من بيع المعدوم. ويرى بعض الحنفية أن دليل جواز الاستصناع ليس الاستحسان فقط بل يستدل عليه كذلك بالسنة والإجماع.
стр. 267
دليل مشروعية الاستصناع تشكيل النص
مشروعية الاستصناع عند الجمهور
سبب عدم جواز الاستصناع عند جمهور الفقهاء
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة , وزفر من الحنفية: إلى أن الاستصناع على الصفة المبينة في تعريفه غير جائزة شرعا:
- لأن المبيع مؤجل في الذمة , فلا يصح بيعه إلا مع تعجيل الثمن , لئلا يكون من بيع دين بدين. وبيع الدين بالدين متفق على تحريمه , لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ والكالئ هو الدين.
- ولأن فيه اشتراط عمل شخص معين , وهو الصانع , ولا يدرى أيسلم ذلك الرجل إلى الأجل أم لا , فيكون من بيع الغرر المنهى عنه.
- ولأنه من بيع المعدوم , وبيع المعدوم منهي عنه شرعا , لحديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال له لا تبع ما ليس عندك.
بدائل الاستصناع عند جمهور الفقهاء
يرى جمهور الفقهاء أنه إن أراد طالب المصنوع الحصول عليه على الصفة المعينة التي يريدها , فأمامه أن يتعاقد مع الصانع بصيغة الإجارة , أو صيغة السلم:
- فصيغة الإجارة: أن يحضر طالب الصنعة المواد على حسابه الخاص , ويطلب من الصانع العمل على حسب المواصفات التي يريدها , ويحدد له أجر العمل. وحينئذ يمكن تقديم البدل النقدي أو تأجيله أو تقسيطه , لأن الأجرة لا يجب أن تكون معجلة. ويكون العقد ملزما للطرفين لا يجوز لأحد منهما فسخه بانفراده.
- وصيغة السلم: أن يتعاقد معه على أنه يشتري منه سلعة موصوفة في الذمة - غير محددة بعينها - لكن موصوفة بأوصاف ضابطة , ويضرب لتسليمها أجلا معينا. ولا يصح السلم ما لم يدفع الثمن فورا , أي في مجلس العقد قبل أن يفترق المتعاقدان , إلا أن المالكية أجازوا التأخير لدفع الثمن في حدود ثلاثة أيام بشرط أو غير شرط , لأنه تأخير يسير , فهو في حكم التعجيل.
ولا يجوز في عقد السلم أن يشترط أن تكون السلعة من صناعة البائع نفسه , أو من صنعة صانع آخر معين , بل يجب أن يكون العقد مبهما من هذه الناحية.
واشترط المالكية أن لا تحدد المادة الخام التي تصنع منها تلك السلعة , كأن يقول: أريد الشبابيك أن تكون مصنوعة من هذا الألومنيوم , وهذا الزجاج الموجود عندك. فإن قال ذلك واتفقا عليه فسد عقد السلم , بخلاف ما لو قال: من جنس هذا الألومنيوم وجنس هذا الزجاج , فيصح.
وإذا تم عقد السلم صحيحا كان ملزما للطرفين , لا يفسخ إلا باتفاقهما. وإذا جاء البائع بالمبيع عند الأجل موافقا للصنعة المشروطة , سالما من العيوب , لزم المشتري قبوله ودفع الثمن , سواء كان من صناعة ذلك البائع أو من صناعة غيره.
مشروعية الاستصناع عند الحنفية
قال الحنفية: الاستصناع جائز شرعا , استحسانا , أي استثناء من قاعدة عامة تقتضي عدم جوازه. وهذه القاعدة هي عدم صحة بيع المعدوم , التي دل عليها الحديث المشهور الذي رواه الصحابي حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال له: لا تبع ما ليس عندك.
وقال الكاساني القياس أن (الاستصناع) لا يجوز , لأنه بيع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم , وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم. ويجوز (الاستصناع) استحسانا لإجماع الناس على ذلك لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير , وقد قال ﵊: لا تجتمع أمتي على ضلالة.
ويرى بعض الحنفية أن دليل مشروعية الاستصناع لم يكن الاستحسان فقط , وإنما كان دليله بالكتاب والسنة والإجماع.
الدليل من الكتاب:
قول الله تعالى: ﴿ثم أتبع سببا ٩٠ حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ٩١ كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ٩٢ ثم أتبع سببا ٩٣ حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ٩٤ قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ٩٥ قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ٩٦ آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ٩٧ فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا﴾
قال ابن عباس خرجا أي أجرا عظيما (صفوة التفاسير) .
وجه الاستدلال أن الله تعالى ذكر أنهم طلبوا من ذي القرنين أن يصنع لهم السد مقابل مال يخرجونه له من أموالهم. وهذا هو الاستصناع بعينه.
وقوله فيما بعد: ﴿قال ما مكني فيه ربي خير﴾ ليس إنكارا للصيغة التي عرضوها للتعامل معه. بل اقترح عليهم صيغة أخرى أفضل منها وهي أن يعينوه بما لديهم من القوى البشرية والإمكانيات المتاحة , ويعينهم هو بما لديه من الخبرة الفنية والعمل والدقيق.
فحيث أورد القرآن هذه القصة دون إنكار للاستصناع المذكور فيها , دل على جوازه ومشروعيته. إذ هو كتاب هداية فلا يناسبه أن يذكر ما هو منكر دون التنبيه على نكارته.
الدليل من السنة:
عن نافع أن عبد الله حدثه أن النبي ﷺ اصطنع خاتما من ذهب , وجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه , فاصطنع الناس خواتيم من ذهب. فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه , فقال: إني كنت اصطنعته , وإني لا ألبسه , فنبذه , فنبذ الناس. رواه البخاري. ورواه أيضا بمعناه من حديث أنس بن مالك ﵁.
وحديث صنع المنبر لرسول الله ﷺ , وفيه: بعث رسول الله ﷺ إلى فلانة , امرأة قد سماها سهل أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس. فأمرته أن يعملها من طرفاء الغابة. ثم جاء بها , فأرسلت إلى رسول الله ﷺ , فأمر بها فوضعت فجلس عليه رواه البخاري أيضا.
على أن هذا الحديث وإن استشهد به الحنفية لا يعتبر نصا صريحا يدل على تجويز الرسول للاستصناع , إذ يحتمل أن الصنع كان على أساس نوع من التبرع , فلا يكون استصناعا.
الدليل من الإجماع:
تعامل الناس بالاستصناع منذ عهد النبوة إلى اليوم , دون نكير من أحد من أهل العلم , في المباني والأثاث والملابس والأحذية والأواني والسيوف والسروج ونحو ذلك كثير , ولا يخلو مجتمع من شيء من ذلك.
والتعامل دليل الحاجة العامة , التي في منع العمل بها حرج على الناس. والحرج ممنوع في الشريعة , لقول الله تعالى ﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم﴾
وهذا أيضا يتضمن الإجماع على الاستصناع عمليا , وإن أنكرته بعض المذاهب الفقهية في دراساتها , إذ لا يكاد أحد من أهل العلم يخلو من أن يكون تعاقد بطريق الاستصناع على عمل شيء مما يحتاجه من أثاث أو غيره.
стр. 268
دليل مشروعية الاستصناع
جاء في المدونة في الفقه المالكي (٩ / ١٨)
باب السلف في الصناعات:
قلت: ما قول مالك في رجل استصنع طشتا أو تورا , أو قمقما , أو خفين , أو استنحت سرجا أو قدحا , أو شيئا مما يعمل الناس في أسواقهم من آنيتهم أو أمتعتهم التي يستعملون عند الصناع , فاستعمل (أي طلب أن يعمل له) من ذلك شيئا موصوفا , وضرب لذلك أجلا بعيدا , وجعل لرأس المال أجلا بعيدا , أيكون هذا سلما , أو تفسده لأنه ضرب لرأس المال أجلا بعيدا أو يكون بيعا من البيوع في قول مالك ويجوز؟
قال: أرى في هذا أنه إذا ضرب للسلعة التي استعملها أجلا بعيدا , وجعل ذلك مضمونا على الذي يعملها بصفة معلومة , وليس من شيء بعينه يريه , يعمله منه , ولم يشترط أن يعمله رجل بعينه , وقدم رأس المال , أو دفع رأس المال بعد يوم أو يومين , ولم يضرب لرأس المال أجلا , فهذا السلف (أي السلم) جائز , وهو لازم للذي عليه , يأتي به إذا حل الأجل على صفة ما وصفا.
قلت: وإن ضرب لرأس المال أجلا بعيدا , والمسألة على حالها , فسد وصار دينا في دين في قول مالك؟
قال: نعم.
قلت: وإن لم يضرب لرأس المال أجلا , واشترط أن يعمله هو بنفسه؟
قال: لا يكون هذا سلفا , لأن هذا رجل سلف في دين مضمون على هذا الرجل , وشرط عليه عمل نفسه , وقدم نقده , فهو لا يدري أيسلم ذلك الرجل إلى ذلك الأجل أم لا فهذا من الغرر. وهو إن سلم عمله له , وان لم يسلم ومات قبل الأجل بطل سلف هذا , فيكون الذي أسلف إليه قد انتفع بذهبه باطلا.
قلت: لم.
قال: لأنه لا يدرى أيسلم ذلك الحديد أو الخشب إلى ذلك الأجل أم لا. ولا يكون السلف في شيء بعينه فلذلك لا يجوز في قول مالك.
وجاء في الشرح الصغير للدردير
استصناع سيف , أو ركاب من حديد , أو سرج من سروجي , أو ثوب من حياك , أو باب من نجار , على صفة معلومة , بثمن معلوم , يجوز - وهو سلم تشترط فيه شروطه
- إن لم يعلن العامل والمعمول منه , فإن عينه فسد , نحو قوله: أنت الذي تصنعه بنفسك , أو يصطنعه زيد بنفسه , أو تصطنعه من هذا الحديد بعينه , أو من هذا الغزل , أو من هذا الخشب بعينه , لأنه حينئذ صار معينا , لا في الذمة , وشرط صحة السلم كون المسلم فيه دينا في الذمة.
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٣ / ٢١٣)
استصناع السيف والسرج سلم , سواء كان الصانع المعقود معه دائم العمل أم لا , كأن تقول لإنسان: اصنع لي سيفا , أو سرجا , صفته كذا , بدينار , فلا بد من تعجيل رأس المال وضرب الأجل , وأن لا يعين العامل ولا المعمول منه.
وجاء في الشرح الكبير للدردير المالكي (٣ / ٢١٧)
أما إن اشتري المعمول منه , وعينه , ودخل في ضمانه , واستأجر الصانع بعد ذلك على عمله جاز إن شرع في العمل , ولو حكما , كتأخيره لنصف شهر , عين عامله أم لا.
وقال الدسوقي في حاشيته عليه: ويجوز ذلك سواء شرط تعجيل النقد أو لا , لأنه من باب البيع والإجارة في الشيء , وهو جائز وسواء كان العامل معينا أو لا , بشرط أن يشرع في العمل. أما لو استأجر غير البائع , جاز من غير قيد الشروع.
وجاء في الاختيار لتعليل المختار في فقه الحنفية (٢ / ٣٨)
وقال زفر لا يحوز الاستصناع لأنه من بيع المعدوم.
وجاء في شرح فتح القدير لابن الهمام (٧ / ١١٤)
القياس أن الاستصناع لا يجوز , وهو قول زفر والشافعي
إذ لا يمكن جعله إجارة , لأنه استئجار على العمل في ملك الأجير , وذلك لا يجوز , كما لو قال: احمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا بكذا , أو: اصبغ ثوبك أحمر بكذا , لا يصح.
ولا يمكن جعله بيعا , لأنه بيع معدوم , ولو كان موجودا مملوكا لغير العاقد لم يجز.
فإذا كان معدوما فهو أولى بعدم الجواز , ولكن جوزناه استحسانا , للتعامل الراجع إلى الإجماع العملي.
وجاء في كتاب الأم للإمام الشافعي (٢ / ١١٦)
لا بأس أن يسلفه في طشت أو تور , من نحاس , أو شبه , أو رصاص , أو حديد , ويشترطه بسعة معروفة , ومضروبا أو مفرغا , وبصنعة معروفة , ويصفه بالثخانة أو الرقة , ويضرب له أجلا , كهو في الثياب.
وإذا جاء به على ما يقع عليه اسم الصنعة والشرط لزمه , ولم يكن له رده.
قال: ولو كان مع شرط السعة وزن كان أصح , وإن لم يشترط وزنا صح إذا اشترط سعة.
قال: ولو شرط أن يعمل له طستا من نحاس وحديد , أو نحاس ورصاص , لم يجز , لأنهما لا يخلصان فيعرف قدر كل واحد منهما.
قال: وهكذا كل ما استصنع.
ولا خير في أن يسلف في قلنسوة محشوة , وذلك أنه لا يضبط وزن حشوها ولا صفته , ولا يوقف على حد بطانتها , ولا تشترى هذه إلا يدا بيد. .
ولا خير في أن يسلفه في خفين , ولا نعلين مخروزين , وذلك أنهما لا يوصفان بطول ولا عرض , ولا تضبط جلودهما , ولا ما يدخل فيهما. وإنما يجوز في هذا أن يبتاع النعلين والشراكين , ويستأجر على الحذو , وعلى خراز الخفين.
وجاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (٣ / ٢١٦ / ٢١٧)
ويجوز الشراء من دائم العمل , وهو من لا يفتر عنه , أو من في حكمه , وهو من كان من أهل حرفة ذلك الشيء لتيسره عنده , كالخباز , بنقد , وبغير نقد , فلا يشترط تعجيل رأس المال ولا تأجيل المثمن , لأنه ليس سلما , بل هو بيع (أي بيع مطلق) والشراء إما لجملة يأخذها مفرقة على أيام , كقنطار بكذا يأخذ منه كل يوم رطلين. وإنما جاز لأنهم نزلوا دوام العمل منزلة تعين المبيع.
وإن لم يكن دائم العمل فهو سلم كاستصناع سيف أو سرج. ويفسد بتعيين العامل أو المعمول منه.
وجاء في الفروع لابن مفلح من الحنابلة (٤ / ٢٤)
ذكر القاضي وأصحابه (لا يصح استصناع سلعة لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم) .
وجاء في كشاف القناع للبهوتي الحنبلي (٣ / ١٥٤)
لا يصح استصناع سلعة بأن يبيعه سلعة يصنعها له , لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم. . وهو قول القاضي وأصحابه.
قال الكاساني في كتابه بدائع الصنائع (٦ / ١٦٧٨)
أما جوازه فالقياس أن لا يجوز , لأنه باع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم , وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان وأرخص في السلم.
ويحوز استحسانا لإجماع الناس على ذلك لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير , والقياس يترك بالإجماع.
ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر من غير بيان المدة , ومقدار الماء الذي يستعمل , ولأن الحاجة تدعو إليه , لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مخصوص ونوع مخصوص , على قدر مخصوص وصفة مخصوصة , وقلما يتفق وجوده مصنوعا , فيحتاج أن يستصنع , فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج.
وجاء في الهداية للمرغيناني (٧ / ١١٤)
يجوز استحسانا أن يستصنع طستا أو خفين أو نحو ذلك وفي القياس لا يجوز الاستصناع لأنه بيع المعدوم.
وجاء في شرح فتح القدير (٧ / ١١٤)
يجوز الاستصناع استحسانا فيما جرى فيه التعامل , ولا يجوز قياسا.
وجه الاستحسان الإجماع الثابت بالتعامل , فإن الناس في سائر الأعصار تعارفوا الاستصناع فيما فيه تعامل من غير نكير.
وجاء في الاختيار لتعليل المختار , للموصلي (٢ / ٣٨) .
القياس يأبى جواز الاستصناع , لكنا استحسنا جوازه للتعامل بين الناس من غير نكير , فكان إجماعا , وبمثله يترك القياس والنظر , ويخص , الكتاب , والخبر.
وجاء في الفتاوى الهندية (٤ / ٥١٧)
يجوز الاستصناع استحسانا , لتعامل الناس وتعارفهم من غير نكير في سائر الأعصار. كذا في محيط السرخسي.
جاء في بدائع الصنائع للكاساني (٦ / ١٦٧٨)
يجوز الاستصناع استحسانا , لإجماع الناس على ذلك. . ولأن الحاجة تدعو إليه. . فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج.
وجاء في شرح فتح القدير (٧ / ١١٥)
جوزناه استحسانا للتعامل الراجع إلى الإجماع العملي , من لدن النبي ﷺ إلى اليوم بلا نكير , والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قول النبي ﷺ : لا تجتمع أمتى على ضلالة.
وقد استصنع النبي ﷺ خاتما.... واحتجم وأعطى الحجام أجره.... وفيما لا تعامل فيه رجعنا إلى القياس.
стр. 269
الوصف الفقهي للاستصناع
اختلف فقهاء الحنفية في تكييف الاستصناع اختلافا كبيرا أهو بيع أو وعد بالبيع , أو إجارة؟ وإذا كان بيعا هل المبيع هو العين المصنوعة أو العمل الذي قام به الصانع؟
والصحيح الراجح في المذهب الحنفي أن الاستصناع بيع للعين المصنوعة لا لعمل الصانع , فهو ليس وعدا ببيع ولا إجارة على العمل إذ لو أتى الصانع بما لم يصنعه هو , أو صنعه قبل العقد بحسب الأوصاف المشروطة , جاز ذلك.
والذى مال إليه جمع من الفقهاء في العصر الحاضر , أن الاستصناع عقد مستقل لا يدخل تحت أي من العقود المسماة الأخرى المتعارف عليها , بل هو عقد له شخصيته المستقلة وله أحكامه الخاصة.
стр. 270
القول الأول: الاستصناع مواعدة
أي أن الاستصناع مجرد وعد من الصانع بصنع الشيء المطلوب , ووعد من الطالب بقبوله عند التسليم وبدفع المقابل , فإذا تم ذلك يكون في النهاية بيعا بالتعاطي , وأصبح لازما. أما إن نكث أحد الطرفين بوعده فلا يلزمه القضاء بشيء لأن القضاء لا يتدخل في المواعيد.
واستدل أصحاب هذا القول بثبوت الخيار للصانع وللمستصنع , كما نص عليه أبو حنيفة ومتقدمو أصحابه حيث قد نصوا على أن لكل من الطرفين الخيار قبل أن يرى المستصنع الشيء المصنوع ويرضى به.
وثبوت الخيار للطرفين دليل أنه ليس هناك تعاقد , فلا يبقى إلا أنها مجرد مواعدة.
وهذا الرأي عند الحنفية حكي عن الحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنثور , فقد جاء عنهم: أن الاستصناع مواعدة , وإنما ينعقد بيعا بالتعاطي عند الفراغ من العمل , ولهذا كان للصانع ألا يعمل ولا يجبر عليه , بخلاف السلم , وللمستصنع ألا يقبل ما يأتي به الصانع , ويرجع عنه , ولا تلزم المعاملة.
القول الثاني: الاستصناع عقد بيع على عين
ذهب بعض الحنفية إلى أن الاستصناع عقد بيع على العين المستصنعة , ولم ينظر إلى العمل , بل نظر إلى أن الصانع باع شيئا في الذمة موصوفا بصفات كذا وكذا.
فالعمل ليس جزءا من المتعاقد عليه , بل العقد على العين الموصوفة.
وأيدوا قولهم هذا بما كان معروفا لدى بعض الحنفية قديما من أن الصانع لو أحضر شيئا مما صنعه هو قبل الاستصناع , أو صنعه غيره , فقبله المستصنع , جاز. فلو كان العقد منصبا على العمل أيضا لما جاز ذلك , لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي , فالذي جاء به الصانع مما صنعه قبل الاستصناع لا يكون مما التزم فيه بالشرط , وكذا ما صنعه غيره.
ثم اختلف أصحاب هذين القولين , فقال بعضهم هو بيع عين فيه الخيار للطرفين قبل الصنع , وقال آخرون لا خيار فيه.
القول الثالث: أنه بيع عمل أي إجارة
ذهب بعض الحنفية إلى أن الاستصناع بيع عمل , أي إجارة محضة , لأن الاستصناع طلب الصنعة , والصنعة عمل الصانع , فهذا هو المعقود عليه.
وأما المادة التي يحتاج إليها في الصنعة فهي بمنزلة الآلة للعمل , كما أن التعاقد على الصبغ إجارة , وإن كانت عملية الصبغ تحتاج إلى أن يدخل الصباغ فيها من عنده المواد الملونة , وذلك لا يخرج العقد عن أن يكون إجارة حقيقية , فكذلك المواد التي يحتاج إليها الصانع تدخل تبعا , ولا يخرج الاستصناع بذلك عن أن يكون إجارة حقيقية.
القول الرابع: الاستصناع إجارة ابتداء , بيع انتهاء.
أي أن الاستصناع عقد بين الآمر والصانع على أن يقوم الأخير بالعمل في العين , والعقد على العمل إجارة , فإذا قام الصانع بالعمل وسلم العين مصنوعة إلى الآمر كان التسليم على أنه مبيع بالثمن , وينعقد بيعا انعقادا تقديريا قبل رؤية الآمر له بفترة زمنية , لا بعد الرؤية.
والذين ذهبوا إلى هذا الرأي أرادوا أن يجمعوا بين ما ورد عن أئمة الحنفية أن الصانع إذا مات قبل تسليم المعمول بطل الاستصناع , فلو كان الاستصناع بيعا من أول انعقاده لما بطل , كالسلم , لا يبطل بموت المسلم , لأن عقد البيع لا يبطل بالموت , بل يكون للمشتري حق استيفاء المبيع من التركة.
والأمر الثاني ما ورد عن محمد بن الحسن أن للمستصنع الخيار إذا رأي المصنوع. قالوا فلو كان الاستصناع إجارة على الإطلاق لما كان له الخيار , لأن خيار الرؤية إنما هو في البيع لا في الإجارة.
وكان الجمع بين الأمرين بأن قالوا: ينعقد الاستصناع إجارة من أول الأمر , فتنطبق عليه أحكام الإجارة , ثم إذا أتم الصانع صنعته وأحضر المصنوع واستلمه الآمر , كان التسليم له على أنه مبيع لا مأجور فيه , إذ المبيع هو الذي فيه خيار الرؤية للمشتري.
وقدر انعقاد البيع قبل الرؤية لأنه لو انعقد بيعا بعد الرؤية لم يكن للمشترى الخيار , لأن حديث خيار الرؤية جعل الخيار لمن اشترى ما لم يره.
القول الخامس: الاستصناع بيع عين شرط فيه العمل
والقائلون بهذا أرادوا أن حقيقة الاستصناع أنه بيع حقيقي , أي بيع للمواد التي تدخل في المصنوع , لكن اشترط المستصنع على الصانع أن يقوم في المواد العينية بعمل هو تركيبها وتهيئتها على الصورة التي يريدها المستصنع , وطبقا للأصول الفنية التي يعتبرها أهل تلك المهنة.
فالعمل ليس من حقيقة الاستصناع , لكنه مشروط فيه كما قد يشترط مشتري الأثاث على البائع إيصاله إلى منزل المشترى. وهذا النوع من الشروط ممنوع عند الحنفية من حيث الأصل , لأنه خارج عن حقيقة البيع , لكنهم يجيزون من ذلك ما جرت العادة والعرف بأن يقوم به أحد العاقدين لمصلحة الآخر. والاستصناع من هذا النوع عند القائلين بهذا القول.
القول السادس: الاستصناع عقد مستقل
بعد النظر في الأقوال المتقدمة لعلماء الحنفية في تكييف حقيقة الاستصناع , يتبين أن الاستصناع وإن كان جائزا عندهم اتفاقا - ما عدا زفر - إلا أنهم ذهبوا في تكييفه مذاهب لم يسلم أي منها عن اعتراض.
والذي مال إليه جمع من الفقهاء في العصر الحاضر , أن الاستصناع عقد مستقل لا يدخل تحت أي من العقود المسماة الأخرى المتعارف عليها , بل هو عقد له شخصيته المستقلة , وله أحكامه الخاصة.
فقد جاء في بحث الشيخ مصطفى الزرقا في الاستصناع: أن الاستصناع نوع من البيوع مستقل لا يدخل في أحد الأنواع الأخرى كالصرف والسلم , وليس أيضا من البيع العادي (المطلق) . فكما أن الصرف والسلم نوعان من البيع , وهما عقدان مستقلان , ولهما أحكام خاصة لا تجرى في البيع المطلق , فكذلك الاستصناع.
وجاء في بحث الدكتور على محيي الدين القره داغي الاستصناع هو ما إذا طلب المستصنع من الصانع صنع شيء موصوف في الذمة خلال فترة قصيرة أو طويلة , سواء كان المستصنع عين المصنوع منه بذاته أم لا , وسواء كان المصنوع منه موجودا أثناء العقد أم لا. فمحل عقد الاستصناع هو العين والعمل معا من الصانع. فالعقد بهذه الصورة ليس بيعا , ولا سلما , ولا إجارة , ولا غيرها , وإنما هو عقد مستقل خاص له شروطه الخاصة به , وآثاره الخاصة به , ولا ينبغي صهره في بوتقة عقد آخر. فالاستصناع عقد مستقل خاص محله العين والعمل معا , وبذلك يمتاز عن البيع الذي محله العين , وعن الإجارة التي محلها العمل , وعن السلم الذي محله العين الموصوفة في الذمة.
وجاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره السابع بجدة (١٤١٢هـ الموافق ١٩٩٢م) : إن عقد الاستصناع هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة , ملزم للطرفين , إذا توافرت فيه الأركان والشروط.
ويمكن أن يقال إن القوانين المعاصرة اعتبرته كذلك فإنها حين ذكرت أحكامه لم تذكرها ضمن أحكام البيوع , ولا ضمن أحكام الإجارة , بل جعلته نوعا من أنواع (المقاولة) , والمقاولة منها ما هو إجارة محضة , ومنها ما هو استصناع حيث تكون المواد من الصانع.
ولعل أقرب من اقترب من هذا القول من الفقهاء صاحب المحيط البرهاني حيث يرى أنه لا بد من اعتبار العمل والعين في الاستصناع. فقد جاء في ج ٢ ص ٥٧٥: المستصنع طلب منه العمل والعين جميعا فلا بد من اعتبارهما جميعا.
أهمية القول بأن الاستصناع عقد مستقل
يتضح بأن الرأي المعاصر القائل بكون الاستصناع عقد مستقل , يختلف هذا عن القول الذي يجعل الاستصناع بيعا حقيقيا والعمل شرط فيه , أي زائد على حقيقته وهو قول فيه من المؤاخذة ما فيه لسببين:
- المستصنع لم يشتر المواد , ولو أنه اشتراها وجب أن تكون معلومة متميزة وتدخل في ملك المستصنع , وهذا مجاف لطبيعة الاستصناع , فإن الذي يدخل في ملك المستصنع هو الشيء المصنوع بعد تمام صنعه وتسليمه , أما المواد فلا تدخل في ملكه قبل ذلك , ولا علاقة له بها.
- العمل وهو الصنعة أمر أساسي مطلوب في الاستصناع , وليس شرطا ملحقا , كما في نقل الأثاث لمن اشتراه.
وعلى أساس هذا النظر المعاصر , يكون المعقود عليه في الاستصناع المادة والعمل دون فصل لأحدهما عن الآخر , ودون تميز , فكلاهما داخل في حقيقة الاستصناع. ولكنه يكون:
- أشبه بعقد البيع لدخول المادة فيه.
- أشبه بعقد الإجارة لدخول العمل فيه ,
- أشبه بعقد السلم لكونه في الذمة.
وإنما اختلفت أقوال الفقهاء , فحمله بعضهم على البيع , وبعضهم على الإجارة , وبعضهم - وهم غير الحنفية - على السلم , لملاحظة تلك الأنواع من الشبه , لكن لكونه في الحقيقة ليس أيا من هذه الأنواع الثلاثة من العقود (البيع والإجارة والسلم) لم يسلم أي من الأقوال عن الاعتراض.
وبناء على ذلك , لا ينبغي في الاستصناع استعمال عبارات: البائع , والمشتري , والثمن. وإنما يقال: المستصنع , والصانع أو المقاول , والبدل النقدي. كما لا يقال في الإجارة: البائع , والمشتري , والثمن , وإن كانت الإجارة في حقيقتها نوعا خاصا من البيع , هو بيع المنفعة , لكن لتميزها عن البيع المطلق انفردت باصطلاحاتها الخاصة. وإن كان يمكن في الاستصناع استعمال العبارات المذكورة على سبيل التساهل.
стр. 271
جاء في المبسوط (١٢ / ١٣٩)
كان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة , وإنما ينعقد بيعا بالتعاطي إذا جاء به مفروغا منه.
وجاء في المحيط البرهاني (٢ / ٥٧٥)
(مخطوطة أوقاف بغداد)
إذا جاز الاستصناع فإنما يجوز معاقدة لا مواعدة , بدليل أن محمدا ﵀ ذكر فيه القياس والاستحسان , ولو كان مواعدة لما احتاج إلى ذلك , وأن محمدا قال: إذا فرغ الصانع من العمل , وأتى به كان المستصنع بالخيار , لأنه اشترى ما لم يره. فقد سماه شراء. وكذلك قال: إذا قبض الأجر فإنه يملك. ولو كانت مواعدة لكان لا يصير الأجر ملكا له. فدل على أنها تنعقد معاقدة لا مواعدة.
وجاء في بدائع الصنائع للكاساني (٥ / ٢)
قال بعضهم: الاستصناع مواعدة , وليس ببيع , ولا يصح , بدليل أن محمدا ﵀ ذكر في جوازه القياس والاستحسان , وذلك لا يكون في العادات , وكذلك أثبت فيه خيار الرؤية , وهو يختص بالبياعات , وكذا يجري فيها التقاضي , وإن ما يتقاضى فيه الواجب لا الموعود.
وجاء في الاختيار لتعليل المختار (٢ / ٣٨)
وقد قيل: الاستصناع مواعدة , حتى يكون لكل منهما الخيار.
وجاء في شرح فتح القدير لابن الهمام (٧ / ١١٥)
اختلف المشايخ أنه مواعدة أو معاقدة , فالحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنثور: هو مواعدة , وإنما ينعقد عند الفراغ بيعا بالتعاطي , ولهذا كان للصانع أن لا يعمل , ولا يجبر عليه , بخلاف السلم , وللمستصنع أن لا يقبل ما يأتي به , ويرجع عنه.
في الدر المختار (٤ / ٢١٣)
صح الاستصناع بيعا لا عدة , على الصحيح , فيجبر الصانع على العمل , ولا يرجع الآمر عنه , ولوكان عدة لما لزم.
وجاء في حاشية ابن عابدين عليه: هو بيع لا مواعدة ثم ينعقد عند الفراغ بيعا بالتعاطي إذ لو كان كذلك لم يختص بما فيه تعامل.
مراجع القول الثاني
جاء في بدائع الصنائع للكاساني (٦ / ٢٦٧٧)
قال بعضهم: الاستصناع عقد على مبيع في الذمة. ووجهة أن الصانع لو أحضر عينا كان عملها قبل العقد ورضي به المستصنع جاز , ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز , لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي.
(وصحح الكاساني القول الآتي: وهو أنه عقد على مبيع في الذمة شرط فيها العمل)
ثم قال: العقد على مبيع في الذمة يسمى سلما , وهذا العقد يسمى استصناعا , واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل. وأما إذا أتي الصانع بعين صنعها قبل العقد , ورضي المستصنع , فإنما جاز لا بالعقد الأول , بل بعقد آخر , وهو التعاطي بتراضيهما.
وجاء في شرح فتح القدير (٧ / ١١٥)
الصحيح من المذهب جواز الاستصناع بيعا , لأن محمدا ذكر فيه القياس والاستحسان وهما لا يجريان في المواعدة ,. . . وإثبات الخيار لكل منهما لا يدل على أنه ليس بيعا , ألا ترى أن في بيع المقايضة لو لم ير كل منهما عين الآخر كان لكل منهما الخيار , وحين لزم جوازه علمنا أن الشارع اعتبر فيها المعدوم موجودا , وفي الشرع كثير كذلك , كطهارة المستحاضة , وتسمية الذابح إذا نسيها.
ثم قال: والمعقود عليه العين دون العمل. . والدليل عليه قول محمد لأنه اشترى ما لم يره , ولذا لو جاء به مفروغا منه لا من صنعته , أو من صنعته قبل العقد جاز.
وجاء في الاختيار (٢ / ٣٨)
الأصح أن الاستصناع معاقدة لأن فيه قياسا واستحسانا , وذلك من خصائص العقود. وينعقد على العين دون العمل حتى لو جاء بعين من غير عمله جاز.
وجاء في الدر المختار (٤ / ٢١٣)
يصح الاستصناع بيعا لا عدة على الصحيح , فيجبر الصانع على عمله , ولا يرجع الآمر عنه ولو كان عدة لما لزم , والمبيع هو العين لا عمله خلافا للبردعي فإن جاء الصانع بمصنوع غيره , أو بمصنوعه هو قبل العقد فأخذه صح ولو كان المبيع عمله لما صح.
وجاء في حاشية ابن عابدين عليه: المبيع في الاستصناع هو العين الموصوفة في الذمة , وليس بيع عمل , أي ليس إجارة على العمل. وفيها قال في النهر: وأورد على كونه بيعا أنه يبطل بموت الصانع , وهذا ينافي كونه بيعا. وأجيب بأنه إنما بطل لشبهه بالإجارة.
مراجع القول الثالث
جاء في الهداية وفتح القدير (٧ / ١١٥)
قال أبو سعيد البردعي المعقود عليه في الاستصناع العمل , لأن الاستصناع ينبئ عنه (أي لأن معنى اللفظ طلب الصنعة) , والأديم (أي الجلد في صناعة الحذاء) بمنزلة مادة الصبغ للصباغ , واستعمال الصباغ لتلك المادة لا يجعل المعقود عليه العين , بل المعقود عليه هنا العمل فقط.
وجاء في العناية أيضا (٧ / ١١٥)
قال أبو سعيد البردعي المعقود عليه في الاستصناع هو العمل , لأن الاستصناع طلب الصنعة , وهو العمل.
وجاء في العناية أيضا (٧ / ١١٦)
فإن قيل: أي فرق بين الاستصناع وبين عمل الصباغ؟ فإن في الصبغ العمل والعين (من العامل) , كما في الاستصناع , وذلك إجارة محضة.
أجيب بأن الصبغ (أي عملية الصبغ) أصل , والصبغ (أي المادة التي يصبغ بها) آلتة. فكان المقصود منه العمل , وذلك إجارة وردت على العمل في عين المستأجر. وها هنا (أي في الاستصناع) الأصل هو العين المستصنع المملوك للصانع , فيكون بيعا. ولما لم يكن له وجود من حيث وصفه إلا بالعمل أشبه الإجارة في حكم واحد لا غير.
مراجع القول الرابع
جاء في شرح فتح القدير (٧ / ١١٦)
وفي الذخيرة: هو إجارة ابتداء بيع انتهاء , لكن قبل التسليم بساعة , لا عند التسليم , بدليل أنهم قالوا: إذا مات الصانع لا يستوفى المصنوع من تركته , ذكره محمد في كتاب البيوع. ولا يجبر الصانع على العمل لأنه لا يمكنه إلا بإتلاف عينه من قطع الأديم ونحوه , والإجارة تفسخ بالعذر , وهذا عذر , ألا ترى أن المزارع له أن لا يعمل إذا كان البذر من جهته.
وجاء في حاشية ابن عابدين على الدر (٤ / ٢١٣)
وفي الذخيرة الاستصناع إجارة ابتداء بيع انتهاء , لكن قبل التسليم بساعة لا عند التسليم. وأورد عليه أنه لو انعقد إجارة لأجبر الصانع على العمل , والمستصنع على إعطاء المسمى.
وأجيب بأنه إنما لا يجبر لأنه لا يمكنه (العمل) إلا بإتلاف عين له من قطع الأديم ونحوه , والإجارة تفسخ بهذا العذر , ألا ترى أن الزارع له أن لا يعمل - أي في المزارعة - إن كان البذر من جهته , وكذا رب الأرض. ومثله في البحر والزيلعي.
وجاء في المحيط البرهاني (ج٢ / ق ٥٧٥)
ينعقد الاستصناع إجارة ابتداء , ويصير بيعا انتهاء متى سلم , قبل التسليم بساعة , بدليل أنهم قالوا بأن الصانع إذا مات قبل تسليم العمل بطل الاستصناع , ولا يستوفى المصنوع من تركته , ولو انعقد بيعا ابتداء وانتهاء لم يبطل بموته كما في بيع العين , والسلم.
وقال محمد إن أتى به الصانع كان المستصنع بالخيار , لأنه اشترى شيئا لم يره ولو انعقد إجارة ابتداء وانتهاء لم يكن له خيار الرؤية , كما في الخياط والصباغ , ولو كان ينعقد بيعا عند التسليم لا قبله بساعة لم يثبت خيار الرؤية , لأنه يكون مشتريا ما رآه وخيار الرؤية لا يثبت في المشتري (كذا في الأصل ولعله: المرئي) , فعلمنا أنه ينعقد إجارة ابتداء وإن كان القياس يأباه , لأنه إجارة على العمل في ملك الآخر ثم يصير بيعا انتهاء قبل التسليم بساعة , وإن كان القياس يأبى أن تصير الإجارة بيعا. لكنا تركنا القياس في الكل , لمكان التعامل. والمعنى في ذلك أن المستصنع طلب منه العين والعمل جميعا , فلا بد من اعتبارهما جميعا , واعتبارهما جميعا في حالة واحدة متعذرة , لأن بين البيع والإجارة تنافيا , فجوزناها إجارة ابتداء , لأن عدم المعقود عليه لا يمنع انعقاد الإجارة , ويمنع انعقاد البيع , فاعتبرناها إجارة ابتداء , وجعلناها بيعا قبل التسليم , كما فعلنا هكذا في الهبة بشرط العوض: اعتبرناها هبة ابتداء عملا باللفظ , بيعا انتهاء عملا بالمعنى. ولذلك قلنا: لو مات قبل التسليم يبطل , كالإجارة , ومتى سلم كان المستصنع بالخيار , لأنه اشترى ما لم يره.
مراجع القول الخامس
المبسوط للسرخسي (١٥ / ٨٤ , ٨٥)
الاستصناع بيع عين شرط فيه العمل.
تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي (٢ / ٥٣٨)
الاستصناع عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع.
بدائع الصنائع للكاساني (٦ / ٢٦٧٧)
قال بعضهم: الاستصناع عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل. قال: وهو الصحيح. لأن الاستصناع طلب الصنع , فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعا , فكان مأخذ الاسم دليلا عليه , ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلما , وهذا العقد يسمى استصناعا , واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل.
وأورد الكاساني على هذا القول اعتراضا , قال: إن الصانع لو أحضر عينا كان عملها قبل العقد ورضي به المستصنع جاز , فلو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز , لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي.
ورد على ذلك قائلا: إذا أتى الصانع بعين قد صنعها قبل العقد , ورضي به المستصنع فإنما جاز لا بالعقد الأول , بل بعقد آخر , وهو التعاطي , بتراضيهما.
стр. 272
أقسام الاستصناع
هناك حاجات عظيمة وهامة للمجتمع الإنساني يصعب أو يتعذر كفايتها بغير طريق الاستصناع. وقد استخدمت المصارف الإسلامية صيغة جديدة لعقد الاستصناع وهي الاستصناع الموازي.
стр. 273
الاستصناع العادي:
يستطيع الاستصناع أن يلبي حاجات عظيمة وهامة للمجتمع الإنساني يصعب أو يتعذر كفايتها بغير طريق الاستصناع.
ففي نطاق الحاجات الشخصية ,: قد يحتاج الإنسان إلى لباس أو حذاء يناسبه لا يناسب غيره من الناس , لاختلاف مقاس جسمه أو مقاس رجله عن سائر الناس في مجتمعه. فلا يتمكن من الحصول على مطلوبه بعقد شراء إلا بعسر , وخاصة في المجتمعات الصغيرة التي لا تتوافر فيها السلع بكميات كبيرة ومقاسات متنوعة. وكذا لا يمكن تحصيل المطلوب بعقد إجارة لأن المواد الخام ربما كانت موجودة لدى الصانع نفسه ولا توجد عند غيره , كما هو معهود في عصرنا في صناعة الأحذية حيث لا تكون الجلود موجودة في العادة إلا عند الإسكاف.
كما قد يحتاج الإنسان أيضا إلى قطعة من الأثاث أو إلى سيارة أو منزل , يكون مختلفا عن المعهود - المصنوعات النمطية - لميزات يبتغيها تناسب ظروفه , أو تناسب ذوقة الخاص , فلا يجد شيئا يلبي تلك الحاجة يحصله بعقد شراء. وقد يحصله بعقد إجارة بأن يحصل من يصنعه بأجر , وهو يحضر المواد , لكن يجد أهون عليه أن يستصنعه بعقد استصناع يريحه فيه الصانع - وهو شخص أو شركة لديه الخبرة والقطع الفنية اللازمة - من عناء شراء المواد المطلوبة , وقد تكون كثيرة متنوعة , أو غير متوفرة.
وفي نطاق المصنوعات الضخمة , كالبواخر والطائرات العملاقة وربما القطارات والحافلات (الباصات) , ونطاق المصنوعات ذات التكلفة الباهظة , كالأقمار الصناعية , وشبكات الهاتف وأجهزتها الفنية , ومباني الإذاعة والتلفزيون وتجهيزاتها , لا يكون من اليسير اقتصاديا على الشركات التي تصنعها صناعة الشيء منها ثم عرضه للبيع وانتظار من يشترى , لأن المصنوع قد يكسد , فيتجمد رأس المال , وربما احتاج إلى تكلفة هائلة للتخزين والتأمين والصيانة , فبالاستصناع يكون الشيء من ذلك قد بيع مقدما فلا يكون الصانع عرضه لآثار تقلبات الأسعار التي قد تكون خطيرة , وقد تؤدي إلى إفلاس بعض المصانع أو إغلاقها , ويستطيع أن يقدم على إنتاج مصنوعاته وهو مطمئن إلى أنه لن يخسر بل سوف يحقق ربحا معلوما.
وفي نطاق الإنشاءات الضخمة على أراض يملكها المشترون , سواء كانوا من القطاع الخاص , أو كان المشتري هو الدولة , كبناء المباني الحكومية وتجهيز الطرق المعبدة والجسور والسكك الحديدية والمطارات والمستشفيات ونحوها , لا توجد صيغة لذلك أنسب من عقد الاستصناع , كما هو واضح من نشاطات قطاع المقاولات في عامة الشعوب المتحضرة.
وفي نطاق التجارة يستطيع التاجر أن يستصنع السلع التي يكثر رواجها بالمواصفات التي يرى أنها تجعل سلعة أكثر ملاءمة لأذواق المستهلكين ومتطلباتهم مما يزيد رواج تجارته. ويستطيع أيضا استصناع سلع جديدة - أي مخترعات جديدة , أو سلع موجودة لكي يقوم بإدخال تحسينات ذات بال عليها , ويطلب من المصانع التنفيذ , وهذا يؤدي إلى التقدم الصناعي للبلاد , بالإضافة إلى تمكين التجار ذوي الفطانة من تحصيل مكاسب جمة.
الاستصناع الموازي:
يستند عقد الاستصناع الموازي على أساس أنه لا يشترط في الاستصناع أن يكون العقد مع صانع. فيصح شرعا أن يتعاقد الراغب في الاستصناع مع شخص من غير أهل الصنعة , ثم يذهب هذا الملتزم للصنعة يبحث عن شخص يصنع له المطلوب فيأخذه ويسلمه للمستصنع.
ولم تتعرض كتب الحنفية لهذا الأمر , وإن كانت في تعريف الاستصناع تذكر أنه (التعاقد مع صانع. . إلخ) , وفي ذكر الأمثلة تذكر (التعامل مع صانع. .) , لكن ذلك لا ينبغي حمله على أن ذلك شرط لصحة العقد , خاصة وقد نصوا على أنه لو جاء بشيء من صنعة غيره كفى. وكذلك ذكر الفقهاء شروط الاستصناع وحصروها ولم ينصوا على اشتراط كون العقد مع الصانع.
كذلك لم تذكر كتب الفقه شيئا عن مسألة قيام الصانع باستصناع غيره. ولكن الفقهاء في باب الإجارة ذكروا أن الأجير إذا شرط عليه مستأجره أن يعمل بنفسه لزمه ذلك , لأن العامل يتعين بالشرط. فإن لم يشترط المستأجر ذلك فيجوز للأجير أن يستأجر من يعمل العمل. قالوا: لأن المستحق عمل في الذمة وهذا ما لم يكن العمل ملاحظا فيه خصوصية العامل , ومثال ذلك الاستئجار على نسخ الكتب الخطية. وكذا كل ما يختلف باختلاف العامل.
فكذلك يقال في الاستصناع إن للمستصنع أن يشترط في العقد عمل الصانع نفسه , أو عمل صانع معين , فإن قبل الطرف الآخر ذلك لزمه , ولم يكن له أن يستصنع غيره أما إن لم يشترط في عقد الاستصناع ذلك يكون للصانع أن يستصنع غيره من أهل الصنعة والقدرة الفنية وهذا ما لم تكن خصوصية الصانع ملاحظة في التعاقد , كما في بعض الصناعات التي تعتمد على القدرات الشخصية , وتختلف من صانع لآخر , ككتابة اللافتات الإعلانية بخط اليد , وصناعة التحف الفنية التي تميز بها الصانع المعين , والمطرزات اليدوية , ونحو ذلك.
وبمثل هذا أخذ القانون المدني الأردني في شأن المقاولة , ومنها الاستصناع. على أن ضمان العيوب للمستصنع والمسئولية تجاهه عن نقص الأوصاف المشروطة تبقى على الصانع في جميع الأحوال.
وهذا الرأي يتيح لأهل التجارات , وأرباب الأموال , وللمصارف الإسلامية , استعمال أسلوب التعاقد بالاستصناع الموازي بينهم وبين المحتاجين إلى المصنوعات من المستهلكين أو التجار.
والاستصناع الموازي معناه أن يعقد المصرف مثلا بخصوص السلعة الواحدة عقدين: أحدهما مع الراغب في السلعة يكون المصرف فيه في دور الصانع , والآخر مع القادر على الصناعة ليقوم بإنتاج سلعة مطابقة في المواصفات والتصاميم والشروط للمذكور في العقد الأول , ويكون البنك هنا في دور المستصنع.
ويمكن أن يكون الثمن في العقد الأول مؤجلا وفي العقد الثاني معجلا , فتكون فرصة التمويل للبنك مضاعفة , مما يتيح للمصرف قسطا من الربح وافرا.
ثم إذا تسلم المصرف السلعة من المنتج , ودخلت في حيازته , يقوم بتسلمها إلى المستصنع. ولا مانع من أن يعقد العقدان في نفس الوقت , أو يتقدم أي منهما.
محاذير تطبيق الاستصناع الموازي
يجب الحذر في الاستصناع المتوازي من أمور:
١- الربط بين العقدين بل يجب أن يكون كل من العقدين منفصلا عن الآخر وغير مبني عليه. فتكون مسئولية المصرف ثابتة قبل المستصنع. ولا شأن للمستصنع بالصانع في العقد الثاني. وإذا لم يقم الصانع بالعمل أو لم ينجزه في الموعد فعلى المصرف إنجازه.
٢- يجب أن لا يكلف المصرف المستصنع بالتعاقد مع الصانع أو متابعته , ولا يوكله بالإشراف على المصنوع , أو قبضه , أو نحو ذلك.
وهذان الأمران لئلا يتقلص دور المصرف في العملية الصناعية , ويتحول من مستصنع حقيقة إلى مقرض بالفائدة.
٣- يفضل أن لا ينتظر المصرف الإسلامي ليأتيه شخصان قد اتفقا بينهما أحدهما صانع والآخر مشتر يريد تمويلا ليدفع المصرف للصانع مقدما , ثم ينتظر الوفاء من الآخر بالزيادة. بل على المصرف أن يكون لديه (دائرة خاصة بالعمليات الاستصناعية) يأتي إليها الراغبون في إنشاء المباني , أو الصيانة العامة , أو تعبيد الطرق , أو مد سكك الحديد , أو بناء المطارات , أو صناعة السلع الاستهلاكية , أو غير ذلك. فيطلبوا منه هذه الأعمال استصناعا , ويكون للبنك علاقات مع من يستطيع تنفيذ مثل تلك الأعمال فيساومهم عليها , أو يعلن عن مناقصات لتنفيذها. فيعقد معهم عقود الاستصناع على مسئوليته الخاصة.
٤- لا يجوز أن يضرب لتسليم السلعة أجل بعيد بغرض إتاحة الفرصة له لينتفع بالتمويل المبكر , لكن يكون الأجل فقط بقدر المدة التي يحتاج إليها في التصنيع فعلا , فإن زادت عن ذلك كان العقد سلما ووجبت مراعاة شروطه وأحكامه.
стр. 274
جاء في الهداية للمرغيناني (٩ / ٧٨)
إذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه ليس له أن يستعمل غيره , لأن المعقود عليه العمل من محل بعينه فيستحق عينه , كالمنفعة في محل بعينه. وإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعمله , لأن المستحق عمل في ذمته , ويمكن إيفاؤه بنفسه , وبالاستعانة بغيره , كإيفاء الدين.
قال في العناية: وفيه تأمل , لأنه إن خالفه إلى خير بأن استعمل من هو أصنع منه في ذلك الفن , ينبغي أن يجوز.
وجاء في المغني لابن قدامة (٥ / ٤٣٨)
نقل الأثرم عن أحمد أنه سأله عن الرجل يتقبل العمل من الأعمال فيقبله بأقل من ذلك أيجوز له الفضل؟
قال: ما أدري , هي مسألة فيها بعض الشيء.
قلت: أليس الخياط أسهل عندك إذا قطع الثوب , أو غيره إذا عمل في العمل شيئا؟
قال: إذا عمل عملا فهو أسهل قال النخعي لا بأس أن يتقبل الخياط الثياب بأجر معلوم ثم يقبلها بعد ذلك أو يعين فيها , أو يقطع , أو يعطيه سلوكا أو إبرا أو يخيط فيها شيئا. فإن لم يعن فيها بشيء فلا يأخذن فضلا.
وهذا يحتمل أن يكون النخعي قاله بناء على مذهبه في أن من استأجر شيئا لا يؤجره بزيادة.
وقياس المذهب: جواز ذلك سواء أعان فيها بشيء أو لم يعن , لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجر الأول أو دونه , جاز بزيادة عليه , كالمبيع , وكإجارة العين.
وجاء في شرح المحلي على المنهاج في الفقه الشافعي (٣ / ٦٨)
الإجارة قسمان: واردة على عين كإجارة العقار أو دابة أو شخص معينين , وواردة على الذمة: كاستئجار دابة موصوفة , أوكأن يلزم ذمته خياطة أو بناء. ولو قال: استأجرتك لتعمل كذا: فإجارة عين , وقيل إجارة ذمة. ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس , كرأس مال السلم , لأنها سلم في المنافع.
стр. 275
صيغة الاستصناع
ينعقد الاستصناع بلفظ البيع إن ذكرت باقي شروطه , لأن العبرة في العقود لمعانيها لا لصور ألفاظها.
وإطلاق البيع مع ذكر شروط الاستصناع , هو استصناع في المعنى فينعقد به.
واتفق الفقهاء على أن صيغة الاستصناع يجب أن تكون منجزة يترتب عليها أثرها في الحال. فلا يقبل التعليق على شرط , ولا الإضافة إلى زمن مستقبل.
стр. 276
لما كان الاستصناع عقدا يتم بين طرفين , فإن وجوده يتوقف على صيغة تفصح عن رغبة المتعاقدين على إنشائه , وتعبر بجلاء عن اتفاقهما على تكوينه , لأن النية - أو الرغبة - أمر باطن لا يمكن الاطلاع عليه , فلا بد من تعبير يدل عليه ويكشف عنه , وهو الإيجاب والقبول المتصلان المتوافقان.
وقد اتفق الفقهاء على صحة إيقاع الإيجاب بلفظ الاستصناع وكل ما دل عليه. وكذا على صحة القبول بكل لفظ يدل على الرضا بما أوجبه الأول , مثل: قبلت ورضيت ونحو ذلك.
وقد اتفق الفقهاء على أن صيغة الاستصناع كصيغة البيع يجب أن تكون منجزة يترتب عليها أثرها في الحال , فلا تقبل التعليق على شرط , ولا الإضافة إلى زمن مستقبل.
стр. 277
العاقدين في الاستصناع
لما كانت عقود المعاوضات المالية كالبيع والسلم والاستصناع والصرف تنشأ بين متعاقدين بإرادتهما , اشترط الفقهاء في كل واحد من العاقدين أن يكون أهلا لصدور العقد عنه , وأن يكون له ولاية إذا كان يعقد لغيره.
стр. 278
الاستصناع هو عقد معاوضة مالية ينشأ بين طرفين متعاقدين بإرادتهما الحرة , فلا بد لانعقاد الاستصناع ونفاذه أن يكون عاقداه من أهل العبارة المعتبرة في إنشاء العقود والالتزام بآثارها ويتحقق ذلك بتوافر شرطين فيهما:
شرط أهلية المعاملة والتصرف
يشترط أن يكون المتعاقدين أهلا للمعاملة والتصرف , أي أن يكون عندهما أهلية أداء. وأهلية الأداء التي تعني صلاحية الشخص لصدور الأقوال منه على وجه يعتد به شرعا. وتتحقق هذه الأهلية عند جمهور الفقهاء في الإنسان المميز العاقل الرشيد غير المحجور عليه بأي سبب من أسباب من الحجر , ولم يكتف الشافعية بالتمييز بل اشترطوا البلوغ فلا ينعقد عندهم بيع الصبي لعدم أهليته.
شرط الولاية
يشترط أن يكون للمتعاقدين ولاية على العقد أي أن يكون للعاقد سلطة تمكنه من تنفيذ العقد وترتيب آثاره عليه , ويكون ذلك إما بتصرف العاقد أصالة عن نفسه وإما أن يكون مخولا في ذلك بأحد طريقين:
- بالنيابة الاختيارية التي تثبت بالوكالة. ولابد فيها أن يكون كل من الوكيل والموكل أهلا لإنشاء عقود المعاوضات المالية.
- أو بالنيابة الإجبارية التي تثبت بتولية الشارع , وتكون لمن يلي مال المحجور عليهم من الأولياء والأوصياء الذي جعلت لهم سلطة شرعية على إبرام العقود وإنشاء التصرفات المالية لمصلحة من يلونهم.
стр. 279
المعقود عليه
اختلف فقهاء الحنفية في حقيقة المعقود عليه في عقد الاستصناع , فذهب بعضهم إلى اعتبار العمل هو محل العقد.
بينما ذهب جمهور علماء المذهب إلى أن المعقود عليه هو العين وليس العمل.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بأن الاستصناع عقد وارد على العمل والعين في الذمة.
стр. 280
الرأي القائل بأن المعقود عليه هو العمل
يرى أبو سعيد البردعي أن المعقود عليه في عقد الاستصناع هو العمل لأن الاستصناع استفعال من صنع أي طلب الصنع , وهو العمل , فتسمية العقد به دليل على أن المعقود عليه هو العمل , والأديم فيه والصرم بمنزلة الصبغ , أي بمنزلة الآلة للعمل , ولهذا يبطل عقد الاستصناع بموت أحد المتعاقدين , كما تبطل الإجارة بذلك (عند المذهب الحنفي) .
الرأي القائل بأن المعقود عليه هو العين
يرى جمهور العلماء أن المعقود عليه هو العين وليس العمل , وذكر الصنعة لبيان الوصف وهذا هو الأصح في المذهب الحنفي , وقد قالوا في توجيه هذا الرأي: إن المعقود عليه هو العين (أي المستصنع فيه) لأن الصانع لو جاء بالمستصنع فيه مفروغا عنه , ولا من صنعته (بأن كان من صنع غيره) أو من صنعته قبل العقد , فأخذه المستصنع كان جائزا أي أنه لا يشترط أن يقوم الصانع بعمله في العين بعد العقد , حتى لو جاء به مفروغا , لا من صنعته , أو صنعته قبل العقد , فأخذه المستصنع جاز.
وكذا لو عمل بعد العقد , وباعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز , ولو كان المعقود عليه العمل لما جاز , وكذا إذا جاء به مفروغا فللمستصنع الخيار لأنه اشترى ما لم يره سماه شراء , وأثبت فيه خيار الرؤية , وهو لا يثبت إلا في العين.
ثم ردوا على ما قاله أبو سعيد البردعي من قوله: (إنه يبطل بموت أحدهما) فقالوا: إنما بطل بموت أحدهما , لأن للاستصناع شبها بالإجارة من حيث إن فيه طلب الصنع , فلشبهه بالإجارة قلنا يبطل بموت أحدهما , ولشبهه بالبيع , وهو المقصود بالعقد أجرينا فيه ما ذكرنا من أحكام البيع.
الرأي القائل بأن المعقود عليه هو العمل والعين معا
ذهب الفقهاء المعاصرون إلى اعتبار أن المعقود عليه في عقد الاستصناع هو العمل والعين معا وقد جاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره السابع بجدة (١٤١٢هـ الموافق ١٩٩٢م) : إن عقد الاستصناع هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة , ملزم للطرفين , إذا توافرت فيه الأركان والشروط.
فالاستصناع عقد مستقل خاص محله العين والعمل معا , وبذلك يمتاز عن البيع الذي محله العين , وعن الإجارة التي محلها العمل , وعن السلم الذي محله العين الموصوفة في الذمة.
تغير صيغة العقد بحسب أحوال اجتماع العين والعمل
ليس كل اجتماع للعين والعمل يجعل العقد استصناعا بل لاجتماعهما أحوال:
الأول: أن يكون العمل بقدر تافه والعبرة كلها للعين
فالعقد على ذلك بيع وليس إجارة ولا استصناعا كمن يبيع غسالة كهربائية ويركبها في منزل المشترى لتصبح جاهزة للعمل , فهذا التركيب صنعة لأنه عمل يحتاج إلى مهارة وخبرة , ومع ذلك فالعقد عقد بيع وليس استصناعا.
الثاني: أن تكون العين بقدر تافه والعبرة كلها للعمل
فالعقد على ذلك إجارة , وليس بيعا وليس استصناعا. كالخياط إذا أتيته بالقماش من عندك ليخيط ثوبا فهو يأتي بالخيوط والأزرار من عنده , فلا يجعل ذلك العقد استصناعا , لأن قيمة الخيوط والأزرار تافهة بالنسبة إلى العمل.
الثالث: أن تكون العين والعمل كل منهما بنسبة ذات بال
في هذه الحالة يكون لكل من العمل والعين قيمة معتبرة. وذلك هو الاستصناع.
стр. 281
أن يكون قد جرى التعامل في مثل هذا الشيء المستصنع فيه بالاستصناع
يشترط أن يكون المستصنع فيه مما يجري فيه تعامل الناس بالاستصناع , فلا يجوز الاستصناع في سلعة لم يجر العرف باستصناعها , ويجوز ذلك بأن يتعاقد عليها بطريق السلم أو بطريق البيع للشيء الحاضر أو بطريق الإجارة.
стр. 282
يشترط أن يكون المستصنع فيه قد جرى التعامل في مثله بالاستصناع: وسبب اشتراط ذلك أنه لما كان الاستصناع نوعا من بيع المعدوم , وهو في الأصل ممنوع شرعا , وإنما أجيز الاستصناع استحسانا لأجل تعامل الناس به , فما جرى التعامل باستصناعه يصح فيه , وما لا فلا , إذ التعامل دليل الحاجة.
وقد يكون الشيء مما يجرى فيه التعامل بالاستصناع في عصر , ثم تتغير الأمور , فلا يعود يجرى فيه التعامل , ومثال ذلك الآنية , فقد كان يجرى التعامل باستصناعها في عصر الأئمة , ولذلك مثلوا بالطست والقمقم والقدح والتور ونحوها , أما في عصرنا فقد ترك التعامل باستصناعها , لكثرة الأنواع الموجودة منها في الأسواق بحيث يأخذ الإنسان منها بعقد الشراء ما شاء , ولا يحتاج إلى استصناعه أصلا , فكان هذا هو سبب ترك التعامل بالاستصناع فيها.
ومما لم يجر التعامل باستصناعه في العصر الحاضر:
(١) صناعة المواد نصف المصنعة , كمسحوبات الحديد والألومنيوم وألواح الزجاج والخشب المضغوط (اللاتيه) والأسمنت والبلاط.
(٢) الأجهزة المنزلية الإلكترونية ذات المواصفات المعتادة كأجهزة الراديو والتلفزيون والمسجلات والثلاجات والغسالات والمكانس الكهربائية , فإنها لكثرة المصنوع منها , وتوفره في جميع الأسواق بأصناف ومواصفات مختلفة بحيث تناسب كل حاجة وترضي كل ذوق , لا يحتاج إلى استصناع شيء منها ومثلها السيارات ذات المواصفات العادية.
(٣) المواد الكيماوية والأدوية والعطور ومواد التجميل والورق بجميع أنوعه.
(٤) صناعة السجاجيد ذات المواصفات العادية , والأقمشة.
(٥) صناعة المواد للتمديدات الكهربائية من أصناف الأسلاك والمصابيح والمفاتيح وغير ذلك.
فهذه الأصناف وكثير أمثالها لا يجوز التعاقد عليها في العصر الحاضر بطريق الاستصناع طبقا للمذهب الحنفي , بل إما أن يتعاقد عليها بطريق السلم , وإما بطريق البيع للشيء الحاضر وإما بطريق الإجارة.
وقد رأي فضيلة العلامة الشيخ مصطفى الزرقا أن لا داعي لاعتبار هذا الشرط الآن , لتوفره بصفة عامة في تعارف الناس في كل ما تدخله الصناعة , بسبب الانفجار الصناعي الهائل ودخوله في جميع مجالات الحياة.
ويرى بعض العلماء المعاصرين أنه ينبغي أن يعتبر: قيد الحاجة , فما احتاج الناس إلى استصناعه حاجة عامة , أو حاجة فردية , ينبغي أن يجوز استصناعه , لأنهم إنما اشترطوا جريان التعامل لكونه (دليل الحاجة) فما تحققت الحاجة إليه ينبغي أن يجوز استصناعه إذا كان مما يمكن ضبطه بالوصف.
стр. 283
جاء في بدائع الصنائع (٦ / ٢٦٧٨)
وأما شرائط جوازه فمنها أن يكون فيما يجرى فيه التعامل بين الناس من أواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولجم الدواب ونصول السيوف والسكاكين والقسي والنبل والسلاح كله والطست والقمقمة ونحو ذلك , ولا يجوز في الثياب لأن القياس يأبى جوازه , إنما جوازه استحسانا لتعامل الناس ولا تعامل في الثياب فيثبت جوازه فيما لهم فيه تعامل , ويبقى ما عداه موكولا إلى القياس , فإن حصل الاستصناع فيما ليس للناس فيه تعامل كان سلما واشترطت له شروط السلم من قبض الثمن , وذكر الأجل.
وجاء في الهداية (٦ / ١١٦)
ولا يجوز فيما لا تعامل فيه للناس , كالثياب , لعدم المجوز. وفيما فيه تعامل إنما يجوز إذا أمكن إعلامه بالوصف ليمكن التسليم.
وجاء في شرح فتح القدير على الهداية (٦ / ١١٥)
جوزنا الاستصناع استحسانا للتعامل. . وفيما لا تعامل فيه رجعنا إلى القياس , كأن يستصنع حائكا أو خياطا لينسج له ثوبا أو قميصا بغزل نفسه.
وجاء في العناية على الهداية (٦ / ١١٤)
جاز الاستصناع فيما فيه تعامل , لا فيما لا تعامل فيه , كما إذا طلب من الحائك أن ينسج له ثوبا بغزل من عنده , أو طلب من الخياط أن يخيط له ثوبا بكرباس من عنده.
وجاء في الاختيار (٢ / ٣٩)
إنما يجوز الاستصناع فيما جرت به العادة من أواني الصفر والنحاس والزجاج والعيدان والخفاف والقلانس والأوعية من الأدم والمناطق وجميع الأسلحة , ولا يجوز فيما لا تعامل فيه كالجباب ونسج الثياب , لأن المجوز له التعامل , على ما مر , فيقتصر عليه.
وجاء في بحث الشيخ مصطفي الزرقا (ص ٣٦)
المقرر عند الحنفية أن الاستصناع إنما يجوز في الأشياء التي تعورف فيها , لأن العرف دليل الحاجة التي هي سبب الاستثناء , وفيما سوى المتعارف استصناعه لا يصح الاستصناع تمسكا بالأصل , وهو عدم جواز بيع المعدوم , فكيف يفتح أمام الاستصناع هذا الباب الواسع في كل ما تدخله الصنعة؟
قال: ويبدو لنا في الجواب أن تنوع الحاجات والصناعات واختلاف الأشكال والأوصاف والخصائص في أصناف النوع الواحد إلى درجة كبيرة مما تفتقت عنه أذهان المخترعين في عصر الانفجار الصناعي هذا قد أدي إلى أن يصبح طريق الاستصناع متعارفا عليه في كل ما يصنع بوجه عام.
стр. 284
بيان جنس المصنوع ونوعه
يشترط في المستصنع فيه أن يوصف في العقد وصفا نافيا للجهالة , لئلا يكون فقد أحد الأوصاف المرغوبة مثار نزاع.
стр. 285
يشترط أن تذكر في عقد الاستصناع الأوصاف التي ينضبط بها المستصنع انضباطا كافيا لمنع التنازع , بذكر كل ما له أثر في الثمن , كبيان جنسه ونوعه وقدره , وجنس المواد المستعملة وأوصافها.
ومقتضى هذا الشرط أمران:
أ - أن ما لا يمكن ضبطه بالوصف لا يصح استصناعه. وقد تقدمت وسائل التصميم والوصف , بالخرائط الهندسية , ونماذج العقود , والخبرات الفنية بما يمكن من الضبط الكامل في أكثر المصنوعات. ويمكن أيضا استخدام النماذج المصنعة والتعاقد على أساسها.
ب - إذا لم تضبط الأوصاف أو لم تبين الكميات في العقد , يكون العقد فاسدا.
следующие страницы →