← Фикх общий

Фикх общий · id 968

فقه المعاملات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 086 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أن يكون قد جرى التعامل في مثل هذا الشيء المستصنع فيه بالاستصناع يشترط أن يكون المستصنع فيه مما يجري فيه تعامل الناس بالاستصناع , فلا يجوز الاستصناع في سلعة لم يجر العرف باستصناعها , ويجوز ذلك بأن يتعاقد عليها بطريق السلم أو بطريق البيع للشيء الحاضر أو بطريق الإجارة.

стр. 282

يشترط أن يكون المستصنع فيه قد جرى التعامل في مثله بالاستصناع: وسبب اشتراط ذلك أنه لما كان الاستصناع نوعا من بيع المعدوم , وهو في الأصل ممنوع شرعا , وإنما أجيز الاستصناع استحسانا لأجل تعامل الناس به , فما جرى التعامل باستصناعه يصح فيه , وما لا فلا , إذ التعامل دليل الحاجة. وقد يكون الشيء مما يجرى فيه التعامل بالاستصناع في عصر , ثم تتغير الأمور , فلا يعود يجرى فيه التعامل , ومثال ذلك الآنية , فقد كان يجرى التعامل باستصناعها في عصر الأئمة , ولذلك مثلوا بالطست والقمقم والقدح والتور ونحوها , أما في عصرنا فقد ترك التعامل باستصناعها , لكثرة الأنواع الموجودة منها في الأسواق بحيث يأخذ الإنسان منها بعقد الشراء ما شاء , ولا يحتاج إلى استصناعه أصلا , فكان هذا هو سبب ترك التعامل بالاستصناع فيها. ومما لم يجر التعامل باستصناعه في العصر الحاضر: (١) صناعة المواد نصف المصنعة , كمسحوبات الحديد والألومنيوم وألواح الزجاج والخشب المضغوط (اللاتيه) والأسمنت والبلاط. (٢) الأجهزة المنزلية الإلكترونية ذات المواصفات المعتادة كأجهزة الراديو والتلفزيون والمسجلات والثلاجات والغسالات والمكانس الكهربائية , فإنها لكثرة المصنوع منها , وتوفره في جميع الأسواق بأصناف ومواصفات مختلفة بحيث تناسب كل حاجة وترضي كل ذوق , لا يحتاج إلى استصناع شيء منها ومثلها السيارات ذات المواصفات العادية. (٣) المواد الكيماوية والأدوية والعطور ومواد التجميل والورق بجميع أنوعه. (٤) صناعة السجاجيد ذات المواصفات العادية , والأقمشة. (٥) صناعة المواد للتمديدات الكهربائية من أصناف الأسلاك والمصابيح والمفاتيح وغير ذلك. فهذه الأصناف وكثير أمثالها لا يجوز التعاقد عليها في العصر الحاضر بطريق الاستصناع طبقا للمذهب الحنفي , بل إما أن يتعاقد عليها بطريق السلم , وإما بطريق البيع للشيء الحاضر وإما بطريق الإجارة. وقد رأي فضيلة العلامة الشيخ مصطفى الزرقا أن لا داعي لاعتبار هذا الشرط الآن , لتوفره بصفة عامة في تعارف الناس في كل ما تدخله الصناعة , بسبب الانفجار الصناعي الهائل ودخوله في جميع مجالات الحياة. ويرى بعض العلماء المعاصرين أنه ينبغي أن يعتبر: قيد الحاجة , فما احتاج الناس إلى استصناعه حاجة عامة , أو حاجة فردية , ينبغي أن يجوز استصناعه , لأنهم إنما اشترطوا جريان التعامل لكونه (دليل الحاجة) فما تحققت الحاجة إليه ينبغي أن يجوز استصناعه إذا كان مما يمكن ضبطه بالوصف.

стр. 283

جاء في بدائع الصنائع (٦ / ٢٦٧٨) وأما شرائط جوازه فمنها أن يكون فيما يجرى فيه التعامل بين الناس من أواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولجم الدواب ونصول السيوف والسكاكين والقسي والنبل والسلاح كله والطست والقمقمة ونحو ذلك , ولا يجوز في الثياب لأن القياس يأبى جوازه , إنما جوازه استحسانا لتعامل الناس ولا تعامل في الثياب فيثبت جوازه فيما لهم فيه تعامل , ويبقى ما عداه موكولا إلى القياس , فإن حصل الاستصناع فيما ليس للناس فيه تعامل كان سلما واشترطت له شروط السلم من قبض الثمن , وذكر الأجل. وجاء في الهداية (٦ / ١١٦) ولا يجوز فيما لا تعامل فيه للناس , كالثياب , لعدم المجوز. وفيما فيه تعامل إنما يجوز إذا أمكن إعلامه بالوصف ليمكن التسليم. وجاء في شرح فتح القدير على الهداية (٦ / ١١٥) جوزنا الاستصناع استحسانا للتعامل. . وفيما لا تعامل فيه رجعنا إلى القياس , كأن يستصنع حائكا أو خياطا لينسج له ثوبا أو قميصا بغزل نفسه. وجاء في العناية على الهداية (٦ / ١١٤) جاز الاستصناع فيما فيه تعامل , لا فيما لا تعامل فيه , كما إذا طلب من الحائك أن ينسج له ثوبا بغزل من عنده , أو طلب من الخياط أن يخيط له ثوبا بكرباس من عنده. وجاء في الاختيار (٢ / ٣٩) إنما يجوز الاستصناع فيما جرت به العادة من أواني الصفر والنحاس والزجاج والعيدان والخفاف والقلانس والأوعية من الأدم والمناطق وجميع الأسلحة , ولا يجوز فيما لا تعامل فيه كالجباب ونسج الثياب , لأن المجوز له التعامل , على ما مر , فيقتصر عليه. وجاء في بحث الشيخ مصطفي الزرقا (ص ٣٦) المقرر عند الحنفية أن الاستصناع إنما يجوز في الأشياء التي تعورف فيها , لأن العرف دليل الحاجة التي هي سبب الاستثناء , وفيما سوى المتعارف استصناعه لا يصح الاستصناع تمسكا بالأصل , وهو عدم جواز بيع المعدوم , فكيف يفتح أمام الاستصناع هذا الباب الواسع في كل ما تدخله الصنعة؟ قال: ويبدو لنا في الجواب أن تنوع الحاجات والصناعات واختلاف الأشكال والأوصاف والخصائص في أصناف النوع الواحد إلى درجة كبيرة مما تفتقت عنه أذهان المخترعين في عصر الانفجار الصناعي هذا قد أدي إلى أن يصبح طريق الاستصناع متعارفا عليه في كل ما يصنع بوجه عام.

стр. 284

بيان جنس المصنوع ونوعه يشترط في المستصنع فيه أن يوصف في العقد وصفا نافيا للجهالة , لئلا يكون فقد أحد الأوصاف المرغوبة مثار نزاع.

стр. 285

يشترط أن تذكر في عقد الاستصناع الأوصاف التي ينضبط بها المستصنع انضباطا كافيا لمنع التنازع , بذكر كل ما له أثر في الثمن , كبيان جنسه ونوعه وقدره , وجنس المواد المستعملة وأوصافها. ومقتضى هذا الشرط أمران: أ - أن ما لا يمكن ضبطه بالوصف لا يصح استصناعه. وقد تقدمت وسائل التصميم والوصف , بالخرائط الهندسية , ونماذج العقود , والخبرات الفنية بما يمكن من الضبط الكامل في أكثر المصنوعات. ويمكن أيضا استخدام النماذج المصنعة والتعاقد على أساسها. ب - إذا لم تضبط الأوصاف أو لم تبين الكميات في العقد , يكون العقد فاسدا.

стр. 286

قال الكاساني في بدائع الصنائع (٦ / ٢٦٧٨) من شروط الاستصناع بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته , لأنه لا يصير معلوما بدونه. وجاء في الاختيار (٢ / ٣٩) يكتفي في الاستصناع بصفة معروفة تحتمل الإدراك , ولا بد في السلم من استقصاء الصفة على وجه يتيقن به الإدراك. وجاء في شرح فتح القدير (٧ / ١١٤) الاستصناع طلب الصنعة وهو أن يقول لصانع خف أو مكعب أو أواني الصفر: اصنع لي خفا طوله كذا أو سعته كذا , أو دستا , أي برمة , تسع كذا وزنها كذا على هيئة كذا , بكذا. . . إلخ.

стр. 287

ذكر الأجل اختلف فقهاء الحنفية في مسألة تحديد الأجل في عقد الاستصناع , فاشترط أبو حنيفة أن لا يكون في عقد الاستصناع أجل وذهب الصاحبان إلى صحة عقد الاستصناع سواء ضرب له أجل أم لا. واشترط الفقه المعاصر تحديد الأجل في الاستصناع وهو ما ذهب إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي.

стр. 288

اشتراط عدم تحديد الأجل عند أبي حنيفة يرى الإمام أبو حنيفة أنه إذا ضرب المتعاقد للاستصناع أجلا صار سلما , حتى تعتبر فيه شرائط السلم: وهو قبض البدل في المجلس , ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في السلم. ووجه قول أبي حنيفة أن التأجيل يختص بالديون , لأنه وضع لتأخير المطالبة , وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة , وليس ذلك إلا السلم إذ لا دين في الاستصناع , ألا ترى أن لكل واحد منهما خيار الامتناع عن العمل قبل العمل بالاتفاق ثم إذا صار سلما يراعى فيه شرائط السلم , فإن وجدت صح سلما , وإلا لم يصح. جواز تحديد الأجل عند الصاحبين يري الصاحبان: أبو يوسف ومحمد أنه لا يشترط عدم ذكر الأجل في الاستصناع , بل انه يكون عقد استصناع على كل حال سواء ضرب له أجل أم لا ما دام الشيء المستصنع مما يجوز فيه الاستصناع. واستدل الصاحبان بأن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع , وإنما يقصد به تعجيل العمل لا تأخير المطالبة , فلا يخرج بالأجل عن كونه استصناعا. أو يقال: قد يقصد بضرب الأجل تأخير المطالبة , وقد يقصد به تعجيل العمل , فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشك والاحتمال بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع , لأن ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل العمل , فتعين أن يكون لتأخير المطالبة بالدين , وذلك بالسلم. اشتراط تحديد الأجل في قرار مجمع الفقه الإسلامي ذهب مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع إلى أنه يشترط في عقد الاستصناع أن يحدد فيه الأجل , أي يشترط ذكر أجل لتسليم الشيء المصنوع. ذلك أن هذا العقد قائم على العمل والعين المؤجلين عادة , وكل ما هو شأنه لا بد فيه من تحديد المدة لئلا يؤدي إلى النزاع والخصام. فالصانع قد يتأخر في التنفيذ والمستصنع يريد التعجيل , فإذا لم يكن في العقد تحديد للمدة أدى بلا شك إلى نزاع , واتفق العلماء على منع كل ما يؤدي في العقود إلى النزاع.

стр. 289

جاء في بدائع الصنائع للكاساني (٧ / ٢٦٧٨) من شروط الاستصناع أن لا يكون فيه أجل , فإن ضرب للاستصناع أجلا صار سلما حتى يعتبر فيه شرائط السلم , وهو قبض البدل في المجلس , ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في السلم. وهذا قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد هذا ليس بشرط , وهو استصناع على كل حال , ضرب فيه أجلا أو لم يضرب. ولو ضرب للاستصناع فيما لا يجوز فيه الاستصناع - كالثياب ونحوها - أجلا , ينقلب سلما في قولهم جميعا. وجه قولهما أن العادة جارية لضرب الأجل في الاستصناع , وإنما يقصد به تعجيل العمل , لا تأخير المطالبة , فلا يخرج به عن كونه استصناعا. أو يقال: قد يقصد بضرب الأجل تأخير المطالبة , وقد يقصد به تعجيل العمل , فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشك والاحتمال , بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل العمل , فتعين أن يكون لتأخير المطالبة بالدين , وذلك بالسلم. ولأبي حنيفة ﵀ أنه إذا ضرب فيه الأجل فقد أتى بمعنى السلم , إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجلا , والعبرة في العقود لمعانيها لا لصيغ الألفاظ. ولأن التأجيل يختص بالديون , لأنه وضع لتأخير المطالبة , وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه المطالبة , وليس ذلك إلا السلم. وجاء في الهداية (٧ / ١١٦) لو ضرب الأجل فيما فيه تعامل يصير سلما عند أبي حنيفة خلافا لهما , ولو ضربه فيما لا تعامل فيه يصير سلما بالاتفاق. وجاء في العناية (٧ / ١١٧) إذا ضرب للاستصناع أجل فيما فيه تعامل فإنه يكون سلما عند أبي حنيفة ﵀ , خلافا لهما. وأما إذا ضرب الأجل فيما ليس فيه تعامل فإنه يصير سلما بالاتفاق. والمراد بضرب الأجل ما يذكره على سبيل الاستمهال , أما المذكور على سبيل الاستعجال , بأن قال: على أن تفرغ منه غدا أو بعد غد لا يصيره سلما , لأن ذكره حينئذ للفراغ لا لتأخير المطالبة بالتسليم. . . لهما في الخلافية أن اللفظ حقيقة في الاستصناع. وتقريره أن ذكر الاستصناع يقتضي أن لا يكون سلما , لأن اللفظ حقيقة فيه , وهو ممكن العمل , وذكر الأجل يقتضي أن يكون سلما , لكن ليس بمحكم فيه , بل يحتمل أن يكون للتعجيل , فقد اجتمع المحكم والمحتمل , فيحمل الثاني على الأول , بخلاف ما لا تعامل فيه فإنه استصناع فاسد فيحمل على السلم الصحيح. وجاء في الاختيار لتعليل المختار (٢ / ٣٩) إن ضرب (للاستصناع) أجلا صار سلما (أي عند أبي حنيفة ﵀ فيشترط له شرائط السلم , لأنه أتى بمعنى السلم فيكون سلما , لأن العبرة للمعاني لا للصور , ولأنه أمكن جعله سلما , فيجعل سلما لورود النص بجواز السلم دون الاستصناع. وقال أبو يوسف ومحمد لا يصير بضرب الأجل سلما , كما لا يصير السلم بحذف الأجل استصناعا , وحذف الأجل ليس من خواص الاستصناع. وجاء في الدر المختار ورد المحتار (٤ / ٢١٤) ولم يصح الاستصناع فيما لم يتعامل فيه , إلا بأجل , كما مر , أي بأجل مماثل كما مر في السلم من أن أقله شهر , فيكون سلما بشروطه. فإن لم يصح الأجل بأن كان أقل من شهر فسد إن ذكر الأجل على سبيل الاستمهال , فإن كان للاستعجال: كعلى أن تفرغ منه غدا كان صحيحا , والمراد بكونه للاستعجال بأن لم يقصد به التأجيل والاستمهال , بل قصد به الاستعجال بلا أمهال. وجاء في مجلة الأحكام العدلية (م ٣٨٩) كل شيء تعومل استصناعه يصح فيه الاستصناع على الإطلاق , وأما ما لم يتعامل باستصناعه إذا بين فيه المدة صار سلما , وتعتبر فيه حينئذ شروط السلم , وإذا لم يبين فيه المدة كان من قبيل الاستصناع أيضا.

стр. 290

مدى اللزوم في عقد الاستصناع الاستصناع عقد غير لازم عند أكثر الحنفية في حالة ما قبل العمل في السلعة المطلوب صنعها , وكذلك في حالة ما بعد العمل فيها وقبل إحضارها ورؤية المستصنع لها. وذهب أبو يوسف إلى أنه إن تم الصنع وكان مطابقا للأوصاف المتفق عليها يكون العقد لازما. وأخذت مجلة الأحكام العدلية بهذا الرأي وتوسعت فيه , فاعتبرت لزوم العقد في حق الطرفين منذ انعقاده إلا إذا جاء المصنوع مغايرا للأوصاف المبينة في العقد فيحق للمستصنع الفسخ بمقتضى فوات الوصف المشروط لا بمقتضى عدم اللزوم في العقد. وكذلك اعتبر مجمع الفقه الإسلامي أن العقد ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.

стр. 291

الاستصناع عقد غير لازم عند أكثر الحنفية والاستصناع عند أكثر الحنفية عقد غير لازم قبل الصنع , كما أنه غير لازم بعد الفراغ من الصنع وقبل رؤية المصنوع , ويثبت لكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه أو العدول عنه. فيحق للمستصنع أن يفسخ العقد في أي وقت شاء قبل الرؤية , وله فسخه عند الرؤية , لأنه اشترى ما لم يره. كما يثبت الخيار للصانع قبل الشروع في العمل وبعده , ما دام الشيء المصنوع في يده , ولم يقدمه إلى المستصنع , فإن قدمه سقط خياره , ولو باع الصانع لآخر ما صنعه قبل أن يقدمه للمستصنع جاز , لأن العقد غير لازم , ولأن المعقود عليه ليس هو عين المصنوع , وإنما مثله في الذمة. فإن انتهى الصانع من المصنوع على الصفة المشروطة , ورآه المستصنع , فيبقى للمستصنع حق خيار الرؤية في الأصح عند أكثر الحنفية. الاستصناع عقد لازم عند بعض فقهاء الحنفية وفي الرأي المعاصر وقال الإمام أبو يوسف أن الاستصناع عقد لازم , وليس لأحد العاقدين الرجوع فيه إلا برضا الآخر , وإذا توفرت فيه الشروط المتفق عليها فلا يحق للمستصنع رفضه. وأخذت مجلة الأحكام العدلية بهذا الرأي وتوسعت فيه , فقد جاء في مادتها ٣٩٢: إذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع , وإذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة كان المستصنع مخيرا. وعليه , فإنه يعتبر لزوم العقد في حق الطرفين منذ انعقاده إلا إذا جاء المصنوع مغايرا للأوصاف المبينة في العقد فيحق للمستصنع الفسخ بمقتضى فوات الوصف المشروط لا بمقتضى عدم اللزوم في العقد. وهذا ما ذهب إليه أيضا قرار مجمع الفقه الإسلامي لمنع المنازعات , ودفعا للضرر عن الصانع فيما صنع فعقد الاستصناع إذا استكمل أركانه وشروطه أصبح عقدا لازما , وليس لأحد العاقدين فسخه بدون رضا العاقد الآخر , لأن المؤمنين عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ولما قد يكون من الضرر على العاقد الآخر: - فالمستصنع قد لا يكون لديه مهلة من الوقت ليستصنع صانعا آخر , وقد يحمله ذلك خسائر جمة , - والصانع قد لا يجد أحدا يشترى منه المصنوع , لأنه ربما يكون قد صنع بمواصفات خاصة لا تلائم أحدا غير المستصنع , أو كان الغرض منه لا يفيد أحدا غير المستصنع.

стр. 292

جاء في الهداية (٧ / ١١٦) والمستصنع بالخيار إذا رأى المصنوع: إن شاء أخذه وإن شاء تركه , لأنه اشترى شيئا لم يره ولا خيار للصانع. كذا ذكره في المبسوط , وهو الأصح. وعن أبي حنيفة أن للصانع الخيار أيضا لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر وهو قطع الجلد وغيره. وجاء في العناية (٧ / ١١٦) المستصنع بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء تركه لأنه اشترى ما لم يره , ومن هو كذلك فله الخيار. ولا خيار للصانع , كذا في المبسوط. فيجبر على العمل , لأنه بائع باع ما لم يره ومن هو كذلك لا خيار له. وهو الأصح بناء على جعله بيعا لا عدة. وعن أبي حنيفة أن له الخيار أيضا إن شاء فعل وإن شاء ترك , دفعا للضرر عنه , لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر , وهو قطع الصرم وإتلاف الخيط. وعن أبي يوسف أنه لا خيار لهما , أما الصانع فلما ذكرنا أولا , وأما المستصنع فلأن الصانع أتلف ماله بقطع الصرم وغيره ليصل إلى بدله , فلو ثبت له الخيار تضرر الصانع , لأن غيره لا يشتريه بمثله , ألا ترى أن الواعظ إذا استصنع منبرا ولم يأخذه فالعامي لا يشتريه أصلا. وجاء في بدائع الصنائع للكاساني أما صفة الاستصناع فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل , من الجانبين جميعا , بلا خلاف , حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل , كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين , أن لكل واحد منهما الفسخ , لأن القياس يقتضي أن لا يجوز , لما قلنا , وإنما عرفنا جوازه استحسانا لتعامل الناس , فبقي اللزوم على أصل القياس. وأما بعد الفراغ من العمل وقبل أن يراه المستصنع فكذلك , حتى كان للصانع أن يبيعه ممن شاء , كذا ذكر في الأصل , لأن العقد ما وقع على عين المعمول بل على مثله في الذمة لما ذكرنا أنه لو اشترى من مكان آخر وسلم إليه جاز , ولو باعه الصانع وأراد المستصنع أن ينقض البيع ليس له ذلك. ولو استهلكه قبل الرؤية فهو كالبائع إذا استهلك المبيع قبل التسليم. كذا قال أبو يوسف. فأما إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة فقد سقط خيار الصانع , وللمستصنع الخيار , لأن الصانع بائع ما لم يره فلا خيار له , وأما المستصنع فهو مشتر ما لم يره فكان له الخيار. . . ولأن الخيار كان ثابتا لهما قبل الإحضار لما ذكرنا أن العقد غير لازم , فالصانع - بالإحضار - أسقط خيار نفسه , فبقي خيار صاحبه على حاله , كالبيع الذي فيه الخيار للعاقدين إذا أسقط أحدهما خياره أنه يبقى خيار الآخر , كذا هذا. هذا جواب ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروي عن أبي حنيفة رحمة الله أن لكل واحد منهما الخيار. وروى عن أبي يوسف أنه لا خيار لهما جميعا. وجه رواية أبي يوسف أن الصانع قد أفسد متاعه وقطع جلده , وجاء بالعمل على الصفة المشروطة , فلو كان للمستصنع الامتناع من أخذه لكان فيه إضرار بالصانع , بخلاف ما إذا قطع الجلد ولم يعمل , فقال المستصنع لا أريد , لأنا لا ندرى أن العمل يقع على الصفة المشروطة أم لا , فلم يكن الامتناع منه إضرارا بصاحبه , فثبت الخيار. ووجه رواية أبي حنيفة أن في تخيير كل واحد منهما دفع الضرر عنه , وأنه واجب. والصحيح جواب ظاهر الرواية , لأن في إثبات الخيار للصانع ما شرع له الاستصناع , وهو دفع حاجة المستصنع , لأنه متى ثبت الخيار للصانع , فكل ما فرغ عنه يبيعه من غير المستصنع , فلا تندفع حاجة المستصنع. وقول أبي يوسف أن الصانع يتضرر بإثبات الخيار للمستصنع مسلم , ولكن ضرر المستصنع بإبطال الخيار فوق ضرر الصانع بإثبات الخيار للمستصنع , لأن المصنوع إذا لم يلائمه وطولب بثمنه لا يمكنه بيع المصنوع من غيره بقيمة مثله , ولا يتعذر ذلك على الصانع , لكثرة ممارسته وانتصابه لذلك. ولأن المستصنع إذا غرم ثمنه ولم تندفع حاجته لم يحصل ما شرع له الاستصناع , وهو اندفاع حاجته , فلا بد من إثبات الخيار له. وجاء في المحيط البرهاني (ج٢ ق٥٧٥) الروايات في لزوم الاستصناع وعدم اللزوم مختلفة. . . (ثم ذكر الروايات , ثم قال:) . . . ثم رجع أبو يوسف عن هذا وقال: لا خيار لواحد منهما , بل يجبر الصانع على العمل , ويجبر المستصنع على القبول. وجه ما روي عن أبي يوسف أنه يجبر كل واحد منهما , أما الصانع فلأنه ضمن العمل فيجبر على العمل وأما المستصنع فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع , لأنه عسى لا يشتريه غيره أصلا , أو لا يشتري بذلك القدر من الثمن , فيجبر على القبول دفعا للضرر عن الصانع. وجاء في مجلة الأحكام العدلية (م ٣٩٢) إذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع فيه , وإذا لم يكن على الأوصاف المطلوبة كان المستصنع مخيرا. وجاء في الدر المختار (٤ / ٢١٣) يجبر الصانع على عمله ولا يرجع الآمر عنه. قال ابن عابدين تبع في ذلك الدرر ومختصر الوقاية. وقال: قال في الدرر تبعا لما في خزانة المفتي أن الصانع يجبر على عمله والآمر لا يرجع عنه. وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي حول الاستصناع (رقم ٦٦ / ٣ / ٧) إن عقد الاستصناع هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة ملزم للطرفين إذا توافرت الأركان والشروط.

стр. 293

الشرط الجزائي في عقد الاستصناع يجوز أن يتضمن عقد استصناع شرطا جزائيا بمقتضي ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.

стр. 294

المشهور عند الحنفية أن عقد الاستصناع عقد غير لازم. وأن أي خلل يطرأ يمنع الصانع من تنفيذ ما تعاقد عليه , فلكل واحد من الطرفين الخيار في فسخ العقد. أما المتأخرون من الحنفية فقد اعتمدوا القول الذي يقول بلزوم العقد فإذا ظهرت موانع خارجية عن إرادة الصانع , كحرق المصنع , أو غرق السفينة , أو قطع علاقات مع بعض الدول الموردة للمادة الخام المطلوب صنعها , فالمستصنع هنا بالخيار إن شاء انتظر الصانع حتى يتمكن من الإنجاز , وإن شاء فسخ العقد. أما إذا كانت الموانع ناشئة عن إرادة الصانع , كسوء التنظيم والعجز عن إدارة الحضيرة أو التقاعس في احترام المواعيد. . فإن هذا يسبب تأخيرا في إنجاز المشروع وضررا ماديا يلحق بالمستصنع. يقول الشيخ مصطفى الزرقا وقد ازدادت قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية , فأصبح تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضرا بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما قبل. فلو أن متعهدا بتقديم المواد الصناعية إلى صاحب معمل تأخر عن تسليمها إليه في الموعد الضروري لتعطل المعمل وعماله , وكذا لو تأخر الصانع عن القيام بعمله في وقته لتضرر المستصنع بخسارة وقد تكون فادحة. . . ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الصانع بتنفيذ التزامه الأصلي , لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة , ذلك الضرر الذي يلحقه من جراء تأخر خصمه عن وفاء الالتزام في حينه تهاونا منه أو امتناعا. وهذا ما ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه. ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح الفقه الأجنبي الشرط الجزائي. وأصبح الشرط الجزائي متعارفا بين الصناع وفي كل المقاولات وحافزا قويا يدفع الصانع على احترام المواعيد وخير معين على تنظيم سير الحركة الاقتصادية في كل بلد. وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي الشرط الجزائي في عقد الاستصناع حيث جاء في قرار دورته السابعة بشأن الاستصناع في البند ٤: يجوز أن يتضمن عقد استصناع شرطا جزائيا بمقتضي ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. وعلى هذا الأساس يجوز في عقد الاستصناع أن يشترط المستصنع أن يخصم من استحقاقات الصانع لديه مبلغا محددا عن كل يوم تأخير في تسليم المصنوع جاهزا في موعده , ولكن لا يزاد في تقدير المبلغ عن حدود الضرر المتوقع. وإذا حصل التأخير المذكور حق للمستصنع أن يطالب بالخصم , ما لم يكن التأخير متسببا عن ظروف قاهرة , أو عن تأخير المستصنع دفع الأقساط , أو غير ذلك من تصرفات المستصنع. ويجوز للصانع أيضا اشتراط مثل ذلك في حال تقصير المستصنع في أداء التزاماته غير المالية. ولا يجوز أن يشترط ذلك في حالة التقصير في أداء الالتزامات المالية لأن ذلك يؤول إلى الربا.

стр. 295

جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري (٥ / ٣٥٤) باب ما يجوز من اشتراط والثنيا في الإقرار , والشروط التي يتعارفها الناس بينهم. وقال ابن عون عن ابن سيرين قال الرجل لكريه: أدخل ركابك , فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم , فلم يخرج , فقال شريح من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه. قال ابن حجر حاصله أن شريحا قضى على المشترط بما اشترطه على نفسه بغير إكراه. وخالفه الناس. ووجهه بعضهم بأن صاحب الجمال يرسلها إلى المرعى , فإذا اتفق مع التاجر (على السفر عليها) في يوم بعينه , فأحضر الجمال , فلم يتهيأ للتاجر السفر أضر ذلك بحال الجمال لما يحتاج إليه من العلف. فوقع بينهم التعارف على مال معين يشترطه التاجر على نفسه إذا أخلف ليستعين به الجمال على العلف. ثم قال ابن حجر وقال الجمهور: هي عدة فلا يلزم الوفاء بها. والله أعلم.

стр. 296

طريقة دفع البدل النقدي الثمن في الاستصناع لا يشترط في عقد الاستصناع تعجيل الثمن كله عند العقد , بل يجوز تقسيط الثمن إلى أقساط معلومة الآجال محددة أو تأجيله كله.

стр. 297

يجوز في الاستصناع الاتفاق على تعجيل الثمن كله , أو تعجيل بعضه وتأجيل بعضه , أو تأجيله كله , سواء على دفعة واحدة , أو على أقساط متساوية أو متفاوتة. فإن لم يشترط شيء من ذلك في العقد اتبع العرف , فإن لم يكن عرف وجب تسليم الثمن بعد تسليم العين فورا. ويجوز للصانع حبس المصنوع حتى يتسلم البدل النقدي , كما في سائر البيوع , ما لم يكن الشيء المصنوع مما يلزم الصانع تركيبه في ملك المستصنع بشرط أو عرف , فيكون دفع الثمن بعد تمام التركيب. وقد يقال: إن تأجيل الثمن أو بعضه يجعل الاستصناع من بيع دين بدين , لأن كل من المستصنع وبدله يكون في الذمة , وبيع الدين بالدين ممنوع شرعا. والجواب أن الاستصناع ليس بيعا صرفا وإنما هو إجارة مشوبة بالبيع , أو بيع مشوب بالإجارة. فلا يأخذ أحكامه من البيع وحده. وحيث إن البدل في الإجارة لا يجب دفعه مقدما بل يجوز تأجيله وتقسيطه إجماعا , فكذلك البدل في الاستصناع. ويؤكد هذا أن دليل الاستصناع التعامل الراجع للإجماع ولم يزل تعامل المسلمين في الاستصناع جاريا على عدم الالتزام بتقديم الثمن.

стр. 298

جاء في العناية للبابرتي (٧ / ١١٤) الاستصناع أن يجيء إنسان إلى صانع فيقول: أصنع لي شيئا صورته كذا وقدره كذا بكذا درهما , ويسلم إليه جميع الدراهم أو بعضها أو لا يسلم. وجاء في حاشية ابن عابدين (٤ / ٢١٣) في التتارخانية: لا يجبر المستصنع على إعطاء الدراهم وإن شرط تعجيله. هذا إذا لم يضرب له أجلا فإن ضرب له أجلا صار سلما حتى يعتبر فيه شرائط السلم. وجاء في مجلة الإحكام العدلية (م ٣٩١) لا يلزم في الاستصناع دفع الثمن حالا أي وقت العقد.

стр. 299

الخيارات في عقد الاستصناع إذا قدم الصانع الشيء المصنوع المتعاقد عليه , وتبين فوات وصف مرغوب فيه اشترطه المستصنع عند العقد يكون للمستصنع حينئذ خيار الوصف , فله أن يقبله وله أن يفسخ العقد. وكذلك يكون للمستصنع خيار العيب إذا ظهر في المصنوع عيب , فله رده وفسخ العقد أو إمساكه. واختلف الفقهاء في خيار الرؤية , فيرى أبو يوسف أنه لا يثبت في عقد الاستصناع ما دام المستصنع متمتعا بخيار الوصف وخيار العيب. وهو خلاف مذهب أبي حنيفة حيث إن العقد غير لازم في المشهور عندهم ويثبت فيه خيار الرؤية للمستصنع. وذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى قول أبي يوسف فمنعوا عدول المستصنع بعد التعاقد بحكم خيار الرؤية دون عيب أو مخالفة وصف لما قد يترتب عليه من أضرار جسيمة على الطرف الآخر. كما منعوا أن يشترط الصانع البراءة من كل عيب يظهر في المصنوع.

стр. 300

خيار العيب وخيار فوات الوصف المشروط في الاستصناع ذهب الفقهاء إلى ثبوت خيار العيب وخيار الوصف للمستصنع. فإذا جاء الصانع بالشيء المطلوب مصنوعا , ولكن تبين أن فيه عيبا , أو أنه قد فقد فيه بعض الأوصاف المرغوبة للمستصنع التي شرطها في العقد , أو أن فيه مخالفة للأصول المتعارف عليها في صناعة مثل ذلك الشيء , ولم يكن الصانع اشترط البراءة من ذلك العيب أو المخالفة , يكون الصانع مسئولا , ولا يلزم المستصنع قبول ذلك الشيء المصنوع على حاله. فإن لم يتمكن الصانع من إتمام النقص أو إصلاح العيب على وجه سليم , ومطابق للمواصفات المتفق عليها والأصول المتعارف عليها , فيكون للمستصنع المطالبة بمصنوع آخر بديل مستكمل للشروط والأوصاف المتفق عليها أو فسخ العقد. وإن تراضيا على تعويض عن النقص جاز. خيار الرؤية وإذا أحضر الصانع العين للمستصنع على الصفة المشروطة , ورآها. فقد اختلفت الرواية في اللزوم وعدمه بالنسبة لكل من الصانع والمستصنع إلى ثلاث روايات: الرواية الأولى: أنه إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة فقد سقط خيار الصانع , وللمستصنع الخيار أي أنه يكون العقد لازما بالنسبة للأول دون الثاني. وذلك لأن الصانع بائع للمستصنع ما لم يره , فلا خيار له. وأما المستصنع فمشترى ما لم يره , فكان له خيار الرؤية , إذا رآه. وإنما كان كذلك لأن العقد غير لازم , فالخيار كان ثابتا للصانع والمستصنع قبل الإحضار. والصانع بإحضاره المصنوع أسقط خيار نفسه فبقي خيار صاحبه (وهو المستصنع) على حاله , كالبيع الذي شرط فيه شرط الخيار للمتعاقدين , إذا أسقط أحدهما خياره أنه يبقى خيار الآخر , كذا هذا. وهذا هو جواب ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵁. وهو القول الراجح في المذهب وعند بعض الفقهاء المعاصرين. وعلى أساسه يسقط خيار الصانع بعد إحضار السلعة إلى المستصنع , ويثبت خيار الرؤية للمستصنع لأنه يشتري ما لم يره. الرواية الثانية: روي عن أبي حنيفة ﵀ أن لكل واحد منهما الخيار. أي أن العقد لا يكون لازما حتى بعد إحضار المصنوع , ووجه هذه الرواية أن في تخيير كل واحد منهما دفع الضرر عنه ودفع الضرر واجب. الرواية الثالثة: روى عن أبي يوسف ﵀ أنه لا خيار لهما , أي أن العقد يكون لازما وذلك لأن الصانع قد أفسد متاعه , وقطع جلده , وجاء بالعمل على الصفة المشروطة فلو كان للمستصنع الامتناع عن أخذه لكان فيه إضرار بالصانع. بخلاف ما إذا قطع الجلد ولم يعمل , فقال المستصنع: لا أريد , لأنا لا ندري أن العمل يقع على الصفة المشروطة أو لا يقع , فلم يكن الامتناع منه إضرار بصاحبه فثبت الخيار. وقد جاء في بحث العلامة الشيخ مصطفى الزرقا حول هذا الموضوع قوله: (اليوم بعد أن أصبح نقل العملات النقدية وحساباتها من المشارق إلى المغارب يتم بفركة زر , وأصبحت الصفقات التجارية الضخمة تعقد على الملايين , وأصبح التاجر والمستصنع والصانع بالوسائل الآلية الهائلة يبني حساباته وحقوقه والتزاماته فيما لديه وما عليه وما إليه , على توقيت زمني دقيق بحيث لو اختلت معه حلقة من ذلك لجرت سلسلة من المشكلات في ارتباطاته المتداخلة والمتشابكة. نقول: في ظروف كهذه اليوم يجب أن يطمئن كل متعامل ومتعاقد إلى أن ما تعاقد عليه قد ثبت ويستطيع أن يبني عليه. . . فهذا يقتضى أن يكون عقد الاستصناع لازما منذ انعقاده. إذ إن الاستصناع لم يبق محصورا في الحاجات البسيطة كالخف والحذاء. . . بل أصبح العدول من أحد الطرفين بعد التعاقد بحكم خيار الرؤية دون عيب أو مخالفة وصف , قد يترتب عليه أضرار عظيمة جسيمة للطرف الآخر , مما يزعزع مبدأ استقرار المعاملات الذي هو من أهداف الفقه الإسلامي) . اشتراط البراءة من العيوب أما في خصوص مسألة اشتراط البراءة من العيوب , فلم يتعرض الحنفية ولا غيرهم لهذه المسألة ضمن كلامهم في الاستصناع وتعرض لها فضيلة العلامة الشيخ مصطفى الزرقا ضمن بحثه في الاستصناع , فقال: (أرى أن اشتراط البائع في عقد الاستصناع عدم مسئوليته عن عيوب المبيع الذي سيصنعه أو اشتراطه تحديد هذه المسئولية , لا يصح مطلقا , بل يكون شرطا باطلا , ويبقى الصانع مسئولا مسئولية كاملة عن كل عيب يوجد في المصنوع. وإن كان هذا الاشتراط في البيع العادي معقولا , لأن هذا الشرط يحمي سوء النية من البائع الصانع , ويفسح له مجالا لعدم المبالاة بإتقان عمله والتزام الدقة التقانية (التكنولوجية) فيه , كما يقتضيه العقد. وهذا ينعكس ضررا بالغا على المشترى الذي بنى عقده على الثقة بالمتعاقد معه ولم يقبل بأداء الثمن الذي قد يكون باهظا جدا إلا على أساس تلك الثقة وافتراض حسن النيه وعدم الإهمال. وهذا الاستثناء في عقد الاستصناع من جواز اشتراط عدم مسئولية البائع عن عيوب المبيع سببه أن المبيع في عقد الاستصناع معدوم حين العقد وسيصنعه البائع نفسه , فيكون قصده من هذا الشرط حماية نفسه من مسئولية الإهمال أو الخطأ أو الجهل بأصول صنعته التي يمارسها على أساس متقن لها) . وعلى هذا الأساس لا يجوز في الاستصناع اشتراط البراءة من كل عيب يظهر في المصنوع , وإن أجاز ذلك الحنفية في البيع المطلق. والفرق بين الأمرين: - أن البيع يكون واردا على شيء موجود قد يكون فيه عيوب لا يعلم بها البائع , فيرغب في التخلص من تبعتها لئلا تكون مثار نزاع بينه وبين المشتري. - أما في الاستصناع فإن الصانع هو الذي يتولى العمل , ويتمكن من الحيلولة دون دخول العيوب في المصنوع سواء من جهة المواد أو من جهة الصنعة , فاشتراطه البراءة من جميع العيوب يتيح له الغش في المواد وفي العمل أو يتيح له تغطية جهله بأصول الصنعة , والتهرب من نتائج تصديه لما هو ليس من أهله. أما اشتراط البراءة من اشتمال المصنوع على عيب معين يبينه للمستصنع , فهو يجوز عند بعض الفقهاء المعاصرين كما يجوز ذلك في البيع المطلق. ومثاله أن يكون في المواد المصنوع منها تلف أو ضعف , أو تكون مستعملة لا جديدة , أو يكون في الصنعة نقص من ناحية معينة , فإن حصل اشتراط ذلك برئ الصانع من المسئولية عن ذلك النقص.

стр. 301

جاء في مجلة الأحكام العدلية (م ٣٩٢) إذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة كان المستصنع مخيرا.

стр. 302

بيع الصانع الشيء المصنوع لغير المستصنع يجوز للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع ويرضى به , لأن المستصنع اشترى شيئا موصوفا في الذمة , فإذا صنع له شيئا آخر مستوفيا للشروط المتفق عليها وسلمه في الأجل , فقد أدى ما عليه ولم يخل بالعقد. ولا يجوز ذلك بعد رؤية المستصنع ورضاه بالمصنوع لأن المصنوع تعين بالرؤية والقبول.

стр. 303

إن قام الصانع بصناعة الشيء المطلوب , وقبل أن يتسلمه المستصنع باعه الصانع لشخص آخر أو استهلكه , أو حجزه لنفسه , فللمسألة حالتان: الأولى: أن يبيعه قبل أن يراه المستصنع ويرضى به , فلا بأس بذلك , إن كان يمكنه صناعة الشيء المطلوب وإتمامه قبل أن يحل الموعد المتفق على تسليمه فيه. وذلك لأن المستصنع اشترى شيئا موصوفا في الذمة , غير متعين في هذا الشيء الذي صنعه بالذات. فإذا صنع له شيئا آخر مستوفيا للشروط المتفق عليها وسلمه في الأجل , فقد أدى ما عليه ولم يخل بالعقد. الثانية: أن يبيعه بعد أن رآه المستصنع ورضي به , فليس للصانع أن يفعل ذلك , لأن المصنوع تعين بالرؤية والقبول , ودخل بذلك في ملك المستصنع. وهذا التفصيل كما لا يخفى إنما يجرى في المصنوعات المنقولة المنفصلة عن ملك المستصنع , أما إن كان المصنوع متصلا بملك المستصنع , كالبناء في أرض أو نحو ذلك , فليس للصانع بيعه , لأنه يوجد على ملك المستصنع من أول الأمر فيكون في حكم المتعين.

стр. 304

جاء في الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٤ / ٢١٣) ذكر في كافي الحاكم ما نصه: المستصنع بالخيار إذا رآه مفروغا منه , وإذا رآه فليس للصانع منعه ولا بيعه , وإن باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز بيعه. جاء في البدائع: أما بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع , فكذلك , (أي للصانع الخيار) حتى كان للصانع أن يبيعه ممن يشاء. وقال صاحب الدرر: لا يتعين المبيع للآمر , فصح بيع الصانع لمصنوعه قبل رؤية آمره , ولو تعين لما صح بيعه. وفي الفتاوى الهندية (٤ / ٥١٧) إذا رآه المستصنع ورضيه ليس له الرد بعد ذلك , وللصانع أن يبعه قبل أن يرضاه المستصنع , كذا في التهذيب. وجاء في شرح فتح القدير (٧ / ١١٧) للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع لأن العقد غير لازم , وأما بعد ما رآه فالأصح أنه لا خيار للصانع بل إذا رآه المستصنع وقبله أجبر على دفعه له لأنه بالآخرة بائع والله أعلم. وفي العناية (٧ / ١١٦) لا يتعين المستصنع إلا باختيار المستصنع حتى لو باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز.

стр. 305

الفسخ للأعذار ينتهي عقد الاستصناع عند إتمام صنع الشيء وتقديمه إلى المستصنع , وقبوله له. كما ينتهي العقد بفسخه من أحد المتعاقدين في حالة الظروف القاهرة التي تمنع التنفيذ.

стр. 306

الفسخ للأعذار إذا طرأت بعد انعقاد عقد الاستصناع ظروف قاهرة تحول دون تنفيذه فإنها تكون عذرا يجيز الفسخ , سواء كانت الأعذار من جهة الصانع أو من جهة المستصنع: مثال ما يكون من جهة الصانع: أن يشب حريق يأتي على مصنعه , أو شبت حرب أدت إلى امتناع استيراد المواد الخام التي تدخل في المصنوع ولا توجد في داخل البلاد. ومثال ما يكون من جهة المستصنع: أن يستصنع غرفة نوم لطفله فيموت الطفل أو تستصنع شركة نفط ناقلة نفط عملاقة , ثم تفلس الشركة. فإن كان العذر من جانب الصانع كان المستصنع مخيرا بين الانتظار إلى أن يزول العذر , وبين الفسخ , كما قاله الفقهاء في السلم إذا انقطع المسلم فيه. ويكون حق الفسخ أيضا للصانع , لأن في الاستصناع معنى الإجارة , والصانع بمنزلة الأجير , والأجير يحق له الفسخ أيضا عند العذر القاهر , وذلك لأن الاستطاعة مشروطة في التكليف , لقول الله تعالي ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقول النبي ﷺ L١١٤٩ ١٣٦ ١٣٧ لا ضرر ولا ضرار. أضف إلى هذا أن القول بكون عقد الاستصناع عقدا غير لازم أصلا قول قوي معتبر عند الحنفية الذين أجازوا الاستصناع.

стр. 307

موت أحد العاقدين لا ينتهي عقد الاستصناع بموت الصانع إلا في حالة اشتراط العمل بنفسه أو تكون مؤهلاته ومهاراته الشخصية ملحوظة في العقد.

стр. 308

أثر موت أحد العاقدين على عقد الاستصناع الذين قالوا من فقهاء الحنفية أن عقد الاستصناع غير لازم , جعلوا موت أحد العاقدين سببا لفسخ العقد. والذين جعلوه من قبيل الإجارة منهم جعلوا موت أحدهما كذلك سببا لفسخ العقد , لأن الإجارة عندهم تنفسخ بموت أحد المتعاقدين. لكن جمهور الفقهاء على أن الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين. وهذا أولى , للحاجة إلى استقرار التعامل. ومثله يقال في الاستصناع. وقد جاء في شرح المجلة أنه يبطل الاستصناع بوفاة الصانع أو المستصنع لمشابهته للإجارة وهي تنفسخ بالموت. وعلى هذا القول , إذا مات أحد العاقدين لم يبطل عقد الاستصناع بل يلزم ورثة الصانع إتمام العمل وتقديم المصنوع جاهزا في الموعد , ويلزم ورثة المستصنع أداء البدل النقدي , تماما كما في عقد البيع , وذلك لما قدمناه من أن عقد الاستصناع عقد لازم. وهذا ما لم يكن مشروطا على الصانع أن يعمل بنفسه , أو تكون مؤهلاته الشخصية ومهاراته ملحوظة في العقد , كالخطاط. ففي هذا الحال ينفسخ العقد بموته.

стр. 309

جاء في العناية (٧ / ١١٦) ; وفي شرح فتح القدير (٧ / ١١٦) يبطل الاستصناع بموت أحد المتعاقدين لشبهة بالإجارة. وجاء في حاشية ابن عابدين (٤ / ٢١٣) في النهر: أوردوا على القول بأن الاستصناع بيع أنه يبطل بموت أحد العاقدين , وأجيب بأنه إنما بطل لشبهه بالإجارة. وجاء في الموسوعة الفقهية (إجارة ٧٢) الحنفية يرون أن الإجارة تنفسخ بموت احد المتعاقدين. وذهب إلى مثل ذلك بعض فقهاء التابعين , لأن المؤجر بطل ملكه بموته فيبطل عقده. كما أن ورثة المستأجر لا عقد لهم مع المؤجر , والمنافع المتجددة بعد موت مورثهم لم تكن ضمن تركته والجمهور على أن الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين لأن الإجارة عقد لازم لا ينقضي بهلاك أحدهما ما دام ما تستوفي به المنفعة باقيا. وذكرت الموسوعة المراجع التالية ابن عابدين (٥ / ٥٢) ; المغني (٥ / ٣٤٧) ; وشرح المنهاج (٣ / ٤٨) ; والشرح الصغير (٤ / ١٧٩ , ١٨٣) , وحاشية الدسوقي (٤ / ٣٢) , والبخاري (كتاب الإجارة)

стр. 310

الكفالة

стр. 311

تعريف الكفالة اختلف الفقهاء في تعريف الكفالة أو الضمان: - فمنهم من وصف الكفالة بأنها ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة لتشمل جميع أنواع الكفالة. - ومنهم من وصفها بأنها ضم ذمة إلى ذمة في الدين أو التزام الحق وهذا يقصر معنى الكفالة على الكفالة بالمال أو بالدين. والدين وان ثبت في ذمة الكفيل , فلا يحق لرب الدين إلا استيفاء حق واحد , إما من الكفيل أو من الأصيل. ولا مانع من ثبوت الدين في أكثر من ذمة , لأن الدين أمر اعتباري من الاعتبارات الشرعية , فجاز أن يعتبر الشيء الواحد في ذمتين , وإنما الممتنع هو ثبوت عين واحدة في زمن واحد كهذا الكتاب في ظرفين حقيقيين. وهذا متعذر , لاستحالة وجود الشيء المادي المعين في مكانين متغايرين , فهو إما أن يوجد في هذا المكان أو في مكان آخر.

стр. 312

تعريف الكفالة تشكيل النص تعريف الكفالة في اللغة /٥٠ تطلق الكفالة في اللغة على الضم وعلى الالتزام: تطلق على الضم: كما في قوله تعالى ﴿وكفلها زكريا﴾ بالتخفيف , أي ضمها إلى نفسه , وقرئ بتشديد الفاء ونصب زكريا أي جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها , جاء في القاموس المحيط: والضامن كالكفيل , جمع كفل وكفلاء , وكفيل أيضا. وكفله: ضمنه. وتطلق أيضا على الالتزام: يقال: تكفل بالشيء: ألزمه نفسه وتحمل به , وتكفل بالدين: التزم به , وتكفل فلان لي بالمال , أي التزم به , ويقال: كفل المال وبالمال: ضمنه أو التزمه , وكفل بالرجل يكفل , ويكفل كفلا وكفالة: إذا ضمنه , قال تعالى ﴿فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب﴾ (سورة ص: ٢٣) قال الزجاج معناه: اجعلني أنا أكفلها وانزل أنت عنها. تعريف الكفالة في الاصطلاح الشرعي: يختلف تعريفها باختلاف آراء الفقهاء ولهم اتجاهان في التعريف: الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة مطلقا: الاتجاه الأول للحنفية في الأصح عندهم: هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة مطلقا , أي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المدين في المطالبة بنفس أو بدين , أو عين كمغصوب ونحوه. فالكفيل يضم ذمته إلى ذمة المدين في المطالبة فقط ولا يثبت الدين في ذمته , كما لا يسقط الدين عن الأصيل. ودليل الحنفية: أن الدين وان أمكن شرعا اعتباره في ذمتين , لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب , ولا موجب هنا , لأن التوثق بالدين يحصل بثبوت حق المطالبة. ثم إن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس , مع أنه لا دين فيها , والمضمون بالكفالة بالنفس: هو إحضار المكفول به , وكما تصح بالدين تصح بالأعيان المضمونة. وتعريف الكفالة بما يفيد ثبوت حق المطالبة فيها هو من أجل شمول جميع هذه الأنواع , بخلاف ما لو قصرنا معناها على الضم في الدين , فإنه يراد بها الكفالة بالمال فقط. ويكون تعريف الكفالة بالضم في المطالبة أعم لشموله جميع أنواع الكفالة , وهي الكفالة بالمال وبالنفس وبالأعيان وهو معنى كون تعريفهم لها أصح. أما بالنظر للواقع من أحكام الكفالة , فقد استظهر ابن عابدين أن الفقهاء متفقون على ثبوت الدين في ذمة الكفيل , مع بقائه في ذمة الأصيل , بدليل الاتفاق على صحة هبة الدين والشراء به , فيصح هبة الدين للكفيل , ويرجع به أي بالدين المضمون على الأصيل , ويصح أيضا للدائن أن يشتري شيئا من الكفيل بالدين الذي له. ولو كانت الكفالة ضما في المطالبة فقط بدون دين , لزم ألا يؤخذ المال من تركة الكفيل , لأن المطالبة تسقط عنه بموته كالكفيل بالنفس مع أن المنصوص عليه حتى عند الحنفية هو أن المال يحل بموت الكفيل , ويؤخذ من تركته , وبدليل أنه يجوز أن يكفل الكفيل آخر بالمال المكفول به. الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في التزام الحق ذهب الجمهور من (المالكية والشافعية والحنابلة) : إلى أن الكفالة ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق , أي في الدين , فيثبت الدين في ذمتهما جميعا. ودليل الجمهور: أن الدين يثبت في ذمة الكفيل كما يثبت في ذمة الأصيل ومظهر ثبوته: أنه لو وهب الدين للكفيل تصح الهبة , مع أن هبة الدين لغير من عليه الدين لا تجوز , وللدائن شراء شيء من الكفيل بالدين الذي له , مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح. وتظهر ثمرة الخلاف بين الاتجاهين في التعريف: فيما إذا حلف الكفيل أن لا دين عليه , فإنه يحنث على رأي الجمهور القائلين بأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في الدين , ولا يحنث على رأي الحنفية القائلين بأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة. ومثال الكفالة: أن يكون لزيد دين مؤجل إلى ستة أشهر مقداره ألف دينار عند عمرو , فيطلب الدائن وهو زيد من المدين وهو عمرو توثيق الدين بكفيل ملئ معتبر , فيتقدم له بكفيل يرضى به الدائن وهو خالد فيصبح الدين شاغلا لذمة الكفيل وذمة المدين الأصلي ويحق للدائن مطالبة كل من المدين والكفيل بالدين عند حلول أجله. أسماء الكفالة: فهي كفالة , وحمالة , وضمانة , وزعامة , وقبالة , وتسمى أيضا أذانة من الأذن - بالفتح والتحريك , وهو الإعلام: لأن الكفيل يعلم أن الحق قبله , أو أن الأذانة بمعنى الإيجاب لأنه أوجب الحق على نفسه. ويقال للملتزم بها ضمين , وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير , والكل بمعنى واحد. لكن قال الماوردي غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال , والحميل في الديات , والزعيم في الأموال العظام , وكفيل في النفوس , والصبير في الجميع وتستخدم في الكفالة المصطلحات التالية الكفيل: هو الذي تلزمه المطالبة بالمال الذي على المدين. الأصيل أو المدين: هو المكفول عنه. المكفول له: هو الدائن أو المدعي. محل الكفالة أو المكفول به: هو المال أو النفس المكفولة.

стр. 313

تعريف الكفالة فتح القدير (٥ / ٣٨٩) (هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة , وقيل: في الدين , والأول أصح) . الشرح الكبير (٣ / ٣٢٩) الضمان: شغل ذمة أخرى بالحق. مغني المحتاج (٢ / ١٩٨) الضمان شرعا: يقال لالتزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة (ويقال للعقد الذي يحصل به ذلك) . المغني (٤ / ٥٣٤ - ٥٣٥) الضمان: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق , فيثبت في ذمتهما جميعا. ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما , واشتقاقه من الضم. ولا بد في الضمان من ضامن ومضمون عنه ومضمون له. مراجع إضافية البدائع (٦ / ٢) , البحر الرائق (٦ / ٣٢١) , الدر المختار (٤ / ٢٦٠)

стр. 314

دليل مشروعية الكفالة اتفق المسلمون على مشروعية عقد الكفالة , لما ورد فيها من نصوص القرآن والسنة , وارتقى هذا الحكم الظني بالإجماع إلى درجة القطع واليقين في ثبوته وتقريره , واستقر تفصيل أحكام الكفالة في جميع الكتب الفقهية , وبحث في باب مستقل باسم باب الضمان أو الكفالة.

стр. 315

دليل مشروعية الكفالة تشكيل النص الدليل من الكتاب في قصة مريم قول الله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ (آل عمران: ٤٤) وقوله تعالى: ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا﴾ (آل عمران: ٣٧) وفي قصة موسى قول الله تعالى: ﴿إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله﴾ (طه: ٤٠) وقوله تعالى: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم﴾ (القصص: ١٢) وفي قصة يوسف قول الله تعالى: ﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل﴾ (يوسف ٦٦) ومنها في كفالة المال قوله تعالى: ﴿قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (يوسف ٧٢) أي كفيل ضامن. الدليل من السنة قوله ﷺ : الزعيم غارم. أخرجه أحمد وأصحاب السنة إلا النسائي ومنها: أن النبي أتي بجنازة رجل ليصلي عليه , فقال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا , قال هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران , فقال: صلوا على صاحبكم , قال أبو قتادة هما علي يا رسول الله , فصلى عليه النبي. نيل الأوطار (٥ / ٢٣٧) ومنها: ما رواه قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁: أن النبي ﷺ قال: لا تحل الصدقة إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة , فحلت له المسألة حتى يصيبها , ثم يمسك. (أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي) . فأباح له الصدقة حتى يؤدي ثم يمسك , فدل على أن الحمالة قد لزمته. الدليل من الإجماع: أن علماء الأمة الإسلامية أجمعوا على جواز الضمان أو الكفالة , لحاجة الناس إليها , ودفع الضرر عن المدين. كما أنها نوع من التعاون على البر والتقوى , لذا تكون الكفالة بالنية الحسنة طاعة يثاب عليها فاعلها.

стр. 316

دليل مشروعية الكفالة قال ابن رشد في المقدمات الممهدات (٢ / ٣٧٦) : الكفالة بالمال جائزة في الشرع لازمة في صريح الحكم , وهي من المعروف. مراجع إضافية انظر فتح القدير (٥ / ٣٨٩) , مغني المحتاج (٢ / ١٩٨) , المغني (٥ / ٥٣٤)

стр. 317

الوصف الفقهي للكفالة اتفق العلماء على أن الكفالة عقد تبرع لا معاوضة.

стр. 318

الكفالة من عقود التبرعات لأنها تقع بدون مقابل على سبيل بذل المعروف حيث تؤول إلى القرض حين يدفع الكفيل ويرجع على المكفول بما دفع ولذا يمتنع أخذ العوض عنها. ذلك أنه إذا لم يجز أخذ العوض زيادة عن القرض لأنه من الربا المحرم فكذلك لا يجوز أخذ العوض عن الاستعداد للإقراض عن طريق الكفالة.

стр. 319

الحكم التكليفي للكفالة يستحب الضمان لسائر المسلمين , لأنه من المعونة على الخير.

стр. 320

الكفالة مندوبة لكل من كان قادرا عليها واثقا بنفسه آمنا من التخلف عن الأداء وذلك لحاجة الناس إليها ولما فيها من دفع الضرر عن المدين. وقد أتى النبي ﷺ بجنازة رجل ليصلي عليه , فقال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا , قال هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران , فقال: صلوا على صاحبكم , قال أبو قتادة هما علي يا رسول الله , فصلى عليه النبي.
следующие страницы →